📁 آخر الروايات

رواية لتسكن الي الفصل السادس 6 بقلم يسمينة مسعود

رواية لتسكن الي الفصل السادس 6 بقلم يسمينة مسعود



~ الفصل السادس ~

الفصل غير مدقق لهذا عذرا إن وجد أي خطأ 🥺🙈

:
•♡•
:

"من ظنّ أنهُ رجِعَ مِن دُعائهِ صِفْر اليدَين
فمَا عَرِفَ رَبّه ..
‏- إمّا مُجابٌ
- أو مُدّخرٌ
- أو مدفوعٌ بهِ أذى " ♥️

:
•♡•
:


- سيد عصام يشرفنا حقًا أن نتفضل بطلب يد المصونة إبنتكَ


كلمات حانقة نبس بها زياد متهكمًا مواصلاً سيره، فزفر بضيق أعقب بعدها بتمتمات ساخرة: تبًا، أتت البارحة يريدون أخذها اليوم ، على الأقل فليصبروا خمسين أو ستين سنة قبل عرض غبائهم ذاك


تابع تحركه متجهًا للقاعة الداخلية الخاصة بالضيوف المقربين فقط، شاكرًا الله أنّ المدعوين غادوا مبكرًا فصدقًا بالكاد تحمل مجالسة بعضهم الذين كانوا يلمحون لطلب يد أخته، فإبتسم بحنان على صغيرته تلك شبيهة الزهرة البرية التي إتخذت من أرض قلوبهم غرسًا لها، قطب جبينه عندما أبصر شهد بفستانها الفضي ذاك وقد لفت جزئها العلوي بإسدال بنفس اللون، تدور برأسها بالأرجاء تبدو وكأنها تائهة، فتبسم برجولية مقتربًا منها سائلاً: أتبحثين عن شيئ ما ؟


إستدارت الأخيرة له مفزوعة فهي لم تسمع وقع خطواته متراجعة للخلف قليلاً، فرفع الآخر كفيه مشفقًا عليها مغمغمًا بلين: عذرًا لم أقصد إخافتكِ


إبتلعت الأخيرة ريقها مومئةً بصمت، فأعاد تكرار إستفهامه بلطف: تبدين ضائعة، عن ماذا كنت تبحثين ؟


حمحمت شهد بخجل مجيبةً بإرتباك: كنت..كنت أبحث عن سحر، حتى منى لا أدري أين هي، فقد إختفت فجأة ؟


إبتسم زياد بخفة قائلاً: سحر لم أرها لكنها غالبًا قد تكون مع باقي الأفراد بالقاعة الداخلية فهي خاصة بأهل القصر فقط


فركت شهد كفيها ببعضهما البعض مستفهمةً بحياء: أين...أين أجدها هذه القاعة ؟


كتم زياد ضحكته على ظرافتها تلك كي لا ترتبك أكثر مجيبًا بهدوء: أنا كنت متجهًا لها (مد ذراعه للأمام متابعًا) تفضلي معي


ترددت شهد فشجعها هامسًا: لا تقلقي، إنها بآخر هذا رواق، تقدمي قليلاً فقط


أومئت الأخرى بصمت مشيحةً بوجهها عنه متقدمة للأمام، فتحرك هو بعدها محاولاً أن لا يضحك على خجلها ذاك


وصل للقاعة فأدار مقبض الباب سامحًا لها بالولوج أولاً، فغمغمت بصوت خافت والتورد علاَ وجنتيها: شكرًا


إبتسم برجولية مجيبًا إياها: أهلاً بكِ دومًا


دلفت شهد للقاعة فتجلى لها أفراد قليلين فقط، فإحتارت هل تتقدم للجلوس معهم أو ماذا ؟ ليتهادى لها صوت جوليا الحنون المنادي عليها: تعالي صغيرتي إجلسي بقربي، كنت سآتي للبحث عنكِ أنتِ وأختكِ


تقدمت شهد نحوها متخذةً مجلسًا بقربها على الأريكة فأحاطت جوليا كتفها بحنو ضامةً إياها لصدرها مقبلة جانب رأسها، مستفسرةً: أين هي سحر لم أرها ؟


رفعت شهد رأسها نحو الأخيرة وتبسمت برقة متأملةً وجهها البهي بتقاسيمه الدافئة مجيبةً: لا أعرف، كنت أبحث عنها أنا أيضًا، حسب ما أذكره أنها شعرت بالملل فخرجت للحديقة قليلاً


أومئت لها جوليا بصمت ماسحة بخفة على ذراع الأخرى


إنحنى زياد على أدهم هاتفًا بضيق: شكرًا لكَ حقًا، إختفيت أنتَ ورعد وتركتموني أنا في فمِ المدفع


ضحك أدهم مرددًا بإعتذار: لم أقصد يا زياد إلتهيت مع أحد الأصدقاء بالخارج فقط، وأيضًا لم تكن وحدكَ فمعكَ أبي وجدي وأعمامي


إبتسم زياد بمكر قائلاً: كان عليكَ أن ترى كيف أفحم أبي سيد شريف ذاك، بالكاد تحكمت في الضحك كي لا أنفجر حينها


عقد أدهم حاجبيه سائلاً: هل فتح موضوع شراء أراضينا الخاصة مجددًا ؟


ضحك زياد هازًا رأسه بالنفي موضحًا: بل الأسوء، طلب من أبي أن يتقدم لخطبة سحر لإبنه ذاك ؟


تغضنت ملامح أدهم مستفهمًا بتهكم: ماذا !! سحر سلطان تخطب لذلك المدلل، إبنه هو أساسًا لا يفرق بين اليمين واليسار ، فكيف يفكر أن يزوجه


ضحك زياد بشدة متحدثًا من بين أنفاسه: تبًا، أعجبتني فكرة أنه لا يفرق بين الإتجاهات


إرتشف أدهم من شايه مجيبًا بعدها: لم أكذب، هو مدلل يعتمد على أبيه في كل شيئ وشخصيته ضعيفة جدًا ، أستغرب كيف تجرأ السيد شريف على التطرق لهذا الأمر مع أبي أساسًا


وضع زياد كفيه بجيبي بنطاله مغمغمًا: لا تقلق، أبي بدوره لم يقصر في الرد عليه هو وأشكاله، كان يفحم الجميع برد واحد حين يتطرقون لنفس الموضوع


قطب أدهم جبينه واضعًا فنجان الشاي على الطاولة بجانبه مستفسرًا: ماذا قال بالضبط ؟


تبسم زياد برجولية غامزًا لأخيه مجيبًا بفخر: يجيب بقول واحد وهو " لم يولد بعد الرجل الذي يكون أهلاً لأزوجه إبنتي وأميرتي "


رفع أدهم حاجبه هاتفًا بضحكة خفيفة: قوي جدًا يا عصام، كعادته أبي يقصف ولا يبالي


قهقه زياد بعدها هازًا رأسه مردفًا: كان عليكَ أن ترى كيف تتغضن ملامحهم بعد رد أبي، صدقًا كنت ستتلوى من الضحك


تنهد أدهم بخفوت مهمهمًا بضيق: يستحقون ذلك، يتهافتون وكأن سحر هي الفتاة الوحيدة المتاحة للزواج

:
•♡•
:

- ماذا يحدث هنا ؟


إستدار الإثنان لصاحب الصوت فلمحا رعد مقتربًا منهما ومحياه قد توشح بالحدة والغضب، حيث رفعت سحر حاجبها متمتمة بسرها بتهكم: ها قد أتى المتبجح الآخر ، رائع حقًا ، هذا ما كان ينقصني الآن


إبتلع الشاب ريقه مجيبًا بحرج: فقط كنت أسلم على الفتاة


إقترب منه رعد ببطئ وقد إزدادت شراسة ملامحه وإسودت مقلتاه أكثر قابضًا تلابيبه شادًا إياه بعنف مما أربكَ الآخر ، حيث هسهس من بين أسنانه محاولاً التحكم في أعصابه قدر المستطاع: منذ متى ومحارمنا يتم إلقاء السلام عليهنّ أيها اللعين، ألا تعلم أنّ نساء آل سلطان ممنوع أن يتم النظر لهنّ ولو بربع نظرة، فما بالك أن تتجرأ وتحدثهنّ


إبتلع الشاب ريقه محاولاً تجنب أي شجار مع رعد وإفتعال المشاكل مع هذه  الأسرة، مرددًا بهدوء مصطنع: حسنًا إهدأ، الأمر لا يحتاج لكل هذا الغضب يا رعد


توسعت عيني الأخير على وقاحته فقبض على ياقته أكثر ليحاول الآخر إبعاد كفيه عساه يتنفس، فهدر رعد بحنق أعمى: تقترب من نسائنا وبعدها تطلب مني أيها السخيف ألا أغضب، إسمعني جيدًا ، لو فكرت بل مجرد التفكير فقط أن تمشي في الطريق الذي تسير فيه أحد محارمنا، قسمًا بالله سيكون دمكَ حينئذٍ حلالاً، هل فهمت ؟


أومئ الآخر بفزع مجيبًا بتلعثم: حسنًا..حسنًا لقد فهمت، أنتَ ستخنقني الآن


دفعه رعد بقوة فتقهقر الآخر للخلف بضع خطوات محاولاً التنفس بوتيرة طبيعية، فأشار له رعد بكف يده بحدة قائلاً: أظنّ أنّ الحفلة قد إنتهت، غادر الآن وتجنب غضبي


إبتلع الشاب ريقه متحركًا بخطوات سريعةً محاولاً لملمة كرامته كي لا يهان أكثر


إستدار رعد نحو سحر لتلتقي مقلتاهما بصمتٍ، فإلتحمت لاَزوردَ السماء بضلمةِ الليلِ ، حيث ناظرته الأخيرة بإستخفاف لتتحرك متجاهلةً إياه، إلا أنّ صوته الجهوري أوقفها: إنتظري


زفرت الأخيرة بضجر ملتفتةً نحوه وقد توشح محياها بتقاسيم التهكم مرددةً: تفضل سيادتكَ


جز الأخير على أسنانه من وقاحتها فإتخذ بضع خطوات نحوها هامسًا بخفوت حاد: سأعتبر نفسي أنني لم أرى ما حدث قبل قليل


عقدت الأخيرة حاجبيها بإستغراب، فغمغمت ببرائةٍ مصطنعة حملت بثناياها كل معاني السخرية: حقًا !! لماذا هل لديكَ إشكال ما في الرؤية ؟


تقبض على جانبه محاولاً لملمة شتات أعصابه كي لا يرتكب شيئًا يندم عليه لاحقًا، صدقًا هي كتلة إستفزاز، فهدر في وجهها: حركات بنات الأحياء الشعبية هذه أتركيها خارج أسوار القصر، وبما أنكِ أصبحت فردًا منا الآن تصرفي بناءًا على هذا الأساس


عضت سحر على شفتيها كي لا تمسح بكرامة هذا اللعين الذي تجرأ على الصراخ في وجهها ساحة القصر والساحات المجاورة أيضًا، فوضعت يديها خلف ظهرها مجيبةً ببسمة مستفزة: جيد أنك تعلم أنني لم أتربى وسط الطبقة الأستقراطية العفنة كالتي تربيت فيها أنتَ


تشنج فكه غضبًا مردفًا: إنتبهي لكلماتكِ جيدًا كي لا أقصه لكِ يومًا(فدنى أكثر متابعًا) و هذه آخر مرة أراكِ تقفين مع شاب غريب، نساء آل سلطان لا يقمن بهذا أبدًا، و إن كنتِ معتادةً على فعل هذا سابقًا، فأنتِ الآن إبنة عائلة عريقة معروفة إحترمي ما أصبحتِ عليه الآن


تغضنت ملامحها وإهتاج الحنق بداخلها، خاصة مع إتهامه السافر بأخلاقها، فرفعت كفها محاولة صفعه إلا أنّه كان سريعًا وفطنًا لحركتها تلك، فقبض بخفة على رسغها على بعد إنشات من خده، ليدير ذراعها خلف ظهرها جاذبًا إياها لترتطم بصره هادرًا من بين أسنانه وقد بلغ غضبه أوجه: حاولي مرة أخرى رفع يدكِ اللعينة هذه وسأقطعها لكِ


حاولت تحرير يدها منه إلا أنّه ثبتها أكثر ضاغطًا على رسغها بقوة أكبر موقفًا حركتها مسببًا لها ألمًا بيدها، غير أنّها تحاملت عليه هاتفةً من بين أسنانها بشراسة لبؤة: صدقني سأفعلها مرة و إثنان وألفًا، من هم أمثالكَ هذه هي الطريقة المناسبة للتعامل معهم


إسودت عيناه أكثر وقد تأججت النيران بأعماقه بدرجة أكبر هامسًا بحدة: لسانكِ هذا إلجمي سمه أحسن لكِ ولنا جميعًا، لأنني لن أسكت طويلاً


رفعت سحر كفها الآخر بغية ضربه إلا أنّه أفلح في القبض على رسغها الآخر مجددًا مزمجرًا بغضب: لكي تكرري نفس الفعلة خلال ثواني معدودةٍ ومعي أيضًا هذا يشير لشيئين فقط، إما أنكِ غبية جدًا أو جريئة جدًا


أرادت سحر إبعاد نفسها عن هيمنته وقد تملكها الإستهجان من قربه هذا، فرمقته بحدة متأملةً ضلام عيناه الذي أعاد لها ومضات من حلمها ذاك مجددًا، فنفضت تلك الذكرى مجيبةً بسخرية: أيهما تفضل يا ترى ؟


صفن يتأمل لازوردها الذي تمازج مع سواد الكحل لينحني عليها قليلا مهسهسًا بكراهة: أكره الفتيات الغبيات


أصدرت سحر تشه ساخرة لتعقب بعدها بتهكم صريح: جيد لأنني صدقًا لا أنتمي لهن (فضربته على قدمه بقوة بغية إبعاده متابعة) وإن كنت تتوقع أنني سأهابكَ مثل باقي أفراد الأسرة فللأسف أنتَ واهم


إبتعد رعد بضع خطوات للخلف محررًا ذراعيها من قيد كفيه بعد أن إنتبه لوضعهم الغريب، مستغفرًا اللّه في سره محاولاً لملمة أعصابه فهذه اللعينة بدأت تخرجه عن طورهِ منذ الآن، فهدر بها مكتفيًا من جداله معها: ستلتزمين بالقوانين مثل الجميع، أنتِ وشقيقتكِ تلك، وأي خطأ سيكون له عواقب وخيمة


تخصرت سحر بضجر فهذا المتبجح يثير زوبعة أعصابها حقًا، فهي ليست ممن يتم إلقاء الأوامر عليهم، فأجابت بعناد مستفز مع بسمة بلاستيكية: هناك مثل يقول أنّ القوانين وضعت أساسًا ليتم خرقها يا عبقري زمانك


هم رعد بالحديث إلا أنّ صوتًا جهوريًا قاطعهما: ما الذي يحدث هنا ؟


وجها الإثنان نظرهما لصاحب الصوت، فتجلى لهما جدهما واقفًا مراقبًا لحركتهما وكأنّه يدرس الوضع، تأملته سحر بشموخه الذي تمازج كليًا مع ذلك البرنوس الرجالي التقليدي الذي زاده هيبةً ووقارًا، مجيبةً بضجر: لا شيئ يا جدي، كنت أقوم بإعطاء درس لحفيدكَ هذا فقط


إشتعلت عيني رعد جازًا على أسنانه، في حين أنّ جدها قد رفع حاجبه متفاجئًا من قولها فهي الوحيدة التي وقفت هكذا أمامه بكل عنفوان شرس، فأومئ ببطئ مستفهمًا منها بهدوء: هل أزعجكِ في شيئ كي أقتص لكِ منه ؟


تغضنت ملامح رعد موثرًا الصمت فجده يدرك جيدًا أنّه لم يكن يومًا ليتجاوز حده مع أي من أفراد  الأسرة خاصةً مع نسائها، لترفرف فراشات السعادة بقلب سحر على إهتمام جدها فوجهت نظرها مجددًا لرعد محدقةً به بطريقة مستفزة مجيبةً بتهكم: لا تقلق يا جدي لن يجرأ على ذلك، أستطيع إيقافه هو وعشرة أمثاله


تقبض رعد على جانبه رامقًا إياها بحدة مهسهسًا بحنق: لسانكِ يومًا ما سأقصه يا فتاة لهذا إلزمي حدكِ


هزت سحر رأسها ببراءة مصطنعة مغمغمةً بتهكم صريح: يجدر بكَ أن تتوقاني يا سليل آل سلطان


- حسنًا توقفَا الآن


كلمات نبس بها جدهما بضيق مشيرًا لرعد بكف يده متابعًا: وأنتَ يا رعد إذهب لشأنكَ ودعني معها


إبتلع رعد لسانه متحركًا للأمام مارًا بجانبها فوصله تمتماتها الساخرة: كأنّها سكنت به قبيلةً من الجن


أغمض عينيه متابعًا سيره متجاهلاً سخريتها اللعينة تلك، حاثًا نفسه بالصبر وأنّ لا يستدير لها ويقتلها دافنًا إياها بأرضها


رمقها جدها بنظرات مبهمة فغمزت له سحر بضحكة حلوة هامسةً: أعجبني حقًا إنصافكَ يا جدي، إزددت حبًا لكَ الآن


تحكم جدها بملامحه الجادة الرزينة كي لا يضحك مستفهمًا بهدوء: ما الذي حدث مع رعد، لأنني أدرك طبيعة حفيدي جيدًا، لم يكن يومًا ليخرج عن طوره هكذا


تنهدت سحر بخفوت مقتربةً من جدها قابضةً على ذراعه بحب، في حين أنّه توسعت عيناه على جرأتها لتجيبه بتوضيح بعد أن مدت كف يدها مشيرة له بالسير: حسنًا يا جدي العزيز، كل ما في الأمر أنني خرجت قليلاً لأتنفس بالحديقة وهناك شاب ما إخترق خلوتي و أراد الحديث معي، وعندما لمحنا حفيدكَ المبجل ذاك أتى متهجمًا، فهرب شاب فارًا بجلده من تيارات غضبه و بعدها أفرغ شحناته السلبية بي أنا


تحرك جدها معها يمشي بمحاذاتها وهي التي كانت عاقدة ذراعها بذراعه تمسح بكفها عليه بخفة مركزًا مع كلماتها فتوقف رامقًا إياها بصرامة مستفهمًا: وماذا كان يريد ذلك الشاب منكِ، ومن هو أساسًا كي نتعامل معه ؟


تلاعبت سحر بخيوط برنوسه ذات اللون الذهبي مجيبةً بهدوء: كأي شاب سخيف آخر أراد التعرف، أما عن أصله وفصله فلم أطلب منه بطاقة هويته كي أعرف هذا يا جدي


أطبق جدها على شفتيه مانعًا نفسه من الإبتسام، فصدقًا كلماتها ظريفة، فهتف مجددًا: وأنتِ كيف كان ردكِ عليه ؟


رفعت سحر عينيها متأملةً محياه المهيب الحازم وتقاسيمه الرجولية القاسية، هذا يفسر لماذا باقي رجال العائلة يمتازون بنفس المميزات فكلهم لهم تلك النظرة الحادة التي هي مزيج من كل معاني الرجولة الفذة، فواضح أنّهم ورثوا هذا من جدها و الذي توشحت مقلتاه بعاطفة الجد الجياشة ، لتبتسم بمودة ، فرفعت حاجبها بمكر مستفهمةً بسؤال مماثل: كيف يكون رد إحدى فتيات آل سلطان يا ترى ؟


إرتفعت زاوية شفتاه بإبتسامة مغمغمًا بوقار هادئ: هذا ليس جوابًا لسؤالي ؟


بادلته سحر نفس الإبتسامة مرددةً: مع كل إحتراماتي لكَ يا جدي، لكن ألا ترى أنني لست أنا من تسأل هكذا سؤال ؟


رفع جدها حاجبه قائلاً: أجبتِ سؤالي بسؤال آخر


تلاعبت ضحكة حلوة على ثغر سحر مردفةً: سؤالكَ يستفز جانب اللبؤة بداخلي يا جدي


قهقه الأخير على مراوغتها وذكائها في الآن ذاته فهي تريد كسب الموقف بمكر أنثوي جذاب، فتابع مسيره لتشاركه هي نفس الأمر قائلاً بعدها: إبن عمكِ معه حق، نساءنا وفتياتنا خط أحمر، والجميع يدرك جيدًا هذه الحمية التي بدمائنا لهذا الكل أصبح يتوقى هذا الجانب منا حريصين أن لا يتم إستفزازنا فيه، قد تستغربين لكن نحن نولي للإناث عنايةً خاصة جدا لم تصل لها باقي الأسر بالبلد


ناظرته سحر بفخر متحدثةً: هذا ينم عن حكمة وذكاء كبير يا جدي، كأنكَ تقول إصنع فتاةً مسلمةً بحق وهي ستصنع لكَ بعدها جيلاً بألفِ رجل


أومئ لها بهدوء رامقًا إياها بطرف عينه قائلاً: يعجبني ذكائك حقًا


ضحكت سحر برقة هاتفة: الأمر لا يحتاج لذكاء يا جدي، هذا هو المنطق لأن المرأة هي أساس الأسرة القويم وبالتالي نهضة الأمة يكون من خلالها، لهذا من أراد حقًا أن يصلح الجيل فعليه أن يولي عنايةً خاصةً بها


ناظرها جدها بزهو حقيقي متسائلاً: هل تسائلتِ يوماً لأي عشيرة تنتمين ؟


قطبت سحر جبينها هازة كتفيها بجهل مجيبةً: حقيقةً لا  علم لي، ولم أدقق في الأمر سابقاً


ربت جدها على كفها الحاضن لذراعه مجيبًا: تعلمين أن بلادنا تحتوي على عدة عشائر أو بمفهومها المحلي عروش كما يقال، نحن أيضاً ننتمي لإحداها


أومئت سحر بتفهم وقد دلفت للقصر معه مهمهمةً: نعم ، نحن لسنا أمازيغ أليس كذلك ؟


إبتسم جدها بحنو مجيبًا: لا لسنا كذلك، نحن عرب حقيقيين يعني لسنا مزيج، بل دمائنا عربية مئة بالمئة


قهقهت سحر بحلاوة متسائلةً بفضول: هيا أخبرني لمن أنتمي، تشوقت حقًا لمعرفة هذا


توقف جدها ببهو القصر ماسحًا على وجنتها بعطف مرددًا: مرةً أخرى سنجلس وأشرح لكِ كل شيئ كوني صبورة ، والآن سأرتاح قليلاً بغرفتي قبل أن يأذن العصر


همست سحر بتفهم: حاضر، قريبًا سنجلس مع بعض ونتحدث براحتنا أفضل


ربت على رأسها بحنو، صاعدًا أول درجتين فتوقف حينها بعد أن نادته سحر: جدي


حيث إستدار لها الأخير وقد توشح وجهه تقاسيم التسائل، في حين أن سحر تنهدت بهدوء مغمغمةً بطمئنةٍ: أريد أن يكون بالكَ مرتاح و مطمئنًا من جانب أختي شهد، اللّه يشهد أنني أقول كلمة حق، شهد ربيتها على يدي هي نقية كثيرًا وذات خلقٍ عظيم حقًا وتخشى اللّه في كل شيئ، رجاءًا نم قرير العين


رفع جدها حاجبه مستفهمًا بسؤال مبطن: لماذا هذا الكلام بنيتي، لقد وافقت على قدومها إذًا الموضوع أغلق


رق محياها مجيبةً بتوضيح: أعلم أن موافقتكَ كانت فقط لأجل والدتي كي تضمن لها بقائي هنا و أن لا تزيد من نزف جراحها، وكذلك أبي كي لا ترى الخذلان بعيناه، لهذا أبديتَ قبولكَ لأختي شهد، لكن لو كان الأمر بيدكَ لما وافقت لأنّها غريبة عن  الأسرة


إستدار الآخر بكليته لها مضيقًا عينيه كأنه يقوم بسبر أغوارها وقد كسى وجهه الغموض مستفهمًا بهدوء: لو نفذت أخر جملة من حديثكِ هذا هل سأكون ضالمًا و مخطئًا يا ترى ؟


تبسمت سحر بعاطفة محبة، مجيبةً بصدق: أبدًا، رفضكَ لدخول أي فتاة غريبة وسط أحفادكَ الذكور هو زينة العقل يا جدي، لا أحد يستطيع لومكَ في هذه النقطة، فأنتَ هنا حرصت على حفظ الجميع من مغبات قد تحدث مستقبلاً، تشمل تهور الشباب خاصة إذا كانت الفتاة مستهترة، لم تكن لتكون ضالمًا أبدًا، أنتَ ببساطة منصفًا حكيمًا


أومئ لها جدها ببطئ وقد مر بريق إعجاب خاطف بعيناه مرددًا بهدوء: لا تقلقي بنيتي لدي خبرة طويلة في دراسة شخص من عيناه وحركاته فقط وبعدها أقيم شخصيته، وأختكِ ما شاء الله البراءة تشع من عيناها لهذا جانبي مطمئن من ناحيتها، لا تحملي همًا


تنهدت الأخيرة براحة قابضة على كف جدها مقبلةً ظهرها هامسة: رعاكَ الله يا جدي أثلجت صدري حقًا


تبسم بحنو مهمهمًا بخفوت: والآن سأرتاح يا صغيرة


غمغمت الأخرى بهدوء: تفضل



:
•♡•
:


دلف رعد لغرفته نازعًا ربطة عنقه بضيق محاولاً لملمة أعصابه بسبب تلك المخلوقة المستفزة التي أخرجته عن طوره، ليرمي ربطته على السرير فوقعت على الجانب الأيمن منه، ذلك الجانب اللعين الذي يبعث له ومضاتٍ من ذكرى كانت له حلوى بطعم السكر، رن هاتفه فجأةً موقفًا إياه عن هذيان عقله، فجز على أسنانه بعد أن عاد لأرض الواقع محررًا روحه من سخافة الذكريات، فأجاب بحنق: ماذا تريد الآن ؟


رفع أدهم حاجبه مجيبًا: ما خطبكَ يا رعد هل أنتَ بخير ؟


زفر الأخير بضيق متسائلاً: هل إتصلت بلعنتي لتسألني هذا السؤال التافه يا أدهم أو ماذا ؟


مط أدهم شفتيه مجيبًا وهو يتأمل زياد الذي كان جالسًا بجانب خالته عطاء مستفزًا إياها بمناغشاته، قائلاً: لا يا بني آدم فقط إستغربت غضبكَ وأنتَ لم تكن لتغضب هكذا ، هل حدث لكَ شيئ أزعجكَ ؟


تنهد رعد ماسحًا بكف يده على صفحة وجهه فأكيد لن يخبره عن رؤيته لإبنة عمه وأخته هو بذلك الموقف اللعين وما تلاه بعدها من خلاف، فغمغم: لا شيئ مهم لا تقلق، أخبرني ماذا تريد ؟


زم أدهم شفتيه بعبوس مفضلاً الصمت وعدم الضغط عليه فهو يدرك طبيعة إبن عمه الكتومة الغامضة ، فأردف بهدوء: خالتيْ تريدان أن تسلما عليكَ، هلا تكرمتَ وأتيتَ


زفر رعد فاتحًا أزرار قميصه العلوية مجيبًا: حسنًا سأنزل


أغلق أدهم المكالمة ، حيث تجلى له دخول أخته سحر فرق محياه بعاطفة أخوية تدفقت في شرايينه متأملاً جمالها وجاذبيتها المشعة والتي كانت تجول بنظراتها باحثة عن أختها شهد، لتسترخي ملامحها بعد أن لمحتها بحضن أمها


فهتف زياد بترحيب مستفز: سحر أهلاً، أتعلمين أمرًا عندما لمحتكِ قادمةً ظننتكِ بِطريق صغير وعندما إقتربت أكثر تأكدت أنكِ قزمة قصيرة، لا أقصد الإهانة طبعًا


دنت سحر مجيبةً بإبتسامة مصطنعة: سبحان اللّه وأنا كذلك أيضًا، عندما لمحتكَ من بعيد ظننتكَ عامود إنارة لكنني عندما إقتربت أكثر للأسف لازلت كذلك، لا أقصد الإهانة طبعًا


إنفجر أدهم ضاحكًا فشاركته كل من أمه وخالتيه، في حين أطبقت شهد على شفتيها محاولةً لملمة ضحكتها كي لا تصدح بالأجواء، فعبس زياد مغمغمًا بضيق: قزمة غبية أم لسان طويل


إقتربت سحر من مجلس أمها وأختها فقبضت على الكأس الذي كان بين كفي أختها محاولةً نزعه، إلا أنّ شهد تمسكت به أكثر رافضةً تركه، فهسهست سحر مهددةً: أتركي الكأس يا شهد قبل أن أفقد صبري


زمت الأخيرة شفتيها نافية برأسها متمتمةً: لا، أتركيه هو لي ، إذهبي وأحظري لكِ واحدًا آخرًا


رفعت الأخرى حاجبها بتهكم مرددةً: تمزحين أليس كذلك ؟


تنهدت جولياx قائلة بهدوء: دعي شقيقتكِ يا سحر، أحظري لكِ كأسًا آخر يا إبنتي


توسعت عيني سحر بإنشداه مجيبةً بضيق: أي كأس يا أمي، هذا مشروب غازي وهو مضر لها، لقد منعها الطبيب سابقًا من تناولها


قوست شهد شفتيها كي تستميل جوليا هاتفةً بمسكنة: كلها كأس واحد يا أمي، لقد إشتقت لهذه المشروبات كثيرًا


رقت تقاسيم جوليا قارصة خدها قائلة: لابئس صغيرتي بما أنّه كأس واحد فقط، إذا كان الطبيب منعه عنكِ فقللي منها فقط


فغرت سحر فاهها ضاربةً الأرض بقدمها مردفةً برفضٍ صريح: أمي بالله عليكِ، ممنوع منعًا باتًا، لا كأس ولا قطرة رجاءًا هذا مضر لها


إندست شهد بحضن جوليا طالبةً حمايتها من بطش سحر فأحاطت الأخيرة كتفها بذراعها تضمها لها، في حين أنّ الأخرى ترتشف المشروب بإستفزاز غامزة لها بشقاوة، حيث أردفت والدتها بحزم أمومي: لا تجادليني يا سحر، أنا أمها حاليًا وكل شيئ سيمر عبر موافقتي فقط، حتى أنتِ لا دخل لكِ بها بعد الآن، هل نسيتي أنني ربيت عدة أطفال ؟


زمت سحر شفتيها عاقدةً ذراعيها على صدرها مجيبةً: أمي لكنه مضر لها، يحتوي على كمية غازات كبيرة تسبب سوءًا للجسم، وأيضًا سابقًا عانت كثيرًا منها لهذا قد منعها الطبيب عن شربها


تراقصت بسمة حلوة على شفاه شهد مغمغمةً: أمي جوليا سمحت لي، لهذا أنتِ تنحي جانبًا يا سحرور


همت سحر بنزع الكأس منها إلا أنّ كف والدتها أوقفها مرددةً بصرامة: إبتعدي عن إبنتي، وأنا حاليًا سمحت لها بشرط أن لا تكثر منه وفي فترات متباعدة، لهذا دعيها قبل أن أقف لكِ


فغرت سحر فاهها مستفهمةً بإستغراب: هل أنتِ معها ضدي يا أمي ؟

أومئت لها أمها بإستفزاز قائلةً: نعم أنا كذلك


قهقهت شهد برقة على عبوس أختها الظريف، فتراجعت بعد أن رمقتها بحدة بما معناه أن حسابها عسير بعدها


تغضنت ملامح شهد هامسةً بخفوت: عندما أصعد للجناح ستتجبر علي يا أمي جوليا، أنتِ لا تعرفينها ستضل تتحين لي الفرصة حتى تعاقبني


قهقهت جوليا بحنان ترمق سحر التي ناداها أدهم لتجلس بجانبه، فإستفهمت بلطف: هل هي قاسية معكِ يا شهد صارحيني ؟


رفرفت شهد برمشها عدة مرات موجهةً بصرها حيث أختها التي جلست بجانب أخاها الأكبر تتحدث معه، فرق محياها مجيبةً بصدق: أبدًا والله، سحر حنونة جدًا وفي غاية الطيبة، لم تكن يومًا قاسيةً علي، بل بالعكس هي من كانت تدافع عني عندما كانت أمي سابقًا تقرر معاقبتي


تبسمت جوليا بفخر على إبنتها، فتابعت شهد تتحدث بحماس متناسية نفسها فهي عندما يتطرق الحديث عن أختها يتلاشى أمامها كل شيئ مسترسلةً: هي فقط تحب مصلحتي أدرك ذلك جيدًا، تضل تنصح مرة وإثنتين وثلاثة، ولطالما سهرت فوق رأسي عندما كنت أمرض خاصة بعد وفاة والدي ( عم الحزن قلبها وقد تجلى ذلك في ملامحها قائلة) حتى أنها لم تملك الرفاهية للحزن عليهما ورثائهما براحتها فقد كانت تكابر وتكتم حزنها لأجلي فقط لأنني عانيت تلك الفترة كثيرًا وهي تحملت كل شيئ حتى ما فعله عمي وإبنه معها يوم الجنازة وما يليه


ترقرقت عيني جوليا بألمٍ كبير مزق فؤادها على ما عناتاه بنتاها، فإبتلعت غصتها مستفهمةً بصوتٍ متهدج: ما الذي فعلاه معها لم أفهم ؟


تنبهت شهد لما قالت فمسحت بسرعة دمعة كانت قد إنسابت على وجنتها، مجيبةً بصوت هارب: لا شيئ يا خالة، أمر قد حدث وولى الزمن عنه


تسلل القهر لقلب جوليا و قد أحست برماح الأسى تخترق روحها، ففضلت الصمت الآن كي لا تعيد لها وجع الذكريات الماضية، حيث حضنتها لاثمةً أعلى رأسها ماسحةً بحنان على ذراعها علها تبثها كل شرارات الأمن والأمان

:
•♡•
:

زفرت نور متحركةً بخطواتٍ حذرةٍ حاملةً بين يديها صينية الكؤوس الفارغة متجهةً بها نحو المطبخ، فتقابلت مع سارة التي كانت متحركة نحو السلالم فغمغمت نحوها آمرة :

- هاي أنتِ حضري لي مشروبًا ساخنًا وأحضريه لغرفتي


أومئت لها نور بهدوء مجيبةً بحسنًا، فتجاهلتها الأخيرة متابعةً صعودها، لتتحرك نور نحو مقصدها متمتمةً بضيق: كعادتها متعجرفة


نزل رعد درجات السلم فتقابل مع سارة التي برقت عيناها للقياه، متأملةً وسامته الطاغية و جاذبيته الفذة فهو يشع رجولةً وكاريزما قوية، يشدها نحوه بكل عنفوان دون أن يبذل أي مجهود في إستدراج الأنثى له ، فتبسمت مسلمة عليه: مرحبًا


ناظرها بجمود كعادته مومئًا لها بصمت متابعًا نزوله، فعضت الأخيرة شفتيها بسعادة فيومًا ما سيميل لها ويتخلى عن جموده هذا معها، فتوقف الأخير بغتةً مستديرًا لها ليعاود صعوده نحوها وقد توشح محياه الغضب وإحتدت تقاسيمه أكثر، فرفرفت الفراشات بقلبها كعادتها كلما تقابلت عيناها معه، فهسهس من بين أسنانه: حسب ما أتذكر أن هناك نظام معين يجب عليكن إتباعه أليس كذلك ؟


إبتلعت سارة ريقها مومئة بإيجاب مهمهمةً: نعم

فأردف بعدها: إذًا لماذا لا تتبعن ما أخبرناكن به ؟


عقدت الأخيرة حاجبيها متسائلةً بإرتباك: لم..لم أفهم ؟


أشار لها رعد بكفه مجيبًا بحدة أكبر وترتها: لعنة ملابسكِ هذه ..منذ متى ونساء آل سلطان يرتدين مثل هذه الثياب ؟


أنزلت سارة نظرها لملابسها التي كانت عبارة عن سروال جينز أزرق ضيق وبلوزة بكمين طويلين بقماش الساتان الأبيض لحد الوركين مع وشاح بنفس اللون موضوع على رأسها مع ظهور بعض خصلات شعرها، فهتفت بتلعثم: مابها ملابسي ؟


تنهد الأخير محاولاً تمالك أعصابه مجيبًا: هل هذه لباس فتيات  أسرة آل سلطان، ألم نقل أن السراويل ممنوعة، هذه آخر مرة أنبهكِ لهذا الأمر، هناك أبناء عمكِ بالقصر إرتدي شيئًا محترمًا، أو سأكلم عمي فؤاد بنفسي


أومئت سارة بسرعة رهبة وسعادة مرددةً: حسنًا لن أكررها يا رعد


تنهد الأخير مبعدًا بصره عنها نازلاً للأسفل مجيبا على هاتفه الذي أعلن عن إتصال ما ، فقهقهت الأخيرة بفرحةٍ عارمة عمت قلبها فيبدو أنه يغار عليها


:
•♡•
:


دلفت نور للمطبخ واضعةً الصينية على الرخام متمتمةً بحنق: لا أعرف على أي أساس تتعالى على البشر تلك اللئيمة


جففت والدتها الصحن واضعةً إياه بمكانه، فإستفهمت من إبنتها دون النظر لها: من هي هذه اللئيمة يا إبنتي ؟


زفرت نور بضجر مجيبةً: من غيرها، طبعًا سارة تلك، تتحدث معنا دومًا بتكبر وكأننا حشرات أمامها


تنهدت حنان هاتفةً بعتاب: كل مرة تكررين هذا الكلام يا نور، دعكِ منها وإهتمي بعملكِ فقط بنيتي


تململت نور محضرةً كأسًا جديدًا صابةً فيه مشروب يانسون ساخن مردفةً: من يسمعكِ تقولين هذا يا أمي سيعتقد أنني أتربص بها هائمةً في حبها تلك المغرورة


هزت والدتها رأسها متابعةً عملها بصمت، فغمغمت نور متسائلة: أمي بالله عليكِ لماذا تقفين تغسلين الصحون، هذا ليس من إختصاصكِ أنتِ مهمتكِ الإشراف فقط على الخادمات كما قالت الخالة جوليا


أجابت والدتها بهدوء: شعرت بالملل فقط وأنا جالسة، فقررت مساعدة باقي الخادمات علني أشغل نفسي يا بنتي، وأيضًا بهذه المناسبة التي تخص السيدة جوليا لا أحبذ أن أشرف فقط لابئس في المشاركة قليلاً فدينها كبير في رقبتنا


وضعت نور الكأس على صينية صغيرة مردفةً: سآخذ المشروب لتلك المتعجرفة، واضح أن الصداع أصابها بعد أن أخذت سحر الأضواء منها هي وشقيقتها شهد فقد كانتا في غاية الجمال حقًا


ناظرتها أمها بعتاب زافرة بحنق، فوضعت نور صينية مجددًا مقتربةً من والدتها مقهقهةً بعد أن تذكرت شيئ ما قائلةً: أمي إحزري ماذا رأيت قبل قليل ؟


رمقتها أمها بطرف عينها مستفهمة بفضول: ماذا يا ترى ؟


كتمت نور ضحكتها موجهة بصرها لباقي الخادمات اللواتي كنّ منهمكات في ترتيب المطبخ، مجيبةً بخفوت: رأيت سحر مع رعد في الحديقة الخلفية قرب قاعة الرجال، وواضح أنهما كانا يتشاجران ؟


عقدت حنان حاجبيها مرددةً بإستغراب جلي: يتشاجران !! هل أنتِ متأكدة ؟


تبسمت نور بحماس متحدثةً: نعم واللّه، لم أعرف سبب الشجار بالضبط فقد أبصرتهم من نافذة مكتب الجد بعد أن أوصاني بغلق النوافذ صباحًا وأنا نسيتها


تمتمت والدتها بتعجب: غريب ليس من عادة رعد الشجار مع فتيات  الأسرة


ضحكت نور بشدة واضعة كفها على ثغرها محاولة التماسك فهمست من بين أنفاسها: هذا أول مرة أراه متحفزًا هكذا، بل كان عليكِ أن تري كيف كانت سحر ستصفعه لكنه أوقفها


إستدارت لها والدتها وقد توشح محياها بالصدمة متسائلةً بإنشداه: تصفعه !! ورعد أيضًا !!


أومئت لها نور بضحكة خفيفة قائلة: نعم يا أمي، رعد آل سلطان بجلالة قدره كان سيصفع ومرتين أيضًا من إبنة عمه الجديدة، صدقًا كانت سحر شرسة معه جدًا أخرجته عن طوره وطبعه البارد


تنهدت حنان عائدة لعملها مغمغمة: أتمنى أن لا يقع خلاف بين رعد وعصام، هذا سيكون سيئًا جدًا له ، فهو لن يتحمل خسارة جوليا بالذات


تلاعبت بسمة شقية على شفاه نور مجيبةً: عليه إذًا أن يبتعد عن سحر وشهد إن كان لا يريد خسارة عمه وزوجته بل وإبني عمه كذلك


ناظرتها والدتها بضيق مردفةً بحدة: من يسمعكِ تقولين هذا سيفكر أنه متجبر وضالم، هو فقط حريص على الجميع يا بنتي كفاكِ فهمًا لتصرفاته بطريقةٍ عكسية


تحفزت نور مردفةً بضيق مماثل: سحر فتاة طيبة جدًا و أخلاقها لا تشوبها شائبة حسب ما رأيت منها، لهذا عليه أن يكف عن أسلوب إلقاء الأوامر هذا


تضجرت والدتها مجيبة بتوضيح أكبر: لكن الجد وعصام أيضًا منحاه الحق في التصرف في أي موضوع يضمن سلامة العائلة وسمعتها، وبناءًا على هذا هو يعتبر نفسه مسؤولاً لا أكثر


أومئت لها نور وقد علاَ وجهها الاستمتاع قائلة: قولي هذا الكلام لسحر، فواضح أنها لا تطيقه أساسًا، و أكيد لن ترضخ لأي من تعليماته


قطبت والدتها جبينها مستفهمة: ولماذا قد تعارض أصلاً ؟


هزت نور كتفيها مهمهمةً: شهد أخبرتني أنها صعبة المراس ولا تصمت أبدًا لمن يخطأ بحقها أي كان، ومع أسلوب رعد ذاك الآمر والمستفز فأكيد ستكون الأوضاع بينهما محتدمةً ومشتعلةً


زمت والدتها شفتيها بعبوس مرددةً: يا لهذا الجيل العصبي، رحم الله أيامًا كنا ننفذ ما يطلب منا بكل هدوء


قهقهت نور بخفة معيدة حمل الصينية متحركة بها هاتفة: لقد قلتها يا أمي، جيل جديد أي هناك فرق كبير


أوقفتها والدتها متسائلة: من بالقاعة الداخلية، كي نحضر لهم المشروبات ؟


إلتفتت نور مجيبة بهدوء: لقد تفرقوا، فجوليا وأختيها وإبنيها فقط بها، أما سارة وشادية ورقية فهم غالبًا بجناحهم والأعمام أظنهم لازالوا مع عصام بالقاعة الخارجية للرجال، ولقد رأيت منى وسهام سابقًا صعدتا للأعلى ، لا تحضري شيئًا يا أمي فجوليا أوصت أن لا نحضر شيئًا فقد حضرت هي كل شيئ وأخذتهم معها للقاعة قبل قليل


تنهدت حنان متحدثة بعتاب: كان عليها أن تطلب منها بدل إتعاب نفسها


ضحكت نور بخفة متابعةً سيرها مهمهمة: حمدًا لله أن أبنائها مثلها في تواضعها


:
•♡•
:


أحاط أدهم ذراعه حول كتف سحر هذه الأخيرة التي إتكئت على كتفه إلا أن صوته المتسائل وصلها: هل طلب منكِ أبي شيئًا ما يا سحر ؟


عقدت الأخيرة حاجبيها مجيبة: لا ، أساسًا لم أقابله فقد إنشغلنا بعد حضور الضيوف


أومئ لها الأخر بهدوء، فرفعت بصرها نحوه متأملةً محياه البهي مستفسرةً بفضول: لماذا هل حدث شيئ ما ؟


رمقها الأخير بحنو ماسحًا على وجنتها بخفة مجيبًا: أظنّ أن هناك بعض الصحفيين قد يودون مقابلتكِ لعمل لقاء صحفي، تعرفين مثل هذه الأمور قد تحدث ضجةً بإعتبار أن أسرتنا ذات وزن بالبلد، فهم غالبًا سيلحون على أبي في ذلك ويحرجونه، لهذا توقعت قد يطلب رأيكِ بخصوص هذا الأمر


تغضنت ملامح سحر مجيبةً بإقتضاب: لا أريد طبعًا


رفع أدهم حاجبه متسائلاً ببسمة خفيفة: لماذا يا ترى ؟


رفعت سحر حاجبها بطريقة مماثلة مرددة: على أساس أنكَ تريدني أن أوافق


قهقه أدهم متأملاً عيونها التي تبث دفئها قائلاً : لا أظن أنني أبديت رأيي أساسًا


تلاعبت بسمة رقيقة على ثغر سحر رافعة أناملها ماسحة بحنان على لحيته المشذبة مجيبةً: رجال آل سلطان لا يرضون أن تكون صور نسائهم منتشرة بالمواقع أليس كذلك


ضحك أدهم برجولية ضامًا إياها لحضنه قائلاً: ذكية حقًا، لم أكن لأوافق أصلاً لا أنا لا والدي ، فقط أردت أن أتحرى رأيكِ كي لا نفعل شيئًا ضد رغبتكِ


تنهدت سحر مقبلةً جانب صدره العضلي مجيبةً بصدق: أساسًا لم أكن لأوافق يا أخي، ولا أرضى على نفسي أن تنشر صوري حتى ولو كانت محترمة، خاصة أن الشهرة تعيق حياة الشخص وتجعله محط أنظار الجميع، لهذا يفضل أن أبقى هكذا أحسن محمية عن الأنظار


أومئ لها أدهم ببطئ مجيبًا بفخر: أجل، فالجواهر تحفظ فقط وتصان


قهقهت سحر برقة مجيبة بشقاوة: تعجبني أفكاركَ حقا يا أدهومي


مط الأخير شفتيه مغمغمًا بملل: ها قد عدنا لذلك اللقب السخيف


إزدادت قهقهة سحر مرددة من بين ضحكاتها: حسنًا لا تتأزم، المهم الآن إسمعني لقد أخبرتني أمي أن لكّ معارف بجامعة منى، وبما أنّ شهد ستغير جامعتها لنفس الجامعة، هلا ساعدتها يا أخي كي لا تواجه صعوبات بعملية النقل

أومئ لها أدهم بهدوء مجيبًا: لا تقلقي صغيرتي، هل أوارقها معكِ ؟


أجابت سحر بسرعة: نعم معي، فقد طلب أبي أيضًا نسخًا منها


تنهد أدهم براحة هاتفًا: لا بئس غدًا صباحًا سأوصلها هي ومنى لجامعتهما، وأستولى كل شيئ وستزاول دراستها براحة تامة بإذن الله لا تقلقي


أشرقت ملامح سحر فقبلت خده بحب مغمغمةً بعاطفة أخوية جياشة: حبيبي أدهومي، حفظكَ الله لنا


لمعت عيناه مهمهمًا بحنو: وأنتِ أيضًا يا قلب أخيكِ


- مشهد سخيف حقًا


كلمات نبس بها زياد موجهًا بصره نحو أدهم وسحر، فرمقته الأخيرة بإستفزاز مقبلة جانب صدر أخيها أدهم مجددًا هاتفة: حبيبي يا أدهومي


قهقه أدهم على مكرها غامزا لزياد الذي تغضن محياه بغيرة مرددًا: على فكرة أنا لا أبالي إن أحببتهِ أكثر مني، أنتِ أساسًا لا تعنين لي شيئًا


زمت سحر شفتيها ببراءة مصطنعة مجيبة: لهذا أنا أحب أدهومي كثيرًا لأنكَ لا تحبني يا زيادي


زفر زياد بضجر على ردودها اللاذعة في حين ضحك أدهم عليها منحنيًا قليلاً حاملاً صحن الفواكه المشكلة التي أمامه مقدمًا إياها لها ، فإستحسنت سحر الحركة واضعة الصحن بحضنها آخذة قطعة تفاح قاضمة منها قليلاً مقربة الجزء الآخر من ثغر أخيها مشيرة بعينيها أن يأخذها من أناملها، فتبسم الأخير فاتحا فمه ملتقمًا إياها


:
•♡•
:


دنى هاني من باب القاعة فبرز له رعد أمامه يتحدث بالهاتف، فغمز له هاني مرددًا: رعد أهلاً، أما زالت محافظًا على أعصابك ؟


ناظره الأخير بحدة متجاهلاً إياه مركزًا مع محدثه، فقهقه هاني هازا رأسه على برودته فغمغم بإستفزاز أكبر: هيا يا رعد تعلم مدى حبي لك يا حبيبي، تدرك جيدًا أنني لا أستطيع العيش بدونك فأنت بالنسبة لي كالأكسجين


جز الأخير على أسنانه مبعدًا الهاتف عن أذنه هادرًا في وجهه: هاني أغرب عن وجهي


تلاعبت ضحكة ماكرة على شفاه الأخير هاتفا: حسنا لا تغضب يا حبيبي، صحتك مهمة


فهم بالولوج إلا أن صوت رعد أوقفه: إلى أين ؟


إلتفت هاني بضجر مجيبًا: للقاعة يا فخر آل سلطان، هل من سؤال آخر ؟


إقترب منه رعد وقد إحتد محياه أكثر قائلاً: ألا تعلم أنكَ تعتبر غريب عن نساء أسرتنا، لهذا لا تتجول بهذه الأريحية بالقصر


رفع هاني حاجبه مجيبا بحدة مماثلة: إهدأ يا بني آدم، وأنا لست ممن يتجاوز حرمات الرجال يا رعد، لقد إتصلت بي خالتي جوليا كي أجلس معها هي وأمي وخالتي عطاء ، الحمد لله لست أنا من يتم التنبيه عليه بمثل هكذا أمور (فدنى منه هاني أكثر محدقا بعيناه متابعا) و هذه القاعة لا تعتبر خاصة، فالكل يدرك جيدا أنها ذات جدران زجاجية لهذا فالجميع حريص، إطمئن


رفع رعد حاجبه وقد توشح محياه الجمود كعادته رغم ثقته بهاني فهو يعتبر من أهل البيت فقد تربى منذ صغره وسط أهل القصر إلا أنه يضل غريبا، فأردف: المهم كن حريصًا لولا ثقتي بك لما سمحت لك بتجاوز عتبة الباب أساساً


جز هاني على أسنانه يريد ضربه حقا، إلا أنّه تنهد بخفوت فهو يعلم جيدًا حساسيته المبالغة بخصوص أهله ومن بينهم خالته جوليا التي يعتبرها رعد كأم له ويحرص على حمايتها، ففضل الصمت إحترامًا لها فقط، فهم بالدخول إلا أنّه لمح سهام متجهةً نحوهم وقد عمها الخجل، فهتف من بين أسنانه: تنحى جانبًا فإبنة خالتي تريد العبور يا رعد


إلتفت رعد للخلف فتجلت له الأخيرة، فأبعد بصره عنها متراجعًا للخلف بجمود، حيث عبرت هي بإرتباك وفتح لها هاني الباب متجاهلاً إياها، لتدلف الأخيرة بحياء ، في حين وجه هاني بصره بإستهزاء نحو رعد الصامت ببرود قائلاً بإستفزاز: هي أيضًا إبنة خالتي، وعرضي لهذا نحرص على سلامتهن من كل سوء


قلب رعد عينيه على إستفزازه معيدًا الهاتف لمحدثه الذي كان بإنتظاره، فتبسم الآخر بتهكم مغمغمًا بخفوت وقد ولج للقاعة: لوح جليدي حقًا


:
•♡•
:


دلفت سهام للقاعة فبرز لها بعض الأفراد فغمغمت ملقية السلام: السلام عليكم


علت الهمهمات المرحبة بها، فجلست قرب والدتها التي إستفهمت منها بهدوء: أين كنتِ بنيتي ؟


هتفت سهام بهدوء: كنت بالأعلى مع منى بغرفتها، تحدثنا قليلاً

أومئت لها الأخرى قائلة: هل تعرفتِ على سحر وشهد إنّهما لطيفتان جدًا ؟


وجهت سهام بصرها لشهد التي كانت تتوسد حضن خالتها جوليا تتحدثان مع بعضهما البعض، ثم نحو سحر التي كانت تتوسد هي الأخرى حضن أخيها الأكبر أدهم يتبادلان الضحك بخفة ، فأجابت: نعم سلمت عليهما عندما كنا بالقاعة الأخرى، يبدو أن خالتي جوليا قد تعلقت بشهد كثيرًا


تبسمت عطاء بحنان متأملةً أختها جوليا التي قد أشرقت تقاسيمها بفرحةٍ عارمة قد زادتها صغرًا وشبابا قائلة : نعم يبدو كذلك، فحسب ما أخبرتني به جوليا فشهد لينة الطبع وسهلة المعشر لكنها إنتقائية لا غير، وجوليا عاطفتها جياشة لهذا قد إتفقتا بسهولة


دلف هاني ملقيا تحيته على جميع، فهتفت والدته بحبور: تعال يا حبيبي وسلم على إبنة خالتكَ العائدة سحر


وجه الأخير بصره لسحر التي كانت قرب أخيها، فرفع حاجبه متأملاً كتلة الجمال، فدنى منها منحنيًا قليلاً عليها، حيث تغضنت ملامح الأخيرة بإستنكار، فقدم يده قائلاً ببسمة رجولية وسيمة: وأخيرًا عادت أميرة آل سلطان المفقودة، أنرت المكان حقًا ، أهلاً


حدقت سحر بكفه الممدودة متجاهلة إياها مجيبة بإقتضاب: أهلاً، لكنني لا أسلم على الرجال الأغراب


إبتسم أدهم بفخر على خلق أخته، في حين رفع هاني حاجبه هاتفًا بتعجب: حقًا !! أنا إبن خالتكِ إن كنتِ قد نسيتي ؟


زفرت سحر بضيق مرددةً بحدة: إبن خالتي ها قد قلتها، ولست أخي أو أحد محارمي، إنتهى إذًا


قهقهت جوليا برقة وشاركتها شهد نفس ضحكتها، فهدر زياد بحنق موجهًا حديثه لهاني: إلزم مكانكَ يا هاني قبل أن أقف لك


ناظره هاني بإستخفاف جالسًا قرب أمه، فين حين رمقته سهام بطرف عينها لتتنهد بعدها بحسرة صامتة، فهتفت ضحى رابتة على ذراع هاني موجهة كلماتها نحو أختها جوليا: ما رأيكِ بإبني هاني يا جوليا ؟


كتمت الأخيرة ضحكتها مدركةً مقصد أختها ضحى مجيبة بمكر مماثل: ما شاء الله نعم الشاب حقا، دينًا وخلقًا وعلمًا ووسامةً


تلاعبت بسمة خبيثة على شفاه ضحى مستفهمة: إذًا لو تقدمنا لطلب يد كريمتكم ، أكيد سنلقى موافقة


رفع زياد حاجبه بتوجس، في حين أطبق أدهم على شفتيه وقد فهم المعنى المقصود ، وضعت عطاء كفها على ثغرها كي لا تضحك هاتفة : أوافقكِ الرأي يا ضحى، أرى أن سحر عروس مناسبة حقًا لهاني ؟


فغر زياد فاهه بصدمة، في حين إبتلعت سهام غصةً مريرة مبعدة نظرها عن المعنيين وقد بدأت رماح القهر تتسلل لفؤادها، حيث رفرفت سحر برمشها وقد تورد محياها مندسة بحضن أخيها أكثر موثرة الصمت كأفضل خيار


فضحك هاني برجولية غامزًا لأدهم : ما رأيكَ يا أدهم، هل ستوافق إن تقدمت لأختكَ ؟


إرتشفت شهد من مشروبها ببطئ متأملةً المشهد أمامها في حين إهتز كتف جوليا بضحكة صامتة، فرفعت الأخيرة رأسها لها لتعود بنظرها للأمام بحيرة


أنزل أدهم بصره لسحر سائلاً إياها ببسمةٍ حانية: ما رأيكِ أنتِ يا سحر، إبن خالتكِ يريد أخذ موافقتكِ ؟


تغضنت ملامح سحر مستغربة من موقف أخيها هاتفة بخفوت: أدهم من فضلك توقف


قهقه أدهم مجيبًا بمكر: العروس خجلة يا هاني


ضحكت ضحى مرددة: هيا يا سحر فكري هاني شاب لا يعوض


شاركتها عطاء ضحكتها قائلة: معها حق، هاني فرصة ممتازة لكل فتاة


هتف زياد بضيق حقيقي بعد أن إستهجن صمت أدهم: توقفوا عن هذه السخافة، خالتي ضحى رجاءًا إغلقي هذا الموضوع


رمقته الأخيرة بحدة مغمغمة: أنتَ أصمت ولا تتدخل فيما لا يعنيك


رفع زياد حاجبه مجيبًا بحنق حاول التحكم فيه: هي أختي، ولا أرضى بهذا الموقف لها يا خالة، أرجوكِ ليس وقته أبدًا وأيضًا ليس وهي موجودة هنا


أشرقت شمس الحب بقلب سحر فخورة بغيرة أخيها فإبتسمت بحنو متأملةً شهامته و رجولته التي تطمئنها بأنه سيكون نعم السند وخير الحامي لها ولأختها شهد، فأردف أدهم بضحكة خفيفة: أين الإشكال يا زياد، هاني موضع ثقة ومن حقه رؤيته للفتاة التي سيخطبها


كتمت جوليا بسمتها كي لا تجلجل بالقاعة، في حين حدقت سحر بأخيها أدهم عابسة رافضة لفكرة عدم غيرته عليها، فإستقام زياد هادرًا بأدهم: ما خطبكَ أنت ، هل تعرض أختي على الشباب أو ماذا ؟ (فوجه كلامه لسحر مشيرًا لها بكفه) قفي يا سحر غادري القاعة


همت الأخيرة بالوقوف إلا أنّ أدهم قبض على رسغها مغمغمًا بإستفزاز: تمالك أعصابك أيها الغيور


غمز هاني لزياد بعد أن إستقام من مجلسة متجهًا لسحر: سأراها عن قرب أفضل، كي أتأمل جمالها أفضل، بعدها أقرر إن كنت سأتقدم أو لا


توسعت عيني زياد من وقاحته فتحرك بجنون قابضًا على ياقته مهسهسًا بغضب أعمى: خطوة واحدة أيها المعتوه صدقني سأكسر عضامك


تلاعبت بسمة عابثة على ثغر هاني متسائلاً ببراءة مصطنعة: أليس هذا هو شرع الله يا زياد، أليس من حق الخاطب رؤية العروس وأن يتحدثا سويا ؟


فغر زياد فاهه على جرأته هادرًا في وجهه: أي خاطب وأي عروس أيها اللعين، هل تتواقح علنًا وفي بيتنا أيضًا


تململت ضحى رامقة كل من عطاء وجوليا اللتين كانتا تكتمان ضحكتهما متابعتين المشهد بإستمتاع، فأردفت: دع إبني يا زياد، لا تصعب الأمر، أظنّ لو نتركهما مع بعض أفضل ربما يتفقان بسهولة


وجه زياد نظراته المصدرمة نحو خالته فهتف بغيرة رجولية وقد غلت الدماء حقا بأوردته: خالتي رجاءًا، سحر خط أحمر، هذا الموضوع سيغلق فورًا


هدرت به الأخيرة مستفزة إياه أكثر: لا دخل لكَ أنت يا زياد، وإياك أن تتجاوز حدكَ معي


إبتلعت سهام غصة مريرة ألهبت حواسها فنكست رأسها متلاعبةً بسحاب حقيبتها الصغيرة السوداء، فجز زياد على أسنانه محاولاً تمالك أعصابه كي لا تنفلت على خالته التي يحبها، فأبعد هاني عنه ليتقهقر الأخير للخلف غامزًا له بمكر، فقبض زياد على مرفق سحر موقفا إياها هادرًا بضيق: تبًا، لن تبقى أختي دقيقةً واحدةً هنا ..تحركي معي


تحركت الأخيرة بصمت معه، فقلب أدهم عينيه على مبالغة أخيه، لتستقيم جوليا بعد أن ملت من المسرحية أمامها منادية على إبنها: زياد توقف مكانك، وأعد أختك


إستدار لها هامًا بالرفض إلا أنها رمقته بحدة هاتفةً بصرامة: لن أكرر كلامي مرتين، تجنب غضبي أفضل


تشنج فك الأخير مهسهسًا بحنق: أمي بالله عليكِ، ألم تري ما حدث


عبست سحر بصمت داعية اللّه أن لا يحدث أي مشكلة بين أمها وأخيها فهي صدقًا لن تتحمل أن تكون سبباً في أي سوء فهم قد يحدث بينهم، في حين تبسمت جوليا إبتسامة بلاستيكية مجيبةً: لست صماء يا ولد، لهذا رجاءًا أكرمنا بصمتك


قطب زياد جبينه فاغرًا فاهه كي يوضح إلا أنّ أدهم قاطعه بضجر: ما خطبكَ أنت يا زياد، هل نسيت أن سحر تعتبر أخت هاني


رفرفت سحر بأهدابها بعدم فهم ، فعقد زياد حاجبيه مقتربًا منه متسائلاً بإستغراب أكبر: لم أفهم، أخته كيف ؟

قهقه هاني على تسرع زياد في فهم الموضوع، في حين جلجلت ضحكة كل من أمه وخالتيه بالقاعة، فغمغمت شهد بفضول: هل هناك من أرضعت سحر بصغرها كي تكون أخت لهاني ذاك ؟


مسحت جوليا بخفة على ذراع شهد موضحةً: نعم، هاني عندما كان رضيعًا أرضعته أنا لمدة شهر تقريبًا مع زياد بصغره ، فقد كانت أختي ضحى حينئذٍ بالمستشفى لمدة معينة، فأخذته عندي وإهتممت به حتى غادرت المشفى، لهذا فهو يعتبر أخًا لأبنائي ومحرمًا لسحر


زفرت سحر براحة عائدة لمجلسها قرب أدهم، في حين تنهد زياد براحة ضاربًا ذراع أدهم بحنق قائلاً: وأنا الذي إستغربت صمتك أيتها اللعين


رفع أدهم حاجبه مجيبًا بتهكم: وهل أبدو لكَ ديوثًا مثلاً حتى أوافق على العرض المبتذل الذي حدث توًا، لو كنت ذكياً لإكتشفت الأمر


هز زياد كتفيه متخذًا مجلسًا قرب سحر من الجانب الأخر مجيبًا: لقد نسيت أمر الرضاعة تمامًا، الحمد لله هي أخت لكَ يا هاني، إذا تخلصنا منكَ كعريس محتمل


ضحك هاني برجولية هاتفًا بإستفزاز: لكن لا زال هناك يزن ومؤنس


توسعت عيني زياد مستفهمًا من أمه بتوجس: جولي حبيبتي، طمئني قلبي وقولي أنكِ أرضعت أولائك الحمقى أيضًا


ضحكت شهد برقة فناظرها زياد متسائلاً ببسمة رجولية: هل تضحكين على بؤس أيامي يا صغيرة ؟


توردت شهد بخجل متمسكة بجوليا أكثر، فحضنتها الأخيرة قائلة: دع أختك وشأنها، هل تنتقل من شخص لآخر أو ماذا ؟


زم الآخر شفتيه بعبوس مهمهمًا بخفوت: رائع أصبحت أختي الآن ، لا تتهربي من الجواب يا أمي طمئنيني فقط على يزن ومؤنس هل نعتبرهم محارم سحر أو لا ؟


قهقهت ضحى مجيبة: جوليا أرضعت أيضًا يزن مع أدهم لأنهما كانا في نفس فترة الرضاع، وكذلك أنا أرضعت أدهم لهذا يزن يعتبر أخًا لسحر ولكم وأدهم أخًا لأولادي


ضم زياد قبضته هاتفا بحيوية فرحة: يس، رائع حذفنا يزن الآن الحمد لله


علت الضحكات بأرجاء القاعة، فهزت عطاء رأسها بيأس مرددة: بالله عليك يا بني، أنت تبالغ دع الأمور تأخذ مجراها


إستقام زياد هاتفا بهلع قائلا: لا يا خالتي، الغرباء خارج العائلة أبي لهم بالمرصاد، الآن سنركز على المقربين فقط حمد لله إطمئننا من جانب هاني ويزن، من بقي الآن، ها مؤنس من أرضعه أريحوا بالي يا جماعة ؟


ضحكت سحر بخفة على غيرة أخيها، في حين قلب أدهم عينيه عليه مغمغما: للأسف لم ترضعه والدتك لأنها حينها لم تكن أنجبتني أساساً وهو أكبر مني بحوالي سنتين لهذا هو ليس في قائمة المحذوفات


توسعت عيني زياد موجهاً حديثه لوالدته قائلاً بعتاب: أمي بالله عليكِ كان يجب أن ترضعيه هو الآخر ؟


وضعت ضحى كفها على ثغرها مانعة ضحكتها من الصدوح بالأجواء مرددة: كما قال أخيك يا ولد، جوليا حينئذ لم تكن أنجبت أدهم أساساً وكان مؤنس قد بلغ السنتين، يعني فطم


زفر زياد بحنق مهسهسًا من بين أسنانه: إذا ذلك اللعين ممنوع أن يدخل القصر، مع كل حبي وإحتراماتي لكِ يا ضحى القلب


تمتمت جوليا بتهكم: متملك مثل أبيه تماما


رفعت شهد بصرها نحوها مستفهمة بفضول أنثوي: هل أبي عصام هكذا أيضا ؟


رقت ملامح جوليا بحنان مقبلة وجنتها بحب هاتفة: عندما يسمع زوجي كلمة أبي عصام هذه سيذوب من العاطفة


توردت شهد بخجل فتابعت جوليا قولها: نعم أغلب رجال  الأسرة متملكين جدا، هذه ميزة وراثية منذ جدهم الأكبر وتربوا على هذا الأساس


:
•♡•
:


إرتشفت سارة من مشروبها متلاعبةً بسوارها هاتفة بتسائل: أمي هل تعلمين كيف وافق رعد على قدوم تلك الفتاة ؟


رفعت والدتها السيدة رقية بصرها لها مستفهمة منها: أي فتاة ، هل تقصدين سحر ؟


نفت إبنتها مجيبة بتهكم: لا ، بل أختها تلك ؟


دعكت والدتها قدمها بعد أن نزعت كعبها العالي مجيبةً إياها: تعلمين ليس بمقدور رعد الإعتراض إن تعلق الأمر بجوليا فهو يكن لها كل الحب والإحترام فهي بمقام أمه


تبسمت سارة بسخرية صريحة موضحة: حتى جوليا لا تستطيع الوقوف في وجهه إذا تعلق الموضوع بإقتحام الغرباء للعائلة والتوغل بينهم


رفعت رقية حاجبها متحدثة بتوضيح: يبدو أنكِ ترين الأمور بسطحية يا إبنتي، رعد يعتبر جوليا خط أحمر فهو يستطيع أن يقف في وجه جده بحد ذاته ومعارضته فقط تنفيذًا لطلباتها، بل هو مستعد أن يضرب كل تخوفاته وحساسيته عرض الحائط إرضاءًا لها


عقدت سارة حاجبيها بعد أن وضعت المشروب على المنضدة بجوارها متسائلة بفضول: لحد الساعة لم أفهم لماذا يحبها هكذا ويبجلها بهذه الطريقة يا أمي، حسب ما أعرفه أنها كانت تعامله بلطف و الكل من بالأسرة أحبه و عامله هكذا طوال السنوات الماضية أيضًا ، إذًا لماذا هي بالذات ؟


إستقامت والدتها متجهة للتسريحة نازعةً مجوهراتها واضعة إياهن بصندوقها المخملي مرددةً: لا أظن أنّ هناك من يدرك السبب الأساسي لتعلقه بها، فهي الأنثى الوحيدة التي سمح لها بإختراق عزلته والتقرب منه، مع فشل باقي محاولاتنا نحن، مثلي أنا وعمتكِ مريم سابقاً وكذلك زوجة عمكِ شادية


زفرت سارة بضيق مستفسرة: وهل ستأخذ شقيقة سحر تلك بعض من أملاك الأسرة ؟


وجهت رقية بصرها للمرآة فترائى لها إبنتها واضعة قدم فوق الأخرى بكل أنوثة إستقراطية فغمغمت بإجابة: لا دخل لكِ في هذا الأمر يا سارة، أبعدي نفسكِ عن هذا الموضوع نهائيًا، خاصة أنّ شهد تلك تبدو فتاة طيبة ولطيفة


رفعت سارة حاجبها بسخرية مرددة: هي وسحر عاشتا في أحياء شعبية بسيطة وأكيد ليستا بتلك الأخلاق العالية، فخلف مظهر البراءة ذاك قد توجد أفاعي سامة


إستدارت لها أمها موجهة كلماتها الصارمة لها عساها توقف هذيانها ذاك: إحذري أن تتفوهي بمثل هذه السخافات يا سارة، أنا أحذركِ، فلا جوليا ولا عصام سيسكتان على مثل هذه الألفاظ ونحن في غنى عن أي خلاف قد يحدث بعد عودة سحر


جزت الأخيرة على أسنانها مجيبةً بكراهة: سحر ...سحر… كرهت هذا الإسم حقًا، فمنذ عودتنا لا يتهادى لمسامعنا إلا هو


تنهدت رقية بضجر هاتفة: فقط إبقي نفسكِ بمنأَى عن أي خلافات معهما، رجاءًا بنيتي


إستقامت سارة بملل موثرةً الصمت متجهة لباب غرفة والدتها، إلا أنّها توقفت أمام الباب وقد توشحت شفتاها الملونة بالحمرة بسمةً ساخرة مرددة: لماذا قد تخشين أن أقع في خلاف معهما يا أمي، فسحر تلك واضح ليست سهلة بتاتًا(فإلتفتت لها متابعة قولها) أرى التوحش يشع من مقلتيها، أظنكِ قد رأيتك ذلك أيضًا ؟


زمت والدتها شفتيها بعبوس مهمهمة: ها قد قلتها بنفسكِ يا بنتي، تبدو صعبة المراس اذًا توقيها أحسن، أو عامليها كأخت لكِ أو صديقة


قهقهت سارة بعدم فكاهة مجيبة :أخت وصديقة لي، أنا !! مازالت لم أجن بعد حتى أتخذ صديقات مع من تربوا بالأحياء الشعبية


لتغادر الغربة تاركة والدتها تدعو الله لها بالهداية وأن لا تفتعل أي خلافات مع إبنة عمها الجديدة تجنباً لأي حساسية قد تقع مستقبلاً



:
•♡•
:



دلف رعد للقاعة فبادره هاني بقوله: رعد حبيبي أهلاً، سبحان من جعل بمحياك الغضب والحدة


رمقه الأخير بإستخفاف متجاهلاً إياه بصمت، فقهقه زياد قائلا: بالله عليك يا هاني كيف تقول هذا له، صدقني حبيبنا رعد كتلة مشاعر متحركة


تقدم رعد نحو جوليا مقبلاً رأسها لتنكمش شهد برهبة متعلقة بها أكثر، فهتفت جوليا بحنو: هل عطلناك عن عملك يا بني ؟

نفى رعد مرددًا بهدوء: لا تهتمي كله فداءًا لكِ


أصدر زياد تشه ساخرة قائلا: صدعتنا بعواطفك الجياشة يا حبيبي، على رسلك فقط


واصل رعد تجاهله مسلماً على كل من ضحى وعطاء: أهلاً بكما


أومئت له ضحى مجيبة ببسمة ودودة: رعد بني كي حالك ؟


أجاب رعد بهدوء وقد توشح محياه بالجدية كعادته: على خير ما يرام يا خالة


قبضت جوليا على كفه متحدثة بمحبة: إجلس معنا بني من فضلك


تنهد الأخير بهدوء رغم عدم إستساغته للأمر إلا أنه رضخ فقط لأجل زوجة عمه جوليا، فإتخذ مجلسًا بأحد الأرائك المنفصلة واضعا ساقًا على الأخرى ، حيث أردفت عطاء : رعد بني، سعدت حقا عندما وافقت على قدوم شهد، كعادتك شهم


رفعت سحر حاجبها وقد علاَ وجهها ملامح التهكم متمتمة بخفوت متسائل: يوافق !! حقا !!


مسح أدهم بدفئ على ذراعها مجيبًا بخفوت مماثل: إنها قصة طويلة صغيرتي، يوما ما سأشرحها لكِ


أومئ رعد لعطاء مجيبا بجدية: لابأس


وضعت سحر حبة عنب بثغرها موجهة كلماتها لخالتها عطاء: خالتي الحبيبة أظن أنّ قدوم شقيقتي شهد لا يحتاج لرأي أحد بعد موافقة جدي وأبي طبعًا


رفع هاني حاجبه في حين غمز زياد لأدهم على رد أخته ، حيث أطبقت شهد على شفتيها كي لا تضحك


تبسمت ضحى موجهة نظراتها التي تحمل شرارات المعاني المبطنة نحو جوليا التي هزت كتفيها بما معناه دعوها على راحتها


تنهدت عطاء موضحة أكثر بعد أن سكبت لإبنتها سهام العصير هذه الأخيرة التي كانت تتأمل سحر بعنفوانها وردها الجريئ الذي وجه لشخص إبن عمها الذي يهابه الكل، حيث هتفت والدتها: طبعًا لم نقل غير هذا بنيتي، لكن بعد إنسحاب والدكِ وأعمامكِ وترك دفة القيادة للأحفاد بما فيهم الحفيد البكر، فالأمور تسير على نهج موافقة البكر أولاً


واصلت سحر تناول حبات العنب دون أن تتعب نفسها بالنظر لرعد أساسًا مجيبة بتهكم: وإن كان هذا البكر يعاني فرطًا في النرجسية مثلاً، هل سيأخذ برأيه ؟


وضع أدهم كفه على جبينه بسبب لسان أخته هامسًا لها: سحر لا داعي لكل هذا الكلام


تجاهلته الأخيرة مستمعة لإجابة خالتها عطاء التي كتمت ضحكتها بصعوبة محاولة التحدث بجدية: لا طبعًا، عائلتكِ أغلب أفرادها ما شاء الله عليهم، حكمةً وعدلاً وخلقًا، لكن هذا هو نظام قصركم بل عائلتكم منذ عقود طويلة، يأخذ برأي البكر


تلاعبت بسمة عابثة على ثغر هاني موجهاً بصره لزياد الذي كان يرتشف العصير مستمتعًا بالمشهد هو الآخر، في حين أن رعد تشنج فكه غضبًا من هذه الفتاة التي تخرجه عن طوره مفضلاً الصمت متجاهلا لكلماتها المهينة لشخصه فقط لأجل جوليا


وضعت سحر الصحن على الطاولة بقربها آخذة المنديل ماسحة كفيها مجيبة بسخرية وقد علت شفتيها بسمة مصطنعة: لقد قلتها يا خالتي، نظام قصرنا يعني الجميع، وليس قصره هو حتى نرضخ لرأيه، و منذ الآن أي شيئ يخص أختي شهد فأنا فقط من ستوافق عليه بعد موافقة جدي وأبي طبعاً


عضت شهد على شفتها محاولة لملمة ضحكتها إلا أنها لم تستطع ذلك لتقهقه برقة فرمقها رعد بحدة جعلتها تبتلع ضحكتها مندسة بحضن جوليا مشيحة بوجهها عنه رهبة منه، فأردفت هذه الأخيرة بحزم موجهة كلماتها لإبنتها: سحر صغيرتي، هذا ليس وقته


وجهت سحر بصرها لوالدتها بعبوس متنهدةً بعدم رضا، فتقابلت عيناها مع مقلتي رعد الحادة فإبتسمت بتهكم متجاهلة إياه، فحث الأخير نفسه على الصبر فقط كي لا يقف لها جاعلاً من مجلسها ذاك قبرًا لها


تحدثت ضحى ببسمة ودودة موجهة كلماتها لزياد محاولة التخلص من الجو المشحون : ها قد أبعدنا هاني ويزن أبناء خالة سحر، لكنك أقصيت أبناء عمومتها من الموضوع وهم الأحق كما تقتضي العادات ؟


أصدرت سحر تشه ساخرة مرددة بإنشداه: أولاد العم أحق !! تمزحين يا خالتي أليس كذلك ؟


رفع أدهم عينيه للسقف طالبًا العون من الله على لسان أخته، في حين قهقه زياد قائلا: من هذه الناحية أنا مطمئن (فوجه بصره لرعد الذي كان متجاهلا لحديثهم غامزا له بإستفزاز متابعا) فرعد عازف عن الزواج ، وعماد أبي لن يوافق عليه طبعًا فهو مستهتر و ليس أهلاً للمسؤولية، لهذا فلست قلقا من جانب أبناء العم


تمتمت سحر بخفوت ساخر: عازف عن الزواج إذا ؟! أراهن أنه القرار الوحيد الصائب الذي إتخذه في حياته


أطبق أدهم على شفتيه كي لا ينفجر ضحكًا على كلمات أخته فقرصها على ذراعها هاتفا بحزم أخوي حاني: سحر، صغيرتي لسانكِ هذا قللي من طوله لو سمحت


ناظرته الأخيرة عابسة وقد رفرفت برمشها ببراءة مصطنعة مجيبة: أنا ملاك صغير يا أدهومي


أومئ لها الآخر ببطئ وقد علت بسمة متهكمة شفتاه قائلا: نعم صغيرتي، أنتِ كذلك ما شاء الله


إبتسمت عطاء بمودة مرددة: ها قد أصبح لكِ يا سحر ثلاثة إخوة شباب دفعة واحدة هنيئا لكِ


قهقهت جوليا مغمغمة بحب: لقد إشتقت لأبنائي حقا يا ضحى، متى سيعودون ؟


مطت الأخيرة شفتيها مجيبة بعبوس : لا أعرف فلقد أفقدوني صوابي لهذا يئست من رجوعهم


ناظرها هاني بسخرية هاتفا بملل: بالله عليكِ يا أمي لقد سافروا منذ أشهر فقط ويزوروننا في كل العطل وفي أغلب المناسبات لهذا لا تبالغي


رمقته ضحى بحدة هامسة بصرامة: أنت أكرمني بصمتك، صدقا لم أعد أحتمل أي حرف منكم


ضحك زياد بخفة مستفهما بشقاوة: لماذا يا ضحى القلب هل نهون عليكِ ؟


وجهت الأخيرة بصرها نحوه محدقة به بإستخفاف مجيبة بضيق: من بمثل عمركم هم آباء الآن وليسوا مثلكم شباب متسكعين عزاب


قلب أدهم عينيه متمتمًا بخفوت: ها قد بدأنا الأسطوانة المعتادة


رفعت سحر بصرها نحوه مستفهمة بفضول: أي أسطوانة هذه يا أخي؟


تبسم أدهم بهدوء مجيبا: كالعادة موضوع الزواج


قهقهت سحر برقة مهمهمة بصدق: معها حق، عليكم الزواج فأنتم أصبحتم رجالاً أهلاً للمسؤولية


زم الأخير شفتيه ماسحا بحنو على ذراعها مفضلاً الصمت، في حين أردف زياد بتهكم: سأكرر نفس كلامي المعتاد عندما أجد العروس المناسبة سأتزوج فوراً يا خالتي إطمئني من ناحيتي، الآن فكري في باقي العزاب الذين حولكِ؟


تضجرت جوليا مرددة بعبوس: كالعادة لا يسمعون الكلام، تعب لساني وأنا أكرر نفس مطلبي كل مرة، يبخلوننا في فرحة صغيرة بعد أن تعبنا كل هذه السنوات نعتني ونربي ونهتم دون جدوى


تبسم هاني بتهكم مغمغما برسالة مبطنة لإحداهن: سابقاً كنت أرغب حقا في زواج أما الآن فصدقا لم أجد من هي أهلاً لذلك


إبتلعت سهام غصة الألم ترمقه بحسرة إلا أنّ هذا الأخير تجاهلها عمدًا، فرفع زياد حاجبه على حديثه مدركًا مقصده فرمقه بحدة بما معناه إحفظ لسانك داخل فمك أفضل، فهز الأخير رأسه غير مبالي به


غمغمت ضحى مرددة بهدوء: أظن أن عزوفهم عن الزواج سببه شيئ آخر للأسف


تبسم زياد بإستفزاز مرتشفا من عصيره قائلاً: ما هو هذا السبب يا ضحى القلب أبهرينا ؟


تنهدت الأخرى بضيق مجيبة بهدوء: قرأت في عديد من المقالات ومواقع التواصل أن هناك ظاهرة إنتشرت سببت عزوف الشباب عن زواج، ربما بسبب عدم ميلهم للنساء، أستغفر الله


بصق زياد العصير من فمه وقد إختنق به محاولاً إسترجاع أنفاسه، في حين كتمت سهام ضحكتها بصعوبة، لتندس شهد بحضن جوليا كي لا تنفحر ضحكًا بسبب الموقف


زفر رعد بخفوت من سخافة الموقف حاثا نفسه على الصمت والصبر في الآن ذاته، إلا أنّ أدهم رفع رأسه للسقف طالبا الصبر فقط على حركات خالته المعتادة، إستقام زياد مستعيدًا أنفاسه بعد صدمته هاتفا بضيق: ما شاء الله يا خالة تحليل عبقري حقا


مط هاني شفتيه قائلاً بهدوء: هذه حجتهم المعتادة كنوع من الإجبار على الزواج لكن بطريقة سلمية حضارية ، كي نثبت لهم سلامتنا علينا الزواج بسرعة (وجه نظراته لوالدته متابعا بتهكم) خطتكِ مكشوفة يا أمي هاتِ غيرها


نفخت الأخيرة خديها بعبوس ظريف مغمغمة: لا فائدة ترجى منكم حقا


إستقامت سهام بهدوء بعد أن رن هاتفها مغادرة القاعة بصمت كي ترد على المتصل، فرمقها هاني بطرف عينه ليستقيم بعد لحظات هو أيضًا مغادرًا القاعة، فتمتم زياد بخفوت متهكم بعد أن أدرك نية الأخير: تبا، لن يهدأ أبدًا ذلك اللعين


:
•♡•
:


تخطى عصام عتبة الباب متوغلاً للداخل مع أخيه فؤاد الذي أردف مستفهمًا بهدوء: لا أظن أنّ فكرة دعوة كل من عائلتي الصادق ولقمان كانت صائبة يا عصام


تنهد الآخر متابعًا خطواته الحثيثة مجيبًا: عهد الأجداد والآباء قد ولى، والآن هذا زمن الأحفاد فقط يا فؤاد، أظن أنّ أبي فكر بحكمة تجنبا لأي خلافات قد تقع مستقبلاً، أو بالأحرى تهدئةً للنفوس


زفر فؤاد بخفوت مقطبًا جبينه مرددًا: لا أعرف أحيانا أراها خطوة صائبة ومرات أخرى أراها خاطئة، خاصة من جانب رعد


توقف عصام ليستدير له وقد علاَ محياه الجدية والحزم: رعد أصبح راشدًا الآن، وقد تعبت كثيرًا لسنوات عديدة لأجعله رجلاً هكذا، أكيد لن يتصرف برعونة وتهور بعد كل هذه التجارب التي مررنا بها


ناظره الآخر بحيرة مغمغمًا: أظن أنّ رعد قد يتحسس من هذا الموضوع لا غير، لهذا فضلت لو تجنبنا حضورهم


وضع عصام كفيه بجيبي بنطاله موضحًا بهدوء: جميعنا لنا جانب نتحسس منه وقد نرفضه أيضًا، لكن هناك أولوية لكل موضوع، وإبني رعد ذكي بما فيه الكفاية ليوازن بين الأمور ويقيم المصالح فيختار أفضلها


أومئ له أخاه بهدوء، فربت عصام على عضده بمحبة أخوية هامسًا: أنت لا تشغل بالك فكل شيئ سيكون بخير وتحت السيطرة، دع أبناءنا يختارون ما هو خير لهم وإن توَجب تدخلنا فأكيد لن نقصر في هذا، إطمئن يا فؤاد


تنهد فؤاد مهمهمًا ببسمة ودودة: حسنا


فتحرك الأخير نحو المصعد، ليوقفه عصام مناديًا عليه: فؤاد

فإستدار له المعني عاقدًا حاجبيه بإستغراب مجيبًا: نعم


رمقه عصام بغموض مرددًا بلهجة حازمة: عماد إبنك حاله لا يعجبني أبدًا، أنتَ تدرك ذلك جيدًا


دلك فؤاد جبينه بتعب مغمغما بإرهاق حقيقي: صدقًا لا أعرف ما خطبه، حاله يزداد تمردًا يا عصام، كلما أضغط عليه نصحًا وتوجيهًا كلما أراه يعلن العصيان أكثر، لم أفهم ما خطبه وقد عجزت عن تقويمه


أومئ له عصام ببطئ قائلا : حسنا لا تضغط عليه حاليًا، فلنعرف سبب كل هذا التمرد و العصيان أولاً، بعدها سنحاول إحتواء الوضع


ضغط فؤاد على زر المصعد مبتسما بإمتنان قائلاً: بارك الله فيك يا عصام، كالعادة أنت حقا ظهراً يستند عليه


أومئ له الأخير بهدوء متابعًا سيره فتوقف بعد أن تهادى له صوت أخته مريم ينادي عليه: أخي عصام


فإلتفتت لها ليبتسم متأملاً أخته الصغرى بفستانها الأرجواني الذي إنساب حولها بكل عنفوان جذاب، ريحانة القلب هي وشريان الحياة، فهتف بحنو: نعم يا مريومي


عبست الأخيرة مقتربة أكثر مهمهمة بضيق: أصبحت أراك كهلال رمضان فقط، أخذوك مني حقا


قهقه الأخر محتويًا إياها بين ذراعيه يضمها لصدره فبادلته الأخيرة الحضن متنعمة من دفئه المعتاد، لطالما كان أخاها عصام أقربهم لها وأحبهم لقلبها فهو لين الطبع وسهل المعشر ومتفهمًا وذا شخصية حنونة وكان يفلح دومًا في إحتوائها وإسعاد روحها


ربت عصام على رأسها بحنو مهمهمًا بحب: قصرت بحقكِ يا قلب أخيكِ أنتِ، فقط لقد إنشغلت ببعض الأمور القانونية التي تخص سحر


قهقت مريم مرددة بغيرة: سابقًا كانت جوليا تحتكرك والآن عادت إبنتك ومعها شقيقتها، سحقًا هكذا لن أنال منك حرفاً واحداً


ضحك عصام مبعدًا إياها قليلاً متشربًا من جمال محياها ماسحًا بخفة على وجنتها قائلاً: لا بئس صغيرتي، إختاري أي مكان تحبين الذهاب له وسنذهب لنقضي اليوم بأكمله مع بعض


تبسمت مريم بمحبة وقد رفرفت فراشات الحبور بقلبها فعقدت ذراعيها على صدرها هاتفة بسخرية: وكأن زوجتك الغيورة تلك ستدعك تأخذني لوحدنا


هز رأسه بيأس مجيبا إياها بهدوء: سنتسلل كالفئران كما تعودنا، وبعدها تغيضينها كعادتكِ وهكذا أستمتع أنا بلهيب غيرتها ذاك


ضيقت الأخيرة عينيها مناكفة إياه مرددة: أمازالت تعشقها كالسابق يا عصام؟ طمئني وقل لا


قهقه الآخر مجددًا مجيبًا بإستفزاز: توقفي عن غيرتكِ يا مريومي، جوليا كانت ولازالت هي أجمل هبات الله تعالى لي


عبست الأخرى بضيق ظريف مهمهمة: لولا سعادتي بعودة إبنتك لكنت عكرت مزاجك، لكنني سأتغاضى عن هذا كي لا أرى الانزعاج على محياك ذاك


قرصها عصام على خدها مستفهما بحنو: ما هو مقدار سعادتك لي يا ترى ؟


تنهدت مريم محدقة ببريق مقلتاه ذاك الذي ينم عن سعادة كبيرة تراقص فؤاده، فغمغمت بضحكة قد تسربت من ثغرها: سعيدة جدًا لسعادتك يا أخي، أكثر من سعادتي يوم تخلصت من زوجي الغبي ذاك


إنفجر عصام ضاحكًا لتشاركه مريم نفس الضحكة، فهز رأسه على حركاتها مرددًا من بين أنفاسه: ألهذه الدرجة كنت سعيدة من طلاقكِ منه ؟


إرتسمت بسمة حلوة على شفاه مريم مغمغمة بضحكة رقيقة: لولا الحرج لكنت رقصت بالشارع، لكن إحترامًا لأبي ولإخوتي كبتت رغبتي ورقصت بجناحي فقط


تنهد عصام رابتا على خدها بحنو مردفا: كالعادة هناك عرسان لكِ ، وقبل قليل أتتني عدة عروض لَكنَّ


زمت مريم شفتيها مضيقة عينيها متسائلة بفضول: ماذا يجب أن أفهم من كلمة " لَكنَّ" هذه يا أخي ؟


إستكمل عصام كلامه موضحا بهدوء: يعني أنتِ، وسحر ومنى والحمد لله لم يعلموا بوجود شهد لكانوا خطبوها هي أيضاً


قلبت مريم عينيها مغمغمة بضيق: ها قد بدأ العرسان لإبنتك يا عصام، سيحولون حياتك لجحيم لا يطاق


تبسم الآخر وقد مر بريق خاطف بمقلتاه مجيبا: لا أحد يستحق أميرات آل سلطان، هنّ خلقن لدلال فقط


تلاعبت بسمة بهية على ثغر مريم مقتربة منه مقبلة وجنته قائلة بحب: لا حرمنا الله منك يا عصام


لثم الأخير جبينها هامسًا: ولا منكِ يا عزيزتي


ربتت على ذراعه بحنو مرددة: سأصعد الآن لجناحي كي أرتاح قليلاً


أومئ لها عصام بهدوء تاركا إياه تمر متجهة لجناحها بخطوات سلسلة


:
•♡•
:


- حسنا يا أبي لا تقلق سأخبر أمي، وداعًا


أغلقت سهام المحادثة ملتفتةً حيث جفلت عندما تجلى لها هاني واقفًا على بعد خطوات واضعًا كفيه بجيبي بنطاله وقد إرتسمت بسمة هازئة على شفاهه، حيث إبتلعت ريقها وقد إرتبكت جوارحها لتشيح بنظرها عنه متحركة للأمام إلا أنّه مد ذراعه يسد الدرب عليها، فغمغمت بخفوت:x رجاءًا دعني أمر


هز الأخير رأسه سخرية هاتفًا بتهكم تجلى من كلماته: ستمرين إطمئني، لكن ليس قبل أن أنبهكِ لنقطةٍ هامة كي تنتبهي لها


رمقته سهام بحيرة لتبعد بسرعة عينيها عن مقلتاه تلك التي ترشقها بكل معاني الكره و الإشمئزاز، فأردفت بصوت مبحوح: نعم تفضل


دنى منها هاني خطوة واحدة هامسًا بكراهة: إبتعدي عن أختي


قطبت سهام جبينها بعدم فهم فتسائلت بعدها بإستغراب: تقصد سحر؟


إبتسم هاني بإستهزاء مرددًا بتهكم: نعم وهل هناك غيرها ؟


رفعت عيناها نحوه مجيبةً بضيق: أظن أنّ هذا الشيئ لا يخصك


إتقدت عيناه بغضب وتطاير الشرر منهما هادرًا بها: يخصني مادامت أختي من الرضاعة، وطبعاً لا يشرفني أن أراها مع أمثالكِ كي تغرسي بها سمكِ اللعين ذاك وتصبح في نهاية المطاف حقيرة مثلكِ تلاعبت بزوجها، واللّه أعلم بمن ستتلاعب مستقبلاً


إنحسرت أنفاسها وأحست بطعم مر صدئ بحلقها، فهمهمت بصوتٍ مرتجفٍ: قلتها أنت أخوها من الرضاعة فقط وليس من الدم، لهذا لا تنصب نفسك مسؤولاً عليها


رفع حاجبه ناظرًا إياها من الأعلى للأسفل بإحتقار مغمغمًا بعدها: في عرفنا لا فرق بين الرضاعة والدم أو نسيتي ؟


تشتت أنظارها مبتلعة ماء حلقها هاتفة برفض: خالتي جوليا وزوجها عصام هم من لهم الحق في رفض علاقتي بها، لهاذا لا دخل لك أنت


تحركت محاولة تجاوزه فرفع ذراعه مرة أخرى سادًا الطريق عليها وقد غلى الدم بعروقه وإتقدت مقلتاه بحنق فإقترب منها بغضب وقد توالت على ذكراه تلك الطعنة والخيبة التي رشق بها من قبلها فهمس بفحيح: أيتها الحقيرة يبدو أنّ الطلاق لم يكسركِ


إبتعدت سهام بخطوات مرتجفة للخلف وقد تملكها الهلع فقبضت بشدة على هاتفها كأنها تتشرب منه القوة والصمود، ليدنو هاني أكثر مهمهمًا بكره: أنتِ لاشيئ أيتها اللعينة لهذا تجنبي جنون غضبي


تسارعت أنفاس الأخيرة لترتطم بالجدار وراءها وقد ترائت لها ضلمة ذكرياتها الماضية فشحب وجهها ووهنت قدماها مغمغمة بخفوت متهدج: إبتعد عني، أرجوك


عقد هاني حاجبيه مستعيدًا سيطرته على نفسه مستغربًا خوفها ذاك ، فأبعده زياد بعنف ليتراجع الأخر للخلف بضيق حيث ردد زياد بعدها بمرح: إبنة خالتي عطاء بجلالة قدرها هنا، أهلاً


إبتلعت الأخيرة ريقها محاولة تنظيم أنفاسها متأملةً وجه إبن خالتها زياد الحاني، الذي إستكمل تحيته بلين: لم أجد الفرصة لأرحب بكِ سابقًا يا أميرة، إعذريني مولاتي


جز هاني على أسنانه متقبضًا على جانبه لحركات زياد المستفزة تلك، في حين تبسمت سهام برقة مجيبة بصوت هارب: أهلاً


قهقه زياد متأملاً حالها الواهن المصفر، فلعن هاني بسره ليردف بحنو كي يهون عليها قليلاً: لا تكترثي للأبله الذي بالخلف فأنتِ تدركين جيدًا أنّه يعاني من تخلف عقلي ، لهذا رجاءًا إعفي عنه مولاتي


هدأت الأخيرة وبدأ الهلع يتسرب منها خاصة مع مقلتي زياد الحانيتين كالعادة التي تبثان الراحة للناظر لهما، لتبتسم برقة هامسة: لا بئس


ضحك زياد بخفة قائلاً بمناغشة: حمدًا للّه إذًا (فمد ذراعه مفسحًا لها الطريق بطريقة ملكية) العائلة بإنتظاركِ بالقاعة، تفضلي يا أميرة


توردت سهام مومئة بإيجاب متهربةً من نظرات هاني التي تقدح شررًا وكراهةً، متحركة بخطوات سريعة نحو مقصدها


إستدار زياد لهاني رامقًا إياه بنظرة جادة، فتبسم الآخر بتهكم مرددًا بضيق: كعادتك يا أخي المبجل مفسد للحظات


دنى منه الأخير مبتسمًا إبتسامةً بلاستيكية فعاجله بلكمة مفاجئةً جعلت هاني يتقهقر للخلف، حيث هسهس زياد من بين أنفاسه: صدقًا أنت حقير أيها اللعين، هل إنتشيت من منظرها ذاك وهي مرعوبة، هل غذيت رجولتك بمرآها الضعيف


دعك هاني مكان الضربة مصدرًا صوتا ساخرًا مجيبا بمرارة: لو كنت أهدف لتغذية أحقادي بتخوفيها لكنت فعلت الأسوء يا ذكي


دنى منه زياد متحفزًا وقد توشح محياه بالجدية التامة قابضًا على ياقته مرددًا: ماذا كنت ستفعل يا ترى هَا، هل تراها وحيدة ولا رجال خلفها كي يثأروا لها مثلاً، صدقني يا هاني لو فكرت، مجرد التفكير فقط في الاقتراب منها سأحطم وجهك هذا


ضحك هاني من غير فكاهة مبعدًا زياد عنه مرددًا بتهكم: هيا يا زياد، ألم تسمع والدتك ماذا كانت تقول منذ قليل فقط، أنا أعتبر أخًا لكم


أصدر زياد تشه ساخرة قائلاً: لا يشرفني أحمق مثلك أن يكون أخًا لي


قلب هاني عينيه هاتفًا بضجر: كأنني سأموت بإنتظار قبولك ذاك


تشنج فك زياد غضبا هادراً به: هاني كلمة واحدة ولن أعيدها، سهام خط أحمر لهذا لا تأذي قلب خالتي عطاء من خلالها، إياك لهذا إكبح جماح غضبك ذاك


زمجر هاني هو الآخر قائلاً: لا داعي لتذكرني كل حين بهذه الموشحات اللعينة، أنا كظمت غيضي منذ أول وهلة طعنت فيها، فقط لأجل خالتي


دنى منه زياد أكثر هاتفا بحدة أكبر: إذًا حافظ على هذه الخطوة، ولَملِم لجام هذا التهور والغضب


وضع هاني كفيه على خصره مغمضًا عينيه محاولاً إستعادة هدوءه مهمهمًا بوهن نفسي: رؤيتها تثير جنوني صدقني يا زياد، أحس أنني على فوهة بركان يوشك على الإنفجار


تنهد زياد بخفوت وقد آلمه وضع صديقه وأخيه بذات الوقت، فلا هو يستطيع تخطي الماضي ولا أن يسير بدرب الحاضر، كغريق تشبث بقطعة خشبة وسط أمواج البحر، فربت على كتفه هاتفًا بحزم كي يعيده لصوابه: عد لرشدك يا هاني، إفعل ذلك لأجل نفسك ولوالدتك على الأقل، لا تكن سببًا في زرع الوجع بعينيها يا رجل


زفر هاني نفساً حارًا بعد أن إلتهب صدره بآهات الذكريات و إشتد مغمغمًا بخفوت: أنا أحاول، قسمًا باللّه أحاول يا زياد


أردف الأخير بهدوء: جيد إذا، أنت قوي يا هاني لا تخيب ظننا رجاءًا


رمقه الأخر بهدوء مومئا بصمت محاولاً أن يتخلص من نزف جرحه المتقرح الذي لا زال يكابده


:
•♡•
:


دلف عصام للقاعة هاتفًا بالسلام فعلت همهمات الرد، حيث أبصرته سحر التي إستقامت بفرحة راكضةً نحو أباها الذي فتح ذراعاه ملتقطًا إياها بين ذراعيه يضمها بحب كبير، فهتفت الأخيرة: عصومي أصبحت أشتاق لك بسرعة، هذا غير مبشر أبدًا


قهقه والدها برجولية مقبلاً رأسها بحنان مجيبًا: لماذا هل والدتكِ بدأت غيرتها منذ الآن ؟ ومنكِ أيضًا !!


ضحكت سحر برقة مقبلة وجنته بعشقها البريئ مرددةً ببسمةٍ حلوة: حاليا لا، لكنني موقنة ستبدأ شرارات غيرتها لهذا دعني أشبع منك قبل أن تفرض حصاراً عليك


هز عصام رأسه على ظرافتها مغمغمًا: لا تقلقي صغيرتي سيكون كل شيئ تحت السيطرة


غمزت له سحر بشقاوة مستفهمة: هيا يا أبي إعترف، فالكل يدرك جيداً أنك ستغير رأيك بسرعة لأجل أمي


أحاط أباها كتفها بذراعه مجيبًا ببسمة ماكرة رامقا جوليا بوَلهٍ لتتورد الأخيرة كعادتها هامسًا: شيئ من هذا القبيل


تحرك معها متقدما للأمام فأردفت ضحى بلطف: ألف مبارك لك يا عصام تستحق كل خير أنت وأختي


جلس الأخير على الأريكة لتتخذ سحر مجلسًا بقربه مندسةً بحضنه ليحيطها بذراعه بحنو، مجيبًا بإحترام: العقبة لكِ بعودة إبنيكِ من السفر


قهقهت جوليا بخفة مجيبة: هذا أغلى أمانيها حقا


تبسمت عطاء هي الأخرى هاتفة: الله وحده يشهد كم فرحنا بهذا الخبر العظيم، وأخيراً أتى فرج اللّه، حمد لله هَا هي الآن إبنتكم في كنفكم


ضمت جوليا شهد لحضنها مهمهمةً بمحبةٍ خالصة: إبنتان تقصدين يا عطاء


إبتسمت الأخرى بحنان متأملةً شهد بملامحها الجميلة الرقيقة التي غمرت نفسها بصدر جوليا فغمغمت بحب: أجل بنتان ، أصبح لديكِ الآن أربع أبناء تبارك اللّه


وجه عصام بصره نحو رعد الجالس بعيدًا قليلاً منشغلاً بهاتفه بصمت تام، فأردف بهدوء: بل خمسة ورعد أكبر أبنائي وعزوتي الذي لم يخذلني يوماً


رقت تقاسيم وجه جوليا متأملة شبلها وإبنها الأول مجيبةً بمحبةٍ صادقة: رعد فخري وطفلي الأول


إبتلع رعد ريقه مع غصته الحارقة موجهاً بصره لعمه الذي إعتبره منذ أول ما خطت قدماه للقصر كإبن له وعامله بكل حب ومودة وضمه تحت جناحه، فقال بهدوء: حماك الله لنا يا عمي


أومئ له الأخير بهدوء، ليوجه رعد بصره نحو جوليا صاحبة الصدر الرحب الحاني ، أعظم إمرأة بصرتها عيناه والتي كانت ولازالت شمسًا دافئة تشرق في عالمه، فهمس بمودة حقيقية: رعاكِ الله يا زينة النساء


تبسمت الأخيرة ماسحة بكفها على ذراع شهد التي بحضنها مردفة: وأنت أيضًا حبيبي


قلبت سحر عينيها مهمهمةً بخفوت متهكم: هذا ما كان ينقصني أخ آخر، لا ومتبجح أيضًا


إهتز كتفي عصام بضحكة خفيفة هاتفا بعتاب حاني: سحر صغيرتي لا أريد أي خلاف مع رعد، فأنا أعلم أنك لا تحتملينه لهذا خففي حدة تعاملكِ معه


رفعت الأخيرة عيناها نحو أباها لترى العتاب والحزم بمقلتاه فعبست متلاعبة بزر قميصة هامسة: هو لا يطاق أبي، صدقًا يجعل دمي يغلي كلما لمحته


إرتسمت بسمةً دافئة على ثغره إلا أنّ الصرامة لم تغب عن عيناه مرددًا: رعد هو إبن لي يا سحر، لقد كفلته معكم منذ أن كان صغيراً بعمر التاسعة لهذا هو بمقام أدهم وزياد عندي، لهذا لا أريد أن أرى أي خلاف بينكما


قطبت سحر جبينها مستغربةً لماذا كفله أباها ولما ليس مع والديه وهل هم أحياء أساسًا، إلا أنها أرجعت الموضوع لمؤخرة ذهنها لعدم مبالاتها ، فزمت شفتيها بعبوس ظريف مهمهمة: أنا من مبادئي أن لا أضلم أبدًا يا أبي، من يعاملني بلطف وإحترام أرد له طيب خلقه أضعافًا، ومن يلمس طرفي أمسح بكرامتهِ الغبية الأرض، هكذا يسير الأمر معي ببساطةٍ تامة


رفع أباها حاجبه قائلاً بهدوء: هناك شيئ يسمى الحكمة في التصرف يا إبنتي، التسرع لا ينفع دومًا، تستطيعين أن تغضي الطرف أحيانًا كي لا تقحمي نفسكِ في خلافات أنتِ في غنى عنها


هزت سحر كتفيها مواصلة تلاعبها بزر قميص أبيها مجيبة: أنا شخصيًا لا أستطيع، أجد نفسي أتحفز فجأةً متأهبةً لأي محاولة إساءة لي أو لأختي، فأندفع بحمية أَسُد أي ضرر لنا


أومئ والدها ببطئ مدركًا ما تعانيه إبنته من ترقب مستمر لأي سوء قد يلحق بها أو بأختها هذا الذي حولها تلقائيًا لكتلة نار مشتعلة ذات طبع شرس، فرد عليها مهادنًا: إذا كان غريبا يا صغيرتي، أما رعد فهو بمقام أدهم أخيكِ الأكبر، وينوب عني أنا إن غبت، لهذا أتمنى أن لا أرى أي شرارات بالأجواء


حدقت سحر بتقاسيم وجه أبيها المهيبة وذلك البريق الدافئ الذي لا يخفى بمقلتاه، فرغم حزمه إلا أنّ نبرته مفعمةً بالعاطفة الأبوية، فرفعت كفها أناملها متلمسة لحيته مجيبةً ببسمةٍ رقيقة: أولاً يا عصومي، حتى وإن غبت أنت فلا أحد سيأخذ مكانك، لأنك شخص نادر لا يتكرر بالكون مرتين، ثانيًا أخواي هما أدهم وزياد من الدم وهاني ويزن من الرضاعة فقط وليس ذلك المتبجح رعد (رفع والدها حاجبه على جوابها فتابعت موضحة) عليه هو ومن هم على شاكلته أن يبتعدوا عن دربي ، وأستطيع أن أعدك بشيئ واحد فقط هو أنني سأتجنبه مادام لم يلمس لي طرفاً فقط


تنهد عصام موثرًا الصمت حاليًا كي لا يضغط عليها، فهو موقن أن صغيرته لازال كيانها واللاوعي عندها يعاني تحفزًا على الدوام و هي بحاجة لفترة كي تتقبل فكرة أن هناك سندًا وظهرًا خلفها لحمايتها، فإرتسمت على شفتيه بسمةً عميقة متأملاً إياها داعيا الله أن ترسى شخصيتها على بر الأمان بينهم وتدع الدفةً لهم بدل التأهب الدائم الذي تعانيه، فهمس بلين: سيكون لنا حديث آخر مستقبلاً يا صغيرتي


قبلت جانب صدره مغمغمةً بحب: حبيبي عصومي، أنا طوع أمرك كل حين


قهقه بحنان ماسحًا بخفة على وجنتها، فأبصر زياد وهاني يدلفان القاعة، لتستقيم السيدة ضحى مرددة: هاني بني لقد تأخر الوقت فللنذهب


أردفت جوليا بضيق: بالله عليكِ يا ضحى لماذا أنتِ هكذا مستعجلة، على الأقل تناولي العشاء


إستقامت عطاء هي الأخرى مغمغمةً: وأنا أيضًا علينا العودة فقد تركت إبني الصغير هاشم بالبيت لوحده


وقفت جوليا وقد عبس محياها مغمغمة برفض: إبقيا قليلاً، بالله عليكما لما كل هذه العجلة


زمت عطاء شفتيها مرددةً بعتاب: كالعادة تريدين منا أن ننصاع لإلحاحكِ الذي لا تملين منه


تنهد هاني يقلب عينيه على المشهد الذي يكررنه كل مرة، فوقعت عيناه على سهامx التي كانت صامتة تتابع المشهد ليرمقها بحدة أربكتها فأبعدت عيناها عنه


فتبسمت ضحى مجيبة بهدوء: دعيها مرة أخرى يا جولي، فأنا وزوجي سنذهب بعد قليل لحفلة خطبة إحدى قريبات


نفخت جوليا خديها بعبوس مهمهمة: حسنا


قهقه زياد على عبوسها الجميل مرددًا: مبهرة يا جولي في كل حالاتكِ


رمقه أدهم بضجر، ليستقيم عصام مع سحر أيضًا هاتفا بإحترام شديد: المهم إعلموا أنكم جزء من العائلة ومرحب بكم دومًا


أومئت له ضحى مغمغمةً بشكر: بارك الله فيك يا عصام كالعادة أنت أهل الكرم والجود


ضحك هاني بخفة هامسًا بإستفزاز: أكيد سنأتي دومًا فجولي هي أمي وسحر أصبحت أختًا لي من الرضاعة


ناظره رعد بحدة فغمز له الآخر بإستفزاز، لتردف عطاء موجهة حديثها لزياد: بني هلا أوصلتنا، فزوجي رضا للأسف إتجه لعمله لأمر مستعجل بالعمل


هم زياد بالموافقة إلا أنّ ضحى غمغمت هاتفة: لا بأس يا عطاء تعالي أنتِ وسهامx سيصولكما هاني معنا


تقبضت سهام مشيحةً بوجهها أكثر في حين بلع هاني غصته متمالكًا أعصابه التي ستنفلت، لتبستم عطاء مومئة إيجابًا قائلة: نعم هذا أفضل


رفع زياد حاجبه رامقًا هاني بطرف عينه ليراه قد أضلم محياه بصمت، فنكزه بهدوء منبهًا إياه، حيث تنحنح الآخر مجيبًا بإقتضاب: أكيد خالتي سيارتي تحت أمركِ طبعًا


إبتسمت عطاء بحنان مغمغمةً بإمتنان: حبيبي يا هاني، لين الطبع كعادتك(فدنت من سحر مقبلة إياها متابعة) تبارك الله حماها لكم هذه الجوهرة، جميلة جدًا


لتقترب ضحى من شهد التي كانت تتابع المشهد بصمت حاضنة إياها مما أربك الأخيرة فقبلتها عدة قبلاتٍ على خدها هامسة بلطف: يا إلهي قشدة حقًا


توردت شهد بخجل قابضةً على ذراع جوليا التي حضنتها بمحبة مرددة: ستأكلان البنتان والله


أصدرت ضحى صوتًا مستلطفًا هاتفة بمودة: صدقيني إنهما كتلة حلاوة لا تقاوم


مط أدهم شفتيه مردفًا بتهكم: لن ننتهي اليوم سنرى القبلات تتراشق من كل الإتجاهات


قهقه زياد مناغشًا إياه: قلتها سابقًا وسأكررها أمي وخالتي لديهن هرمون أمومة مبالغ فيه حقا


دنى هاني من سحر رافعًا حاجبه بمشاكسة ، فرفعت الأخيرة نظرها متأملة زرقة عينيه وشعره المائل للشقرة، فغمغم قائلاً: تعلمين أنكِ أختي الصغرى الآن، لهذا سأمارس عليكِ دور الأخ الأكبر بكل أريحية


زمت الأخيرة شفتيها، فأصدر زياد تشه ساخرة متحدثًا بتهكم: نحن أخويها من الدم ومنعنا من التنفس أمامها، فتأتي أنت بكل تبجح كي تمارس الدور الذي منعنا منعه، مضحك حقا


إنحنى هاني نحو سحر مهمهمًا بمسكنة جعلت الأخرى تكبح ضحكتها، قائلاً: لكنني سأكون إستثناء يا سحر أليس كذلك ؟


نفت الأخيرة برأسها بدلال مجيبة ببسمة رقيقة: للأسف لست كذلك


تغضنت ملامح هاني، في حين إنفجر زياد وأدهم ضحكًا على محياه العابس، حيث أردف زياد من بين أنفاسه: لم ترى لسان المبرد ذاك، صدقني طوله يتجاوز طولها هي أساسًا


رمقته جوليا بحده كي يكف عن إستفزاز أخته في حين غمز لها الأخير ببسمة خلابة جعلت شهد تبتسم تلقائيًا


:
•♡•
:


أغلقت السيدة ضحى الباب وكذلك فعلت كل من سهام ووالدتها بعد أن إتخذتا مجلسًا بالمقاعد الخلفية، لينطلق هاني بالسيارة وقد توشح محياه الوجوم التام.


فإنكمشت سهام مرتبكةً و قد أخفضت وجهها متلاعبة بسحاب حقيبتها كي لا تتمرد عيناها مطالبةً بعناق مقلتاه الفيروزية، وجهت بصرها لخارج النافذة بقربها متأملةً المساحات الخضراء الشاسعة التي تحيط قصر عائلة زوج خالتها، فشردت بتلك الذكريات الحلوة التي جمعتها سابقًا معه، ومضات ذات بهجةٍ بهيةٍ كبهجةِ بروز قوس قزح بعد المطر


قطع الجو الصامت غمغمة السيدة عطاء المتسائل: أي خطبة هذه التي ستحضرونها يا ضحى؟


تبسمت الأخرى بهدوء مجيبةً: خطبة الإبنة الصغرى لخالة زوجي، تمت دعوتنا منذ أسبوع وألحوا كثيرًا على زوجي كي يحضر لمحبته لديهم


أومئت عطاء بصمت، فهمست مباركة: مبارك لها عساها تسعد يارب في كنف زوج صالح، (فتابعت بحسرة مصطنعة) أغلب الشباب الذين نعرفهم تزوجوا، إلا أنتِ وجوليا يا ضحى، أبنائكما فضلوا شبح العنوسة على الإستقرار كخلق الله


مطت ضحى شفتيها مسايرةً مقصد أختها مغمغمة بمسكنة مفتعلة: ماذا نفعل يا عطاء ؟ يوجعون قلوبنا و لا يكترثون لرغابتنا، هذا هو جزاء التضحيات طوال السنوات السابقة


قلب هاني عينيه على موشحات والدته وخالته التي يعيدونها كل مرة على مسامعهم، فأردف بتهكم: بالمناسبة حليتكم مكشوفة جدّا، هاتوا غيرها


زمت عطاء شفتيها بعبوس قائلة: صدقّا لا فائدة منكم أنتم الذكور، لو أنجبت ضحى بنات أفضل، على الأقل هن مؤنسات رقيقات


لوى هاني شفتيه مجيبًا بسخرية: للأسف هَا قد أبتيلتم بالذكور للأسف، تحملن قدركن البائس


إلتفتت ضحى نحو سهام وقد ارتسمت على شفتيها بسمة حانية هامسة: عسانا نفرح بسهام أيضًا وسحر وشهد، ونراهنَّ في عصمة زينة الشباب


توترت الأخيرة رافعة عينيها للمرآة الأمامية فتقابلت مع مقلتاه التي حملت في ثناياها كل معاني التهكم والحقد فإرتج قلبها بين أضلعها و إنحسرت أنفاسها مشيحةً وجهها عنه بصمت تام، فأردفت بصوت هارب: إن شاء اللّه يا خالة


فقبض هاني بقوة على المقود و قد علاَ محياه الحنق مداريًا ما يعتمل في صدره من صراعات تستعر كالجحيم ، فمسحت عطاء بحنو على ذراع سهام مرددة بعاطفة جارفة: يارب يا ضحى إدعي لها كثيرًا لو سمحت، عسى أن أفرح بها مع شاب صالح وتقي يعوضها على ما فاتها


توردت سهام بخجل مطرقةً رأسها موثرة الصمت كعادتها في حين قد إبتلعت غصة مرارتها عند تذكرها ما حدث سابقًا، فأومئت ضحى مجيبة بهدوء: سهام فتاة رائعة حقًا أبشري يا عطاء بإذن الله سيجبرها الله ويقر عينيكِ بفرحتها كما أجبر جوليا، فقط أنتِ قولي يا رب


همهمت عطاء ب " يا رب " ، حيث كظم هاني غضبه مردفًا بهدوء حاول إختلاقه: وأنا ألا تدعون لي بزوجة صالحة أيضًا ؟


وجهت ضحى بصرها نحوه مرددة بضجر: لو تحركت قليلاً لكنت الآن متزوج ولك أطفال، بدلاً من عجزك هذا عن الزواج مثل خلق اللّه


رفع الأخير حاجبيه، فرفع بصره للمرآة الأمامية فأبصر مقلتاها تلك لتشيحها بسرعة عن مرآه، لترتفع زاوية شفتاه ببسمة ساخرة، فأردف بمكر: حسنًا ، أعطيكم الضوء الأخضر لإختيار عروس لي وأنا سأوافق فوراً


تقبضت سهام وقد خفق قلبها عدة خفقات متتالية مهتاجة وقد غامت عيناها في وجع أضناها،x حيث هتفت عطاء بحماس: تتكلم جديًا يا هاني؟


أومئ لها الأخير إيجابًا متابعًا تأمل الطريق أمامه، مجيبًا بصوت واثق مفعم برسائل مبطنة للمقصودة: طبعًا يا خالتي، أكيد شاب مثلي لن يضل عازبًا طوال حياته (فتابع بسخرية مريرة) وطبعا لن أنتظر تلك الفتاة التي ستنزل علي من السماء كي أوافق على وصالها، لهذا كأي شاب عادي سأستقر مع زوجة طيبة وأنجب أطفال مثل باقي البشر


رفعت ضحى حاجبها مستفهمة منه: لماذا قررت هذا فجأة، لطالما صدعت رأسي معك أنت وأخويك دون فائدة، ما الذي تغير الآن ؟


حولق هاني بضيق مجيبًا إياها: يا إلهي لا يعجبكن العجب واللّه، أرفض تقلن لماذا ؟ أوافق تقلن نفس الشيئ لماذا ؟ ألستن أنتن تلححن علينا


قهقهت عطاء بفرحة عارمة مرددة: بالله عليكِ يا ضحى ليس وقته، وأخيراً وافق فلنسارع بإختيار عروس له قبل أن يغير رأيه


إبتلعت سهام ريقها قابضة على حقيبتها بقوة خشية أن ينهار صمودها، فسيطرت على تنفسها مبعدة بصرها خارج النافذة بقربها وجوفها ينزف جراء جرحها متقرح، فتنهدت ضحى قائلة ببسمة حانية: الحمد لله إذًا ها قد أتى الفرج، يبدو أننا سنسعد قريبًا


شاركتها عطاء فرحتها مستفسرة من هاني بفضول: هل لك صفات معينة بعروسك المستقبلية كي نتبعها يا بني


نفى الأخير مجيبًا بوجوم: لا يا خالة، المهم أن تكون ذات خلق (مستكملاً بنبرة مفعمة بالمعاني) وركزي على جانب الخلق هذا هو الأهم، مثلاً لا تخون، لا تكذب، والأهم تحترم وعودها


إلتمعت عيني سهام بالدموع إلا أنها كبحتها كي لا تنساب بحرقة على وجنتها، مبتلعة الطعم المر الصدئ بحلقها، فهي تدرك جيداً أنّ أحرفه تلك التي يرشقها هنا وهناك هي المعنية بها


أومئت ضحى بهدوء مهمهمة: الدين والخلق الحسن هو أساس أي زواج ناجح طبعًا

غمغمت عطاء بالموافقة هاتفة بمودة: إذا لا توجد لك مواصفات شكلية محددة، سنختار بناءا على ذوقنا نحن ؟




أجاب هاني بهدوء: نعم، خاصة أنتِ يا خالتي أثق بذوقكِ كثيرًا وأي عروس ستختارينها، سأوافق عليها


قهقهت عطاء ضاربة ذراعه بخفة مردفة: لا تبالغ يا ولد، ذوقي بسيط جداً


نفى الأخير قائلا: أبدًا والله لطالما أحببت صنع يديكِ في الحلويات والمؤكولات، دائما تبدعين فيها، لهذا أثق أن عروسي المستقبلية ستكون رائعة أيضًا


توردت عطاء بخجل مجيبة بمحبة: حفظك الله يا غالي، وبإذن الله سأحاول أن أجد لك زينة البنات أبشر


أومئ لها الأخير وقد تمردت عيناه للمرآة الأمامية ليراها مشيحة بوجهها شاردة في عالمها الصامت، فتبسم بخبث متابعا: المهم لا تنسيني يا خالة


تبسمت الأخيرة بمودة هاتفة بطمئنة: لا تقلق بني، لن أنساك أبدًا


:
•♡•
:


أحاط عصام كتف سحر بعد غادر هو وجوليا وشهد القاعة، مرددًا: إحزري ماذا لدي الآن يا بنتي؟


رفعت سحر نظرها لأباها مستفهمة بفضول: ماذا يا ترى


توقف عصام معها ببهو القصر مبتسمًا بحنان: ألم أقل لكِ إحزري؟


تبسمت جوليا بحنو ماسحة بخفة على ذراع زوجها هامسة: لا داعي لتثير فضولها يا حبيبي


دنت شهد من سحر مهمهمة: هيا إحزري يا سحر ؟


زمت الأخيرة شفتيها بعبوس عاقدة حاجبيها بحيرة قائلة: لا شيئ يخطر على بالي (فدنت من والدها المبتسم قابضة على ذراعه بشقاوة متابعة) هيا يا عصومي، لا داعي لوصلة حزر فزر


قهقهت شهد برقة فشاركتها جوليا ذلك أيضًا، حيث تنهد عصام منصاعًا لصغيرته فوضع كفه بجيب سترته مخرجًا بطاقة ما مقدما إياها، فأخذتها سحر مقطبة جبينها بإستغراب فأبصرتها إذ بها بطاقة التعريف الشخصية بإسمها الحقيقي الأصلي " سحر آل سلطان " فتوسعت عينيها وإبتسمت ملأ شدقيها هاتفة بحماس وفرحة عارمة عمت قلبها: يا إلهي إنها بطاقة تعريف بلقبي الحقيقي


إقتربت منها شهد بسعادة هي الأخرى تأثرًا بفرحة أختها هامسة: دعيني أراها



إلتفتت لها سحر بقهقه حلوة وقد مر بريق خاطف بمقلتاها اللازوردية وقد قدمتها لها، فأخذتها الأخرى متأملة إياها وقد خفق قلبها مشاعر كبيرة سعيدة، فرحةً، ممتنةً، شاكرة لتلك اللمعة البهية التي توشحت بها مقلتي أختها الكبرى، فصدقًا سحر تستحق كل خير، فهمست بصوت متهدج: مبارك لكِ أختي، وأخيراً


لتحضنها بقوة فأحاطتها سحر بذراعيها هي الأخرى تضمها لها، متمتمةً بالحمد فهي مدركة تمام الإدراك أن شهد لطالما كانت تحمل همها الذي يفوق سنها


تأمل عصام صغيرته بفرحتها التي إنعكست على محياها ذاك فحضن خصر جوليا التي وجهت نظرها له هامسة بصوت متأثر: لا حرمنا الله منك يا عصامي


إنحنى الأخير عليها لاثمًا وجنتها بحب لتتخضب بحمرةٍ محببةٍ لقلبه مهمهمًا بعدها: ولا منكم يا حبيبتي


قفزت سحر عدة قفزات تحضن البطاقة لصدرها هاتفة بحيوية جذابة: ها قد أصبحت لي بطاقة أفتخر بها و تجعلني أرفع رأسي عاليا


فإقتربت من أمها رافعة البطاقة أمام عينيها مرددةً بفرحة بهية: أنظري يا أمي وأخيراً أصبحت فردًا قانونيا منكم


إبتلعت جوليا غصتها مومئةً بصمت وقد غامت مقلتيها تسبحان في الدموع عاجزة عن البوح بكلمة مقدرة سعادة إبنتها بأنها رست أخيرًا عند بر عائلتها، فجذبتها تحضنها بقوة تريدها أن تعيدها جنينا مندسًا في رحمها فلا تغادرها أبدًا، متمتمةً بالحمد لله


بادلتها سحر الحضن متشربةً منها الأمان ، لتبتعد قليلاً رافعة كفها ماسحة مدمع أمها المنساب متأملة محياها الحاني هامسة: أماه أنتِ الكتف القوي رغم رقته الذي نتكأ عليه كلما أرهقتنا دروب الحياة


فقبلت جوليا جبينها بدفئ أمومي مهمهمة: يا كرم الله أنتي يا صغيرتي


تبسمت الأخرى برقة، فأبصرت أخويها يغادران القاعة فركضت لهما بسعادة مما جعل أدهم يتوجس منها مستفهمًا بريبة: ما الأمر يا فتاة أنتِ توترينني ؟


قهقهت سحر برقة مرجعة كفيها خلف ظهرها مستفهمة منهما بحلاوة: إحزرا ماذا أعطاني أبي؟


أصدر زياد صوتًا ساخرًا مجيبًا بتهكم: أعطاكِ بيتًا صغيرًا يناسب الأقزام مثلاً


عبست الأخيرة ضاربةً الأرض بقدمها مردفةً بضيق: ليس وقت تهكمك الآن، هيا إحزرَا الآن


تبسم أدهم مضيقًا عينيه بتفكير قائلاً بعدها: يا ترى هل أعطاكِ طقم جواهر ما ؟


نفت سحر برأسها ضاحكة برقة مجيبة: لا، بل شيئ أهم بكثير


قلب زياد عينيه عاقدًا ذراعيه على صدره هاتفًا بسخرية: أفحمينا ماذا أعطاكِ وأغربي عن وجهي أيتها القزمة


رمقه أدهم بحدة بما معناه توقف عن سخافتك، في حين زمت سحر شفتيها فتجاهلت زياد رافعةً البطاقة أمام أدهم مرددةً بفرحة: أنظر ماذا أحضر لي أبي وأخيراً


أخذ أدهم منها البطاقة متأملاً إياها فرق محياه وتلألأت مقلتاه بعاطفة أخوية جياشة، ليرمقها بتأثر غير قادر على كتمانه فجذبها محتويًا إياه بين ذراعيه لاثمًا أعلى رأسها هامسًا بصوت مبحوح: مبارك يا فخر آل سلطان


أحاطت سحر جذعه متمرغة بحضنه مقبلة جانب صدره بحب، فزم زياد شفتيه بغيرة آخذاً البطاقة منه متأملاً إياها فهتف بإستفزاز يداري تأثره وتلك النبضات المتراقصة بقلبه: سحر آل سلطان، لقبكِ أطول منكِ في الحقيقة


تأففت جوليا بضيق هاتفة بحزم أمومي: زياد دع أختك وشأنها، توقف عن إزعاجك لها


رفع الأخير حاجبه هاتفًا بمناغشة أكثر: أساسًا هي تبدو بالبطاقة بشعة قبيحة، (فرفع البطاقة موجها حديثه لشهد ) ما رأيكِ أن أمزقها يا شهد، هل توافقينني ؟


توردت الأخيرة ضاحكة برقة نافية برأسها بخجل، فهلعت سحر مبتعدة عن حضن أدهم محاولة نزع البطاقة التي رفعها زياد عالياً من يده، صارخةً بضيق: هاتِ بطاقتي يا عامود الإنارة


تبسم عصام متأثراً بجمال الموقف والمشاكسة الحلوة التي جمعت أبناءه، فإتكئت جوليا على كتفه متابعةً ما يحدث بصمتٍ و فرحٍ


فقهقه زياد رافعًا البطاقة أكثر مرددًا من بين أنفاسه: هيا يا قزمة إقفزي أكثر، أساسًا كان على أبي أن يكتب سحر السنفورة القزمة، بدل لقب آل سلطان


عبست الأخيرة نافخةً خديها بظرافه تقفز حوله محاولة إسترجاع بطاقتها إلا أنّه كان يبعدها عن كفيها كل مرة، مغمغمًا بضحكة رجولية : هيا إعتبريها كرة السلة وإقفزي أكثر، عساكِ تزدادين طولاً قليلاً


زفر أدهم بضجر مستغلاً عدم إنتباه زياد مباغتًا إياه نازعًا البطاقة من يده مقدماً إياها لسحر، لتنفجر الأخيرة ضحكًا على ملامح زياد التي علاها العبوس


فحضنت البطاقة لصدرها تدور حول نفسها بفرحةٍ عارمةٍ تغلغلت بين أوردتها، وفستانها الهفهاف حولها يشاركها سعادتها ودلالها، قائلةً بحماس : وأخيرًا، الحمد لله أصبح لي لقب حقيقي، بطاقة قانونية تنم عن شخصي وأصلي ومنبتي الحقيقي، آل سلطان أنا منهم


ضحكت شهد بحلاوة هاتفة: سحر آل سلطان، فخر الإسم يكفي


تبسم زياد بحنان متأملاً أخته وسعادتها التي توجت بها، فرمق أخاه ووالديه ليتضح تأثرهم هم أيضاً


توقفت سحر عن الدوران متأملةً البطاقة مرة أخرى، ماسحة بأناملها بخفة على لقبها، كأنها تريد أن تتيقن أنها رست في منبتها الحقيقي وأخيرًا، هامسةً بنبرةٍ مهتزةٍ وقد تدفق سيل الذكريات لها: أنا لست لقيطة والحمد لله، لست كذلك أبدًا


لتنفجر ببكاء مرير جالسةً على عقبيها ، ففزع زياد وأدهم من تحولها المفاجئ، حيث تقدم عصام وجوليا نحوها هرعين بخطواتٍ سريعة نحوها ليجثيا قبالتها ، وقد تنهد عصام بوجعٍ مدركًا ما تعانيه صغيرته من مشاعر مشتتة وغير مستقرة تحتاج لفترة نقاهة كي تتأقلم مع الوضع الجديد فضمها له بحنان أبوي مهدهدًا إياها برفق هامسًا: ششش صغيرتي، كل شيئ بخير


لتنفجر مجددًا ببكاء و تفكيرها يعاني فوضى، ومشاعرها التي تتأرجح ما بين سعيدة أنها تأكدت أنها إبنة حلال وما بين حزنها على ما تكبدته سابقاً من تلك النعوت التي وصفت بها، غير قادرة على التخلص من تلك الومضات التي إحتلت ذكراها، فأردفت بصوت متهدج: أنا لست لقيطة يا أبي، لست كذلك


إنسابت دموع جوليا ماسحةً بخفة على ظهرها وهي بحضن أباها مرددةً بنبرة مهتزة: لستِ كذلك صغيرتي، أنتِ إبنة عصام آل سلطان شخصياً وحفيدة جاسم سليل السلالة العريقة بأكلمها، لا تنكسي رأسكِ أبدًا يا صغيرتي


إبتلعت شهد ريقها بوجع على منظر أختها ذاك الذي شطر قلبها لنصفين، مستوعبة أنّ سحر لطالما كتمت قهرها للألقاب التي كانت تقذف بها سواء كان لقيطة أو أبنة حرام، أو المكفولة، فقد كانت تحسن مداراة وجعها ذاك خلف بسمتها الحانية وقوة شخصيتها، فقوست شفتيها لتنفجر هي أيضًا ببكاء مثلها مغطيةً وجهها بكفيها تبكي وجعها على ما تكبدته أختها من ألم سابقًا، تذرف دموع الفرح لسعادتها بين أهلها وأخيراً


تأثر أدهم مشيحًا بمرآه عن المشهد محاولاً لملمة غصته التي تحرق جوفه وتنغل قلبه على أخته، في حين أنّ زياد تمالك شتات نفسه وسيطر على زمام روحه كي لا تنزف دمًا على ما تكبدته أخته وضلعه الثابت في صدره قبلاً، لو كان الأمر بيده صدقًا لكان أخذ وجعها عنها كي تسعد هي ببهجة الحياة فقط


تنهد عصام رامقًا جوليا التي كانت تبكي بصمت بنظرة معناها إذهبي لشهد و خففي عنها، فإستقامت الأخيرة بوهن متحركةً نحو الأخرى التي لازالت مخبئة وجهها بين كفيها تبكي، فضمتها لها تدسها بحضنها متشربةً منها كل ما يزعجها مرددةً بصوت مبحوح: لا تبكي صغيرتي، أختكِ عادت لموطنها الأصلي والحمد لله، إنسيا الماضي الآن، فقط تنعما بالحاضر والمستقبل لا غير


لتبتعد عنها قليلاً متأملةً محياها الجميل الذي إحمر بفعل الدموع، فلثمت جبينها بحب قارصة وجنتها بخفة هاتفة: أنتِ قشدة حتى بدموعكِ يا شهد


أسبلت الأخيرة جفنيها بخجل فقهقهت جوليا على ذلك ماسحة بحنان على ظهرها متنهدة حامدة الله على ما أعطى و على ما أخذ


فتقدم زياد محاولاً إبعاد هذه الكآبة بالجو مرددًا: سنفورة مملة، دعيني أرى صورتكِ بالبطاقة لم أركز معها جيدًا


فجثى قبالتها محاولاً نزعها من يدها التي حضنتها بصدر والدها نافية برأسها بعبوس، فزفر بضجر قائلاً: قلت هاتي، أراهن أنهم وضعوا صورتكِ كاملة لطولكِ القصير ذاك


مسح والدها دموعها من خديها بحنو، فغمغمت بضيق: لست قصيرة يا عامود الإنارة


قلب الأخير عينيه مجيبًا بملل بعد أن ضرب رأسها بخفة: بلى قصيرة وغبية أيضًا، هاتِ البطاقة للحظة أتأكد


نفت الأخرى برأسها رفضاً حاضنة إياها أكثر، فرددت شهد بقهقهة خفيفة: إنه يغار منها حقًا


رمقها زياد رافعًا حاجبه مستفهمًا بمكر: ماذا قلتِ ؟


إرتبكت الأخيرة مقتربةً من جوليا أكثر مجيبةً بخفوت: لا شيئ


إستقام زياد متجهًا نحوها فتوردت الأخرى مشيحةً ببصرها عنه، فسأل بإستفزاز: وكأنني سمعت غيرة ما عن شخص معين ؟


نفت الأخرى برأسها تداري نفسها خلف جوليا بخجل، فإشرأبَ هو بعنقه محاولاً أن يراها وهي تخبئ نفسها خلف الأخيرة التي ملت منه دافعة صدره هامسةً بضيق: أبتعد عن أختك يا ولد، كفاك إزعاجًا لهما


تحرك زياد من الجانب الآخر محاولاً تكرار سؤاله لشهد التي إنكمشت بحياء جذاب: هذه السنفورة قالت وكأنني غرت من القزمة الغبية التي بالخلف ، لهذا دعيها تأكد لي فقط


قهقهت شهد برقة مبعدة محياها عنه بتورد، فرفعت جوليا ذراعها من الجانبين مبعدةً زياد عنها مرددةً بضجر: إبتعد قبل أن أفقد صبري


حاول زياد التحرك من الجهة الأخرى كي يبصر شهد التي كانت تتهرب من كل إتجاه مستغلة وقوف جوليا أمامها، فغمغم بضحكة رجولية رسمت بسمة رقيقة على شفاه الأخرى قائلاً: لا تهربي، تعالي وواجهيني أيتها الصغيرة


نفت شهد برأسها بدلال مندسةً بظهر جوليا من الخلف هامسة: لا


فعبس زياد بملل هاتفا: جبانة


قهقهت شهد برقة منحنية رأسها قليلاً لتراه مجيبةً برقة مستفزة: بل أنت الذي كذلك


فغر زياد فاهه لتندس الأخيرة بظهرها مجدداً ضاحكة على محياه المنصدم، فأشار بكفه لنفسه مستفهمًا بإنشداه: أنا جبان ؟


ضحكت شهد مجدداً فتقدم مرة أخرى مرددًا بعبوس: أخرجي لأريك من هو الجبان أيتها الصغيرة


نفت الأخيرة برأسها بدلال موثرة الصمت فأحاطت جوليا ظهرها حاضنة أياها رامقة زياد بحدة مهسهسةً من بين أسنانها: دعها وشأنها يا زياد، أعصابي لم تعد تتحمل أي جدال الآن


إستقامت سحر مع أباها موجهة كلماتها لزياد: دع أختي أيها الممل


قلب الأخير عينيه بتهكم مجيبًا: إنتِ إبقي بحضن أباكِ فقط


هزت الأخيرة كتفيها بدلال مغيضة زياد أكثر، مقبلة وجنة أباها بحب هامسة: رعاك الله لنا يا أبي فأنت الحضن الحنون الذي نأوي إليه من متاهات ووحشة الأيام


مسح الأخير بدفئ على وجنتها متأملاً بهاء صغيرته مجيبًا بحنان: جبرت بكِ أنتِ وشهد يا إبنتي، ونعم الجبر أنتما والله


دلف رعد من باب القصر فترائى له هذا الجمع حيث عقد حاجبيه، لتنادي عليه جوليا بحنو: رعد حبيبي، بارك لإبنتي سحر فقد حصلت على بطاقة التعريف الشخصية الخاصة بها


تغضنت تقاسيم وجه رعد رامقًا سحر التي تناظره بإستخفاف، فتقبض على جانبه بحنق، صدقًا هذه المخلوقة تثير فيه كل المشاعر الهمجية، فناظرها ببرود منصاعًا لرغبة جوليا هاتفا بإقتضاب: مبارك


مطت سحر شفتيها مفضلةً عدم الرد، إلا أنّ والدها رمقها بنظرة صارمة بما معناه كوني لبقةً، فتململت مجيبةً على مضض: شكرًا


فزفر الأخير بضيق متحركًا بهدوء وخطوات واثقة نحو المصعد وقد كظم غضبهxحاثًا نفسه على الهدوء متمتمًا بكلمات مشتعلة: لا تقتلها… لا تقتلها

:


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء
تعليقات