اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل السادس 6 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل السادس 6 بقلم رانيا ممدوح



                                              
استدار صقر عن والده، ظهره مشدود كوتر القوس، لكن في داخله عاصفة لا تهدأ.

+


صاح جمال بصوتٍ امتزج فيه الغضب بالخوف:
"ارجع عن اللي في راسك يا صقر... متخلّيش العِناد ياخدك لطريق مالوش رجوع!"

+


لكن صقر لم يُجبه.
عيناه كانتا قد تجاوزتا والده إلى ما هو أبعد...
إلى يزيد، الواقف على بُعد خطوات خلف جمال، يراقب بصمت وقلق.
نظرة خاطفة جمعتهما  عميقة، حادة، وكأنها لغة لا يفهمها سواهما.
ثم حرّك صقر بصره إلى زاوية القصر، حيث كان حصانه الأسود مربوطًا، يختنق شوقًا للركض.
ثم عاد ينظر إلى يزيد...
ثم إلى آخر عتبة من عتبات القصر خلفه حيث ينتهي المأوى، وتبدأ الحرية.

+


لم يكن هناك وقت للكلمات.
يزيد فهم كل شيء، دون أن يُقال شيء.
وبحركة سريعة، فكّ الحبل عن عنق الحصان، وساقه إلى مقدمة القصر من الباب الخلفي دون أن يشعر به أحد بخطواتٍ متسارعة، قبل أن يعود إلى مكانه، دون أن ينطق بكلمة.كان الجميع مشغول بمشاهدة الحوار بين جمال و صقر و لم يلتفت له أي شخص .

+


كان جمال لا يزال يتحدث، لا يعلم أن النهاية قد كُتبت:
"لازم تكون راجل... وتسمع كلام أبوك... الرجولة مش عناد يا صقر..."

+


لكن صقر سمع صهيل حصانه بالخارج اخترق أذنه ليعطيه صفير نهاية المباراة، فجأة، ومن دون إنذار…
انفجر كبرقٍ خاطف!
وثب بخفة فهد، وصعد بوابة القصر كأن بين ضلوعه أجنحة.
قفز من فوقها في بضع ثوانٍ كأن الأرض لم تعرف له وزناً.

+


الجنود شهقوا.
الخدم تجمّدوا.
وجمال صمت… للحظةٍ لم يفهم فيها إن كان ما رآه حلمًا أم خيانة.لم يتوقع خفة ابنه و سرعته الغير متوقعة.

+


ركب صقر حصانه الأسود  فارسًا، غاضبًا، حرًّا.
واندفع به نحو الأفق كطلقةِ نار، لا يلوّح، لا يودّع، لا يلتفت.
اختفى عن الأنظار...
وبقي وراءه دخانٌ من غبار، وندمٌ يتصاعد من قلب رجلٍ كتم الحبّ خلف القسوة.

+


تجمّد جمال في مكانه، وكأنّ الزمان قد أوقف أنفاسه احترامًا لما حدث.
عجز عن تصديق ما رأت عيناه، لم تكن مجرّد لحظة تمرّد، بل كانت خنجرًا غُرس في قلبه، بيد من ظنّه امتداده وسنده.

+


اختلطت في صدره مشاعر متناقضة... غضب متفجر، وذهول صامت، وحزن دفين.
ابنه الذي رعاه كما يُرعى السيف في غمده، ربّاه على الشدّة ليشتد، وعلى الصبر ليصبر، وعلى الطاعة ليرتقي...
ها هو الآن يكسر القيد الذي لم يكن قيدًا، بل كان حزامًا من القسوة.

3


غامت رؤيته لحظة، كأنّ الذكرى غطّت عينيه.
تذكّر صقر صغيرًا يتعثّر في خطواته الأولى، يقوده بيده، يعلّمه كيف يُفرّق بين صهيل الفرس وهدير العاصفة،
كيف ينظر في عين الرجال دون أن يرمش.

+


وفجأةً، كأنّ تلك الذكريات زادت الجرح اتساعًا،
قالها بصوتٍ مبحوح، يكاد لا يُسمع:
"ماشي يا صقر حكمت على روحك."

+



                                      


كان يعلم أنه لا يهدّد، بل ينهار.
لكنه ما تعوّد أن يُظهر كسره، ولا أن يعترف بانحنائه.

+


وقف ثابت الجسد، مُرتجف الروح.
عيناه جامدتان، لكن قلبه ينوح.
لم يشعر بالهواء حوله، ولا بحرارة الشمس التي كانت تضرب الأرض تحت قدميه.
كان كلّ ما فيه منصبًّا على فكرة واحدة،
صقر خرج... بإرادته... من تحت جناحيه.

+


وبينما كان صوته الأخير لا يزال يتردد في أرجاء القصر،
ترددت داخله همسات خفية:
"أنا اللي شدّيت عليه؟"
"ولا هو اللي ما استحملش؟"
"أنا اللي ما فهمتش؟"
"ولا هو اللي ما فهمنيش؟"

3


ورغم قسوته الظاهرة،
كان في أعماقه سؤال ينزف:
"يا ترى... هيرجع؟"

+


لكن فجأة، انفجرت صرخة من جوف جمال، كأنها جاءت من عمق قلبٍ مكسور، لا من حنجرة رجل جريح لكنه عنيد:

+


"هاتوه، عايش ولا ميت... ما يهِمّنيش."

1


دوّت الكلمات في أرجاء القصر، كالرعد الذي يشقّ السماء في ليلة غضب.
ارتجف لها الجند، وتبادلوا النظرات، ما بين دهشةٍ وخوفٍ من أن تكون هذه لحظة الجنون التي طالما خافوها.

+


كانت نبرة جمال تحمل مزيجًا مرعبًا من الألم والغضب والكِبرياء المجروح.
صوته، الذي لطالما هزّ به الرجال، خرج هذه المرّة حادًا كالسيف، مرتعشًا كيد المرتجف، جريحًا كقلب الأب حين يخونه أقرب الناس.

+


لم يكن يأمرهم بإحضار عدو، بل كان يأمرهم بإحضار أثره، بإعادة جزء من روحه خرج عن سيطرته.
"هاتوه"
كأنّ ما فاته لا يُغتفر، وكأنّ صقر لم يعد ابنه بل خصمًا خرج عن طاعته،
خصمًا يجب أن يُرد بالقوة... لا بالحوار.

+


في داخله، لم يكن يريد موت صقر،
لكنه كان يصارع ضعفه، يخفي وجعه، يخبّئ رجاءه خلف صوت الأوامر.

+


كان يصرخ فيهم… لكنه في الحقيقة،
كان يصرخ فيه.
في صقر.
في نفسه.

+


................

+


في بيتٍ طغى عليه عبق الورد، وتراقص فيه الضوء على جدرانه كأن الشمس اختارت أن تباركه بلمستها، كانت حسناء منهمكة في تعليق حبال الزينة. حبال ناعمة من زهور صغيرة ملونة، تتدلى بخفة فوق الأبواب وتنساب على الجدران كأنها خيوط من الفرح المنسوج بعناية.

+


في الركن، جلست بدر تراقب المشهد بعينين فضوليتين، وعبثت بأناملها الصغيرة في طرف ثوبها، ثم سألت بصوت يحمل دهشة الطفولة:

+


"هو فيه إيه النهارده؟ "

+


استدارت إليها حسناء، وابتسامة رقيقة ترتسم على وجهها وهي ترفع خصلة من شعرها خلف أذنها.

+


"النهارده يوم الحُسن."

+


رفعت بدر حاجبها باستغراب، واقتربت أكثر وهي تسأل:

+


"يوم الحُسن؟ يعني إيه؟"

+


لكن لم تكد تكمل جملتها حتى دخلت فاطمة بخطواتها الهادئة وقطع صوتها الساكن خيوط الحوار:

+



        

          

                
"مش لازم تعرفي يا بدر."

+


ثم رمقتها بنظرة خفيفة لكنها حاسمة، ومضت إلى الداخل حيث النسيم العليل يحمل عبير النعناع المنقوع في أباريق الطين. أما حسناء، فقد ابتسمت بود وذهبت لتكمل عملها، يدها تزين وحواسها منشغلة بترتيب ما تبقى من الزينة.

+


لكن بدر لم تهدأ، عيناها تلتمعان بالفضول، واقتربت مجددًا من والدتها التي جلست على وسادة كبيرة، وكررت السؤال، هذه المرة بإصرار أقوى:

+


"عايزة أعرف.. إيه يوم الحُسن ده؟"

+


ابتسمت فاطمة، وأشارت إليها أن تقترب. جلست بدر على الأرض، وأسندت رأسها على ساق أمها، بينما راحت فاطمة تمرر يدها في شعرها بحنان نادر، حنان الأم حين تحكي الحكايات الأولى لطفلتها، فتزرع في قلبها بذور الدهشة.

+


فاطمة (بصوت رخيم):
"اقعدي يا بدر وأنا أفهّمك... يوم الحُسن ده يوم بتعمله القبيلة كل سنة."

+


رفعت بدر رأسها بسرعة وقالت بدهشة:

+


"إزاي أنا معرفتش بيه قبل كده؟!"

+


ضحكت فاطمة، ضحكة خافتة تشبه نسيم المساء في أول الربيع:

+


"علشان ده خاص بالبنات."

+


زمّت بدر شفتَيها وقالت بإلحاح طفولي:

+


"طب ما أنا بنت."

+


ضحكت فاطمة أكثر، ضحكة فيها دفء وألم وحنين:

+


"آه، بس لازم محدّش يعرف إنك بنت... علشان كده معرفتيش إن في يوم اسمه يوم الحُسن."

+


غمر الصمت المكان للحظة، كأن كل جدار في البيت يصغي، ثم همست بدر:

+


"طب إيه بيحصل في اليوم ده؟"

+


اعتدلت فاطمة قليلًا، وأسندت ظهرها للحائط، بينما ظلّت تمسح على شعر بدر كأنها تعجن الذكريات في كفّيها:

+


"كل بنت في القبيلة فوق العشر سنين بتلبس فستان لونه أخضر في برتقالي."

+


بدر سألت بحيرة :

+


"اشمعنا اللونين دول بالذات؟"

+


فاطمة بإبتسامة :

+


"زمان كانوا بيعتقدوا إن لون الخير أخضر... ولون الأمل برتقالي."

+


بدر (مستغربة): 

+


"مش فاهمة حاجة ."

+


فاطمة (برقة):

+


"مش الزرع لونه أخضر... والشمس لونها برتقالي؟
كده البنت بتكون بالنسبة لبيتها زي الخير والأمل...
تخلف وتملأ البيت ولاد وبنات،
والأمل لما تصبّر جوزها على محنته.
في يوم زي ده، كل بنت بتتعلّم تكون كده... وتساعد بيتها وجوزها."

+


أومأت بدر برأسها، وقد بدأت تفهم شيئًا من حكمة الكبار، ثم قالت:

+


"خلاص كده؟ طب ما ده عادي، ليه مش عايزاني أعرف؟"

+



        
          

                
ضحكت فاطمة مرة أخرى، ضحكة فيها غصة خفيفة:

+


"مش خلاص كده يا بدر...
البنت بتحني شعرها بالحنّة البني،
وترسم حنّة على دراعها لحد نُصّه.
وتكحل عينيها .
وبعد كده بيروحوا لستّ بتعرف تقرأ وتكتب بتكون قاعدة هناك في نفس مكان الإحتفال ،
ويقولوا لها أمنيّتهم،
وهي تكتبها في ورقة صغيرة خالص،
وتطويها وتحطها في سلسلة خاصة،
والبنت تحتفظ بيها علشان تفضل فاكرة أمنيّتها،
واللي بيحصل.
وطالما راحت مرة، ما تروحش تاني...
ولو كانت فوق الـ15، ما تروحش خالص."

+


اتسعت عينا بدر، كأنها ترى عالمًا جديدًا، وقالت بصوت مبهور:

+


"الله! ده شكله يوم حلو وممتع...
بس ليه لو فوق الـ15 ما بتروحش؟"

+


تنهدت فاطمة، نظرت إلى النافذة حيث الشمس تغازل ستائر القطن، ثم تمتمت:

+


"علشان البنت بتكون كبرت...
وتقعد في البيت تستنى جوزها،
اللي هييجي بيت أهلها.
في القبيلة عندنا، البنت بتتجوز في سن الستاشر..."

+


ثم سكتت، كأن الكلام صار حجارة على صدرها.

+


في ذلك الركن من البيت، بين الزهور المُعلقة والحنان المسكوب، عرفت بدر أن الحياة في القبيلة ليست فقط رقصات وزينة، بل طقوس وأسرار، وأن للأنوثة موسم يُكتشف، يُحتفل به مرة واحدة... ثم يمضي في صمت.

+


في تلك اللحظة، سكنت الغرفة كأنها تستمع هي الأخرى، وانسحب صوت الضحك من الزوايا ليترك الساحة للذكرى. انعكست شمس الغروب على وجنة فاطمة، فكأنها استعادت شيئًا من ملامحها القديمة… تلك التي كانت تنتمي لفتاة في مقتبل الحب، على مشارف دهشة اللقاء الأول.

+


كانت فاطمة جالسة وأسندت ظهرها إلى الحائط، بينما "بدر" اقتربت منها أكثر، اتسعت عيناها وكأنها طفلة تستعد لسماع حكاية أسطورية تنتظرها منذ سنوات.

+


فاطمة (بصوت تغلفه الرقة والحنين):
"تعرفي… في اليوم ده، أنا شفت أبوكي سالم."

+


كان وقع الاسم ثقيلًا وعذبًا في آن، كأن ذكره يفتح صندوقًا من زمن لا يُروى بسهولة.

+


بدر (وقد تهللت ملامحها):
"بجد؟ شُفتي بابا ؟  إزاي؟ كان لابس لبس القادة؟"

+


فاطمة (ابتسمت ابتسامة دافئة وغامت عيناها):
"كان لسه مبقاش قائد…
كان شاب عادي، واقف على طرف الساحة، وسط الزحام،
والزينة بتتهز من نسمة العصر، والناس كلها فرحانة،
وأنا… أنا كنت وسط البنات، ضحكنا، واتنططنا، واتزينا،
بس لما شوفته… كل حاجة حواليّا سكتت فجأة."

+


سكتت فاطمة للحظة، كأنها تبحث عن وصف دقيق لنبض تلك اللحظة، ثم تابعت بصوت أهدأ:

+


"شفته وشافني،
ورغم إني كنت متزينة، وحولي بنات أجمل مني…
هو ما بصّش غير عليا.
عينه علقت فيّ كإني الحكاية كلها،
ولا كأن في صوت حواليه، ولا في عالم غيري."

+



        
          

                
بدر (وقد انعقد الحلم في صوتها):
"يعني حسيتِ بيه من أول نظرة؟"

+


فاطمة (تميل برأسها وتبتسم):
"مش بس حسّيت… أنا قلبي دق يا بدر.
مش زي أي دق،
ده كان زي طبلة صغيرة بتعلن بداية مهرجان في قلبي،
واللي أغرب… إني حسّيت إنه كمان دق له نفس الطبلة."

+


بدر بفضول مُلح:
"طيب، قالك حاجة؟ اتكلم معاك؟"

+


فاطمة (هزت رأسها ونظرت للسقف كأن الذكرى مكتوبة عليه):
"ولا كلمة…
بس كانت عنيه بتحكي كل حاجة.
أنا عمري ما شفت عيون تقول كل الكلام ده من غير ولا صوت.
كأنها بتقولي: "أنا هنا، علشانك… وهستناكي"." 

+


بدر (بهمس):
"وبعدين؟"

+


"مفيش بعدين …
هو اختفى وسط الزحمة، وأنا رجعت للبيت وأنا قلبي بيرقص،
بعدها بكام يوم،
أبويا ندهني وقال لي: "في واحد اسمه سالم بعتلي جواب،
كاتب فيه بس سطر واحد: مطلوب في بيت القيادة".

+


سكتت فاطمة، ولمع الدمع في عينيها، ليس حزنًا، بل لفرط ما كان ذلك اليوم نقيًّا، بسيطًا، لكنه غيّر مصيرها.

+


فاطمة (بهمس):
"ومن ساعتها بدأت الحكاية…
ما كانش قائد… بس من اللحظة دي، بقى سيد قلبي."

+


وساد الصمت بعد كلماتها، ليس صمتًا باهتًا، بل صمتًا ممتلئًا… كأن الذكرى نفسها اكتفت، وتركَت للهواء مهمة سرد البقية.
أما بدر، فكانت جالسة بصمت مهيب، كأنها لا تريد أن تطلق أي صوت يوقظ الحكاية من سُباتها الجميل.

+


ابتسمت فاطمة، وبدت كأنها تعود بالزمن، تغوص في قلب لحظة لا تُنسى.

+


ثم قالت بصوت مشبع بالشوق:

+


"راح أبويا و هو مرعوب، لقى سالم بيطلب إيدي."

+


تنهّدت، ورفعت رأسها قليلاً كمن يرى الفرح يُعاد أمامه:

+


"اتعمل لينا فرح محدش عمله في القبيلة كلها."

+


انبهرت بدر، وجلست أقرب لفاطمة، وهي تمسك بطرف السجادة الحمراء تحتها بلهفة طفولية.

+


"ووافق جدّي بسهولة كده ؟" سألت بصوت متحمّس.

+


ضحكت فاطمة ضحكة خافتة، تنبع من أعماق قلبها، وقالت:

+


"بعد تفكير طويل، وبعد ما شاف فيه صدق مش لاقيه في شباب كتير… وافق."

+


أكملت بنبرة شاعرية:

+


"الدنيا كلها اتجمّعت،
الخيل اتزَيَّنت،
والنسوان غنّت لحد الفجر.
حتى الشجر حسّ بالفرحة،
والمطر نزل يومها كأنه بيبارك الخطوة."

+


علّقت بدر بانبهار:

+


"كأنها حلم"

+


هزّت فاطمة رأسها بابتسامة هادئة، وقالت:

+


"لأ يا بنتي…
الاحلام ممكن تبالغ،
لكن اللي حصل بيني وبين سالم…
كان أصدق من أي حكاية بتحصل في الواقع."

+



        
          

                
سألت بدر بهمس كأنها تخشى أن يُكسر السحر:

+


"كنتِ بتحبيه؟"

+


ضحكت فاطمة بخجل نادر:

+


"كنت؟!
أنا لحد دلوقتي…
كل يوم بصحى من النوم أقول الحمد لله إنه جه في طريقي."

+


قالت بدر بصوت أقرب للرجاء:

+


"يعني الحب ده… ممكن ييجي مرة واحدة في العمر؟"

+


فأمسكت فاطمة بيدها، وضغطت عليها بحنان وقالت:

+


"الحب الحقيقي يا بدر…
مش بيخبط على القلب غير مرة،
بس لما يدخل، بيعيش جواه للأبد.
ومش شرط ييجي زي اللي حصل بيني وبين أبوكي،
ممكن ييجي بطريق تاني،
بشكل تاني،
بس الإحساس…
الإحساس واحد.
هو اللي يخليكي تبصي لواحد وتحسي إنك شوفتيه قبل كده في الحلم،
وإنك مستنياه  من سنين. رغم إن عمرك ما شوفتيه في حياتك."

+


تنهدت بدر، ونظرت للأرض كأنها تحاور نفسها:

+


"طيب… تفتكري هيجي اليوم اللي أحس فيه كده؟"

+


قالت فاطمة بثقة امرأة جربت وعرفت:

+


"هيجي…
بس خليه يوصلك من غير استعجال،
خليه يجي وهو طالع من قدَرِك، كأنه جايلك أنتي مخصوص في وقت و مكان و زمان محدش رسمه و لا خطط ليه."

+


همست بدر:

+


"أنا كنت فاكرة الحب ضعف…
بس لما بتتكلمي عنه، بحس إنه قوة."

+


أجابت فاطمة بعينين تلمعان كأن فيهما وهجًا قديمًا عاد للسطوع:

+


"الحب مش ضعف يا بنتي،
الحب هو اللي بيخلي الإنسان يواجه الدنيا وهو واثق إنه مش لوحده.
وأبوكي؟
كان فارس،
بس لما حبني، بقى أقوى، بقى قائد 
لأنه لقى حد يستحق يحارب عشانه. لقى حد مؤمن بيه و بيخاف عليه و بيستناه."

+


ثم سكتت لحظة، نظرت لبدر نظرة الأم التي تسلم الأمانة:

+


" عارفة إنك محاطة بمسؤولية ممكن تخليكي ماتحسيش بإحساس زي ده ، لكن أوعدك ده مش هيطول و هنلاقي حل قريب نحاول نخرج من الوضع اللي اتحطينا فيه غصب ، لولا حب أبوكي للقبيلة كنت شيلتك على كتافي وهربت ، لكن سالم كان بيفكر في كل حمداني قبل نفسه."

+


في سكون الليل، كانت النيران الخافتة تتراقص في مواقد البيوت، والهواء محمّل بعطر الحناء والدخان والعزف البعيد من ناحية الساحة الكبرى، حيث تستعد القبيلة ليوم "الحُسن"  ذاك اليوم الذي تنتظره البنات ليكتبن أمانيهن، ويتزيَّنّ كما لم يفعلن من قبل. لكنه لم يكن يومًا عاديًا لبدر... بل كان وجعًا صامتًا، يترجمه قلبها ولا يجرؤ لسانها أن يبوح به إلا لواحدة فقط: أمها.

+


وقفت بدر أمام أمها، بعينين تلمعان بالشوق، والكلمات تتزاحم على طرف شفتيها، لكنها لم تعد قادرة على كبتها أكثر.

+



        
          

                
قالت، وكأنها تنتزع الكلمات من جرحٍ قديم:
"أنا نفسي أعمل زي البنات لما بتعمل في يوم الحُسن."

+


فزعت فاطمة، واحمرت عيناها قلقًا، فأجابت بانفعال ممزوج بالخوف:
"ماينفعش يا بدر… ماينفعش."

+


لكن بدر لم تتراجع، صوتها كان ناعمًا، لكنه صلب كمن نضج قبل أوانه:
"ليه؟ أنا عايزة ألبس وأعيش زي البنات… لو يوم واحد بس."

+


نظرت فاطمة في عينيها، تبحث عن منفذ للحل، لكنها لم تجد غير الجدران التي تحيطهما منذ سنين، تلك الجدران التي أقامها الخوف والحذر.

+


قالت بصوتٍ مثقل بالواقعية والوجع:
"ماينفعش تروحي مكان الاحتفال… كل الناس هتكون هناك، وكله بيعرف كله.
يعني هيسألوا: مين دي؟ وبنت مين؟ وجاية منين؟
الموضوع مش سهل زي ما بتفكّري.
وإحنا مش عايزين نتكشف، ما صدقنا ربنا ساترها معانا طول المدة دي.
أي خلل مش مفيد لينا… فكّري في وضعنا الأول قبل أي حاجة تانية."

+


لكن بدر لم تكن تتحدث عن حضور ولا شهرة ولا نظرات الناس، كانت تتحدث عن هوية، عن جزء ضائع منها، عن لحظة واحدة تشبه الحقيقة التي تحلم بها كل ليلة. صوتها ارتجف، لكنه لم يضعف:

+


"أنا مش هروح الاحتفال… ولا المكان اللي بيتجمّعوا فيه.
أنا هروح البحيرة المهجورة… محدش هيشوفني ولا هيلمحني.
هلبس الفستان، وأحط حنّة، وأكتب أمنيتي بنفسي… مش محتاجة حد يكتبها لي.
وأقضي… حتى لو ساعة، بدون قيود."

3


في تلك اللحظة، شعرت فاطمة أن قلبها انقسم بين الخوف والشفقة.
رأت أمامها طفلتها التي لم يُسمَح لها أن تكون "بنت" في عيون الآخرين،
لكنها كانت دائمًا "بنتها" في قلبها.

+


شعرت بالحنين والحزن والخسارة يتعانقون في صدرها.
أدركت أن هذا الجرح لا يُشفى بالخوف، ولا تُرمم روحه بالصمت.
فمن نحن إن لم نسمح لأحبّتنا أن يعيشوا لحظة واحدة من حقيقتهم؟
لحظة… قد تغيّر كل شيء.

+


كانت فاطمة تمشي بين ظلال القلق، قلبها يرتجف كأنها تستشعر ريحًا قادمة من بعيد، ريحًا تحمل معها نذر الخطر.

+


فقالت الأم، بصوت خافت مهزوز، أشبه بأنين الريح بين النخيل:
"أنا خايفة عليكي."

+


نظرت إليها بدر بعينين فيهما من الإصرار ما يكفي لقلب الموازين، وهمست كأنها تحاول طمأنتها وطمأنة نفسها في الوقت ذاته:
"متخافيش... هما ساعتين تلاتة أقضيهم هناك وارجع."

+


لكن فاطمة لم تكن لتسلم بسهولة، فهي تعرف الليل جيدًا، وتعلم أن الظلمة لا تكون في السماء فقط، بل قد تسكن القلوب أيضًا. فقالت، وهي تمسك بيد ابنتها كأنها تحاول حبسها بها:
"بس الدنيا ليل... وأخاف عليكي من الليل."

+


رفعت بدر رأسها، وابتسمت ابتسامة من يعرف طريقه رغم العواصف، وقالت بشغف يتحدى المجهول:

+



        
          

                
"هناك فيه كذا شعلة في المكان اللي كان أبويا بيحب يقعد فيه... زي ما حكيتي لي قبل كده."
"هروح... وأستمتع بوقتي."

+


كانت كلماتها كسهام تشق قلب الأم، لكنها كانت تعلم أن لبدر قلبًا يتوق للحياة، وأن قمع الرغبة لن يطفئ النار بل يزيدها اتقادًا.
فتمتمت فاطمة، وكأنها تسلم قدرها:
"هعمل إيه... لازم أوافق، بس هخلي عبد ربه يبص عليكي كل شوية."

+


ابتسمت بدر، وهي تضع يدها على سيفها المعلّق بجانب خصرها، وأجابت بثقة الأنثى التي قررت أن تخلق لحظتها الخاصة وسط قيود القبيلة:
"متخافيش... هيكون معايا سيفي، ومحدش يقدر يعترض طريقي."
"سبيني أحس بالحرية."

+


وفي عيونها اشتعل بريق، ليس فقط بريق فتاة مقيدة تحلم بساعة حرة، بل بريق أسطورة جديدة تكتب فصلاً آخر في حكاية بنات الرمال.

+


جلست حسناء تنظر إلى القماش بين يديها كما لو كان كنزًا من بلاد بعيدة، تلمسه بأناملها بخفة عاشقة، وتدير أطرافه بحرص كأنها تنسج به حلمًا صغيرًا يليق ببهاء فتاة لا تشبه أحدًا.

+


لقد أحضرت قماشًا ناعمًا، بلون الشمس عند الشروق ليُفصل منه فستان يحمل هيبة الأميرات ونعومة الحكايات القديمة. وقطعة أخرى، بلون الحقول المزروعة، أعدّتها لتكون غطاءً للرأس، يلتف حول شعر بدر كأنها تاج من الطبيعة، تتخلله أزهار بيضاء صغيرة كأنها قُطفت خصيصًا من حضن الربيع.

+


دخلت فاطمة في تلك اللحظة، وفي يدها صندوق خشبي صغير، فتحت غطاءه ببطء كأنها تفتح بوابة لزمن آخر. كان الضوء يتراقص على ما بداخله، سلسلة فضية تتدلى منها زخارف دقيقة، محفور عليها شعار لا يفهمه إلا أبناء الدم والنسب العريق.

+


مدّت يدها إلى بدر، وعينيها تمتلئان بمزيج من الفخر والحنين، وقالت بنبرة خاشعة تهتز لها الأرواح:
"دي السلسلة اللي أبوكي جابهالي... أصل دي رمز الحمدانية، مش بياخدها غير سادة القبيلة."

+


كانت كلماتها تخرج كأنها تنتمي لزمن آخر، زمـن كان فيه المجد يُهدى لا يُشترى، وكانت العائلة تاجًا يُوَرّث لا يُباع.
تأملت بدر السلسلة، وعرفت أن ما تحمله الآن ليس مجرد زينة، بل شرف، وتاريخ، ومسؤولية...
عرفت أنها تنتمي لدمٍ لا ينحني، وأن طريقها، مهما كان محفوفًا بالخطر، سيكون مرصوفًا بحب أمٍ، وذكرى أبٍ، وخيطٍ من فضة لا تقدر عليه السنون.

+


سكتت بدر لحظة وهي تتأمل السلسلة، ثم رفعت عينيها لعيني أمها وقالت بصوت خافت لكنه عميق كمن أدرك شيئًا جديدًا:

+


"يعني دي كانت لِيكي أنتي… و أبويا سالم هو اللي جابهالك؟"

+


هزّت فاطمة رأسها برفق، والابتسامة تشرق على ملامحها رغم غلالة الدموع في عينيها، وقالت:

+


"أيوه… جابهالي يوم خطوبتنا. قال لي: دي مش مجرد هدية، دي عهد، لو شلتيها تبقي مني، ولو ضاعت تبقي روحي راحت."

+



        
          

                
مدّت بدر يدها تتحسس السلسلة وكأنها تتحسس حبًا وُلد من زمن، وقالت بدهشة:

+


"كان بيحبك بالشكل ده؟"

+


ضحكت فاطمة بخفة، ضحكة خجولة كأنها عادت فتاة في مقتبل عمرها، ثم قالت:

+


"كان بيحبني قوي… بس حبه مش كان بالكلام، كان بالأفعال. عمره ما قالي (بحبك)، بس كان يسبقني بخطوة في كل حاجة، يحس بيا من غير ما أتكلم… يحمي ظهري، ويفهم سكوتي."

+


سكتت قليلًا، ثم أضافت:
"وإنتي، شكلك طالعاله… دم أبوكي في عروقك واضح، نفس النظرة اللي ما بترجعش، نفس الإصرار اللي بيرعبني ويطمني في نفس الوقت."

+


ابتسمت بدر بخفة، وقالت:

+


"يعني توافقيني أروح مكانه اللي كان بيقعد فيه؟ حتى لو الدنيا ليل؟"

+


نظرت فاطمة إلى ابنتها طويلاً، ثم قالت بتنهيدة:

+


"عارفة إني مش هقدر أوقفك، بس قلبي دايمًا معاكي… لو أبوكي عايش، كان قال نفس الكلام: سيبوها تجرب، دي بنت الحمدانية."

+


اقتربت بدر منها ووضعت رأسها على كتفها، وقالت هامسة:

+


"وهفضل دايمًا بنتكم… بنت الحب اللي اتولد بينك وبينه."

+


في تلك اللحظة، بدا وكأن الماضي قد امتد ذراعيه ليحتضن الحاضر…
وكأن بدر، وهي ترتدي السلسلة، لم تكن فقط تحمل إرثًا… بل تُولد من جديد.

+


ارتدت بدر فستانها الجديد، وقد اختارت له ألوانًا تتراقص مع الطبيعة، حيث تداخل الأخضر بلطف مع البرتقالي، كأنها تحمل بين ثناياها ربيعًا مشرقًا وشمسًا حالمة. الفستان بدا وكأنه صُنع خصيصًا لها، كأنه يعرف طبعها الحرّ، وخطوتها الواثقة.

+


جمعت خصلات شعرها بخفة وربطته داخل إيشارب حريري التف حول رأسها، يحمل نفس ألوان الفستان، فتبدّت وكأنها لوحة رسمتها الطبيعة بيديها. عيناها لمعتا بحماسة طفلة، وقلبها خفق بنداء المغامرة.

+


حملت سلة صغيرة، وداخلها تفاح أحمر يلمع تحت الشمس، وكأنها ذاهبة إلى لقاء خفيّ مع الغابة. بجانب التفاح، كانت هناك محبرة زرقاء كزرقة الغسق، وريشة نعامة بيضاء، نقية كالأمل. أما الورقة البنية، فكانت مطوية بعناية، تنوي أن تكتب فيها شيئًا لا يُقرأ إلا بالقلب، وتكورها لتضعها داخل السلسال… الذي كان يحمل في جوفه وعدًا صامتًا وأثرًا من زمن مضى.

+


ثم امتطت حصانها الأبيض الوفيّ، ووجهت أنظارها نحو وجهتها  البحيرة المهجورة، تلك التي تهمس بها الحكايات وتُخفي الأسرار في أعماقها.
لم تلتفت خلفها، فقد كانت تسير نحو قدرها… بقلب ينبض بالشجاعة، وذاكرة ترتدي المجد.

+


لحق بها عبد ربه بخطوات سريعة لكن حذرة، وهو يعرف أن بدر رغم جرأتها، ما تزال تحمل قلبًا يشتاق للحنان.
كان يحمل في عينيه احترامًا قديمًا لأبيها، وولاءً لا يُزحزحه الزمن.

+



        
          

                
حين اقترب منها، لم يُحدث جلبة، بل قال بصوت منخفض:
"هوصلك للمكان اللي كان والدك بيحبه... زي ما طلبت الست فاطمة."
أومأت له بدر بابتسامة ممتنة، دون أن تنطق بكلمة.

+


قادها نحو ركن منسي على حافة البحيرة، حيث الأشجار تتعانق وتُظلل المكان كأنها تحرسه.
هناك، جلس والدها منذ سنوات مضت، يحكي قصص القبيلة، يضحك بصوته العميق، ويكتب كلمات لم تُفهم بعد.

+


بادر عبد ربه بتنظيف المكان بخفة يد من تعوّد الخدمة دون تذمر. أزاح الأوراق اليابسة، وأشعل بعض المشاعل التي كانت محفوظة بين الصخور.
تراقصت النيران في هدوء، وغمرت الأرجاء بنورٍ دافئ.

+


اقترب بعدها من الأرجوحة المعلقة بين شجرتين عتيقتين، وتفقد حبالها بعناية. شدّها بيده، ثم هزها قليلاً. كانت لا تزال متينة، كأنها تنتظر بدر منذ سنين.

+


التفت إليها وقال:
"كله تمام خلصت مهمتي... المكان مستنيكي."
ثم انحنى قليلًا احترامًا، وتراجع ليمنحها لحظاتها مع الذكرى والكتابة… مع ذاتها.

+


لم تكن تعلم ماذا تفعل وحدها، ولا كيف ستبدأ لحظتها في هذا المكان الغارق في الذكريات،
لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا في قلبها: كانت سعيدة.

+


سعيدة بذلك الثوب الأنثوي الذي تداخل فيه لون البرتقالي الدافئ مع الأخضر الزمردي، وكأن الطبيعة نفسها قد نسجته لها.
سعيدة لأنها سمحت لنفسها، ولو للحظة، أن تظهر كما تشاء، لا كما يُملى عليها.

+


ذلك الثوب لم ترتده يومًا أمام أحد، بل لم تجرؤ حتى على تخيّل نفسها به منذ زمن طويل،
منذ أن دفنت أنوثتها تحت طبقات من الخوف، والصلابة، والتمرّد.

+


الآن، وهي تقف وسط المشاعل المضيئة، وأمام الأرجوحة التي كانت تأوي لأبيها،
تشعر وكأنها تعود إلى ذاتها الأولى، تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تحلم أن تصبح امرأة تُشبه القصص.

+


مدّت يدها إلى السلسلة في عنقها،
ثم جلست على الأرجوحة ببطء، كأنها تعقد صلحًا مع كل ما كسرها يومًا.

+


...........

+


عادت دليلة الحمدانية إلى أرضها بعد غيابٍ طال، كانت المسافة التي قطعتها  نحو خمس ساعات، لكنها لم تكن لتشعر بطول الطريق بقدر ما أثقل قلبها الحزن.

+


الريح تهب فوق المزارع اليابسة، والشمس تختبئ خلف غيمات الرماد، وكأن الأرض نفسها حزينة لعودتها.
عادت، لا كقائدة صلبة طالما وقفت شامخة أمام الأزمات، بل كأمٍ أكل الحزن ملامحها، وأتعبها الانتظار وخيبات الأخبار.

+


وصلت إلى بيت ناجي، ابنها، وزوجته هنادي.
وما إن فتحت باب الدار حتى أسرع ناجي إليها، وقبّل يدها بحب، تلته هنادي تفعل المثل.

+


قال ناجي بصوتٍ يختلط فيه الشوق بالخجل:
"حمد لله على سلامتك يا أمايا."

+


أردفت هنادي، بعينين دامعتين:
"كيف حالك يا خالتي؟"

+



        
          

                
لكن دليلة لم تكن تلك المرأة التي تُطمئن الآخرين...
بل تلك التي أتت محملة بحزنٍ لا يُحتمل.

+


"ماني مسرورة، السرور راح من قلبي."

+


قالتها بنبرة انكسرت على أطرافها أنفاس مرهقة.

+


تبادلت العيون في الغرفة نظرات القلق، قبل أن يسأل ناجي بصوت خفيض:
"ليش يا أمايا؟"

+


نظرت إليه كأنها ترى فيه كل ما خاب من آمالها، ثم قالت:
"بتسأل ليش؟ من ساعة ما مسكت الحكم، وانت مادريتش باللي حاصل، وكأنك مش حاكمها.
الوضع الحالي ما يطمنش."

+


هزّت هنادي رأسها بدهشة:
"ليه يا خالتي؟"

+


أجابت دليلة، وكأن قلبها ينزف مع كل كلمة:
"الزرع صابه الوباء... وخسرنا كل الزرع. المحصول راح، والأرض تبكي."

+


حاول ناجي تهدئتها:
"في فلوس في خزينة القبيلة، ما تقلقيش."

+


لكنها قطعت عليه الوهم بثبات امرأة تعرف ما تقول:
"هيكفي كام سنة يعني؟
لازم نلاقي حل.
أنا حاسة إن الشرقاوية هم السبب... مش مقتنعة إن ده حصل فجأة."

+


قالت هنادي بانفعال:
"أكيد. القبيلة عندها أربعين ألف فدان، وبنزرع منهم خمسة وعشرين ألف!
إنت مش حاسس بالمصيبة دي يا ناجي؟ ده خراب.
الخزينة هتعمل إيه؟
كل اعتمادنا على المحاصيل. كده اسم الحمدانية هيقع في الأرض!"

+


تنهّدت دليلة، وقد بان عليها الإرهاق:
"لازم نلاقي حل.
أنا صحتي خلاص... ما أقدرش أعمل كل حاجة لوحدي.
إنت القائد يا ناجي، لازم تتحمل المسؤولية.
كل حمداني تحت اسمنا مسؤولين عنه،
وإحنا مش عايزين نحتاج حد خالص. سامعني؟
دي وصيتي، مهما حصل، لازم رأسنا تكون مرفوعة فوق."

+


ثم صمتت لحظة، ونظرت من النافذة نحو المدى الواسع، كأنها تبحث عن رجاء في هذا الخراب.
همست بعدها، بصوت بالكاد يُسمع:
"البركة في محصول السنة الجاية.
ولازم نخلي الحرس يزيد حوالين أرضنا.
نشوف ده بسبب الشرقاوية، ولا من إيه بالظبط."

+


ثم التفتت إليهما بعينين تشتعلان قلقًا وغضبًا مكظومًا:
"عرفت إن ابنهم كسب خمسين ألف في المسابقة... وده مبلغ كبير
إزاي بدر ما قدرش يغلبه؟
كل ما أرسل خطاب، تطمنوني وتقولوا: بدر رافع راس القبيلة،
وبقى شديد، واتدرب، وتغيّر.
وفي الآخر، يطيح بيه ابن الشرقاوية كده بسهولة؟"

+


نطقتها، وكأنها تسكب خيبتها على الأرض.
ثم أطرقت رأسها، وهمست:
"أسفي عليك يا ابن سالم...
لازم أروح أشوفه بعيني،
وأتطمن إن مصيبتي ما تتكررش تاني.
كفاية... حد واحد كسر ضهري."

+


وقفت، ونظرت إلى ناجي، وكأنها تنقل إليه ما تبقى من وصايا قلبها المتعب،
نظرة أمٍ تعرف أن ساعة المواجهة قد حانت، وأن الضعف ممنوع... مهما كان الثمن.

+


طرقت دليلة باب بيت فاطمة بثبات غريب، وكأنها تحمل بين ضلوعها عاصفة كاملة.
فتحت حسناء الباب، وما إن وقعت عيناها على الزائرة حتى تجمدت في مكانها، كأن الزمن توقف. شهقة خافتة فرت من صدرها، وعيناها اتسعتا في صدمة حقيقية، تكاد تنفلت من محجريهما.

+



        
          

                
قالت دليلة بتهكم ساخر وهي تضع يدها على خصرها:
"مالك يا حسناء؟ كأنك شُفتي عزرائيل!"

+


تلعثمت حسناء، محاوِلة إخفاء ارتباكها:
"لا يا ستي، العفو... اتفضلي."

+


تقدمت دليلة بخطواتها الواثقة نحو الداخل، بينما سألت دون أن تنظر لها:
"فين ستك فاطمة؟"

+


أومأت حسناء بسرعة، محاوِلة الهروب من الموقف:
"هأناديها حاضر..."

+


وما إن أدارت ظهرها حتى انطلقت تركض بخفة مرعوبة إلى داخل البيت، تلهث بين أنفاسها المرتجفة، ثم نادت بصوت متقطع:
"الحقّي يا ست فاطمة... سِتّي دليلة تحت!"

+


رفعت فاطمة رأسها من جلستها، وقد بدا على وجهها الذهول:
"إيه؟! يا دي الخراب اللي ما يدرِيش بيه حد!"
ثم نظرت إلى حسناء بتوتر:
"هنعمل إيه؟ دي مصيبة مستعجلة!"

+


همهمت حسناء وهي تمسك بطرف ثوبها بتوتر:
"مش عارفة... ربنا يستر... يلا ننزل قبل ما تحس بحاجة."

+


وفي الأسفل، كانت دليلة تنظر بتفحص إلى أرجاء البيت، كأنها تحاول قراءة تاريخ طويل من الأسرار المختبئة خلف الجدران.
اقتربت فاطمة بخطوات ثابتة مصطنعة، وأجبرَت وجهها على ابتسامة باهتة:
"أهلاً أهلاً يا خالتي... ليه كل السنين دي كنتِ بعيدة؟"

+


بادلتها دليلة التحية ببرود:
"أهلاً بيكي يا فاطمة..."

+


ثم نظرت إليها بعينين مشتعلتين بالحزن والعتاب:
"يا رب تكون زيارة خير."

+


قهقهت دليلة بسخرية مُرّة:
"لأ، مش زيارة خير... مكنتش أظنها كده منك يا فاطمة. كل الناس كنت أتوقع منهم الغدر إلا إنتِ... حبيبة سالم!"

+


ارتعشت فاطمة، وشحَب وجهها تدريجيًا، كانت كلمات دليلة كالسياط تهوي على ظهرها.

+


تابعت دليلة وقد علت نبرة صوتها:
"معقول؟! معقول تتصرفي من غير علمي؟ مش معنى إني بعدت إني ما أعرفش أخبارك... ولا ماحسش باللي بتعمليه في غيابي إنتِ وبدر"
ثم أردفت بصوت متهدج بالغضب:
"ليش الكذب يا فاطمة؟ ليش؟"

+


كأن الدم قد هرب من وجه فاطمة، وارتعشت شفتيها وهي تحاول أن تبرر:
"سامحيني يا خالتي... ماكانش قصدي... ده كله علشان مصلحة القبيلة..."

+


كانت على وشك أن تنطق بالحقيقة كاملة، لكن دليلة قاطعتها فجأة:
"مصلحة القبيلة؟! تقوليلي بدر بيعمل معجزات وابن الشرقاوية طاح بيه بسهولة؟!"

+


تنفست فاطمة الصعداء بعد أن كادت تفقد وعيها، يبدو أن دليلة لم تعرف بعد الحقيقة الأخطر.
أكملت دليلة بسخرية يملؤها الخذلان:

+


"تخيلت إنه بقى راجل يا فاطمة... وهيريّحني من اللي أنا فيه أخيرًا. لكن شكله لسه قدامه سكة طويلة..."
ثم سألت فجأة، بنبرة صارمة:
"هو فين؟ أريد أشوفه."

+


تلعثمت فاطمة للحظات، ثم أجابت على استحياء:
"بدر... مش هنا."

+


رفعت دليلة حاجبًا:
"أومال فين؟"

+



        
          

                
لم تجد فاطمة أمامها سوى الحقيقة:
"راح البحيرة المهجورة."

+


توقعت فاطمة توبيخًا قاسيًا، وربما غضبًا لا يهدأ... لكن دليلة ضحكت فجأة، ضحكة حملت مزيجًا من الذكرى والحزن والحنين، ثم قالت:

+


"كده اتأكدت إنه ولد سالم... كان برضو بيروح هناك... يقعد بالساعات، وأوقات يقعد بالأيام."

+


وبين الضحك والحنين، كانت فاطمة لا تزال عاجزة عن فهم إلى أين ستقودهم هذه الزيارة المفاجئة.

+


وقفت دليلة في بهو البيت القديم، تتأمل النقوش التي رسمها الزمن على الجدران، وصدى الذكريات يتردد في قلبها قبل أذنيها. نظرت إلى فاطمة بنظرة امتزج فيها الحزن بالفخر، كأنها ترى فيها مرآة أيام خلت، حين كانت القبيلة بخير، والرجال رجال، لا تهزهم العواصف.

+


قالت بصوت فيه من الصلابة بقدر ما فيه من الوهن:
"لولا إني واثقة في تربيتك يا فاطمة، ما كنت سلمت بدر ليكِ طول السنين دي... لكن القبيلة جاية على أيامٍ سُود، والأيام دي ما ينفعهاش غير قائد قلبه من حديد."

+


نظرت فاطمة إليها بعين قلقة:
"ليه بتقولي كده، يا خالة؟"

+


أجابت دليلة، وهي ترفع عينيها نحو السقف كأنها تناجي أرواح الأجداد:

+


"الأرض مرضت، يا فاطمة... مرض غريب، ما نعرفش له دوا. المحاصيل صابها الوباء، وحاولنا بالعلاج، لكن كأنه يزيد بدل ما يقل... ناجي نايم، ما أدري متى يصحى، ولا حتى إن كان هيصحى!"

+


ثم تنهدت تنهيدة عميقة، بدت كأنها أخرجت معها جزءًا من روحها:
"قلبي انفطر بعد خسارة بدر، وقلبي بينزف وأنا شايفة القبيلة بتتاكل من جوه، ما أدري الطامع من الشبعان، والخاين من القريب... المشاكل بتحاصرني من كل الجهات، ومفيش مين ينجدني."

+


اقتربت منها فاطمة، تحاول مواساتها:
"ما تقوليش كده، يا خالتي... لسه في أمل."

+


لكن دليلة هزت رأسها، والدمعة محبوسة في عينها، لا تسقط:
"دي الحقيقة، يا فاطمة... العمر جري، واللي جاي يمكن ما يكونش ليا. علشان كده، وصيتي ليكي... خلي بدر يكون صخر، لا يتكسر ولا يلين... هو الأمل الأخير."

+


ثم ساد الصمت، إلا من نبض القبيلة الذي بدأ يخفت، في انتظار بدر... الصخر الذي لم يُختبر بعد.

+


اقتربت فاطمة من دليلة، جلست بجوارها على الحصير المنسوج يدويًا، الذي لطالما جمَعهم في ليالي القبيلة الصافية. مدت يدها تمسك بكفّ دليلة المرتجفة، كأنها تحاول أن تبثّ فيها عمرًا جديدًا.

+


قالت بصوت خافت، لكنه مملوء بالصدق:
"أنا ربيته بعينيّ يا خالتي، كأنه قطعة مني... علمته الصبر، علمته يعلي راسه مهما وجعته الحياة، ويفتح قلبه للناس من غير ما ينسى يحرسه."

+


نظرت إليها دليلة، وعيناها تتوهجان بدمعة ثقيلة، وقالت بصوت مبحوح:
"وأنا شايفة ده فيكي، يا فاطمة... شايفة إنك شلتِ أمانة مش أي حد يقدر يشيلها، بس قلبي خايف عليه... خايف يكون طيبته هي اللي تكسّره، زي ما كسرت سالم قبل."

+



        
          

                
فاطمة شدّت على يدها وقالت بإصرار:
«بدر مش زي حد، يا خالتي... بدر هيكون جبل، مهما الريح عصفت حواليه، هيوقف. وأنا وراه، لآخر نفس."

+


سكتت دليلة للحظة، ثم همست كأنها تحكي لنفسها:
"أنا كنت فخورة بسالم... فخورة بيه وهو بيرجع من الحرب، بجسمه مجروح لكن عينيه لسه فيها نور. مات عشان القبيلة تعيش... بس لو القبيلة ضاعت بعده، يبقى موته راح هدر."

+


سقطت دمعة من عينيها أخيرًا، مسحتها سريعًا، كمن يخجل من ضعفه، ثم قالت:

+


"خلي بالك من بدر، يا بنتي... لو انضرب، ما ينكسرش، ولو نادى، يسمعوه. هو الحلم اللي لسه ما تحققش... وأنا مش هتهنى لحد ما أشوفه قائد، يرفع راس أبوه ، وراسك أنتِ كمان ، و القبيلة كلها."

+


فاطمة أطرقت برأسها، ثم رفعت عينيها بثبات:
"بوعدك، يا خالتي... بدر هيكون قدّها، وأكتر. هيكون الراية اللي ما تتهزش... واسم سالم هيفضل حيّ بيه."

+


في تلك اللحظة، هبّ نسيم خفيف من جهة السهل، كأنه يحمل همسات الغائبين، ويبارك الوعد الذي انعقد بين امرأتين... حملتا فوق كتفيهما مصير قبيلة بأكملها.

+


فاطمة نظرت لدليلة بعينين دامعتين، وابتسامة دافئة تلوّن وجهها رغم الحزن، وقالت بصوت حنون:
"استريحي من السفر، يا خالتي... تعبك باين عليكي، شوفي كأنك شايلة الجبل على كتافك."

+


دليلة تنهدت ببطء، كأنها تحمل في صدرها ألف حكاية، وقالت وهي تنظر في الأفق البعيد:
"ما أقدرش أستريح دلوقتي، هستنى بدر لما يرجع... واحشني، يا فاطمة، واحشني كتير.
ما شوفتوش من يوم ما كان في اللفة، رضيع صغير، وكان لسه ريحة اللبن في جلده،
روحت السهل الغربي وقتها، واتلهيت في دوامة المشاكل اللي ما تخلصش،
وكنت أقول كل يوم "أرجع بكرة"،
بس البكرة عمره ما جه، لحد ما لقيت العمر بيعدي من بين صوابعي."

+


سكتت لحظة ومسحت دمعة هربت من عينها، ثم أكملت بصوت مهزوز لكن فيه لمعة أمل:
"لازم يعرف جدته دليلة،
لازم يشوفني قبل ما يضيع مني العمر كله...
يمكن لسه في وقت أقول له: "أنا كنت هناك، حتى لو بعيد... بس قلبي عمره ما غاب عنك"."

+


فاطمة وضعت يدها على كتف دليلة، وقالت برقة:
"هيعرفك، وهيحبك من أول نظرة... لأن قلبه نضيف، زي قلبك. ولسه في وقت، يا خالتي، ولسه في حكايات كتير هتحكيها لبدر."

+


لكن من داخل فاطمة، لم تكن صامدة كما يبدو على ملامحها...
كانت كلمات دليلة كالسكاكين تلامس جرحًا قديمًا دفنته تحت تراب السنين،
كأنها تنتظر بقدوم بدر لا لحظة اللقاء… بل لحظة الحساب.لسر على أبواب أن يظهر و تنتهي اللعبة.

+


.................

+


قاد صقر حصانه بلا هوادة، كأنما يهرب من نفسه، من اسمه، من قدرٍ خُطَّ له بيد أبيه.
أربع ساعات من الركض المتواصل، لا شيء سوى صوت الحوافر يطارد صدى أنفاسه اللاهثة، والغبار المتصاعد خلفه كشاهدٍ على تمرّده.
لم يلتفت. لم يتراجع.
كان الليل قد فرش عباءته السوداء على القبيلة حين انحرف صقر عن الطرق المألوفة، سلك دربًا لم يخطر ببال أحد، كأن قلبه يهديه إلى حيث لا تجرؤ الأقدام.

+



        
          

                
قبيلة الحمدانية كانت تحتفل بيوم الحسن، زينة هنا، وأهازيج هناك،
لكن بعض الأماكن خلت من ضجيجها،
وكأن الأقدار رتبت له مشهداً خاصاً، لا شهود عليه سواه... والليل.

+


شق طريقه وسط الظلام، متخفيًا كأنما يخاف من عيون القمر،
حتى لمح صفًّا كثيفًا من الأشجار يمتد كجدارٍ من الحكايات،
ترجّل عن حصانه وتركه خارجًا،
كان عليه أن يتفقد المكان أولًا، بحذر الذئب وغريزة الفارس.
سار ببطء بين الأشجار، والهواء يحمل رائحة الماء والهدوء...
حتى ظهرت له البحيرة.

+


سطحها كان يلمع كقطعة من السماء سقطت هنا،
تتلألأ أنفاس الليل على وجه الماء، تهمس له بالراحة التي لم يعرفها يومًا.

+


تنهّد، جسده كان مرهقًا،
كل خلية فيه تصرخ طلبًا للراحة، لكن عينيه ظلّتا يقظتين.

+


ثم... حدث شيء.

+


صوت... عذبٌ، دافئ، ناعم كنسيم الفجر،
شجنٌ خافت يغني وسط السكون.

+


توقف صقر.
ظن في بادئ الأمر أن عقله بدأ يخذله، أن التعب نسج له خيالًا يُغنيه عن قسوة الطريق.
لكن الصوت استمر،
يزداد وضوحًا، يتسلل من بين الأغصان، يحمل دفئًا لا يشبه الليل.

+


اقترب، وقلبه يطرق صدره كطبول قديمة،
حتى انزاحت الأشجار كأنها تفسح له الطريق لرؤية المعجزة...

+


كانت هي،
بدر،
تجلس على أرجوحة خشبية تتمايل برفق،
تغني كأنها لا تعرف أن الليل يسمع، وأن القمر يكتب كل ما يرى.
كانت تغني... وكانت أجمل من كل الأغاني.

+


تسللت الكلمات من بين ضلوع الليل، تنساب من بين شفتيها كأنها وُلدت من قلبه هو.
كان يختبئ بين الأشجار، جسده متعب وروحه أكثر، لكنه ظل واقفًا كمن سُحِر.

+


"كل ما أبص لنفسي في مرايتي..."
رنّ صدى الكلمات في صدره، كأنها خرجت من فمه هو، لا فمها.

+


"بحس إني حد تاني... حد تاني مش أنا..."
وهو بالفعل لم يعد يعرف من يكون. ابن الأمير؟ الهارب؟ المتمرد؟ أم الضائع الذي يبحث عن نفسه في الظلام؟

+


اقترب أكثر، بحذر، كأنه يقترب من حلم لا يريد إيقاظه.
كانت تجلس على الأرجوحة، يدها تتمايل مع نسمات الليل، ساقها منسدل كأنه صفحة من الحنين، وصوتها... كان يشفي.

+


"بس مجبر عليه..."
شهق صامتًا. هو أيضًا كان مجبرًا. على الطاعة. على الهروب. على التخلّي.
لكنها قالت ما لم يجرؤ على قوله.

+


تعلّق صقر بالصوت، لم يفهم هل يحلم أم يهلوس من التعب، لكنه سكن تمامًا...

+


"نفسي أقرر لنفسي
نفسي أقف ليأسي
أجري من غير خوف
أسابِق الظروف
بس برجع أقول..."

+


انقبض قلبه.
تلك الكلمات... كأنها خرجت من صدره، من جرحه، من داخله هو.

+


"ما علينا ما علينا
مش بإيدينا مش بإيدينا
جايز الصدفة توصلك
جايز العتمة تنورك
جايز الخوف يشجعك
و من كل وقعة يرفعك
جايز الوحدة تعلمك
و اللي جاي يفهمك..."

+


شعر أن قلبه يرتفع فعلًا، يرتجف، ينبض لأول مرة منذ أعوام دون أوامر.

+


وقف هناك، ثابتًا، يتأملها كأنها مرآته التي لا تكذب.
وكانت هي، تغني لنفسها... ولم تعلم أن أغنيتها حرّرت قلبًا كان يظن نفسه من حجر.

+


كان يحرك قدمه قليلاً، يحاول أن يغير وضعه خلف الجذع، لكن الأرض لم ترحمه...
أصدرت قدمه صوت كسر إحدى الأوراق اليابسة تحتها.

+


شهقت بدر.
نزلت من الأرجوحة بسرعة، قلبها يدق، نظرتها تنقبض، ووجهها يشتعل خوفًا.
استدارت بسرعة نحو مصدر الصوت، ووقعت عيناها 

+


بعينا صقر...
واسعتان، دامعتان، متعبتان، لكن فيهما وهج لم تفهمه... مزيج من الندم، والحيرة، والرجاء.

1


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close