رواية نفوس قاسية الفصل الخامس 5 بقلم مني احمد حافظ
الخامسة .أحاسيس مسروقة.
-----------------------------------
تملل محمود في فراشه فهو لم يستطع النوم بعدما حاول كثيرا الاتصال بسهر دون جدوى لإغلاقها هاتفها، فترك فراشه عازما على إنهاء الأمر وتصحيحه فطرق باب غرفة والديه ووقف أمامهما يشعر بأنه عاد مراهقًا من جديد، لم يعرف لما هربت منه الكلمات ولكنه استجمع شتات نفسه مرة أخرى وحسم أمره وفاتحهما بطلب زواجه من سهر، كان محمود يخشى أن يرفض والده لفرق السنوات بينهما ولكنه تفاجىء بترحبيه الشديد، فسهر بالنسبة له الابنة التي حرم منها ولكن والده زرع فيه خوف رفض والدها فهو يشعر بتغيره معه منذ اقتحم فؤاد حياته، فعاد محمود لغرفته يشعر بالقلق يزداد بداخله لرفض رشدي له ومن وجود فؤاد الذي أصبح يتحكم في رشدي بكل سهولة كما اوضحت له سهر نفسها، فتنهد شاعرًا بأنه أخذ الخطوة الصحيحة والوحيدة ليستحق سهر.
أما سهر فبعدما أنهت تحضير العشاء لوالدها لاذت الفرار لغرفتها وحركت مقعدها ووضعته أسفل مقبض بابها ولم يغمض لها جفن، فكان عقلها يخوض صراعًا مع نفسها يقاوم أن تستلم لشيطانها وتنهي حياتها فما قاله فؤاد دق أجراس الخطر أن وجودها فِي منزل أبيها لم يعد أمن، كذلك ما حدث بينها وبين محمود كان صادمًا، حاولت أن تتقبل وجهة نظره وكلمات اعتذاره لها، فهِي لا تنكر أنها أحست صدق اعتذاره ولكنها لا تشعر تجاهه بمشاعر غير الأخوه فكيف تتقبل منه مشاعر حب وزواج، كانت في صراع نتيجته الوحيدة أنها ظُلمت ظلم أحدث شرخا بداخلها فهي حقا كرهت الحب.
وفي الصباح بعدما صلى محمود الفجر هو ووالده استئذان أن يبقى بالأسفل حتى يحين موعد عمله فِي السابعة، ولكنه أراد أن ينتظر سهر فهو على يقين أنها لن تنتظره وستحاول أن تتحاشاه.
في حين ما أن سمعت سهر الأذان تحركت وغادرت غرفتها وتوضأت وصلت الفجر وقد عزمت على التسلل دون انتظار محمود، ولكنها تفاجأت به ينتظرها فخفضت وجهها أرضًا وتحركت مبتعدة عنه ليتبع خطواتها وقد أحس بخوفها منه وألمه كثيرا ما تسبب به ولكنه أنتظر أن يبتعدا عن شارعهما حتى قال:
- سهر أنا كلمت الحج أني عاوز اتجوزك ومتتخيليش سعادته هو وأمي كانت قد أيه وإن شاء الله هننزل لكم النهاردة وأطلبك من عمي رشدي.
توقفت سهر مكانها ونظرت إليه فغامت صورته أمامها لتتخيله فؤاد فحركت رأسها وتحركت مرة آخرى تسير ولم تستطع أن تعلق على ما قاله، فعقلها عاد يخوض نقاشا حادا مع نفسها:
- وبعدين يا سهر كملت ابيه محمود بيحطني أدام الأمر الواقع ومفكرش حتى يسأل إن كنت موافقة ولا مش موافقة، تقدري تقوليلي هتعملي إيه بعد ما سمعتي اللي قاله فؤاد إمبارح، طب والحل يعني يا نار فؤاد يا اتجوز واحد مش حساه ومش شيفاه غير أخ، بس يا سهر ابيه ممكن يقدر يحميكي من فؤاد، أنتِ شوفتي قولتي إيه قولتي ابيه يبقى هتتجوزيه أزاي وأنتِ شيفاه ابيه، مش مهم كفاية خالتي صفية بتحبني زي بنتها وبتعاملني كويس وعمي خميس كمان وأنتِ عارفة مينفعش تفضلي فالبيت مع بابا اللي نايم على ودانه إيه هتستني لما فؤاد ينفذ تهديه ويضيعك، طيب ما محمود كمان كان هيضيعك وخان ثقتك فيه، أنا عارفة بس هو برر إنه بيحبني وهيحميني، بس يا سهر دا مش حب افرضي مكنتيش قدرتي تمنعيه كان حالك هيبقى أيه، بس هو أعتذر واهو بيقول جاي يتقدم، يعني هتتجوزي واحد مش بتحبيه هتعرفي تعيشي مع راجل مافيش فقلبك له أي إحساس هتتجوزي أخوكي أزاي هتقبلى أنه يلمسك وأنتِ امبارح جسمك كان رافض حتى أنفاسه تقرب منك أزاي يا سهر لما يطلب حقوقه هتديهاله وأنتِ مش حساه، يوة طب أعمل أيه أسيب نفسي لفؤاد دا مستحيل وبعدين يعني كان في حد تاني وأنا قولت لا أساسًا مين هيتقدم لي بشهادة الدبلوم بتاعتي وحالي دا إلا ناس من الشارع والشارع كله مفيهوش حد كويس إلا ابيه، آه يا ربي أنا عمري ما عملت حاجة غلط فحياتي ليه كل دا بيحصل لي هو أنا مش بني ادمة من حقي اختار حياتى واختار اللي أحبه ويحبني.
وعلى حين غرة هاجمتها عينا آدم وابتسامته التي أسرتها فهزت رأسها وسمعت صوت عقلها ينهرها بقوله:
- فوقي لنفسك وبلاش تبصي لفوق أنتِ فين وهو فين.
تنهدت بحزن وأكملت سيرها، فسألها محمود بعدما لاحظ حيرتها وعذابها:
- مردتيش عليا يا سهر.
همست سهر وهي تشعر بأن حياتها تسلب منها:
- اللي تشوفه يا ابيه.
اختطف محمود كفها واحتضنه ليسير بجانبها قائلا غير مصدق ما سمعه منها:
- بجد يا سهر موافقة ياه متتخيليش أنا فرحان قد أيه بس بلاش ابيه دي، سهر أنا عاوز اسمع اسمي منك من غير ابيه.
نظرت له سهر بروح منطفئة وقالت:
- حاضر يا محمود.
رفع محمود كفها إلى فمه وقبله وقال:
- عمرك ما هتندمي يا سهر أنا هسعدك وهعمل كل حاجة تفرحك.
وصلا إلى الفندق واستئذنته سهر لتذهب إلى عملها وأمضت اغلب يومها تعمل حتى لا تترك وقتا تفكر فيه بشىء، حتى أنها أخذت عمل داليا بدلا منها هربا من التفكير، وحينما اقترب موعد انصرافها ناداها عصام قائلًا:
- تعالي يا سهر.
تتبعت سهر خطاه لا تشعر بشىء غير ثقل قلبها فسمعته يطلب منها أن تذهب لتنظيف جناح آدم، وللمرة الأولى منذ الصباح نبض قلب سهر سريعًا فاسرعت إلى جناحه ودخلت تبحث بعيناها عنه، ولكنها لم تجده فشعرت بالحزن يقتل روحها وبإحباط يحتلها فنظفت الغرفة وهي تبكي وبعدما انتهت اخرجت عطر الياسمين وعطرت الغرفة، وما أن همت بالانصراف حتى سمعت صوته يسألها:
- بتعيطي ليه يا سهر.
لم تدر من أين ظهر ولا كيف أنهارت أرضًا أمام مقعده تبكي بقوة كأن دموعها التي ذرفتها طوال الليل لم تكن دموع، تألم قلبها على حالها فربت رأسها وقال:
- مين ضايقك معقول العيون دي تبكي دي اتخلقت علشان تضحك وبس قومي اغسلى وشك وتعالي.
ابتعدت عنه سهر تشعر بالخجل فقالت:
- أنا أنا اسفة.
ابتسم آدم وقال:
- تعالي نقعد فالبلكونة الجو حلو برا واحكي لي ايه مضايق سهري.
خفق قلبها بقوة حينما سمعت اسمها منه وقامت تدفع مقعده نحو الشرفة وجلست أرضًا أمامه فقال لها:
- مكانك عمره ما كان الأرض أنتِ مكانك عالي لازم تعرفي كدا.
تاهت سهر في عين آدم فابتسم لها وسألها:
- ها كنتِ بتعيطي ليه.
تنهدت سهر فكيف ستحكي له عن حياتها التي تخجل منها بسبب ما يحدث لها وأجابته:
- عادي يا أستاذ آدم متشغلش بال حضرتك.
نظر لها آدم وعقب:
- مش عاوزة تحكي عمومًا مش هضغط عليكِ وأي وقت تحسي أنك عاوزة تتكلمي هتلاقيني المهم أنك دلوقتي تنسي أي حاجة تضايقك.
كان آدم يقاوم نفسه من أن يسألها عن محمود ولكنه لم يستطع منع نفسه فسألها بغيرة:
- سهر مين محمود دا اللي كان معاكِ إمبارح ورفض أني اوصلكم.
أشاحت سهر بعيناها بعيدا عنه وأجابته بتردد:
- دا جاري وو.
استنكر آدم أجابتها فهتف بضيق:
- جارك وهو عادي يوصلك مش مفروض في حدود فالاختلاط ولا أنا غلطان أنا آسف لو كلامي ضايقك.
أجابته سهر بحزن:
- هقول لحضرتك أنا والدتي اتوفت بعد ما ولدتني بأسبوع ومعنديش قرايب خالص ووالدة ابيه محمود هي اللي ربتني دي طيبة أوي عاملتني زي بنتها حسستني أني مفقدتش أمي علشان كدا بروح واجي مع ابيه عادي.
حاول آدم أن يتقبل توضيح سهر ولكنه لم يستطع فقال:
- ولو يا سهر مش مبرر إن طول الوقت تبقي معاه لازم تحافظي على الحدود بينكم حتى معايا متستغربيش كلامي أنا مش بتعامل بوشين، بصي يا سهر أنا اتربيت فالجبل حياة للاسف كانت جافة معيارها الصح والغلط ومافيش مفر من العقاب لو غلطت.
صمت آدم حين لاحظ التساؤل في عين سهر فأبتسم وأوضح:
- عاوزة تسئلي جبل إيه اللي اتربيت فيه أنا عشت معظم حياتي فمدينة عالية فلبنان.
سألته سهر بدهشة:
- هو حضرتك مش مصري.
هز آدم رأسه وقد لون الحزن ملامحه وقال:
- لبناني مصري يا سهر والدي لبناني ووالدتي مصرية.
علقت سهر على كلماته بقولها:
- أنا كنت بحسب حضرتك مصري أصلك بتتكلم زينا عادي.
أشاح آدم بصره عنها وتنهد وقال:
- علشان بعتبر نفسي مصري اكتر مني لبناني، المهم أنا عاوزك تعملي حدود فتعاملك مع أي حد ومتسمحيش لأيًا كان إنه يتخطى الحد دا معاكِ.
فاجأته سهر بتغيير اتجاه الحوار وسألته:
- هو حضرتك يعني بقيت كدا أزاي أنا آسفة للفضول.
اغمض آدم عيناه يخفي ما شعر به عن سهر وقال بهدوء:
- بسبب حادثة.
وتنفس بحدة وقال بشرود:
- حادثة هزار زي المقلب اللي شوفتيني فيه أول مرة.
عبست سهر ووقفت تشعر بدهشة وقالت مستنكرة:
- هزار يعني أيه هو في هزار وضحك فأنك تقعد على كرسي أو أنك تتحبس فالحمام.
قبض آدم على مقبض كرسيه يتمالك نفسه وقال:
- معلش يا سهر لو سمحتي بلاش نتكلم فالموضوع دا ممكن.
ورسم أبتسامه على وجهه وأضاف:
- تعرفي أني نفسي أخرج معاكِ تيجي نخرج دلوقتي.
ابتسمت سهر بحرج وقالت:
- طب وبالنسبة للكلام بتاع حضرتك عن الحدود و.
شعر آدم بالحرج لطلبه وشعر انه يبيح لنفسه ما يحرمه على غيره فقال معتذرا:
- أنا أسف معاكِ حق مش مفروض أنسي كلامي أنتِ صح.
شعرت سهر أنها احرجته وأنها ستضيع منها وقتا ترغب بقضائه برفقته وحثها قلبها أن تنقذ الموقف لأنها أيضا ترغب بالخروج معه فقالت برجاء:
- طيب ينفع استثناء المرة دي بس واخرج معاك.
تحرك آدم وتبعته سهر خلفه كأنها منومة مغناطيسيا وفوجئت به يتخذ مصعد مخالف عن مصعد الجناح وكان يبتسم إليها وهو يحدق بعيناها حتى وصلا إلى جراج الفندق، فأسرع سائق سيارته وساعدته ليجلس في مقعد السياره وطوى مقعده المتحرك وأشار آدم لسهر لتصعد فجلست بجانبه وأشار آدم لسائقه أن يتحرك وغادرا الفندق، أخذها آدم إلى جبل المقطم فخرج السائق وتركهما في السيارة وحدهما، انتبهت سهر لما هي فيه وقالت:
- إحنا جينا إزاي أنا مأخدتش بالي خالص.
ابتسم لها آدم بمحبه وقال:
- تلاقيكِ كنتِ سرحانة فحاجة مهمة أوي ها مش ناوية تقولي لي إيه ضيقك وخلاكِ تعيطي.
تنهدت سهر بضيق وقالت:
- لو ينفع متكلمش يبقى شكرًا ليك بجد.
نظر لها آدم وهمس فجأة:
- سهر هو ينفع أمسك أيديك.
مدت سهر كفها لآدم لا تعي غير تنفيذ طلبه تشعر باطمئنان معه، فاحتضن آدم كفها فسرت قشعريرة في جسد سهر جعلت نبضات قلبها تسرع وحدقت بعين آدم فوجدته يغمض عيناه براحة وضغط آدم على كفها وسألها:
- سهر أنتِ عمرك حبيتي.
اضطربت سهر من سؤاله فتذكرت محمود وطلبه الزواج وموافقتها فقالت بحزن:
- أنا عمري ما حبيت.
و صمتت ليحتلها الحزن بالكامل وأكملت:
- ومش عاوزة أحب.
عبس آدم من أجابتها وسألها مستفسرا:
- ليه يا سهر مش عاوزة تحبي على فكرة الحب شيء جميل.
هزت سهر رأسها وقالت:
- جميل أو العكس أنا مش عوزاه أبدا أنا بخاف منه.
سألها أدم باستغراب:
- بتخافي من الحب غريبة يا سهر أنتِ سنك أصلآ صغير، يعني لسه بتتعرفي على الحب يبقى بتخافي منه أزاي وأنتِ بتقولي أنك مش بتحبي.
أحست سهر أنها على وشك البكاء فقالت:
- هو ينفع نرجع أنا مش عارفة هقول أيه للاستاذ عصام ولا لمحمود لما يسألني اتأخرت ليه.
زفر آدم بحدة وقال:
- طالما معايا يبقى متخافيش وعصام مش هيقولك أي حاجة ولو على الأستاذ اللي رايحة جاية معاه فياريت تبطلي تمشي معاه تاني ومتخافيش عصام هيتصرف لو سأل محدش هيعرف أصلآ أننا خرجنا.
وصمت وأخرج هاتفه واتصل على سائقه الذي ظهر كما اختفى وعاد بهما إلى الفندق، كانت سهر تشعر في بادئ الأمر بالحزن ولكنها لم تستطع التغاضي عن كونها تشعر بأنها تحلق في السماء لا تعرف لما تشعر بالسعادة كلما تواجدت مع آدم ولما قلبها يخفق بقوة حين ينظر إليها أو يضحك، أحست أنها تريد البقاء برفقته لوقت أطول لتعترف أنها تنتظر كل يوم أن يطلب منها عصام أن تصعد إلى جناحه، انتبهت سهر إلى عين داليا تلاحقها فزفرت بضيق وابدلت ملابسها وغادرت مسرعة متحاشية الحديث معها، فوجدت محمود بانتظارها فشعرت أنها محاصرة ومقيدة فنظرت إلى محمود وكانت تود أن تصرخ فيه تعلن رفضه ولكنها لم تستطع فقد ذكرتها عيناه بوالدته التي تدين لها بالكثير وتعاملها كأبنتها هي وزوجها الحج خميس وارتباطها لمحمود سيرد جزء من دينها لهم كذلك سيحميها من فؤاد، فحاولت رسم ابتسامة مبعده تفكيرها عن آدم بعيدًا فما تفكر به لمستحيل واقتربت من محمود وقالت:
- معلش أسفة يا محمود كان معايا شغل إضافي.
اتسعت ابتسامة محمود والتقط كفها يقبله وقال:
- احلى محمود سمعتها فالدنيا يلا بينا علشان نلحق ميعادنا مع عمي رشدي.
وقفت داليا تحدق بهما بغيرة وألم فقالت لنفسها:
- بقى كدا يا سهر بتكذبي عليا وتفهميني إن مافيش حاجة بينكم، وماله مبقاش داليا أما رديت لك خبثك معايا.
وصلت سهر وشعرت أنها لم تعد تحتمل رسم تلك الابتسامة فتنهدت وقالت لمحمود الذي كان يلاحقها بنظراته بحب:
- هو أنا لازم أكون موجودة معاكم أصل أنا تعبانة أوي ومحتاجة أنام.
أجابها محمود بلهفة غافلا عم حالتها قائلا:
- يعني نقرأ الفاتحة لوحدنا أومال هلبس دبلتي لمين لعمي رشدي.
خفضت سهر عيناها وتنهدت قائلة:
- طيب متتأخروش ينفع.
صعدت سهر أمامه فأوقفها محمود وجذبها إليه وقال:
- استني اطلعي أنتِ فوق عندنا وأنا هدخل لو لاقيت فؤاد جوا هحاول امشيه علشان نبقى براحتنا المهم متنزليش إلا لما ارنلك.
هزت سهر رأسها بتعب واكملت صعودها ليرن محمود جرس الباب، ففتح له فؤاد فنظر له محمود باشمئزاز وتجاوزه ودخل وجلس بجانب رشدي ومال عليه وقال:
- عاوزين نبقى لوحدنا يا عمي ولا حضرتك نسيت.
و نظر إلى فؤاد بكراهية وقال:
- شرفت يا أستاذ فؤاد.
نظر له فؤاد بحقد وقال:
- وأنت كمان شرفت يا أستاذ محمود.
و جلس أمامه بتحدي واضعا ساق فوق ساق، كانت سهر تسند رأسها على ساق صفية تقرأ لها القرآن ف بعدما صعدت سهر أنهارت بين ذراعي صفية وحين هدأت سهر سألتها صفية:
- مالك يا بنتي بس.
جلست سهر وقالت:
- مافيش صدقيني يا خالتي أنا بس مخنوقة من الحال اللي أنا فيه.
نظرت لها صفية تحاول تصديق كلامها فقالت:
- وهو في حد يبقى مخنوق وهو هيتخطب أنتِ مفروض تبقى فرحانة عارفة يا سهر طول عمري كنت بدعي تكوني من نصيب محمود ابني أنتِ غالية أوي عندي يا سهر أنا الود ودي يبقى جواز على طول وتنوري بيتك عارفة الواد محمود رفض تسكونوا هنا ما تكلميه وتعيشوا معانا ولا أنتِ مش حابة.
رسمت سهر ابتسامة على وجهها وقالت:
- حاضر يا خالتي أنا هقوله أنا كمان حابة اعيش معاكم.
قبلتها صفية وقالت:
- ربنا يسعدك يا سهر ويريح بالك زي ما فرحتيني إنما محمود فين.
أجابتها سهر:
- تحت مع بابا هو قالي اطلع ومنزلش إلا لما يرن علشان لو لو فؤاد تحت.
و قطع عليها كلامها رنين هاتفها اكملت:
- اهو شوفتي يبقى فؤاد مشي أنا هنزل بقى يا خالتي هتنزلي معايا.
قالت صفية:
- طبعا يا سهر هنزل معاكِ مش أنا أمك بردوا ولازم اكون معاكِ فوقت زي دا أنا من النهاردة أمك أنت مش أم محمود.
وافق رشدي على طلب محمود بعد معاناة لإقناعه حينما وضح له خميس أنه سيتحمل كافة مصاريف سهر وزواجها، فاحتضنت صفية سهر بعدما ألبسها محمود دبلته وهو يشعر بأنه يحلق عاليا من السعادة، راقبت سهر وجوه الجميع فشاهدت السعادة تحيا على وجوههم حتى وجه أبيها غمرته فرحة أنه أخيرًا سيتخلص منها، فأغمضت عيناها تفكر أن ثمن تلك السعادة أخذ منها حياتها ونفضت أفكارها حين سمعت خميس يقول:
- أحنا نكتب الكتاب على أخر الشهر علشان يقدروا يروحوا ويجوا مع بعض ويبقوا براحتهم وعلشان لما تطلع تقعد مع الحجة محدش يتكلم لحد ما نجدد لهم الشقة ويتجوزوا ومتشيلش هم أي حاجة يا أبو سهر محمود ابني هيتكفل بكل حاجة كفايا أنك مدينا أجمل هدية.
وربت على يد سهر بحنو، أستئذنهم محمود أن يجلس مع سهر وحدهم، فأخذته سهر وجلست في بلكونة الصالة وأسندت رأسها على سورها، بعدما جلست نظر لها محمود وقال:
- مبروك يا سهر.
نظرت نحوه وقالت:
- مبروك عليك يا محمود هو أنا ينفع أقوم اريح أنا فعلا تعبانة وكمان علشان أقدر أصحى بدري للشغل.
منعها محمود من المغادرة بقوله:
- شغل أيه يا سهر دا كان زمان أنا حبيبتي متشتغلش أبدًا أنتِ تقعدى معززة مكرمة وأنا كفيل بكل حاجة.
رفعت سهر رأسها واعتدلت وقالت:
- بس أنا عاوزة أكمل شغل حتى لحد قرب الفرح علشان خاطري يا محمود كمان علشان مفضلش فالبيت وفؤاد بيبقى هنا.
فكر في كلامها وقال:
- خلاص هي كلها كام شهر ويعدوا المهم تبقي بعيد عن فؤاد دا ماشي.
حاولت سهر الابتسام ولكنها فشلت فتهربت من نظراته إليها وقالت:
- شكرا أنك وافقت يا محمود أنا هقوم أنام بقى أشوفك بكرة.
مال محمود نحوها وقال:
- طيب ما فيش أي حاجة حلوة منك.
نظرت له سهر بعدم فهم وسألته:
- اجيبلك أيه تحب تاكل كيك ولا.
اقترب منها محمود فتراجعت سهر خائفة وقالت:
- محمود أحنا فالبلكونة مالك بتبص لي كدا ليه.
ابتعد محمود يكبح نفسه عنها وقال:
- أصل أنا عاوزك أنتِ يا سهر أنتِ احلى من احلى حاجة حلوة.
تنهدت سهر بضيق وقالت:
- تاني الكلام دا هو مش أنت وعدتني متلمسنيش بجد مينفعش اللي بتقوله دا يا محمود أنا هدخل.
ولجت سهر إلى غرفتها واحكمت غلقها خلفها ووضعت المقعد تحت المقبض وأرتمت على فراشها تحتضن صورة والدتها وقالت:
- شوفتي يا أمي حال بنتك وصل لايه ياريتك عايشة كانت حاجات كتير اتغيرت كنتِ هتسمعيني وتفهميني كنتِ هتعرفيني أختار صح أنا حتى معرفتش طعم حضنك ليا أيه معرفتش صوتك كان أزاي أنا نفسي تضميني يا أمي ولو هموت بعدها يمكن أحس براحة فحياتي اللي مفيهاش أي راحة سبتيني ليه مع واحد غريب عني يادوب صلته بيا اسم فالشهادة جنب اسمي بيسموه أب وأنا معرفش يعني ايه أب آه يا أمي كنت بتحرق لما اشوف صحابي فالمدرسة واهلهم معاهم وأنا محرومة منك ومن ابويا اللي كان كل همه أن أنزل اشوف شغل أب حملني ذنب موتك وذنب رجله اللي فقدها فحادثة شغله، آه يا أمي هو ليه محدش حاسس بيا هو أنا هفضل كدا لعبة فايد اللي طمعان واللي جعان حتى اللي بحلم بيه مستحيل يكون ليا يا أمي أنا ليه شوفته وقابلته ليه لما أنا مكتوب لي محمود اقابل آدم وأحس بقلبي بيتخطف وأنا معاه ليه مكتوب اتعذب كدا، تفتكري يا أمي أني بظلم نفسي وبظلم محمود معايا علشان مش بحبه أنا بقيت شايفة نفسي وحشة أوي لاني بستغله وبستغل حبه ليا علشان يخلصني من فؤاد وحشة لأني هبقى معاه وعقلي بيفكر فواحد تاني بس غصب عني قلبي دا أول مرة يدق أول مرة أحس أن ليا قلب لما شوفته مرمي فالأرض خطف دقة مني لما بص لي بس أنا لازم أبعد عنه أنا سمعاكِ بتقولي أبعدي عنه يا سهر علشان حرام أنتِ صح أنا هبعد مش هروح الشغل تاني ومش هشوفه تاني ومش هفكر فيه طب لو قعدت فؤاد مش هيسبني فحالي أنا بحلم بكوابيس بسببه بحسه جن لابسني ساعديني يا أمي متيبنيش فحيرة كدا أحميني من الضياع يا أمي.
لم تدر سهر متى غفت عيناها ولكنها استيقظت على رنين هاتفها فوجدته محمود فأجابته لتسمع صوته يقول:
- يلا يا سهر قومي صلى الفجر يا قلبي.
همست سهر بصوت غافي:
- حاضر هقوم اصلي شكرا أنك صحتني.
وضعت سهر الإفطار لابيها ونزلت مسرعة لمحمود وذهبا معا إلى العمل وحين وصلا قرب الفندق نظرت سهر إلى محمود تفكر هل سيعلن عن خطوبتهما للجميع فقالت تسأله:
- محمود هو أنت هتعرف حد من اللي فالفندق أننا يعني أنك خطبتني.
أجابها محمود وقال:
- عادي يا سهر أنا بتشرف بيكِ يا حبيبتي وعاوز العالم كله يعرف.
هزت سهر رأسها وقالت:
- زي ما تحب بس أصل أنا مكنتش حابة حد يعرف دلوقتي خصوصا البنات إلى معايا أصل يعني داليا بتفضل تسئلني كتير وأنا مش بحب اتكلم زي ما أنت نبهتني ولا أنت رأيك أيه.
ابتسم لها محمود بحب وقال:
- خلاص زي ما تحبي شوفتي بقا أنا مش برفض لك حاجة أزاي يلا علشان اتأخرنا واستنيني نروح سوا.
خلعت سهر دبلتها قبل أن تدخل إلى الغرفة وتبدل ملابسها وانهمكت في عملها لتشرد بتفكيرها بآدم فشعرت بانها تريد رؤيته ولكنها لم تعرف كيف فتسللت دون أن يراها أحد أو هكذا ظنت وصعدت إلى أعلى، خرجت داليا من خلف أحد الأعمدة تبتسم بخبث حينما شاهدت سهر تصعد بأحد المصاعد الخاصة فقالت:
- شكلك هتقعي فأيدي يا حلوة واكيد هعرف بتطلعي لمين من أصحاب الفندق.
طرقت سهر بيد مرتعشة الباب فسمعت صوته يأذن لها بالدخول فدخلت وهي تنظر إلى الأرض خجلا رفع آدم رأسه فشاهدها تقف ووجهها مصبوغ باللون الأحمر فأقترب منها ونظر إليها بلهفة وقال:
- تخيلي كنت لسه هبعتلك.
ابتسمت له سهر بخجل وقالت:
- أنا يعني قلت اطلع أسألك لو محتاج حاجة قبل ما أروح.
بادلها آدم الابتسامة وقال:
- اكيد عايز طبعا.
نظرت له سهر وسألته قائلة:
- حضرتك محتاج أيه أعمله أؤمرني.
هز آدم رأسه بنفي وقال:
- مافيش أوامر في أنك وحشتيني وكنت عاوز اشوف الجنة اللي فعيونك.
حدقت به سهر وقلبها يدق بشدة فجذبها آدم لتجلس على مقعد أمامه ونظر إلى عيناها وقال:
- هو أنا ينفع اسألك سؤال ومتهربيش من أجابته.
هزت سهر رأسها ولم تستطع الرد فأكمل آدم وقال:
- مغيرتيش رأيك فأنك متخافيش من الحب وتحبي.
ارتبكت سهر ووقفت وقالت:
- أنا أنا هنزل أنا مبلغتش أني هطلع ولو حد شافني ممكن.
همس آدم وهو ينظر لعيناها:
- جاوبيني يا سهر لو سمحتي ومتخافيش من حد عصام مش هيضايقك وأي وقت تبقي معايا عصام هيتصرف متخافيش ها مغيرتيش رأيك.
كانت سهر على حالها تحدق بآدم فأجابته سهر بشرود وقالت:
- مش عارفة اللي بحس بيه دا اسمه أيه بس لو حب يبقى أنا بحب أوي كمان.
شعر آدم بالغيرة فقبض على معصمها وقال بحدة:
- بتحبي مين؟
لم تشعر سهر بألم معصمها فلمسة آدم لها جعلتها دون وعي تمد كفها وتربت على يده وتهمس وهي تنظر له بحب:
- بحب واحد زي نجمة السما بالنسبة ليا اشوفها واتمناها بس عمر النجمة ما هتكون ليا.
و فرت دمعة من عينها فابعدت وجهها عنه وانتبهت لحالها وهي تشعر بارتكابها غلطة بحق محمود الذي أصبح له حقوق عليها وقالت:
- مكنش مفروض أطلع خالص أنا غلطت غلطة كبيرة أوي.
حال آدم بينها وبين الباب بمقعده المتحرك وقال يسألها:
- غلطة أيه يا سهر الحب عمره ما كان غلط أنا كمان بحبك من أول ما فتحت عيني ولاقيتك خايفة عليا، سهر معرفش أزاي بس فعلا بحبك وأتمنى فعلا أننا نبقى لبعض سيبي الشغل واشتغلي معايا أنا سبق وطلبت منك صدقيني أنا مش بلعب بيكِ ولا بتسلى أنا بحبك وحاسس أنك بتحبيني.
تنهدت سهر وقالت:
- معدش ينفع خلاص.
جذبها آدم إليه فجلست أمام كرسيه تبكي لتنتفض وتبتعد عنه قائلة:
- ياريتك ظهرت فحياتي من زمان
-----------------------------------
تملل محمود في فراشه فهو لم يستطع النوم بعدما حاول كثيرا الاتصال بسهر دون جدوى لإغلاقها هاتفها، فترك فراشه عازما على إنهاء الأمر وتصحيحه فطرق باب غرفة والديه ووقف أمامهما يشعر بأنه عاد مراهقًا من جديد، لم يعرف لما هربت منه الكلمات ولكنه استجمع شتات نفسه مرة أخرى وحسم أمره وفاتحهما بطلب زواجه من سهر، كان محمود يخشى أن يرفض والده لفرق السنوات بينهما ولكنه تفاجىء بترحبيه الشديد، فسهر بالنسبة له الابنة التي حرم منها ولكن والده زرع فيه خوف رفض والدها فهو يشعر بتغيره معه منذ اقتحم فؤاد حياته، فعاد محمود لغرفته يشعر بالقلق يزداد بداخله لرفض رشدي له ومن وجود فؤاد الذي أصبح يتحكم في رشدي بكل سهولة كما اوضحت له سهر نفسها، فتنهد شاعرًا بأنه أخذ الخطوة الصحيحة والوحيدة ليستحق سهر.
أما سهر فبعدما أنهت تحضير العشاء لوالدها لاذت الفرار لغرفتها وحركت مقعدها ووضعته أسفل مقبض بابها ولم يغمض لها جفن، فكان عقلها يخوض صراعًا مع نفسها يقاوم أن تستلم لشيطانها وتنهي حياتها فما قاله فؤاد دق أجراس الخطر أن وجودها فِي منزل أبيها لم يعد أمن، كذلك ما حدث بينها وبين محمود كان صادمًا، حاولت أن تتقبل وجهة نظره وكلمات اعتذاره لها، فهِي لا تنكر أنها أحست صدق اعتذاره ولكنها لا تشعر تجاهه بمشاعر غير الأخوه فكيف تتقبل منه مشاعر حب وزواج، كانت في صراع نتيجته الوحيدة أنها ظُلمت ظلم أحدث شرخا بداخلها فهي حقا كرهت الحب.
وفي الصباح بعدما صلى محمود الفجر هو ووالده استئذان أن يبقى بالأسفل حتى يحين موعد عمله فِي السابعة، ولكنه أراد أن ينتظر سهر فهو على يقين أنها لن تنتظره وستحاول أن تتحاشاه.
في حين ما أن سمعت سهر الأذان تحركت وغادرت غرفتها وتوضأت وصلت الفجر وقد عزمت على التسلل دون انتظار محمود، ولكنها تفاجأت به ينتظرها فخفضت وجهها أرضًا وتحركت مبتعدة عنه ليتبع خطواتها وقد أحس بخوفها منه وألمه كثيرا ما تسبب به ولكنه أنتظر أن يبتعدا عن شارعهما حتى قال:
- سهر أنا كلمت الحج أني عاوز اتجوزك ومتتخيليش سعادته هو وأمي كانت قد أيه وإن شاء الله هننزل لكم النهاردة وأطلبك من عمي رشدي.
توقفت سهر مكانها ونظرت إليه فغامت صورته أمامها لتتخيله فؤاد فحركت رأسها وتحركت مرة آخرى تسير ولم تستطع أن تعلق على ما قاله، فعقلها عاد يخوض نقاشا حادا مع نفسها:
- وبعدين يا سهر كملت ابيه محمود بيحطني أدام الأمر الواقع ومفكرش حتى يسأل إن كنت موافقة ولا مش موافقة، تقدري تقوليلي هتعملي إيه بعد ما سمعتي اللي قاله فؤاد إمبارح، طب والحل يعني يا نار فؤاد يا اتجوز واحد مش حساه ومش شيفاه غير أخ، بس يا سهر ابيه ممكن يقدر يحميكي من فؤاد، أنتِ شوفتي قولتي إيه قولتي ابيه يبقى هتتجوزيه أزاي وأنتِ شيفاه ابيه، مش مهم كفاية خالتي صفية بتحبني زي بنتها وبتعاملني كويس وعمي خميس كمان وأنتِ عارفة مينفعش تفضلي فالبيت مع بابا اللي نايم على ودانه إيه هتستني لما فؤاد ينفذ تهديه ويضيعك، طيب ما محمود كمان كان هيضيعك وخان ثقتك فيه، أنا عارفة بس هو برر إنه بيحبني وهيحميني، بس يا سهر دا مش حب افرضي مكنتيش قدرتي تمنعيه كان حالك هيبقى أيه، بس هو أعتذر واهو بيقول جاي يتقدم، يعني هتتجوزي واحد مش بتحبيه هتعرفي تعيشي مع راجل مافيش فقلبك له أي إحساس هتتجوزي أخوكي أزاي هتقبلى أنه يلمسك وأنتِ امبارح جسمك كان رافض حتى أنفاسه تقرب منك أزاي يا سهر لما يطلب حقوقه هتديهاله وأنتِ مش حساه، يوة طب أعمل أيه أسيب نفسي لفؤاد دا مستحيل وبعدين يعني كان في حد تاني وأنا قولت لا أساسًا مين هيتقدم لي بشهادة الدبلوم بتاعتي وحالي دا إلا ناس من الشارع والشارع كله مفيهوش حد كويس إلا ابيه، آه يا ربي أنا عمري ما عملت حاجة غلط فحياتي ليه كل دا بيحصل لي هو أنا مش بني ادمة من حقي اختار حياتى واختار اللي أحبه ويحبني.
وعلى حين غرة هاجمتها عينا آدم وابتسامته التي أسرتها فهزت رأسها وسمعت صوت عقلها ينهرها بقوله:
- فوقي لنفسك وبلاش تبصي لفوق أنتِ فين وهو فين.
تنهدت بحزن وأكملت سيرها، فسألها محمود بعدما لاحظ حيرتها وعذابها:
- مردتيش عليا يا سهر.
همست سهر وهي تشعر بأن حياتها تسلب منها:
- اللي تشوفه يا ابيه.
اختطف محمود كفها واحتضنه ليسير بجانبها قائلا غير مصدق ما سمعه منها:
- بجد يا سهر موافقة ياه متتخيليش أنا فرحان قد أيه بس بلاش ابيه دي، سهر أنا عاوز اسمع اسمي منك من غير ابيه.
نظرت له سهر بروح منطفئة وقالت:
- حاضر يا محمود.
رفع محمود كفها إلى فمه وقبله وقال:
- عمرك ما هتندمي يا سهر أنا هسعدك وهعمل كل حاجة تفرحك.
وصلا إلى الفندق واستئذنته سهر لتذهب إلى عملها وأمضت اغلب يومها تعمل حتى لا تترك وقتا تفكر فيه بشىء، حتى أنها أخذت عمل داليا بدلا منها هربا من التفكير، وحينما اقترب موعد انصرافها ناداها عصام قائلًا:
- تعالي يا سهر.
تتبعت سهر خطاه لا تشعر بشىء غير ثقل قلبها فسمعته يطلب منها أن تذهب لتنظيف جناح آدم، وللمرة الأولى منذ الصباح نبض قلب سهر سريعًا فاسرعت إلى جناحه ودخلت تبحث بعيناها عنه، ولكنها لم تجده فشعرت بالحزن يقتل روحها وبإحباط يحتلها فنظفت الغرفة وهي تبكي وبعدما انتهت اخرجت عطر الياسمين وعطرت الغرفة، وما أن همت بالانصراف حتى سمعت صوته يسألها:
- بتعيطي ليه يا سهر.
لم تدر من أين ظهر ولا كيف أنهارت أرضًا أمام مقعده تبكي بقوة كأن دموعها التي ذرفتها طوال الليل لم تكن دموع، تألم قلبها على حالها فربت رأسها وقال:
- مين ضايقك معقول العيون دي تبكي دي اتخلقت علشان تضحك وبس قومي اغسلى وشك وتعالي.
ابتعدت عنه سهر تشعر بالخجل فقالت:
- أنا أنا اسفة.
ابتسم آدم وقال:
- تعالي نقعد فالبلكونة الجو حلو برا واحكي لي ايه مضايق سهري.
خفق قلبها بقوة حينما سمعت اسمها منه وقامت تدفع مقعده نحو الشرفة وجلست أرضًا أمامه فقال لها:
- مكانك عمره ما كان الأرض أنتِ مكانك عالي لازم تعرفي كدا.
تاهت سهر في عين آدم فابتسم لها وسألها:
- ها كنتِ بتعيطي ليه.
تنهدت سهر فكيف ستحكي له عن حياتها التي تخجل منها بسبب ما يحدث لها وأجابته:
- عادي يا أستاذ آدم متشغلش بال حضرتك.
نظر لها آدم وعقب:
- مش عاوزة تحكي عمومًا مش هضغط عليكِ وأي وقت تحسي أنك عاوزة تتكلمي هتلاقيني المهم أنك دلوقتي تنسي أي حاجة تضايقك.
كان آدم يقاوم نفسه من أن يسألها عن محمود ولكنه لم يستطع منع نفسه فسألها بغيرة:
- سهر مين محمود دا اللي كان معاكِ إمبارح ورفض أني اوصلكم.
أشاحت سهر بعيناها بعيدا عنه وأجابته بتردد:
- دا جاري وو.
استنكر آدم أجابتها فهتف بضيق:
- جارك وهو عادي يوصلك مش مفروض في حدود فالاختلاط ولا أنا غلطان أنا آسف لو كلامي ضايقك.
أجابته سهر بحزن:
- هقول لحضرتك أنا والدتي اتوفت بعد ما ولدتني بأسبوع ومعنديش قرايب خالص ووالدة ابيه محمود هي اللي ربتني دي طيبة أوي عاملتني زي بنتها حسستني أني مفقدتش أمي علشان كدا بروح واجي مع ابيه عادي.
حاول آدم أن يتقبل توضيح سهر ولكنه لم يستطع فقال:
- ولو يا سهر مش مبرر إن طول الوقت تبقي معاه لازم تحافظي على الحدود بينكم حتى معايا متستغربيش كلامي أنا مش بتعامل بوشين، بصي يا سهر أنا اتربيت فالجبل حياة للاسف كانت جافة معيارها الصح والغلط ومافيش مفر من العقاب لو غلطت.
صمت آدم حين لاحظ التساؤل في عين سهر فأبتسم وأوضح:
- عاوزة تسئلي جبل إيه اللي اتربيت فيه أنا عشت معظم حياتي فمدينة عالية فلبنان.
سألته سهر بدهشة:
- هو حضرتك مش مصري.
هز آدم رأسه وقد لون الحزن ملامحه وقال:
- لبناني مصري يا سهر والدي لبناني ووالدتي مصرية.
علقت سهر على كلماته بقولها:
- أنا كنت بحسب حضرتك مصري أصلك بتتكلم زينا عادي.
أشاح آدم بصره عنها وتنهد وقال:
- علشان بعتبر نفسي مصري اكتر مني لبناني، المهم أنا عاوزك تعملي حدود فتعاملك مع أي حد ومتسمحيش لأيًا كان إنه يتخطى الحد دا معاكِ.
فاجأته سهر بتغيير اتجاه الحوار وسألته:
- هو حضرتك يعني بقيت كدا أزاي أنا آسفة للفضول.
اغمض آدم عيناه يخفي ما شعر به عن سهر وقال بهدوء:
- بسبب حادثة.
وتنفس بحدة وقال بشرود:
- حادثة هزار زي المقلب اللي شوفتيني فيه أول مرة.
عبست سهر ووقفت تشعر بدهشة وقالت مستنكرة:
- هزار يعني أيه هو في هزار وضحك فأنك تقعد على كرسي أو أنك تتحبس فالحمام.
قبض آدم على مقبض كرسيه يتمالك نفسه وقال:
- معلش يا سهر لو سمحتي بلاش نتكلم فالموضوع دا ممكن.
ورسم أبتسامه على وجهه وأضاف:
- تعرفي أني نفسي أخرج معاكِ تيجي نخرج دلوقتي.
ابتسمت سهر بحرج وقالت:
- طب وبالنسبة للكلام بتاع حضرتك عن الحدود و.
شعر آدم بالحرج لطلبه وشعر انه يبيح لنفسه ما يحرمه على غيره فقال معتذرا:
- أنا أسف معاكِ حق مش مفروض أنسي كلامي أنتِ صح.
شعرت سهر أنها احرجته وأنها ستضيع منها وقتا ترغب بقضائه برفقته وحثها قلبها أن تنقذ الموقف لأنها أيضا ترغب بالخروج معه فقالت برجاء:
- طيب ينفع استثناء المرة دي بس واخرج معاك.
تحرك آدم وتبعته سهر خلفه كأنها منومة مغناطيسيا وفوجئت به يتخذ مصعد مخالف عن مصعد الجناح وكان يبتسم إليها وهو يحدق بعيناها حتى وصلا إلى جراج الفندق، فأسرع سائق سيارته وساعدته ليجلس في مقعد السياره وطوى مقعده المتحرك وأشار آدم لسهر لتصعد فجلست بجانبه وأشار آدم لسائقه أن يتحرك وغادرا الفندق، أخذها آدم إلى جبل المقطم فخرج السائق وتركهما في السيارة وحدهما، انتبهت سهر لما هي فيه وقالت:
- إحنا جينا إزاي أنا مأخدتش بالي خالص.
ابتسم لها آدم بمحبه وقال:
- تلاقيكِ كنتِ سرحانة فحاجة مهمة أوي ها مش ناوية تقولي لي إيه ضيقك وخلاكِ تعيطي.
تنهدت سهر بضيق وقالت:
- لو ينفع متكلمش يبقى شكرًا ليك بجد.
نظر لها آدم وهمس فجأة:
- سهر هو ينفع أمسك أيديك.
مدت سهر كفها لآدم لا تعي غير تنفيذ طلبه تشعر باطمئنان معه، فاحتضن آدم كفها فسرت قشعريرة في جسد سهر جعلت نبضات قلبها تسرع وحدقت بعين آدم فوجدته يغمض عيناه براحة وضغط آدم على كفها وسألها:
- سهر أنتِ عمرك حبيتي.
اضطربت سهر من سؤاله فتذكرت محمود وطلبه الزواج وموافقتها فقالت بحزن:
- أنا عمري ما حبيت.
و صمتت ليحتلها الحزن بالكامل وأكملت:
- ومش عاوزة أحب.
عبس آدم من أجابتها وسألها مستفسرا:
- ليه يا سهر مش عاوزة تحبي على فكرة الحب شيء جميل.
هزت سهر رأسها وقالت:
- جميل أو العكس أنا مش عوزاه أبدا أنا بخاف منه.
سألها أدم باستغراب:
- بتخافي من الحب غريبة يا سهر أنتِ سنك أصلآ صغير، يعني لسه بتتعرفي على الحب يبقى بتخافي منه أزاي وأنتِ بتقولي أنك مش بتحبي.
أحست سهر أنها على وشك البكاء فقالت:
- هو ينفع نرجع أنا مش عارفة هقول أيه للاستاذ عصام ولا لمحمود لما يسألني اتأخرت ليه.
زفر آدم بحدة وقال:
- طالما معايا يبقى متخافيش وعصام مش هيقولك أي حاجة ولو على الأستاذ اللي رايحة جاية معاه فياريت تبطلي تمشي معاه تاني ومتخافيش عصام هيتصرف لو سأل محدش هيعرف أصلآ أننا خرجنا.
وصمت وأخرج هاتفه واتصل على سائقه الذي ظهر كما اختفى وعاد بهما إلى الفندق، كانت سهر تشعر في بادئ الأمر بالحزن ولكنها لم تستطع التغاضي عن كونها تشعر بأنها تحلق في السماء لا تعرف لما تشعر بالسعادة كلما تواجدت مع آدم ولما قلبها يخفق بقوة حين ينظر إليها أو يضحك، أحست أنها تريد البقاء برفقته لوقت أطول لتعترف أنها تنتظر كل يوم أن يطلب منها عصام أن تصعد إلى جناحه، انتبهت سهر إلى عين داليا تلاحقها فزفرت بضيق وابدلت ملابسها وغادرت مسرعة متحاشية الحديث معها، فوجدت محمود بانتظارها فشعرت أنها محاصرة ومقيدة فنظرت إلى محمود وكانت تود أن تصرخ فيه تعلن رفضه ولكنها لم تستطع فقد ذكرتها عيناه بوالدته التي تدين لها بالكثير وتعاملها كأبنتها هي وزوجها الحج خميس وارتباطها لمحمود سيرد جزء من دينها لهم كذلك سيحميها من فؤاد، فحاولت رسم ابتسامة مبعده تفكيرها عن آدم بعيدًا فما تفكر به لمستحيل واقتربت من محمود وقالت:
- معلش أسفة يا محمود كان معايا شغل إضافي.
اتسعت ابتسامة محمود والتقط كفها يقبله وقال:
- احلى محمود سمعتها فالدنيا يلا بينا علشان نلحق ميعادنا مع عمي رشدي.
وقفت داليا تحدق بهما بغيرة وألم فقالت لنفسها:
- بقى كدا يا سهر بتكذبي عليا وتفهميني إن مافيش حاجة بينكم، وماله مبقاش داليا أما رديت لك خبثك معايا.
وصلت سهر وشعرت أنها لم تعد تحتمل رسم تلك الابتسامة فتنهدت وقالت لمحمود الذي كان يلاحقها بنظراته بحب:
- هو أنا لازم أكون موجودة معاكم أصل أنا تعبانة أوي ومحتاجة أنام.
أجابها محمود بلهفة غافلا عم حالتها قائلا:
- يعني نقرأ الفاتحة لوحدنا أومال هلبس دبلتي لمين لعمي رشدي.
خفضت سهر عيناها وتنهدت قائلة:
- طيب متتأخروش ينفع.
صعدت سهر أمامه فأوقفها محمود وجذبها إليه وقال:
- استني اطلعي أنتِ فوق عندنا وأنا هدخل لو لاقيت فؤاد جوا هحاول امشيه علشان نبقى براحتنا المهم متنزليش إلا لما ارنلك.
هزت سهر رأسها بتعب واكملت صعودها ليرن محمود جرس الباب، ففتح له فؤاد فنظر له محمود باشمئزاز وتجاوزه ودخل وجلس بجانب رشدي ومال عليه وقال:
- عاوزين نبقى لوحدنا يا عمي ولا حضرتك نسيت.
و نظر إلى فؤاد بكراهية وقال:
- شرفت يا أستاذ فؤاد.
نظر له فؤاد بحقد وقال:
- وأنت كمان شرفت يا أستاذ محمود.
و جلس أمامه بتحدي واضعا ساق فوق ساق، كانت سهر تسند رأسها على ساق صفية تقرأ لها القرآن ف بعدما صعدت سهر أنهارت بين ذراعي صفية وحين هدأت سهر سألتها صفية:
- مالك يا بنتي بس.
جلست سهر وقالت:
- مافيش صدقيني يا خالتي أنا بس مخنوقة من الحال اللي أنا فيه.
نظرت لها صفية تحاول تصديق كلامها فقالت:
- وهو في حد يبقى مخنوق وهو هيتخطب أنتِ مفروض تبقى فرحانة عارفة يا سهر طول عمري كنت بدعي تكوني من نصيب محمود ابني أنتِ غالية أوي عندي يا سهر أنا الود ودي يبقى جواز على طول وتنوري بيتك عارفة الواد محمود رفض تسكونوا هنا ما تكلميه وتعيشوا معانا ولا أنتِ مش حابة.
رسمت سهر ابتسامة على وجهها وقالت:
- حاضر يا خالتي أنا هقوله أنا كمان حابة اعيش معاكم.
قبلتها صفية وقالت:
- ربنا يسعدك يا سهر ويريح بالك زي ما فرحتيني إنما محمود فين.
أجابتها سهر:
- تحت مع بابا هو قالي اطلع ومنزلش إلا لما يرن علشان لو لو فؤاد تحت.
و قطع عليها كلامها رنين هاتفها اكملت:
- اهو شوفتي يبقى فؤاد مشي أنا هنزل بقى يا خالتي هتنزلي معايا.
قالت صفية:
- طبعا يا سهر هنزل معاكِ مش أنا أمك بردوا ولازم اكون معاكِ فوقت زي دا أنا من النهاردة أمك أنت مش أم محمود.
وافق رشدي على طلب محمود بعد معاناة لإقناعه حينما وضح له خميس أنه سيتحمل كافة مصاريف سهر وزواجها، فاحتضنت صفية سهر بعدما ألبسها محمود دبلته وهو يشعر بأنه يحلق عاليا من السعادة، راقبت سهر وجوه الجميع فشاهدت السعادة تحيا على وجوههم حتى وجه أبيها غمرته فرحة أنه أخيرًا سيتخلص منها، فأغمضت عيناها تفكر أن ثمن تلك السعادة أخذ منها حياتها ونفضت أفكارها حين سمعت خميس يقول:
- أحنا نكتب الكتاب على أخر الشهر علشان يقدروا يروحوا ويجوا مع بعض ويبقوا براحتهم وعلشان لما تطلع تقعد مع الحجة محدش يتكلم لحد ما نجدد لهم الشقة ويتجوزوا ومتشيلش هم أي حاجة يا أبو سهر محمود ابني هيتكفل بكل حاجة كفايا أنك مدينا أجمل هدية.
وربت على يد سهر بحنو، أستئذنهم محمود أن يجلس مع سهر وحدهم، فأخذته سهر وجلست في بلكونة الصالة وأسندت رأسها على سورها، بعدما جلست نظر لها محمود وقال:
- مبروك يا سهر.
نظرت نحوه وقالت:
- مبروك عليك يا محمود هو أنا ينفع أقوم اريح أنا فعلا تعبانة وكمان علشان أقدر أصحى بدري للشغل.
منعها محمود من المغادرة بقوله:
- شغل أيه يا سهر دا كان زمان أنا حبيبتي متشتغلش أبدًا أنتِ تقعدى معززة مكرمة وأنا كفيل بكل حاجة.
رفعت سهر رأسها واعتدلت وقالت:
- بس أنا عاوزة أكمل شغل حتى لحد قرب الفرح علشان خاطري يا محمود كمان علشان مفضلش فالبيت وفؤاد بيبقى هنا.
فكر في كلامها وقال:
- خلاص هي كلها كام شهر ويعدوا المهم تبقي بعيد عن فؤاد دا ماشي.
حاولت سهر الابتسام ولكنها فشلت فتهربت من نظراته إليها وقالت:
- شكرا أنك وافقت يا محمود أنا هقوم أنام بقى أشوفك بكرة.
مال محمود نحوها وقال:
- طيب ما فيش أي حاجة حلوة منك.
نظرت له سهر بعدم فهم وسألته:
- اجيبلك أيه تحب تاكل كيك ولا.
اقترب منها محمود فتراجعت سهر خائفة وقالت:
- محمود أحنا فالبلكونة مالك بتبص لي كدا ليه.
ابتعد محمود يكبح نفسه عنها وقال:
- أصل أنا عاوزك أنتِ يا سهر أنتِ احلى من احلى حاجة حلوة.
تنهدت سهر بضيق وقالت:
- تاني الكلام دا هو مش أنت وعدتني متلمسنيش بجد مينفعش اللي بتقوله دا يا محمود أنا هدخل.
ولجت سهر إلى غرفتها واحكمت غلقها خلفها ووضعت المقعد تحت المقبض وأرتمت على فراشها تحتضن صورة والدتها وقالت:
- شوفتي يا أمي حال بنتك وصل لايه ياريتك عايشة كانت حاجات كتير اتغيرت كنتِ هتسمعيني وتفهميني كنتِ هتعرفيني أختار صح أنا حتى معرفتش طعم حضنك ليا أيه معرفتش صوتك كان أزاي أنا نفسي تضميني يا أمي ولو هموت بعدها يمكن أحس براحة فحياتي اللي مفيهاش أي راحة سبتيني ليه مع واحد غريب عني يادوب صلته بيا اسم فالشهادة جنب اسمي بيسموه أب وأنا معرفش يعني ايه أب آه يا أمي كنت بتحرق لما اشوف صحابي فالمدرسة واهلهم معاهم وأنا محرومة منك ومن ابويا اللي كان كل همه أن أنزل اشوف شغل أب حملني ذنب موتك وذنب رجله اللي فقدها فحادثة شغله، آه يا أمي هو ليه محدش حاسس بيا هو أنا هفضل كدا لعبة فايد اللي طمعان واللي جعان حتى اللي بحلم بيه مستحيل يكون ليا يا أمي أنا ليه شوفته وقابلته ليه لما أنا مكتوب لي محمود اقابل آدم وأحس بقلبي بيتخطف وأنا معاه ليه مكتوب اتعذب كدا، تفتكري يا أمي أني بظلم نفسي وبظلم محمود معايا علشان مش بحبه أنا بقيت شايفة نفسي وحشة أوي لاني بستغله وبستغل حبه ليا علشان يخلصني من فؤاد وحشة لأني هبقى معاه وعقلي بيفكر فواحد تاني بس غصب عني قلبي دا أول مرة يدق أول مرة أحس أن ليا قلب لما شوفته مرمي فالأرض خطف دقة مني لما بص لي بس أنا لازم أبعد عنه أنا سمعاكِ بتقولي أبعدي عنه يا سهر علشان حرام أنتِ صح أنا هبعد مش هروح الشغل تاني ومش هشوفه تاني ومش هفكر فيه طب لو قعدت فؤاد مش هيسبني فحالي أنا بحلم بكوابيس بسببه بحسه جن لابسني ساعديني يا أمي متيبنيش فحيرة كدا أحميني من الضياع يا أمي.
لم تدر سهر متى غفت عيناها ولكنها استيقظت على رنين هاتفها فوجدته محمود فأجابته لتسمع صوته يقول:
- يلا يا سهر قومي صلى الفجر يا قلبي.
همست سهر بصوت غافي:
- حاضر هقوم اصلي شكرا أنك صحتني.
وضعت سهر الإفطار لابيها ونزلت مسرعة لمحمود وذهبا معا إلى العمل وحين وصلا قرب الفندق نظرت سهر إلى محمود تفكر هل سيعلن عن خطوبتهما للجميع فقالت تسأله:
- محمود هو أنت هتعرف حد من اللي فالفندق أننا يعني أنك خطبتني.
أجابها محمود وقال:
- عادي يا سهر أنا بتشرف بيكِ يا حبيبتي وعاوز العالم كله يعرف.
هزت سهر رأسها وقالت:
- زي ما تحب بس أصل أنا مكنتش حابة حد يعرف دلوقتي خصوصا البنات إلى معايا أصل يعني داليا بتفضل تسئلني كتير وأنا مش بحب اتكلم زي ما أنت نبهتني ولا أنت رأيك أيه.
ابتسم لها محمود بحب وقال:
- خلاص زي ما تحبي شوفتي بقا أنا مش برفض لك حاجة أزاي يلا علشان اتأخرنا واستنيني نروح سوا.
خلعت سهر دبلتها قبل أن تدخل إلى الغرفة وتبدل ملابسها وانهمكت في عملها لتشرد بتفكيرها بآدم فشعرت بانها تريد رؤيته ولكنها لم تعرف كيف فتسللت دون أن يراها أحد أو هكذا ظنت وصعدت إلى أعلى، خرجت داليا من خلف أحد الأعمدة تبتسم بخبث حينما شاهدت سهر تصعد بأحد المصاعد الخاصة فقالت:
- شكلك هتقعي فأيدي يا حلوة واكيد هعرف بتطلعي لمين من أصحاب الفندق.
طرقت سهر بيد مرتعشة الباب فسمعت صوته يأذن لها بالدخول فدخلت وهي تنظر إلى الأرض خجلا رفع آدم رأسه فشاهدها تقف ووجهها مصبوغ باللون الأحمر فأقترب منها ونظر إليها بلهفة وقال:
- تخيلي كنت لسه هبعتلك.
ابتسمت له سهر بخجل وقالت:
- أنا يعني قلت اطلع أسألك لو محتاج حاجة قبل ما أروح.
بادلها آدم الابتسامة وقال:
- اكيد عايز طبعا.
نظرت له سهر وسألته قائلة:
- حضرتك محتاج أيه أعمله أؤمرني.
هز آدم رأسه بنفي وقال:
- مافيش أوامر في أنك وحشتيني وكنت عاوز اشوف الجنة اللي فعيونك.
حدقت به سهر وقلبها يدق بشدة فجذبها آدم لتجلس على مقعد أمامه ونظر إلى عيناها وقال:
- هو أنا ينفع اسألك سؤال ومتهربيش من أجابته.
هزت سهر رأسها ولم تستطع الرد فأكمل آدم وقال:
- مغيرتيش رأيك فأنك متخافيش من الحب وتحبي.
ارتبكت سهر ووقفت وقالت:
- أنا أنا هنزل أنا مبلغتش أني هطلع ولو حد شافني ممكن.
همس آدم وهو ينظر لعيناها:
- جاوبيني يا سهر لو سمحتي ومتخافيش من حد عصام مش هيضايقك وأي وقت تبقي معايا عصام هيتصرف متخافيش ها مغيرتيش رأيك.
كانت سهر على حالها تحدق بآدم فأجابته سهر بشرود وقالت:
- مش عارفة اللي بحس بيه دا اسمه أيه بس لو حب يبقى أنا بحب أوي كمان.
شعر آدم بالغيرة فقبض على معصمها وقال بحدة:
- بتحبي مين؟
لم تشعر سهر بألم معصمها فلمسة آدم لها جعلتها دون وعي تمد كفها وتربت على يده وتهمس وهي تنظر له بحب:
- بحب واحد زي نجمة السما بالنسبة ليا اشوفها واتمناها بس عمر النجمة ما هتكون ليا.
و فرت دمعة من عينها فابعدت وجهها عنه وانتبهت لحالها وهي تشعر بارتكابها غلطة بحق محمود الذي أصبح له حقوق عليها وقالت:
- مكنش مفروض أطلع خالص أنا غلطت غلطة كبيرة أوي.
حال آدم بينها وبين الباب بمقعده المتحرك وقال يسألها:
- غلطة أيه يا سهر الحب عمره ما كان غلط أنا كمان بحبك من أول ما فتحت عيني ولاقيتك خايفة عليا، سهر معرفش أزاي بس فعلا بحبك وأتمنى فعلا أننا نبقى لبعض سيبي الشغل واشتغلي معايا أنا سبق وطلبت منك صدقيني أنا مش بلعب بيكِ ولا بتسلى أنا بحبك وحاسس أنك بتحبيني.
تنهدت سهر وقالت:
- معدش ينفع خلاص.
جذبها آدم إليه فجلست أمام كرسيه تبكي لتنتفض وتبتعد عنه قائلة:
- ياريتك ظهرت فحياتي من زمان
