اخر الروايات

رواية رحي الايام الفصل الخامس 5 بقلم عائشة حسين

رواية رحي الايام الفصل الخامس 5 بقلم عائشة حسين


 


                                              

الفصل الخامس «رحى الأيام» 


+



سألت سحر ابنتها نور حين رأتها تخرج من المطبخ مُمسكة بكوب أعشاب وتهمّ بالصعود «لمين دِه يا نور؟» 

أجابتها بنظرة قلقة وتماسك لا يثير الشكوك«لضي يا أما» 

انتفضت سحر من جلستها متسائلة بقلق حقيقي لا تدّعيه «ليه خير مالها؟» 

تهربت نور بعذر كاذب من تحقيق والدتها «معرفاش يمكن العذر الشهري بتاعها يا أما» 

أومأت سحر بصمت بينما تابعت نور الصعود بالكوب للأعلى وكلها قلق على أختها التي تحبس نفسها داخل الحجرة وتبكي دون توقف ولا تُجيب على أسئلتها، طرقت الباب ودخلت فوجدتها على حالها فوق الفراش ساكنة بتعب وإرهاق واضح ودموع متحجرة، جلست نور جوارها بعدما وضعت الكوب ثم ضمتها متسائلة «في إيه يا ضي جوليلي مالك من ساعة ما روحتي قنا مع أبوي  وأنتِ حالتك حال» 

تقبلت ضي عناقها محررة الشهقات من حنجرتها بقوة وغصة هروبه لا تزال تؤلم قلبها وتدفعها للبكاء بحرقة، هدأتها نور بحنان «مش بسألك عشان تبكي بزيادة» 

ابتعدت قائلة بأسى وهي تمسح دموعها بظهر كفها «شوفته يا نور جابلته فقنا عرفته ومعرفنيش...» 

قاطعتها نور وعينيها تتسع في دهشة تريد التأكد مما ظنته عن هوية المتحدث عنه «مين دِه يا ضي؟» 

نكست رأسها بصمت وهي تزفر بتعب ثم أخبرتها بلوعة حارقة «رضوان» 

سألتها نور بذهول «رجع؟» 

صمتت ضي بحزن وجد في قلبها متسع للسكن، فتابعت نور بفضول «معرفكيش كيف يعني؟» 

مسحت نور جبهتها تجيب هي على السؤال مبررة أسباب فعلته «ما يمكن عشان منقبة!» 

رفعت ضي رأسها مفكرة ثم همست وهي تضم ركبتيها لصدرها «مش عارفة» وجد تبرير نور داخل قلبها متكأ، ربت على روحها المثقلة بالخذلان لكنها تذكرت كيف نظر لوالدها من خلفها، وتعمده أن يذوب ويتلاشى دون أثر، دون أن يقف ويعرف هويتها أو يسأل، بل كيف رأت في عينيه الشك بهويتها واضحًا.

 تأوهت بخفوت دون أن تنطق، هي تعرفه تحفظه عن ظهر قلب وكلما وجدت مبررًا وعذرًا لفعلته تبخر بالحقائق فتجد نفسها تنغمس في البكاء بحسرة رغمًا عنها. 

رجتها نور حتى تفيق مما هي فيه «فوجي يا ضي وشوفي حالك شكله هو كمان شاف حاله وعايز يبعد» 

صاحت ضي بانهيار تام تهذي بما في قلبها «أفوج كيف يعني؟  كل حاجة فحياتي أجلتها لما يرجع، أجلت الفرح والضحك  ،كل حاجة وجفتها لما مشي، أنا مكنتش بشارك غيره، معرفش غيره كبرت وأنا مشيفاش غيره قدامي، كان أب وأخ وصاحب» 

ربتت نور على كتفها موضحة بأسى «اهدي يا ضي مش كده» 

لكنها تابعت تبرئته من الذنب وتزيل عن فعلته غبار العتب،تهذي باختلال«حقه ما هما برضو خدوا منه حتى أحلامه ، كانوا يشوفوه بيحب إيه وعايز إيه ويحرموه منه ويدهولنا، أمك أجبرتني عالطب عشان أكون أحسن منه وتتعالى عليه وتكيده، رضي ومسك الشغل بتاعنا فاستكتروا عليه الرضا، ولما عافر وعمل حلم تاني وتعب خده فتحي عالجاهز، أنا لو مكانه هعمل أكتر من كده والله ، أنا الي بعيد جلبي محروج عشانه ومكوي بظلمهم ليه» 

ضمتها نور بحنان محاولة احتوائها وتهدئتها، دخلت سحر فجأة تسأل بقلق «في إيه يا بت بتبكي كده ليه مالك؟» 

ابتعدت ضي عن أختها منفجرة «ماليش مالي يعني مبكيش كمان؟ هتمنعيني أبكي» 

هتفت سحر بغيظ وغضب مكتوم «ما تتكلمي عدل يا بت ولا وحشك الضرب» 

انتفضت ضي واقفة تهتف بشجاعة «ليه اتضرب؟  كل الي عيزاه عملتهولك ادخلي طب يا ضي دخلت اشتغلي يا ضي فعيادة فلان اشتغلت البسي كذا يا ضي لبست مش كفاية ولا لسه في أحلام تانية عايزة تحققيها على حسابي؟ طب الحلبية وماتت، وولدها مشي وسابلك كل حاجة» 

نقّلت نور نظراتها بينهما بقلق قبل أن تمسك بأختها وتحاول تهدأتها وامتصاص غضب والدتها الواضح «بس يا ضي» 

صاحت سحر بحنق شديد «الموال الي مبيخلصش عاد وقرفك» 

صرخت ضي بعزمها كله «ومش هيخلص غير لما ترجع الحقوق لأصحابها وتترد » 

رمقتها سحر قليلًا قبل أن تقول بتشفي «عرفتي إنه رجع ها؟  جريتي وراه زي الكلبة زمان وسابك ، ودلوك حارقك إنه رجع ومعبركيش أكيد فبتطلعيهم علي» 

لم تتوقف ضي عن الصياح والبكاء بل زادت فيهما وأفضت باللوم الساكن « وياجي كيف وأنتوا قاعدينله بالمرصاد تخططوا وتنفذوا زمان ودلوك» 

انقضّت سحر عليها مُعّنفة وهي تمسكها من ضفيرتها وتلفها حول كفها جاذبة بعنف «جصدك إيه يا بت؟ بتلقحي وترمي على إيه؟» 

حاولت نور فصلهما وتهدئة أمها لكنها لم تفلح وازداد الأمر سوء بقول ضي المتشفي المغلول«هدوّر عليه وأروحله يا أما لو مرجعش» 

خلعت سحر خفها وضربتها به في أماكن متفرقة وهي تصرخ لاعنة «تروحي لمين يا قليلة الرباية وبتجري وراه وعامله فنفسك كده ليه يابت وهتموتي؟  وعدك بحاجة وخلي بيكي ولا طال منك حاجة يا بت من ورانا» 

فصلتهما نور بأعجوبة لكن ضي لم تتوقف وقالت بحرقة قاصدة كلماتها انتقامًا من والدتها «لاه موعدنيش ولا خد حاجة عشان متربي وكان بيخاف عليَّ وحاميني حتى من نفسه » 

ارتدت سحر خفها وهي تسخر منها «متربي جوي هتجوليلي بس مسألة بيخاف عليكي دي فيها كلام وإلا مكانش جري ورا غيرك وحفي وراها يابت وسابك زي الكلبة » 

قالت ضي رغم الخسارة والألم «برضو عادي ومهاممنيش وكلامك مش هيوجعني ولا هيخليني أكرهه»

زفرت نور بتعب من تلك المبارزة الكلامية الموجعة والشجار الذي لا ينتهي وتقدمت قائلة لوالدتها«روحي يا أما أنا ههديها وأكلمها» 

خرجت سحر قائلة بتوعد «روحيله وأنا مش هبكي عليكي يابت بطني هموتك وأموته ومتتهزليش شعره» 

جلست ضي أرضًا تضم ساقيها لصدرها منتحبة بقوة منفصلة عن الواقع غائبة في الذكريات لا تنصت لكلمات نور المهدئة ولا تهتم بها  في عالمها الخاص تسبح. 

*******

هبطت غادة درجات السلّم مُرحبة به وهي تحمل صغيرتها على ذراعها «جرّاح كويس إنك جيت عايزة أتكلم معاك» 

توقف مكانه مستفسرًا وهو يضع كفيه في جيبي بنطاله «اتفضلي يا مدام في حاجة» 

شاكسته بفطنة ومكر وهي تقترب منه «لو فضلت تقولي مدام كده أنا هقولك رضوان بقا مش جراح» 

قالتها وهي ترفع حاجبها تحديًا فتنحنح قائلاً بلا مبالاة يقطع عليها حبل تحكمها فيه «عادي الاتنين اسم لنفس الشخص» 

جلست قائلة بمكر وهي تنظر إليه بنفس النظرة المتحدية الواثقة «متأكد إنهم نفس الشخص! » 

نظر للأعلى بسأم وضيق قبل أن يتجاوز مكرها ويعود لها ببصره مخترقًا يسألها بنفاذ صبر «خير يا مدام اتفضلي كنتي عيزاني ليه؟» 

داعبت الصغيرة بمحبة قبل أن ترفع رأسها وتثني على اختياراته «البيت حلو جدًا مبتفشلش إنك تبهرني كل يوم باختياراتك التحفة حقيقي» 

شعر بالملل من إطرائها فتابعت «كان ناقصني شوية أجهزة وعايزة أعمل شوية ترتيبات» 

قال بسرعة وحدّة «أنتم جيتوا بدري عن اتفاقنا» 

تجاهلت حدته معها وقالت بهدوء وابتسامة منمّقة «المهم عايزة أروح المحلات اشتري الي ناقصني وعايزة حد يكون معايا يساعدني ويعرفني بالمنطقة» 

قال بسرعة «ماشي أي حاجة تاني» 

سألته باهتمام «ليه اخترتوا تبنوا في المكان البعيد ده؟  شايفة حوليا جبال وبيوت قليلة جدًا واضح إنه بعيد عن المناطق السكنية» 

أجاب بعملية وحسم «اختيار الحاج ودا أفضل كتير، المكان هادي وبعيد عن الدوشة والناس» 

هزت رأسها موافقة «تمام حلو برضو» 

استأذنها للمغادرة فرفعت رأسها قائلة بلطف «رضوان مش ده الموضوع الي عايزة أكلمك فيه كنت عايزة أحكيلك حاجة تانية» 

سأل بارتباك «خير يا مدام غادة»

ابتسمت قائلة«لو عارفة إنك حد لازم يقولي يا مدام مش هكلمك فالموضوع الي عايزة أكلمك فيه، أظن بقالنا سنين مع بعض وعشرة» 

دخول غازي اللحظة جعلها تلملم عشمها وكلماتها وتربط عليهما داخل قلبها وتصبر حتى حين «جراح عايزك» قالها غازي بسرعة

فاستأذنها جراح شاكرًا في نفسه غازي لأول مرة بينما تنهدت هي بخيبة وإحباط، تعلقت نظرات غازي بالصغيرة فضمتها غادة بحرص وانسحبت للأعلى بضيق ونفس مملؤة بالخوف والقلق. 

*****

دخلت نور حجرة أختها؛  لتطمئن عليها فوجدتها أمام مرآة الزينة تضبط نقابها «صباح الخير يا ضي» 

أجابتها بحنان ونبرة دافئة وهي تلتفت لها«صباح الخير يا حبيبتي» 

جلست نور فوق حافة التخت قائلة «مش هتروحي تاخدي بخاطر عمتك يا ضي بعد الي حصل» 

فاجأتها ضي بردها القاسي وجفاءها الذي خدش رقتها المعتادة «أخد ليه بخاطرها؟ حلال فيها هي وولدها قليل الرباية» 

شهقت نور مستنكرة على أختها شماتتها «فرحانة فيهم يابت؟» 

التفتت لها ضي قائلة بنشوة غريبة «أيوة والله،و الي عملها راجل» 

ضربت نور كفًا بكف قائلة «شكلك اتجنيتي ولا مخك اتخبل» ضحكت ضي وهي تلتقط حقيبة يدها من جوار أختها ثم توقفت قائلة بحزن «الظلم أخرته عفشة يا نور، محارب طايح فخلق الله فلازم تكون دي النتيجة وعمتك عاجبها بلطجة ولدها يبجى خلاص ، أشفق عليهم ليه ولا أزعل!  البيت مفهوش غير نجمة طالما بخير خلاص يولّع في الباقي براحته» 

ختمت قولها بضحكة صاخبة وارتياح للأمر منجذبة لأمنيتها الأخير بشدة،تهز رأسها مفكرة فيه كمختلة، يومًا قالها صديقهم كنبؤءة وها هي تتحقق فأين هم الغافلين الراحلين؟ تذكرت والدها فانتفضت مستفسرة قلقة، خائفة عليه من تأثير الخبر وتراكم الحزن والخيبات  «فين أبوي يا نور عامل إيه؟» 

لم تقف لتسمع إجابة أختها فورًا خرجت لرؤيته والاطمئنان عليه بنفسها، استاذنت الدخول فأذن لها بمحبة وابتسامة تحيّة، تقلصت مساحة السكينة في قلبه حين رأى شحوبها وحزنها العالق في نظراتها، تأملها بعطف قبل أن يعاتبها بمرح «توك ما افتكرتي يا دكتورة؟ من لجى أحبابه نسي أصحابه صُح» 

جلست على ركبتيها أمامه تعتذر برقة وبعض الندم «متزعلش مني يا حبيبي كنت تعبانة» ثم قبّلت كفه كاعتذار آخر مفعم بمحبتها وقالت متهربة بنظراتها منه في حرج لا يعرف سببه «مفيش حبيب غيرك» صمتت وهو يتأملها قبل أن تهمس بصوت مبحوح مذبوح بالخذلان «وهو فين اللجا ده يا أبوي؟ دا هرب مننا وكأننا عدوّين له» 

فهم فخر سر حرجها من النظر إليه، قرأ ما في نفسها من ألم وحسرة، رأى جرحها الغائر ينزف حروفًا متعبة. 

هرب منها مَن آمنت بعودته إليها، تركها من تشبثت به باستماتة و ثقة، لم يلتفت لها وحسبها من أعدائه، وصمها بهم فلاقت منه النفور والكراهية والرفض... 

مسح فخر فوق رأسها بصمت عاجز مقيد بالافتراضات والتكهنات، لا يعرف حقًا طريقة لمواساتها ولا يجد في جوفه كلمات حاضرة، كلها سقطت منه مع الخيبة التي شعر بها يوم هروب الغائب منهما، لم تتأثر ابنته وحدها بل شعر بما شعرت به وأكثر، ماذا حدث له جعله هكذا؟  أي جرم ارتكبوه في حقه ليهرب من ملاقاتهم ويفرّ بنفور تاركًا بينه وبينهم أميالًا من خزي،وفجوة تزداد اتساعًا. 

سألته وهي تنظر إليه بعينيها البريئة «عرفت الي حصل لعمتي؟» 

تنهد قائلاً بحسرة راسبة في أعماق قلبه «عرفت يا بتي، هستنى إيه بعد الي بيعملوا محارب؟!  ربنا يخرجنا منها على خير» 

نهضت من جلستها استعدادًا للرحيل فابتسم قائلاً «مش هتنزليني أُمال نفطروا مع بعض؟» 

ابتسمت قائلة بحنو «كيف يعني؟ هو الصبح يبجى صبح من غيرك يافخر ومن غير ما أوكلك بيدي» 

ساعدته على النهوض والسير حتى وقفت به أمام طاولة الزينة، تتناولت العطر الذي يحبه ونثرت رذاذه على جلبابه كما اعتادت وهي تقول «الجمعة الجاية هاجي احلقلك دقنك يا فخر ومتتهربش مني» 

ضحك قائلاً بمغزى «لا هربيها  شوية» 

تدفقت صورة الهارب لذاكرتها المتلعثمة في هيئته الأخيرة الغريبة والتغيرات التي طرأت على ملامحه، وذقنه النامية التي زادته وسامة، تقلصت معدتها وضربها ألم مفاجيء حين تذكرت الجرح الطويل بجبهته ، تُرى ماذا حدث؟ ازداد ألم معدتها تستشعر بحساسيتها الفائضة ألمه وقتها ومعاناته حين أُصيب به.. 

أعادها فخر للواقع فتناولت الطاقية الصوف ووضعتها على رأسه ثم لفّت ذراعها حول ذراعه وخرجت به قاصدة الحديقة بالأسفل. 

بالأسفل أثناء تناولهما الفطور هتفت سحر حين جلسا «عايزين نروح لجليلة يا فخر» 

أجاب بملامح متقلّصة وعبوس طفيف ينم عن عدم رضا «ماشي» 

ثم وجهت نظراتها لضي التي تنعزل عنها وتنشغل بإطعام والدها «وأنتِ يا بت مش هتروحي لعمتك؟» 

نهضت ضي بعدما انتهت قائلة بلا مبالاة «لاه مش رايحة» 

اشتكتها سحر لوالدها «شايف بتك ينفع كده؟» 

هتف فخر بنبرة حادة قاطعة «سبيها براحتها يا سحر  مش روحة ضي هي الي هتريح الأمور » 

ضمت شفتيها بغيظ مكتوم وحنق شديد كبحته ولجمته بالتعقل والصبر،طالعتها ضي بتشفي قبل أن تودّع والدها بحنان وترحل لعملها في الوحدة الصحية. 

********

التقطت أنفاسها وزفرت بارتياح واسترخاء حين وطأت قدميها صالة المنزل ،تحتاج هدنة لن تجدها سوى هنا بمنزله بعيدًا عن ترف المشاعر وضغوط التصنع وإجبار والدتها حتى في أبسط الأشياء كالمشاعر وإن كانت لا تؤمن أن المشاعر شيء بسيط يمكننا تطويعه لصالح أهدافنا ،المشاعر أبسط من تصنعهم وأعقد من ظنونهم ،كيف تبتسم لمن تكرهه؟ كيف تتقبل خالتها بعد كل ما حدث! لا تملك ممحاة لمحو الماضي ولا يمكنها نزع قلبها وتنظيفه من شوائب الأفعال، كيف تواسي ظالم كمحارب! بل كيف تتتعاطف مع مُصاب عمتها التي تعين بكريها على جبروته وتشجعه! كيف تتجاهل جُرح الفلاح البسيط الذليل الذي قضى عليه محارب وأذلّه مرتين ، مرة باستحلاله عرقه ومرة بتشويهه سمعة ابنته  انتقامًا منه، وهذا عمها الذي يحمل في جعبته الكثير ويخفي في بئر نفسه العديد من الأسرار ،وابن عمها فتحي الذي يتهرب من نظراتها دوماً كمذنب يخشى افتضاح أمره ،ويفر منها متجنبًا لها كفراره من الموت ..

تشعر باختلال مشاعرها حقا بينهم ،تائهة تتخبط بين ما تريده وتؤمن به وما يرغمونها عليه، لو كان هنا لاستشارته،  دائمًا تجد عنده الحل لمشاكلها وهمومها. 

هتف من خلفها بصوته الرصين ونبرته المبحوحة سارقًا لها من أفكارها «ازيك يا دكتورة» 

انتفضت أول الأمر بذعر قبل أن تلتفت له مستفسرة بارتجاف «مين» 

ابتسمت عيناه بشجن قبل أن ينزع الشال الصوفي الذي يحيط به رأسه ويخفي به ملامحه الخشنة كاشفًا عن هويته، هتفت بأعين متسعة حين أبصرته «فاروق» 

هز رأسه وهو يغض بصره بأدب فابتسمت لفعلته فهي لحسن الحظ لم ترفع نقابها ،قالت باندفاع «يبجى أنت الي كنت هنا المرة الي فاتت فكرت إنك هو» 

قهقه فاروق بخشونة قبل أن يجلس فوق الأريكة المغطاة قائلاً بمشاكسة «عيب يا دكتورة لو شكيتي لحظة إني هو مكنتيش سبتيني أمشي بسهولة» 

زفرت مؤكدة ظنه وافتراضه بشجن « صح يا فاروق معاك حق » ثم نظرت إليه مقتسمة معه الخيبة والحسرة تشكي صاحبه إليه «والدليل إنه لما شافني واتجابلنا هرب» 

وضع سيجاراً بفمه قائلاً «سمعت انه رجع ناس كتير شافته فقنا» 

قالت بلهفة وأمل «مشفتوش يا فاروق؟ متعرفش مكانه» 

هز فاروق رأسه قائلًا وهو يتأمل علبة السجائر التي بين أنامله (لاه مستنيه يلاقيني يا دكتورة يمكن وقتها أرجع ،مستنيه يدور عليا )

أغرورقت عيناها بالدموع تأثراً بكلماته وقالت «طمني عليك روحت فين وحالك ايه ؟» 

قال باختصار ولا مبالاة وهو ينفث دخان سيجارته «في الدنيا يا دكتورة من مكان لمكان  » 

سألته بأسى ساخر «مش هتلاجي الوطن الي عايزه يا فاروق عشان الوطن مش مكان ولا أرض ، ممكن يكون حبيب أو صاحب أو قريب عزيز» 

أكد قولها بحزن ونظرة تائهة «صح يا دكتورة» 

سألته بلطف وأدب «المرة الي فاتت مقابلتنيش المرة دي قابلتني ليه» 

سألها وهو ينظر للنافذة المفتوحة «وأنتِ مقفلتيش الشباك ليه زين يا دكتورة» 

ابتسمت موضحة بشجن «جولت يمكن فيوم يرجع ويدخل زي ما أنت دخلت، أو يعدي فيلاقيه موارب ويدخل ، أصل مش معجولة كل الي فات دِه كان وهم وكدب يا فاروق» 

فرك رأسه بكفه الحليقة وهو يقول بضياع  وارتباك شديد «عايزك فموضوع» 

قالت ببعض المرح بعدما لاحظت حزنه الشديد وهزيمته «الموضوع شكله كبير، فاروق صاحبنا عزيز ونفسه عزيزة» 

ظل منكساً رأسه بصمت فقالت بلطف مترفقة به «أأمرني يا فاروق» 

رفع نظراته قائلاً بثقة « كنت عارف إنك مش هتخذليني يا دكتورة عشان كده جتلك أنتِ، صاحبي حكالي عن جلبك كتير» 

فهمت مقصده فابتسمت قائلة«ولو روحت لليلى مكانتش هتخذلك» 

هتف قائلاً وهو يدخن السيجارة الثانية بتوتر «ليلى شايلة مننا جوي ولسه مجاش ميعاد العتاب والكلام، مش هترضى بسهولة عارفها» 

جلست بعيدًا قائلة باهتمام مواسي «ليلى طيبة وكانت عشمانة فيكم ومكنتش تتصور إنكم تفارقوا وتسيبوها، الي بينكم كان كبير» هز رأسه بتأكيد دون جدال أو نقاش فقالت بحماس ومروءة «جول يا فاروق أنا تحت أمرك» 

قال بامتنان «الأمر لله يا دكتورة» 

أعاد الشال حول عنقه بتوتر وهو يقول بنبرة متحشرجة «صفية بتولد وبيجولوا بجالها يومين تعبانة يا دكتورة عايزك تطمنيني عليها وتكوني جنبها أنا مش هجدر» 

توقف عن الاسترسال بألم، أغمض عينيه لدقائق فأشفقت عليه وصمتت بقدسية محترمة لحظات حزنه وانكساره وضعفه، قال بعدما تنحنح في سيطرة على انهياره رافعًا الكلفة بينهم كسابق عهدهم «كل الي عايزه أطمن عليها يا ضي هي الي باقية» 

انتفض واقفًا حين شعر بقدمه تذل في وحل الضعف، تحرّك ناحية النافذة غير منتظر لموافقتها، وقبل أن يقفز قالت ببعض المرح لظنها أنها ستخفف من ألمه «هروح يا فاروق، اطمن متشيلش هم، ومبروك مقدمًا يا خال العيال» 

كأنها انتزعت قلبه ومضغته بكلماتها، هو سيصبح خال لأبناء صفية التي يعدّها ابنته، خال لن تخبرهم بوجوده وقد تقول أنه مات لتتخلص من أسئلتهم الفضولية لو علموا بوجوده، خال لن يحمل فرحة ابنته الأولى وقطعتها على ذراعيه،  لن يربيه كما رباها.. 

غادر فورًا وبقيت هي بعدما أغلقت النافذة على دفء المنزل والذكريات؛ حتى لا تتسرب خلف الموجوع راثية.

**********

«رضوان 2015»

دخل فاروق متنحنحًا بأدب، خلفه رضوان بمرحه وخفته، ما إن رفع نظراته لفاتح الباب حتى تهلل وجهه وبش في سعادة غامرة «ضي جيتي متى؟» 

أغلقت خلفهما الباب قائلة «جيت المغرب عشان أبيت مع ليلى » 

سلما على ليلى ونبيل وجلسا في استعداد لمناقشات الليلة وقراءة تبذر المعرفة في عقليهما، جلست ضي أرضًا متربعة فوق السجادة تستمع للنقاش الدائر باهتمام وإنصات، تتأمل رضوان بإعجاب وشغف، تبتسم حين يبتسم وتصفق مشجعة حين يفوز في النقاش، تؤيده بحماسها المشتعل وتنصره بضحكاتها المفعمة بالشغف، هتف رضوان حين انتبه ونفض عنه انشغاله بالثرثرة و النقاش «ضي جاعدة على الأرض ليه؟» 

أجابته بنظرة لامعة وابتسامة دافئة افتقدها منذ مرضها «عادي أنا مرتاحة كده» 

عارض قولها بضيق «مش عادي أنتِ لسه تعبانة جومي اجعدي جنب ليلى واتغطي بحاجة» 

شاكسته ليلى بمرح «ما تسيبها براحتها مش هيجرالها حاجة» 

قطب بضيق رافضًا قولها بعصبية ولوم «ما أنتِ عارفة إنها تعبانة بدل ما تجومي تعمليلها كوباية ينسون» 

نظرت إليه ليلى باستنكار قائلة «ما تجوم أنت» 

وقف فورًا باستعداد متطوعًا «عادي أعمل» 

أحّست ضي بالدفء يغمرها والحنان يحيطها، تسرّب الأمان لقلبها فابتسمت وتابعت المشاجرة بصمت مستعذبة أفعاله وعنايته بها، قال فاروق محاولاً التلطيف وهو يكتم ضحكاته «خلاص يا جماعة يلا يا رضوان اعمل أنت أهي برضو زي أختك» 

زجره رضوان بنظراته حينما وصله المعنى المبطن لقوله، فارتدع فاروق وأشاح كاتمًا ضحكاته لتلتقط ليلى طرف الخيط بذكاء وتشير له ناحية المطبخ «يلا واعتبرنا احنا كمان أخواتك زيها واعملّنا» 

تطوعت ضي دون فهم واضح لما يحاك ويدور بينهم، جاهلة بلغزهما وما تغزله النظرات من حكايا هي بطلتها «هجوم أنا اعملنا كلنا خلاص» 

نظر رضوان لهما بعتاب وتوعد فقال فاروق له بمرح « إيه أجوم أنا أعمله؟ » 

ضحكت ليلى قائلة وهي تنهض من مكانها «خلاص هروح أنا دوشتنا» 

نهضت ضي من مكانها عازمة على معاونة ليلى ومساعدتها لكن رضوان قطع عليها طريق المروءة قائلاً وهو يعاود الجلوس باسترخاء ورضا «اجعدي متساعديهاش سبيها» 

توقفت ضي حائرة لدقائق تفكر في طلبه، فاقترح نبيل الذي كان يتابع مشاكستهم بحنو «اجعدي يا ضي يا أخته أنتِ تعبانة يا بتي» 

قهقه فاروق بقوة سعيدًا بمشاركة نبيل لهم وتأييده الأمر، مما جعل رضوان يهتف بعصبية «حتى أنت يا عم» 

توقف نبيل عن الضحك الذي شارك فيه فاروق مؤكدًا بحنان ومغزى «حتى أنا يا عم» 

شعرت أن الأُحجية أكبر من قدراتها العقلية، اللغز غير مفهوم لها لذا قررت داخلها أن تسأل ليلى حين تختلي بها.. عادت ليلى بالمشروبات والحلوى التي صنعتها خصيصًا لتجمعاتهم المسائية، كما خصت ضي المتعبة ببعض الفاكهة الطازجة؛ لتستعيد نضارتها وقوتها.. بدأت المناقشات من جديد دارت الفِكر بينهم كالكؤوس، قطع هتافه نشوة الكلمات الغارقين فيها «ضي نامت يا ليلى غطيها زين» 

قهقه ثلاثتهم ورؤسهم تهتز يائسين منه، فانتفض قائلاً بعصبية «والله لماشي» 

نهض فاروق خلفه مودعًا شاكرًا بلطف فاستوقفته ليلى «استنى يا فاروق» 

توقف حتى دخلت المطبخ وجاءت بعلبة بلاستيكية ومنحتها له بابتسامة لطيفة «خد نصيب صفية وأبقا هاتها معاك مرة» 

نظر إليها بتردد وحيرة قطعها عليه رضوان الذي عاد من جديد ودفعه من كتفه مشجعًا «خد يلا خلّص» 

أخذها على استحياء وببعض الحرج الذي خففته ليلى بقولها «سلملي عليها وجولها دي حلاوة نجاحي» 

ابتسم فاروق بلطف وامتنان شاكرًا لها ليطرح رضوان أفكاره بلا وعي وباهتمام كامل «ليلى حرام عليكي سبتيها كيف نايمة كده؟ راسها توجعها» 

دفعه فاروق أمامه قائلاً «اطلع ياض قرفتنا أبو شكلك أنت وضي» 

ودعتهما ليلى بالضحكات والسلامات قبل أن تغلق الباب وتعود لتوقظ الصغيرة حتى تنتقل للحجرة والفراش الذي ستبيت فوقه، ساعدت ليلى والدها وعادت للصغيرة التي فتحت عينيها مستفسرة بعفوية «ليلى أنتو كنتوا بتضحكوا على ايه» 

جاورتها ليلى في التخت متذكرة ما حدث فابتسمت موضحة بمراوغة «ولا حاجة نامي وارتاحي» 

أغمضت ضي عينيها دون جدال أو مقاومة مستسلمة للتعب وأيادي النوم بينما تمتمت ليلى بابتسامة «لما نشوف آخرة حكايتكم ايه» 

بالخارج هتف رضوان الذي انشغل طوال الطريق بركل الحصى وما حدث تاركًا فاروق يثرثر «أنتو ليه مش فاهميني يا فاروق» 

توقف فاروق عن الثرثرة الفارغة وسأله باهتمام ونظرة تقطر حنان «مش فاهمين ايه بس يا صاحبي!  » 

نظر إليه رضوان بتردد وارتباك ففهم فاروق مقصده وسأله بصبر ووعي كبير «طيب ما تفهمني أنت يا صاحبي» 

هتف رضوان بصراحة وطمأنينة في الحديث «أنا بحب ضي وبخاف عليها بس مش الحب الي بنقرأ عنه ولا الي أنت بتكتب عنه يا فاروق حب تاني مختلف» 

ربت فاروق فوق كتفه متفهمًا فأوضح رضوان «معرفش غيرها هي وليلى، السنين الي بينها وبيني خلتني أراعيلها وأهتم بيها وأخد بالي منها فكل حاجة مش أكتر» 

تنهد فاروق ثم قال «فهمتك ومتضايجش احنا بنهزر، محدش عارف الدنيا بكرة فيها ايه» 

زفر رضوان بصمت قبل أن يؤكد بحزن «صح محدش عارف بكره جاي بإيه وفيه ايه» 

نظر لفاروق الذي أخذته أفكاره وبعيدًا وجرفته قائلاً «عايز بكرة ياجي وأنت فيه يا صاحبي أنا محبش أبعد عن الي بحبهم» 

خرج فاروق من أفكاره العاصفة وأحاط بذراعه كتفي رضوان قائلا بمرح «يا ابني يا حبيبي جولتلك أنا قدرك تفارقك كل الناس ومفارقش» 

ضحك رضوان قائلاً «ماشي يا شاعر» 

أوصله فاروق للمنزل واطمئن لدخوله وبعدها سار ناحية منزله البعيد قليلًا والنائي عن القرية. 

*****

دخل رضوان صباحًا يسأل باهتمام ونظراته تتوزع في الأركان من خلف ليلى الواقفة تراقب بابتسامة ودودة «فين ضي؟» 

قفزت من فوق التخت حين وصلها سؤاله الملهوف، ركضت للخارج تُجيبه بحماس ومودة تتبادلها النظرات سرًا وعلانية «أنا هنا» 

ابتسم متأملًا لها مستكشفًا بنظراته حالتها الصحية دون سؤال قبل أن يعود بنظراته لأخته قائلًا«جهزوا نفسكم وتعالوا نروح شرقة عند النيل» 

فكرت ليلى قليلًا ثم اعتذرت «لاه مش فاضية خد ضي و روح» 

قال بضيق «لاه لازم تاجي مش فاضية معاكي ايه؟» 

سارت أمامه قائلة بانشغال «برتب شوية حاجات كده وأجهز الغدا» 

تبعها محاولًا إقناعها «هنرجع ونعمل كل حاجة ونجهزه معاكي» 

رفضت بملل «لاه يا عم أنا مش عايزة أصلا أروح خد ضي أنت بس وروح وخد كمان فاروق وصفية» 

أصرّ بعناد بينما انتظرت ضي بصبر ورفق قرارهما دون تدخل «لاه لازم تاجي» لمّا أصرت ليلى اقتربت ضي منها متوسلة برقة وهي تحتضنها وتقبلها «عشان خاطري يا ليلى تعالي » 

تأففت ليلى بانزعاج وأبعدتها عنها قائلة وهي تمسح محل قبلتها «يووه جولتلك مبحبش الأحضان ولا البوس» 

باغتتها ضي بقبلة أخرى حفتها بضحكاتها المشاغبة فثارت ليلى بغيظ موبخة لها «طيب مريحاش يا كلبة» 

زفر رضوان بضيق من أفعالهما وتصميم ليلى فقال وهو يستدير للخروج والرحيل «ماشي عنكم ما روحتو أنا غلطان» 

أمسكت ليلى بذراعه ومنعته من الرحيل قائلة بحنق «خلاص متتجمصش وتمشي، هروح» 

قال بملل وعناد مماثل «لاه خليكي مرايحش مكان» 

لكمت ليلى كتفه قائلة بحنان «جولتلك متزعلش هنروح كلنا» 

بعد مرور وقت تجمّع الخمسة أمام النهر، جلس فاروق بجوار صفية، وجلس رضوان جواره من الناحية الأخرى وبجواره جلست ليلى وقربها ضي.. خلع رضوان قميصه الذي كان يرتديه فوق تيشرت أبيض ومنحه لليلى ثم انحنى ورفع ساقي بنطاله قليلًا وبعدها قفز بخفة ناحية النهر، دخل المياه ثم نادى عليهم «تعالوا» قالها وهو يبلل وجهيهما برذاذ المياه، هزت ليلى رأسها بملل ويأس رافضة مشاغبته وأفعاله الصبيانية بينما استقبلت ضي فعلته بمرح وتشجيع كعادتها،مال فاروق ناحية صفية التي تلف ذراعها حول ذراعه منكمشة ومحتمية به في خجل وأدب «تنزلي يا صفية؟» 

هزت رأسها بالرفض فمسح على رأسها متفهمًا قارئًا خجلها بوضوح ثم اقترح بلطف «طيب تتمشي شوية الناحية التانية» 

أجابته بصوت ناعم ضعيف ونظراتها تتعلق به في امتنان وشكر «ماشي» 

استأذن ليلى الذي بدأ رضوان في استمالتها بأفعاله المشاغبة ومرحه وسار بأخته في الاتجاه المعاكس، رفضت ليلى النزول بعناد وانشغلت برؤيتهما ومتابعة ما يفعلانه بابتسامة دافئة داعية الله أن تدوم جمعتهم. 

تبادل ضي ورضوان رذّ المياه ، وبينما كانت ضي تفعلها بعفوية وبلا تفكير كان هو يحذر ذلك ويخشى عليها من البلل والعودة به للمنزل أمام الناس ،يحرص على ألا يصيبها مكروه ِ أو أذى خاصة أن المرض مازال يترك لمساته فوق وجهها،بعد قليل عاد فاروق بصفية ليجدهما يلعبان كما الصغار رضوان يسير وهي خلفه ممسكة بقميصه، لا يفهم هل هي لعبة القطار التي كان يلعبها قديمًا أم أخرى لا يفهم معناها سواهما، لكن ما يعرفه حقًا وموقن منه أنّ صديقه الهاديء الرزين يتبدل كليًا حين يجتمع مع ضيه، يصبح شعلة متوهجة بالحيوة والنشاط والمرح، وضي لا تقل عنه رزانة وهدوء لكن معه تتجرد من كل شيء وتتشكل على يديه، حين يجتمعان يتحول كل منهما لآخر يستمد من صاحبه التوهج والإشتعال، ما بينهما حقًا شائك و يعصي عليه فهمه، رضوان يعاملها دائمًا كما يتطلب الموقف، يعرف مفاتيحها كخطوط يده، مرة  أبًا عطوفًا ومرة أخًا ناصحًا،ومرة صديقًا مشاغبًا يجاريها في لعبها ومرحها، تتبدل أدواره بفطنة كما تحب الصغيرة وتحتاجه اللحظة، وهو توقف عن إيضاح الصورة له منذ ما حدث، كتم ما يراه في نفسه مخبئًا البوصلة، لا يشاكسه ولا يلفت نظره لتعلقه بها وتعلقها به،قرر ألا يعينه على اكتشاف ذلك الحب ونموه.  يخاف أن يفعل ويبصّر صديقه هذا الحب فيُقابل بالرفض والنكران والأذى، ما يقصه عليه من معاناة جعلته يصمت فيكفي صديقه حزن واحد وخيبة واحدة وحلم واحد قد لا يحققه  سيترك الأمر حتى وقته وحينه ولأيادي القدر الحانية الرفيقة بيتيم مثله. 

جلس فاروق بصفية التي كانت تتابع المشاغبان بابتسامة هادئة ونظرة لامعة، تغبطهما على هذا التقارب والانسجام الذي صنع لوحة ستظل في ذاكرتها ومقياس لكل ما هو عفوي جميل. 

بعد مرور وقت عاد رضوان بصحبة الفتاتين، استقبلهما نبيل بترحاب منقوص، وابتسامة مهزوزة تنفض من عليها ركام الحزن لتظهر، لاحظت ليلى ذلك فأثرت الصمت وانتظرت القادم، أما رضوان فانشغل بالثرثرة العفوية كعادته والمزاح. 

هتف نبيل بعد تنهيدة مستسلمة «روّحي يا ضي عشان تلحقي تجهزي نفسك للسفر يا بتي» 

تعلقت نظراتهم به في تساؤل حائر ودهشة مُربكة فأوضح نبيل ببعض المعاناة الداخلية التي طفرت على وجهه الهاديء «جدك رجع وعمك، روّحي عشان هتسافري أسيوط مع عمك أمك محتاجاكي هناك» 

تلطف في قوله معها، قدّم السبب أولًا رفقًا وحنوًا بقلوبهم،سأل رضوان باندفاع «ومالها بيها أمها هناك؟ ليه البهدلة؟ هي هناك كفاية» 

ابتسم نبيل محاولًا امتصاص غضبه قائلاً «أكيد محتاجاها هناك تساعدها فحاجة أو تجضيلها خدمة هما لسه مطولين » 

سخر رضوان بفظاظة لا يخفي غضبه «خدامة ليها يعني ولا إيه» 

وضعت ليلى كفها على كتفه تضبط انفعاله بدعمها وحنانها، تمنع استرساله الغاضب وتبتر كراهيته، فعلى أية حال ضي ابنتها ولا يصح أن يُظهر ما يضمره من كراهية أمامها أو يفشي غضبه، فهم مقصد ليلى فصمت، احتفظ برفضه وتحلى بالصبر على نائبته.. 

امتثلت ضي للأوامر دون جدال وفي ظنها أن السفر قصير لأيام معدودة فلما تثور؟ فلتذهب لترى والدها وتطمئن عليه ثم تعود، ستعاني قليلًا من غياب صديقها وليلى وتفتقدهما لكن لا بأس ستعود سريعًا. 

رحل رضوان بعدما استأذن وتركها لتقرر الأمر، دخلت الحجرة لتبدل ملابسها بأخرى فاستغلت ليلى ذلك وجاورت والدها مستفسرة «مالك يا أبويا؟» 

صارحها نبيل بشكوكه من ناحية أختيه واستنباطه تدبيرهما «عمتك سحر مطولة هناك مع فخر بعد ما الدكاترة فقنا نجلوه لمستشفى أسيوط هو صح بيتحسن بس بيجولو هياخد وجت ومتابعة رئته متضررة، أكيد جمر حكتلها فعشان كده عايزة تاخد ضي وتبعدها عن هنا» 

هزت ليلى رأسها باقتناع قبل أن تهتف بهجوم «هقوله يبعد عنها خالص عشان اختك ترتاح ونخلص من الموال ده» 

هدأها والدها بحكمة «متاجيش كده يا ليلى اهدي» 

صمتت بانزعاج شديد وغضب حارق حين خرجت ضي تعلن استعدادها للرحيل، ودعتها ليلى موصية لها بحنان «خلي بالك من نفسك» 

ضمتها ضي ثم اقتربت من خالها وقبلت كفه وبعدها رحلت، عادت للمنزل فوجدت خالتها في انتظارها ، شملتها قمر بنظرة طويلة قبل أن تلقي أوامرها بجفاء «روحي جهزي نفسك عمك هيسافر بالليل» 

سألتها ضي متجاهلة قولها «فين جدي؟» 

قالت قمر بهدوء «بيريح شوية فأوضته» 

تجاوزتها ضي لحجرة جدها بينما عادت قمر للمطبخ وضعت اللحم على الموقد وتحركت ناحية الباب الخلفي ووقفت على عتبته ناظرة للشجرة العتيقة أمامها بحنين جارف،تذكرت حروفهما التي حفراها على جذعها الداكن ولحائها الخشن بمفتاح معدني قديم، تذكرت وعوده بالبقاء جوارها والإخلاص لحبها فدمعت عيناها بتأثر شديد.. تحركت ناحية الشجرة منجذبة لها كمغناطيس ، تقودها الذكريات وحنينها الجارف إليه،بحثت عن الحروف بأناملها في شجن حتى عثرت عليها. 

فاجأها رضوان بظهوره أمامها من العدم، اقتحم عزلتها منتشلًا لها من سيل الذكريات القاتل.. فنظرت إليه بضيق وغضب متحفزة للانقضاض ، تراجع بنظرة وديعة عفوية مليئة بالتساؤل الحائر فتحركت عائدة للمطبخ بنفور وأغلقت الباب خلفها بعنف بعدما رمته برصاصات كراهيتها، عبس متمتمًا بنفور مماثل وسخرية «مالها دي هو أنا دخلت عليها الحمام؟ حتى الشارع كمان مطلعهوش!» 

عاد للمنزل منشغل الفكر برحيل ضي لأول مرة ستختفي عن ناظريه مدة لا يعلمها،لا يعرف لما هداه تفكيره لأن تكون  قمر هي الآمر المدبر، أحس بفطنته أن الأمر مقصود،  ربما لترتاح قمر من مشاغبتها ومنه سترسلها بعيدًا عقاب لهما على ما فعلاه، وربما ينتظره عقاب أكبر على جرأته مع قمر. 

تنهد باستسلام ويأس  يتساءل هل ستودعه ضي أم لا؟ 


+




                

حكت ضي عن مغامرتها لنور، قصّت عليها ما حدث ولعبها هي ورضوان بالمياه، استمعت لها نور بحماس وغبطة، شاركتها السعادة بابتسامة ونظرة تلمع بالإطراء على شجاعتها هي ورضوان ثم قالت «المرة الجاية خدوني معاكم» 

جلست ضي جوارها بعدما شبعت قفز،استراحت بعد عرضها الحي على أرض حجرتها لما حدث ووصفها للعبهما وركضهما في المياه. 

قالت ضي بثقة استمدتها من معرفتها به ويقينها بقلبه وهي تهز كتفها ببساطة  «عادي لو جولت لرضوان هيوافق ويودينا تاني» 

التمعت عينا نور بحماس وطاقة قطعتها دخول قمر العاصف، أشاحت ضي متأففة قبل أن تلتفت قائلة بنظرة محتقرة «بيخبطوا عليها البيبان المجفولة يا خالتي مش بيدخلوا كده» 

ابتلعت قمر ريقها وصمتت بحرج، فالصغيرة على حق لكنها لن تعتذر، طافت على ملامح ضي التي انتعشت قليلًا وعادت لحيويتها بعد رحلتها القصيرة معه إلى النيل والتي عرفت تفاصيلها الآن وهي تمر من أمام الحجرة فوقفت لتستمع، غريب تعلقها به، فاق تعلقها هي بأبيه. 

عادت من شرودها على سؤال ضي المستنكر «في ايه عايزة ايه؟» 

عاتبت نور أختها بنظراتها على فظاظتها مع الخالة الودودة فتجاهلتها ضي وأكملت في طريق الجفاء الذي بدأته قمر إليها أولًا ..

«جومي اتعشي قبل ما تمشي» 

نهضت ضي من جلستها قائلة بملل «مش عايزة» 

قالت قمر بقسوة «عنك ما أكلتي» 

ابتسمت ضي سخريةً واستهانة بقولها بينما قالت قمر بآلية «على الساعة 9 تكوني جاهزة» 

لم تتلقى رد ضي ولا استجابة تدل على سماعها واهتمامها بما قالت فغادرت كما جاءت عاصفة بالغضب 

سألت نور أختها «أنتِ ليه بتعامليها كده يا ضي» 

أجابتها ضي بصدق وصراحة «عشان مبحبهاش» 

استنكرت نور قولها عاتبة «دي خالتك يا ضي» 

هزت ضي كتفها قائلة باستهانة «عادي مش لازم أحبها عشان خالتي» 

حاولت نور استمالتها بعفوية وبراءة «دي طيبة وبتحبنا  يا ضي زي عيالها» 

قالت ضي وحجر كراهيتها لا يتزحزح «معيزهاش تحبني» 

صمتت نور دون فهم لسر هذا البغض والتوتر السائد في علاقتهما، انعزلت بقصصها المصورة التي تحبها بينما كانت ضي تفكر في طريقة لتوديعه قبل الرحيل؛ فهي لن ترحل حتى تباركها نظراته الحنونة ولن تبرح حتى تحصل على زادها وقوت أيامها من ابتسامته التي تحبها. 

بعد مرور وقت أحست قمر بنوايا الصغيرة، تابعت بعين الاهتمام والحذر مراوغة الصغيرة ومكرها البريء حتى تخرج من المنزل، ابتسمت بتسلية وهي تراها تتحرك بتوتر وعشوائية كلما مرّت الدقائق واقترب وقت الرحيل، تتخبط كما لو أنها فقدت بصرها، تحاول التملّص من قبضتها لكنها لا تفلح، ظلت قمر هكذا واقفة على رأسها تحبسها داخل قضبان المراقبة حتى حان الوقت وهتف زيدان يستعجلها «يلا يا ضي يا بتي» 

انتفضت حينها بجزع تتمتم بارتجاف والدموع تتجمع في عينيها اللائمة لخالتها «طيب استنى شوية» 

سألها عمها باهتمام «ليه نستنى؟» 

فركت كفيها بتوتر بالغ واضطراب ظهر جليًا، لوهلة أشفقت عليها قمر وقررت منحها فسحة من الوقت وإلهاء زيدان حتى تُحقق أمنيتها ورغبتها برؤيته وتوديعه لكنها تراجعت عن الفكرة بسرعة.. لكن كان للصدفة رأي آخر أو ربما للقدر،التفت الجميع لباب المنزل الذي وقف رضوان على عتبته متوترًا يستأذن رؤية جده «جدي جاعد» 

هتف زيدان بنبرة حيادية «أيوة ادخله أوضته مستنيك»  

سأل بأدب وهو يسير ببطء للداخل «ماشيين دلوك؟» 

أجابه زيدان بصبر عكس عادته «أيوة أول ما تاجي العربية» 

قال بأدب «تروحوا وتيجوا بالسلامة» 

نداء الجد على زيدان منحها الفرصة التي كانت تنتظرها لرؤيته وتسعى إليها لتوديعه، لقاء جاءها بلا ترتيب أو موعد فاغتنمت فرصتها كلها. 

ما إن تحرّك زيدان للداخل حتى هتفت«رضوان» قالتها بلهفة وهي تمسح عينيها من أثر الدموع

تجاهل وجود قمر واقترب منها مبتسمًا يوصيها بحنان «خلي بالك من نفسك يا ضي» 

ابتسمت قائلة بطاعة «ماشي وأنت كمان» 

هتفت قمر بغيظ «يلا روح لجدك» 

تجاهل مرة أخرى قولها بتحقير والتفت لضي موصيًا «خدي معاكي جاكت عشان برد الليل والطريج يا ضي» 

زفرت قائلة بضيق «مش مطلّعة واحد من الهدوم الشتوي» 

عاد الخطوة التي قطعها باهتمام وقال بسرعة «هروح أجبلك واحد من عندي بسرعة» 

قالها وركض للخارج ناحية منزله وبعد قليل عاد لاهثًا يحمل واحدًا لطالما أحبته عليه وأطرت على لونه 

تناولته منه بسرعة شاكرة فرحةً باهتمامه سعيدة بأن شيئًا من رائحته سيبقى معها، تدخلت قمر معترضة «هجبلها حاجة بناتي» 

رمقتها ضي بنظرة مشمئزة محتقرة وهي تبتعد عن محاولاتها لالتقاط المعطف الخفيف، تحتضنه وتتشبث به رافضة محاولات خالتها انتزاعها منها. 

ابتسم لقمر بنصر قبل أن يهرع لحجرة جده حينما ناداه عمه من داخلها، وقف ثانيةً والتفت مودعًا صغيرته بنظرة مغالية في المودة، أمهرها بكل المشاعر الدافئة شاعرًا بافتقادها من الآن، لوّح لها بكفه ثم تابع سيره في الممر جانبي الذي توجد به حجرة جده وحمام مرفق بها. 

تركهما زيدان بعدما ودّع والده وغادر فأشار الجد لرضوان «تعالى أجعد عايزك» 

تقدم رضوان مبتسمًا بوداعة ولطف، ثم انحنى مقبلاً كفه قبل أن يجلس فوق التخت أمامه، سأل رضوان بتأثر شديد «عمي عامل إيه يا جدي؟» 

تأمله الرجل قليلًا متذكرًا ابنه منصور أصغر ابنائه وأحبهم لقلبه الذي رحل في ريعان شبابه تاركًا في القلب غصة، لكم يشبه الصغير أباه كأنه نسخة مصغرة منه، ابتلع رضوان ريقه صابرًا على هذا الصمت والشرود مترفقًا بجده تاركًا له ملامحه يتأملها كيف يشاء عله يهدأ وتفيض نفسه بالرفق عليه فهو يعلم أنه شديد الشبه بوالده الفقيد. 

أشاح الجد قائلاً بخشونة «عمك بيجول إنك بتشرب مع واد الحفار» 

سأله ببراءة وعفوية «بشرب ايه يا جدي؟» 

رمقه الجد بنظرة يائسة لائمة له ظنًا أنه يراوغه بالحديث ويمكر به، احتلت الخيبة نبرته وهو يؤنبه بقسوة «أبوك عمره ما عملها ولا حد عندنا عملها ولا لينا فالحرام» 

تذكر رضوان يوم لقائه بعمه واتهامه له، إذا فالوشاية المضللة أتت من جانب عمه ألا يكفيه ما يحدث؟ ماذا يريد إذًا أكثر؟ لن ينجو بتكذيب اتهام عمه له ووشايته به بل ربما يزداد الأمر سوءًا وينال الجزاء الأكبر من الكراهية والنبذ، تنهد بهزيمة قبل أن يبريء نفسه بثبات وثقة «أنا مبشربش يا جدي وبصلي وعارف ربنا، أبوي رباني أحسن تربية » 

قال الجد بحدة «أنا نبهتك وأنت حر فنفسك لكن فينا لاه كفاية الي عمله أبوك ما صدقنا الناس نسيت» 

نظر لجده نظرة مستعطفة بعتب حاني قبل أن يقول بلا جدال عقيم زاهدًا في إزالة ما ترسّخ في أذهانهم، مكتفيًا بدفع الاتهام مرة أخرى عنه بصدق وقوة «وأنا مبشربش يا جدي ولا هغضب ربنا» 

هتف الجد بلا اقتناع أحبط رضوان وجعله ينظر إليه بحسرة ومرارة «ماشي» 

ساد صمت قصير قطعه الجد بسؤاله «ناوي على كلية أيه؟» 

تعجب من السؤال الغريب وشكّ في الأمر،لكنه أجاب بصبر «طب» 

صمت الجد قليلًا ثم هتف بحزن بالغ «خسرت أبوك وكنت هخسر عمك» 

دهش رضوان من قوله ومقدمته التي تجر خلفها قولًا عظيمًا فجده لأول مرة يحدثه ببساطة ويحكي معه، هتف قاطعًا الصمت «الله يرحم أبويا ويحفظ عمي» 

قال الجد بصوت متحشرج «تجارة الغلّة كان أبوك ماسكها وعارف كل صغيرة وكبيرة ولما مات عمك فخر مسكها وعمك زيدان ماسك الطحونتين والأرض ومحلات الغردقة ودلوك بعد الي حصل لعمك مش هيجدر يطلع ويدخل ولا أنا فيا صحة عشان كده، عايزك تمسك مكانه وتقف جنبنا وتبجى بدال أبوك» 

رغم عدم راحته وانقباض قلبه إلا أنه أحس بالفرح ،فأخيرًا تم قبوله فردًا في العائلة قال برضا «أنا تحت أمرك يا جدي من بكرة أنزل الشغل» 

نظر إليه الجد بشيء من التردد لا يعرف لما تذكر وصية ولده له وتوسله (خلي بالك من رضوان يا أبوي و متاخدهوش بذنبي) 

هو لن يضره بل سيعترف به فردًا في العائلة له نفس مزايا أفرادها وحقوقهم سيمنحه وسيلة التكفير وسيف الغفران الذي سيبتر الماضي الأليم.. قال قاطعًا الأفكار «و كليتك!»

هتف رضوان بحماس « أقدر أدرس وأنا بشتغل متقلقش علي» 

هتف الجد بغصة تعتصر فؤاده لا يعرف سببها «كلية الطب هتشغلك وتاخد وجتك سيبك منها وادخل تجارة تنفعك وتنفعنا» 

انتفض رضوان من جلسته واسترخائه نافضًا ابتسامته يهتف بفزع «بس أنا نفسي أدخل طب يا جدي وأبوي الله يرحمه كان نفسه» 

قال الجد بعصبية هاربًا من حصار رضوان «أبوك الله يرحمه دلوك، إيه عازتها الطب؟  فلوس ومعانا وقيمة؟ محدش أحسن منينا فالبلد كلها» 

عارضه رضوان مدافعًا عن حلمه «لاه أنا مش عايز تجارة» 

نظر إليه الجد بغضب فجلس رضوان متوسلًا له «دا حلمي يا جدي عايز أحققه ولو على المحلات هجف فيها وهشتغل كد ما أقدر مش هنام وهعمل الي يرضيك» 

هتف الجد بأسف وخيبة ضاغطًا بقوة على جرحه«زمان أبوك عارضني و خرج عن طوعي وأنت دلوك بتعمل زيه»   

برر بعفوية ونظرات متوسلة «لاه دا مش خروج عن طوعك هعمل كل الي أنت عايزه بس عايز أروح كلية الطب» 

قال الجد بزهد ونفور «براحتك يعني هتعمل إيه غير الي عمله أبوك وزيد فوقيه خيبتي فيك يا واد أمك» 

أغضبه أن ينعته بابن أمه وكأنها أنجبته وحدها، أن ينسب لأمه لأنه تمسك بحلمه وطلب القليل، عن أي خيبة يتحدث هذا الرجل المنعم في رغد العيش ويتركه هو فوق حصير الفاقة يتقلب، هو الذي عاصر كل الخيبات وعاش مرارتها لم يعرف بماذا ينطق؟ يحتاج لأن ينفرد بنفسه ، يهرب من حصار هذا الرجل ويفكر جيدًا، يعدّ غنائمه إن قبل بعرضه ويحسب خسائره إن رفض وتشبث بحلمه، يريد استشارة ليلى والعم نبيل بعيدًا عن الضغط والمحاصرة و سوط جده الدامي الذي يجلده به ليرضخ صاغرًا كافرًا بحلمه. 

انسحب دون كلمات، هرول فارًا من نظرات الجد القاسية، تاركًا لها خلفه. 

دخلت قمر بعده؛ لتطمئن على خالها متعجبة من خروج رضوان بوجه متجهم تكسوه الحسرة والخيبة العظيمة يتملكها الفضول في معرفة مادار بينهما وجعله بهذه الحالة من الضياع. 

**********

في اليوم التالي

زفر فاروق بملل حين وجده جوار قبر أبيه، اقترب منه عاتبًا بحدة «مفيش فايدة برضو بتجعد جنبه هيعملك إيه هو؟» 

تنهد رضوان قائلاً بمرار بلغت قلبه «يمكن تكون آخر مرة آجي يا فاروق، جاي أودعه» 

جاوره فاروق مستفسرًا بحنو «ليه حصل إيه؟» 

نظر رضوان لقبر والده باتهام «رجعني وهو عارف الي فيها يا فاروق فهمت دلوك ليه قالي سامحني على الي فات والي جاي» 

ربت فاروق فوق كتفه مهدئًا «متجولش كده هما الي كفرة وميعرفوش ربنا» 

صارحه رضوان بما يصرّه داخل قلبه ويخاف البوح به «خايف أصحى ألاقي نفسي بكرهه وبكره أمي يا فاروق» 

حوقل فاروق قبل أن يواسيه بحنان «اهدا بس واحكيلي ايه حصل؟» 

قال ممازحًا بمرح «ولا يكونش عشان ضي مشت» 

تنهد رضوان قائلاً بحسرة «اهي سفرية ضي دي متدبرة يا فاروق من أمها وخالتها عايزين يبعدوها وأنا خلاص تعبت وقرفت من كل حاجة» 

نهض فاروق وسحبه ليقف قائلاً «جوم طيب من هنا مش كل حاجة تاجي تجعد جاره هو مات وشبع موت أخرك تزرعله شوية ريحان وطلعله صدجة» 

فكر فاروق قليلًا وقال مصححًا يتراجع في قوله«لاه ازرعله صبار» 

ثم سار به فاروق ناحية منزله القريب قائلاً «كان لازم أبوك يتنيل يحب أمك» 

صارحه رضوان بما يحيره وينغص عليه حياته «عارف يا فاروق رغم إنهم حكولي إن أبوي اتجوز أمي عن حب ولفّ وراها يدوّر لغاية ما أتجوزها إلا إني عمري ما حسيت بده» 

سأله فاروق باهتمام وانتباه «جصدك إيه؟» 

أجابه رضوان بحيرة «كان أبوي يعاملها زين جوي ويحترمها ويخاف عليها ويساعدها بس محستش بينهم حب من التاني الي خلاهم يتجمعوا وهما مختلفين حسيت حب عادي كده» 

أجابه فاروق بحكمة «طب ما عادي أمال أنت فاكر الحب إيه؟ هو كدا الحب يا صاحبي بعد الجواز بيهرب من الشباك وتفضل العشرة.. بعدين طبيعي بعد الي حصل يقفلوا من بعض كل واحد أكيد كان شايف التاني السبب فمصيبته» 

تأفف رضوان قائلاً بتوهة وضياع «والله أنا ما فاهم حاجة» 

سأله فاروق باهتمام «المهم جولي حصل ايه تاني؟» 

حكى له رضوان ما دار بينه وبين جده وطلبه المقدم إليه الذي ينتظر إمضاء موافقته وكيف هرب من حصار جده وقضبان تحكمه.. ما إن انتهى حتى هتف فاروق بثورة مُعلنًا رفضه للأمر بعصبية «لاه وألف لاه متسمعلوش الراجل الخرفان ده سيبك منه وقدم طب يا ابني ده حلمك التي تعبت عشان توصلّه» 

تنهد رضوان بقلة حيلة وضياع فقال فاروق بعصبية «مفيهاش تفكير دي يا صاحبي دول جماعة ما يعلم بنفوسهم غير ربنا » 

جلس رضوان فوق حائط متهدم قائلاً «مش عارف يا فاروق أعمل إيه؟ لو وافقت ومسكت الشغل كده هقرب منهم والمشاكل هتنتهي ولا لاه؟ ولو رفضت وهما كمان رفضوا يساعدوني هعمل إيه؟ عمي فخر الي كان ممكن أتكلم معاه ويساعدني أهو فالمستشفى الله أعلم متى هيرجع» 

نظر إليه فاروق بشفقة وحزن لاعنًا هؤلاء عديمي الشعور فاقدي الرحمة. فكلام صديقه منطقيًا وحيرته واجبة في هذا الموقف العصيب، من هم على شاكلتهم ليس لهم عهود ولا مواثيق، لا يأمن لهم مثقال ذرة ثقة؛ لكنه مشبع بحب أخوي لهذا الصغير ويتمنى لو نال أحلامه، لذا هتف «مش هفكرك إني جنبك وفضهرك نهد الدنيا لو عايز» 

تنهد رضوان قائلاً بإحباط ويأس «مبجتش عايز حاجة شكلي هعمل الي عايزينه أنا حاسس إني مكسور من جِدري يا فاروق» 

واساه فاروق بحنان «متحزنش أنا معاك يا صاحبي  أبوهم على أبو الي يكسرك وأنا عايش» 

شكره رضوان بنظرة ممتنة «كتر خيرك يا فاروق» 

ضربه فاروق على رأسه بخفة قائلاً «يا حمار خير إيه أمال الصحاب اتعملت ليه!» 

صمت حائرًا زائغ البصر فسحبه فاروق قائلاً «روّح دلوك ارتاح في البيت وبالليل نروحوا للاستاذ نبيل ونشوف» 

هز رضوان رأسه بالمواقفة قبل أن يسير للمنزل متعثر الخطوات مضطرب الفكر يتابعه فاروق بألم داعيًا عليهم متوعدًا يقسم أن ينتقم منهم إن جاءته الفرصة. 

******

 غادر لمنزل عمته بعدما أخذ بعض القصص من حجرته ، طرق باب منزلها منتظرًا بصبر حتى فُتح الباب تفاجأت به وتأملته قائلة «ازيك يا رضوان عامل ايه؟» 

هتف بود صادق وعفوية «ازيك يا عمتي عاملة ايه؟» 

أجابته بصبر «الحمدلله اتفضل» 

تنحنح بأدب وهو يدخل المنزل ثم قال بارتباك وقلق من أن ترفض طلبه المسالم «ينفع أشوف نجمة يا عمتي وأجعد معاها شوية» 

ضاق ذرعًا بالوقوف أمام النافذة وسرقة لقائتهما لذا قرر الدخول والطلب بشجاعة، تأملته جليلة والكتب التي يحملها بنظرة لامعة مفكرة في طلبه الخجول قليلًا كادت أن ترفض وتعيده لمنزله خالي الوفاض محمل بالنبذ لكنها تذكرت بكاء نجمة الكثير هذه الأيام فأشفقت عليها من حزنها ووحدتها وسمحت له بذلك ، فما الضرر أن يصبح قردًا مُسليًا لابنتها الحزينة يُدخل السرور على قلبها «وماله يا حبيبي ادخل المندرة وهجبهالك» 

ابتسم شاكرًا بفرحة «شكرًا يا عمتي ربنا يخليكي» 

ابتسمت جليلة بصمت قبل أن تشير له ناحية المندرة وتغادر لتجهيز الصغيرة وإحضارها له، دخل المندرة بأدب، جلس بهدوء ينظر باهتمام وشغف للتفاصيل والأثاث الفخم 

قطع عليه اهتمامه بتأمل المكان وتفحص محتوياته دخول محارب، بادر بالسلام ليتخلص من سماجته «ازيك يا محارب» 

جلس محارب جواره حاملًا طبق صغير مملوء بحبات العنب دون إجابة دفع حبة لفمه مستفسرًا بسخرية «جدمت على كلية ايه يا مسبسب يا حليوة ؟» 

حافظ رضوان على ابتسامته الباردة غير مستجيب لاستفزاز محارب، لن يرهق مشاعره مع هذا المتعجرف البغيض، لن ينهي طاقته على النقاش معه والمشاحنة، يحتاج الصمت كتذكرة لقاء لنجمة، فأجاب بهدوء«لسه مقررتش» 

قال محارب ساخرًا منه «خليك متكملش ودور في الموالد غني وأمك ترجص ولا هي بطلت؟» 

تمنى اللحظة لكمه على فمه، الانقضاض عليه وتمزيقه بأسنانه، دفع حبات العنب لفمه وكتم أنفاسه هذا المغرور المتعالي ، لاحظ محارب كتمان رضوان الجسور لما يضمره من غضب فابتسم باستمتاع وقال متابعًا قهره واستفزازه بمتعة « بيجولو كانت إيه مفيش زيها» 

انتفض رضوان من مكانه نافذ الصبر، احترق هدوئه بنيران الغضب الشرهة المتعطشة للنيل من هذا الوقح، هجم عليه بلا حساب أو تفكير وهل هناك تفكير بعد كل ما قيل، هذا البغيض يطعن كرامته وشرفه بخنجر لسانه المسموم وهو لن يصبر ويقف صامت يتابع بأدب كاذب، وبكل القهر المكتوم داخله ضربه على فكه، جعل من وجهه كيس ملاكمة يفرغ به غضبه وحزنه وحسرته، لم يستطع محارب تفادي ضرباته القوية المقهورة أو السيطرة على غضب وانفعال رضوان، جاهد ليخرج من حصاره ومهاجمته لكن رضوان كأنه اكتسب أضعاف قوته اللحظة..

 جاءت جليلة صارخة أبعدتهما متسائلة «حصل ايه؟» 

وقف رضوان لاهثًا ينظر لمحارب الذي ينزف بتشفي وانتصار مستمتعًا لتأوهه بطرب، استدارت جليلة موبخة له بغضب ما إن رأت دماء ولدها تسيل «بتضرب ولدي يا ناجص يا جليل الرباية، دخلتك هنا وعملتك بني آدم عشان تستقوى على ولدي» 

هتف رضوان بعصبية «اسأليه قال إيه يا عمتي؟  » 

دفعته جليلة بقوة موبخة تلعنه «غور من هنا ومتجيش تاني» 

تمالك محارب نفسه، لملم قوته ونهض مزمجرًا بحقد، أمسك بياقة قميص الآخر محاولا سحبه فضربه رضوان بقوة على رسغه مخلّصًا مدافعًا عن نفسه فدفعته جليلة خوفًا من تطور الأمر «امشي غور يلا من هنا » 

وقف رضوان لاهثًا متسمرًا مكانه بشجاعة غير مبالي بكلماتها اللاذعة ينظر لمحارب بجسارة وانتظار، يدعوه للاقتراب منه ثانية حتى ينهيه، انسحب أخيرًا من المعركة منتصرًا فائزًا بكبريائه، يرتدي كرامته تاجًا فوق رأسه فقد نال أخيرًا من محارب وفعل ما تمناه، بالخارج وقف أمام نجمة التي جاءت بصحبة السيدة التي تعتني بها، اعتذر بخفوت ودون توضيح «أنا آسف يا نجمة متزعليش مني» 

بعدها هرول خارجًا تلاحقه دعوات عمته وتهديدات محارب. 

********

ترتدي سترته طوال الوقت، تحتمي بها وتلوذ برائحته العالقة التي تؤنس وحدتها وتزيح الوحشة عن قلبها، مجرد شعورها بقربه يعينها على المواصلة واحتمالها الابتعاد عنه والبقاء مع والدتها التي توبخها طوال الوقت على ما فات من أفعال وتحذرها من القادم بعدما نقلت إليها قمر ما حدث، كم تكره قمر تلك وتبغضها، وضعت رأسها على كتف والدتها مغمغضة العينين سابحة في أفكارها تتخيل أنها هناك بمنزله هانئة ترفل في السعادة.. لاحظ زيدان نومها فنبه والدته «ضي نامت يا مرت أخوي» لم تسع لفتح عينيها وإعلان استيقاظها بعدما سمعت قول والدتها التالي بل ظلت على وضعها تنصت لما يتهامسانه باهتمام

التفتت لها سحر سريعًا ثم عادت له مستفسرة باهتمام «عملتوا إيه مع رضوان يا زيدان؟» 

أجابها زيدان باهتمام بالغ يوليه لهذا الأمر «سبته لأبوي وجيت والله» 

  مصمصت قائلة بحسرة «مكانش فتحي هو الي جاب المجموع ده ياربي حظ ايه ده» 

تنهد زيدان يقاسمها الحسرة قائلاً «حظ الغوازي يابت عمتي هنجول إيه بس والله فتحي شاطر ومجتهد ما أنتِ عرفاه هو بس الحظ» 

أكدت قوله «أيوة هو كان بيعمل حاجة غير يذاكر» 

قال زيدان بأمل «يدخل الكلية ويشد حيلة ويبقى دكتور فالجامعة زي قمر» 

قالت سحر بفخر شديد «ربنا يوفقه ويبجى زييها ولو إن محدش زي أختي » 

تجاوز زيدان قولها وصمت فقالت ناصحة «يخليه بس ف ضلّ واد الحلبية ويشوفه بيعمل إيه ويعمل زيه وياخد منه الي ينفعه» 

قال زيدان بيأس «مش لو رضي رضوان يدخل تجارة يا مرت أخوي» 

قالت بأمل «خالي هيقنعه، طالما محدش راح من عيالنا الكلية دي يبقى هو ميروحش ميبجاش أحسن مننا والحلبية يتعملها قيمة» 

أحست ضي بكراهيتها تفور، فحافظت على ملامحها ثابتة لا تكشف دواخلها حتى لا يشكوا بنومها، صداع ضرب رأسها حين علمت بما يدبر في الخفاء ومحاصرتهم لهذا المسكين بل ونواياهم في استغلال عقله ومذاكرته لصالح فتحي وضغطه بالعمل الكثير والمهام.. لو تقيأت الآن ما في جوفها من مشاعر لوالدتها لامتلأت الحجرة بالكراهية. 

لما تحمل أمها لهذا المسكين الطيب كل هذه الكراهية؟ ما الذنب الذي اقترفه في حقها! غطت رأسها بذراعها حينما تسللت الدموع من تحت أجفانها رغمًا عنها خوفًا على صديقها تفكر في طريقة يمكنها الاطمئنان بها عليه. 

*********

في اليوم التالي مساءً بمنزل رضوان قلّب فاروق الشاي بالمعلقة الصغيرة ثم ضرب بها حافة الكوب بنغمة تتماشى مع دندنته، شاركه رضوان الدندنة بمرح والطرق فوق الطاولة مكملاً اللحن حتى توقفوا ضاحكين 

«خالتي صبر فين أمال؟» 

أجابه رضوان وهو يمنحه بعض مخبوزات والدته «عند ليلى» 

اضجع فاروق في كرسيه مستحسنًا الأمر ثم سأله «ضي مكلمتكاش؟» 

لاح الحزن في عينيه بعدما تلاشت ابتسامته وصمت فقال فاروق بابتسامة ساخرة «يبقى مكلمتكاش» 

عذرها رضوان بحنوه المعتاد «هتكلمني كيف معهاش محمول وأكيد أمها مش هترضى» 

سأله فاروق باهتمام «طيب مكلمتش خالها على محموله» 

زفر رضوان قائلاً بيأس «لاه روحت كتير واستنيت هناك في المواعيد بتاعتنا يمكن تتصل واطمن عليها مفيش فايدة» 

قرر فاروق مشاكسته والتلاعب به في مكر ، ارتدى قناع الجديدة وقال بأسف كاذب «دلوك ترجع نسياك ومش بعيد متكلمكش تاني» 

انتفض رضوان في جلسته قائلاً ببراءة بينما فاروق يتابعه بطرف عينيه مستكشفًا يتصيد انفعاله «صُح يا فاروق ولا إيه؟» شرد قليلًا يتخيل الأمر ووطأته في نفسه ثم قال «ممكن أمها تخليها تبعد عننا وتبجى زي نور وفتحى وأخواته؟» 

التقط فاروق طرف الخيط وسأله «إلا صح فين أخوات فتحي التوأم؟» 

أجاب ببساطة «جاعدين مع خوالهم فبيت جدهم ف..... مبيجوش كتير» 

أدرك مراوغة صديقه فهتف بغيظ «هو أنا فأيه وأنت فايه؟  جولي الأول تفتكر ممكن سحر تأثر عليها؟» 

هز فاروق كتفه قائلاً باستهانة «طب ما تأثر! أهو بُعدها عنك يريحك من المشاكل» 

هتف رضوان بعفوية وبساطة «لاه أنا عايز ضي بالمشاكل بكل حاجة» 

ترك فاروق كرسيه واقترب منه قائلاً بجدية «بريء أنت يا رضوان، خايف عليك والله من الدنيا يا صاحبي تغيرك، نفسي أجولك خليك كده بس خايف عليك ونفسي أجولك اتغير بس برضو خايف عليك» 

صاح رضوان بحنق «وقت فلسفة ده يا حيوان يعني تخوفني وبعدين تعملي فيها أديب» 

ابتسم فاروق وابتعد عائدًا لكرسيه يقول مُطمئنًا له بحنان «متخافش لو هتأثر عليها كانت أثرت من زمان» 

رفع فاروق كفيه وعينيه للأعلى داعيًا «اديني يارب العمر وأشوف نهاية الحكاية المنيلة دي وهتطربج على راس مين» 

نهض رضوان وضربه على كتفه ساخرًا«خليك فرواياتك وبطلاتك يا فاروق وارحمني» 

ابتعد متناولاً قميصه المعلّق في مسمار جانبي وارتداه قائلاً «يلا نروح لعم نبيل» 

نهض فاروق قائلاً «ماشي» ثم تأمل المنزل الصغير مثنيًا على ترتيبه ونظافته «بيتكم حلو جوي،نضيف وريحته حلوة» 

ابتسم رضوان قائلاً بحنين متذكرًا تخطيطاته هو وضي ونواياه في تغيير الصالة وإعادة ترتيبها «لما تاجي ضي هنغير فالصالة» 

هتف فاروق وهو يخرج من الباب «ما تغيرها لوحدك مالها هي فكده؟» 

دفعه رضوان قائلاً بعصبية «اسكت يا فاروق وريح دماغك شوية من التفكير فكل حاجة وأي حاجة» 

سار فاروق جواره قائلاً وهو يضع كفيه بجيب بنطاله الجينز المهترىء «سكت» 

 قطع محارب سيرهما بظهور المفاجيء بصحبة صديق له، وقف أمامهما مبتسمًا ابتسامته البغيضة التي يُعلن بها الحرب 

نظر فاروق لرضوان قائلاً وقد فهم ما ينتوي محارب فعله بعدما حكى له رضوان ما حدث بينهما«استعنا عالشقا بالله» 

صمت رضوان بقلق لا يريد إقحام فاروق في مشاكله وحروبه، فقرأ فاروق ما في نفس صاحبه من اضطراب وخوف فطمئنه بابتسامة حنون «العيش والملح له حق يا صاحبي ، سيبك أنت الليلة ليلة هنا وسرور هنكسر الملل»

ضحك رضوان بتوتر قبل أن يشجعه فاروق «هتختار أنت ولا أختارلك أنا» 

حك رضوان فروته قائلاً «مش عارف» 

نظر فاروق لمحارب قائلاً بابتسامة راضية «خلاص هختار أنا، خليلي محارب دعيتها ونولتها» 

هتف محارب وهو يتقدم ناحيتهما باستعداد «فاروق التربي» 

أجابه فاروق وهو ينزع شاله من حول رقبته «عليك نور التربي، نبيه أنت يا محارب»  

#انتهى


+




السادس من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close