رواية مجهول انبت عشقا الفصل الخامس 5 بقلم سلمي خالد
الفصل الخامس
.. أيسل..
نظرت حولها في هلع، تعلم جيدًا إن رأها احد معه سوف تقع بمأزقٍ أكثر مما فيه الآن، نظرت خلفها ترى إن كان والدها غادر أم لا ولكنه لم يغادر، تطلعت له في رجاء تهمس في رعب:
_ عشان خاطري امشي من هنا.. أنا حاليا مش هعرف أفهمك حاجة.. طب لو تعرف تيجي الجامعة وافهمك لكن حاليا صعب.
رفع حاجبه في استنكار، ثم وضع يده بجيب سرواله مرددًا بنبرة باردة:
_ وتلمي الناس علينا وتقولي بتهجم عليكي صح!
أمسكت بوجهها في غيظ ممزوج برعب مرددة بنبرة مغتاظة يعتريها الذعر:
_ ياعم دا وقته أمشي وخلصني.. ما أنت معاك عنوان بيتي وجامعتي يعني سهل تجبني من قفايا.. امشي بقى ثم في حد يجي هنا بالشكل اللي أنت فيه دا .
نظر لملابسه فما كنت سوا سروال أسود انيق للغاية، معه تيشيرت كاجوال من اللون النبيتي وستره ( جاكيت) بلون مماثل للون البنطال، عاد لها مرددًا بنبرة ساخر:
_ والمفروض اجي بلبس ايه سيادتك؟
نظرت تاليا حولها ببعض الخوف، ثم هتفت بنبرة تحمل بعض الغيظ:
_ ياعم هو أنا مراتك هقولك تلبس ايه روح من هنا بقى دا أنت..
صمتت في خوف بعدما حدق بها في شرسة مرددًا بنبرة مخيفة:
_ بت أنتِ أنا مستحمل قرفك دا من بدري اتكلمي عدل وإلا هتشوفي مني وش مش هيعجبك.
:_ يالهوي عليا.. اشق هدومي طيب قولي عايز ايه وامشي بقى.!
قالتها في ذعر مما يحدث معها، بينما تبدلت ملامح آدم لهدوء مخيف يمد يده ممسكًا بهاتفها الذي تحمل بين يديها قائلًا في ثبات أخافها بعض الشيء:
_ أنا لا عايز حاجة ولا هعوز منك حاجة.. اللي عايز اعرفه ليه عملتي كده يا اما تكلمني وتفهمني في ايه يا إما الوالد هيعرف بالقصة كلها.. أنتِ مديونة ليا ومن حقي أفهم بظبط القصة دي!
مد يده يعطيها هاتفها ثم غادر في هدوء بينما تطلعت له تاليا في تعجب من تحوله المفاجئ ومغادرته، فقد ظنت أنه سيكمل جدال معها ويسبب لها مشكلة ضخمة كعقاب لها، نظرت تاليا لهاتفها ترى أسمه فوجدته مسجل بـ Adam Al Cadwan، زفرت في تعب ثم انطلقت تذهب لجامعتها قبل أن تتأخر أكثر مما ينبغي، ولكن أصبح عقلها مشغولًا ماذا سيفعل عندما يعلم مافعلته بالكامل هل سيتركها أم سيعاقبها، ردد في قلق:
_ يارب هجبها منين ولا منين كله من لساني اللي عايز حشه.
*****
استعدت سدرا جيدًا للذهاب إلى المشفى، ثم أسرعت نحو باب الشقة لتغادر ولكن اوقفها السيد جلال يهتف في هدوء:
_ استنى يا سدرا اوصلك.
تطلعت له سدرا في تعجب، ثم اردفت في دهشة:
_ حضرتك كده هتتعب وهتتأخر على الشغل.
تقدم منها يبتسم في حنو يربت على ظهرها:
_ وتأخير الشغل مش هيجي حاجة جنب أني أمشي مع بنتي وبنت أختي الغالية.
منحته ابتسامة صغيرة، ثم ساروا سويًا نحو الخارج أسفل نظرات فريال التي تنهدت في حزن تتذكر ما قالته ناهد لها قبل وافتها بيومين..
**
:_ عارفة يا فريال سدرا دي هي أحلى نعمة جتلي، نفسي اكبرها وأجوزها واشوفها كده مع اللي بتحبه مرتاحة وأمسك عيالها بايدي كده.
قالتها ناهد في حب شديد لمس قلب فريال، ابتسمت فريال ثم قالت باستنكار زائف:
_ عايزة تكبرينا يا ناهد بدري لا ياختي أنا عايزة افضل كده صغنونة.. مش عايزة ابقى تيتة.
ضحكت ناهد على حديثها تتمتم في مكر:
_ يا فريال دا أنتِ يوم والدت تاليا في البنج بقيتي تقولي عازة افرح ببنتي عايزة ابقى تيتة.
اتسعت عين فريال في صدمة، بينما ارتفع صوت ناهد بضحك بعدما رأت ملامح فريال، حاولت الحديث وسط ضحكها قائلة:
_ استنى اهدي بهزر معاكي.
اغتظت فريال من حديثها تردد بنبرة غاضبة:
_ يا شيخة خضتني على نفسي، ثم لو جابت خمس عيال هفضل برضو لسه صغيرة.
ضحكت ناهد بشدة مما تتفوه به، بينما لم تصمد فريال قليلًا ثم ضحكت على حديثها فهي تتمنى بالفعل أن ترى ابنتها سعيدة مع من تحب، هتفت ناهد بنبرة حالمة:
_ يارب ألحق واشوفك يا حبيبتي احلى عروسة في الدنيا.
قطبت فريال جبينها في تعجب، ثم اردفت في دهشة:
_ إن شاء الله تشوفيها يا ناهد أحلى عروسة وتشيلي عيالها كمان.
ادمعت عين ناهد في ألم تهتف بنبرة خائفة:
_ مش حاسه كده يا فريال مش حاسه كده.
**
عادت من واحة ذكرياتها تزيل دموعها في ألم، تردد بنبرة متألمة:
_ الله يرحمك يا ناهد كان نفسك تفرحي بيها بس ملحقتيش زي ما كنتِ حاسه.
نهضت تنهي باقي فروضها المنزلية ربما تبعد عقلها عن الوصول لحافة هذه الواحة فتسقط بها دون عودة.
******
امسك جلال يد سدرا يساعدها على الهبوط من السيارة، يسيران سويًا نحو المشفى التي تدرب بها، ثم توقفت فجأة تتطلع نحو جلال بعينيها البنيتان اللتان تلتمعان بدموع قائلة بصوتٍ مبحوح:
_ أنا محتاجة حضنك يا بابا جلال.
تعجب جلال من حالتها، ولكن شعر بدهشة شديدة وهي تبكي داخل أحضانه، تجمد لدقائق ثم مد يده يحتضنها في حنو قائلًا بنبرة حنونة أدفئت قلبها وسط جليد ذكرياتها:
_ أنتِ نور عيني يا قلب بابا، وحضني مفتوح علطول ليكِ.
نظرت لعينيه تتمتم بنبرة حزينة:
_ بابا برضو كان يحضني ويخرجني زيك كده صح!
ابتسم لها في حب، يمد يديه يزيل دموعها مقبلًا جبينها في حنان بالغ، يمسك بيدها وكأنها طفلته وليست فتاة ناضجة ليسيران بطريق المشفى:
_ طبعًا محمود أبوكي زمان وأنتِ لسه صغيرة مكنتش بتعرفي تمشي كان يخرجك كتير ويجيبك عندي برضو كتير.. كنت تحبي تلعبي مع تاليا معظم الوقت ولاسيما أنكم كنتوا قريبين من سن بعض.. عارفة برضو كان محمود يقولي إنك أحلى حاجة حصلت في حياته وإنك هتفضلي في قلبه حتى لو مات.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغرها، ثم هتفت بنبرة خافته:
_ كنت محتاجة الحضن دا أوي.
ضغط جلال على يدها قليلًا يهمس بنبرة دافئة:
_ كل ما تحتاجي حاجة أنا موجود وماما كمان موجودة متتردديش خالص يا سدرا أنتِ حتة مننا.
شعرت ببعض الراحة وكأن تلك البراكين سكنت من همساته الدافئة التي أغلقت ندوب تنفجر من الآلام، وصلت سدرا للمشفى تلوح بيدها لجلال ثم اختفت داخل المشفى أسفل انظار جلال الذي ردد بنبرة حزينة:
_ الله يرحمك يا ناهد أنتِ ومحمود.. ويقدرني واقدر اصون بنتكم.
****
داخل مكتب سمير..
شعر باختناق شديد، لا بد من أن ينهي تدريب سدرا، وإلا سيقع ضحية لـ «S»، امسك بملف مكتوب بأسم ( أيسل) تلك الفجوة السوداء التي ستبتلعهم جميعًا، تطلع لجميع تقاريرها ولكن ما من فائدة هي غير قابلة للعودة مجددًا، أغلق ذاك الملف وهو يغمض عيناه في تعب مرددًا بنبرة حاسمة:
_ هتاخدي الملف من دلوقتي يا سدرا!
:_ ملف إيه؟
قالتها سدرا ببعض التعجب، بينما انتفض سمير من مقعده يتطلع لها في دهشة، ولكن استعاد وعيه سريعًا مرددًا بنبرة ثابته:
_ متخفيش أنتِ أخر يوم فيه كنت هنا وصلت لمرحلة كويسة وسرعة البديهة اللي عندك ساعدتك اوي أنك توصل للأختبار الأخير عشان الشهادة.
ملأت السعادة عيناها تشعر أنها أخيرًا ستصل لحلمها وتصبح أخصائية نفسية حقيقية، هتفت بنبرة متحمسة للغاية:
_ طبعًا يا دكتور.. أنا كده كده في اليومين اللي فاتوا كنت بذاكر كويس عشان اقدر انهي التدريب سريعًا.
ابتسم سمير ببعض الراحة ثم أردف بنبرة هادئة يخفي خلفها كم من النوايا السوداء:
_ خلاص النهاردة أخر يوم ليكي في الكورس وهتمسكي الحالة دي من بكرة ودا الملف بتاعها.
امسكت سدرا بالملف تتطلع لأسم الحالة، ثم همست قائلة:
_ أيسل.
فاقت من شرودها على صوت سمير يحثها على الذهاب معه لتبدأ بنهاية لطريق تدريب وتبدأ رحلة جديدة بعلاج تلك الفتاة، أو لنقل لتبدأ رحلة مع عالم آخر لن تستطيع مواجهته.
*****
بجامعة حلوان..
انتهت تاليا من محاضراتها، ثم غادرت القاعة الموجودة بجهة فصول ومعامل، تتوجه نحو الكافيتريا آخذه طعامها المفضل ( سوري بطاطس حار)، بدأت تحدق للأمام في شرود تتناول طعامها دون أن تلاحظ ما تسبب به حول فمها، بدأت تفكر ماذا ستفعل مع هذا الذي يدعى آدم فهي لن تحدثه أبدًا ولكن إن لم تتحدث معه فستقع بمشكلة كبيرة.
زفرت بضيق ثم نهضت تلاحق باقي محاضراتها تتمنى أن تنتهي من هذا العام وتعمل بأي شركة، ولكنها لم تلاحظ حدقتيه تتابعها في صمت، ينتظر اللحظة المناسبة للحديث.
***
وصل آدم لتوه للشركة، نزع سترته السوداء واضعًا إياها على مقعده، ثم جلس على مكتبه في حماس شديد لا يعلم سره فهو يتقن عمله ولكن لم يشعر بالسعادة التي بها الآن ولكن اختفى هذا المسمى من رأسه عندما وقف ببداية طريق العشق ، حاول تبرير حماسه بأنه ربما سيعلم سر تلك الفتاة ولما فعلت ذلك، أو سيستطيع التحدث لها مرة أخرى، نفض تلك الأفكار من رأسه عندما دلفت مريم تردد بنبرة هادئة:
_ النهاردة يا بشمهندس آدم في 3 اجتماعات مهمين من ضمنهم اول واحد الوفد الألماني، ودا أخر اجتماع بينا معه انا خليته اول معاد عشان حضرتك تكون لسه نشط.
حرك آدم رأسه في تفهم ثم أردف في عملية شديدة:
_ طب روحي أنتِ يا مريم وظبطي الأوراق الخاصة بالاجتماع وأعملي حسابك إنك هتحضري الاجتماع ونصلح اللي الوفد شافه المرة اللي فاتت.
:_ حاضر يا بشمهندس.
قالتها في اختصار مغادرة الغرفة، بينما أمسك آدم بملف الخاص بالوفد يتطلع له في تركيز، يتأكد من عدم وجود خطبًا ما بتلك الصفقة.
انتهي بعد مرور وقت ليس بقصير من ملف تلك الصفقة ولكن مر بمخيلته تاليا وطريقتها وبقى يتطلع لهاتفه لا يعلم لما ينتظر حديثها، نهض يردد بنبرة غير مقتنعة:
_ تفكيري كله عشان أعرف هي ليه قالت اسمنا وبس بلاش تفكر كتير يا كدواني عشان هتتعب.
زفر في تعب وقرر العودة لباقي أعماله ربما يقنع ذاته بهذه الطريقة أنه لا يفكر بها وبطريقتها التي تثير اعجابه دون أن يشعر.
****
في المساء..
تجمعت الفتاتان بالغرفة، ولكن كانت تاليا تتطلع لسدرا بتارة وبالهاتف تارة، لا تعلم ماذا تفعل هل تخبرها بما يريده آدم أم تخفي الأمر، تنهدت في ارهاق داهم عقلها، بينما لاحظت سدرا شرود تاليا وتعجبت من سكونها فـ بالعادة أما تجلس للمذكرة أو تشاكسها قليلًا ولكن الآن هي بمشكلة طالما أصبحت ساكنة، تركت الملف الذي بيدها ونهضت تجلس إلى جوارها تضع يدها على ظهرها مرددة في حنو:
_ مالك يا تاليا مش بعادة يعني تقعدي كده؟
تطلعت لها في تردد ممزوج بقلق، بينما دُهشت سدرا من ترددها وأردفت بنبرة مشجعة:
_ قولي يا تاليا في ايه متخفيش احنا اسررنا مع بعض.
استنشقت تاليا نفسًا طويل ثم بدأت بسرد ما حدث معها منذ قدوم آدم للجامعة حتى وصوله للمنزل، انتهت من الحديث تختتم جملتها بقول:
_ مش عارفة أعمل ايه يا سدرا بس ممكن يجي هنا لو مرنتش عليه!
تطلعت لها سدرا قليلًا تريد أن تخبرها بخطئها، ولكن ليس وقته، هتفت بنبرة متحيرة:
_ هو كده لزمًا نكلمه بس الغريب أنه مهتم بنفسه يعرف ليه!
حركت تاليا رأسها تخمن سبب اهتمام آدم الغريب مرددة:
_ مش ممكن في حاجات بيعتمد على نفسه فيها ومش بيحب حد يدخل بيها.
حركت سدرا رأسها بالنفي قائلة في توضيح:
_ تاليا انا لما دورت على أسم الكدواني لقيتها أكبر شركة صيانة بالوطن العربي دا غير فروعها برة الوطن العربي يعني بتنافس شركات عالمية.. شخص زي دا كبير اوي ازاي ملهوش مساعدين وليه مهتم بالموضوع اوي كده؟
شعرت تاليا بأنها تائهة لماذا بالفعل يبحث هو ولم يعين أحد من رجاله؟، هتفت بنبرة قلقة:
_ مش عارفة بس أكيد حصل حاجة كبيرة في شغله بسببي أثرت على الشغل وعشان كده كان لزم يفهم.
نهضت سدرا تتوجه للخارج تجيب عليها ببعض الاقتناع:
_ ممكن احتمال وارد يحصل استنى هروح اعمل حاجة وأجي نكلمه.
*****
:_ خلاص يا ماجد باشا الصفقة بتاعت الوفد الألماني اتحلت وظبطنا الشغل وهنفتح فرع جديد بألمانيا.
قالها آدم ببعض الراحة، بينما ابتسم ماجد في هدوء يردد بنبرة هادئة:
_ طب الحمدلله يا آدم على خير عقبال باقي الفروع.
حرك رأسه في ايجابية، يردد بنبرة عملية:
_ بأذن الله بس هروح بنفسي اتابع هناك كل الإجراءات وأعين حد ثقة هناك.
تطلع له ماجد في حزن مرددًا:
_ أنت ليه مش عايز تعملك مساعد يا آدم أنا مبقتش زي زمان وحركتي على قدي.
ابتسم في حنو يقبل يد والده برضا، يتمتم بنبرة هادئة:
_ عشان ملقتش اللي يبقى قد ثقة يا بابا، أول شخص هحس أنه مش جاي عشان يطمع وأنه عايز يشتغل المساعد بتاعي والخاص كمان، بس صدقني مفيش لسه.
زفر ماجد ببطء، فهو يعلم جيدًا أن الكثيرين يردون الوصل لآدم كي يمنحوا مركزًا مهمًا بها، ولكن فجأة تذكر أمر الفتاة ليسرع متسائلًا:
_ عملت ايه مع البنت اللي كانت هضيع صفقة ألمانيا مننا؟
تذكر آدم ملامح تلك الفتاة البسيطة، ثم أردف بنبرة متحيرة:
_ مش عارف روحت للمنطق اللي ساكنة فيها لقيتها شعبية شوية بس مش اوي، بس شكلها مش من النوع اللي بيعمل مشاكل وخاصة إن ملف بتاعها اللي جالي كان كله سليم وكمان بيمدح في أخلاقها، ادتها رقمي ومستني ردها أما نشوف أخرت تاليا دي ايه؟
ابتسم ماجد باعجاب مرددًا بنبرة هامسة:
_ أسمها حلو أوي.. تاليا.
حرك آدم رأسه يوافق والده، ولكن شعر ماجد أن تلك الفتاة ستصبح جزءًا من عائلة الكدواني، غادر آدم من غرفة والده عائدًا لغرفته جالسًا على مكتب الخاص به الموجود بنهاية غرفته، يفكر لِمَ لم تتصل تاليا إلى الآن؟ هل ستهرب منه مجددًا!
صك على أسنانه في غيظ ما أن شعر أنها تخدعه، انتزعه من هذا البركان الثائر صوت رنين الهاتف، تطلع للرقم ثم أجاب في هدوء قائلًا في رسمية:
_ الكدواني معاك مين؟
:_ أنا سدرا أخت تاليا البنت اللي دفعتك الفلوس.
قالتها سدرا وهي تتطلع لتاليا الجالسة جوارها في ترقب تستمع لصوته بعدما اشعلت سدرا مكبر الصوت، رفع آدم حاجبيه في تعجب، ثم أردف في هدوء:
_ تمام.. المفروض بقى أنك أنتِ اللي هتقوليلي ليه أختك قالت أسمي للراجل اللي جه وكان هيضيع أهم صفقة عندنا وهيخسرني فرع كامل في ألمانيا بسببها؟
مسحت سدرا على وجهها في غيظ من تاليا، بينما بقت تاليا تضرب رأسها بخفة مرددة بنبرة خافته:
_ يالهوي فرع..يالهوي وألمانيا.. جت الحزينة تفرح ملقتلهاش مطرح.. يالهوي عليا.
أجابت سدرا في هدوء ممزوج بحرج قائلة:
_ الصراحة اللي هقوله لحضرتك هو اللي حصل فعلا.. تاليا مجنونة حبتين وبتحب تصلح الأجهزة بس للأسف هي أفشل حد ممكن يصلح أجهزة.. آآآه
توقفت سدرا عن الحديث بعدما قذفتها تاليا بوسادة قائلة في غضب:
_ أنا مش فاشلة.. أنا محتاجة دورة تدريب وابقى تمام.
رفعت سدرا ( الشبشب) الخاص بها وقذفته عليها قائلة بنبرة غاضبة:
_ أنتِ أخرك شبشب يتحدف عليكي يمكن يجي في دماغك اللي الخلايا فيها بايظة خالص دي.. قال عايزة دورة تدريب أنتِ عاوزة عربية نقل تشيلك.
تعالي صوت آدم بضحك بينما تلون وجه الاثنتان بحرج الشديد، هتفت تاليا بنبرة حرجة:
_ هو أنتِ مكتمتيش الصوت.
أجاب آدم تلك المرة بصوتٍ ضاحك:
_ أمال أنا بضحك على إيه!
:_ الله يسامحك فضحتني أكتر ما أنا فضحاني.
قالتها تاليا في حسرة، بينما أكملت سدرا حديثها بنبرة حرجة:
_ المهم اتفقت مع واحد يجبلها أجهزة تصلحها بالتمن اللي حضرتك دفعته للراجل وهي بوظت الأجهزة ولما راحت تستأذن الراجل في مدة للأسف هجم عليها ومسكها مش حجابها وكان عنده استعداد يضرب.. هي مثلت عليه حوار أنها من عيلة مهم وكانت بتعتمد على نفسها ولما سأل على اسم العيلة قالت أسم الممثل اللي هي بتحبه ماجد الكدواني مكنتش تعرف إن في في عالم البيزنس أسم الكدواني برضو.. وهنا حصل لبس في الموقف، ممكن حضرتك تستنى شوية علينا ونجبلك الفلوس بس مدة طويلة شوية لأن المبلغ كبير علينا.
صمت آدم في هدوء يفكر بحديثها من الواضح أنها تقول الصدق خاصة أنه رأي سيد ذاك الهمجي الذي أتي للمكتب، زفر في ضيق ثم قال:
_ طبعا كلامك فيه خيال شوية ولكن مصدقك يا استاذة سدرا، وأكيد مش هطالب بمبلغ زي دا ليكم، خليه قرصة ودن ليها عشان تتعلم تحاذر بعد كده وتفكر قبل أي خطوة.
تنهدت سدرا في راحة، ثم أردفت بنبرة ممتنة:
_ حقيقي بشكر حضرتك جدًا على ذوقك معانا بس فعلا اول لما المبلغ يتوفر معانا هنيجي الشركة ندهولك.. ومرة تانية أحنا بنعتذر على اللي حصل.
ابتسم آدم يجيب بنبرة هادئة:
_ ولا يهمك يا استاذة حصل خير.
أغلقت سدرا مع آدم تتطلع نحو تاليا قائلة بنبرة مغتاظة:
_ كنت هضيعي فرع كامل في ناس بتشتغل فيه عشان مشروعك يا تاليا.. أعمل فيكي ايه يا شيخة.. دا لولا ربنا هدى الراجل وسامح مكناش عرفنا نروح فين ولا نيجي منين.
امسكت تاليا بثمرة المانجا تتناولها بانهيام شديد قائلة ببلاهة:
_ خلاص بقى يا سدرا الراجل طلع ابن حلال.. بس متوقعتش الجدعنة دي منه بعد العلقة السخنة اللي خدها.
امسكت سدرا بثمرة المانجا الموجودة بيدها ثم مسحت بها وجه تاليا قائلة بتشفي:
_ أحسن عشان تتكلمي بالغباء وبرود كده.
نظرت لها تاليا في غيظ، ثم أردفت بنبرة متوعدة:
_ أصبري عليا يا سدرا أما عملت فيكي مقلب مبقاش أنا.
ابتسمت سدرا في برود ثم عادت تراجع ملف أيسل التي ستعالجها بداية من الغد، بينما أكملت تاليا تناول المانجا متناسية شعورها الغاضب.
*****
مرت عدت أيام بدأت بها سدرا في علاج أيسل ولكن جميع محاولاتها انتهت بالفشل، وبدأ يتخلل قلبها شعور كبير من اليأس لا تعلم سره، فهي غير قابلة لأي محاولة منها بالعلاج، وإن لم تنجح سوف تتأثر شهادتها، بينما كان سمير يضغط على سدرا بتهديدٍ غير مباشر بتأثر شهادتها إن لم تعالج حالتها الأولى وهذا ما جعلها مضطربة أكثر.
بينما قام آدم بإنهاء باقي أعماله يستعد للسفر وانهاء أهم صفقة لافتتاح فرع جديد من شركة الكدواني جروب.
*****
أنهت تاليا محاضراتها مبكرًا، ثم غادرت سريعًا تردف بنبرة تحمل بعض الراحة:
_ وأخيرًا خلصت يوم بدري، بس عايزة أروح في مكان قبل الامتحانات.. اروح فين يا بت يا تاليا اروح فين آه لقيته!
قررت الذهاب إلى كورنيش النيل لتريح عقلها قليلًا من أثر الدراسة.
****
جلست سدرا أمام أيسل الشاردة دائمًا، تتطلع لها في حزن فقد مر شهرين ولم تجد أي تقدم بسيط للغاية، نظرت لها تهمس في ألم:
_ أنتِ هدمري حلمي اللي فضلت عمري كله بحلم بيه.. حولت معاكي أعالجك بشتي الطرق وكلها فشلت.. أنا مش عارفة أعمل إيه مستقبلي بيضيع ومقدميش حل غيرك.. أنا قربت أسلم الحالة لدكتور سمير تاني وساعتها شهادتي هتتأثر وهسيب المجال بتاعي.. أنا تعبت أوي أوي معاكي ومش لقيه حل.
هبطت دموع سدرا في حزن حفر معالمه على وجهها، ترى حلمها يقه في الهاوية ولكن سيتدمر ذاتها ان تدمر حلمها، نهضت تكتم شهقاتها وقبل أن تغادر الغرفة استمعت لصوتها لأول مرة تردف بصوتٍ يصرخ من الألم المحفورة به:
_ مستقبلك وحياتك وحياة عيلتك ممكن يدمروا لو حد عرف أني سليمة أصلا ومش مريضة.
استدارت سدرا تنظر نحو أيسل في صدمة غرقت بها، هي سليمة وليس مريضة ولكن كيف؟ حدقت بها ولكن كان عقلها غير قادر على استعاب ما حدث!
*****
وصلت تاليا للمكان المنشود ثم وقفت تتأمل المياه قليلًا وقررت أن تسير قليلًا ولكن بدأت تشرد بأحلامها المحطمة.. حقيقتها الفاشلة هي بالفعل هكذا، زفرت في ألم ولكن شعرت بوجود أحد خلفها استدارت لتعلم من ولكن حالفتها الصدمة.
يتبع!
.. أيسل..
نظرت حولها في هلع، تعلم جيدًا إن رأها احد معه سوف تقع بمأزقٍ أكثر مما فيه الآن، نظرت خلفها ترى إن كان والدها غادر أم لا ولكنه لم يغادر، تطلعت له في رجاء تهمس في رعب:
_ عشان خاطري امشي من هنا.. أنا حاليا مش هعرف أفهمك حاجة.. طب لو تعرف تيجي الجامعة وافهمك لكن حاليا صعب.
رفع حاجبه في استنكار، ثم وضع يده بجيب سرواله مرددًا بنبرة باردة:
_ وتلمي الناس علينا وتقولي بتهجم عليكي صح!
أمسكت بوجهها في غيظ ممزوج برعب مرددة بنبرة مغتاظة يعتريها الذعر:
_ ياعم دا وقته أمشي وخلصني.. ما أنت معاك عنوان بيتي وجامعتي يعني سهل تجبني من قفايا.. امشي بقى ثم في حد يجي هنا بالشكل اللي أنت فيه دا .
نظر لملابسه فما كنت سوا سروال أسود انيق للغاية، معه تيشيرت كاجوال من اللون النبيتي وستره ( جاكيت) بلون مماثل للون البنطال، عاد لها مرددًا بنبرة ساخر:
_ والمفروض اجي بلبس ايه سيادتك؟
نظرت تاليا حولها ببعض الخوف، ثم هتفت بنبرة تحمل بعض الغيظ:
_ ياعم هو أنا مراتك هقولك تلبس ايه روح من هنا بقى دا أنت..
صمتت في خوف بعدما حدق بها في شرسة مرددًا بنبرة مخيفة:
_ بت أنتِ أنا مستحمل قرفك دا من بدري اتكلمي عدل وإلا هتشوفي مني وش مش هيعجبك.
:_ يالهوي عليا.. اشق هدومي طيب قولي عايز ايه وامشي بقى.!
قالتها في ذعر مما يحدث معها، بينما تبدلت ملامح آدم لهدوء مخيف يمد يده ممسكًا بهاتفها الذي تحمل بين يديها قائلًا في ثبات أخافها بعض الشيء:
_ أنا لا عايز حاجة ولا هعوز منك حاجة.. اللي عايز اعرفه ليه عملتي كده يا اما تكلمني وتفهمني في ايه يا إما الوالد هيعرف بالقصة كلها.. أنتِ مديونة ليا ومن حقي أفهم بظبط القصة دي!
مد يده يعطيها هاتفها ثم غادر في هدوء بينما تطلعت له تاليا في تعجب من تحوله المفاجئ ومغادرته، فقد ظنت أنه سيكمل جدال معها ويسبب لها مشكلة ضخمة كعقاب لها، نظرت تاليا لهاتفها ترى أسمه فوجدته مسجل بـ Adam Al Cadwan، زفرت في تعب ثم انطلقت تذهب لجامعتها قبل أن تتأخر أكثر مما ينبغي، ولكن أصبح عقلها مشغولًا ماذا سيفعل عندما يعلم مافعلته بالكامل هل سيتركها أم سيعاقبها، ردد في قلق:
_ يارب هجبها منين ولا منين كله من لساني اللي عايز حشه.
*****
استعدت سدرا جيدًا للذهاب إلى المشفى، ثم أسرعت نحو باب الشقة لتغادر ولكن اوقفها السيد جلال يهتف في هدوء:
_ استنى يا سدرا اوصلك.
تطلعت له سدرا في تعجب، ثم اردفت في دهشة:
_ حضرتك كده هتتعب وهتتأخر على الشغل.
تقدم منها يبتسم في حنو يربت على ظهرها:
_ وتأخير الشغل مش هيجي حاجة جنب أني أمشي مع بنتي وبنت أختي الغالية.
منحته ابتسامة صغيرة، ثم ساروا سويًا نحو الخارج أسفل نظرات فريال التي تنهدت في حزن تتذكر ما قالته ناهد لها قبل وافتها بيومين..
**
:_ عارفة يا فريال سدرا دي هي أحلى نعمة جتلي، نفسي اكبرها وأجوزها واشوفها كده مع اللي بتحبه مرتاحة وأمسك عيالها بايدي كده.
قالتها ناهد في حب شديد لمس قلب فريال، ابتسمت فريال ثم قالت باستنكار زائف:
_ عايزة تكبرينا يا ناهد بدري لا ياختي أنا عايزة افضل كده صغنونة.. مش عايزة ابقى تيتة.
ضحكت ناهد على حديثها تتمتم في مكر:
_ يا فريال دا أنتِ يوم والدت تاليا في البنج بقيتي تقولي عازة افرح ببنتي عايزة ابقى تيتة.
اتسعت عين فريال في صدمة، بينما ارتفع صوت ناهد بضحك بعدما رأت ملامح فريال، حاولت الحديث وسط ضحكها قائلة:
_ استنى اهدي بهزر معاكي.
اغتظت فريال من حديثها تردد بنبرة غاضبة:
_ يا شيخة خضتني على نفسي، ثم لو جابت خمس عيال هفضل برضو لسه صغيرة.
ضحكت ناهد بشدة مما تتفوه به، بينما لم تصمد فريال قليلًا ثم ضحكت على حديثها فهي تتمنى بالفعل أن ترى ابنتها سعيدة مع من تحب، هتفت ناهد بنبرة حالمة:
_ يارب ألحق واشوفك يا حبيبتي احلى عروسة في الدنيا.
قطبت فريال جبينها في تعجب، ثم اردفت في دهشة:
_ إن شاء الله تشوفيها يا ناهد أحلى عروسة وتشيلي عيالها كمان.
ادمعت عين ناهد في ألم تهتف بنبرة خائفة:
_ مش حاسه كده يا فريال مش حاسه كده.
**
عادت من واحة ذكرياتها تزيل دموعها في ألم، تردد بنبرة متألمة:
_ الله يرحمك يا ناهد كان نفسك تفرحي بيها بس ملحقتيش زي ما كنتِ حاسه.
نهضت تنهي باقي فروضها المنزلية ربما تبعد عقلها عن الوصول لحافة هذه الواحة فتسقط بها دون عودة.
******
امسك جلال يد سدرا يساعدها على الهبوط من السيارة، يسيران سويًا نحو المشفى التي تدرب بها، ثم توقفت فجأة تتطلع نحو جلال بعينيها البنيتان اللتان تلتمعان بدموع قائلة بصوتٍ مبحوح:
_ أنا محتاجة حضنك يا بابا جلال.
تعجب جلال من حالتها، ولكن شعر بدهشة شديدة وهي تبكي داخل أحضانه، تجمد لدقائق ثم مد يده يحتضنها في حنو قائلًا بنبرة حنونة أدفئت قلبها وسط جليد ذكرياتها:
_ أنتِ نور عيني يا قلب بابا، وحضني مفتوح علطول ليكِ.
نظرت لعينيه تتمتم بنبرة حزينة:
_ بابا برضو كان يحضني ويخرجني زيك كده صح!
ابتسم لها في حب، يمد يديه يزيل دموعها مقبلًا جبينها في حنان بالغ، يمسك بيدها وكأنها طفلته وليست فتاة ناضجة ليسيران بطريق المشفى:
_ طبعًا محمود أبوكي زمان وأنتِ لسه صغيرة مكنتش بتعرفي تمشي كان يخرجك كتير ويجيبك عندي برضو كتير.. كنت تحبي تلعبي مع تاليا معظم الوقت ولاسيما أنكم كنتوا قريبين من سن بعض.. عارفة برضو كان محمود يقولي إنك أحلى حاجة حصلت في حياته وإنك هتفضلي في قلبه حتى لو مات.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغرها، ثم هتفت بنبرة خافته:
_ كنت محتاجة الحضن دا أوي.
ضغط جلال على يدها قليلًا يهمس بنبرة دافئة:
_ كل ما تحتاجي حاجة أنا موجود وماما كمان موجودة متتردديش خالص يا سدرا أنتِ حتة مننا.
شعرت ببعض الراحة وكأن تلك البراكين سكنت من همساته الدافئة التي أغلقت ندوب تنفجر من الآلام، وصلت سدرا للمشفى تلوح بيدها لجلال ثم اختفت داخل المشفى أسفل انظار جلال الذي ردد بنبرة حزينة:
_ الله يرحمك يا ناهد أنتِ ومحمود.. ويقدرني واقدر اصون بنتكم.
****
داخل مكتب سمير..
شعر باختناق شديد، لا بد من أن ينهي تدريب سدرا، وإلا سيقع ضحية لـ «S»، امسك بملف مكتوب بأسم ( أيسل) تلك الفجوة السوداء التي ستبتلعهم جميعًا، تطلع لجميع تقاريرها ولكن ما من فائدة هي غير قابلة للعودة مجددًا، أغلق ذاك الملف وهو يغمض عيناه في تعب مرددًا بنبرة حاسمة:
_ هتاخدي الملف من دلوقتي يا سدرا!
:_ ملف إيه؟
قالتها سدرا ببعض التعجب، بينما انتفض سمير من مقعده يتطلع لها في دهشة، ولكن استعاد وعيه سريعًا مرددًا بنبرة ثابته:
_ متخفيش أنتِ أخر يوم فيه كنت هنا وصلت لمرحلة كويسة وسرعة البديهة اللي عندك ساعدتك اوي أنك توصل للأختبار الأخير عشان الشهادة.
ملأت السعادة عيناها تشعر أنها أخيرًا ستصل لحلمها وتصبح أخصائية نفسية حقيقية، هتفت بنبرة متحمسة للغاية:
_ طبعًا يا دكتور.. أنا كده كده في اليومين اللي فاتوا كنت بذاكر كويس عشان اقدر انهي التدريب سريعًا.
ابتسم سمير ببعض الراحة ثم أردف بنبرة هادئة يخفي خلفها كم من النوايا السوداء:
_ خلاص النهاردة أخر يوم ليكي في الكورس وهتمسكي الحالة دي من بكرة ودا الملف بتاعها.
امسكت سدرا بالملف تتطلع لأسم الحالة، ثم همست قائلة:
_ أيسل.
فاقت من شرودها على صوت سمير يحثها على الذهاب معه لتبدأ بنهاية لطريق تدريب وتبدأ رحلة جديدة بعلاج تلك الفتاة، أو لنقل لتبدأ رحلة مع عالم آخر لن تستطيع مواجهته.
*****
بجامعة حلوان..
انتهت تاليا من محاضراتها، ثم غادرت القاعة الموجودة بجهة فصول ومعامل، تتوجه نحو الكافيتريا آخذه طعامها المفضل ( سوري بطاطس حار)، بدأت تحدق للأمام في شرود تتناول طعامها دون أن تلاحظ ما تسبب به حول فمها، بدأت تفكر ماذا ستفعل مع هذا الذي يدعى آدم فهي لن تحدثه أبدًا ولكن إن لم تتحدث معه فستقع بمشكلة كبيرة.
زفرت بضيق ثم نهضت تلاحق باقي محاضراتها تتمنى أن تنتهي من هذا العام وتعمل بأي شركة، ولكنها لم تلاحظ حدقتيه تتابعها في صمت، ينتظر اللحظة المناسبة للحديث.
***
وصل آدم لتوه للشركة، نزع سترته السوداء واضعًا إياها على مقعده، ثم جلس على مكتبه في حماس شديد لا يعلم سره فهو يتقن عمله ولكن لم يشعر بالسعادة التي بها الآن ولكن اختفى هذا المسمى من رأسه عندما وقف ببداية طريق العشق ، حاول تبرير حماسه بأنه ربما سيعلم سر تلك الفتاة ولما فعلت ذلك، أو سيستطيع التحدث لها مرة أخرى، نفض تلك الأفكار من رأسه عندما دلفت مريم تردد بنبرة هادئة:
_ النهاردة يا بشمهندس آدم في 3 اجتماعات مهمين من ضمنهم اول واحد الوفد الألماني، ودا أخر اجتماع بينا معه انا خليته اول معاد عشان حضرتك تكون لسه نشط.
حرك آدم رأسه في تفهم ثم أردف في عملية شديدة:
_ طب روحي أنتِ يا مريم وظبطي الأوراق الخاصة بالاجتماع وأعملي حسابك إنك هتحضري الاجتماع ونصلح اللي الوفد شافه المرة اللي فاتت.
:_ حاضر يا بشمهندس.
قالتها في اختصار مغادرة الغرفة، بينما أمسك آدم بملف الخاص بالوفد يتطلع له في تركيز، يتأكد من عدم وجود خطبًا ما بتلك الصفقة.
انتهي بعد مرور وقت ليس بقصير من ملف تلك الصفقة ولكن مر بمخيلته تاليا وطريقتها وبقى يتطلع لهاتفه لا يعلم لما ينتظر حديثها، نهض يردد بنبرة غير مقتنعة:
_ تفكيري كله عشان أعرف هي ليه قالت اسمنا وبس بلاش تفكر كتير يا كدواني عشان هتتعب.
زفر في تعب وقرر العودة لباقي أعماله ربما يقنع ذاته بهذه الطريقة أنه لا يفكر بها وبطريقتها التي تثير اعجابه دون أن يشعر.
****
في المساء..
تجمعت الفتاتان بالغرفة، ولكن كانت تاليا تتطلع لسدرا بتارة وبالهاتف تارة، لا تعلم ماذا تفعل هل تخبرها بما يريده آدم أم تخفي الأمر، تنهدت في ارهاق داهم عقلها، بينما لاحظت سدرا شرود تاليا وتعجبت من سكونها فـ بالعادة أما تجلس للمذكرة أو تشاكسها قليلًا ولكن الآن هي بمشكلة طالما أصبحت ساكنة، تركت الملف الذي بيدها ونهضت تجلس إلى جوارها تضع يدها على ظهرها مرددة في حنو:
_ مالك يا تاليا مش بعادة يعني تقعدي كده؟
تطلعت لها في تردد ممزوج بقلق، بينما دُهشت سدرا من ترددها وأردفت بنبرة مشجعة:
_ قولي يا تاليا في ايه متخفيش احنا اسررنا مع بعض.
استنشقت تاليا نفسًا طويل ثم بدأت بسرد ما حدث معها منذ قدوم آدم للجامعة حتى وصوله للمنزل، انتهت من الحديث تختتم جملتها بقول:
_ مش عارفة أعمل ايه يا سدرا بس ممكن يجي هنا لو مرنتش عليه!
تطلعت لها سدرا قليلًا تريد أن تخبرها بخطئها، ولكن ليس وقته، هتفت بنبرة متحيرة:
_ هو كده لزمًا نكلمه بس الغريب أنه مهتم بنفسه يعرف ليه!
حركت تاليا رأسها تخمن سبب اهتمام آدم الغريب مرددة:
_ مش ممكن في حاجات بيعتمد على نفسه فيها ومش بيحب حد يدخل بيها.
حركت سدرا رأسها بالنفي قائلة في توضيح:
_ تاليا انا لما دورت على أسم الكدواني لقيتها أكبر شركة صيانة بالوطن العربي دا غير فروعها برة الوطن العربي يعني بتنافس شركات عالمية.. شخص زي دا كبير اوي ازاي ملهوش مساعدين وليه مهتم بالموضوع اوي كده؟
شعرت تاليا بأنها تائهة لماذا بالفعل يبحث هو ولم يعين أحد من رجاله؟، هتفت بنبرة قلقة:
_ مش عارفة بس أكيد حصل حاجة كبيرة في شغله بسببي أثرت على الشغل وعشان كده كان لزم يفهم.
نهضت سدرا تتوجه للخارج تجيب عليها ببعض الاقتناع:
_ ممكن احتمال وارد يحصل استنى هروح اعمل حاجة وأجي نكلمه.
*****
:_ خلاص يا ماجد باشا الصفقة بتاعت الوفد الألماني اتحلت وظبطنا الشغل وهنفتح فرع جديد بألمانيا.
قالها آدم ببعض الراحة، بينما ابتسم ماجد في هدوء يردد بنبرة هادئة:
_ طب الحمدلله يا آدم على خير عقبال باقي الفروع.
حرك رأسه في ايجابية، يردد بنبرة عملية:
_ بأذن الله بس هروح بنفسي اتابع هناك كل الإجراءات وأعين حد ثقة هناك.
تطلع له ماجد في حزن مرددًا:
_ أنت ليه مش عايز تعملك مساعد يا آدم أنا مبقتش زي زمان وحركتي على قدي.
ابتسم في حنو يقبل يد والده برضا، يتمتم بنبرة هادئة:
_ عشان ملقتش اللي يبقى قد ثقة يا بابا، أول شخص هحس أنه مش جاي عشان يطمع وأنه عايز يشتغل المساعد بتاعي والخاص كمان، بس صدقني مفيش لسه.
زفر ماجد ببطء، فهو يعلم جيدًا أن الكثيرين يردون الوصل لآدم كي يمنحوا مركزًا مهمًا بها، ولكن فجأة تذكر أمر الفتاة ليسرع متسائلًا:
_ عملت ايه مع البنت اللي كانت هضيع صفقة ألمانيا مننا؟
تذكر آدم ملامح تلك الفتاة البسيطة، ثم أردف بنبرة متحيرة:
_ مش عارف روحت للمنطق اللي ساكنة فيها لقيتها شعبية شوية بس مش اوي، بس شكلها مش من النوع اللي بيعمل مشاكل وخاصة إن ملف بتاعها اللي جالي كان كله سليم وكمان بيمدح في أخلاقها، ادتها رقمي ومستني ردها أما نشوف أخرت تاليا دي ايه؟
ابتسم ماجد باعجاب مرددًا بنبرة هامسة:
_ أسمها حلو أوي.. تاليا.
حرك آدم رأسه يوافق والده، ولكن شعر ماجد أن تلك الفتاة ستصبح جزءًا من عائلة الكدواني، غادر آدم من غرفة والده عائدًا لغرفته جالسًا على مكتب الخاص به الموجود بنهاية غرفته، يفكر لِمَ لم تتصل تاليا إلى الآن؟ هل ستهرب منه مجددًا!
صك على أسنانه في غيظ ما أن شعر أنها تخدعه، انتزعه من هذا البركان الثائر صوت رنين الهاتف، تطلع للرقم ثم أجاب في هدوء قائلًا في رسمية:
_ الكدواني معاك مين؟
:_ أنا سدرا أخت تاليا البنت اللي دفعتك الفلوس.
قالتها سدرا وهي تتطلع لتاليا الجالسة جوارها في ترقب تستمع لصوته بعدما اشعلت سدرا مكبر الصوت، رفع آدم حاجبيه في تعجب، ثم أردف في هدوء:
_ تمام.. المفروض بقى أنك أنتِ اللي هتقوليلي ليه أختك قالت أسمي للراجل اللي جه وكان هيضيع أهم صفقة عندنا وهيخسرني فرع كامل في ألمانيا بسببها؟
مسحت سدرا على وجهها في غيظ من تاليا، بينما بقت تاليا تضرب رأسها بخفة مرددة بنبرة خافته:
_ يالهوي فرع..يالهوي وألمانيا.. جت الحزينة تفرح ملقتلهاش مطرح.. يالهوي عليا.
أجابت سدرا في هدوء ممزوج بحرج قائلة:
_ الصراحة اللي هقوله لحضرتك هو اللي حصل فعلا.. تاليا مجنونة حبتين وبتحب تصلح الأجهزة بس للأسف هي أفشل حد ممكن يصلح أجهزة.. آآآه
توقفت سدرا عن الحديث بعدما قذفتها تاليا بوسادة قائلة في غضب:
_ أنا مش فاشلة.. أنا محتاجة دورة تدريب وابقى تمام.
رفعت سدرا ( الشبشب) الخاص بها وقذفته عليها قائلة بنبرة غاضبة:
_ أنتِ أخرك شبشب يتحدف عليكي يمكن يجي في دماغك اللي الخلايا فيها بايظة خالص دي.. قال عايزة دورة تدريب أنتِ عاوزة عربية نقل تشيلك.
تعالي صوت آدم بضحك بينما تلون وجه الاثنتان بحرج الشديد، هتفت تاليا بنبرة حرجة:
_ هو أنتِ مكتمتيش الصوت.
أجاب آدم تلك المرة بصوتٍ ضاحك:
_ أمال أنا بضحك على إيه!
:_ الله يسامحك فضحتني أكتر ما أنا فضحاني.
قالتها تاليا في حسرة، بينما أكملت سدرا حديثها بنبرة حرجة:
_ المهم اتفقت مع واحد يجبلها أجهزة تصلحها بالتمن اللي حضرتك دفعته للراجل وهي بوظت الأجهزة ولما راحت تستأذن الراجل في مدة للأسف هجم عليها ومسكها مش حجابها وكان عنده استعداد يضرب.. هي مثلت عليه حوار أنها من عيلة مهم وكانت بتعتمد على نفسها ولما سأل على اسم العيلة قالت أسم الممثل اللي هي بتحبه ماجد الكدواني مكنتش تعرف إن في في عالم البيزنس أسم الكدواني برضو.. وهنا حصل لبس في الموقف، ممكن حضرتك تستنى شوية علينا ونجبلك الفلوس بس مدة طويلة شوية لأن المبلغ كبير علينا.
صمت آدم في هدوء يفكر بحديثها من الواضح أنها تقول الصدق خاصة أنه رأي سيد ذاك الهمجي الذي أتي للمكتب، زفر في ضيق ثم قال:
_ طبعا كلامك فيه خيال شوية ولكن مصدقك يا استاذة سدرا، وأكيد مش هطالب بمبلغ زي دا ليكم، خليه قرصة ودن ليها عشان تتعلم تحاذر بعد كده وتفكر قبل أي خطوة.
تنهدت سدرا في راحة، ثم أردفت بنبرة ممتنة:
_ حقيقي بشكر حضرتك جدًا على ذوقك معانا بس فعلا اول لما المبلغ يتوفر معانا هنيجي الشركة ندهولك.. ومرة تانية أحنا بنعتذر على اللي حصل.
ابتسم آدم يجيب بنبرة هادئة:
_ ولا يهمك يا استاذة حصل خير.
أغلقت سدرا مع آدم تتطلع نحو تاليا قائلة بنبرة مغتاظة:
_ كنت هضيعي فرع كامل في ناس بتشتغل فيه عشان مشروعك يا تاليا.. أعمل فيكي ايه يا شيخة.. دا لولا ربنا هدى الراجل وسامح مكناش عرفنا نروح فين ولا نيجي منين.
امسكت تاليا بثمرة المانجا تتناولها بانهيام شديد قائلة ببلاهة:
_ خلاص بقى يا سدرا الراجل طلع ابن حلال.. بس متوقعتش الجدعنة دي منه بعد العلقة السخنة اللي خدها.
امسكت سدرا بثمرة المانجا الموجودة بيدها ثم مسحت بها وجه تاليا قائلة بتشفي:
_ أحسن عشان تتكلمي بالغباء وبرود كده.
نظرت لها تاليا في غيظ، ثم أردفت بنبرة متوعدة:
_ أصبري عليا يا سدرا أما عملت فيكي مقلب مبقاش أنا.
ابتسمت سدرا في برود ثم عادت تراجع ملف أيسل التي ستعالجها بداية من الغد، بينما أكملت تاليا تناول المانجا متناسية شعورها الغاضب.
*****
مرت عدت أيام بدأت بها سدرا في علاج أيسل ولكن جميع محاولاتها انتهت بالفشل، وبدأ يتخلل قلبها شعور كبير من اليأس لا تعلم سره، فهي غير قابلة لأي محاولة منها بالعلاج، وإن لم تنجح سوف تتأثر شهادتها، بينما كان سمير يضغط على سدرا بتهديدٍ غير مباشر بتأثر شهادتها إن لم تعالج حالتها الأولى وهذا ما جعلها مضطربة أكثر.
بينما قام آدم بإنهاء باقي أعماله يستعد للسفر وانهاء أهم صفقة لافتتاح فرع جديد من شركة الكدواني جروب.
*****
أنهت تاليا محاضراتها مبكرًا، ثم غادرت سريعًا تردف بنبرة تحمل بعض الراحة:
_ وأخيرًا خلصت يوم بدري، بس عايزة أروح في مكان قبل الامتحانات.. اروح فين يا بت يا تاليا اروح فين آه لقيته!
قررت الذهاب إلى كورنيش النيل لتريح عقلها قليلًا من أثر الدراسة.
****
جلست سدرا أمام أيسل الشاردة دائمًا، تتطلع لها في حزن فقد مر شهرين ولم تجد أي تقدم بسيط للغاية، نظرت لها تهمس في ألم:
_ أنتِ هدمري حلمي اللي فضلت عمري كله بحلم بيه.. حولت معاكي أعالجك بشتي الطرق وكلها فشلت.. أنا مش عارفة أعمل إيه مستقبلي بيضيع ومقدميش حل غيرك.. أنا قربت أسلم الحالة لدكتور سمير تاني وساعتها شهادتي هتتأثر وهسيب المجال بتاعي.. أنا تعبت أوي أوي معاكي ومش لقيه حل.
هبطت دموع سدرا في حزن حفر معالمه على وجهها، ترى حلمها يقه في الهاوية ولكن سيتدمر ذاتها ان تدمر حلمها، نهضت تكتم شهقاتها وقبل أن تغادر الغرفة استمعت لصوتها لأول مرة تردف بصوتٍ يصرخ من الألم المحفورة به:
_ مستقبلك وحياتك وحياة عيلتك ممكن يدمروا لو حد عرف أني سليمة أصلا ومش مريضة.
استدارت سدرا تنظر نحو أيسل في صدمة غرقت بها، هي سليمة وليس مريضة ولكن كيف؟ حدقت بها ولكن كان عقلها غير قادر على استعاب ما حدث!
*****
وصلت تاليا للمكان المنشود ثم وقفت تتأمل المياه قليلًا وقررت أن تسير قليلًا ولكن بدأت تشرد بأحلامها المحطمة.. حقيقتها الفاشلة هي بالفعل هكذا، زفرت في ألم ولكن شعرت بوجود أحد خلفها استدارت لتعلم من ولكن حالفتها الصدمة.
يتبع!