اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الخامس 5 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الخامس 5 بقلم رانيا ممدوح



                                        

                                              
بينما كانت فاطمة تضمّ بدر إلى صدرها، وتطبع على جبينها قبلة أم لا تخشى شيئًا سوى أن تترك ابنتها في عالمٍ لا يرحم، كان هناك من يراقب هذا المشهد من بعيد… بين أطراف المجلس، حيث الأشجار المتناثرة تظلل المكان، وقف "صقر" متكئًا إلى جذع نخلة، عيناه لا تتحركان عن تلك الأم وابنها.

+


لم يكن يسمع ما تقول أو ما يدور بينهما ، لم يكن يعنيه الحوار، لكنه شعر به، شعر بالدفء يتسلل من نظرات فاطمة، ومن يدها التي تمسح شعر بدر، ومن دموعها التي تخالط فخرها… وشيء ما في قلبه انكسر دون أن يُحدث صوتًا.

+


صقر في خاطره، وعيناه لا ترمش:

+


"ليه بتطالع فيه بالشكل دا؟ حضنها دافي كأنها بتخبيّه من الدنيا كلها… وأنا؟! من يوم خلقت ما شفتش حضن زي دا، ولا حتى شوفته في المنام…"

+


تشدّدت ملامحه أكثر، وتحجرت نظراته، وكأن جدران قلبه العالية بدأت تتشقّق، لكنه لم يسمح لنفسه أن يسقط.

+


"أنا اللي كل يوم أنبطح في الرمل وأقوم، أنضرب وأكمل… عشان يقولولي فارس، عشان أبقى اسم فخر للشرقاوية… وهو؟ هو واخذ الحنية والدفا كأنه مولود في الجنة و أنا مولود في النار."

+


قبض يده بقوة، حتى غاصت أظافره في راحة يده، لكنه لم يشعر بالألم، كان الألم أعمق، ألمٌ لا يداويه سوى كلمة… لم يسمعها يومًا.

+


في ذهنه، كانت صورة والدته "رشيدة" لا تفارقه، صوتها وهي تصرخ فيه، نظراتها المليئة بالنفور لا بالحنان، يدها التي كانت ترفعه ليقف… لا لتهوّن عليه.

+


"أمي؟ أمي كانت جلد، صوتها زي الكرباج، تقوللي: لا تعيط، العياط للحريم، الرجّال يبكي فـ قلبه وما يبينش… وأنا بكيت، بس قلبي هو اللي فضل يتوجّع."

+


ابتعد صقر في صمت، نظراته معلقة ببدر، ليس لأنه يراها خصمًا… بل لأنه يراها تملك كل ما حُرم هو منه. الحنان… والاحتواء… والمكانة.

+


وهمس بينه وبين نفسه:

+


"بس، ما دام ربنا كاتب لي أعيش ناقص، فأنا هكمّل نفسي بيدي… وهآخد اللي ضاع، حتى لو بالسيف."

+


..............

+


كانت الشمس قد مالت نحو الغروب، تكسو السماء بلون كالحزن، والنسيم يمرّ على نوافذ بيت "هنادي" كأنّه ينوح معها. جلست هنادي على الوسادة المنخفضة، وقد انسدّ حلقها عن الطعام، وعيناها شاردتان في نقطة بعيدة لا يراها سواها. أمامها صحن الطعام ما زال كما هو… لم تمسّه يد.

+


كانت سكينة، خادمتها الوفية، تجلس قُبالتها، تحمل الملعقة بتردد، وتهمّ بتقريبها من فم سيدتها، لكن هنادي كانت تزيح يدها كل مرة، بصمت يشبه الموت.

+


سكينة (بصوت حنون):
"كُلّي لقمة يا ستّي… حتّاك تضعفي لو فضلتِ على الحال دا… مالك بس يا ستي هنادي؟"

+



                                      


                
هنادي (بهمس مكسور):
"مفيش فايدة يا سكينة… قلبي بينزف من جوّا… حسّيت إنّي سُقيت العمر كله وهم، مستنّية لحظة متجيش…"

+


سكينة (تمد يدها لتلمس كفها):
"ليه بس بتقولي كده… البنات اللي جَبتيهم ما يستاهلوش يشوفكِ كدا…"

+


هنادي (تضحك بسخرية ودموعها على وشك النزول):
"بنات؟! أنا كنت بجهّز قلبي للواد… اللي يرفع راسي… اللي أخلي به اسمي على سنام الفخر، ما كنتش عايزة بنات… كنت عايزة فارس يحمل اسمي واسم القبيلة."

+


سكينة (تتنهد بحزن):
"بس البنات خير ونعمة… وسارية دي وجهها منوّر، يمكن ربنا يعوضك فيها خير كبير… هي و اخواتها القمرات"

+


هنادي (تتلفت حولها وتهمس):
"أنا ما استسلمتش… ولسه مش هستسلم. يمكن يكون في الحشا ولد تاني جايلنا… ودا اللي هيكمّل الناقص…"

+


سكينة (بحذر):
"بس الداية جلالة قالت جسمك ما عاد يحتمل…"

+


هنادي (بحزم ودمعة تسقط على خدها):
"ساعتها أبقى أموت وأنا بحاول… لكن أعيش طول عمري وانا ناقصة؟ لأ يا سكينة… مش دي النهاية اللي أنا عايزاها ... مش أنا اللي اتهد و أسيب الكل يكسب ما عدا أنا."

+


سكينة لم تجد ما تقوله، فقط وضعت الملعقة برفق على الطاولة، وجلست إلى جوار سيدتها، تضم يدها بحنان.

+


وفي الخارج، كانت السماء تزداد احمرارًا، وكأنها تشارك "هنادي" غروب أحلامها التي لم تُزهر بعد…

+


وفجأة، كأن برقًا أضاء ظلام عقلها، هزّت كتف سيدتها بخفة، وقالت، بنغمة داهية تتسرّب من بين كلماتها:

+


سكينة (بهدوء حذر):
"و مين قال إنك خسرانة؟"

+


رفعت هنادي وجهها، كأنها لم تفهم، ثم قالت بمرارة:

+


"مفيش حمل، مفيش واد… مش عارفة إيه اللي باقي لي."

+


سكينة (تبتسم بمكر وتهز رأسها):
"بس في حل يخليكي دايمًا فوق… تفضلي واقفة عالي… وتحكمي من غير ما حد يشمّ ريحتك و لا يلمح طيفك."

+


هنادي (بحذر):
"حل؟ إيه هو؟ إني أقتله؟! لو مسيته، القبيلة كلها تولع، وساعتها تضيع الحمدانية للأبد في أيد أي قبيلة ساري جواها الطمع."

+


سكينة (تتقدم خطوة وتهمس):
"لأ… ما تقتليش حد… خلي اللي جوه دماغي يشتغل بدل السيف…"

+


توقفت لحظة، ثم رمقت هنادي بنظرة طويلة وقالت بصوت مشحون بالدهاء:

+


"يتجوز واحدة من بناتك…"

1


لمعت عينا هنادي كأن كلمة سكينة أشعلت في داخلها فتيل الأمل… أو ربما فتيل مكيدة جديدة.

+


هنادي (بصوت منخفض مشبع بالترقّب):
"بناتي؟… يتجوز واحدة منهم؟"

+


سكينة (تضحك بخبث):
"آه… يبقى الحكم في حضنك، والولد تحت جناحك… من غير ما تحملي، ولا تتعبي، ولا حتى حد يشكّ فيك… هتبقي الحما، واللي في إيد الحما… عمره ما يضيع."

+



        

          

                
هنادي (وقد بدأت تتغير ملامحها):
"لو اتجوز بنتي… يبقى أنا الحاكمة في الحقيقة… وهو مجرد اسم."

+


سكينة ( تنظر لها بمكر) :
"و البنات في الآخر، ما يعرفوش غير كلام أمهم… وهيفضل يسمع منك… ويمشي على هواكِ."

+


صمتت هنادي لحظة، ثم ارتفعت زاوية شفتيها في ابتسامة شبيهة بالشوك… لا تُزهر، بل تجرح.

+


كانت تلك اللحظة التي مات فيها الحزن، ليولد في قلبها شيء آخر… أكبر، وأدهى.

+


بدأ الليل يبتلع ما تبقى من النور، ومع كل لحظة تمر، كانت الأفكار تتكاثر في رأس "هنادي" كالضباع على الفريسة. رفعت رأسها فجأة، كأنما شُحِنَ قلبها بوقود جديد، وابتسمت لأول مرة منذ شهور. نظرت إلى "سكينة" وقد عاد الدم يسري في وجهها، وقالت بصوت فيه رعشة من نشوة الغلبة:

+


هنادي (بضحكة مكسورة وعيون تلمع):
"فتّحتي نفسي يا سكينة… جبتِلي الروح من بعد ما كانت ماتت فيّ… يا ترى أجوّزه مين؟"

+


تنهّدت ونظرت للسقف، تعدّ أسماء بناتها على أطراف قلبها:

+


"سارية… ولا بتول؟ ولا العنود؟ ولا، يمكن نسيم؟"

+


تقدمت "سكينة"، تدور حول سيدتها كأفعى تعرف متى تهمس ومتى تلدغ، وقالت بثقة من عرفت مواطن الجمال وأسرار القلوب:

+


سكينة (بدهاء ناعم):
"نقّي الأجمل، يا ست الكل… سارية! دي من وهي لسه طفلة، وعيون الخلق بتتلفت عليها… فيها حاجة، سبحان اللي صورها… تخطف القلب قبل العين."

+


رفعت حاجبها وقالت ببطء، تؤكد كأنها تلقي تعويذة:

+


"لما تكبر… وتلبس الفرح… هتبقى زينة البنات، وعروسة تودّي الراجل من أول نظرة."

+


ابتسمت "هنادي"، وضحكت ضحكة خافتة خرجت من حنجرة خنقها الحزن طويلًا، ثم قالت وهي تضم كفيها معًا وكأنها تمسك بالفرصة:

+


"تبقى سارية… بنتي الأمل اللي فاضلي، ونور عيني. هجهّزها من دلوقتي، أخليها تبقى الحلم اللي يتمناه… وساعتها…"

+


توقفت، ثم قالت بتنهيدة فيها غصة ماضي ودهاء حاضر:

+


"وساعتها… كل اللي ضاع يرجع لي، بالحيلة مش بالحرب."

+


انحنت سكينة برأسها، وكأنها توّجت سيدتها بخطة لا يجرؤ الشيطان نفسه على التفوّه بها…
وفي عينيها، اشتعلت نار لا تنام.

+


هنادي رفعت يدها بفرحٍ نادر، كأنها استيقظت من غيبوبة طويلة، وهتفت بصوتٍ فيه رقص من نصرٍ وشيك:

+


هنادي (بابتسامة واسعة، ونظرة تبرق مكرًا):
"ضَوّي الشموع… و ارمي الورد الليلة عيد! هاتي يا سكينة كل ما لذّ وطاب… لحوم، فطير، تمر محشي لوز… خلي البيت يشم ريحة الفرح من بابه لبابه!"

+


قفزت سكينة من مكانها، تدور في المجلس كمن لدغتها بهجة لا تُكتم، تضحك وتصفّق:

+


"اللهم ديمها فرحة، ووسع رزقك يا ست الكل! من عين اللي ما يصلّي عالنبي! والله لأخلّي المطبخ يشتغل زي خلايا النحل، وتبقى ليلة ما حصلتش!"

+



        
          

                
هنادي (وهي تمشي بخفّة وتلف بشالها حول كتفها):
"عايزاهم يشمّوا ريحة عزّنا… يحسّوا إن بنتي مش أي بنت… دي بنت هنادي، اللي لو وقعت، تقوم تاني وراسها مرفوعة."

+


ثم نظرت في المرآة، وعدّلت خصلة من شعرها، وهمست بثقة ممزوجة بالدهاء:

+


"خليهم يقولوا… هنادي راحت؟ لأ، رجعت… وبنتها هتبقى المفتاح اللي يفتح بيه باب الحكم."

+


سكينة (وهي تفرش الأرض بالسجاد وتوزع الأطباق):
"وبكرة لما الوريث يشوفها… قلبه يدق، وعقله يدوخ، ويطلبها، وهي تبقى ستّ الناس.و أنا كمان."

+


"وساعتها… قبيلة الحمدانية تيجي برجليها، لحد سارية، بنتي… وأنا، أكون فوق الكل، زي ما تمنيت دايمًا."

+


ارتفعت الزغاريد من فم سكينة، واشتعلت الشموع في الأرجاء…
وفي قلب "هنادي" اشتعلت نار من نوعٍ آخر، نار الانتصار المبطّن، الحيلة التي ستمهّد الطريق للحكم… لا بالسيف، بل بسحر الأنوثة، ونصل الذكاء.

+


جلست "هنادي" بين الورود والشموع المضيئة، أناملها تمرّ على كاسات العصير كما تمرّ الريح الخفيفة على وجه الماء، عينها تتأمل الأطباق التي أمامها، والمائدة تنطق بكل ما لذّ وطاب: فطائر مشبّعة بالعسل، ولحوم مشويّة تتصاعد منها رائحة تشهي حتى الشبعان، تمر محشي بالمكسرات، وأوانٍ فاخرة مرصوصة بعناية. كان وجهها مشرقًا، يشعّ فرحًا مموّهًا بدهاء ناعم كخيوط الحرير.

+


الضوء المتراقص من الشموع انعكس على عينيها، فبدت كمن تدبّر أمرًا عظيمًا.

+


وفجأة، فُتح باب المجلس، ودخل ناجي بخطوات متفاجئة، ثوبه يتمايل مع الريح الخفيفة، ووجهه يحمل ملامح الدهشة.

+


ناجي (باندهاش وهو يتلفت حوله):
"إيه ده؟! أنا بحلم ولا ده بجد؟! يا هنادي معقول ده بيتنا؟!"

+


هنادي (بضحكة خفيفة وهي تمسك كأسها):
"ليه يعني؟ هو غريب إني أفرح؟"

+


اقترب ناجي منها، لا يزال ينظر للمشهد كأنه يرى سرابًا في صحراء.

+


ناجي (وهو يجلس قبالتها):
"كنتي الصبح بتبكي وبتتكلمي عن بدر بكلام مالوش آخر... وكنت خايف عليكي، دلوقتي ألاقيكي عاملة جو ما حصلش، نور وشموع وأكل طيّب!"

+


هنادي (وهي ترفع حاجبها بخفة، وتتناول قطعة فطير):
"ماهو بدر... بدر ده قائدنا... حامينا... وأنا روحي فيه، إزاي ما أخافش عليه؟!"

+


كلماتها خرجت سلسة، لينة، لكن تحتها نغمة لا يسمعها إلا من يعرفها جيدًا.

+


ناجي (وقد بدأ يبتسم بشك):
"إييييه... معقول؟! إنتِ قلتي كده من قلبك؟ أكيد بعد ما فكرتي في كلامي، حسيتي إني كنت عاقل و طلع كلامي صحيح؟"

+


هنادي (بصوت حنون مغلف بالخبث):
"طبعًا... طبعًا يا زوجي العزيز... إنت دايمًا رأيك فوق الراس، وده من حسن حظي إني على ذمتك."

+



        
          

                
ضحك ناجي، ومدّ يده نحو الطعام، بينما عين "هنادي" ظلت تراقب الشموع، ولمعة عينيها تحكي ما لم يُقال.
كانت الليلة تحتفل، لا ببدر، بل بخطوة أولى نحو مخطط لم يكتمل…
ومثل ضوء الشموع، نواياها كانت دافئة في الظاهر… مشتعلة في الباطن.

+


كانت نسمات الليل قد بدأت تنساب برقة فوق بيوت القبيلة، تحرّك الشجيرات وتعبث بالشعور المرسلة، والسماء مطرّزة بنجوم صامتة تراقب من علٍ كل ما يجري على الأرض.

+


وبينما أهل القبيلة يخلدون للراحة بعد يوم حافل بالمبارزات والمفاجآت، كانت "هنادي" لا تزال يقظة، لا ينام لها جفن. ارتدت عباءتها الحريرية، وضفرت شعرها بعناية، وحملت سلةً من الطعام المزيّن بالتمر والعسل والفطائر، وماء الورد يفوح من طيّات الأقمشة.

+


لم تكن نيّتها الزيارة… بل التمثيل.
لم تكن تسعى لودٍ حقيقي… بل لزرع طمأنينة زائفة في قلب من تراها خصمًا خفيًا.

+


طرقت باب بيت "فاطمة" بلطف، وابتسامة مصطنعة مرسومة على شفتيها كستار يُخفي وراءه النار.

+


فتحت "فاطمة" الباب، بملامح متعبة، وثوب بسيط، وشعرها مغطى بطرف شيلتها القطنية.

+


هنادي (بصوتٍ مفعم بالنعومة المصطنعة):
"السلام عليكم يا فاطمة… قلت أجي أطمن عليكي وعلى بدر بعد اليوم الطويل ده. جبت معايا شوية حاجات بسيطة… من خير ربنا."

+


أجابت "فاطمة" بنظرة ثابتة، وابتسامة لا تُقرأ فيها سوى الحكمة.

+


"وعليكم السلام، حيّاكِ الله يا هنادي. كتر خيرك، تعبتي نفسك."

+


دخلت هنادي بخطوات ناعمة، تتفقد بعينها المكان كما لو كانت تزن كل زاوية فيه. وضعت السلة على الطاولة، وجلست، تدّعي الاهتمام.

+


هنادي (وهي تنظر حولها):
"بدر عامل إيه دلوقتي؟ شكله تعب من كتر المجهود… كان فارس بجد، ماشاء الله."

+


ابتسمت فاطمة ابتسامة خافتة، ثم جلست أمامها، ورفعت فنجان الشاي إلى فمها وقالت بهدوء:

+


"بدر نام من بدري… كان مرهق جدًا، جسمه لسه صغير على المعارك الطويلة دي، بس قلبه... قلبه فيه جبل."

+


تغيّرت نظرة هنادي للحظة، ثم عادت بسرعة إلى توازنها المتصنّع، وقالت وهي تمثل التعاطف:

+


"آه والله… ربنا يبارك فيه، ويزيده عز فوق عزه. أنا الصراحة بقيت أشوفه مش بس ابن سالم… ده أمل القبيلة كلها."

+


لكن فاطمة لم تكن تنخدع، كانت ترى ما وراء العيون، تفهم لحن الكلمات وإن بدا لطيفًا.

+


فاطمة (بصوت ثابت):
"اللي زي بدر، مش محتاج اللي يمدحه… يكفي إنه بيثبت نفسه في كل خطوة، وكل سهم بيرميه، وكل مرة يقع فيها ويقوم… وربنا شاهد على نيّته."

+


سكتت هنادي، وكأن تلك الكلمات ارتطمت بجدار نواياها.

+


هنادي (بضحكة باهتة):
"أكيد، أكيد… وأنا جايه أقولكوا لو احتجتوا أي حاجة، احنا أهل في الآخر… واللي بيننا عشرة. فرقت بينا السنين قبل سابق و أود ما تفرقنا تاني."

+



        
          

                
فاطمة (وهي تنهض ببطء):
"العِشرة ما تتوزنش بالكلام… تتعرف وقت الجد. وأنا عارفة مين اللي معانا ومين اللي علينا."

+


ثم مدت يدها نحو السلة وقالت:

+


"تعبك مشكور يا هنادي… بس السلة دي تبات عندك، عندنا خير ربنا، واللي محتاجينه دايمًا بنخبّيه في القلب مش في الأطباق."

+


سكتت هنادي، ووجهها تجمّد للحظة، لكن لم تُظهر إلا ابتسامة خفيفة، تداركت بها كبرياءها، ثم قالت وهي تنهض:

+


"عز القلوب يا فاطمة… ماتكسفيش ايدي خلي الليلة تكون  ليلة هنية.سلام ياخيتي"

+


أغلقت فاطمة الباب بهدوء، ثم وقفت خلفه لحظة، تتنفس بثقل. كانت تعرف أن العاصفة لا تهدأ… بل تُبدّل رياحها فقط.
أما هنادي، فكانت تمشي تحت ضوء القمر، والسكون يرافقها، لكنها في داخلها كانت تغلي…
"لو السيف ما جابش حقّي… الجواز يجيبه."

+


همست بها لنفسها، ثم اختفت في الظلام، حاملة معها بذور خطة لم تزهر بعد… لكن جذورها بدأت تنغرس.

+


اقتربت الخادمة حسناء من فاطمة وهي تمسح يديها في طرف مئزرها، وقد ارتسمت على وجهها علامات الاستغراب، ثم مالت بجسدها قليلًا وهمست:

+


حسناء (بدهشة):
"مش ناوية تاكلي من اللي جابته الست هنادي؟ دي معبية السلة بكل ما لذ وطاب، ده حتى ريحة الفطير والتمر مغرية"

+


رفعت فاطمة عينيها بهدوء نحو حسناء، ثم أعادت نظرها إلى الباب الذي غادرته هنادي منذ قليل، وكأنها ما زالت تراقب ظلها البعيد.

+


فاطمة (بصوت واثق لكنه مغموس بالحذر):
"مش كل حاجة تنطبخ بالسكر يبقى وراها خير… ساعات الطعم الحلو يخبي سمّ ما يتشافش."

+


سكتت لحظة، ثم تابعت وهي تنهض وتغطي السلة بقطعة قماش:

+


"أنا معرفش هي ناوية على إيه، بس أكيد نيتها مش لله ولا لوجه بدر… وقلبي مش مطمّن."

+


اتسعت عينا حسناء بدهشة أكبر، لكنها لم تعلّق. كانت كلمات فاطمة واضحة، تقطر حدسًا وريبة.

+


فاطمة (بهمس خافت وهي تنظر باتجاه غرفة بدر):
"اللي بيحاول يقرب من بنتي بدفء مفاجئ، أكيد بيداري نار تحت الرماد… وأنا من نار الغيرة شربت كتير، وبقيت أشم ريحتها من بعيد."

+


انخفض صوت حسناء وهي تقترب أكثر، ونظرت نحو غرفة بدر ثم عادت بنظرها إلى فاطمة وقالت بتردد:

+


حسناء (بهمس):
"يعني تقصدي إنها جايّة تتودد... علشان حاجة في نفسها؟ مش علشان بدر؟"

+


رفعت فاطمة طرف عباءتها وجلست بهدوء على المصطبة الخشبية بجوار الباب، نظراتها ثابتة لكن بداخلها عاصفة لا تهدأ.

+


فاطمة (بمرارة ناعمة):
"هنادي ما بتحبش إلا نفسها… حتى أولادها بيجوا في الآخر عند طموحها. لما شافت إن بدر بقى فارس القبيلة وشيخها الجاي، قلبها ولع... بس مش نار الفخر، دي نار الحسد ، نار الكره، معرفش النار دي ممكن توصلنا لفين."

+



        
          

                
حسناء (بفضول):
"طب وهي جابت الأكل ليه؟ يعني لو نيتها وحشة، ما كانتش جابت خير في إيديها!"

+


ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة فيها من الحكمة ما فيها، ثم قالت:

+


"اللي بيزرع السم في العسل، لازم يغطيه بالعسل الأول. جايبة الأكل علشان تقول: أنا معاكم، بدر ابني زي بناتي... بس الحقيقة؟ هي مش بتشوف فيه غير عائق، حاجز قدام طموحها... وده أخطر من السيف."

+


حسناء (بهمس أقرب إلى الرجفة):
"تفتكري تضرّها؟"

+


أغلقت فاطمة السلة بهدوء، ومسحت على الغطاء بكفها كما لو كانت تغلق قلبها أمام النوايا المغشوشة.

+


فاطمة (بحزم):
"لو حاولت تقرب من بنتي بشرّ… هنادي هتعرف إن فاطمة ما بتسيبش حقها ولا بنتها… حتى لو كان آخر نفس فيّ."

+


سكتت لحظة، ثم نظرت لحسناء بعينين لا تخلوان من القلق:

+


"بس خلّي بالك يا حسناء… من النهارده، أي حاجة تيجي من دار هنادي، تتشال على جنب… وكل خطوة ليها، لازم نعدّها قبل ما نوثق فيها. بدر ما تستحملش غدر جديد… قلبها لسه بيتعلّم يواجه السيوف، ماينفعش تنطعن من ضهرها."

+


هزت حسناء رأسها بإجلال وفهم، وعيناها تلمعان بوفاء صادق:

+


"من عيني يا ست فاطمة… بدر في رقبتنا كلنا، و هخلي باله منها و من اللي داخل بيتنا."

+


ثم تنهدت فاطمة ، وانكسرت ملامحها بغصة أم تحمل الجبل فوق قلبها، وقالت بصوت يقطعه القلق:
"الله يعينك يا بدر… أعدائك كتير يا بنتي… كتير قوي.
أنا شايفة في عيون الناس كلام، وفي ضحكتهم نية مش طيبة.
البنت لما بقت فارس، الناس ما بتسكتش… وخصوصًا لما تكون من نسل الحمدانية، وساكنة قلوبهم غصة بسببها مش بتروح.
هنادي؟ معرفش ليه، بس قلبي مش مرتاح ليها… جتلي ووشها فرحان بس عنيها؟ عنيها بتحكي حكاية تانية خالص…
أنا مش هرفض الضيافة، بس أنا أم… والمعدن بيحن لصوته،
وقلبي بيصرخ من جوايا بيقولي: خدي بالك،
بدر في خطر، مش من سيف، من قلب بيخدع بيمكر بيخطط على مهله ، قادر يوقعها في أي وقت."

+


صمتت لحظة، ثم نظرت إلى "حسناء" بعيون لا تهدأ، وقالت بثبات الأم الحارسة:
"من دلوقتي، ماتبقاش بدر لوحدها أبداً… حتى لو كانت نايمة، خليكِ حواليها. العيون بتضحك، لكن النوايا فيها نار."

+


توجهت فاطمة إلى غرفة بدر، قلبها يسبق خطاها، وكأن الريبة التي تغلي في صدرها لا تهدأ إلا بلمسة من ابنتها.

+


فتحت الباب بخفة، لم تُحدث صوتًا، وكأنها تخشى أن تُوقظ حلمًا جميلاً نائمًا فوق وسادة ملاكًا لم يعرف بعد طعماً للراحة.

+


كانت بدر مستغرقة في نوم عميق، ملامحها الساكنة توحي بالبراءة، تلك البراءة التي لا تراها القبيلة، ولا يعترف بها من حولها.

+



        
          

                
اقتربت فاطمة ببطء، وجلست على طرف الفراش، ثم مدّت يدها بلطف واحتضنت جسد بدر، كما تحتضن الأرض زهرتها الأولى في موسم المطر.

+


وضعت خدها على رأسها، وهمست بهدوء لا يسمعه أحد سواها:

+


"ربنا يستر عليكي يا بدر…
أنا خايفة عليكي قوي…
الدنيا برا مش سهلة، والقلوب مليانة سواد…
بس إنتي قلبي، وقلبي عمره ما هيبعد عنك."

+


ثم بدأت تمسح بيدها على ظهر بدر برقة، تمر بأناملها كما لو كانت تهدهد خوفها هي، لا نوم ابنتها.

+


عيناها لا تفارق ملامح وجه بدر…
وكأنها تحفظها الآن، تحفرها في ذاكرتها، خشية أن يسرقها الغدر في لحظة غفلة.

+


وضعت قبلة على رأسها، ثم تمتمت:

+


"والله ما أنام… إلا وإنتي جنبي،
طالما في قلبي نبض… عمري ما هسيبك لوحدك،
يا نور عيني، يا آخر حصون الحمدانية."

+


واكتفت بالصمت بعد ذلك، وظلت تمسح على ظهرها، بقلب يئنّ دون صوت، وأمومةٍ لا تعرف للنوم طريقاً.

+


.................

+


كان صقر، رغم فوزه، يشعر بثقل غريب في صدره، كما لو أن النصر لم يطفئ له نار الظمأ. بعد انصراف الجميع، نصب خيمته على هامش الساحة، بعيدًا عن ضجيج البشر وأعينهم.

+


أوقد ناره بهدوء، تتراقص ألسنة لهبها تحت ظلام الليل، وجانبها وقف حصانه الوفي، صامتًا كصديقه الوحيد. وضع على الأرض فرشة خشنة و وسادة بسيطة يستند عليها، ثم استلقى تحت قبة السماء المليئة بالنجوم المتلألئة.

+


رفع رأسه نحو السماء، عينيه تتبعان بريق تلك النجوم، كأنه يبحث عن إجابة في فضاء بلا حدود. بين أضواء السماء البعيدة، كانت أفكاره تعبث بذاكرته، وحنينه يشتد لحنان الأم الذي لم يعرفه، لدفء حضن غاب عنه منذ زمن بعيد.

+


في هذا الصمت، كان صقر وحيدًا مع كرهه وألمه، وحلم بأن يكون يومًا ما ، أكثر من مجرد ابن قاسي القلب، أكثر من مجرد فارس فاز ولكن قلبه ما زال خاوياً.

+


جلس صقر مستندًا على مخدته، صامتًا للحظة ثم بدأت كلمات الحزن تنساب من بين شفتيه بصوتٍ خافت:

+


وحدي أنا في ليالٍ قاسية
من يدري بالفؤاد ما به من ألم؟

+


تغشاني ظلمة، لا نور لي فيها
وقلبي جريح، لا شفاء ولا كلم

+


صوتي صدى، لا يسمعه أحد
وغربة الروح، فيها كل السقم

+


دموعي سكاكين، تنزف بصمت
وفي الصمت ذرفت أحلى الكلم

+


وحدي أنا، لا حنان ولا حب
في درب الحياة، سائر بلا أمل

+


وقف لحظة، ينظر إلى النار، وكأنها تعكس وجع قلبه، ثم همس بعزم:

+


لكنني سأصمد مهما طال الظلام
وسأحيا يومًا وأمحو كل الهمّ.

+


عاد صقر إلى المنزل بعد أن قضى ساعاته في التأمل والانعزال، بعد أن دفن شعوره بالخذلان تحت غطاءٍ من الصمت القاسي، كان جسده متعبًا لكن قلبه أكثر إنهاكًا. خطواته كانت مترددة، وكأنه يعود إلى مكان لا يشعر فيه بالانتماء.

+



        
          

                
كان البيت هادئًا كما اعتاد، لا أحد ينتظره، ولا أحد يسأل أين كان. أخوته الصغار لم يعتادوا اللعب معه، ولم يُسمح لهم أن يقتربوا منه.
كان والده قد أمر بأن يُترك لحاله، حتى لا يلهيه شيء عن التدريبات، ولا أحد يُظهر له ودًّا أو حنانًا.

+


ومع كل ذلك… لم يشتكِ. فقط استسلم لعزلته.

+


وبينما كان يخطو بخفة إلى الداخل، ظن أن الجميع قد خلدوا للنوم. لكن صوتهما وصل إليه من غرفة الجلوس، فوقف متخفيًا في الظلام، يسمع ما يدور.

+


جمال (بصوته الخشن الحاسم):
"عايز ابني صقر يتعلم… زي ابن الحمدانية يا علاء. نفس التعليم، نفس القلم، نفس الورق اللي بيشوفه كل يوم."

+


علاء (بهدوء واهتمام):
"سهل، يتعلم القراءة والكتابة في البداية… وبعدها يذاكر مليح، ويفهم. بس لازم صبر وشوية وقت."

+


جمال (بلهجة قاطعة):
"مش بس يتعلم، لأ… عايزه في نفس السنّة بتاعة ابن الحمدانية، يشوف اللي بيشوفه، ويقف في مكانه."

+


ارتبك صقر وهو يسمع، قلبه يخفق بشدة، عينيه تتسعان بدهشة وشرارة لا توصف.
لم يكن يعلم لماذا شعر بطعم مختلف في فمه… مزيج من مرارة التحدي ولهيب الغيرة.

+


همس في نفسه وهو يضغط على قبضته:
"ماشي يا بوي ، أنا من الصبر اتكويت و من جفاك… المر اتسقيت"

+


داخل الغرفة الهادئة التي يتسلل منها ضوء المصباح الخافت، جلس جمال وقد عقد ذراعيه أمام صدره، نظراته ثابتة لا تخلطها مشاعر، وبجواره جلس علاء، معلم قدير يعرف كيف يقرأ ما بين الكلمات.

+


علاء (يميل للأمام قليلًا، بنبرة جادة):
"بس لازم تعرف، يا جمال… التعليم مش زي السيف. السيف يكسر العظم، لكن القلم لازم يكسر الجهل الأول. وده بياخد وقت وصبر… وصقر باين عليه تعبان، محروق من جوّه."

+


جمال (بصرامة وقسوة فيها غصة دفينة):
"أنا اللي حرقته علشان يطلع نار ما تطفيش. ده ابني، ولازم أجهزه يكون قائد، مش بس فارِس. أنا عايزه يتفوق على ابن سالم… في كل شيء."

+


علاء (بحذر):
"بس الواد شكله بدر متعلم من بدري، وصقر عمره ما مسك كتاب قبل كده. لو بدأ متأخر، هيتعب كتير… وده ممكن يولد جوّاه كره مش حافز."

+


جمال (ينظر له نظرة طويلة، ثم يهز رأسه ببطء):
"أنا عايزه يكره… عايزه يبص للعلم زي ما بيبص للعدو في ساحة القتال. كل يوم يقلب صفحة كأنها خصم لازم يغلبه. لما يلاقي ابن الحمدانية سابقه، يحرق قلبه ويخليه يسبق. فاهمني؟"

+


علاء (بعد صمت قصير، يزفر بعمق):
"فاهمك، بس خايف عليه. العلم محتاج رحمة زي ما محتاج عزيمة. ما ينفعش نرميه في نارين… نار المقارنة، ونار الطموح."

+


جمال (ينهض واقفًا، يسير خطوات قليلة ثم يلتفت):
"أنا ابني اتخلق علشان يكون فوق. وعلشان يبقى فوق، لازم يتعذب… ولو مقدرش يتحمل، يبقى ما يستاهلش المكان اللي ناوي اسلمهوله."

+



        
          

                
علاء (يخفض عينيه للحظة، ثم يرفعها بتصميم):
"أنا هعلّمه يا جمال… بس على طريقتي. لو هدفي ننجّحه، يبقى لازم أطلّع اللي جواه، مش أكسره."

+


جمال (بجفاء):
"اللي ينكسر ميتصلّحش، واللي يصمد يبقى معدن أصيل. خليه يشوف الجحيم في الحروف، ويطلع منه قائد. لازم مايدقش طعم الراحة و لا النعيم."

+


هدأ الحوار، لكن الصمت الذي تلاه كان أثقل من الكلام.
وراء الباب، كان صقر يسمع كل شيء، يتشربه بنظرات جامدة، وداخل صدره… كان قلبه يُشكّل من جديد.
ليس فقط ليتعلم… بل ليثبت أنه وُلد ليأخذ ما لم يُعطَ له.

+


ثم استدار، وعاد بهدوء إلى غرفته، في قلبه قرار لم يعلنه، لكن النار فيه اشتعلت أكثر.
السباق لم يعد فقط في السيف والرماية، بل صار في الكتب والعقول…
وصقر لا يخسر. لكنه قد شعر بأنه يجب أن يفعل شيئا لم يفكر فيه يومًا .

+


في اليوم التالي، أشرقت الشمس على الرمال الذهبية، تنسج دفئها فوق أرض القبيلة، لكن قلب صقر كان يغلي بحرارة لا تخمدها شمس، ولا تهدئها نسمة.
كان في ساحة التدريب قبل الجميع، يلف حبلًا سميكًا حول جذع شجرة ضخمة، يتدرب على شدّه وجذبه، يركض، ثم يتوقف، يضرب السيف الخشبي بقوة، ثم يعيد الضربة كأنه يحارب شبحًا لا يُهزم.

+


طائي، مدرب القتال الصارم، كان يراقب من بعيد، حاجباه مرفوعان بدهشة، وذراعاه معقودتان.
وبجواره وقف يزيد، ابنه، الذي في نفس سن صقر، يحمل عصاه التدريبية ويتابع الموقف باندهاش واضح.

+


يزيد (بصوت خافت):
"أبوي… صقر شكله متغير النهارده… كأنه في حاجة بتاكله من جوّه. بيتدرب بعنف و ممكن يعور نفسه."

+


طائي (وهز رأسه ببعض الحذر):
"دي مش طاقة عادية يا يزيد… الولد بيقاتل نفسه ، بيقاتل نفسه اللي  مش ظاهرة… كأنه بيحارب جواه."

+


اقتربا أكثر. كان صقر قد أمسك سيفًا خشبيًا، وبدأ يهاجم هدفًا مصنوعًا من الخيش، يضربه مرارًا وتكرارًا، كل ضربة أقوى من السابقة، عرقه يتصبب، وعيناه مشتعلتان، كأنهما لا ترى الهدف… بل ترى بدر.

+


طائي (وهو يصفر بصوت خافت من الدهشة):
"الواد ده عنده حاجة جوّه بتخليه يولّع نار في الرمل… بس النار دي لو معرفش يوجّهها، هتحرقه قبل ما تحرق عدوه."

+


يزيد (بفضول):
"هو ليه كده؟ مش المفروض يكون مبسوط إنه كسب؟"

+


طائي (نظر إلى ابنه نظرة فيها حكمة):
"يا بني… مش كل نصر بيفرّح، في نصر بيجرّ وراه وجع… وبيفكرك بالحاجة اللي لسه ناقصة. يمكن صقر حاسس إن لسه في حاجة ناقصاه… حاجة مش هينفع يكسبها بالسيف."

+


وبينما كان صقر يواصل ضرباته، تسللت دمعة واحدة إلى طرف عينه، مسحها سريعًا بكمه، وكأن شيئًا لم يكن… لكنه نسي أن من يحترق من الداخل، لا يخفي دخان قلبه عن العيون.

+



        
          

                
قطع صوتٌ جهوري صلب، صمت الساحة وصليل الخشب على الرمل:

+


جمال (من بعيد):
"صقر! تعال هنا يا ولدي، قرب دلوقتي حالًا."

+


توقفت ذراع صقر في الهواء، معلقة بين ضربةٍ لم تُكمل، وأنفاسٍ مضطربة كأنها صعود جبل. التفت بسرعة، وجد والده واقفًا، ووراءه رجلٌ غريب بعض الشيء، يحمل محبرة ولفائف ورق، يرتدي عباءة بسيطة لكن ملامحه حادة ونظرته فاحصة.

+


اقترب صقر، وعلى وجهه خليط من العرق والغبار والدهشة.

+


جمال (بصوت لا يعرف المزاح):
"ده المعلم علاء… من النهارده، هيبدأ يعلمك تقرأ وتكتب، وتذاكر، وتفهم زي ابن  الحمدانية. مافيش حاجة اسمها بس تدريب. الفارس الحقيقي سيفه في عقله قبل ما يكون في إيده."

+


نظر صقر إلى المعلم علاء ثم لوالده، وعقله يعجّ بالأسئلة…
"من إمتى العلام بقى مهم؟
هو أنا ناقصني إيه؟! مش أنا اللي غلبت بدر؟!"

+


لكن لم يكن يملك ترف السؤال، لا أمام تلك النظرة الجامدة في عيني أبيه، ولا أمام الفضول المشحون بالغيظ في قلبه.

+


علاء (بهدوء وحزم):
" أهلا يا صقر ، هنبتدي من البداية، من الحروف، من القراية. عايزك تعرف إن اللي يقدر يمسك السيف، لازم يعرف يكتب اسمه بيه كمان."

+


ظلّ صقر واقفًا مكانه، يشتعل في داخله غليان.
كان يريد أن يركض، أن يصرخ، أن يقول: "أنا مش هو"
لكنّه سكت، لأن والده لا يسمع… لا يفهم… لا يرى إلا بدر.

+


وتحت حرارة الشمس، جلس صقر على الأرض بجوار الحائط، وفتح المعلم أول ورقة…
ليبدأ فتى السيف أول دروسه مع الحبر.
وأمام عينيه… كانت صورة بدر لا تفارقه.

+


بينما بدأ المعلم علاء يشرح أول الحروف، وأمسك بلوح الكتابة أمام صقر، كان الأخير شاردًا… لم ينظر في الورق، لم يسمع ما قيل.

+


كانت أصابعه مشدودة، وعينيه تهرب من نظرات المعلم، وكل ما في داخله يصرخ.

+


علاء (بهدوء، يحاول جذب تركيزه):
"دي الألف، دي أول الحروف، واقفة زي السيف… تشبهك يا صقر، طويلة، ثابتة."

+


لكن صقر لم يتحمل.
نهض فجأة، بدون مقدمات، بدون كلمة، بدون اعتذار…
ونهضت خلفه سحابة من الغبار والرمل، كأن خطواته كانت تمزّق الأرض.

+


المعلم علاء جمد في مكانه، مذهولًا بتصرفه المفاجئ ، بينما الأوراق تناثرت من حوله.

+


أما جمال، الذي كان يراقب من بعيد، فقد ضاق وجهه وجحظت عيناه.
قبض على يده بقوة وهو يهمس في نفسه:

+


"الواد عنيد… زيي وأنا في سنه. بس دي مش عناد قائد… ده عناد جبان و أنا مش هسمح ابني يكون جبان."

+


راقب صقر وهو يبتعد، يمشي بثقلٍ كأن كل خطوة تنطق وجعًا.
لم يلتفت، لم يبرر، لم يفسر شيئًا… فقط كل ما يفكر به هو ترك المكان.

+


وظل جمال واقفًا، بين غضب الأب، وصمت الرجل الذي بدأ يشعر أن الجرح في قلب ولده… أعمق من كل ظنونه.

+


جمال (ينادي مرة أخرى بحدة):
"رايح فين يا صقر؟! اقف! ما كملتش سايب المعلم و رايح فين؟!"

+


توقف صقر، ظهره لا يزال للأب، وشيء في كيانه كان يغلي… يغلي حتى فاض.

+


استدار ببطء، عيناه لا تشع إلا نارًا متجمّدة، حزينة، محبوسة منذ سنين:

+


صقر (بصوت متهدج لكن قوي):
"أنا مش رايح… أنا بهرب."

+


سكت جمال لحظة، حاجباه ينعقدان، ويده تقبض على سيفه لا لشيء… إلا لأنه لا يعرف كيف يواجه الكلمات.

+


جمال (بحدة لا يعنيه نظرات ولده التي تلمع بدموع لم تجرؤ يوما على السقوط):
"تهرب؟ تهرب من إيه؟ من العلم؟ من رجولتك؟ من مستقبلك؟"

+


صقر (بتنهيدة مشبعة بالقهر):
"أنا باهرب منّك يا بوي…
من سجنك اللي مربيني فيه من يوم ما فتحت عيني،
من نظرتك اللي عمرها ما قالتلي: أنا فخور بيك،
من كتفك اللي ما سندنيش، ويدك اللي ما طبطبتش عليا."

+


تقدّم خطوة… وكل خطوة كانت كسكين يشق صمت السنين:

+


"أنا بتجرح كل يوم عشان أبقى راجل في نظرك…
باتمرن، بتوجع، بتكسر… وانت ما بتقولش غير: لسه بدري، شد حيلك، الراجل ما يعيطش،
بس إنت يا بوي… عمرك ما سألتني: إنت موجوع؟
عمرك ما بصيت في عيني وشفت فيهم الوجع اللي بحاول اداريه"

+


اقترب أكثر، وصوته ينكسر بين الحروف:

+


"كل همك نفسك وهدفك و بس ، 
دلوقتي لما شفت ابن الحمدانية بيتعلم… قررت تعلّمني؟
علشان أكون زيه؟
لا يا بوي…
أنا مش عبدك، ولا شبهك، ولا صورة منك."

+


جمال يزم شفتيه، كأنه يوشك أن يرد، لكن الكلمات خانته…
أما صقر، فقد نظر إليه نظرة موجعة، كأنها وداع لطفل لم يجد حضنًا:

+


صقر (بهمس كأنه طعنة):
"الولد مش بيبقى راجل عشان يتعذب ويتعلم…
الولد بيبقى راجل لما يحس إن في حد بيحبه وهو بيتكسر. لما يلاقي اللي يخاف عليه 
وأنا… ما لقيتش."

+


استدار، وعيناه تخفيان فيضانًا من الدموع التي قرر أن لا تنزل، وسار بخطى بطيئة، لكنه لم يتوقف.

+


جمال (بصوت متهدج أخيرًا):
"صقر… إرجع، ما تسيبش أبوك واقف كده."

+


صقر (بلا رجعة):
"أنا ما سبتكش النهارده يا بوي…
أنا سايبك من سنين، بس النهارده… بس قررت أمشي بجد ."

+


وغاب في الأفق قليلا لكن ما زال أمام جمال…

+


وترك في قلب أبيه صمتًا… ما عاد يُحتمل.

+


صقر مضى، وهدير الغضب في قلبه كان يسابق خطواته. لم يعد يلتفت، لم يعد يأمل، لم يعد يريد شيئًا.

+


وفي لحظةٍ اشتعلت فيها الغيرة، والقهر، والخذلان في صدر والده، خرج صوته صارخًا، ملعلعًا في أرجاء القصر كالرعد في السماء القاحلة:

+


جمال (بصوت يهز الجدران):
"روح يا صقر!
بس سامعني؟
لو رجلك خطّت باب القصر… هتشوف الموت بعنيك"

3


توقّف الحراس، انحبست الأنفاس، وتحوّلت النظرات إلى صقر الواقف عند آخر عتبة من عتبات القصر.

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close