رواية جنتي علي الارض الفصل الخامس 5 بقلم Fallen angel
الفصل الخامس
" سوداء ..كانت تلك الليله "
-------------------------------------------------
توقفت جنه عن الصراخ ..ودعت ربها أن يقف بجوارها.. لاحظت ارتباك يديه الشديد..اذن ربما عليها التوقف عن الحركه لتنتظر أن يخف ثقل جسده عنها.. بعد أن مزق قميصها بالفعل تحرك قليلا و أخفض رأسه لينزع عنها تنورتها...استغلت تلك الفرصه و ضربته بمرفقها على أنفه لتفاجأ بصراخه الشديد و شلال من الدم انساب على جسدها...و الأهم انه أفلت يديها .. سددت له ركله في معدته و نهضت تعدو بسرعه شديده مطلقه العنان لصوتها بالصراخ بأقصى ما استطاعت و لكن حولها أشجار و ظلام فقط ..
استمرت جنه بالعدو و الصراخ حتى لاح لها ضوءاً من بعيد أسرعت الخطي باتجاه ذلك الأمل و عندما وصلت لبقعة الضوء تلك سقطت مغشياً عليها من كثرة الاجهاد .. و بعد لحظات أحست بيدين ترفعها لتقف على قدميها و صوت يطمأنها بقوله : متخافيش...متخافيش مش هاعملك حاجه...
و لكن لم تدم تلك الطمأنينه فسرعان ما أضاءت الأنوار المكان.. لتفاجأ بجيش من الشرطه و أحدهم يصرخ قائلاً : محدش يتحرك...و ايدكو مرفوعه لفوق .
و بسرعة البرق كانوا محاطين بالعساكر و هي و ذلك الرجل ... ووجدت نفسها مكبلة معه بالكلابشات
،فعادت دموعها للانهمار مره أخرى.
الرجل : ايه اللي بتعملوه ده ... دي ملكيه خاصه فين اذن النيابه ..
استمر الرجل فالجدال معهم و لكن بدون جدوى .
و عندما اقتادوهم ليركبوا سيارة الشرطه صاح الرجل بعنف : طب استنوا خلوها تلبس الجاكيت بتاعي.
لم تكن جنه واعيه بمظهرها فبعد الرعب الذي انتابها من محاولة الاعتداء عليها لم تفكر سوى بالفرار لتهرب و تفاجأ بهذه الورطه... كلمات الرجل جعلتها تنظر لجسدها ما زالت ترتدي تنورتها و حقيبة الكروس.. و فقط ملابسها الداخليه تحت تلك الحقيبة.وقتها فقط استعادت صوتها و توسلتهم ان يدعوها ترتدي شيئا يسترها
أجابها أحدهم : مينفعش ...امال ازاي هنثبت إننا مسكناكي بالجُرم المشهود..
و قال اخر: اه انتو ناس واصله و بكره تقولوا لفقنالكو قضيه.
و لم تنفع محاولات الرجل لاقناعهم بفك قيده ليعيطيها سترته لترتديها ..لتصل الى قسم الشرطه بتلك الحاله..
توقفت سيارة الشرطه امام المبنى و ترجل الجميع ..
اقتاد العساكر جنه و الرجل إلى داخل القسم...كانت جنه غارقه في بؤسها ..لم تعي هي أو الرجل الذي بجوارها أن أحداً ما التقط عدة صور لهم و هم يقتادوهم داخل القسم .
******************************
كان منظر العساكر و هم يقتادون ذلك الرجل و برفقته تلك الفتاه شبه العاريه مألوفاً بالنسبه لصحفي مثل معتز ، فتغطية أخبار الفضائح بل و البحث عنها من صميم تخصصه و كما هي العاده قام بالتقاط عدة صور لذلك المشهد الذي كثيراً ما رآه يتكرر في المدينه الكبيره ، لم يتوقع حدوثه هنا أيضاً .. ولكن ما الضرر سيحتفظ بتلك الصور فلربما أفادته لاحقاً.
أراد تتبع هذه الحادثه و لكن بعد يوم طويل من السفر ، كان يعاني من الاجهاد، لذا قرر أن يؤجل هذه المهمه لوقت اخر .
أطفىء عدسة الكاميرا ووضعها في الحقيبه ثم انطلق الى الفندق الذي سيبيت فيه ريثما يجد سكناً مناسباً .
**********************************
سمح الضابط بادخال المشبتهين بالتورط في ذلك السبق بعد أن استمع لروايه مفصله من العساكر عن كيفية إلقاء القبض عليهم متلبسين بفعل فاضح، و ما إن وقعت عيناه على الرجل حتى صاح قائلاً: ايه اللي عملتوه ده.. ووجه كلامه للرجل : احنا اسفين يا بشمهندس اكيد حصل لبس .
أمرهم بفك قيده في الحال و أكمل : البشمهندس إياد من أكبر المتبرعين لحملة إيقاف السبق .
و فور فك قيده قام إياد بخلع سترته و وضعها على جنه و قال محادثاً الضابط : أنا مش مهم عندي إنه حصل لبس ده وارد جداً.. لكن أنا مشمئز من الطريقه اللي تعاملوا بيها معاها و أشار الى جنه.
و أكمل : دول رفضوا حتى تاخد الجاكيت تلبسه مسافة ما نصل القسم..دي مهما كانت بنت و كمان فالجو التلج ده ... هو معدش فيه انسانيه.
أكمل إياد الحديث مع الضابط الذي بدوره اعتذر منه
الضابط : احنا اسفين جدا و حضرتك تقدر تتفضل تروح حالا..
إياد : طيب و البنت هتعموا معاها ايه؟
الضابط : لازم نحقق معاها .. على حسب رواية حضرتك ممكن جدا تكون ضمن الشله بتاعة السبق أو بتشتغل عندهم حضرتك فاهم طبعا يعني واحده ماشيه بالمنظر ده...
قاطعه إياد : منظر إيه.. دي كانت ميته من الرعب.. أكيد في حد حاول يأذيها .
الضابط: عموماً دلوقتي أنا هآخد أقوالها .. و حضرتك مره تانيه أنا آسف و تقدر مشكور تتفضل تروح .
إياد : أنا مش هاروح الا ما آطمن عليها الاول.
الضابط : براحتك يا فندم ..بس يا ريت تتفضل تستنى في الاستراحه.
إياد : بعد اذن حضرتك أنا حابب استنى هنا .
الضابط : طب يا ريت يكون حضورك بصمت و متتدخلش في التحقيق.
لم يستطع إياد المغادره و تركها وحيده .. فلقد تربى على وضع نفسه في موضع الغير، هل لا قدر الله لو كانت نسرين في مثل هذا الموقف ، كان سيتمنى أن يقف أحد بجوارها، على الاقل حتى يصل أهلها و يقدمون لها الدعم و الامان ... و تذكر في هذه اللحظه جده البطل رفعت طه .. ما كان سيتركها وحيده فبشكل أو باخر هما الاثنان ألقي القبض عليها بنفس التهمه و لكن نظراً لاسمه و مركزه ألقى الضابط عليه نظرة واحده و نطق بحكم الافراج و بدون تحقيق... نعم سينتظر وصول أهلها ..
ثوان و أُحضرت جنه لتمثل أمام الضابط و بعد أن روت ما حدث لها تلك الليله قال الضابط : طب أنا محتاج اتأكد فعلا من كلامك و لغاية ما ده يحصل هتفضلي هنا معانا فالحجز.
تدخل إياد قائلا : بيت الطالبات اللي ذكرت اسمه ده ملك لعيلتنا و أنا اقدر اتأكد لحضرتك إنها فعلا كانت جايه البيت و إنه في حجز باسمها لاول السنه .
الضابط: مش ده المهم .. هي رافضة تدينا عنوان أهلها و بالمنظر اللي اتمسكت بيه و أقوال العساكر بقت شخص مشتبه بيه جدا و لكن مفيش دليل ملموس فمقدرش أخلي سبيلها بناء فقط على عنوانها في بيت الطالبات لانها حاليا مش مقيمه هناك ..كده هاكون باخد ريسك كبير يعرضني للتساؤل .
قالت جنه من بين دموعها : و الله انا بقول الحقيقه ومليش علاقه فالسبق ده خالص .
الضابط : و أنا مش طالب كتير ..طب بلاش عنوان أهلك مفيش حد من معارفك يمضي تعهد إنه يضمنك و في حال حصلت حاجه و مقدرناش نوصلك يكون هو المسئول قدامنا.
نظرت جنه الى الضابط بيأس ..و من ثم أشاحت بنظرها الى مَن حاول حمايتها ..و ما زال مستمرا بالدفاع عنها ..ثوان و أعادت نظرها للارض لتسمع صوته : بما إنها هتقيم عندنا .. أنا هاضمنها يا حضرة الظابط.
الضابط : حضرتك عارف معنى كلامك ايه ؟
إياد : اكيد يا فندم
شعرت جنه بالامتنان الشديد تجاه إياد.. فمجرد عرضه ليضمنها قام الضابط باخلاء سبيلها بعد أن وقع إياد بعض الاوارق.
*************************
صرخ الحضور حول نسرين :Happy new year و تلاشى مع صراخهم صوت كريم الذي قال بعد أن ابعدت شفتيها عن شفتيه : أنتي اتجننتي..ايه اللي عملتيه ده !!!!!!!!!!!!!!!!
لم تستطع النظر الى عينيه .. لم تستطع ان ترى كيف شوهت صورتها أمامه.. فرد فعله العنيف على تصرفها أخبرها الكثير... نعم لا تريد رؤية كلمة رخيصه محفوره في نظرته لها...
و في غضون ثوان كانت في السياره تخبر عبد الله أن يصطحبها إلى المنزل حالاً .
********************
خرجت جنه من قسم الشرطه متدثرة بسترة الرجل الذي وقف بجوارها و ساندها،فلولا كرمه لكانت قضت ليلتها في داخل السجن، وقفت أمام المبنى تنتظر أن يخف هطول الامطار، لا تدري أين تذهب و كيف ستصل لبيت الطالبات في هذه الساعه ،كانت خائفة جداً من العوده إلى الطريق بعد محاولة الاعتداء عليها و التي لم يوليها الضابط أي اهتمام لانها لم تستطع أن تصف المعتدي عليها فقد كان الظلام حالك جدا و كل ما تعرفه أنه اطول منها بكثير و رائحة أنفاسه كريهه جدا،وضعت يديها داخل الستره لتبث فيهما بعض الدفء لتعثر في الجيب الأيمن على هاتف،ربما ..بل بالتأكيد إنه هاتف منقذها، التفت تبحث عنه قبل أن يخرج فوجدته واقفاً خلفها يتحدث مع شخص ما، أرادت التقدم و ارجاع الهاتف ليسبقها هو منادياً استني.
تسمرت جنه في مكانها و انتظرت حتى أصبح أمامها و قال : استنى هوصلك .
لم تستطع النظر إليه فما زالت محرجه جدا خاصه بعد رؤيته لها عن قرب بتلك الحاله و لكنها قالت : اتفضل الظاهر ده الموبايل بتاع حضرتك كان في جيب الجاكيت و متأسفه مش هاقدر ارجعلك الجاكيت دلوقتي بس اول حاجه هاعملها بكره ان شاء الله اني ارجعهالك .
ابتسم إياد رغماً عنه و لسان حاله يقول : هو انتي في ايه و لا ايه ....
قال إياد : الجاكيت تقدري طبعا تحتفظي بيها زي ما انتي عايزه، ثانياً : انا عايز افهم انتي ازاي كنتي ماشيه لوحدك في ساعة زي دي، وليه مقلتيش للظابط عنوان اهلك .
آثرت جنه الصمت فتلك الاسئلة من الصعب الاجابة عنها الآن.
إياد : طب براحتك ، و يلا اتفضلي اوصلك.
جنه: لا متشكره جدا لحضرتك، انا هوقف تاكسي.
إياد: تاكسي ايه اللي توقفيه دلوقتي و في الجو ده ، و آسف بس انتي مش شايفه شكلك عامل ازاي !
بل كانت تعرف جيدا كيف تبدو ، و لكن هل تستطيع الثقه به بعدما حل بها الليله .
و كأنه قرأ أفكارها و قال : أنا عارف إنك ممكن تكوني خايفه بعد اللي حصل معاكي الليله و لو تحبي نرجع عند الظابط و أمضي كمان تعهد أني اوصلك صاغ سليم لغاية بيت الطالبات .
لم ترد جنه في الحال و تذكرت كيف تصرف معها عندما حلت الشرطه و إصراره على مساعدتها و بالاخص فور فك قيده عندما ألبسها سترته..فكرت قليلا و حسمت قرارها بالتأكيد تستطيع الوثوق به
جنه : انا مش عايزه اتعبك اكتر من كده، و آسفه اني لسه مشكرتش حضرتك على وقفتك معايا قدام الضابط
إياد : مفيش داعي و يلا اتفضلي كمان شويه الفجر هيدن.
ركبت جنه في المقعد الخلفي و ركب إياد بجوار السائق الذي عرفه لها بأنه حارسه الشخصي.
و من ثم صاد الصمت طوال الطريق و عندما توقفت السياره ترجل إياد كما فعلت هي المثل .
إياد : المشرفه اجازه انهارده بس انا كلمت المساعده بتاعتها و المساعده هتستقبلك .
ثم أضاف : على فكره هي حد ثقه جدا عند والدتي و انا حكتلها اللي حصل و هي هتساعدك و تأكدي محدش يعرف حاجه.
جنه : أنا متشكره جدا لحضرتك، كتر خيرك اوي.
إياد : أنا هاكلم المساعده عشان تنزل تفتحلك الباب.
و بالفعل قام بمحادثتها و بعد دقيقتين فتحت البوابه و أطلت منها شابه ربما في اوائل العشرينات و قالت : ازيك يا بشمهندس معلش انت عارف القوانين مش هقدر اقولك لحضرتك تتفضل.
إياد: طبعا و أرجو نفضل على اتفاقنا مش عايز حد يعرف التفاصيل.
المساعده : طبعا يا بشمهندس
غادر إياد المكان لتبادرها المساعده بالقول: متقلقيش و اتفضلي معايا هعرفك اوضتك فين و بكره ان شاء الله توقفت فجأه عن الحديث واضعه يدها على فمها لتقول : اا نا لما قريت اسمك قلت يمكن تشابه أسماء بس مش معقول دي انتي بجد يا جنه.
أمعنت جنه النظر إلى مُحدثتها ، ثم هتفت غير مصدقه : سماح !
****************************
استيقظت جنه من نومها مفزوعه من أحداث الليله القاسيه التي مرت بها و إن كانت نهايتها سعيده.. فقد اجتمعت مره أخرى بصديقة طفولتها سماح ، و ها هي تقطن معها في نفس شقتها ببيت الطالبات بعد أن أصرت سماح على ذلك.
فنظراً لعمل سماح كمساعده للمشرفه في البيت استطاعت أن تحصل على شقة بمفردها في هذا السكن و بأجره معقوله.
أزاحت جنه الغطاء و من ثم دلفت إلى الحمام و توضأت لتصلي الفجر ، وجدت سماح هي الأخرى مستيقظه و على سجادة صلاتها..نادتها سماح لتصليا جماعه.
قالت سماح بعد أن انهيتا صلاة الفجر : احكيلي يا جنه ايه اللي جابك هنا و ازاي طنط عليا.. وحشتوني اوي اوي يا جنه.
أجابت جنه بصوت حزين : ماما توفت بعد ما جيت وودعتك بشهور..
قالت سماح بأسى : الله يرحمها.. أنا اسفه يا جنه مكنتش أعرف يا حبيبتي.
أكملت جنه : بعدها توفي جدي و فضلت قاعده في بيت خالي.
سألت سماح : و دلوقتي جايه هنا تكملي دراستك؟
هزت جنه رأسها نافيه ثم روت لصديقتها ما حل بها في بيت خالها و كيف اضطرت إلى الفرار.
قالت سماح و الدموع تملأ عينيها : انتي كمان كانوا هيجوزوكي غصب عنك.
قالت جنه غير مصدقه : عشان كده كنتي هتسافري.. عشان هتتجوزي !
أجابت سماح بحسره : أيوه ..أهلي الله يسامحهم باعوني لراجل زغلل عينيهم بقرشين.
قالت جنه باكيه : ده انتي كنتي طفله مكملتيش 14 سنه.. ازاي اصلا ده ممنوع فالقانون.
قالت سماح : ما هو الجواز كان على يد شيخ و من غير ما يتوثق.
قالت جنه : طب ليه مقلتيش الحقيقه وقتها.. ليه يمكن ماما كانت قدرت تساعدك.
قالت سماح : كنت طفله بتخاف موت من أهلها و كانوا محرجين عليا مجبش سيره لحد و لا حتى ليكي.
قالت جنه : و جوزك فين دلوقتي.
قالت سماح : دي حكايه طويلة.
قالت جنه برجاء: ما احنا قاعدين احكيلي .
قالت سماح : ابدا بعد ما اتجوزنا بحوالي سنه دخل السجن و ده لانه نصاب .. و المصيبه كان متجوز و عنده بنات.. المهم بعد ما دخل السجن مراته طفشت و أنا بمساعدة جارتنا قدرت أعرف طريق الدكتوره نوال و هي ساعدتني و رفعتلي قضية طلاق و كانت صعبة لانه مكنش في عقد يثبت جوازنا .. لكن كتر خيرها فالنهايه قدرت تساعدني و اطلقت .. و سكنت هنا و بقيت اشتغل فالمصنع تبع الجمعيه بتاعتها و الحمد لله عشان ليا فتره كبيره ساكنه هنا و بشتغل معاهم بقيت مساعدة المشرفه فالسكن و المشرفه على البنات الجداد فالمصنع و الحمد لله ببعت مصروف لاختي عشان تكمل تعليمها و ميعملوش فيها زي ما عملوا معايا.
ثم سألت : و انتي بقى هتكوني أمينة المكتبه الجديده .. مش كده .. المشرفه قالت انك هتكوني هنا امبارح .. بس اتأخرتي اوي ..
قالت جنه : بس الحمد لله وصلت .
قالت سماح : كتر خيره البشمهندس إياد..
قالت جنه : فعلا .. راجل شهم اوي .. لولاه مكنش الظابط هيسبني امشي.
قالت سماح : انهارده اجازه.. هاخدك و اعرفك المكان و الدنيا هنا شكلها عامل ازاي.
قالت جنه معانقة صديقتها : وحشتني اوي يا سماح.
قالت سماح : انتي أكتر . انتي أكتر يا جنه.
************************************
اليوم هو أول أيامها في العمل ..لذا استيقظت جنه باكراً جداً حتى لا تتأخر عن موعد الدوام حيث ستكون
د. نوال بانتظارها فالمكتبه لتشرح لها طبيعة عملها.
دلفت إلى المكتبه بعد أن حياها الساعي ..وجدت د. نوال بانتظارها.
قالت د. نوال فور رؤيتها لجنه : برافو عليكي ..جايه عالمعاد بالثانيه.
قالت جنه : متشكره يا د.نوال .. و انا سعيده جداً إنك اخترتني للوظيفه و إن شاء الله هاكون عند حسن ظن حضرتك.
قالت د. نوال : الحقيقه بنات كتير اتقدموا للوظيفة.. و كلهم مؤهلين.. بس عارفه اخترتك انتي ليه بالذات ؟
سألت جنه بفضول : ليه ؟
أجابت د. نوال : الخاطره بتاعتك اللي أضفتيها للسيره الذاتيه .. بعنوان " عشقي الأول القراءه" حسيتها طالعه من قلبك بجد و دخلت قلبي .. بس يا ستي و اديكي هنا .
قالت جنه بخجل : فعلاً القراءه هوايتي المفضله.
قالت د. نوال : طب دلوقتي تعالي أديكي جوله فالمكتبه و أعرفك بالظبط مسئولياتك.
تبعتها جنه مصغيه لها بتركيز شديد و بعد حوالي الساعتين أنهت نوال تعليماتها و تركت جنه لتولي زمام الأمور بعد أن قامت بتعريفها على ساعي المكتبه عم فريد .. و الذي سيقوم بفتح المكتبه و إغلاقها يومياً.
جلست جنه على مكتبها و فتحت جهاز الحاسوب مدخلة كلمة السر التي أعطتها إياها د. نوال و بدأت بالتعرف على الكتب الموجوده و تصنيفاتها المضافه على أحد برامج الحاسوب.
************************************
سأل إياد : كلمت مساعدة المشرفه بتاعة سكن الطالبات ؟
أجاب عبدالله : أيوه.. بس قالت إن الآنسه جنه ملهاش رقم.
سأل إياد باستغراب : ازاي يعني ملهاش رقم ؟
قال عبدالله : الآنسه سماح بتقول معندهاش موبايل .
نقر إياد على مكتبه مفكراً .. ثم قال : دلوقتي حالاً تجبلي موبايل أحدث ماركه.
قال عبد الله : نص ساعه و هيكون عند حضرتك.
أومأ إياد برأسه شاكراً لينصرف عبدالله إلى مهمته.
يومان .. مضى يومان، و لم يستطع إياد أن ينحي صورتها من رأسه..جنه فتاة رأس السنه ، فلسبب لا يفهمه بات يشعر بالمسئوليه تجاهها و أراد أن يطمئن على حالها ، هل استطاعت أن تتعافي من أحداث تلك الليله و تستقر في وظيفتها الجديده أم تُراها عادت إلى بيت أهلها مره أخرى ، و تساءل ما الذي دفعها للهرب منهم ، أم أنها كما قال الضابط نورالدين ربما متورطه مع شلة السبق ، و لكنه استبعد هذا الاحتمال فبراءتها و هيئتها تدل على أنها فتاة بسيطة و بريئة جداً ، و احتياطاً سيُبقى عينه منها ففي النهايه هو من تحمل مسئوليتها أمام الشرطه ، فحرياً به أن يتأكد بأنها لن تجلب له أي نوع من المتاعب خاصه و أنها ستعمل لديهم فالمكتبه.
*****************************
حملت جنه مجموعة الكتب العتيقه مستنشقه رائحتها التي باتت تذكرها بأيام طفولتها ، ووالدتها التي كثيراً ما ابتاعت لها تلك الكتب نظراً لرخص ثمنها و غلو ما فيها من مضمون.
أعادتها سريعاً إلى مكانها فور سماعها أصوات قادمه من البوابه ، أهو أول زائر أو بالأحرى قارىء ستستقبله في يومها الأول هنا ، عدلت هندامها ووقفت منتظره دخوله ... و يا لمفاجأتها !
قال إياد محيياً : السلام عليكم..ازيك يا آنسه جنه ؟
على الفور خفضت جنه بصرها إلى الأرض ، فهي لا تقوى على النظر مباشرةً لعينيه ، اللتين رآتا و بصرتا هيئتها تلك الليله.
ردت جنه بصوت خفيض : الحمد لله .
قال إياد : أن شاء الله تكوني أتأقلمتي ع الجو و الشغل هنا فالمكتبه .؟
أجابت جنه : انهارده أول يوم ليا هنا.
قال إياد : صحيح.
سألت جنه و ما زالت تشيح بنظرها عنه : أي خدمه أقدر أقدمهالك.
أجاب إياد على الفور : اه الحقيقه في خدمه ضروري تنفذيها.
سألت جنه بقلق : خير يا بشمهندس ؟
قال إياد بهدوء : زي ما انتي عارفه أنا دلوقتي مسئول قدام الظابط عنك.
قالت جنه ممتنه : و ده جميل عمري ما هنساه لحضرتك.
قال إياد : و عشان أكون مطمن إنه مش هتحصل مشاكل ، عاوزك تاخدي الموبايل ده .. و قام بأخراجه من جيبه ثم أضاف : يعني في حال سألني الظابط عنك تكون أخبارك عندي أول بأول.
وضع الهاتف على المكتب ثم قال : فيه الرقم بتاعي لو احتجتي أي حاجه متترديش أنك تطلبيني.
قالت جنه بحرج : أنا عارفه إنه حضرتك خاطرت لما كفلتني عند الظابط و مش عايزه أكون سبب فمشاكل ليك.. بس مش هاقدر آخد الموبايل .. انا اسفه.
قال إياد : يعني افرضي الظابط مثلا اتصل يسألني انتي فين... هاعرف اازاي؟ و لا انتي عايزه تعمليلي مشكله .
قالت جنه : بس ده شكله غالي اوي.
قال إياد غير فاهماً مقصدها : فعلا..ده أحدث موديل.
قالت جنه بحرج: ما أنا كده مش هاقدر ادفعلك تمنه دلوقتي.
قال إياد مستنكراً : و مين قالك إني عايز تمنه.
قالت جنه بحزم : ما أنا مش هاقدر آخده الا لو دفعت لحضرتك تمنه ، و دلوقتي مش معايا فلوس كفايه.
ابتسم إياد و قال : خلاص اعتبريه هديه مني .
قالت جنه بتصميم : معلش أنا معرفكش كويس عشان أقبل هدايا من حضرتك.
لاحظ إياد التصميم البادي في عينيها و لأول مره منذ دخوله المكتبه تتلاقي نظراتها معه.
قال إياد : طب أول ما تقبضي تبقي تدفعيلي تمنه.
قالت جنه بخجل : بس..
قال إياد : بس ايه ، ماهو انتي لازم تاخدي الفون و لا عايزه تتسببيلي فمشكلة مع الظابط.
شعر إياد بتأنيب الضمير فمن المستبعد أن تتسبب له بأي مشاكل و لكنه أرادها و بشده أن تقبل الهاتف حتى يجد وسيلة للاطمئنان عليها دوماً.
قالت جنه و قد علت الحمره وجنتيها : أصل المرتب ميجيش اد قيمته.
زفر إياد و قال بعد تفكير : يبقى تدفعيلي على نظام أقساط، و أول قسط تدفعيه أول ما تقبضي و هكذا لغايه ما تسددي حقه ... كده كويس.
أومأت جنه برأسها ..فهي بالتأكيد لا تريد أن تتسبب بأي مشاكل له خاصه بعد مساعدته لها تلك الليله.
قال إياد : عظيم .. و زي ما قلتلك لو احتجتي أي حاجه تكلميني فوراً.
**************************
أسرعت ماهيتاب لملاقاة رمزي في المقهي الذي طلب منها الحضور إليه سريعاً... هل نجحت خطتها!
سأل رمزي مباشرة : إنتي كنتي فين ليلة راس السنه الساعه 7.
قالت ماهيتاب : و بتسأل ليه.
قال رمزي : أرجوكي تجاوبيني.
قالت ماهيتاب مدعيه عدم الفهم : كنت مع ماما في البيت ليه؟
قال رمزي: انتي متأكده.؟
قالت ماهيتاب: طبعاً يعني هاكون فين . ثم سألت : و انت بتسأل ليه؟
قال رمزي : معلش مش هاقدر اوضحلك.
قالت ماهيتاب : براحتك.. بس لو حكتلي يمكن اقدر اساعدك.
قال رمزي : متقلقيش أنا هاعرف آخد حقي كويس.
شعرت ماهيتاب بخيبة كبيره، فلم تفهم موقف رمزي، هل تسببت في مشكله بينه و بين ساره، أم فشلت خطتها.
أما رمزي فقد زُرعت بذور الشك في قلبه.. مستحيل أن يصدق أن زوجته الحبيبه ساره تخونه ، و لكن ما الذي جعلها تقابل إياد في شقته إن لم تكن ماهيتاب في خطر كما أدعت.. لا لن يصدق أن تكون خائنه.
ربما إياد هو من كذب عليها و استدرجها هناك ..ألم تُلمح ماهيتاب مراراً أن ابن عمها يكن مشاعراً لزوجته، هل تُخفي ساره محاولاته القذره معها خوفاً من المشاكل و قلقاً على مشاعر ماهيتاب.
بالتأكيد هذا هو السبب، و ذلك الحقير سيدفع الثمن غالياً..حتماً سيجد طريقه للنيل منه.
*****************************
في يومها الثالث ..أنهت جنه ترتيب الكتب الجديده و إدراجها في الرفوف المخصصه لكل مجال، نظرت إلى ساعتها التي شارفت على السادسه مساءً، ستضطر للمغادره الآن متأخره فلقد استغرقت وقتاً حتى تُلم بنظام المكتبه فلقد أرادت أن تثبت جدارتها ل د. نوال ، و لكن ما يعزيها أن الطريق بين المكتبة و السكن ليست بالبعيده و ما زال الشارع يعُج بالماره..حملت حقيبتها و همَت بالخروج و لكن حركةً ما خلف ركن الكتب المصوره أوقفتها.
وضعت يدها على صدرها لتُهدأ من ضربات قلبها المتسارعه فما زالت تعاني من أثر تلك الليله المشئومه.
أخذت نفساً عميقاً فلا داعي للخوف فحتماً ما زال الساعي موجوداً ينتظر إغلاق المكتبه في الخارج.
تقدمت من ركن الكتب المصوره حتى أصبحت خلفه تماماً، أزاحت بعض الكتب و أطلت برأسها..لم ترى شيئاً في البدايه و لكن عندما أشاحت ببصرها إلى الأسفل رأت صبياً صغيراً ربما في السابعه أو الثامنه من عمره ، أشعث الشعر و يرتدي ملابس رثة جداً ، وجدته يُحملق في أحد الكتب المصوره قابضاً عليه بيديه الصغيرتين.. يدين قذرتين جداً..أكملت تفحصها له، فيبدو أنه لم يلاحظ وجودها بعد.. لترى أنه حافي القدمين..أرجعت رأسها إلى الخلف عندما رأته يلتفت يميناً و يساراً ليُعيد تلك الحركه مرتين و كأنه يريد التأكد أن لا أحد يراقبه ، ثم و بخفه شديده أخفى ذلك الكتاب في سترته و انطلق راكضاً.
نادت جنه على الساعي و أمرته بإغلاق المكتبه ، و من ثمَ خرجت للبحث عن هذا الصبي ، فاليوم هو ثالث أيامها في العمل و لن تنهيه بفقدان أحد الكتب حتى لو كان من سرقها صبي صغير ، ستجده و إن استطاعت أن تساعده ببعض المال ستفعل فالمهم أن يكف عن السرقه.
خرجت من المكتبه لتجده واقفاً في زاويه أسفل عمود النور..انطلقت في اتجاهه ، و عندما شاهدها أسرع هارباً ، لحقت به راكضةً خلفه ، لم تدرِ أي منطق تملكها لتتبعه من شارعٍ لشارع حتى سقطت في بركه كبيره من الوحل تكونت من جراء سقوط الأمطار ، و شاهدته يغادر مبتعداً بعد أن تأكد من عدم لحاقها به.
أسرعت جنه بالنهوض لمتابعة طريقها و لكن عادت لتسقط أرضاً ، فعلى ما يبدو ان قدمها أصيبت من جراء السقوط في هذه البركه الموحله.
حاولت التحامل على الآمها و استعدت للنهوض مره أخرى لترى زوجين من الأقدام تسيران باتجاهها.. ثم سمعت صوت رخيم يسأل : انتي كويسه يا بنتي ؟
رفعت نظرها لتلتقي بنظرات قلقه من رجل كبير في السن و بجواره شابه .. اه أليست هذه نسرين التي عرفتها عليها سماح..ابنة د.نوال و شقيقة إياد.. و بمجرد تذكرها له أحست بالاحراج الشديد..هل ستنسى يوماً أنه رآها بذلك الشكل المهين ليلة رأس السنه.
أخرجها من شرودها صوت نسرين : الله .. مش انتي جنه..هاتي ايدك اساعدك.
مدت جنه يدها لنسرين التي ساعدتها في النهوض مره أخرى و قالت : متشكره تعبتك معايا يا آنسه نسرين.
قالت نسرين معاتبه : آنسه !! أنا اسمي نسرين و بس.
قال رفعت طه موجهاً حديثه لحفيدته : مش تعرفيني على الآنسه صديقتك.
قالت نسرين : دي تبقى جنه أمينة المكتبه الجديده.. و ده جدو رفعت.
قالت جنه بصوت خفيض : تشرفت بحضرتك يافندم.
قال رفعت طه : لا ..انتي تقوليلي جدو.. زي ما كل صحاب نسرين بيعملوا.
قالت جنه بتلعثم : بس أنا و نسرين مش..
قاطعتها نسرين : الله مفيش بس.. و بعدين انتي شكلك مش عايزانا نبقى اصحاب و لا ايه الحكايه؟
ابتسمت جنه قائله : لا طبعاً.. دي حاجه تشرفني.
ابتسمت نسرين هي الأخرى و قالت : طب يلا اتفضلي معانا زي الشاطره ، تغيري هدومك و تتعشي معانا.
قالت جنه بحرج : متشكره جداً.. بس أنا لازم أروح السكن دلوقتي.
تدخل رفعت طه قائلاً : تروحي ازاي و إنتي كده ..مشيراً بيده إلى مظهرها ..و أكمل : كده ميصحش.
نظرت جنه لملابسها التي لم تلحظ سابقاً أنها اتسخت بالوحل ..فالجد معه حق كيف ستُكمل سيرها في الشارع و إلى السكن بهذه الصوره.
قالت نسرين : وبعدين بيتنا قريب و أشارت بيدها إلى نقطه ما خلف جنه .. و أكملت: كلها خطوتين و نوصل.
قالت جنه بخجل : أنا مش عايزه اسببلكم إزعاج.
قالت نسرين بمرح : إزعاج ايه يا بنتي.. ده انتي هتنورينا ، يلا يلا بعدين تاخدي برد بالهدوم المبلوله دي.
أذعنت جنه و تابعت السير معهما ، رغم الألم الذي تشعر به في قدمها و لكن الشيء الذي خفف عنها هو بطْ سير الجد.. فاستطاعت الوصول إلى الفيلا خاصتهم دون أن يظهر مدى الألم الذي تعانيه.
********************************
غادرت جنه غرفة نسرين بعد أن أعارتها الأخيره بعض من ملابسها ، و نزلت الدرجات لتجد د.نوال في انتظارها والتي أصرت على بقائها لتناول العشاء معهم هذه الليله.
وبعد أن أنهى الجميع تناول العشاء استأذنت جنه بالمغادره.
قالت نوال : لا مينفعش تروحي دلوقتي .. الوقت أتأخر و المطره جامده و نسرين سواقتها مش اد كده،أخاف تعملوا حادثه.
قالت نسرين : أنا سواقتي مش اد كده ! بس أنا بجد مش بحب أسوق و الدنيا بتمطر، و عبد الله مش هنا و إياد قال إنه هيتأخر و هيبات في شقته.
قالت جنه : ما أنا هآخد تاكسي.
هتفت نسرين : تاكسي ايه فالجو ده.
قالت نوال بحزم : انتي هتباتي معانا الليه، و بكره الصبح هتروحك نسرين السكن.
قالت جنه بفزع : لا لا مقدرش.... المشرفه قالت ممنوع البيات بره السكن.
قالت نوال : هو انتي ناسيه يا جنه، السكن ده أنا المسئوله عنه، و دلوقتي بنفسي هاكلم المشرفه و اشرحلها الظروف متقلقيش.
قالت جنه مره أخرى : ما أنا ممكن آخد تاكسي ..مفيش داعي أزعجكو.
قالت نوال : و بعدين معاكي.. اسمعي الكلام، و لا انتي مش معتبراني في مقام والدتك.
اضطرت جنه للمبيت في فيلا الحداد ، فهي من جهه ما زالت خائفه من أحداث ليلة رأس السنه و لا تريد العوده في ساعه متأخره مع سائق ربما أوصلها و ربما تركها كمل فعل ذلك السائق تلك الليله.
و لكن النوم جافاها بسبب الالم في قدمها.. و مع بزوغ الفجر..أدت صلاتها ثم خرجت بهدوء من غرفة نسرين حتى لا تزعجها ، و هبطت الدرجات باحثةً عن مسكن لآلامها فلقد لاحظت بعض الأدويه الخاصه بالجد و من ضمنها المسكنات موضوعه على منضده في الصاله.
أضاءت المصباح الموضوع على المنضده التي تحتوي على الأدويه، و تناولت حبه من شريط الدواء المسكن ، ثم أطفأت المصباح و اتجهت إلى المطبخ لإحضار كوب من الماء...أضاءت النور و تناولت المسكن مع رشفه من الماء و استدارت لتغادر المطبخ... وضعت كوب الماء على الطاوله ثم شهقت مفزوعه.....!
**************************
قال إياد و هو يمعن النظر إليها غير مصدقاً لما يراه : إنتي بتعملي ايه هنا ؟!!!!!!!!!!!!!!!
بقيت جنه مسمره في مكانها من شدة الفزع..ووضعت يدها على صدرها محاولة تهدئة ضربات قلبها.
فقال إياد : أنا آسف .. شكلي خضيتك.
أومأت جنه برأسها .. فتقدم إياد محضراً كوب الماء الذي وضعته على المنضده و قال : اشربي شويه.
تناولت جنه كوب الماء من يده فلقد جف حلقها من شدة الفزع و قالت بعد أن شربته جرعةً واحده : متشكره.. ثم التزمت الصمت مره أخرى ، لا تدرِ ما تقول فقد ألجمها الحرج من الكلام و للمره الثانيه تضع نفسها في موقف محرج أمامه.
**********************************
أدهشه وجودها هنا.. في بيته.. و مطبخه ..في هذه الساعه المبكره و بهذه الملابس فقد كانت ترتدي بيجامه وردية اللون كتلك التي تقتنيها نسرين !
تملكه الفضول ..أراد إعادة سؤاله ولكنه تريث قليلاً.. فلقد أسَره منظرها الذي لو تحدث لقال " يارب الارض تنشق و تبلعني " .. ابتسم و تابع تأملها رغم علمه بمدى حرجها فا هو اللون الأحمر القاني قد زحف إلى وجنتيها .. تُرى هل زحف هذا اللون لباقي.... أغمض إياد عينيه لثوان ، صارفاً عنه تلك الأفكار و ليُوقف سيل التخيلات.. صحيح أن هناك شيء ما يجذبه إليها .. و لكن عليه أن يحكم عقله ليمنعه من الاسترسال و الانغماس في تلك الأفكار... فلقد اكتفي من هذا النوع من النساء العاطفيات.. و لقد حسم قراره منذ فتره و مستقبله يتضمن امرأه متزنه قويه تُحكم عقلها في قراراتها و ليست ضعيفه كساره..أو كالماثله أمامه.
عاد ليقول بحزم : أنا مش قصدي أحرجك.. أهلاً بيكي هنا فأي وقت ، بس برده أنا لسه مفهمتش انتي بتعملي ايه هنا ؟
حاولت جنه استرجاع لسانها الذي أكلته القطه كما يُقال ، و قصَت عليه ما حدث معها و أضافت : عن اذنك أنا لازم اطلع دلوقتي و إن شاء الله أول ما نسرين تفوق هاروح السكن.
لم تنتظر لتسمع ما قاله.. خرجت من المطبخ و صعدت الدرجات بسرعه.. ثم دلفت إلى غرفة نسرين لتفاجأ بازدياد الآم قدمها .. فيبدو أن حبة المسكن لم تأتِ بثمارها.. بل العكس أحست بدوار شديد و سقطت على الأرض محثه صوتاً مدوياً.. و لسبب ما لم تستطع النهوض و كأن ليلتها لم تكن حافلة بالمواقف المحرجه.
****************************
استفاقت نسرين على صوت ارتطام شديد، أضاءت المصباح بجوارها و أزاحت الأغطيه ملقيه نظره على غرفتها لتفاجأ بجنه ملقاه على الأرض ، نزلت من فراشها و هرعت بجوار جنه.
سألت نسرين بقلق : جنه..مالك..انتي سمعاني ؟
قالت جنه بصوتٍ واهنٍ : مش عارفه مالي .. حاسه عنيا مزغلله و مش قادره أصلب طولي.
قالت نسرين : طب هاتي ايدك و اتسندي عليا.
مدت جنه يدها لتساعدها في النهوض و بعد أن وضعتها نسرين على السرير سألت : ايه اللي حصل ؟
قالت جنه : أبدا خدت حبه مسكن من تحت ، و مش عارفه شكلها سببتلي دوخه باين.
قالت نسرين : مسكن من بتوع جدو ؟
أومأت جنه برأسها ، لتشهق نسرين : اوعي تكوني شربتي حباية السكر.. لا ده أكيد شربتيها.. عشان كده حصلك هبوط.. استني هجبلك عصير و حاجه حلوه تاكليها.
و في ثوان كانت نسرين خارج الغرفه.. لتعود بعد قليل و في يدها كوب من العصير و بعض الحلوى.
شربت جنه العصير لتحس بالتغير السريه في حالتها و قالت : الحمد لله ..أنا دلوقتي أحسن.
قالت نسرين : ما أنا مره خدتها بالغلط و حصلي زيك بالظبط...عموماً دلوقتي ننزل نفطر سوا و لازم تاكلي كويس لان الحبايه دي اكيد خفضت السكر فجسمك.
شكرت جنه نسرين على اهتمامها بها .
********************************************
و بعد حوالي الساعه نزلت جنه برفقة نسرين التي أصرت على تناولها طعام الافطار معهم قبل توصيلها للسكن ، و رغم تحسن حالة جنه إلا أنها لم تجد بداً سوي الموافقه فليس من اللائق أن تترك نسرين توصلها و هي لم تتناول بعد طعام الافطار.
***********************************************
لم تكن جنه الوحيده التي شعرت بالإحراج على مائدة الافطار ، فمع وجود كريم حاضراً هذا الصباح لتناول الافطار معهم كعادته .. تمنت نسرين لم لم تصغِ لنصائح مايا و لكن لا فائدة الآن من الندم.
قال كريم موجهاً سؤاله لجنه : انتي درستي هنا .؟
أجابت جنه : لا..فجامعة القاهره.
قال كريم : مش فاهم !
قال إياد بضيق : هو إيه اللي مش فاهمه !
قال كريم موضحاً : أقصد يعني انتي من هنا و لا القاهره.
شعرت جنه بالضيق من أسئلة هذا الشاب الذي عرفته د. نوال بأنه صديق إياد و بمثابة ابن آخر لها .
أجابت : القاهره .. بس استقريت هنا.
عاد كريم ليسأل من جديد : مش فاهم استقريتي يعني عايشه هنا لوحدك و لا مع أهلك.
أجابت جنه بحرج : أنا ساكنه في بيت الطالبات.
فقال كريم : برافو عليكي أنا بحب البنت اللي تكون اندبندت .. ودلوقتي بتحضري ماجستير هنا ؟
تدخل إياد قائلاً : جنه بتشتغل فالمكتبه..أمينه المكتبه الجديده.
ثم لكز صديقه بقدمه هامساً : كفايه تحقيق.. مش شايف مكسوفه ازاي!!!
ولم يكن إياد الشخص الوحيد المنزعج من أسئلة كريم فلقد كانت الغيره تعصف بقلب نسرين من هذا الاهتماما الذي أبداه كريم بجنه ..و كأنه لم يكن كافياً الاذلال الذي شعرت به ليلة رأس السنه.لتأتي الغيره و تمزق كيانها..حسناً هذا يكفي ..عليها أن تداوي نفسها من هذا الداء المسمى كريم..حان الوقت لاتخاذ خطوه إلى الأمام.. و لكن بدون أن تشمله في أي من مخططاتها.
بعد تناول الافطار جلس الجميع يستمعون للجد رفعت طه و معهم جنه بعد أن أصر الجميع على بقائها .. و لم تندم على مكوثها فقد كان حديث الجد رفعت طه شيقاً جداً.. ووجدت نفسها مرات عديده و الدموع تملأ عينيها خاصه عندما حدثهم عن يوم إصابته و المكان الذي ظن أنه الجنه.
و بدون أن تعي بنفسها قالت : انا كمان كنت فاكره اني مت و رحت الجنه.
أثار تعليقها استغراب الجميع .. ليسأل إياد مازحاً : هو انتي كمان كنتي بتحاربي مع جدو.
ردت جنه بتلعثم بعد أن رأت جميع الأنظار مصوبه نحوها : أصل حصلتلي حادثه و افتكرت يوميها اني مت و إن المكان اللي شفته هو الجنه.
صاح رفعت طه : أخيراً لقيت حد زيي.. اهو يا عم إياد عشان تصدق.
قال إياد بعتاب : أنا طول عمري بصدقك يا جدي.
قال رفعت طه بأسى : يمكن زمان .. لكن دلوقتي مظنش.
قال كريم موجهاً سؤاله لجنه : طب ممكن توصفيلنا المكان اللي شفتيه.
قالت نسرين بعصبيه : مكان ايه ... دي اكيد كانت بتخرف.!
شعرت جنه بالحرج الشديد من طريقة نسرين في الحديث عنها .. و نهضت من مكانها لتقول : أنا اتأخرت و لازم اروح دلوقتي.
قالت نسرين و قد شعرت بالخزي لاحراجها جنه : ثوان هاخرج العربيه و اجي اوصلك.
قال كريم امراً : لا استني...أنا كده همر عن سكن الطالبات..هاوصلها فطريقي و اروح المطعم.
قالت جنه بحزم : أنا هآخد تاكسي.. مفيش داعي تتعبكو نفسكو.
قال كريم : مفيش تعب ولا حاجه .. ده فطريقي.
قاطعته نسرين بحنق : معلش انا وعدتها اني هوصلها...
قال إياد : انا عربيتي بره هاوصلك.. قالت نسرين : و انا هاجي معاكو
و في الطريق أصرت ن
" سوداء ..كانت تلك الليله "
-------------------------------------------------
توقفت جنه عن الصراخ ..ودعت ربها أن يقف بجوارها.. لاحظت ارتباك يديه الشديد..اذن ربما عليها التوقف عن الحركه لتنتظر أن يخف ثقل جسده عنها.. بعد أن مزق قميصها بالفعل تحرك قليلا و أخفض رأسه لينزع عنها تنورتها...استغلت تلك الفرصه و ضربته بمرفقها على أنفه لتفاجأ بصراخه الشديد و شلال من الدم انساب على جسدها...و الأهم انه أفلت يديها .. سددت له ركله في معدته و نهضت تعدو بسرعه شديده مطلقه العنان لصوتها بالصراخ بأقصى ما استطاعت و لكن حولها أشجار و ظلام فقط ..
استمرت جنه بالعدو و الصراخ حتى لاح لها ضوءاً من بعيد أسرعت الخطي باتجاه ذلك الأمل و عندما وصلت لبقعة الضوء تلك سقطت مغشياً عليها من كثرة الاجهاد .. و بعد لحظات أحست بيدين ترفعها لتقف على قدميها و صوت يطمأنها بقوله : متخافيش...متخافيش مش هاعملك حاجه...
و لكن لم تدم تلك الطمأنينه فسرعان ما أضاءت الأنوار المكان.. لتفاجأ بجيش من الشرطه و أحدهم يصرخ قائلاً : محدش يتحرك...و ايدكو مرفوعه لفوق .
و بسرعة البرق كانوا محاطين بالعساكر و هي و ذلك الرجل ... ووجدت نفسها مكبلة معه بالكلابشات
،فعادت دموعها للانهمار مره أخرى.
الرجل : ايه اللي بتعملوه ده ... دي ملكيه خاصه فين اذن النيابه ..
استمر الرجل فالجدال معهم و لكن بدون جدوى .
و عندما اقتادوهم ليركبوا سيارة الشرطه صاح الرجل بعنف : طب استنوا خلوها تلبس الجاكيت بتاعي.
لم تكن جنه واعيه بمظهرها فبعد الرعب الذي انتابها من محاولة الاعتداء عليها لم تفكر سوى بالفرار لتهرب و تفاجأ بهذه الورطه... كلمات الرجل جعلتها تنظر لجسدها ما زالت ترتدي تنورتها و حقيبة الكروس.. و فقط ملابسها الداخليه تحت تلك الحقيبة.وقتها فقط استعادت صوتها و توسلتهم ان يدعوها ترتدي شيئا يسترها
أجابها أحدهم : مينفعش ...امال ازاي هنثبت إننا مسكناكي بالجُرم المشهود..
و قال اخر: اه انتو ناس واصله و بكره تقولوا لفقنالكو قضيه.
و لم تنفع محاولات الرجل لاقناعهم بفك قيده ليعيطيها سترته لترتديها ..لتصل الى قسم الشرطه بتلك الحاله..
توقفت سيارة الشرطه امام المبنى و ترجل الجميع ..
اقتاد العساكر جنه و الرجل إلى داخل القسم...كانت جنه غارقه في بؤسها ..لم تعي هي أو الرجل الذي بجوارها أن أحداً ما التقط عدة صور لهم و هم يقتادوهم داخل القسم .
******************************
كان منظر العساكر و هم يقتادون ذلك الرجل و برفقته تلك الفتاه شبه العاريه مألوفاً بالنسبه لصحفي مثل معتز ، فتغطية أخبار الفضائح بل و البحث عنها من صميم تخصصه و كما هي العاده قام بالتقاط عدة صور لذلك المشهد الذي كثيراً ما رآه يتكرر في المدينه الكبيره ، لم يتوقع حدوثه هنا أيضاً .. ولكن ما الضرر سيحتفظ بتلك الصور فلربما أفادته لاحقاً.
أراد تتبع هذه الحادثه و لكن بعد يوم طويل من السفر ، كان يعاني من الاجهاد، لذا قرر أن يؤجل هذه المهمه لوقت اخر .
أطفىء عدسة الكاميرا ووضعها في الحقيبه ثم انطلق الى الفندق الذي سيبيت فيه ريثما يجد سكناً مناسباً .
**********************************
سمح الضابط بادخال المشبتهين بالتورط في ذلك السبق بعد أن استمع لروايه مفصله من العساكر عن كيفية إلقاء القبض عليهم متلبسين بفعل فاضح، و ما إن وقعت عيناه على الرجل حتى صاح قائلاً: ايه اللي عملتوه ده.. ووجه كلامه للرجل : احنا اسفين يا بشمهندس اكيد حصل لبس .
أمرهم بفك قيده في الحال و أكمل : البشمهندس إياد من أكبر المتبرعين لحملة إيقاف السبق .
و فور فك قيده قام إياد بخلع سترته و وضعها على جنه و قال محادثاً الضابط : أنا مش مهم عندي إنه حصل لبس ده وارد جداً.. لكن أنا مشمئز من الطريقه اللي تعاملوا بيها معاها و أشار الى جنه.
و أكمل : دول رفضوا حتى تاخد الجاكيت تلبسه مسافة ما نصل القسم..دي مهما كانت بنت و كمان فالجو التلج ده ... هو معدش فيه انسانيه.
أكمل إياد الحديث مع الضابط الذي بدوره اعتذر منه
الضابط : احنا اسفين جدا و حضرتك تقدر تتفضل تروح حالا..
إياد : طيب و البنت هتعموا معاها ايه؟
الضابط : لازم نحقق معاها .. على حسب رواية حضرتك ممكن جدا تكون ضمن الشله بتاعة السبق أو بتشتغل عندهم حضرتك فاهم طبعا يعني واحده ماشيه بالمنظر ده...
قاطعه إياد : منظر إيه.. دي كانت ميته من الرعب.. أكيد في حد حاول يأذيها .
الضابط: عموماً دلوقتي أنا هآخد أقوالها .. و حضرتك مره تانيه أنا آسف و تقدر مشكور تتفضل تروح .
إياد : أنا مش هاروح الا ما آطمن عليها الاول.
الضابط : براحتك يا فندم ..بس يا ريت تتفضل تستنى في الاستراحه.
إياد : بعد اذن حضرتك أنا حابب استنى هنا .
الضابط : طب يا ريت يكون حضورك بصمت و متتدخلش في التحقيق.
لم يستطع إياد المغادره و تركها وحيده .. فلقد تربى على وضع نفسه في موضع الغير، هل لا قدر الله لو كانت نسرين في مثل هذا الموقف ، كان سيتمنى أن يقف أحد بجوارها، على الاقل حتى يصل أهلها و يقدمون لها الدعم و الامان ... و تذكر في هذه اللحظه جده البطل رفعت طه .. ما كان سيتركها وحيده فبشكل أو باخر هما الاثنان ألقي القبض عليها بنفس التهمه و لكن نظراً لاسمه و مركزه ألقى الضابط عليه نظرة واحده و نطق بحكم الافراج و بدون تحقيق... نعم سينتظر وصول أهلها ..
ثوان و أُحضرت جنه لتمثل أمام الضابط و بعد أن روت ما حدث لها تلك الليله قال الضابط : طب أنا محتاج اتأكد فعلا من كلامك و لغاية ما ده يحصل هتفضلي هنا معانا فالحجز.
تدخل إياد قائلا : بيت الطالبات اللي ذكرت اسمه ده ملك لعيلتنا و أنا اقدر اتأكد لحضرتك إنها فعلا كانت جايه البيت و إنه في حجز باسمها لاول السنه .
الضابط: مش ده المهم .. هي رافضة تدينا عنوان أهلها و بالمنظر اللي اتمسكت بيه و أقوال العساكر بقت شخص مشتبه بيه جدا و لكن مفيش دليل ملموس فمقدرش أخلي سبيلها بناء فقط على عنوانها في بيت الطالبات لانها حاليا مش مقيمه هناك ..كده هاكون باخد ريسك كبير يعرضني للتساؤل .
قالت جنه من بين دموعها : و الله انا بقول الحقيقه ومليش علاقه فالسبق ده خالص .
الضابط : و أنا مش طالب كتير ..طب بلاش عنوان أهلك مفيش حد من معارفك يمضي تعهد إنه يضمنك و في حال حصلت حاجه و مقدرناش نوصلك يكون هو المسئول قدامنا.
نظرت جنه الى الضابط بيأس ..و من ثم أشاحت بنظرها الى مَن حاول حمايتها ..و ما زال مستمرا بالدفاع عنها ..ثوان و أعادت نظرها للارض لتسمع صوته : بما إنها هتقيم عندنا .. أنا هاضمنها يا حضرة الظابط.
الضابط : حضرتك عارف معنى كلامك ايه ؟
إياد : اكيد يا فندم
شعرت جنه بالامتنان الشديد تجاه إياد.. فمجرد عرضه ليضمنها قام الضابط باخلاء سبيلها بعد أن وقع إياد بعض الاوارق.
*************************
صرخ الحضور حول نسرين :Happy new year و تلاشى مع صراخهم صوت كريم الذي قال بعد أن ابعدت شفتيها عن شفتيه : أنتي اتجننتي..ايه اللي عملتيه ده !!!!!!!!!!!!!!!!
لم تستطع النظر الى عينيه .. لم تستطع ان ترى كيف شوهت صورتها أمامه.. فرد فعله العنيف على تصرفها أخبرها الكثير... نعم لا تريد رؤية كلمة رخيصه محفوره في نظرته لها...
و في غضون ثوان كانت في السياره تخبر عبد الله أن يصطحبها إلى المنزل حالاً .
********************
خرجت جنه من قسم الشرطه متدثرة بسترة الرجل الذي وقف بجوارها و ساندها،فلولا كرمه لكانت قضت ليلتها في داخل السجن، وقفت أمام المبنى تنتظر أن يخف هطول الامطار، لا تدري أين تذهب و كيف ستصل لبيت الطالبات في هذه الساعه ،كانت خائفة جداً من العوده إلى الطريق بعد محاولة الاعتداء عليها و التي لم يوليها الضابط أي اهتمام لانها لم تستطع أن تصف المعتدي عليها فقد كان الظلام حالك جدا و كل ما تعرفه أنه اطول منها بكثير و رائحة أنفاسه كريهه جدا،وضعت يديها داخل الستره لتبث فيهما بعض الدفء لتعثر في الجيب الأيمن على هاتف،ربما ..بل بالتأكيد إنه هاتف منقذها، التفت تبحث عنه قبل أن يخرج فوجدته واقفاً خلفها يتحدث مع شخص ما، أرادت التقدم و ارجاع الهاتف ليسبقها هو منادياً استني.
تسمرت جنه في مكانها و انتظرت حتى أصبح أمامها و قال : استنى هوصلك .
لم تستطع النظر إليه فما زالت محرجه جدا خاصه بعد رؤيته لها عن قرب بتلك الحاله و لكنها قالت : اتفضل الظاهر ده الموبايل بتاع حضرتك كان في جيب الجاكيت و متأسفه مش هاقدر ارجعلك الجاكيت دلوقتي بس اول حاجه هاعملها بكره ان شاء الله اني ارجعهالك .
ابتسم إياد رغماً عنه و لسان حاله يقول : هو انتي في ايه و لا ايه ....
قال إياد : الجاكيت تقدري طبعا تحتفظي بيها زي ما انتي عايزه، ثانياً : انا عايز افهم انتي ازاي كنتي ماشيه لوحدك في ساعة زي دي، وليه مقلتيش للظابط عنوان اهلك .
آثرت جنه الصمت فتلك الاسئلة من الصعب الاجابة عنها الآن.
إياد : طب براحتك ، و يلا اتفضلي اوصلك.
جنه: لا متشكره جدا لحضرتك، انا هوقف تاكسي.
إياد: تاكسي ايه اللي توقفيه دلوقتي و في الجو ده ، و آسف بس انتي مش شايفه شكلك عامل ازاي !
بل كانت تعرف جيدا كيف تبدو ، و لكن هل تستطيع الثقه به بعدما حل بها الليله .
و كأنه قرأ أفكارها و قال : أنا عارف إنك ممكن تكوني خايفه بعد اللي حصل معاكي الليله و لو تحبي نرجع عند الظابط و أمضي كمان تعهد أني اوصلك صاغ سليم لغاية بيت الطالبات .
لم ترد جنه في الحال و تذكرت كيف تصرف معها عندما حلت الشرطه و إصراره على مساعدتها و بالاخص فور فك قيده عندما ألبسها سترته..فكرت قليلا و حسمت قرارها بالتأكيد تستطيع الوثوق به
جنه : انا مش عايزه اتعبك اكتر من كده، و آسفه اني لسه مشكرتش حضرتك على وقفتك معايا قدام الضابط
إياد : مفيش داعي و يلا اتفضلي كمان شويه الفجر هيدن.
ركبت جنه في المقعد الخلفي و ركب إياد بجوار السائق الذي عرفه لها بأنه حارسه الشخصي.
و من ثم صاد الصمت طوال الطريق و عندما توقفت السياره ترجل إياد كما فعلت هي المثل .
إياد : المشرفه اجازه انهارده بس انا كلمت المساعده بتاعتها و المساعده هتستقبلك .
ثم أضاف : على فكره هي حد ثقه جدا عند والدتي و انا حكتلها اللي حصل و هي هتساعدك و تأكدي محدش يعرف حاجه.
جنه : أنا متشكره جدا لحضرتك، كتر خيرك اوي.
إياد : أنا هاكلم المساعده عشان تنزل تفتحلك الباب.
و بالفعل قام بمحادثتها و بعد دقيقتين فتحت البوابه و أطلت منها شابه ربما في اوائل العشرينات و قالت : ازيك يا بشمهندس معلش انت عارف القوانين مش هقدر اقولك لحضرتك تتفضل.
إياد: طبعا و أرجو نفضل على اتفاقنا مش عايز حد يعرف التفاصيل.
المساعده : طبعا يا بشمهندس
غادر إياد المكان لتبادرها المساعده بالقول: متقلقيش و اتفضلي معايا هعرفك اوضتك فين و بكره ان شاء الله توقفت فجأه عن الحديث واضعه يدها على فمها لتقول : اا نا لما قريت اسمك قلت يمكن تشابه أسماء بس مش معقول دي انتي بجد يا جنه.
أمعنت جنه النظر إلى مُحدثتها ، ثم هتفت غير مصدقه : سماح !
****************************
استيقظت جنه من نومها مفزوعه من أحداث الليله القاسيه التي مرت بها و إن كانت نهايتها سعيده.. فقد اجتمعت مره أخرى بصديقة طفولتها سماح ، و ها هي تقطن معها في نفس شقتها ببيت الطالبات بعد أن أصرت سماح على ذلك.
فنظراً لعمل سماح كمساعده للمشرفه في البيت استطاعت أن تحصل على شقة بمفردها في هذا السكن و بأجره معقوله.
أزاحت جنه الغطاء و من ثم دلفت إلى الحمام و توضأت لتصلي الفجر ، وجدت سماح هي الأخرى مستيقظه و على سجادة صلاتها..نادتها سماح لتصليا جماعه.
قالت سماح بعد أن انهيتا صلاة الفجر : احكيلي يا جنه ايه اللي جابك هنا و ازاي طنط عليا.. وحشتوني اوي اوي يا جنه.
أجابت جنه بصوت حزين : ماما توفت بعد ما جيت وودعتك بشهور..
قالت سماح بأسى : الله يرحمها.. أنا اسفه يا جنه مكنتش أعرف يا حبيبتي.
أكملت جنه : بعدها توفي جدي و فضلت قاعده في بيت خالي.
سألت سماح : و دلوقتي جايه هنا تكملي دراستك؟
هزت جنه رأسها نافيه ثم روت لصديقتها ما حل بها في بيت خالها و كيف اضطرت إلى الفرار.
قالت سماح و الدموع تملأ عينيها : انتي كمان كانوا هيجوزوكي غصب عنك.
قالت جنه غير مصدقه : عشان كده كنتي هتسافري.. عشان هتتجوزي !
أجابت سماح بحسره : أيوه ..أهلي الله يسامحهم باعوني لراجل زغلل عينيهم بقرشين.
قالت جنه باكيه : ده انتي كنتي طفله مكملتيش 14 سنه.. ازاي اصلا ده ممنوع فالقانون.
قالت سماح : ما هو الجواز كان على يد شيخ و من غير ما يتوثق.
قالت جنه : طب ليه مقلتيش الحقيقه وقتها.. ليه يمكن ماما كانت قدرت تساعدك.
قالت سماح : كنت طفله بتخاف موت من أهلها و كانوا محرجين عليا مجبش سيره لحد و لا حتى ليكي.
قالت جنه : و جوزك فين دلوقتي.
قالت سماح : دي حكايه طويلة.
قالت جنه برجاء: ما احنا قاعدين احكيلي .
قالت سماح : ابدا بعد ما اتجوزنا بحوالي سنه دخل السجن و ده لانه نصاب .. و المصيبه كان متجوز و عنده بنات.. المهم بعد ما دخل السجن مراته طفشت و أنا بمساعدة جارتنا قدرت أعرف طريق الدكتوره نوال و هي ساعدتني و رفعتلي قضية طلاق و كانت صعبة لانه مكنش في عقد يثبت جوازنا .. لكن كتر خيرها فالنهايه قدرت تساعدني و اطلقت .. و سكنت هنا و بقيت اشتغل فالمصنع تبع الجمعيه بتاعتها و الحمد لله عشان ليا فتره كبيره ساكنه هنا و بشتغل معاهم بقيت مساعدة المشرفه فالسكن و المشرفه على البنات الجداد فالمصنع و الحمد لله ببعت مصروف لاختي عشان تكمل تعليمها و ميعملوش فيها زي ما عملوا معايا.
ثم سألت : و انتي بقى هتكوني أمينة المكتبه الجديده .. مش كده .. المشرفه قالت انك هتكوني هنا امبارح .. بس اتأخرتي اوي ..
قالت جنه : بس الحمد لله وصلت .
قالت سماح : كتر خيره البشمهندس إياد..
قالت جنه : فعلا .. راجل شهم اوي .. لولاه مكنش الظابط هيسبني امشي.
قالت سماح : انهارده اجازه.. هاخدك و اعرفك المكان و الدنيا هنا شكلها عامل ازاي.
قالت جنه معانقة صديقتها : وحشتني اوي يا سماح.
قالت سماح : انتي أكتر . انتي أكتر يا جنه.
************************************
اليوم هو أول أيامها في العمل ..لذا استيقظت جنه باكراً جداً حتى لا تتأخر عن موعد الدوام حيث ستكون
د. نوال بانتظارها فالمكتبه لتشرح لها طبيعة عملها.
دلفت إلى المكتبه بعد أن حياها الساعي ..وجدت د. نوال بانتظارها.
قالت د. نوال فور رؤيتها لجنه : برافو عليكي ..جايه عالمعاد بالثانيه.
قالت جنه : متشكره يا د.نوال .. و انا سعيده جداً إنك اخترتني للوظيفه و إن شاء الله هاكون عند حسن ظن حضرتك.
قالت د. نوال : الحقيقه بنات كتير اتقدموا للوظيفة.. و كلهم مؤهلين.. بس عارفه اخترتك انتي ليه بالذات ؟
سألت جنه بفضول : ليه ؟
أجابت د. نوال : الخاطره بتاعتك اللي أضفتيها للسيره الذاتيه .. بعنوان " عشقي الأول القراءه" حسيتها طالعه من قلبك بجد و دخلت قلبي .. بس يا ستي و اديكي هنا .
قالت جنه بخجل : فعلاً القراءه هوايتي المفضله.
قالت د. نوال : طب دلوقتي تعالي أديكي جوله فالمكتبه و أعرفك بالظبط مسئولياتك.
تبعتها جنه مصغيه لها بتركيز شديد و بعد حوالي الساعتين أنهت نوال تعليماتها و تركت جنه لتولي زمام الأمور بعد أن قامت بتعريفها على ساعي المكتبه عم فريد .. و الذي سيقوم بفتح المكتبه و إغلاقها يومياً.
جلست جنه على مكتبها و فتحت جهاز الحاسوب مدخلة كلمة السر التي أعطتها إياها د. نوال و بدأت بالتعرف على الكتب الموجوده و تصنيفاتها المضافه على أحد برامج الحاسوب.
************************************
سأل إياد : كلمت مساعدة المشرفه بتاعة سكن الطالبات ؟
أجاب عبدالله : أيوه.. بس قالت إن الآنسه جنه ملهاش رقم.
سأل إياد باستغراب : ازاي يعني ملهاش رقم ؟
قال عبدالله : الآنسه سماح بتقول معندهاش موبايل .
نقر إياد على مكتبه مفكراً .. ثم قال : دلوقتي حالاً تجبلي موبايل أحدث ماركه.
قال عبد الله : نص ساعه و هيكون عند حضرتك.
أومأ إياد برأسه شاكراً لينصرف عبدالله إلى مهمته.
يومان .. مضى يومان، و لم يستطع إياد أن ينحي صورتها من رأسه..جنه فتاة رأس السنه ، فلسبب لا يفهمه بات يشعر بالمسئوليه تجاهها و أراد أن يطمئن على حالها ، هل استطاعت أن تتعافي من أحداث تلك الليله و تستقر في وظيفتها الجديده أم تُراها عادت إلى بيت أهلها مره أخرى ، و تساءل ما الذي دفعها للهرب منهم ، أم أنها كما قال الضابط نورالدين ربما متورطه مع شلة السبق ، و لكنه استبعد هذا الاحتمال فبراءتها و هيئتها تدل على أنها فتاة بسيطة و بريئة جداً ، و احتياطاً سيُبقى عينه منها ففي النهايه هو من تحمل مسئوليتها أمام الشرطه ، فحرياً به أن يتأكد بأنها لن تجلب له أي نوع من المتاعب خاصه و أنها ستعمل لديهم فالمكتبه.
*****************************
حملت جنه مجموعة الكتب العتيقه مستنشقه رائحتها التي باتت تذكرها بأيام طفولتها ، ووالدتها التي كثيراً ما ابتاعت لها تلك الكتب نظراً لرخص ثمنها و غلو ما فيها من مضمون.
أعادتها سريعاً إلى مكانها فور سماعها أصوات قادمه من البوابه ، أهو أول زائر أو بالأحرى قارىء ستستقبله في يومها الأول هنا ، عدلت هندامها ووقفت منتظره دخوله ... و يا لمفاجأتها !
قال إياد محيياً : السلام عليكم..ازيك يا آنسه جنه ؟
على الفور خفضت جنه بصرها إلى الأرض ، فهي لا تقوى على النظر مباشرةً لعينيه ، اللتين رآتا و بصرتا هيئتها تلك الليله.
ردت جنه بصوت خفيض : الحمد لله .
قال إياد : أن شاء الله تكوني أتأقلمتي ع الجو و الشغل هنا فالمكتبه .؟
أجابت جنه : انهارده أول يوم ليا هنا.
قال إياد : صحيح.
سألت جنه و ما زالت تشيح بنظرها عنه : أي خدمه أقدر أقدمهالك.
أجاب إياد على الفور : اه الحقيقه في خدمه ضروري تنفذيها.
سألت جنه بقلق : خير يا بشمهندس ؟
قال إياد بهدوء : زي ما انتي عارفه أنا دلوقتي مسئول قدام الظابط عنك.
قالت جنه ممتنه : و ده جميل عمري ما هنساه لحضرتك.
قال إياد : و عشان أكون مطمن إنه مش هتحصل مشاكل ، عاوزك تاخدي الموبايل ده .. و قام بأخراجه من جيبه ثم أضاف : يعني في حال سألني الظابط عنك تكون أخبارك عندي أول بأول.
وضع الهاتف على المكتب ثم قال : فيه الرقم بتاعي لو احتجتي أي حاجه متترديش أنك تطلبيني.
قالت جنه بحرج : أنا عارفه إنه حضرتك خاطرت لما كفلتني عند الظابط و مش عايزه أكون سبب فمشاكل ليك.. بس مش هاقدر آخد الموبايل .. انا اسفه.
قال إياد : يعني افرضي الظابط مثلا اتصل يسألني انتي فين... هاعرف اازاي؟ و لا انتي عايزه تعمليلي مشكله .
قالت جنه : بس ده شكله غالي اوي.
قال إياد غير فاهماً مقصدها : فعلا..ده أحدث موديل.
قالت جنه بحرج: ما أنا كده مش هاقدر ادفعلك تمنه دلوقتي.
قال إياد مستنكراً : و مين قالك إني عايز تمنه.
قالت جنه بحزم : ما أنا مش هاقدر آخده الا لو دفعت لحضرتك تمنه ، و دلوقتي مش معايا فلوس كفايه.
ابتسم إياد و قال : خلاص اعتبريه هديه مني .
قالت جنه بتصميم : معلش أنا معرفكش كويس عشان أقبل هدايا من حضرتك.
لاحظ إياد التصميم البادي في عينيها و لأول مره منذ دخوله المكتبه تتلاقي نظراتها معه.
قال إياد : طب أول ما تقبضي تبقي تدفعيلي تمنه.
قالت جنه بخجل : بس..
قال إياد : بس ايه ، ماهو انتي لازم تاخدي الفون و لا عايزه تتسببيلي فمشكلة مع الظابط.
شعر إياد بتأنيب الضمير فمن المستبعد أن تتسبب له بأي مشاكل و لكنه أرادها و بشده أن تقبل الهاتف حتى يجد وسيلة للاطمئنان عليها دوماً.
قالت جنه و قد علت الحمره وجنتيها : أصل المرتب ميجيش اد قيمته.
زفر إياد و قال بعد تفكير : يبقى تدفعيلي على نظام أقساط، و أول قسط تدفعيه أول ما تقبضي و هكذا لغايه ما تسددي حقه ... كده كويس.
أومأت جنه برأسها ..فهي بالتأكيد لا تريد أن تتسبب بأي مشاكل له خاصه بعد مساعدته لها تلك الليله.
قال إياد : عظيم .. و زي ما قلتلك لو احتجتي أي حاجه تكلميني فوراً.
**************************
أسرعت ماهيتاب لملاقاة رمزي في المقهي الذي طلب منها الحضور إليه سريعاً... هل نجحت خطتها!
سأل رمزي مباشرة : إنتي كنتي فين ليلة راس السنه الساعه 7.
قالت ماهيتاب : و بتسأل ليه.
قال رمزي : أرجوكي تجاوبيني.
قالت ماهيتاب مدعيه عدم الفهم : كنت مع ماما في البيت ليه؟
قال رمزي: انتي متأكده.؟
قالت ماهيتاب: طبعاً يعني هاكون فين . ثم سألت : و انت بتسأل ليه؟
قال رمزي : معلش مش هاقدر اوضحلك.
قالت ماهيتاب : براحتك.. بس لو حكتلي يمكن اقدر اساعدك.
قال رمزي : متقلقيش أنا هاعرف آخد حقي كويس.
شعرت ماهيتاب بخيبة كبيره، فلم تفهم موقف رمزي، هل تسببت في مشكله بينه و بين ساره، أم فشلت خطتها.
أما رمزي فقد زُرعت بذور الشك في قلبه.. مستحيل أن يصدق أن زوجته الحبيبه ساره تخونه ، و لكن ما الذي جعلها تقابل إياد في شقته إن لم تكن ماهيتاب في خطر كما أدعت.. لا لن يصدق أن تكون خائنه.
ربما إياد هو من كذب عليها و استدرجها هناك ..ألم تُلمح ماهيتاب مراراً أن ابن عمها يكن مشاعراً لزوجته، هل تُخفي ساره محاولاته القذره معها خوفاً من المشاكل و قلقاً على مشاعر ماهيتاب.
بالتأكيد هذا هو السبب، و ذلك الحقير سيدفع الثمن غالياً..حتماً سيجد طريقه للنيل منه.
*****************************
في يومها الثالث ..أنهت جنه ترتيب الكتب الجديده و إدراجها في الرفوف المخصصه لكل مجال، نظرت إلى ساعتها التي شارفت على السادسه مساءً، ستضطر للمغادره الآن متأخره فلقد استغرقت وقتاً حتى تُلم بنظام المكتبه فلقد أرادت أن تثبت جدارتها ل د. نوال ، و لكن ما يعزيها أن الطريق بين المكتبة و السكن ليست بالبعيده و ما زال الشارع يعُج بالماره..حملت حقيبتها و همَت بالخروج و لكن حركةً ما خلف ركن الكتب المصوره أوقفتها.
وضعت يدها على صدرها لتُهدأ من ضربات قلبها المتسارعه فما زالت تعاني من أثر تلك الليله المشئومه.
أخذت نفساً عميقاً فلا داعي للخوف فحتماً ما زال الساعي موجوداً ينتظر إغلاق المكتبه في الخارج.
تقدمت من ركن الكتب المصوره حتى أصبحت خلفه تماماً، أزاحت بعض الكتب و أطلت برأسها..لم ترى شيئاً في البدايه و لكن عندما أشاحت ببصرها إلى الأسفل رأت صبياً صغيراً ربما في السابعه أو الثامنه من عمره ، أشعث الشعر و يرتدي ملابس رثة جداً ، وجدته يُحملق في أحد الكتب المصوره قابضاً عليه بيديه الصغيرتين.. يدين قذرتين جداً..أكملت تفحصها له، فيبدو أنه لم يلاحظ وجودها بعد.. لترى أنه حافي القدمين..أرجعت رأسها إلى الخلف عندما رأته يلتفت يميناً و يساراً ليُعيد تلك الحركه مرتين و كأنه يريد التأكد أن لا أحد يراقبه ، ثم و بخفه شديده أخفى ذلك الكتاب في سترته و انطلق راكضاً.
نادت جنه على الساعي و أمرته بإغلاق المكتبه ، و من ثمَ خرجت للبحث عن هذا الصبي ، فاليوم هو ثالث أيامها في العمل و لن تنهيه بفقدان أحد الكتب حتى لو كان من سرقها صبي صغير ، ستجده و إن استطاعت أن تساعده ببعض المال ستفعل فالمهم أن يكف عن السرقه.
خرجت من المكتبه لتجده واقفاً في زاويه أسفل عمود النور..انطلقت في اتجاهه ، و عندما شاهدها أسرع هارباً ، لحقت به راكضةً خلفه ، لم تدرِ أي منطق تملكها لتتبعه من شارعٍ لشارع حتى سقطت في بركه كبيره من الوحل تكونت من جراء سقوط الأمطار ، و شاهدته يغادر مبتعداً بعد أن تأكد من عدم لحاقها به.
أسرعت جنه بالنهوض لمتابعة طريقها و لكن عادت لتسقط أرضاً ، فعلى ما يبدو ان قدمها أصيبت من جراء السقوط في هذه البركه الموحله.
حاولت التحامل على الآمها و استعدت للنهوض مره أخرى لترى زوجين من الأقدام تسيران باتجاهها.. ثم سمعت صوت رخيم يسأل : انتي كويسه يا بنتي ؟
رفعت نظرها لتلتقي بنظرات قلقه من رجل كبير في السن و بجواره شابه .. اه أليست هذه نسرين التي عرفتها عليها سماح..ابنة د.نوال و شقيقة إياد.. و بمجرد تذكرها له أحست بالاحراج الشديد..هل ستنسى يوماً أنه رآها بذلك الشكل المهين ليلة رأس السنه.
أخرجها من شرودها صوت نسرين : الله .. مش انتي جنه..هاتي ايدك اساعدك.
مدت جنه يدها لنسرين التي ساعدتها في النهوض مره أخرى و قالت : متشكره تعبتك معايا يا آنسه نسرين.
قالت نسرين معاتبه : آنسه !! أنا اسمي نسرين و بس.
قال رفعت طه موجهاً حديثه لحفيدته : مش تعرفيني على الآنسه صديقتك.
قالت نسرين : دي تبقى جنه أمينة المكتبه الجديده.. و ده جدو رفعت.
قالت جنه بصوت خفيض : تشرفت بحضرتك يافندم.
قال رفعت طه : لا ..انتي تقوليلي جدو.. زي ما كل صحاب نسرين بيعملوا.
قالت جنه بتلعثم : بس أنا و نسرين مش..
قاطعتها نسرين : الله مفيش بس.. و بعدين انتي شكلك مش عايزانا نبقى اصحاب و لا ايه الحكايه؟
ابتسمت جنه قائله : لا طبعاً.. دي حاجه تشرفني.
ابتسمت نسرين هي الأخرى و قالت : طب يلا اتفضلي معانا زي الشاطره ، تغيري هدومك و تتعشي معانا.
قالت جنه بحرج : متشكره جداً.. بس أنا لازم أروح السكن دلوقتي.
تدخل رفعت طه قائلاً : تروحي ازاي و إنتي كده ..مشيراً بيده إلى مظهرها ..و أكمل : كده ميصحش.
نظرت جنه لملابسها التي لم تلحظ سابقاً أنها اتسخت بالوحل ..فالجد معه حق كيف ستُكمل سيرها في الشارع و إلى السكن بهذه الصوره.
قالت نسرين : وبعدين بيتنا قريب و أشارت بيدها إلى نقطه ما خلف جنه .. و أكملت: كلها خطوتين و نوصل.
قالت جنه بخجل : أنا مش عايزه اسببلكم إزعاج.
قالت نسرين بمرح : إزعاج ايه يا بنتي.. ده انتي هتنورينا ، يلا يلا بعدين تاخدي برد بالهدوم المبلوله دي.
أذعنت جنه و تابعت السير معهما ، رغم الألم الذي تشعر به في قدمها و لكن الشيء الذي خفف عنها هو بطْ سير الجد.. فاستطاعت الوصول إلى الفيلا خاصتهم دون أن يظهر مدى الألم الذي تعانيه.
********************************
غادرت جنه غرفة نسرين بعد أن أعارتها الأخيره بعض من ملابسها ، و نزلت الدرجات لتجد د.نوال في انتظارها والتي أصرت على بقائها لتناول العشاء معهم هذه الليله.
وبعد أن أنهى الجميع تناول العشاء استأذنت جنه بالمغادره.
قالت نوال : لا مينفعش تروحي دلوقتي .. الوقت أتأخر و المطره جامده و نسرين سواقتها مش اد كده،أخاف تعملوا حادثه.
قالت نسرين : أنا سواقتي مش اد كده ! بس أنا بجد مش بحب أسوق و الدنيا بتمطر، و عبد الله مش هنا و إياد قال إنه هيتأخر و هيبات في شقته.
قالت جنه : ما أنا هآخد تاكسي.
هتفت نسرين : تاكسي ايه فالجو ده.
قالت نوال بحزم : انتي هتباتي معانا الليه، و بكره الصبح هتروحك نسرين السكن.
قالت جنه بفزع : لا لا مقدرش.... المشرفه قالت ممنوع البيات بره السكن.
قالت نوال : هو انتي ناسيه يا جنه، السكن ده أنا المسئوله عنه، و دلوقتي بنفسي هاكلم المشرفه و اشرحلها الظروف متقلقيش.
قالت جنه مره أخرى : ما أنا ممكن آخد تاكسي ..مفيش داعي أزعجكو.
قالت نوال : و بعدين معاكي.. اسمعي الكلام، و لا انتي مش معتبراني في مقام والدتك.
اضطرت جنه للمبيت في فيلا الحداد ، فهي من جهه ما زالت خائفه من أحداث ليلة رأس السنه و لا تريد العوده في ساعه متأخره مع سائق ربما أوصلها و ربما تركها كمل فعل ذلك السائق تلك الليله.
و لكن النوم جافاها بسبب الالم في قدمها.. و مع بزوغ الفجر..أدت صلاتها ثم خرجت بهدوء من غرفة نسرين حتى لا تزعجها ، و هبطت الدرجات باحثةً عن مسكن لآلامها فلقد لاحظت بعض الأدويه الخاصه بالجد و من ضمنها المسكنات موضوعه على منضده في الصاله.
أضاءت المصباح الموضوع على المنضده التي تحتوي على الأدويه، و تناولت حبه من شريط الدواء المسكن ، ثم أطفأت المصباح و اتجهت إلى المطبخ لإحضار كوب من الماء...أضاءت النور و تناولت المسكن مع رشفه من الماء و استدارت لتغادر المطبخ... وضعت كوب الماء على الطاوله ثم شهقت مفزوعه.....!
**************************
قال إياد و هو يمعن النظر إليها غير مصدقاً لما يراه : إنتي بتعملي ايه هنا ؟!!!!!!!!!!!!!!!
بقيت جنه مسمره في مكانها من شدة الفزع..ووضعت يدها على صدرها محاولة تهدئة ضربات قلبها.
فقال إياد : أنا آسف .. شكلي خضيتك.
أومأت جنه برأسها .. فتقدم إياد محضراً كوب الماء الذي وضعته على المنضده و قال : اشربي شويه.
تناولت جنه كوب الماء من يده فلقد جف حلقها من شدة الفزع و قالت بعد أن شربته جرعةً واحده : متشكره.. ثم التزمت الصمت مره أخرى ، لا تدرِ ما تقول فقد ألجمها الحرج من الكلام و للمره الثانيه تضع نفسها في موقف محرج أمامه.
**********************************
أدهشه وجودها هنا.. في بيته.. و مطبخه ..في هذه الساعه المبكره و بهذه الملابس فقد كانت ترتدي بيجامه وردية اللون كتلك التي تقتنيها نسرين !
تملكه الفضول ..أراد إعادة سؤاله ولكنه تريث قليلاً.. فلقد أسَره منظرها الذي لو تحدث لقال " يارب الارض تنشق و تبلعني " .. ابتسم و تابع تأملها رغم علمه بمدى حرجها فا هو اللون الأحمر القاني قد زحف إلى وجنتيها .. تُرى هل زحف هذا اللون لباقي.... أغمض إياد عينيه لثوان ، صارفاً عنه تلك الأفكار و ليُوقف سيل التخيلات.. صحيح أن هناك شيء ما يجذبه إليها .. و لكن عليه أن يحكم عقله ليمنعه من الاسترسال و الانغماس في تلك الأفكار... فلقد اكتفي من هذا النوع من النساء العاطفيات.. و لقد حسم قراره منذ فتره و مستقبله يتضمن امرأه متزنه قويه تُحكم عقلها في قراراتها و ليست ضعيفه كساره..أو كالماثله أمامه.
عاد ليقول بحزم : أنا مش قصدي أحرجك.. أهلاً بيكي هنا فأي وقت ، بس برده أنا لسه مفهمتش انتي بتعملي ايه هنا ؟
حاولت جنه استرجاع لسانها الذي أكلته القطه كما يُقال ، و قصَت عليه ما حدث معها و أضافت : عن اذنك أنا لازم اطلع دلوقتي و إن شاء الله أول ما نسرين تفوق هاروح السكن.
لم تنتظر لتسمع ما قاله.. خرجت من المطبخ و صعدت الدرجات بسرعه.. ثم دلفت إلى غرفة نسرين لتفاجأ بازدياد الآم قدمها .. فيبدو أن حبة المسكن لم تأتِ بثمارها.. بل العكس أحست بدوار شديد و سقطت على الأرض محثه صوتاً مدوياً.. و لسبب ما لم تستطع النهوض و كأن ليلتها لم تكن حافلة بالمواقف المحرجه.
****************************
استفاقت نسرين على صوت ارتطام شديد، أضاءت المصباح بجوارها و أزاحت الأغطيه ملقيه نظره على غرفتها لتفاجأ بجنه ملقاه على الأرض ، نزلت من فراشها و هرعت بجوار جنه.
سألت نسرين بقلق : جنه..مالك..انتي سمعاني ؟
قالت جنه بصوتٍ واهنٍ : مش عارفه مالي .. حاسه عنيا مزغلله و مش قادره أصلب طولي.
قالت نسرين : طب هاتي ايدك و اتسندي عليا.
مدت جنه يدها لتساعدها في النهوض و بعد أن وضعتها نسرين على السرير سألت : ايه اللي حصل ؟
قالت جنه : أبدا خدت حبه مسكن من تحت ، و مش عارفه شكلها سببتلي دوخه باين.
قالت نسرين : مسكن من بتوع جدو ؟
أومأت جنه برأسها ، لتشهق نسرين : اوعي تكوني شربتي حباية السكر.. لا ده أكيد شربتيها.. عشان كده حصلك هبوط.. استني هجبلك عصير و حاجه حلوه تاكليها.
و في ثوان كانت نسرين خارج الغرفه.. لتعود بعد قليل و في يدها كوب من العصير و بعض الحلوى.
شربت جنه العصير لتحس بالتغير السريه في حالتها و قالت : الحمد لله ..أنا دلوقتي أحسن.
قالت نسرين : ما أنا مره خدتها بالغلط و حصلي زيك بالظبط...عموماً دلوقتي ننزل نفطر سوا و لازم تاكلي كويس لان الحبايه دي اكيد خفضت السكر فجسمك.
شكرت جنه نسرين على اهتمامها بها .
********************************************
و بعد حوالي الساعه نزلت جنه برفقة نسرين التي أصرت على تناولها طعام الافطار معهم قبل توصيلها للسكن ، و رغم تحسن حالة جنه إلا أنها لم تجد بداً سوي الموافقه فليس من اللائق أن تترك نسرين توصلها و هي لم تتناول بعد طعام الافطار.
***********************************************
لم تكن جنه الوحيده التي شعرت بالإحراج على مائدة الافطار ، فمع وجود كريم حاضراً هذا الصباح لتناول الافطار معهم كعادته .. تمنت نسرين لم لم تصغِ لنصائح مايا و لكن لا فائدة الآن من الندم.
قال كريم موجهاً سؤاله لجنه : انتي درستي هنا .؟
أجابت جنه : لا..فجامعة القاهره.
قال كريم : مش فاهم !
قال إياد بضيق : هو إيه اللي مش فاهمه !
قال كريم موضحاً : أقصد يعني انتي من هنا و لا القاهره.
شعرت جنه بالضيق من أسئلة هذا الشاب الذي عرفته د. نوال بأنه صديق إياد و بمثابة ابن آخر لها .
أجابت : القاهره .. بس استقريت هنا.
عاد كريم ليسأل من جديد : مش فاهم استقريتي يعني عايشه هنا لوحدك و لا مع أهلك.
أجابت جنه بحرج : أنا ساكنه في بيت الطالبات.
فقال كريم : برافو عليكي أنا بحب البنت اللي تكون اندبندت .. ودلوقتي بتحضري ماجستير هنا ؟
تدخل إياد قائلاً : جنه بتشتغل فالمكتبه..أمينه المكتبه الجديده.
ثم لكز صديقه بقدمه هامساً : كفايه تحقيق.. مش شايف مكسوفه ازاي!!!
ولم يكن إياد الشخص الوحيد المنزعج من أسئلة كريم فلقد كانت الغيره تعصف بقلب نسرين من هذا الاهتماما الذي أبداه كريم بجنه ..و كأنه لم يكن كافياً الاذلال الذي شعرت به ليلة رأس السنه.لتأتي الغيره و تمزق كيانها..حسناً هذا يكفي ..عليها أن تداوي نفسها من هذا الداء المسمى كريم..حان الوقت لاتخاذ خطوه إلى الأمام.. و لكن بدون أن تشمله في أي من مخططاتها.
بعد تناول الافطار جلس الجميع يستمعون للجد رفعت طه و معهم جنه بعد أن أصر الجميع على بقائها .. و لم تندم على مكوثها فقد كان حديث الجد رفعت طه شيقاً جداً.. ووجدت نفسها مرات عديده و الدموع تملأ عينيها خاصه عندما حدثهم عن يوم إصابته و المكان الذي ظن أنه الجنه.
و بدون أن تعي بنفسها قالت : انا كمان كنت فاكره اني مت و رحت الجنه.
أثار تعليقها استغراب الجميع .. ليسأل إياد مازحاً : هو انتي كمان كنتي بتحاربي مع جدو.
ردت جنه بتلعثم بعد أن رأت جميع الأنظار مصوبه نحوها : أصل حصلتلي حادثه و افتكرت يوميها اني مت و إن المكان اللي شفته هو الجنه.
صاح رفعت طه : أخيراً لقيت حد زيي.. اهو يا عم إياد عشان تصدق.
قال إياد بعتاب : أنا طول عمري بصدقك يا جدي.
قال رفعت طه بأسى : يمكن زمان .. لكن دلوقتي مظنش.
قال كريم موجهاً سؤاله لجنه : طب ممكن توصفيلنا المكان اللي شفتيه.
قالت نسرين بعصبيه : مكان ايه ... دي اكيد كانت بتخرف.!
شعرت جنه بالحرج الشديد من طريقة نسرين في الحديث عنها .. و نهضت من مكانها لتقول : أنا اتأخرت و لازم اروح دلوقتي.
قالت نسرين و قد شعرت بالخزي لاحراجها جنه : ثوان هاخرج العربيه و اجي اوصلك.
قال كريم امراً : لا استني...أنا كده همر عن سكن الطالبات..هاوصلها فطريقي و اروح المطعم.
قالت جنه بحزم : أنا هآخد تاكسي.. مفيش داعي تتعبكو نفسكو.
قال كريم : مفيش تعب ولا حاجه .. ده فطريقي.
قاطعته نسرين بحنق : معلش انا وعدتها اني هوصلها...
قال إياد : انا عربيتي بره هاوصلك.. قالت نسرين : و انا هاجي معاكو
و في الطريق أصرت ن