رواية رحي الايام الفصل الرابع 4 بقلم عائشة حسين
الفصل الرابع
+
أيقظه غازي كما يفعل كل يوم، لكن تلك المرة حمل من الشفقة تجاهه ما ألان نظراته الحازمة فبدت للمستيقظ واضحة، مسح جراح وجهه نافضًا بقايا النعاس وأثره ثم نهض، سأله غازي وهو ينظر للبعيد من حوله
«مبتنامش جوا ليه؟»
غمغم بإنزعاج «عادي»
سأله غازي بنبرة جادة
«ولما العمال يشوفوك نايم كدا هيفكروا ازاي؟»
قال بلامبالاة ساخرة وهو يشعل سيجارًا «عادي أنا ميهمنيش حد»
أطبق غازي شفتيه بصمت ثم هتف وهو يتركه لنفسه فهي كفيلة لإهلاكه
«غادة وأحمد وصلوا الفجر»
دهس جراح سيجاره وانتفض قائلا بضيق
«مش قولنا لسه الدنيا مظبطتش خليهم لما نخلّص تشطيبات خالص»
توقف غازي عن السير والتفت له قائلا باستهانة
«عادي براحتهم»
تأفف جراح بغيظ قبل أن ينهض ويلملم دثاره مكورًا له ويأخذه للداخل في حجرة خشبية واسعة كالكرافان أنشاءها حين أتى للبقاء ومباشرة العمل، شاركه فيها الوسيم الغامض غازي رغم صمته وغموضه وعزلته إلا أنه لا يحب مشاركته ويبغض ذلك لذا يسهر حتى منتصف الليل وبعدها ينام بالخارج غير مبالي بالبرد ولا صقيع الليالي الذي أنهك صدره سعالًا.. غازي صديق مثالي لمن مثله فلن يطالبه بهوية أو يسأل كثيرًا؛ لكن غموضه وصمته الوقور يدفعه احيانًا للحذر منه وعدم الارتياح له لذا لا يشاركه إلا العمل الموكلين به وأحيانًا الطعام وبعض فتات الحديث.
خرج باحثًا عن أحمد الذي كان في انتظاره بلهفة، ما إن لمحه أحمد حتى نهض وحث السير ناحيته بمودة لا يشوبها نفاق أو تملّق، ابتسم جراح ابتسامته القصيرة حين قال أحمد وهو يفتح ذراعيه
«ازيك يا نجم وحشتني»
عانقه جرّاح محتفظًا بمشاعره داخل مكعب من الثلج البارد الذي لا تذوبه حرارة العاطفة ولا حميمية اللحظة، ابتعد أحمد غامزًا وهو يشمله بنظرة خاطفة
«صحتك جاية على الصعيد يا صاحبي»
سأله جراح بابتسامة حيادية المشاعر «جيت بدري ليه؟»
هتف أحمد بعفويته المعتادة وصوته العالي المليء بالمرح
«وحشتني يا نجم وافتقدتك وغادة كانت عايزة تغير جو فجبتها على هنا»
أومأ جراح بلا اقتناع، اقتربت منهما غادة حاملة صغيرتها بين يديها، سلّم عليها جراح
«ازيك يا مدام غادة عاملة ايه؟»
ردت سلامه بترحاب
«الحمدلله ازيك يا جراح عامل ايه!»
نظر حوله قائلا
«يارب المكان يكون عجبك والتشطيبات»
أجابته بابتسامة عملية
«تمام على العموم كنت واثقة من ذوقك»
أشاح ناظرًا للبعيد بعدما أومأ بشكر.
هتف أحمد بنظرة جمدتها برودة العاطفة تجاه المُنادى
«ازيك يا غازي»
تقدم غازي مرحبًا بعاطفة باردة صلبة «ازيك يا أحمد ازيك يا مدام غادة»
توقفت نظراته بعدها على الصغيرة التي فتحت عينيها فجأة عليهم بعد نوم، دارت نظراتها على وجوههم حتى توقفت عنده وابتسمت ببراءة خلبت لبه، ابتسم دون إرادة وبعاطفة أبوية شديدة التوهج، ركنت نظراته عند كفها الصغير الذي طوحته ناحيته ثم سحبته لفمها مُكوّرًا وبدأت تصدر أنغامًا عذبة من فمها، اتسعت ابتسامته ولم ينصت إلا لألحانها، لم يتجاوب إلا مع براءتها وعفويتها السخية التي أذابت جبل بروده وكشفت عن عاطفة صادقة وحنان فريد، راقبه جراح رغم انشغاله بالحديث مع الثنائي، منحه نصف الوغي والإدراك متعجبًا ومأخوذًا بتجاوبه مع الصغيرة واللغة المتبادلة بينهما، انسحبت غادة بعدما شعرت بتركيز غازي مع الصغيرة، أقلقتها فعلته فغادرت للمنزل.
ظل غازي واقفًا يستمع لحديث أحمد وصخبه بصمت، حتى انتهى التجمع وغادر كل واحدٍ لوجهته .
********
دخل رشيد الشقة فوجدها مظلمة على غير العادة في هذا الوقت، دخل ذاكرًا الله يفرش بالقلق طريقه إلى حجرة نومهما، فتح الباب وأضاء المصباح فزفرت بضيق وغيظ وهي ترفع غطاء عينيها عاتبة
«يوووه يا رشيد حد يعمل كده»
تجاهل عتابها وركن تأففها، حرر نفسه من قيودها واقترب يتفحصها بنظراته القلقة متسائلا
«في إيه مالك يا قمر تعبانة ولا إيه؟»
جلست قائلة بضيق منزعجة من قدومه «أيوة يا رشيد شوية»
تلمّس جبهتها متحسسًا حرارة بشرتها الناعمة وهو يواصل السؤال مدققًا في ملامحها
«خير مالك؟ تروحي الدكتور؟»
نظرت لساعة الجدار المرتفعة قارئة قبل أن تسأله بضيق
«أنت إيه جايبك دلوجت أصلا دا مش وجت رجوعك»
ابتسم قائلا بود
«معرفش ليه قلبي كلني عليكي يا قمر قولت أجي اتغدى معاكي وأطمن عليكي»
مسحت وجهها قائلة باستياء
«رشيد أنا معملتش غدا عايز تاكل يا تطلب يا تنزل عند أمك»
قال بحنان وهو ينهض واقفًا
«ميهمش أنا هتصرف المهم تكوني بخير»
قالت بغطرسة وهي تعود للتسطح
«أنا كويسة اتفضل يلا عشان واخدة مسكن وعايزة أريّح شوية»
نظر إليها طويلًا بحنان امتزج بقلقه فزفرت منبهة له
«رشيد يلا اطلع واطفي النور معاك»
قال بإرتباك وابتسامة لا تفارق «حاضر ريحي»
أطفأ المصباح وخرج مغلقًا الباب بهدوء، أغلق باب شقته وهبط متجها لشقة والدته التي تسكن أسفل منه، طرق الباب ففتحت مستقبلة له بترحاب شديد ومودة، قبّل رأسها وكفها بحنان وهو يجلس جوارها بعدما جلست فسألته
«اتغديت يا رشيد ولا تتغدى معايا؟»
أجابها بكذب
«اتغديت يا حاجة اطمني»
مصمصت قائلة بشك امتزج بشفقتها على ولدها الحنون
«والله تلاقي ولا اتغديت ولا نيلة»
صمت فسألته بتهكم
«فين ست الدكتورة أمال؟»
أجابها بشفقة حقيقية
«تعبانة شوية يا حاجة والله ادعيلها»
مصمصت والدته قائلة بمرارة
«والله ما حد عايز الدعا غيرك يا ابني»
عاتبها برفق ولين
«ليه بس يا حاجة بتقولي كده؟»
قالت بعصبية أسفة على حاله
«من يوم ما اتجوزتها ما شوفت يوم حلو ولا أكلت لقمة حلوة»
قال مدافعًا بعاطفة صادقة ولطف متناهي
«والله يا حاجة قمر طيبة وبنت حلال»
لوت فمها بأسف متعجبة ومستنكرة قبل أن تقول
«والله يا يا رشيد ما حد طيب غيرك وضفرك بعشرة منها الي حاطة مناخيرها فالسما دي»
تجاهل قولها وتغاضى عنه بابتسامة دافئة وصبر طويل،ثم قال وهو ينهض بخفة
«أنا هقوم أنزل بقا المحل»
طلبت بحزن
«خليك معايا يا رشيد ومش هتكلم»
انحنى مقبلًا رأسها وكفها بمودة ثم قال «هبقى أجيلك بالليل لما أرجع»
قبضت على ملابسه قائلة
«طيب خليك اتغدى معايا افتح نفسي»
تعلل متهربًا منها
«أنا متغدي، مرة تانية»
قالت بحزم ووهي تسحبه وتعيده للجلوس مرة أخرى
«طيب اقعد ساعدني مقدراش أقوم أظن كدا ماشي»
ضحك قائلا
«قولي كده من الأول»
للوت فمها قائلة بمشاكسة
«أديني قولت قوم يلا»
نهض في نشاطٍ وعزم وهو يقول بمرح «هعملك أحلى غدا»
غادر للمطبخ فقالت بحرقة قلب ودموع عجزها تتساقط
«منك لله يا قمر مشندلاه ربنا يجازيكي بعملك ويصلح حالك يا ابني»
*****
هتفت هدير وهي تنظر لشاشة هاتفها متفقدة بنظرات قلقة
«مش عارفة أستاذ جراح كان قايلي هيكلمني ومكلمنيش»
ارتشفت والدتها من كوب الشاي الذي بين أناملها وقالت
«دلوك يكلمك وإن متصلش يريح»
عاتبتها هدير بنظراتها فقالت المرأة مبررة بنظراتها الثاقبة
«اهو تريحي النهاردة يا هدير وتتغدي معانا»
نظرت هدير من النافذة المطلّة على الشارع قائلة بملل وهي تسند خدها بقبضتها المضمومة
«كنت عايزة بس أخلّص حسابات الأسبوع ده وارتاح منها»
نظرت لها والدتها بشك فأشاحت متهربة بنظراتها منها قبل أن تقف متعللة
«هروح أعملي كوباية شاي»
تركتها والدتها تهرب من نظراتها والشك، فابنتها تتعلق بهذا الغريب يومًا بعد يوم وهذا ما تخشاه ويقلقها عليها، يكفيها معاناتها مع الحياة ومتطلبات أخوتها، يكفيها حربها مع أعمامها للحصول على ميراثهم ولا تحتاج لحرب أخرى مع قلب أو معاناة في حب بعيد المنال، مشفقة عليها مما هي فيه ولولا حاجتهم لأموال هذا الغريب لجعلتها تترك العمل معه فورًا والابتعاد عنه، هذا الغريب الذي يمنحها أكثر مما تستحق ويحيطها بالعناية والاهتمام، يكف أذى أبناء عمومتها عنها بتوفير الحماية والدعم، يقف لكل من يحاول إيذائها ويعلن مسئوليته عنها فلا يملك أعمامها إلا الرضوخ أمام سطوة أمواله ومكانته الجديدة في القرية...لا تنكر أفضاله عليهم ولا المستوى الاجتماعي الذي أصبحوا فيه بعد مجيئه وعمل ابنتها معه لكنها تخشاه بقدر امتنانها له وتهابه هيبة الغزالة من أسد يوهمها بالشبع، رأته مرة واحدة فتلاطمت أفكارها تجاهه، تشابكت الآراء في عقلها، رجل ذو هيبة لكن في تاج هيبته جوهرة من الضعف، لامعًا براقًا لكن عيناه ذبيحتين بالحزن ونظراته رغم مراوغتها مخضبتان بالألم، في خطواته الواثقة شيء من الجموح القاتل، حروفه رغم قوتها تخفي انكسارًا لا تخطئه عين من انكسر قبله...يبالغ احيانًا في الغطرسة، يدفن تواضعًا فطريًا في أفعاله بركام الغرور متعمدًا، هذا الرجل حقًا يحيرها ولا تملك معه إلا انتظار للقادم الذي سيكشف المستور.
*******
في المساء ركض غازي ناحيته وهو يسند أحد العمال ، انتفض جراح من جلسته يسأل بقلق
«في ايه؟»
أجابه غازي وهو يضع الرجل في الكرسي الخلفي لسيارة جراح
«وقع من فوق السلّم لازم نوديه لدكتور»
صعد جراح السيارة دون حديث، وانطلق بها لأقرب عيادة طبيب في القرية،بعدما سأل هدير فأشارت إليه بعيادة توجد جوار منزلها لطبيبة جراحة جيدة نسيت اسمها، انطلق فورًا دون اهتمام.. وصل المبنى المكون من خمسة طوابق،ترجل من السيارة وساعده غازي على حمل الرجل الذي خارت قواه، استقلوا المصعد متجهين لعيادة الطبيبة.. حين وصل اقتحم العيادة زاعقًا
«فين الدكتور الي هنا»
نهضت الممرضة من خلف المكتب مستقبلة لهم بقلق«معاها كشف»
صاح بغضب «فين أوضتها بسرعة»
أجابته بتوتر «مينفعش عندها كشف»
انتفضت واقفة حين سمعت الهتاف العالي والحوار الدائر بالخارج ،الذي لم يعنيها منه سوى صوته الذي اقتحم عالمها من جديد اسقطت القلم من بين أناملها بارتعاش ووقفت تستعيد كل شيء وتستقطب كل المشاعر كمغناطيس، توقف الزمن من حولها وهي على هامشه تتخبط بين الافتراض والحقيقة والشك، أشارت للمريض الصامت بالرحيل بعدما استعادت وعيها، منحته الروشتة وصرفته وهي تحاول استخلاص الشجاعة من بين كل المشاعر المتزاحمة، لم يمنح الممرضة الوقت ولا المساحة لتخبرها بل اقتحم الحجرة حاملًا الرجل الذي بدأ نزيف رأسه يزداد ويصبغ المناديل الورقية الموضوعة على جرحه، وضع الرجل على أقرب سرير وجده والتفت إليها، ابتلع ريقه وأشار «لو سمحتي بسرعة»
وقفت مكانها متسمرة لدقائق تطالعه بفوضى من المشاعر، ها هو أمامها بعد خمسة أعوام من الحرمان والفقد، كانت تعرف أن تلك اللحظة اقتربت وعليها تتهيأ لها، أفاقت على دخول آخر للحجرة فتتحرك بسرعة وعملية ناحية المريض لفحصه ومحاولة إسعافه، رفعت نظراتها له قائلة
«لازم تاخده وتوديه المستشفي العام حالًا»
ضربته النبرة المهزوزة من خلف الكمامة كصاعقة، فورًا ركضت نظراته لمكتبها ليتأكد، قرأ الاسم مرات ومرات «ليلى نبيل الصاوي»
انتفض مكانه يحرك شفتيه باسمها وهو ينقل نظراته ما بينها وبين اسمها، كتمت الجرح ورفعت نظراتها تعلن تخليها وتحمله المسئولية إن تأخر، عيناه تخشيان مواجهة عينيها اللحظة،تهاب هذا اللقاء، أغمضهما لثواني قبل أن يستعيد وعيه وإدراكه ويجيبها بشتات «عالجيه أنتِ»
قالها بصوت مبحوح وهو يتهرب من نظراتها فابتعدت قائلة وهي تسحب الكمامة من على وجهها؛ لتمنحه التعريف كاملًا مختومًا بالصدق والحقيقة
«للأسف مينفعش واتفضل يلا بيه»
أجابها وهو ينظر للرجل «الموضوع بسيط مش مستاهل»
زعقت فيه بكل غيظها وقهرها وافتقادها له ووجعها منه «أنت دكتور؟ أنت مش دكتور علشان تحكم على حالة واتفضل يلا معايا شغل »
سهمها المسموم انغرس في قلبه دون إحادة عن الهدف، نال منه كما تمنت وعمدت، فأجاب بهزيمة «لا مش دكتور»
أعطته ظهرها قائلة «يلا اتفضل»
ظل غازي يتابع مبهوتًا حتى أفاق على طلب صديقه «يلا يا غازي»
حمل غازي الرجل بعدما لاحض ارتعاش صديقه وتوتره الواضح، خرج وتركه مكانه يطالع ظهرها بصمت منتظرًا أن تستدير،لكنها ضغطت الزر دون التفات تطلب مريضًا آخرًا، وهي تكتم شهقاتها بباطن كفها المرتجف، استدار مغادرًا فالتفتت بسرعة ونادته بصوت متحشرج مكتوم «رضوان»
أغمض عينيه متنهدًا قبل أن يرحل ويتركها فريسة لندمها واشتياقها الذي لم تفصح عنه وألقمته التجاهل.
جلست فوق كرسيها مستنفذة هالكة ومتعبة لا تصدق أنها رأته أخيرًا، أخبرت الممرضة بتعبها المفاجيء وحاجتها للرحيل وعدم قدرتها على مواصلة العمل وبعد غادرت.
بعد مرور وقت دخلت المنزل، وقفت أمام والدها شاحبة منكسرة النظرات آسفة، هاله ما رأى منها على غير العادة فترك ما بيده واندفع بكرسيه يسأل «مالك يا حبيبتي»
ألقت حقيبتها وانهارت تحت أقدامه باكية، مسح على رأسها بحنان مستفسرًا عما أصابها وجعلها في هذه الحالة «حصل إيه مالك طمنيني»
رفعت عيناها المغرورقة بالدموع دون حديث أو توضيح فقرأها جيدًا في نظراتها، فغر فمه لا يصدق حتى أتاه اليقين بنطقها اسمه «رضوان»
سألها بلهفة لا يستوعب سرعة الأحداث «شوفتيه؟ حصل إيه؟ هو كويس؟»
وضعت جبهتها على ركبته تبكي دون حديث وبانهيار تام، ظل يمسح على رأسها بحنان مانحًا لها المساحة لإفراغ حزنها المكبوت بأمان بعد ضغط كبير واثقًا من تعرضها له اليوم برؤية أخيها الغائب، حزنها الذي تخفيه عن الجميع وتتناساه، اليوم أفضت به كاملًا.
حكت له ما حدث وما قالته، ضربها
لجرحه الملتهب، وضغطها على موضع ضعفه حتى نزفت نظراته ألمًا كنت شاهدة عليه قديمًا وحديثًا... صمتت فعاتبها والدها بلين ورفق «ليه عملتي كده وأنتِ عارفة الي هيحصل؟»
اعترفت له بغصة
«محستش بنفسي وهو قدامي يا أبويا مكنتش عايزة أوجعه بس غصب عني »
هدأها نبيل بحنان «ما أنتِ عارفة إنه قريب منك وكنتي مستنية تجابليه فأي وجت»
ضمت ركبتيها لصدرها معترفة بخجل فهي لا تحب البوح بمكنونات نفسها والتعري أمام أحد «غاظني إن ضي شافته جبلي حتى لو صدفة، زعلانة إن يوم ما أشوفه يبجى برضو صدفة»
مسحت دموعها وقالت بغضب «أنا يكون معايا وميجيش يطمن عليا ويطمني، يكون قريب مني ويعمل ميعرفنيش يا أبويا»
مسح نبيل على رأسها مهدئًا ممتصًا غضبها المبرر «اعذريه يا ليلى ومتحكميش غير لما تسمعي منه»
نهضت واقفة تخبر والدها بقرارها الحاسم «خلاص يا أبوي أنا لا هعذر ولا هسمع ولا عيزاه من الأساس ولو جه هطرده»
تذكرته مستعيدة صورته الجديدة وهيئته ثم قالت بأسى وحسرة
«رضوان الي هرب من ضي وعمل معرفنيش مش هياچي يا أبوي»
أشفقت على والدها من الحقيقة والخيبة فقالت
«انساه زي ما نكرنا ونسينا، خان العيش والملح متبكيش عليه»
صمت الرجل بلا اقتناع، خبأ دفاعه بين طيات نفسه المحبة للغائب المتسامحة مع تغيراته وواقعه الجديد وإن كان قاسيًا، سيظل منتظرًا له مهما طالت المدة وبعدت المسافة سيغلب أصل الغائب وسينبت ما زرعه في قلبه يومًا، سيأتي الغائب هو على يقين.
لاحظت صمت والدها وعزوفه عن الحديث والجدال فأدركت أن والدها يتعاطف مع رضوان ويهييء له أسباب القبول ويرفض قولها ويتمسك بالنسخة القديمة كما ضي، فغادرت لحجرتها مغلقة عليها الباب.
___________
همس له بريزة بحرج عما قاله محارب وسخريته أمام الجميع وتحديه للضبع وعصيانه الأمر بالمعروف صمت الضبع بتفكير قبل أن يبتسم ويقول كأنه لم يسمع همس بريزة ولا قوله المرصوف بالحذر والحيطة
«يا ظريف خليك لطيف الحياة صعبة كفاية على الي قلبه لسه شايل جوه منه ضحكة وليد»
قالها بنظرة شجن وهو يصفع عنق بريزة برفق، هلل بريزة باستحسان وإطراء «الله يا كبير أنت مدرسة والله»
اعتدل ضبع قائلا بحسرة ومرارة رغم ابتسامته المتهكمة «وساعات مستشفى مجانين وأحيانا سجن وساعات نقمة على الي مني وليا»
تجاهل بريزة كلماته المثقفة التي لا يفهم معظمها ولا دوافعها وقال «هنعمل إيه دلوك يا كبير»
هتف ضبع باسترخاء «النار مبتحرجش مؤمن يا بريزة ودول مش مؤمنين كفرة فأنا هحرجهم أمنية ولازم أحججها»
هتف بريزة بحماس «وماله نحرجهم يا كبير»
صفعه فاروق على مؤخرة رأسه مصححًا «لاه أنا جولت تلت فرص الفرصة الأول تحمل نسبة 100صبر والثانية 70صبر والثالثة صفر»
سأله بريزة باهتمام «وليه التالته صفر مش ده ظلم»
نظر ضبع لعينية نظرة ثاقبة ومال هامسًا «عشان مش هتحمّل وممكن أولع فيك أنت»
انتفض بريزة قائلا «لاه صفر صفر نولع فيهم»
نهض ضبع من رقدته على الرمال، لفّ شاله حول رقبته استعدادًا لجولته المسائيه والتزامًا بميعاده الليلي، سار في الصحراء قرب نهاية الغيطان الزراعية، يستنشق من سيجاره وهو يدندن بنبرة حزينة منكسرة
كل ما أقول التوبة يا بوي.. ترميني المقادير يا عيني
وحشاني عيونه السودة.. ياما رمتني المقادير
رمش كحيل.. ومكحل
وعيون كأنها الجنة
لا بتبتسم.. ولا بتسأل
ولا بتقول.. اتهنى
ياما رمتني المقادير..
يا ربي غلبني الشوق.. وغلبني
وداب قلبي.. وداب مني
ولا قادر أقول.. كفاية
ولا عارف.. أروح منه فين
ياما رمتني المقادير..
توقف عن السير حين لمح نور مصباح قادم من أحد القطع الزراعية، سار بخطوات هادئة حتى وصل إليهم، وقف على مقربة منهم مستغلًا انشغالهم وسيطرة الخوف على وعيهم، اشعل سيجاره وهو يتابع الحفر وانحناء الرجل العجوز ومراقبته الداخل بعين الاهتمام، ابتسم ضبع ساخرًا وقال «مش للحسّابين يا حاج للموعودين بس»
سقط مصباح الرجل في الحفرة العميقة حين بوغت بالكلمات، انتفض يسأل «أنت مين؟»
أعاد ضبع كفيه لجيبي بنطاله قائلا «أنا... أنا ولا حاجة»
سخر منه الرجل بعدما عرف هويته وعادت إليه طمأنينيته«عايز ايه يا ولا حاجة؟»
هتف ضبع بحزن عتيق«مبروك ما جالك يا حزيّن جال خلفت»
قال الرجل بتهكم «يمكن يطلع صالح بار بي مش عاق زي أخوه»
لم تتأثر ملامحه بما سمع بل ظل على جموده وصلابة ملامحوه المنحوته، قال ضبع بنبرة حيادية «طيب راعي لنفسك لتدفن فواحد منهم، عشان محدش هيربيلك المولود حتى أخوه العاق»
أشاح حزيّن بذراعه في وجهه استهانةً وكراهية فتحرّك ضبع مبتعدًا عنه ماشيًا في طريقه يدندن مبدلًا كلمات الأغنية هذه المرة وهو يفرك صدره بكفه ويسعل بتعب
+
يا بهية وخبريني عاللي قتل فاروق
قتلوه بالليل يا عيني ولا في وضح النهار؟
قتلوه في زفة يا عيني ولا قتلوه في طين؟
فاروق كان وردة حمراء.. فاروق كان نور ونار
*********
جلست نجمة أرضًا متربعة أمام الشرفة التي فتحت أبوابها وجيدة، سحبت قطتها لحجرها ثم رفعتها مداعبة قبل أن تضمها بحنان وتعيدها لحجرها مستكينة آمنة، قالت مبتسمة «عشية في الحلم سمعت صوت رضوان يا خالة بس كان ضعيف وحزين مش زي عادته»
تنهدت وجيدة بأسى فقالت نجمة وهي تمسح بحنان على رأس قطتها المسترخية «مسكين رضوان جلبه متغمي بالضلمة زي عنيا»
ارتجلت وجيدة بحزن عتيق وهي تنظر للقمرالعالي
صياد وبمركبي ماشي
رميت الشبك والحلم وياه
صاد الشبك والحلم دورت ما لقيته
ابتسمت نجمة فالخالة لا تشارك حوارًا وتستمع بصمت،لا تتحدث إلا لتدعو لها أو تنفحها كلمات مواسية ترتجلها تناسب الموقف دون مشاركة في الحوار أو النقاش.
سمعت نجمة صوتًا حزينًا مرتعشًا فهبت واقفة تقول بفرحة «صاحب الناي الحزين يا خالة»
ابتسمت وجيدة وأرهفت السمع مثلها، هرولت نجمة للشرفة بلا مراعاة فاصطدمت جبهتها بدلفتها، نهضت وجيدة بسرعة معاتبة بحنان «خدي بالك يا ضنايا»
همست نجمة وهي تتحسس جبهتها وموضع الألم «صاحب الناي الحزين رجع»
قادتها وجيدة للشرفة برفق، وجهتها للجلوس أرضًا لكنها قالت بأنفاس متسارعة في لهفة وإثارة «خليني واجفة عشان أسمعه زين»
بصمت ظلت وجيدة جوارها ممسكة بذراعها تستمع مثلها لرثاء صاحب الناي وعويل صمته، لترجمته الحزن الذي في قلبه وكبرياء دموعه، رجل منعه الكبرياء من البكاء فطوع الناي ليبكي بدلا عنه.
تساقطت دموع وجيدة بصمت حين اخترق عزفه القلب وأرّق الذكريات في مراقدها، حزنت نجمة أشد الحزن فصاحب الناي رثى أحزان الجميع وأيقظ داخل كل مستمع حنينًا وشوقًا لا يُضاهى، تحدث بلسان حزن كل موجوع
تأوهت نجمة ودعت وجيدة لصاحب الناي بالراحة والصبر.
************
«فاروق_رضوان 2015»
يعرف مدى تعلقها بوالدها ومحبتها له، لذلك شعر بالقلق عليها والخوف، ظل طوال الليل يتقلب ما بين رغبته في انتشالها من المنزل والإتيان بها هنا تحت رعايته، أو الاطمئنان على عمه.. تذكر قمر التي جاءت على وجه السرعة بصحبة رشيد الذي تركها بالمنزل لرعاية صغار أختها ورافق هو زيدان والرجال إلى المشفى، نهض جالسا فوق التخت يفكر في سبيل لاختراق حصنها أو طريقة آمنه يطمئن بها عليها الليلة، ترك التخت وتحرّك ناحية باب المنزل فتحه ووقف أمامه يتنفس بعمق، جاءت والدته من خلفه مهرولة تستفسر منه بخوف
«مالك يا رضوان فاتح الباب كده ليه؟»
أجابه بصوت خرج ضعيفًا مهزوزًا من تحت ركام القلق والحزن الذي يعتصر فؤاده
«جلجان على ضي يا أما ومش عارف كيف أوصلها، متأكد إنها منامتش»
فكرت معه بهدوء في حل لتلك المعضلة «والله ما عارفة يا ولدي ربنا يفرجها ويجيب العَدَلَ»
خرج من المنزل يشعر بالاختناق والضيق، نظر للسماء متوسلًا أن ينتهي الظلام ويحّل الصبح بسرعة حتى يراها، تلك الصغيرة كيف يتركها وحيدة مع حزنها وهو أعلم الناس بها، هي التي لم تتركه ولم تتجاهل حزنه مرة، بل متربصة دائما بكل ما يؤذية وإن كان شعورًا، تأتي دون طلب وتفرض نفسها عليه حتى يعود لعهد الفرح.. تجوّل حول منزلها رغم نسمات البرد،بالأعلى رأت قمر في عينيها الجميلة احتياجًا يناديه فهرعت لقطع حبل الوصال، نهرتها حين قررت الهروب إليه وبختها بغلظة لكنها لم تستسلم بل بارزتها بالإهانة، هاجمتها دون عقل أو حساب مما دفع قمر لأن تغلق عليها الباب وتتركها وحيدة تبكي خسارتها والدها واحتياجها له.. ظلت مكانها مُعذبة، تتقلب مشاعرها ما بين الخوف والاحتياج حتى نام الجميع وبقيت وحدها فريسة للظلام والهدوء المغري لتكاثر الأفكار السيئة.. بالأسفل رأى شرفتها مغلقة فقرر الطرق عليها بحصاه كما تعوّد فإن كانت مستيقظة ستجيب وإن كانت نائمة سيطمئن ولو قليلًا عليها ويعود متصبرًا حتى الصباح
شعرت بحصاه فنهضت قافزة، فتحت النافذة وظهرت له فابتسم بارتياح سألها بحنان «أنتِ كويسة»
هزت رأسها بالرفض ودموعها تتساقط بغزارة فقال بشفقة «لو تقدري تعالي أمي صاحية»
دخلت وتركته بحيرته، بحثت في الخزانة عن نسخة أخرى للباب وكلها أمل، بعثرت كل محتويات الحجرة حتى عثرت على واحد، انطلقت به ناحية الباب تحاول الهرب من سجنها حتى نجحت، حينها ركضت حافية بخصلاتها المتمردة، فتحت باب المنزل وخرجت منه فابتسم برضا واقترب منها يحدق في وجهها على ضوء القمر «الحمدلله»
أغلق الباب بهدوء وسحبها من كفها لمنزله، استقبلتها صبر بعناق طويل دافيء، أغلق الباب وظل ينظر إليها متمنيًا لو استطاع فعلها هو حين أتته من الأعلى باكية، سحبها لتجاوره فوق الكنبة وقال بحنان «متخافيش هيبجى كويس بإذن الله»
صارحته بمخاوفها ودموعها تنهمر
« خايفة عليه جوي يا رضوان أنا أموت لو جراله حاچة»
رفع كفه لمسح دموعها واحتواء حزنها بحنانه لكنه توقف متراجعًا عن رغبته وقال بنظرات مشفقة
«بعيد الشر عنك وعنه هيبجى بخير جومي اتوضي وصلي قيام وادعيله»
أومأت بصمت قبل أن تتوجه ناحية المرحاض وتتركه، بعد قليل خرج من حجرته ليطمئن فأخبرته والدته أنها نامت في حجرتها، أوصاها بقلق «خلي بالك منها يا أما»
ربتت صبر على كتفه مبتسمة تطمئنه
«حاضر يا حبيبي ارتاح أنت بس شوية الليل كله صاحي»
عاد لحجرته من جديد هادئًا مطمئنًا.
*****
في الصباح قرر هو ونبيل الذهاب للمشفى للاطمئنان.
ما إن وطأت قدميه أرض المشفى ورأته سحر قادمًا يجر أمامه كرسي أخيها حتى نهضت ماسحة دموعها نافضة عنها الضعف والانهيار، استقبلته بعينين محترقتين بالفقد مظلمتين بالخسارة، تتوهج جمرات الحقد في صدرها «إيه جايبك هنا يا جلاب المصايب؟»
وقف مبهوتًا من كلماتها التي صوبتها فجأة، دار حوله ينظر عله يجد من تعنيه بكلماتها المسمومة غير شاكًا في نفسه للحظة لكنه لم يجد سواه، بعينيه الوديعتين الحزينتين أمام عينيها المتوهجة بالكراهية، ابتلع ريقه وصمت فأكملت بلا حذر وبتجبر «امشي من هنا يا واد الحلبية بدل ما أرقدك جاره»
ابتلع ريقه بتوتر شديد وهو ينظر لجده وعمه وابناء عمومته مستنجدًا ينشد الدعم لكن نظراته عادت محملة بأشواك الخيبة، هتف نبيل بغضب
«ما تحترمي نفسك يا سحر وتحترميني، رضوان جاي معاي»
أشهرت سبابتها في وجه أخيها قائلة بغلظة وقسوة «الواد ده يغور يا أخوي من وشي دلوك»
بارزها نبيل بقسوة مماثلة وغلظة «لو مشي همشي معاه»
حاول رضوان تهدأتها وامتصاص غضبها بصبر «هطمن على عمي وأمشي يا مرت عمي»
هتفت في وجهه بفظاظة «لا تمشي متطمنش عليه ولا تقرّب منه، أنت السبب فالي حصله»
بهتت ملامحه وشحب وجهه من الاتهام، ابتلع ريقه وقال بجزع «أنا؟ والله ما عملت حاجة»
استدار نبيل بنصف جسده، أمسك بكفه مطمئنًا يبثه الدعم ثم عاد إلى أخته مدافعًا بحماية «متخليش زعلك يخليكي تخترفي بالكلام يا سحر»
بإرتجاف وحزن كسر كبرياء نبرته قال متبرئًا «دا أنا حتى بجالي يومين ما شوفتهوش»
صاحت بحقد ونظراتها تفترسه «بسببك أنت وأمك طلع عميان يالي منك لله ياريت كنت أنت وخلصنا منك»
شدد نبيل من قبضته على ذراع-المغدور بالكلمات- في حماية ودعم أبوي ومواساة بعدما ألقت دعوتها البغيضة في وجهه الهانيء بالرضا
، استنكر عليها الأمر وصاح «أنا غلطان إني جيت وقدرت»
تراجعت عن غضبها مبررة «أنت تاجي يا أخوي على رأسي بس هو لاه»
قال بحزن «الواد جاي معاي فحمايتي، تقديره من تقديري يا سحر لكن أنتِ لا محترماني ولا مقدرة جيتي وعجزي»
حاولت التبرير وجلب استعطافه بدموعها «يا أخوي ربنا يعلم بالي في جوزي..
قاطعها نبيل بكفه وهو يأمر رضوان «يلا يا ولدي بينا من هنا»
ظل الجميع من حولهم متابعين دون تدخل في إشارة واضحة لتأيدها الخفي ودعمهم موقفها من رضوان، بل تركوا لها أمر التخلص منه بأريحيه متنصلين من المسئوليه تجاه أنفسهم ونبيل، متبرئين بحجة عدم التدخل وحزنهم العتيق الذي يمنعهم الخوض في تراهات.
رحل رضوان بصمت تحلى به طوال الطريق، يربت نبيل على رأسه بابتسامة حنون ومواساة دافئة فيبتسم بامتنان مطمئنًا له وبعدها يشرد في البعيد، أعاد نبيل لمنزله وبعدها غادر تاركًا ليلى تناديه بقلق بعدما رأت ملامحه المتجهمة وحزنه المتوسد نظراته العفيفة.
عادت لوالدها تسأل عن سبب عودتهما مبكرًا وحالة أخيها فقصّ عليها ما حدث وما قالته عمتها واتهامها لرضوان وتحميله الذنب كاملًا... فورًا تركت والدتها متجهة لحجرتها فسألها أبيها «رايحة فين يا ليلى»
قالت بحزم «مش هسيبه لوحده كده يا أبويا لازم أروحله»
هتف والدها بحنان «هو هيروق ويرجع مالوش مكان ولا حد غيرك»
قالت بعناد وإصرار «مش هسيبه لوحده فالحالة دي ولا هسيبه لأفكاره تودي وتجيب ولا هقدر أجعد وهو كده يا أبوي»
ابتسم نبيل بإشفاق وتركها تفعل ما تريد فهي لن تقتنع مهما حاول ولن ترتاح حتى ترى أخيها وتتحدث إليه.
***
دخل منزله دون سلام، تجاهل والدته وجلس في صالة المنزل متجهمًا شارد الذهن يقلّب الكلمات في رأسه، مازال اتهام سحر عالقًا في ذهنه، أصابه بصاعقة الحيرة والغضب، لا يعرف كيف تسبب فيما حدث لعمله ولما تحمله الذنب، كما أن صمت جده وعمه دليل على صدق ما تفوهت به من اتهامات، مسح وجهه زافرًا بقنوط ويأس.. كيف يؤذي عمه؟ عمه الذي تحمّل مسئوليته من بعد وفاة والده وتكفّل بأموال دروسه، الذي قرّب منه ضي وتقبله في العائلة بمحبة، لما قد يفعل وهو يحمل له الكثير من الامتنان.
خرجت والدته من الحجرة مندفعة، توقفت حين رأته جالسًا واقتربت مستفسرة «مالك يا رضوان؟ خبر ايه جيت بدري؟»
نظر لملامحها بصمت، دارت ألاف الأفكار في رأسه في دوامة ابتلعت حكمته، بماذا يخبرها؟ أنه طُرد؟ أُهين؟ وأُتهم ظلمًا! اقتربت منه أكثر وسألته بحنان عن سبب شروده فتجاهل قائلا «فين ضي؟ جاعدة ولا مشت يا أما؟»
ضي ميزان قلبه وعقله، أرضه الثابته وتوازنه الذي يخشى اختلاله، هل تعرف شيئًا عن اتهامات والدتها؟ هل تحمل له قدر من اللوم والذنب مثلهم، لابد أنها تعرف عاد يسأل والدته «جولتي فين يا أما»
تعجبت من حاله فقالت بقلق «رجعت البيت يا ولدي؟»
سألها «وأنتِ هنا ليه النهارده؟»
غادرت للداخل وهي تقول «مفيش حاجة هناك دلوك مالوش لزمة روحتي ولا جعدتي»
شك في قولها وشك أكثر حين هربت فقرر أن يستطلع الأمر بنفسه ويتحقق وأول الطريق أن يذهب ليرى ضي ويتفقد أحوالهم، هناك تتجمع الحقائق وتتضح، وقف أمام الباب مصفرًا ينادي «ضي»
سمعته فانتفضت بلهفة، رمم صوته كسرها، وعالج جرح افتقادها والدها حضوره، ركضت الدرج بلهفة حتى منتصفه، أوقفتها خالتها محذرة بلغظة «متطلعيش وارجعي الأوضة عند اخواتك»
استنكرت ضي الأمر ولم توافق، تابعت الهبوط ضاربة بأمرها عرض الحائط، هي ليست وصيّة عليها ولا متحكمة فيها، هي هنا لترعاهم فقط
اغتاظت قمر بشدة من عنادها واضمرت في داخلها الانتقام.. اتجهت ناحية الباب فتحته وأطلّت عليه بعلياء، تلاشت ابتسامته وحل محلها ترقب للعاصفة، قالت قمر بغطرسة «عايز ايه؟»
ابتلع ريقه وأجاب بأدب «ازيك يا عمتي عاملة ايه؟ كنت عايز ضي»
تأملته قليلًا فارتجف قلبها واختلج، يشبه منصور كثيرًا هذا الفتي، نسخة منه لذلك لا تحب النظر إليه ولا تحتمل رؤيته أمامها كثيرًا يذكرها وجوده بما تتناساه، ينبش حضوره في قبور الماضي فتنزف جروحها من جديد.. يذكرها بالحب، بمخالفة العهود، بالغد، بالخذلان بالحب الذي لا تستطيع التخلص منه ولا اقتلاعه برفض أبيه العودة إليها خوفًا عليه وحماية له، باختيار منصور له، بتضحيات بكل ما يحب من أجله، هذا الفتى نقطة سوداء في دفاتر أيامها ولياليها، بقعة لوثت الماضي والحاضر ، نزعت نظراتها المتقلبة ما بين الحنين والرفض، شحذت همتها وحسمت الأمر بقرارها، طالما هي هنا هو لن يأتي، رفع نظراته يتأملها فاحتجزت نظراته عندها وقالت بقوة متحدية له وللصغيرة الواقفة خلفها «طول ما أنا هنا متجيش خالص أنت ولا أمك، رجلكم متعتبش عتبة البيت دِه فاهم ولا لاه؟»
الآن فهم سر وجود والدته ومكوثها في المنزل، اتضح له الأمر، دفعت ضي خالتها بغضب وخرجت متحدية لها بعناد تصرخ بالرفض في وجهها «متجوللهوش كده أنتِ مالك؟»
سحبتها قمر من ضفيرتها الطويلة حتى تألمت، جذبتها- بقوة الغضب- ناحية الداخل فتوجعت الصغيرة وتأوهت مما جعله يتخلى عن هدوئه ويقترب في غضب لم يستطع السيطرة، عليه خلّص ضي من قبضتها رافضًا ناقمًا على أفعالها «سبيها متشديهاش كده»
اختبأت الصغيرة خلفه في حماية، لاحظت قمر أنه تخلى عن أدبه وصبره لأجل الصغيرة غامر لأجلها، وواجه خوفًا عليها فاستشاطت غضبًا وحقدًا وكراهية.. صاحت فيه «امشي من هنا غور يلا لو مربتكش الحلبية أربيك أنا»
اتقدت نظراته، اقترب قائلا بشراسة «أنا متربي زين ولو مش متربي مش أنتِ الي تربيني»
صفعته لا تعرف كيف لكنها فعلتها، فثارت الصغيرة عليها، خرجت من خلفه وهاجمتها كقطة شرسة بعدما أبعدته وتصدرت هي المواجهة برد الفعل السريع، صاحت وهي تحاول خمشها بعصبية شديدة «أنا بكرهك ومش عايزة تكوني خالتي غوري أنا مش عيزاكي»
بهتت ملامح قمر، انسحبت للداخل فورًا غارقة في الذهول، ترتجف بشدة من هول الموقف بينما استدارت ضي لصاحبها تبكي، دموعها تنهمر أسفًا وحزنًا، تبكي له وعليه، ابتسم بضعف قبل أن يربت على رأسها بحنان ويرحل بوجعه.
تبعته ضي منادية لكنه أسرع الخطى في هروب، وقفت أمام البوابة تشيعه بالدموع والألم، خرجت ليلى من منزله فرأت ضي تقف وحيدة، اقتربت منها تسأل عن سبب وقوفها هكذا وتحديقها في البوابة، التفتت لها ضي بوجهها الغارق بالدموع، فشهقت ليلى بجزع وضمتها مستفسرة «في إيه؟»
خافت ليلى إن يكون مكروهًا أصاب فخر، ارتجف قلبها ترقبًا وهلعًا وهي ترى الصغيرة على هذه الحالة، جلست بها قريبًا تمسح دموعها بكفيها وتهدؤها بحنان وحكمة، أخبرتها ضي بما حدث من قمر فانتفضت ليلى ثائرة دخلت المنزل الكبير مهرولة والدموع تتجمع في عينيها، تتلمس وجنتها كأنها هي من تلقت الصفعة، شعرت بنفس الألم الذي شعر به أخيها على خد كبريائه، وخزها قلبها عليه فاندفعت دون تريث أو حكمة مصابة بعلة الانتقام والثأر «أنتِ لما تضربيه هترتاحي؟»
قالتها أول ما رأت قمر، نظرت لها قمر نظرة خاوية فتابعت ليلى بغضب «ماله هو فكده؟ بتشيلوه ليه ذنب مش ذنبه؟»
نهضت قمر قائلة بوهن «امشي يا ليلى»
صاحت ليلى بنظرة متشفية «اكرهيه وأذيه برضو مش هترتاحي ولا هيشفى غليلك وهياجي يوم والحقد الي جواكي هياكلك»
صعدت قمر الدرج تاركة ليلى تصرخ، سيتحقق ما تقول الصغيرة تعرف، مسلسل الخسارة طويل بعدد أيامها في الحياة، سيلتهمها الحقد تعرف، وستتابع حينها انتهائها بصمت، وهل بقيّ شيء منها؟ كل ما فيها يحتضر منذ أن أحب غيرها وسعى خلفها وتركها هي التي تربت على حبه، تكره رضوان ولن تفعل غير ذلك حتى لو شقيت بتلك الكراهية طوال عمرها.
رحلت ليلة خاوية لمنزل والدها، بعدما تركت ضي جالسة مكانها أمام المنزل تنتظره رافضة العودة دون أن تراه..
جلس جوار قبر والده، شكى له ولامه على الحب الذي دمر حياته من قبل وها هو يضيع حياته ويحيل أيامه لعذاب، هل كان الأمر يستحق كل تلك المعاناة؟ ليته ما أحب والدته ولا سعى للزواج منها، بل ليته ما ولد من الأساس وتجرّع هذا العذاب.
في المساء دخل فاروق الحوش الواسع الخاص بموتى عائلة رضوان فوجده جوار قبر أبيه كما توقع، شمله بنظرة آسى قبل أن يجاوره قائلا بحنان «بجالي كتير بدور عليك يا صاحبي»
بدا غائبًا عن ما حوله لا يهتم، شعر فاروق بمعاناته فأحاط كتفيه بذراعه وحركه قائلا «هو الحل تجعد جنب قبر أبوك؟»
زفر مشاركًا فاروق وجعه وأفكاره «تعبت يا فاروق والله»
هتف فاروق بحنو «ولا تتعب ولا حاجة ولا يهمك منهم خالص عدّ الي بيحبوك مية مرة وعدّ الي بيكرهوك مرة هتلاجي نفسك كسبان،الحب بكتير يا صاحبي بس الكره ببلاش»
هتف رضوان بضيق «الي بيكرهوني ممررين العيشة»
ضربه فاروق بقبضته على كتفه عاتبًا «والي بيحبوك محلينها هنجعد احنا قصاد الي بيكرهونا ما يغورو فداهية وبعدين مين الي بيكرهك مش قمر وسحر طب ما طبيعي هو أنت فالمدينة الفاضلة هما هيحبوك بعد الي حصل! وبعدين عمك زيدان ده أصلا راجل عفش هو حد بيحبه أصلا فالبلد كلها»
صمت رضوان فتابع فاروق «دا أنت كفياك ضي والله بالعيلة كلها تكبر واتجوزها، صلّح موقف أبوك يمكن يهدوا»
تأفف رضوان قائلا «متهزرش يا فاروق الله يكرمك أنا مش ناجص»
هتف فاروق بجدية «وأهزر ليه والله البت دي هتكون من نصيبك وبكره تجول فاروق قال»
تأفف رضوان موضحًا «ضي زي ليلى أختي يا فاروق»
نظر إليه فاروق وقال متهكمًا يستنكر «أختك! ماشي مشيها أختك دلوك»
هتف رضوان بإنزعاج «أنا فايه وأنت فايه يا أخي ضي دي عيّلة صغير»
سحب فاروق ذراعه من على كفي رضوان وقال بلا اقتناع يجاريه في قوله ببسمة ساخرة «أيوة صغير بينكم أربع سنين بحالهم»
زجره رضوان بنظراته فابتسم فاروق متبرئًا «ايه! أنا مجولتش حاجة أنت معاك حق»
صمت رضوان فسحب فاروق الناي من جيب جلبابه وقال بحماس «بجولك ايه أنا هديك مقطوعة حزايني تخليك تجطع شرايينك»
ضحك رضوان على دعابته فحثه فاروق بحماس «اسمع واتكيف وجولي»
شرع فاروق بالعزف وهو مغمض العينين مسترخيًا، سابحًا في ملكوته ولم يفق إلا على قول رضوان وهزاته المترددة لجسده «واد يا فاروق تعبان»
تجاهل فاروق أول الأمر لكنه مع إصرار رضوان وإلحاحه عاد للوقع يهتف بغيظ «ما عارفك زفت تعبان اسمع واسكت»
رفع فاروق الناي من جديد فهتف رضوان بإهتزاز «الله يخربيتك بجولك تعبان هنا»
نظر فاروق لصاحبه ليوبخه لكن نظراته تسمرت على حيّة ترفع رأسها أمامهما مستمعة لعزفه تشاركهم الأمسية، هتف فاروق «يخربيت أهلك دا تعبان صح»
قال رضوان ونظراته مسلطة عليها بترقب وحذر «طيب هشه ولا أمسكه ولا أعمل أي حاجة»
سخر فاروق منه بفظاظة «أنت فاكرني سيدنا موسى جوم اجري يا واد من هنا»
ختم فاروق قوله بنهوضه وركضه ناحية الباب الخشبي القديم هاربًا، تبعه رضوان حتى وصلا منزل فاروق القريب، استندا على حائط المنزل ملتقطين أنفاسها، نظر رضوان لفاروق الذي قال «كنت فاكر التعابين فبيتكم بس طلع كمان فالحوش بتاعكم أنتو ايه يا أخي كفرة»
قهقه رضوان بصوت عالي جعل فاروق يشاركه الضحك بقوة على هذا الموقف الغريب وركضهما.
توقف فاروق قائلا بحنان «اضحك يا صاحبي محدش واخد منها حاجة والله»
*********
عاد رضوان فوجدها جالسة على إحدى العتبات الرخامية منكمشة بأسى أكل قلبه بالقلق والإشفاق، اقترب منها يهتف «ضد بتعملي ايه هنا»
وكأنها فاقت للتو، عادت من شرود بعيد على صوته الدافيء، ابتسمت قائلة مستعيدة توازنها برؤيته «مستنياك»
طافت بعينيها على ملامحه، وجهه البشوش تكسوه لمحه من خجل وحزن، ابتسم مشاكسًا يخبيء حرجه مما حدث بالمرح «ليه عايزة مني إيه؟»
اقتربت والدته بلهفة «حمدالله على السلامه»
ابتسم مجيبا «الله يسلمك يا أما»
قالت بنظرة متأسفة وهي تنظر لضي «جاعدة من ساعة ما طلعت ورأسها وألف سيف ما تجوم ولا تدخل لغاية ما تاجي وتشوفك»
نظر لضي قائلا بامتنان «فيها الخير ضي»
ثم مدّ كفه لها يدعوها بحنو «جومي يلا اتعشي معاي »
نظرت لكفه المفرودة أمامها، وابتسمت بتردد قبل تمنحه كفها فيسحبها لتقف، سار جوارها حتى منزله يحكي لها ما حدث معه هو وفاروق الليلة، ضحكت رغم ما يعتريها من حزن، ترى ألمه واضحًا وإن تجاهله، تشعر به يتسرّب يتسرب من مساماته لقلبها العاشق ولا تملك إلا أن تجاريه في مزاحه وتعينه على النسيان والصمود، دخلت المنزل البسيط مرهقة وصامتة جلست في ركن من أركان المدخل فوق سرير جريدي منكمشة بتعب، تتأمل المنزل كأنها تتعرف عليه، منزل بسيط مكوّن من حجرتين وصالة بمنافعهما.
صالة مربعة صغيرة مقابلها حجرته، في الداخل على اليمين حجرة أخرى وعلى اليسار سلّم يؤدي إلى سطح أسفله مطبخ وحمام صغير.
خرج فوجدها جالسة بأسى وبؤس شديد، جلس جوارها يسأل عن والدها وأحواله فقالت «راحوا بيه مستشفى أسيوط بس الي أعرفه عنه»
طمأنها بحنان «هيبجى بخير اطمني»
تثاءبت قائلة «ان شاء الله»
سألها ببعض التردد «حصل إيه مع عمي قبل ما يطلع يوم الحادثة يا ضي؟»
نظرت إليه مترددة قليلًا فقال «مرت عمي بتجول إني السبب في الي حصله»
قالت مدافعة عنه بشراستها المعتادة وعصبيتها، تصرف عنه ظن السوء بدفاعها «مش أنت ومتصدجش حد ولا حاجة هو أنت كنت معاه؟»
ابتسم بامتنان قبل أن يسألها بتوسل «ايه الي حصل يومها يا ضي خلى أمك تجول كده»
نكست رأسها مفكرة لا تحب مضايقته بالحكي، يكفي ما حدث اليوم وبالكاد نهض بكبريائه منه وبكرامته البهيّة، نهضت فجأة متعللة «هروح أشوف عبدالله ونور الحمدلله انك كويس»
لن تخبره بما أنتووا فعله ولا تدبيرهم الشيطاني لتحطيمه لن تكسره مرة أخرى اليوم، وتلقيه فريسه لهواجسه وظنونه، ولأفواه الحزن الضارية تلوكه بين ضروسها...استوقفها فقالت بتلقائية «أنا معرفش حاجة ولو أعرف هجولك متسمعش كلام أمي يا رضوان أنت عارفها»
ابتسم قائلا بحنان «خليكي اتعشي معاي طيب يا ضي،و افتحي نفسي»
ابتسمت قائلة بأسف قبل أن تخرج من المنزل وتعود للبيت «ماليش نفس اتعشى أنت بالهنا والشفا»
تناول ما سد به رمقه وبعدها غادر ليُطمئن ليلى ويطمئن عليهما.
********
في اليوم التالي ظهرًا
عليه أن يرى نجمة، يحتاج لأن يبصر بطهر قلبها، يحتاج لأن يتدفأ بمودتها الصادقة وحنوها، الجميع هنا لا يبصر الجميع فقدوا نور عينيهم وحدها من تبصر وترى الوجود على حقيقته وحدها من ستعينه، يسير إليها في وضح النهار رغم ذلك الطرقات مظلمة لا يعرف هل هو انعكاس ظلمة أفكاره وسوداويتها أم أنه فقد بصره حقًا... لا يثق أن عمته ستسمح له برؤيتها لكنه سيحاول، سيدعو الله أن يراها حتى يصل، سيبتهل ولو كان آخر طلب له في الحياة.
من تنير عتمة الظلام حولها تستطيع أن تضيء أفكاره، النجمة الساكنة في بيت مظلم وتضيء رغم شقاؤها هي من ستلهمه الطريق.
وصل لمنزل عمته طرق الباب بتردد، رآه محارب وتجاهله، ابتسم مستلذًا بوقوفه على بابهم، تركه يطرق حتى يتعب ويرحل، لو يملك مزاجًا لفتح الباب وتسلى، لاتخده مادة للفكاهة والتندر، لأذهب التعب عنه بتعذيبه والسخرية منه لكنه مشغول البال تعيس اللحظات يملك القليل من الوقت والرفاهية، لديه ما يسعى لانجازه فليتركه ليوم آخر، دار رضوان حول المنزل بأمل، حتى وجدها في النافذة تمسك حمايته الحديدية بكفيها كأنها تنتظر، وقف أمامها قائلا بصوت مبحوح «ازيك يا نجمة»
ابتسمت، ثم تحولت ابتسامتها لضحكة خففت من حمولة قلبه الثقيلة، قالت بسعادة «رضوان»
قال بأسى غلبه «جيت أجعد معاكي واتكلم محدش فاهمني يا نجمة»
عبست بهم وحزن فقال وهو يسند ظهره لحائط النافذة وينظر أمامه «أنا تايه مش عارف أعمل إيه،بتعاقب على حاجة مش عارفها ولا فاهمها »
أخرجت كفها من الحماية متحسسة حتى وضعتها على كتفه في مؤازرة حنون، ترك كفها على كتفها كطائر وحيد وصمت صمتًا ثقيلًا، شاركته فيه، بعد قليل التفت لها وجدها على حالها واقفة فأشفق عليها من هذا السجن،من الوحدة والظلام ، كلاهما يتشارك سجنه الخاص في هذه العائلة، لكل واحد ظلمته، سحب قطعة قماش مزخرفة كانت جوارها على حافة النافذة، عصب بها عينيه، أراد أن يبصر بقلبه، أن يرى الأشياء كما تراها نجمة في ظلمة اختارها ولم تُفرض عليه، أن يرى ما استقر في جفونه، رأى أحلامه العصية تتحقق دون ركض، دون حرب بسلاسة ونعومة، رأى شمسًا تشرق على حياته، رأى نفسه يصنع أحلامًا بفرشاة الأمل ويحققها بصبر دون ملل.. ابتسم أخيرًا هدأت نفسه فك العصابة ورحل بعد أن ودعها بلطف.
************
ثلاثة أيام مرّت دون أن يراها كعادته، لا تقفز حوله ولا تتبعه في سيره، افتقد مشاكستها، التصاقها به وثرثرتها، اسألتها التي لا تنتهي عن كل شيء وأي شيء كأنه العالم ببواطن الأمور وظواهرها، افتقد نظرتها إليه، سأل والدته عنها «ضي مجاتش يا صبر؟»
هزت صبر رأسها بالرفض والقلق ينهش عقلها مثله، خرج من المنزل بطاقة افتقاد عالية فنبهته والدته التي شعرت به «متروحش البيت الكبير يا رضوان»
هز رأسه بصمت متفهم وسار ناحية المنزل الكبير الشامخ، دار حوله يتطلع لنوافذه وشرفاته عله يلمحها أو يرى منها ما يطمئنه ويسر خاطره المشغول، يومان كثير عليه وهو الذي اعتادها مع الأنفاس... ظل هكذا يطوف بلا هدى أو راحة حتى قرر الذهاب لليلى فهي من ستعرف أين هي وربما تأتي معه لتطمئنه.
رأته قمر من الأعلى يحوم حول المنزل تلذذت بحيرته الواضحة وانتشت بقلقه، استعذبت توهته وسيره في دروب الوحشة والحذر، يحوم حول الصغيرة ولا يقدر على الاقتراب، تذكرت ضي التي هدها المرض ومنعها منه، والذي لولاه ما سكنت بعيدًا عنه ولا رضيت، ابنة أختها تسير في نفس الدرب، تتبع أثر خطواتها لكن كيف سيكون مصيرها معه؟ هذا الحقير ربما يشغلها به لهدف، يتقرب منها ويعلقها به ليصبح له شأن وهذا ما لن تسمح به، ضي تستحق الأفضل حياة ليست كحياتها تعيسة.
عادت لعبدالله ونور المنشغلان باللعب، بالغت في حنوها عليهما وبعدها جلست جوار ضي النائمة بإرهاق وشحوب، تحسست بشرتها ثم دثرتها جيدًا وتابعت وضع كمادات المياه الباردة على جبهتها فالصغيرة ترفض تناول الدواء من يدها والطعام، تشفق عليها حقًا مما هي فيه وتخاف، مسحت على رأسها متنهدة قبل أن تطبع فوقها قبلة دافئة وتواصل ما تفعله حتى تعود إليها قوتها.
ابتهجت ليلى حين رأته قفزت مستقبلة له بحنان واحتواء لا يجده عند غيرها، لاحظت انشغاله فسألته «إيه قالقك كده؟»
أجابها بما يشغل باله ويقلقه «ضي مختفية»
ابتسمت ليلى قائلة «تلاجيها ملهيّة فحاجة ودلوك تظهر»
عارض تخمينها «لاه يا ليلى دول تلت أيام بحالهم ضي متختفيش كده غير لو في سبب قوي»
فكرت قليلًا في منطقه ثم أيدته «تصدق صح دي حتى مشمتش ريحتك وجات بجالها تلت أيام»
ضرب مؤخرة رأسها عاتبًا بإنزعاج «أوف منك»
ضحكت قائلة «تلاجي جمر منعاها ولا مشغولة مع أخواتها سيبها تريحنا شوية»
صمت بضيق منشغلًا بأفكاره وقلقه، لاحظت ليلى حالته فأشفقت عليه وقالت متطوعة بحنان «خلاص متزعلش هروّح معاك اطمن عليها»
ابتسم بامتنان وظل قلقه عليها يشغله عن الحديث والثرثرة حتى عادا معًا، هو ذهب لمنزله وهي دخلت المنزل الكبير.
ثم رجعت إليه بعد مرور وقت أخبرته بصدق إحساسه ونبؤته «كان عندك حق البت تعبانة جوي»
انتفض بفزع «ليه كده»
تابعت ليلى بأسف «والغبية عشان تعاقب عمتي مرضياش تاخد العلاج ولا تاكل»
ضربت صبر صدرها متأسفة على حال الصغيرة «يا بتي»
تحرّك قائلا باندفاع «هروح أخدها غصب وأوديها للدكتور»
أمسكت ليلى به مهدئة «رضوان اهدأ أنا هروح اجبلها علاج وارجع وهتاخده مني»
قال بعناد «لاه نوديها الدكتور»
طمأنته ليلى «متجلجش والله هتبجى كويسة»
جلس منهارًا يجلد نفسه بالندم «ده كله بسببي، أنا عارف»
جلست ليلى جواره مسحت على ظهره قائلة بحزم «لاه مش بسببك وبطل تشيّل نفسك كل حاجة كده، شوية عيا وهيروحوا»
مسح وجهه بكفه وصمت فنهضت قائلة «يلا بينا نروح نجبلها الدوا مع بعض»
غادرت ممسكة بكفه، تسير جواره بفخر وكبرياء وأمان.
في المساء طاف حول المنزل الكبير دون يأس وهو يرفع رأسه للأعلى في ترقب، ظل هكذا حتى منحه القدر صدفة أحيت قلبه، أضاء مصباح حجرتها فقرر المغامرة، طرق بحصاه على باب الشرفة وكله أمل، لا يخشى قمر ولا يهاب العواقب، خرجت حين وصلتها رسالته وقفت في الشرفة تبحث عنه بعينيها المتعبة حتى وجدته، لوّحت له فأشار لها ثم ركض ناحية منزله، بعد قليل آتى فوجدها مكانها لكنها مستندة على حافة الشرفة في وضع النوم، شعر بتعبها فابتأس، كتب لها ما أراد قوله في ورقة وضع فيها حصى صغيرة ثم قذفها للأعلى، اعتدلت باحثة عنها في أرض الشرفة ثم تناولتها وقرأتها «خدتي العلاج بجيتي كويسة؟ محتاجة حاجة أجيبهالك؟»
ابتسمت وعادت لحجرته باحثة عن ورقة وقلم، كتبت إجابتها «أنا كويسة اطمن بس بريحك مني ومن مشاكلي شوية»
قذفتها نحوه فقرأ ما كتبت بأسى وحزن ثم أرسل لها الرد «متريحنيش لو فيها تعبك مترحنيش خالص
يا ضي»
قذفها فتناولتها قارئة أومأت له بامتنان وشكر تلك المرة فقذف أخرى «تعالى يا ضي بيّتي مع أمي، هعملك ينسون»
ضحكت وأرسلت له جوابها في ورقة كرمشتها وقذفتها ناحيته«لاه مش هجدر تصبح على خير وأنا مبحبش الينسون بحب اليفتكرون علطول»
ضحك حين قرأها ورفع نظراته المتوسلة يحاول اقناعها فلوحت له بيدها مودعة ثم دخلت الحجرة في حسم مغلقة باب الشرفة عائدة لفراشها بوهن واضعة رسائله أمام عينيها على التخت.
#انتهى
+
