رواية اصداء القلوب الفصل الرابع 4 بقلم سهي الشريف
4 | لُقيـا يُـشبِه العُـمر
أخي ما بَالُ قلبكَ ليسَ يَنقَى؟!
كَأنَّكَ لا تَظنُّ المَوتَ حَقَّا!
1
أَلا يَا ابنَ الذينَ فَنوا وبَادُوا
أَمَا وَاللّٰهِ مَا ذَهبُوا لِتبقَـــى!
+
- أبو نواس.
+
رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الأول
#سهى_الشريف
+
— قـراءة مُـمتعـة ෆ
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
" ليس الألمُ هو الأسوء، بل الذكريات "
+
-
+
- أنا جيت عشان أطمن عليك..
+
بينما تسمر " آسر " بمكانه وعقدَّ حاجباه بضيق ملحُوظ على إنكماش ملامحه ، ثم قال :
+
- بتعملي إيه هنا يا نورين؟
2
أرتسمت إبتسامه عريضه على وجهها و قالت بصوت ناعم مُتصنع:
+
- يا آسر أنا جـ ...
+
قاطعها هو وقال بنظرات صارمة :
+
- بيه .. آسر بيه !!
2
فتحت فاههَا بعدم فهم ثم مطتها بعدم إكتراث و قالت :
+
- بس يا آسر إحنا مش بـ ...
+
قاطعها بضيق و قال :
+
- بييييه .. قولي "بيه" بعدين نتكلم .
+
- آسر بيه .. كده انبسطت .
+
قالتها " نورين " بمزاح وابتسامه خفيفة فأشاح " آسر " بنظره الجهه الآخرى مُتنغصاً من دلعها المُتصنع ثم أدار وجهه لها لكن نظر بعينيهِ للأسفل وقال بعدم صبر :
+
- عاوزه إيه ؟
+
لم تقل شيئاً ، وأقتربت إليهِ وحاوطت بذراعيها حول جسده تضُمه ، فاتعجب الجميع مِن فعلتها فلم يُبادلها "آسر" بشئ بل لم يدفعها عنها فوجدته بارد الرد ، فرفعت رأسها من على صدره وأبتعدت عنهُ و حاولت تزيف ابتسامتها وقالت :
5
- عموماً وحشتـ ...
2
قاطعها بفزع صوت عُكاز "فاروق " وهو يضُرب الأرض بضيق، إذ كان ينظر باتجاه آخر لكن لم يستطع أن يغفل عن حديثهُم ، ابتعد "آسر" عن المشهد وجلس بجانب والده، حيث عمّ الصمت المُطبق على الجميع وكأنهم حُشروا في عُلبة فارغة.
+
سارت "نورين" وجلست على المقعد بجانبه ببضع سنتيمترات ، ثم تعدل "وائل" في جلسته يلاحظ ذلك الصمت المُخيم و رفع ذراعيه وصفق بكفاه بقوه لـ يُفاجئ الجميع بصوته المرح قائلاً :
+
- طيب.. تعالوا أقولكم إزاي أنقذت الطيارة !
+
ضحك البعض في أنفسهُم ، حيث كانوا يعلمون أنهُ لم يفعل ذلك بمفرده، لكن روح الدعابة التي يتمتع بها "وائل" كانت كفيلة لتخفيف الأجواء و باتت أنظار الجميع مُتجهة نحوه بتوقعات مُتشوقة، بينما كان "آسر" ينظر إليه بابتسامة خفيفة تتلاعب على شفتيه وتراقبه "نورين" بشغف دون عِلمه .
2
تحامل "وائل" رغم تعبه و بدا كالمُمثل المُتألق على خشبة المسرح، و بدأ يحكي عن أحداث تلكَ الرِحلة المليئة بالمُغامرات، ولكن بأسلوبهِ الكوميدي الذي يُضفي روح الفُكاهة حتى على أصعب اللحظات.
+
قال "وائل" وهو يُلَوح بيديهِ بشكل مُبالغ فيه :
+
- أول ما عرفت إننا هنسقط في البحر ، المصري إلي جوايا أشتغل ونسيت إني معايا أجانب وقُلتلهم يا جماعة، عايز أقولكوا إحنا هننزل دلوقتي، بس بصوا عشان ماتتلخبطوش... هننزل في الميه ..
+
فضحك الجميع على قوله ، وأكمل فوراً :
+
- أصل البنت المُضيفة طلعت مصرية و كانت عمالة تصوت بتقولي سكت الركاب و وخفف عنهم وأنا معرفش عن التخفيف غير أهزر ..
+
أرتسمت على ملامحه التفاجئ وهو يقول :
+
- المشكلة بقا هيا هياها لقيتها بعد شوية بتظبط الميكب بتاعها وكأنها داخله مسابقة جمال الطيران فقربت منها وبعد شوية، ناديت عليها وقلتلها "بس يا قمر، انتِ مش حاسة بأننا بنطير وهنموت في ثانية؟!" و كانت بتتكلم جد وهي بتقول "أصل الميكب دا مهم،عاوزة أضمن إني أكون حلوة لما نعوم في البحر!" فقلتلها "طب لو عومنا في البحر، تفتكري هنعوز فاونديشن ولا سن سكرين ؟! "
1
تبادل الحُضور الضحكات، فالبعض لم يستطيعوا السيطرة على أنفسهم حتى بدأوا بالانهيار ضاحكين، بينما اكتفى آخرون بابتسامة عريضة تُعبّر عن تفاعلهم مع حِس "وائل" الفُكاهي، رغم أن الموقف كان أقسى مما يمكن تصوره.
+
استمر "وائل" في سرد مُغامراته، و يضيف تفاصيل مُضحكة تتعلق بصراخه المُفاجئ، وآخر لحظة وهو يحاول التمسك بآسر ولا يفارقه ، فكانت الضحكات تملأ المكان وكأن تلك الأوقات العصيبة تحوّلت إلى ذكرى لذيذة تُحكى للأصدقاء.
1
مسح "آسر" بأطراف أنامله عيناه المرهقتان فانتبهت " علياء " - والدته - له فتحدثت بلهجه عاليه بعض الشئ أنتبه الجميع لها :
+
- قوم أطلع نام في أوضتك يا آسر .. قوم إنتَ مش قادر تِفَتَح .
+
هز "آسر" رأسه لها بموافقة بينما قال له "وائل" :
+
- طيب أطلع إنتَ نام و أرتاح و أنا قاعد شوية ..
+
قاوم "آسر" ليفتح عيناه و سار إلى "وائل" وأمسك معصمه بإحكام وقال :
+
- معلش يا جماعه.. دا لازم يتعلقلوا محلول تاني فاهخدوا منكم بقا..
+
لم ينتظر "آسر" اي رد من "وائل" ولا من الجالسين وجره من مِعصمه ورائه وهو يُصارع الرؤية فقال "وائل" بحرج:
+
- أصل كُنت بموت و أنا جاي .
+
ثم أكمل وهو يَخطوا على الدرج لأعلى وراء "آسر" :
+
- أول ما أصحى هاحكيلكم الباقي..
+
نظر الجميع في إثرهم ولم ينطق أحد بشئ فوقفت "علياء" بعد أن أدركت و هتفت :
+
- و الغدا ؟
+
رد "رياض" عليها و قال :
+
- خلاص سبيهم يا أم يا آسر زمانهم هلكانين.
+
تنهدت "علياء" بعُمق، وجلست مرة أخرى ، كانت الأجواء مليئة بالدفء، وضحكاتهم تعكس الراحة الذي يشعرون به جميعًا بعد الاطمئنان على سلامة وائل و آسر ، و بعد فترة قصيرة، جاءت إحدى الخادمات بابتسامة عذبة وأخبرتهم بأن الغداء قد اكتمل.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
" مؤلمٌ أن يأتي الخُذلان من أقربُ الناسِ إليك ".
+
-
+
استمرت "ليلى" في البُـكاء بشكل مرير من قسوة والدها تجاهها، وعدم إعطائها فرصة للتعبير عن نفسها أو شرح أحلامها.. لقد كانت تأمل أن يُسندها ويدعمها، فكُلنا نلين بالدعم، وإن كان مُجرد إيمان الآخرين بأحلامنا.
+
نعم إنها أحلامها، لكنها بحاجة إلى من يُشجعها ويحفزها، لأن شعور الإفتقار إلى الدعم يزيد من وطأة الألم ، وعندما يكُون الملجأ الوحيد هو والدها، و الذي يقُص أجنحتها في كل مرة تحاول فيها الطيران نحو تلك الأحلام، فهذا أقسى ما يُمكن أن تشعر به.
+
توقفت عن البكاء تدريجياً، وأخذت أنفاسها بصعوبة، تحاول تهدئة ضربات قلبها وضيق تنفُسها، حتى لا يستمع والدها إليها ويحدُث ما لا يُحمد عُقباه ، و بينما كانت غارقة في عالمها الحزين ، انتبهت إلى صوت طرقات خفيفة يصل لمَسامعها .. فـ رفعت رأسها قليلاً تبحث بعينيّها عن مصدر تلكَ الطرقات الغريبة، حتى اكتشفت الصوت الخافت الذي يأتي من نافذتها.
+
أسرعت ووضعت حِجابًا على رأسها بشكل عبثي، ومسحت دموعها سريعًا، مُحاولة إخفاء مشاعرها الجريحة واقتربت من النافذة وأزالت الستار الذهبي، لترى وجه "كريم" فكاد قلبها أن يقفز من مكانه، وكادت تصرخ من المُفاجأة، غير أنه أشار إليها بإصبعه السبابه على فمه لتصمُت فـ أدركت أنها يجب أن تبقى هادئة.
+
- متخافيش.. دا أنا..
+
همس "كريم" بصوت خافت، ليُطمئنها ، و أقتربت منه وبصوت مرتعد، قالت:
+
- كريم، أنت بتعمل إيه؟ أبويا لو شافنا مش
هيكفيه موتي ...
+
استدار "كريم" برأسه يتفحَص المكان حوله، ثم قال:
+
- إنتِ مش شايفة عينك عاملة إزاي؟ أنا جيت أطمن عليكِ.
+
أبتلعت "ليلى" ريقها، وبنظرات يائسة :
+
- معدتش تعمل كده تاني يا كريم، بالله عليك...
+
ابتسم لها "كريم" بابتسامة دافئة، وقال:
+
- حاضر... عشانك بس... بحبك .
+
شعرت "ليلى" بالخجل، لكن الابتسامة ارتسمت على شفتيها، وقالت:
+
- وأنا كمان...
+
استدار "كريم" ليُغادر، بينما رفعت "ليلى" ذراعها لتغلق الستارة جيدًا، لكنها فوجئت بدخول والدها المُريع، ونظراته الجامدة ، فقال :
+
- بتعملي إيه عندك؟
+
تجمدت يداها في مكانها، وحركت ذراعيها بسرعة، فأغلقت الستار، وحاولت أن تتمالك نفسها فقالت:
+
- مفيش يا بابا... الهوا فتح الستارة فقمت أقفلها.
+
لم يُعقب سامي - والدها - بل استدار ليخرج، وقال وهو يستدير:
+
- أطلعي أعملي الغدا.
+
- حـ... حاضر حاضر يا بابا...
+
قالتها "ليلى" وقد تنهدت بارتياح بعد أن تجنبت الشُكوك و خرجت من غُرفتها لتصنع الغداء، وابتسامة خجولة تُزين وجهها من تصرف "كريم" وحبه لها فـ شعرت بأن هناك أمل في الحياة، حتى وإن كان من بعيد، وأنها ليست وحدها في رِحلتها نحو أحلامها و الحُب، حتى في أبسط صُوره، يُمكن أن يكُون دافعًا قويًا للمثابرة والمُضي قُدمًا، رغم جميع التحديات.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
ج
+
لست "ميار" على مكتبها ثم فتحت جهازها اللوحي " الحاسوب " وتتنقلت بين ملفاته ليفتح لها ملف بعنوان " دليل المُعلم " وهو كتاب خاص بالمعلمين يختلف عن كتاب الطلاب .
+
ثم وضعت دفتر التحضير أمامها وبدأت بالتنقل بين الملف مع إضافة أسلوبها وطريقة طرحها للمعلومة و بالطبع ، تنقل باللغتين العربية والإنجليزية .
+
ولكن قاطع تركيزها طرقات مميزة تعرف مَنّ مصدرها فأذنت لهُ بالدخول فما كان سوا أخيها " نور " الذي فتح باب غُرفتها وأنحنى برأسه من ورائه ،ليراها بنصف وجه ، بينما ميار تركيزها مازال في التحضير و لكن أنتبهت لفعلته فرفعت عيناها لهُ و تسائلت :
+
- إنت بتعمل إيه عندك ؟
+
فتح "نور" الباب كاملاً و دلف منهُ وأتجهه صوب فراشها وجلس على طرفه بملامح بريئة فرفعت "ميار" نظرها له بتعجب وقالت :
+
- في إيه ؟ مقتِحم اوضتي كده ليه ؟
+
فرد بكل ببرود قائلاً وهو يدور بعينيه في الغرفة :
+
- أصل هتوحشني ..
+
تعجبت "ميار" من كلماته ، فقالت :
+
- هيا اوضتي إلي مفروض توحشك ولا أوضتك؟
+
فلم يُجيبها بل نهض يدور بالغرفة بعبث يُمعن النظر فيها فقالت "ميار" بنفاذ صبر :
+
- لو عاوز أوضة تلف فيها .. روح أوضة ريم فاضية ، مش هتلاقي فيها حد .
+
رد عليها بينما مازال يدور بالغرفة:
+
- لا أوضة ريم مسكونه ..
+
رفعت "ميار" حاجبيها وقالت بسخرية :
+
- نعمم ؟؟
+
- فيها عفاريت ..
+
قال "نور" كلمته الأخيرة بينما توقف عن الدوران بالغرفة و وجهه نظراته "لميار" فضحكت باستنكار وقالت :
+
- أنت بتخاف من العفاريت يا حضرة الظابط؟
+
ثم عادت تضحك بغير تصديق فعاد "نور" وجلس على طرف فراشها وأرجع جسده للوراء و أستلقى عليه فأنزلت "ميار" نظارة القراءة وقالت :
+
- إلا صحيح إنتَ عاوز تبقى إيه ؟ وكيل نيابة ؟
+
فقال "نور" بشرود :
+
- اه .. عشان أخلصك من القضايا..
+
ظهرت ملامح تنغُص على وجه "ميار" و هتفت :
+
- نعم يا أخويا ؟؟
+
ثم تنهدت و تابعت :
+
- بص بقولك إيه ! أنا شغلي شريف مية في المية..
+
فضحك "نور" بهدوء ونظراته مُعلقه بالسقف و قال :
+
- اه طبعا .. إنتِ عارفة المدرسين ممكن يدخلوا في كم قضية ؟
+
ثم تعدل في جلسته و نظر تجاهها وأكمل :
+
- عندك مثلا .. يخادوا رشاوي ويبدلوا درجات طلاب بدرجات تانية وظُلم يحصل ، غير الضرب للأطفال و التحرش إلي بيحصل من البعض ، وعندك إلي يدوا دروس و بعضهم واخدها التجارة في الطلبة و التعليم .. و غيره كتير بقا..
2
ثم نهض و سار تجاه الباب و ردد :
+
- كُله إلا الظُلم .. كُله إلا الظُلم .. الظُلم ظُلمات يوم القيامة .
1
وخرج وأغلق الباب خلفهُ فتابعت "ميار" في إثره وضحكت باستنكار على تصرفهِ وهزت برأسها بغير تصديق ثم عادت لدفتر تحضيرها.
+
حين خرج "نور" من غرفة "ميار" ذهب لغرفته وأخرج حقيبه رياضيه كان قد أعدَّها سابقاً وخرج من الغرفة فوجد والدته في الصالة تتابع أحد القنوات الأخبارية تعرض ما يحدث لأخواننا المستضعفين في غزة فوقف و وجهه نظره للتلفاز يُتابع تلك المشاهد الدموية والأخبار تنقل زيادة عدد الشهداء ، فخيم ضيق شديد عليه ودعا في صميمه على من كان سبب ما يحدث لهم فلاحظت "فريدة" وقوفه فسألته:
+
- إنت رايح الجيم !
+
فاخفض أهدابه وقال :
+
- أيوه يا أمي .
+
أومأت "فريدة" رأسها بتفهم ثم ودعها "نور" وخرج من المنزل.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- أنا مش عارف مطلعني على ملا وشي كِده ليه ؟
+
كان هذا قول " وائل " الذي لم يفهم تصرف " آسر " في جرهِ معهُ للصعود للأعلى، فوصل الأخير لغُرفته وأفلت معصم " وائل " وأوصد الباب عليهُم ثم سار بخطَوات بسيطه عنه و الضيق يعتري أنفاسُه التي تخرُج بتأفف و تلك الملامح المُنزعجة التي تعلوا وجههُ ، فكان يُتابع "وائل" حالته تلك و الإستياء الظاهر بشده عليه .. فهو يعرف "آسر" لا ينزعج بسهولة فكونه إنزعج فهذا الأمر مُختلف، فقال "وائل" حينها بتفهم :
+
- امم فهمت ، عشان البنت إلي تحت دي !
+
- أنا مش عارف إيه إلي جابها ! أنا كُنت ناقصها !! كُنت ناقصها أنا في يومي ده ؟!
+
كانت تلك كلمات "آسر" التي ألقاها بغضب فتعاطف "وائل" على حالته وقال بمواساة :
+
- معلش .. أنساها يا آسر خلاص .. هيا كانت ماضي وهتفضل ماضي .
+
مسح "آسر" بكفه على وجههِ بتصبُّر فحاول "وائل" تغير الموضوع بأسلوبه الطريف الذي يلجئ إليه في كُل مُشاحنه فوضع قبضتاي يداه على جانبي خصره و قال :
+
- أيوه هنام فين بقى ؟؟
+
وهو يدور بعينيه الغرفة فلم يكُن بها سوا فِراش واحد، فنظر لهُ "آسر" فتحدث مُحاولاً تهدئة نفسهِ وقال :
+
- لا إنتَ مش هتنام هنا ..
+
فقطب "وائل" حاجباه بتعجب وقال :
+
- أومال مطلعني هنا ليه ؟
+
- إنتَ هتطلع تنام في الأوضة إلي جمبي .
+
كان هذا تبرير "آسر" فرد "وائل" :
+
- طيب ما كنت سبتني أتغدى بقا ..
+
- لا أنت مش قادر دلوقتي .
+
- لا و واثق أوي !
+
سار " آسر " بضع خطوات وجلس على طرف فراش و صمت مُطبق يحوم حولهُ دون رد فـ بنبره هادئه قال " وائل "بقلق :
+
- بس البت دي مش هتسيبك .. وأنا خايف عليك .
+
لم يُحرك " آسر " ساكناً وقال بشرود :
+
- متخافش عليا ..
+
نظر " وائل " لهُ بتعجب فهذه ليست من عادة " آسر " التحدث بها حتى في أسوء حالاته.. فتنهد " آسر " بهدوء وقال يُلقي كلماته " لوائل " :
+
- أنا عارف إنك تعبان .. روح نام ..
+
ثم ألتفتَ عن يمينه فوجد المحلول الخاص " لوائل " فقال لهُ باهتمام :
+
- و خد المحلول دا معاك كمان علقُه ..
+
تنهد " وائل " بقلة حِيلة و سار عدة خطوات ليأخذ المحلول منهُ وقال بنبره هادئة :
+
- حاضر .. تصبح على خير..
+
أمال " آسر " برأسهِ باطمئنان ولكن حاز في نفسهِ تردد طفيف فنهض و قال :
+
- بص .. أستني أنا جاي معاك
+
ألتفت " وائل " له بعد أن كانت هُناك خُطوة واحده تفصلهُ عن فَـتح باب الغرفة و علاهُ تعجُب وقال :
+
- إيه ! .. إنتَ هتنام معايا في نفس الأوضة ؟؟
+
- لا أنا عاوز أطمن عليك ..
+
نظر لهُ قليلاُ ثم تفهمَّ " وائل " الأمر وخرجا سوياً من غُرفة " آسر " للغُـرفة المُجاورة ثم فتح الأخير بابها و قال :
+
- أدخل يلا .. ونام على السرير ..
+
دلف " وائل " ثم سار عدتّ خطوات و قبل وصولهِ الفراش قال لهُ" آسر " :
+
- ولا أقولك .. تعالى هنا .. أنا همشي و إنتَ أقفل الباب ورايا بالمفتاح
+
هز " وائل " لهُ رأسه بوهن ، ثم أردف " آسر " :
+
- تعرف لو حد خبط عليك و مقلتش مين قبل ما تفتح الباب .. هعمل فيك إيه ؟
+
أرتعد " وائل " من وعيده و رد :
+
- خلاص مش هفتح لحد و هنام على طول وهعلـ ...
+
- طب بص هعلقك المحلول الأول و بعدين أمشي ..
+
اندهش " وائل " من تردد " آسر " كل ثانية ، رد برفض :
+
- لا متتعبش نفسك هعرف أعملها لوحدي .
+
- هو إنت تعرف هتحطها في إيدك منين ؟ هات كده !
+
لم يرُد " وائل " بشئ بل تضاربت تسائُلات في نفسهِ كثيره
+
- لا كده كتير تصرفاتك مش طبيعيه، معقول الرحله أثرت على دماغك؟ منا كنت معاك و محصليش حاجه .. يعني أغمى عليا بس ، أنت غريب أوي ! .
+
تجاهل "آسر" تمتمه ووضع إبرة المحلول في الكانيولا "القنية" بعناية، ثم فتح صمام المحلول، ليبدأ السائل بالتدفق عبر الأنبوب الطويل، مرورًا بالكانيولا ومتوغلًا في دم "وائل"، و بعد عدة ثواني شعر "وائل" بهزة غريبة في جسده، مما جعله يفقد توازنه.
+
انتبه "آسر" لحالة "وائل" و اقترب يسنده على طرف الفراش برفق ،ثم وضع رأسه على الوسادة خلفه، و بعدها أعتدل "آسر" في وقفته وأطلق ابتسامة ُمطمئِنة، مُواسيًا "وائل":
+
- تصبح على خير .
1
بينما كان "وائل" مُغمض العينين، يحاول الاسترخاء والاستسلام لصمت الغرفة، أمال برأسه قليلاً مما كان بمثابة استجابة غير لفظية تعكس شكره ،ثم بهدوء غادر "آسر" الغرفة، وأغلق الباب خلفه برفق، تاركًا "وائل" في عالمه الهادئ، حيث يُمكنه أن يستعيد قوته ببطء. .
+
سار "آسر" بخطوات هادئة نحو غرفته، ولكن بمجرد أن خطى بِضع خطوات داخلها، أبصر وُجودها الذي قشعر لهُ جسدهُ بأكمله ، تراجع باندهاش، ثم تدارك موقفهُ وسأل بغضب:
+
- إنتِ إزاي تدخلي أوضتي؟
+
حاولت أن تتحدث، لكن نبرة صوته كانت صارمة للغاية :
+
- اطلعي بره، بدل ما أعلي صوتي والكل يسمع ، اتفضلي إطلعي برا!
+
كان صوتهُ يصل لـ "وائل"، الذي بدأ يُصارع الرؤية، مُحاولًا فتح عينيه ليتساءل عن سبب صُراخ "آسر" بهذه الطريقة ، وعندما حاول النهوض، لم يستطع مقاومة التعب واستكان مرة أخرى، حتى سمع صوت طرقات هادئة على باب غرفته.
+
فقطب حاجباه وصاح مجيباً :
+
- اتفضل.
+
في لحظة ترقب دلفت أخته "لُبنى" إلى الغرفة، مُمسكة بيدي طفليها الصغيرين ، صاحب الخمس سنوات و صاحبة الثلاث سنوات ثم تحدثت بلطف:
+
- معلش بقى يا وائل، هما عاوزين يناموا مع خالهم.
+
نظر الصغيران لهُ بترقب ينتظران منهُ الإشارة ، ابتسم "وائل" بتعب لكنه لم يستطع مُقاومة مشاعر الشوق:
+
- تعالوا يا حبايب خالو...
+
حتى قبل أن يُنهي عبارته، كان الثُنائي يقفزان على الفِراش من كُل جانب، ويتمددان بجانبه بسعادة غامرة فـ قالت "لبنى" بتردد:
+
- براحه يا ولاد، خالكم تعبان...
+
بينما اقتربا منه، فتح ذراعيه ليضُمهُما بارتياح :
+
- لا، سبيهم، براحتكم يا ولاد.
+
ابتسمت "لُبنى" وتنهدت بارتياح، لكن سُرعان ما سمعت أصواتًا مُتداخلة من الغُرفة المُجاورة ، خرجت سريعًا وأغلقت الباب خلفها وهي تسير نحو غرفة "آسر" .
+
و عند تلك المُقتحمه و نظراتها الغاضبة تجاه " آسر " لا تصدق أن أحداً يصرُخ بها ، لكن قبل أن تتحدث، سمعوا صوت أنثوي يستفسر :
+
- في إيه يا آسر؟ إيه العصبيـ ...
+
توقفت عند رؤية "نورين" في غرفته، فعادت بعينيها إلى وجه "آسر" المُعبّر عن الغضب وفهمت ما يجري فقالت :
+
- بتعملي هنا إيه يا آستاذة نورين؟
+
- وإنتِ مالك؟
+
اتسعت عينا "لُبنى" من جراءة تلك المرأة، لكن صدمتها كانت أكبر عند رؤية رد "آسر" المُفاجئ لـ " نورين " :
+
- بقولك إيه ؟ أنا خلقي بقى على آخرُه ومعدتش طايق حد، ومش طايقك إنتِ كمان .
+
بعد تلك الكلمات خرجت "نورين" من الغرفة بحنق شديد، بينما ظلت "لُبنى" تتبع أثرها باندهاش ، ثم عادت لتنظر إلى "آسر" الذي زفر بغضب، ومسح على وجهِه مُحاولاً تهدئة نفسهُ.
+
فجأة، سمع صوتًا بريئًا يُناشدُه قائلاً :
+
- خالو !
+
كانت "مليكة" تقف بالخارج بجانب باب الغُرفة، بنظرات تتسم بالتوتر ، التفت "آسر" نحوها بسرعة، واسترخت ملامحُه بوضوح وقال مُطمئنًا :
+
- تعالي يا حبيبة خالو.
+
سارت "مليكة" نحوه بهدوء، فجلس على ركبتيه ليُقربها منه، وضمها له بارتياح ،و تفادياً لقطع تلك اللحظة، قالت " لُبنى " بهدوء.:
+
- كانت طالعة معايا عاوزة تنام معاك.
+
أخرجها "آسر" من حضنه وسألها برفق :
+
- عاوزة تنامي مع خالو ؟
+
هزت رأسها عدة مرات بالإيجاب، مما جعل ابتسامة كبيرة ترتسِم على وجهه ، ثم حملها واعتدل واقفاً قائلاً :
+
- تسلميلي يا لُبنى هبقى أكلمك بعدين.
+
أمالت "لُبنى" رأسها دون أن تنطق بكلمة، ثم خرجت بهدوء وأغلقت الباب خلفها، تاركة "آسر" يسير حاملاً ابنة أخته بحُب و توجه نحو الفراش حيث وضعها بجانبه، ونام بجوارها بعمق، داعب شعرها بلطف وهو يتذكر مدى حُب أختِه لهذه الحركة ، كانت تبتسم كلما مدّ يده نحو شعرها، وكان ذلك يُشعره بالحنين العميق.
+
لعل تلك الذكريات كانت تختلط بحسرة الفراق، فدائمًا ما كان يذكُر وجه أختهُ القريب من قلبه، لكن الغائب عن عينه.
+
بينما كان ينظر نحو "مليكة"، امتلأت عينيهِ بالدموع ، جاءته ذكريات طفولتها وكيف كانت تجلس بجانبه، يروى لها الحكايات، وتضحك ببراءة ؛ فـ شعر بارتعاشة خفيفة تعبُر جسده، واستعاد بقوة تلك الروابط التي تجمعهم عبر الزمن.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
" الله أكبر، الله أكبر.. "
+
صدح صوت الآذان في مآذن الأسكندرية ، وتحديدًا كانت تصدح في مسجد "القائد إبراهيم" ، بالقرب من واجهة البحر في مدينة الإسكندرية و هذه المنطقة تعتبر من المناطق الحيوية والتاريخية في المدينة ..
+
فأنهى" إبراهيم " الآذان وكانت تلك المرة الثانية له يؤذن في هذا المسجد فعادةً ما يكون إماماً أو شيخاً في إحدى دروس الفقه .. و والده هو مؤذن المسجد فشعر حينها بسعادة بالغة مُستحضراً قول الرسول ﷺ الذي شجعه على أن يُؤذن ...
+
أنتهت فترة مابين الصلاة و الإقامة وتجمع المُصلون في الصُفوف ، ونُديا لإقامة الصلاة ثم سُد الخلل وتساوت الصفوف ثم صدح : بـ " الله أكـبـر " فدخل الجميع في الصلاة وموعدهم في لقاء ربهم ..
+
بدأ الشيخ إبراهيم - كما يشتهر بين أهل المسجد - بدُعاء الأستفتاح و هو سنة مستحبه، ولو صلى ولم يستفتح صلاته صحيحة عند جميع العلماء، والاستفتاح هو أن يقول بعد التكبيرة الأولى: « سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك » هذا يسمى الاستفتاح، بعد التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام.
+
ثم تلى قاصداً آيات من آل عمران من بداية صفحه ١٩٦ إلى أن وصل إلى ...
+
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ﴾ [آل عمران: ١۹٦ - ١۹۸] و إلى نهاية الصفحه فكانت لهذه الآيات معنى عظيم فكان الله ﷻ يخاطب نبينا محمد ﷺ .
2
فكانت تلك مُقارنه بسيطه بأن إعطاء الله الكافرين الدنيا و تمكنهم منها ليس دليلاً على فضل ولكن هو " متاع قليل " إذا قُرن بما أعده الله للمؤمنين الذين أقاموا طاعته وجاهدوا في سبيله وبين العذاب الأليم الذي سيتلقاه الكافرون على كُفرهم بالله ؛ فكفرهم بالله أعظم ذنب ولا ذنب أكبر منه .. فإن تمردوا وعثوا فساداً وقاتلوا المسلمين و حاصروهم فما هذا سوا طُغيان على طُغاينهم فإذا أخذهم الله بجرمهم لم يفلتهم .
+
أنهى" إبراهيم " صلاة العشاء و جلس قليلاً على مُصلاه فأتاه مُصلي يسأله عنه أمر فـ جاوبهُ و أتاه آخر و آخرون أيضا إلى أن أصبح المسجد خالياً فغادر " إبراهيم " و أغلق حارس المسجد الأبواب خلفه.
+
ذهب " إبراهيم " إلى منزله سيراً على الأقدام قُرابة العشر دقائق ، ليخلو مع نفسهِ قليلاً يُفكر في أمرٍ مُهم .. توقف أمام المبنى السكني الذي يَقطن به و نظر للأعلى ، فتوجه إليه حارس المبنى و سأله :
+
- عاوز حاجة يا مولانا ؟
+
عاد " إبراهيم " من شروده وقال بهدوء:
+
- لا لا تسلم يا عم مُحسن .
+
ثم ربت على كتفه و دلف للداخل ثم أستقل المصعد إلى الطابق الثاني و خرج منه و توقف أمام باب شُقته ليُخرج المفتاح ثم وضعه في الباب و دلف فوجد إبنيهِ ؛ "المعتصم بالله" و" رقية " يركضون وراء بعضهم ، فاستشف سريعاً من ركضهم وضحكاتهم العالية و فرار "رقية "من " معتصم " الذي حين يلمسها ستخسر ، فعلى وجهه إبتسامه و أغلق الباب خلفه فانتبهوا لهُ وكانوا سيركضون له فأشار لهم بكلا كفاه لتوقف وقال :
+
- خليكم زي ما أنتوا .. إلي همسكه مش هاخده المسجد معايا
+
وبعد أن كان توقف الإثنان بإشارة والدهم ، تحركوا سريعاً للهروب منه مع صوت الضحكات المرتفعة و الصراخ تارة إذا إقترب " إبراهيم " من إحداهم .. ثم قال :
+
- واد يا معتصم.. مش كُنت تعبانه بدري ومش قادر تنزل معايا المسجد ها ؟ ها ؟
+
و أخذ يركض ورائه ، فخرجت " ريم " من المطبخ على إثر ذلك الصوت المُرتفع وكادت توبخهم ، إلا أنها توقفت حينما رأت " إبراهيم " يلعب معهم و الضحكات تعلو وجوههم ، فابتسمت لضحكاتهم وعادة مرة آخرى للمطبخ ثم خرجت منه وبيدها صُحون طعام للتضعها على المائدة فتوقف " إبراهيم " عن اللعب و لاحظ مجيئ زوجته بالطعام فقال لهم :
+
- خلاااص كفاية كده ، أقعدوا ارتاحوا شوية عشان العشا هيتحط ...
+
ثم تركهم ودلف للمطبخ فكادت "ريم " تخرج منه إلا أن قاطع خطواتها و أخذ منها الصحون بابتسامة ودوده ،و ذهب بهم ليضعها على مائدة الطعام ، فابتسمت "ريم " لفعلته التي أعتاد على مساعدتها دون يأس أو ملل ..فهذا هدي نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام..
+
فجلس الجميع حول المائدة، وذكرهم " إبراهيم " بأذكار ما قبل الأكل، فهذا من واجب الوالدين، تعليم أبنائهم كل أمور الدين، ليكبُروا على عقيدة سليمة وصحيحة لا تتأثر بأي فتن تظهر.
+
فهذا أقوى سلاح تُسلح به أبناءك، فعند الكِبر سيكون المُستهدف الوحيد هو الدين وقواعده، وليس أي شيء آخر.
+
بعد عدة دقائق أنتهى الجميع من طعام العشاء، ثم نهضت " ريم " بالأطباق للمطبخ بينما ذهب " إبراهيم " بالطفلين ليغسل أيديهم ثم يذهب بهم لأسِرّتهم و ذكرهم بقراءة آيه الكرسي و أذكار النوم و جلس على الكرسي القابع في زاوية غرفتهم يراقبهم بسكُون يدعي لهم في سره .
+
كانت في تلك الأثناء " ريم " تُنظف الأطباق و ترتب المطبخ قبل تركها له و الذهاب لدورة المياه تتوضئ ثم خرجت بعد بضع لحظات لتجد " إبراهيم " يخرج من غرفة الأطفال بعد أن قبّل كُل منهم بعد ذهابهم في النوم ، ليبتسم لها ابتسامة حنونه فبادلته الإبتسامه ثم قال بخفوت :
+
- تعالي معايا كده عاوزك في موضوع .
+
رأت " ريم " في عيناه أفكار تعصف بذهنه غير منطوقه، فسارت معه حتى دلفا غرفتهم و ذهب جلس على طرف الفراش و أشار لها بيده أن تجلس بجانبه فأطاعته بهدوء و جلست بجانبه توجه نظرها له في إذن للحديث فتنهد و بدأ يتحدث :
+
- أنا عارف يا ريم إنك مش هتكرهيلي الخير ، و عشان كده قُلت أخد برأيك برضو .
+
أمالت " ريم " رأسها بموافقه على حديثها و أجابت على تعجبه :
+
- أيوه طبعاً ، أتفضل.
+
ابتسم ثم استطرد :
+
- أنا من كام يوم لما كنت خارج مع الشباب ، اتكلموا عن موضوع البعثه الدينية إلي هتطلع كمان أسبوعين في منطقه من مناطق إفريقيا و مجموع الشباب إلي طالع هما ثلاثة و ثلاثين شخص و شيخ كبير و طلبوا مني أروح معاهم عشان نفسهم أصلي بيهم و كمان عشان معايا كورس تخاطب فهقدر أتكلم معاهم بلغة إشارة عشان لو مش فاهمين و بصراحه الفكرة نالت إعجابي جدا و خاصةً أنهم ميعرفوش حاجه عن العالم الخارجي فتأثيرنا هيكون كبير .. بس ..
+
توقف عن السرد ، فلاحظت " ريم " كلماته المُعلقه و قالت ببتسامه و نبرتها الرقيقة المعتادة :
+
- بس خايف تسيبنا لوحدنا !
1
طالع فيها بتردد و هز رأسه بالإيجاب ثم قال :
+
- أصل خايف بالبعثة دي أقصر معاكم و ربنا يسألني إن في سبيل أنشر دعوته ضيعت اهلي و إلي أنا مسؤول عليهم و هما في ذمتي ..
+
مدت " ريم " يدها تضعها على كتفه بحنان و قالت :
+
- متخافش علينا إنت سايب قرآن ربنا و سنة نبيه عليه الصلاة والسلام لينا .
+
- عليه الصلاة والسلام، بس مش هبقى مطمن طول الفترة دي و أنتوا عايشين لوحدكم .
+
فكرت " ريم " في كلماته ثم أجابت باطمئنان :
+
- مش مشكله هروح أقعد مع أهلي على ما ترجع ، أنا مش هقدر أقعد في مكان إنت مش فيه و لولا أن طلعتك دي رجالة بس كُنت جيت معاك .
+
ابتسم " إبراهيم " لها بامتنان و أخذ كفها و قبله بحنان ثم قال :
+
- ربنا يديمك ليا مرتين ، مرة دنيا و مرة في الجنة ..
2
ابتسمت " ريم " بتأثر و قالت :
+
- و يديمك رب العباد أمانِ و سند، و يجعلك مُسدد الخُطى و القول .
+
كان يطالعها " إبراهيم " بإعجاب من حديثها للمره المليون فسحبها له يضُمها برفق و ظلوا في تلك اللحظات بعض الوقت حتى قالت " ريم " بخجل :
+
- على فكرة أنا أتوضيت عشان تصلي بيا قيام الليل .
+
ابتسم " إبراهيم " إبتسامه واسع و أخرجها من حضنه برفق و قال :
+
- طيب يلا نستعين بالله و نقوم نصلي .
+
- يلا
+
ثم نهض الإثنان ، و أخرجت " ريم " عبائة صلاتها بينما فرش " إبراهيم " سجادتان على فرق بينهم في التساوي ، فكانت سجادته في المقدمه بينما خاصتها وضعها ورائه فمن هدي النبي ﷺ أن يقوم الرجل هو وحده وتصف النساء خلفه حتى وإن كانت زوجته تصف خلفه لا تصف معه، ولا بأس بهذا، وهكذا في التراويح لو صلينَّ مع الإمام .
+
أنتهوا بعد نصف ساعة من صلاة القيام و نهضوا بعد المكوث قليلا و الأستغفار و دُعاء كُل منهُم للآخر في جوفه فما أصدق الحب إن كان دُعاء .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
" الأمالُ الكاذبة أسوءُ من الحقيقةِ المؤلمة ".
+
-
+
أدخل المفتاح في باب منزله وبخطوات مُرهقة مشى داخلاً وهو يسمع أصوات متداخلة تأتي من غرفة المعيشة ، حتى سمع اسمَه يتردد على لسان والدته التي كانت تسأل :
+
- إنت إلي جيت يا كريم؟
+
رد "كريم" بدون اهتمام، وهو ينزع حذاءه:
+
- أيوه يامه .
+
دون أن يلتفت كثيرًا اتجه نحو منتصف الشقة حيث وجد والدته تجلس بجوار سيدة أخرى، تبدو عليها علامات التوتر والترقب ، نظر إليهما بملامح بلا معنى ثم قابل نظرات والدته المُنزعجه ، فـ تمالك نفسه وابتسم ابتسامة مجاملة، متجاوزًا ما يبدو من مشاعر مختلطة :
+
- إيه ده؟ خالتي هنا ومنورانا !
+
ابتسمت السيدة، التي عرفها كـ" خالته حنان"، بشغف:
+
- الله يكرم بأصلك يا كريم، يا ابني.
+
بينما كان "كريم" يوجه نظراته إلى والدته، استشعر انكماش وجهها مع بعض الاستياء، مما دفع "حنان" لأن تسأل بلهفة:
+
- بنتي عاملة إيه يا كريم؟
+
ارتفعت حاجبا "كريم" بجهل مصطنع، على الرغم من أنه كان يعرف الإجابة، فقال:
+
- ليلى؟ ليلى كويسة، متقلقيش عليها.
2
هدأت "حنان" قليلاً، ما بين الشك والاطمئنان، وعندما همّت بسؤاله بآخر، قاطعهم "كريم" سريعًا قائلاً :
+
- طيب عن أذنكم أنا داخل أنام عشان همدان على آخري و يا خالتي البيت بيتك متتكسيفش.
+
ختم حديثه يستدير عنهم و طرف شفاه يتلوى بابتسامه خبيثه ليدلُف لغُرفته ، و يترك تلك المرأة المسكينة الجالسة مُنذ سبع ساعات خاوية الوفاض لم تستطع أن تستفسر عن كل ما يُشغلها في أمر أبنتها و لم يهدئ روعها قليلاً سوى كلماته في كونها بخير ، كلمات كانت بسيطه و لكنها عاشت عليها عُمراً بأكمله.
+
شعرت بالإحراج من المكوث الطويل و الإثقال على شقيقتها فنهضت لتهُم بالرحيل قائلةً :
+
- طيب هستأذن أنا دلوقتي يا ختي ، أسفة طولت عليكِ في القعدة بس إنتي عارفه الضنا غالي .
+
ابتسمت " أمينه " باستنكار خفيف و قالت :
+
- لا طولتي ولا حاجه أنا اتعودت متشغليش بالك .
+
نفس الأسلوب الجاف الذي تُلازم " أمينه" في التعامل به مع شقيقتها في كل مرة تأتي لها تنتظر إبنها " كريم " ليقص عليها حال إبنتها المحرُومه منها ، و يهدئ جوفها قليلاً .
+
تحركت " حنان " خطوات بسيطه تجاه الباب تحمل حقيبة صغيره في يدها ليس بها سوى هاتف خلوي بأزرار و نقود بسيط تصرفهُ في وسائل نقلها من عملها لمنزل شقيقتها لمعرفة أخبار إبنتها كل يومين أو ثلاثة عاجزة كُل العجز من الاقتراب منها حتى خطوة واحدة .
+
سارت معها " أمينه " لباب المنزل و قالت " حنان " بوداع :
+
- مع السلامة يا أختي في رعاية الله .
+
لم تُجيب " أمينه " فقط تسير خلفها و اكتفت بملامح وجهها المُتنغص من شقيقتها إلا أن عتبت أولى درجات الدرج فأغلقت " أمينه " الباب خلفها و أوصدته بالمُفتاح، و دخلت لمنزلها تتأفف من ذلك الوضع المُجبرة على تحمله و تهمس في سرها :
+
- داهية تاخدك إنتِ و بنتك .
1
بينما إعتادت " حنان " على تلكِ المُعاملة تستغفر ربها في جوفِها ، تهبط على الدرج خطوة بخطوة مُستنده على سياج الدرج بحذر و تعب شديد ، حتى خَطتّ إلى الشارع تُراقب يمينها و يُسارها تنتظر عبور وسيلة مُوصلات عامه ، فمكثت بعض الوقت لكنها لم تجد سوى الوسيلة الخاصة " تاكسي " ، و التي لم تمتَلك لهُ مالاً كافياً بعد صرف مُعظمه في ذات الوسيلة لتُسرع لبيت شقيقتها مُعتقدة أن " كريم " عاد من عمله وتُريد اللحاق به ، لتُفاجئ بتأخره الشديد و تحجج شقيقتها بعمله المتواصل .
+
قررت السير قليلاً لبضع مِترات ، كانت تُقاوم فيها تعبها و كِبَر سنَها ، لكن كان ذلك الإجهاد دون نتيجه، فأخرجت الهاتف لترى أن الساعة اقتربت من مُنتصف الليل، فحاورت نفسها حواراً و الهواء البارد يُداعب عبائتها :
+
- المهم تبقي كويسة يا نور عيني ، أنا مش تعبانه طالما إنتِ بخير .
3
ظلت واقفة لدقائق آخرى بسبب كونها منطقة نائيه من مناطق القاهرة ، و مع انتشار الإشاعات العديده عن هذه الأماكن و أنواع الجرائم المُحتمله ، كان جوف تلكَ السيدة لا يأن سوى بإسم إبنتها ، و لا تكُف عن الدُعاء في ذهابها و إيابها، نومها و صحْوتها ، عملها و فراغها ، تعيش بنصف قلب فقط . . .
+
بعد صراع مع قُوتها و سيرها لمسافات طويله و إرهاقها المُلازم ، حدثتَها نفسُها بفكرة بعيده عنها لأشهر و ما كانت لتلجئ لها سُوى للضرورة القُصوى، فاخرجت هاتفها و من قائمة الإتصال بحثت عن أسم بعينه، تُقرب الهاتف منها وتُضيق عيناها بتركيز تبحث عنه ، حتى وجدت مُرادها و قامت باختيار إتصال .
+
ثواني معدودة حتى فُتحت المكالمة، فقالت " حنان " :
+
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
+
أجاب الطرف الآخر السلام فابتسمت بهدوء و قالت :
+
- عامل إيه يا ابني ؟
+
- بخير والله يا ست حنان ، عاوزه مني حاجة ؟
+
تنهدت " حنان " برفق و قالت بخجل :
+
- معلش بس يا أبني، أنا كُنت جاية أزور أختي في ( ... ) و المكان هنا مقطوع شوية و أنا مش لاقية موصلات خالص و لازم أرجع الفيلا قبل الست فاتن ، تعرف تيجي تاخدني لو مش هعطلك ؟
+
سكن الرجل قليلاً ، بينما كانت " حنان " تترقب إجابته، فاتعجبت من صمته فتسائلت :
+
- إنتَ معايا يا حسن ؟
+
رد حينها " حسن " باختصار :
+
- طيب طيب حاضر ، أنا جايلك في الطريق .
+
ثم أُغلقت المُكالمة ، و ملامح تعجب مُنتثرة في وجهها ، والذي لم تكُن تعلمه أن شخص آخر أستمع للمحادثة أيضًا .
+
بعد نصف ساعة ، توجهت سيارة سوداء باهظه في المكان الذي وصفته " حنان " للرجل بعد عدة مكالمات ليصلوا لأقرب نقطة لكلاهُما ، ثم توقفت أمامها فخطت " حنان " لها و فتحت مقبض الباب الخلفي لتتوقف تنظر لداخلها بصدمة ظهرت على ملامحها بشدة ، فلقد كان يجلس داخلها شخص من الجهة الآخرى و ألتفت لها فور فتحها الباب ، ليقول حينها مطمئننًا لها :
+
- أتفضلي يا ست حنان ، أنا زي إبنك .
+
كان يعلم صدمتها ليست في الركوب جانبه و لكن أراد أن يرفع عنها الحرج بمُزاح خفيف ، فاقتربت " حنان " و دلفت للسيارة و أغلقت الباب خلفها بحذر ، ثم بدأت تتحرك بهم لوجهتها المُحدده.
+
كانت "حنان" تجلس بجانبه بتوتر طفيف ، مما أجبره على الالتفاف نحوها برفق وقال بابتسامة هادئة تناقض الجو المتوتر :
+
- إيه جابك المكان ده يا ست حنان؟ دي المنطقة كلها شِبه مقطوعة !
+
ردت "حنان" بصوت منخفض مُبهم :
+
- ليا شخص غالي عليا هنا باجي أزوره ، بس المرادي كان غصب عني في التأخير ده، آسفة والله.
+
فتح "جواد" عينيه بقوة، إذ لم يُرد لها أن تفهم طمأنته كنوع من المحاسبة ، لذا حاول أن يُبرر نفسه سريعاً :
+
- لا لا والله، مقصديش كده يا ست حنان أبداً.. كان قـ...
+
قاطعته وهي تتحدث بجدية :
+
- معلش لو كُنت عطلتك يا جواد أنا عارفة حسن سواقك الخاص.
+
انزعج "جواد" من طريقة حديثها، فهو رأى فيها الشخص في مقام والدته ، و أراد أن يرفع الإحراج كليًا عنها، فتحدث ببساطة، محاولًا خلق جو من الهدوء :
+
- أنا أسف يا ست حنان لو فهمتيني غلط ، بصي أنا و أهلي كُنا عند عمي زي ما أنتِ عارفه ، عشان عيال عمي جُم من السفر و كان في شوية مشاكل في سفرهم و الحمد لله رجعوا مصر بخير ، فـ و أنا طالع مع أهلي و رايحين نركب العربيات و أنا كُنت واقف مع حسن و لقيتك بترني فـ حسن قالي دي ست حنان بترن فـ إحنا استغربنا و خفنا لا يكون حصل حاجه ، و قلتله رد و أفتح الإسبيكر ، و سمعت كلامك فـ قُلتله قُلها إنك جاي ، و قُلت لأمي و أبويا و أخويا يُروحوا مع رحيم - سائق - و أنا عندي مشوار هروحه و أرجع علطول ، شُفتي الموضوع كان بسيط خالص متتضايقيش كده .
+
نَظرت "حنان" بتفحص إلى ملامح وجهه، تسعى بشغف لتشعر بمدى صدق كلماته ، ومع انكسار الضوء على ملامحه، ابتسمت له بحنان شديد كحنان اسمها، وكأنما تحاول أن تغمره في دفء مشاعرها:
+
- يا ابني، أنا بس مكنتش عاوزة أتعبك ولا أتعب حسن.
+
ابتسم لها " جواد " بامتنان، مرددًا بصوت هادئ :
+
- تعبك راحة يا حنونة.
+
ثم جاء صوت "حسن" الذي كان يقود السيارة، مؤكدًا على ما قاله " جواد " :
+
- تعبك راحة يا ستنا.
+
رغم أن "حسن" لم يتدخل في النقاشات الدائرة بين أفراد العائلة أثناء توصيلهم، إلا أنه شعر بوجوب الرد هنا، إذ كان طرفًا في هذا الحدث، وكان هناك شيء في صوته يعكس الاحترام والتقدير لها .
+
إلتفت "جواد" إليهم بابتسامة ودودة، قبل أن يعيد نظره نحو الطريق من نافذة سيارته ، و أفكاره تتجول في مسارات الحياة .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
"لم تأتي هزائِمُنا من الأعداء أبدًا "
_
+
أنتهت بعد عِدة ساعات من القيام بمهام المنزل ، و كان آخرها هو تنظيف الصحون بعد تناول والدها للطعام و دخوله غرفته ، فكانت لحظة من لحظاتها الهادئة الوحيده منزوعه التوتر أو الخوف في يومها المُرتبِك .
+
اتجهت لغرفتها بهدوء بعد أن أغلقت أنوار المنزل ، و كانت تسير لغرفتها كالمتسلله حتى دلفت و أغلقت الباب خلفها ثم فتحت هاتفها و فتحت منه " الفلاش" لترى أين وضعت حقيبتها لتُخرج أقلام و دفتر تحضير الدروس ، ثم خطتّ قليلا تحمل تلك الأشياء تضعها على فراشها و تلتفت للمكتب الصغير بجانب فراشها به درج وحيد ، يقبع بداخله 'دليل المُعلم' خاصتها فأخرجته و جلست على الفراش .
+
و على ضوء ذلك الشُعاع الخارج من هاتفها بدأت تكتب درسها في أجواء قاتمه و أنفاس مرتفعه مخافة من إثارة ذلك الوحش المُستكين ، و التمتُع بلحظات مَعدودة حتى و إن خلت من أمور عديده يكفيها ذلك السلام و الهدوء الذي تشعر به حتى و إن كانت تقع في منتصف الظلام الأهم أنهُ بعيد عن ناظرها.
+
خائفه ، جائعة ، و مريضه ، ولكن لم تُدوم لتلك المسكينة حكاية كاملة ، حتى شعرت بصوت أحدهم يضغط على مِقبض الباب و يقوم بدفعه لداخل بهدوء ، ليتباين لها حدود جسد أسود أنعكست عليه أضواء المنزل الداخلية و لكن لا يمكنها إخطاء هذا الجسد ، حتى وجدته يمُد يده لمفتاح الضوء و أسرج غرفتها بينما هي تطالعهُ بترقُب شديد لتوجه نظرها ليداه ثم أغلقت ضوء الهاتف فقال بشر يخرُج مع كُل حرف :
+
- كان بيكلمك النهاردة عاوز إيه ؟؟؟
+
ابتلعت " ليلى " حلقها بغصة ، و بدأت تتجمد أطرافها بصورة واضحه و نظراتها المُرتجفه مُعلقة عليه بينما كان يُشدد على حزامه الجلدي بغضب مكبُوت ، و كرر سؤاله بهدير أشد قوة :
1
- الحـيوان دا كـان بـيـكـلـمـك فـي إيـه ؟؟!
+
إن وصفتُ ذلك المشهد، فقول "لم تستطع الرد" كان وصفاً متواضعاً لِما كانت تشعر به، كأن أعصاب ذاكرتها قد تعطلت، و وقت ردها لم يكن مُتاحاً ، اقترب منها، أغلق الباب خلفه بقوة، ثم اتجه إلى نافذتها وأغلقها بإحكام ، كان كالعاصفة في غُرفة هادئة، خطا نحوها سريعاً، سحبها من شعرها الأسود الكثيف ، فألقي بها أرضاً كما لو كانت شيئاً تافهًا عابرًا.
+
و من ثُمَ يأتي الجزء الأقسى في ذاكرة " ليلى " بل و الجزء الوحيد الذي تعرفه بجانب ذكريات طفيفه تحمل فيها عبق والدتها الغائبة عنها، و لحظات خجل من كلمات " كريم " لها .
+
لقد مرت تلك الليلة على جميع سكان القاهرة، ولكنها كانت كالليلة الوحيدة في عُمر "ليلى"، حيث تلاشت الألوان وبدت الحياة بلا معنى ، كانت تلك الليلة لأحد القصص التي لم تُروَ بعد، تتلاطم فيها أحلامها وكوابيسها كأمواج عاتية.
3
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
" وأَسعـدُ مافي العُـمر لُـقيا الَّذي تُحِبُّ
وإِن كـان اللِّقـاءُ ثـوانيا . . "
+
كُل يوم تُشرق فيه الشمس هو فرصة جديدة وأمل مُتجدد ، فلقد وصلت " ميار " للمدرسة في وقتها المُحدد و الذي لم تتخلف عنه أبداً ، دخلت لساحتها بعد إلقاء السلام على آمن البوابة الخارجية و توجهت لمبنى المدرسة بخطوات ثابته تراقب في تلك الأثناء انتشار الطلاب في أرجاء الساحه بشكل عشوائي، سواء جماعات أو منفردين و ما أن خطتّ خطواتها الأولى لداخل المبنى حتى سمعت نداء قائلاً :
+
- يا مِس !
+
توقفت " ميار " عن التقدم و ألتفت لمعرفتها بهوية الصوت و اندهاش بسيط في كونها لقبتها بذلك ، قائلةً :
+
- صباح الخير يا مريم .
+
اقتربت منها " مريم " حينها ، ثم بادلتها العناق اللحظي و ابتسامه عريضه على وجهها تقول :
+
- لحقتك أشوف مره بدري .
+
ابتسمت " ميار " بسعادة و قالت :
+
- أيوه والله مـ ..
+
قاطعها بفزع صوت إطلاق جرس المدرسة الذي كان فوق رؤوسهم، ينذر الجميع بوقت الطابور الصباحي ، ارتسمت الابتسامة على وجه "مريم" و امسكت كف "ميار"، دون أن تحتاج إلى كلمات، فتوجهتا معًا نحو ساحة المدرسة حيث اصطفاف الطلاب ،كانت الأجواء مليئة بالحيوية والنشاط، وكأن قلب المدرسة ينبض بالحياة مع كل خطوة تُخطى نحو الطابور.
+
عندما وصلتا تفرقتا مُجدداً، فتوجهت كُل منهما إلى فصلها المنوط بها تنظيمه، ومراقبة الهدوء خلال فترة الطابور و تبادلتا التحيات مع زملائِهما من المعلمات، وكانت الابتسامات تتعالى بينهن، فتشعر كل منهن بأن التحية تحمل الكثير من المودة والتقدير.
+
بدأ مُعلم الرياضة بإلقاء تعليمات تمارين الصباح، ثم بعد ذلك بدأت الإذاعة المدرسية و منها كلمة المديرة ، ختامُها تحية العلم و النشيد الوطني ثم تحرك الطلاب بانتظام لتوجه لصفوفهم .
+
أنقضت الحصة الأولى بسلام على جميع الصفوف، ثم رن جرس الحصة الثانية معلنًا بدء الفصل الجديد ،جمعت "ميار" أغراضها، وبدأت في التوجه نحو فصلها ، و بينما كانت تسير نحو الخارج، ألتفتت نحو مكتب "ليلى" فوجدته فارغًا، مما أثار في قلبها شعورًا بالقلق ، تذكرت ضحكاتها وأحاديثهما، وشعرت بفراغ المكان دون وجودها.
+
تنهدت بخفوت وفي أعماقها دعت أن تكون "ليلى" بخير ، استعادت قليلاً من حماسها وقررت أن تكون قوية، ثم أكملت طريقها وصعدت لفصلها، مُتمنية أن تتلقى أخبارًا جيدة عن صديقتها قريباً.
+
صعدت للفصل فقابلت مُعلمة الحصة الأولى تترك الفصل فبادلاتها السلام ببتسامه خفيفه ثم دخلت هي مكانها ، وضعت أغراضها على المكتب ثم توجهت بنظرها للطلاب و ألقت تحية الإسلام فبادلوها السلام ثم بدأت في تهيئة درسها و كتابة العنوان و البدأ في الشرح .
+
انقضى ثلاث أرباع وقت الحصة ، كانت تختمها " ميار " بتمارين عامة لتقويم مُستوى فهم الطلاب ، كان التقويم عبارة عن خمس أسئلة عرضتها على السبورة الإلكترونيه و كُل طالب يقوم بحلها بمُفرده ثم تقويم بإعطاء الدرجة حسب مستوى الحل .. و لكن و أثناء مرورها بينهم تتفحص طُرق حلهم وجدت أن المعظم وجدوا صعوبة في حل السؤال الأخير ، فعادت لأمام السبورة و قالت :
+
- أنا ملاحظه إن السؤال الأخير واقف معاكم ، محدش حله ؟
+
كان المُعظم يوافقها الرأي في صعوبة السؤال الأخير عليهم ، حتى رفعت فتاة صغيرة يدها و بعد إذن " ميار " لها قالت :
+
- أنا يا مِس ..
+
- طيب أستني جيالك .
+
تقدمت لها " ميار " ثم نظرت في دفترها لتجدها أجابت بطريقة صحيحه رغم كون الفتاة قلقة بعض الشئ ، فوضعت " ميار " كفها برفق على ظهر الفتاة و انخفضت لها و تسائلات :
+
- أسمك إيه يا قمر ؟
+
- مليكة .
7
اعتدلت حينها " ميار " و قالت بصوت انتشر في أرجاء الفصل :
+
- سقفوا لـ مليكة ، عشان حلت صح .
+
فقام الجميع بالتصفيق لها ، فانخفضت منها " ميار " مُجدداً و قالت بتشجيع:
+
- أحسنتِ ما شاء الله يا مليكة .
+
خجلت تلك الصغيرة من ذلك الإطراء الجميل ، فابتعدت " ميار " و أخرجت من حقبيتها حلوى بالشوكولاه و أهدتها لها بابتسامة ودودة، فأخذتها " مليكة " بإحراج و برائة طفولية .
1
ثم عادت للسبورة و شرحت السؤال للجميع و تأكدت من نقل الجميع للإجابة الصحيحه ثم تساءلت عن أي استفسار منهم لتجد جرس الحصة الثالثة يُلعن وصوله ، فتقترب منها طالبتين يسألونّها عن أمر فاقتربت توضحهُ لهم إلى أن يأتي مُعلم الصحة الثالثة.
+
أقترب اليوم الدراسي من الإنتهاء ، في تلكَ الأثناء تجلس هي في مكتب المُديرة يتبادلان أطراف الحديث حول أحد المواضيع المُربكه لـ " ميار " ، و عند تلك اللحظه طرق أحدهم باب المكتب ، فتوقفا عن الحديث و أذنت المديرة لطارق بالدخول، و في تلك الأثناء تجلى لهُم الطارق و ما كان سوى مُعلم دلف برفقة فتاة صغيرة ، تقدم عدة خطوات ثم قال :
+
- أستاذه يسرى ، بعد إذنك عايزين إذن خروج لطالبة دي عشان تعبان وعايزين نتصل بأهلها .
+
توجهت نظراتهم لتلك الفتاة الصغيرة و التي يظهر عليها الإعياء بشكل واضح مع خدين شديداي التوّرُد، فتدخلت " ميار " و قالت بلهفه :
+
- دي مليكة ، تعالي يا حبيبتي ..
+
أقترب منها المُعلم يُمسك بيد الصغيرة حتى وضع كفها بين كف " ميار " فالتقطته برفق ، فقالت المديرة :
+
- تمام يا أستاذ مُحسن خليك معاها لحد ما ولي آمرها يجي وتخليه يمضي على أذن الخروج .
+
هتف "محسن" مُعترضاً :
+
- أنا بتأسف والله يا أستاذه يسرى بس أنا عندي حصه دلوقتي ممكن يبقى أي حد تاني ؟
+
ردت " ميار " سريعاً :
+
- أنا ممكن أفضل معاها لحد ما حد يجي ياخدها ، معنديش مشكلة.
+
أبتسمت "يسرى" و قالت :
+
- خلاص يا أستاذة ميار ماشي ، ممكن تتفضل أنت يا أستاذ محسن .
+
أستأذن " مُحسن " و غادر فالتفت "يسرى" " لميار " و قالت :
+
- خدي مليكة و وديها الوحدة الصحية شوفي فيها إيه بعدين روحي مكتب أستاذه هاله وشوفي كشف رقم ولي آمرها و أتصلوا بيهم .
+
جاوبت " ميار " بتفهُم :
+
- تمام يا أستاذه يسرى ، عن إذنك.
+
- يلا يا مليكة .
+
وأمسكت بيدها و أتجهت بها للوحدة الصحية، و شَخصتها المُمرضه بأعراض برد و حُمى شديده و أعطتها مَعلقة دواء و أخبرتهم بضرورة الراحه لها ، فاتفهمت " ميار " كلماتها و مسحت على رأس " مليكة " برفق ثم أمسكت يدها و خرجت بها من الوحدة و قالت بصوت خافت :
+
- معلش يا حبيبتي خلاص هتروحي دلوقتي .
+
أخذتها و ذهبت بها لمكتب أستاذه "هاله" ثم شرحت لها الوضع و بالفعل تعاونت سريعا معها و قامت بإخراج رقم لعائلة " مليكة " ثم أجرت مكالمة لهُم تشرح وضع الفتاة وتطمئنهم أنها بخير و هٌم في إنتظارهم ثم أغلقت الخط ، و أخبرت " هالة " " ميار " أنهم سيأتون لأخذها خلاص دقائق، فهزت " ميار " لها رأسها ثم أستأذنت تخرج من مكتبها لا تفارق قبضة يدها كف " مليكة ".
+
أتجهت بها لساحة المدرسة و جلست على أحد المقاعد التي أُلصقت بجدار المبني ، يغطيهم سقف كبير يحجب عنهم أشعة الشمس و يرفع نسبه الهواء البارد في ذلك المكان و هي تُجلسها جُوراها تضُمها لها لدقائق عديده تكتفي بالمسح على كتفها برفق ، حتى تنهدت و قالت :
+
- متقلقيش يا مليكة بابا زمانه جاي .
+
ردت " مليكة " بصوت خافت حزين :
+
- بس أنا بابا ميت ...
+
ألتفت لها " ميار " و علامات دهشة على وجهها من ذلك الإعتراف، فزمت شفتيها بتفكير و حاوطت جسدها أكثر، فتحدثت " مليكة " مرة آخرى :
+
- حتى ماما كمان ماتت .. كلهم ماتو
+
غمّ أصاب قلب " ميار " في تلكَ اللحظه ، تخفض عيناها لكي تراها بنظرات شفقه ثم تسائلت بخفوت :
+
- طيب مين الي جاي ياخدك؟
+
ردت بوهن :
+
- ممكن يكون خالي عشان أنا عايشة معاه .
+
تتنهدت "ميار" بحزن عميق، تشد من ضمها لـ "مليكة" تحاول أن تمسح عن روحها الجريحة بعضًا من الآلام التي تشعر بها، ثم أشاحت بنظرها بعيدًا نحو الفراغ، تستحضر في جوفها دعوات لتلك المسكينة التي حُرمت باكرًا من حنان الوالدين.
+
همست لنفسها بينما كانت يدها تداعب شعر "مليكة" بخفة، كأنها تحاول أن تعطيها بعضًا من الأمان المفقود
+
وفي ذلك الشرود الذي تفردا به، كان هو يتقدم بعد أن مر من بوابة المدرسة لفنائها الداخلي ،يجُول بنظراته في الأرجاء، كانت خطواته ثابتة، لا تعرف القلق، بينما كان قلبه يضرب بشدة ، بمُجرد أن اقترب من مبنى المدرسة، توقفت خطواته على بُعد خطوات، واعتلته شكوك عميقة ، كيف يُمكن لعالمين مُختلفين أن يتقاطعا في ذات اللحظة ؟
+
من شِدة صدمته، نزع نظارته الشمسية وكَأنها حاجز صامت يمنعهُ من تأكيد الحقيقة ، لقد بدا لهُ أن كُل شيء حوله قد تجمد، حتى تبينت شكوكه يقينًا ، فـ اقترب بخطوات مترددة تُنافي صمود تلك التي كانت مُنذ ثواني معدوده ، بينما هي مازالت شاردة أمامها بتفكير عميق
+
كانت ملامحه تختلط فيها مشاعر القلق والحنين ، و عِندما توقفَ أمامهم مباشرة بهُدوء تام ، ألقى نظرة على "مليكة" وثم التفتَ نحو "ميار " بعد صراع طويل مع مشاعره، قرر أن يتجاوز خوفه وينطق بكلمات كانت تلهب أحشائه :
+
- مَـيـار ؟!
4
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
-
+
و بتمنى تتركوا ليا رأيكم أمام كل جزئية ، والتصويت مهم عشان أشوف كام واحد مُهتم أكمل وحابب الرواية !
+
و السلام على قلوبكم .
+
|| سُهى الشريف ||
+
