رواية مجهول انبت عشقا الفصل الرابع 4 بقلم سلمي خالد
الفصل الرابع
.. وجهٌ آخر للوحش..
تخلل قلبها شعورٌ من الرعب، هل هناك أحد يسمى بـ ماجد الكدواني غير الممثل، ازدردت حلقها ولكن كان جافًا فلم تشعر سوى بصحراءٍ قاحلة تغرق بها، حاولت الحديث أو تبرير ما فعلته ولكن عُقد لسانها وكأن هناك أحد يمسكه، لم تشعر بتلك اللحظة سوى بجسدها المرتعش.
علم آدم أنها تشعر بالرعب من حدقتيها اللتان فاض منهم هذا الشعور القاسي، ولكن يجب فهم لما فعلت هكذا؟ هتف بنبرة متهكمة:
_ سيادتك هتفضلي ساكتة كده خلصيني!
:_ بص حضرتك يا استاذ.. أنا..أنا..
لم تستطع إكمال جملتها عندما لاحظت تقدمه نحوها، تراجعت في رعب ثم بدأت بالصراخ قائلة:
_ يالــــــــــــهـــــــــوي ألحقوني بيتهجم عليا.. ألحقوني يا ناس.
تجمد آدم لوهلة لم يستطع تفسير ما فعلته فهو لم يفعل شيء كي تصرخ هكذا، كان يتقدم ليستمع لصوتها الهامس، دقائق وبدأ عدد كبير من الرجال يحيطون بآدم يسددون له بعض لكمات عنيفة حتى اختفى وسط هذا العدد الضخم من الشباب والرجال.
ركضت تاليا سريعًا تعبر الطريق ثم صعدت درجات، تتخطى المكينات ولحسن الحظ أتي قطار المترو اسرعت تركب أحد العربات، وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئت تهدج أنفاسها، اشارات إحدى السيدات لتاليا بأن تجلس وبالفعل استجابت لها سريعًا فقد انتهت قوتها بعدما رأت الكدواني، همست بداخلها في راحة:
_ الهيييح الحمدلله بعد العلقة السخنة اللي خده دي اعتقد مش هيجلي هنا تاني.. وربنا يسامحني بقى.
****
أفعي سوداء تحاوط جسده تشدد عليه شيئًا فشيء حتى شعر بتكسر عظامه، حاول الافلات منها ولكن لم يجد نفعًا ولكن فجأة اقتربت منه أفعى ضخمة في سرعة كبيرة تبرز أنيابها السامة ثم رفعت نفسها ولكن قبل أن تغرز أنيابها استيقظ يتنفس في صعوبة، يضع يده حول عنه حتى يتأكد من عدم وجود شيء نهض من أعلى الفراش وقرر أن يستنشق بعض الهواء بعيدًا عن هذا المكان.
وبجانب أخر..
نظر الشابان لسدرا في تلهف غريب كلاهما يتمنيان تلك اللحظة التي سينقضان عليها بها، نظر احدهما قائلًا:
_ أنا اللي هبدأ وبعد كده عيش حياتك معها.
بدأ يحل أزرار قميصه ولكن اوقفه صديقه مرددًا بنبرة مغتاظة:
_ بقولك إيه أنا من بدري بدور على مزة زيها والبنت شكلها كده نوع جديد علينا وانا بحب ادوق الجديد.
حدق به في غيظ، ثم أكمل ازالت قميصه مرددًا في برود:
_ بقولك إيه أنا اللي جبت الحلوة دي يبقى أنا اللي هبدأ وسبنا بقى خلينا نخلص من الليلة دي.
كاد أن ينحني ولكن هدر صديقه بنبرة غاضبة:
_ لا بقولك ايه أنت مش هتجب عليا وتقولي أنت اللي جبتها انا اللي هبتدي.
تعالي صوت الأثنان في شجار حاد من منهما سيبدأ بقتل روحٍ بريئة تمتلئ بالندوب.
***
حاول أن يتنفس قليلًا ربما يريح صدره الملتهب منكم آلام انفجرت به كالبراكان، ولكن لم ينزع عقله الشارد سوى صوت شجار بين أثنان، تقدم ليرى من يتشاجر بهذا الوقت المتأخر من الليل فوجد سيارة بها أثنان، كاد أن يستدير تاركًا اياهم ولكن تردد بسمعه جملة احدهما( المزة دي دخلت دماغي ومش بعد ما اتخدرت كده ملحقش اخد وادوق أول حتة منها).
علم أنهما يتشاجران على فتاة ومن الأرجح أنها ليست من المنطقة، تقدم في خطواتٍ خفيفة يحاول رؤية تلك الفتاة ولك لم يستطع فأحدهما يجب الرؤية، كاد أن يغادر ولكن لا يعلم لما امتنع قلبه عن الذهاب، زفر بضيق ثم تقدم من السيارة يطرق على باب السيارة وما أن فتح أحدهما بعد أن صمت فجأة قام «وَحش» بسحبه في عنف وتسديد عدد من اللكمات العنيفة التي تترك عاهة مستديمة، ما أن رأي الأخر هكذا حاول الهروب ولكن كيف ويد هذا الوحش قد قبض عليه وستنفذ حُكم القضاء عليه.
وقع الأثنان غائبين عن الواقع فهذه اللكمات أتت بمناطق محددة وكأن هذا الشخص مقاتل بارع، تقدم وحش من سدرا فرأي وجهه الممتلئ بالدماء من أثر ضربه عنيفة، حملها في هدوء ثم عاد بها لمنزله، هذا الكهف الذي لا يدلفه سوى اثنان وها هي الثالثة تدلف له.
بدأ وحش في ازالت حجابها، ولكن توقف فجأة يتطلع لوجهه البسيط، فلو كانت في كامل وعيها لن تسمح لأحد بأن يقترب منها كام الآن يفعل، فهو لم يدع الأثنان يستبحون ذلك.. لِمَ يسمح لذاته بأن يرى شيئًا ليس من حقه؟ شعر باختناق يحاوطه وكأنه سيبقى بهذا الشعور مدى الحياة.
ترك الغرفة وغادر دون أن يفعل شيء، مختفيًا كالزيبق، ولكنه أرسل سيدة في الخامس والأبعين من عمرها، بدأت تعالج أثار هذه الضربة وتنظف جرحها.
*****
بشقة السيد جلال..
بدأت تشعر بتأكلها من الداخل بسبب هذا القلق، تشعر وكأنها ستفقد روحها من تأخر الفتاتان، يتلاعب بعقلها كالكرة وسط الملعب، نهضت تمسك بهاتفها مرددة بنبرة خائفة:
_ لا انا مش مستحملة ومحدش بيرد عليا يارب ردهم ليا سالمين يارب انا معنديش اغلى منهم.
دقائق بسيط دلفت تاليا للشقة، استدارت فريال سريعًا مرددة في قلق ممزوج بغضب:
_ كنت فين لحد دلوقتي يا هانم؟
تعجبت تاليا من طريقة والدتها ونظرت للساعة فعلمت لما غضبت هكذا، اجابتها في هدوء تعلم جيدًا أنها لن تتحمل أي مزاح بتلك اللحظة:
_ مفيش يا ماما المترو عطل بيا في محطين وطول فيهم اوي.
هدأت فريال بعض الشيء ولكن عاد توترها ما أن تسألت تاليا عن سدرا:
_ امال فين سدرا؟
:_ لسه مجتش!
قالتها في قلق شديد، بينما اتسعت عين تاليا بشدة مرددة بنبرة ملتاعة:
_ نعم دي المفروض ترجع من اربع ساعات دي بقالها كتير برة!
حركت رأسها بعدم معرفتها لها، تردد بنبرة باكية:
_ مش عارفة يا تاليا انا برن عليها كتير مش بترد وفي الاخر تلفونها فصل شحن انا خايفة عليها اوي.
ربتت تاليا على كتف والدتها في محاولة تهدئتها، ولكن هي تشعر بأنها غير قادرة على المثابرة وستنهار سريعًا إن لم تظهر شقيقتها!
*****
دلف للغرفة يتأكد من أنها لاتزال نائمة ولكن صُدم من رؤيتها تبكي وهي نائمة لا تردد سوى بأسم والديها، أصبح مترددًا بتلك اللحظة ولأول مرة ماذا يفعل مع تلك الفتاة، زفر في ضيق ثم تقدم منها يتطلع لها عن قرب وبدأ يهمس بصوت رجولي هادئ ببعض الكلمات:
_ أهدي أنا جنبك متخفيش من حد.. أنا معاكي وموجود مكان بابا وماما.
هدأت رجفة جسدها قليلًا، واستكنت في الفراش دون بكاء او همهمات تلفظ بها بل تنعم ببعض الهدوء، بينما نظر لها وحش في غموض ثم تركها مغادرًا الغرفة بأكملها.
****
عاد السيد جلال للشقة وعلم باختفاء سدرا وتسرب له شعور فريال بالقلق، أسرع يبحث عنها بمستشفيات والأقسام ولكن لم يجد نفعًا، وانطلق للمنطقة التي بها المشفى التي تدرب بها ولكن لم يجد أي شيء يساعده، حاول طيلة الليل إن يجدها ولكن انتهت جميع محاولته بالفشل ولكن كلما زاد الفشل زاد لهيب ألمه من عدم إيجادها وبدأت تاليا تشعر أنها على حافة الانهيار وستبدأ بدخول في نوبة بكاء حادة.
****
عاد آدم يتأوه من الألم يشعر بغيظ شديد مما فعلته تاليا به، صعد يبدل ملابسه ثم انطلق نحو غرفة والده وما أن جلس حتى شعر بألم يغزو جسده، تعجب ماجد من صوت أنين آدم وأردف في تعجب:
_ مالك حصل إيه؟
نظر له آدم في غضب جامح وبدأ يسرد له ما حدث وما أن انتهي حتى انفجر ماجد في الضحك بصوتٍ عالي، ازداد غيظ آدم يردد بنبرة غاضبة:
_ بتضحك على ايه أنا عايز افرم البت دي.. بعد ما كنت هعرف ليه عملت كده واسيبها دا انا هسجنها ولوطولت ممكن اقتـ.ـلها!
حرك ماجد رأسه بالنفي يحاول كبح ضحكته، حتى لا يزداد غضب ابنه مرددًا بنبرة هادئة:
_ بلاش يا آدم أعرف الأول السبب وبعدها حدد بظبط هل هتقدر تاخد حقك منها وهي بنت ولا لاء؟ مش ممكن وقعت في مشكلة واستنجدت بأسمنا .. خليك فاكر إن اللي بيجي على الولايا مش بيكسب وبيخسر كتير.. اوعي تيجي على حد ضعيف او مكسور كفاية كسرته وضعفه دول هنا وجع كبير بنسبة له.
حرك آدم رأسه ولكن بدأ يفكر كيف سيوقع تاليا بين قبضتيه، ويراها بين قبضتيه ولكن لم يعلم انه سيقع معها بين قبضتي العشق.
****
صباحًا..
استيقظت سدرا تشعر بألم عنيف يغزو رأسها، وضعت يدها على رأسها تحاول تذكر ماذا حدث وسرعان ما تذكرت ما فعله أحد الشابان بها وتلك الضربة العنيفة التي تلقتها منه، نهض من الفراش تنظر للمرآة ولكنها قطبت جبينها في حيرة وهي ترى تلك الضمادة، نظرت حولها تبحث عن حقيبتها، وقعت عيناها عليها على مقعد موجود بزاوية الغرفة اسرعت نحوها في تلهف تبحث عن الهاتف ولكن ذمت شفتاها في ضيق ما أن رأته فارغ الشحن، بقت مكانها ولا تعلم كيف ستتصرف ولكن قطع تفكيرها صوتٍ رجولي جذاب ولكن يحمل تهكم:
_ أخيرًا سيادتك صحيتي!
استدارت سدرا تتطلع نحو في محاولة اكتشف هل أحد الشابان الذين رأتهما ولكن توقفت عن تدقيق النظر ما أن أردف بنبرة ساخرة:
_ لو أنا اللي ضربتك على دماغك هلف دماغك كده ولا حتى هسيبك سليمة وبهدومك مش كنت على الاقل...
صرخت سدرا بصوتٍ عالي مرددة:
_ اخرس أنت بتكمل تقولي ايه!
ابتسم في خبث مرددًا:
_ ماهو دا اللي كان هيحصل معاكي لو مكنتش جيت وانقذتك!
اتسعت عيناها في صدمة، بينما تحولت حدقتيه لبرودٍ شديد اكمل بنبرة متهكمة:
_ كنتِ في عربية وشابان معاكي ولحسن حظك كنت معدي من جنبهم ولحقتك غير كده كنت هتبقى..
:_ يا جدع أنت في ايه هو أنت بتتعامل مع جحش معندهوش احساس متراعي شوية أني بت ومش هينفع اسمع الكلمات دي.
قالتها في غيظ منه تتظاهر بقوة زائفة أمامه، بينما كبح وحش ابتسامتها في صعوبة يردد في برود:
_ حقيقي مش عارف أنت أنهي كائن بظبط وممكن تكوني حجش ليه لاء.
اتسعت عيناها في صدمة ممزوجة بغضب، وبدأت تبحث عن شيئًا تلقيه به وما أن رأت مزهرية صغيرة على الطاولة امسكت بها وألقتها في غيظ عليه متمتمة:
_ هوريك يا معدوم المشاعر والذوق أنت.
هبط وحش سريعًا لتصطدم تلك المزهرية بالمرآة تصدر صوت كسر عالي، تطلع وحش للمرآة في ذهول ثم عاد بنظرة لسدرا ولكن تلك المرة تحولت عيناه لظلام دامس ارتجف جسدها على أثره، بينما تقدم وحش منها يهمس في فحيح:
_ لولا أنك بنت وغريبة كنت دفنتك مكانك!
تراجعت سدرا إلى الخلف، ولكن لسانها السليط لم يتركه بل أجابت في غضب:
_ وأنا بقى المفروض اعمل إيه ادفنك مكانك على قلة ذوقك اللي اتعملت بيها معايا دي وانا لا اعرفك ولا عملت لك حاجة!
لم يتخيل بيومٍ أن هناك أحد سيقف أمام غضبه الأسود، توقف فجأة ثم استدار يهدر في صوت عالي اخافها:
_ يا ســـــــــيــــدة تعالي.
دقائق وأتت تلك المرأة التي تضمدت لها جرح رأسها في سرعة تنظر له ببعض القلق، بينما نظر وحش لها في غموض مرددًا بنبرة قوية:
_ شوفيها لو هتعوز حاجة وخرجيها برة الحارة مش عايز أرجع على الضهر ألقيها في البيت.
تركها مغادرًا الغرفة بينما شهقت سدرا في صدمة من حديثه الوقح ثم هدرت بنبرة عالي مغتاظة:
_ وأنت طول تلاقي ملاك زي في بيتك يا جنف أنت.
تعجبت سيدة من سلوك سدرا وخاصة أن وحش لا يسمح بأحد أن يحدثه هكذا، تقدمت منها سيدة تردف سريعًا:
_ عايزة حاجة يا بنتي عشان تمشي بسرعة.
نظرت لها قليلًا ثم أردفت في تردد:
_ محتاجة تلفون عشان اطمن أهلي زمانهم مرعوبين عليا.
حركت رأسها في هدوء ثم انطلقت تحضر لها الهاتف بينما تذكرت سدرا سلوك هذا الرجل وتمنت أن تقلع رأسه، زفرت في غضب فلم تتخيل بيومٍ أنها ستفقد أعصابها بسهولة هكذا، فاقت من شرودها على هاتف مقدم لها أخذته سريعًا وبدأت بالاتصال على شقيقتها تاليا، وما أن اجابة حتي اردفت سدرا وهي تبكي:
_ تاليا أنا سدرا.
انتفضت تاليا من مكانها تردف في فرحة:
_ سدرا أنتِ كويسة؟ فيكي حاجة؟ طب أنتِ فين؟
اخذت فريال الهاتف منها تردد بصوت باكي:
_ أنتِ فين يا سدرا؟
ازالت دموعها تجيب بصوتٍ خافت:
_ لما اجي هحيكلكم بس عايزة حد يجي ياخدني من المكان اللي انا فيه؟
نظرت سدرا لسيدة متسائلة:
_ هو أحنا فين كده؟
:_ في بطن الحندوق!
قالتها في بساطة شديدة، بينما صُدمت سدرا من الأسم لم تفق سوى على صوت فريال تردد:
_ أنتِ فين؟
لم تعلم كيف ستخبرها في لأول مرة تستمع لهذا الأسم، حاولت الحديث مرددة بنبرة مشمئزة:
_ حتة او حارة مش عارفة هي أسمها بطن الحندوق.
قطبت فريال جبينها في تعجب، ثم قالت في استنكار:
_ بطن ايه.. اوعي تكوني بتضحكي عليا يا سدرا ودا مقلب!
:_ أبدًا هي واحدة ست قالتلي كده مش عارفة اصلا هو ايه المكان دا! بصي استنى هخلي الناس اللي هنا يوصلوني لحتة بابا جلال ياخدني منها استنى بس.
اغلقت معها سدرا ثم أردفت بنبرة محرجة:
_ ممكن بس توصلوني لحتة معروفة شوية لأننا منعرفش حاجة عن المكان دا.
تطلعت لها قليلًا ثم قالت:
_ طب ثواني وراجعة.
غادرت الغرفة تاركة سدرا تفكر كيف ستعود لمنزلها؟ تشعر بقلق شديد من هذا المكان وبالأخص هذا الرجل تشعر أنه مريب بعض الشيء، زفرت في ألم بدأ يحتل خلايا رأسها من أثر التفكير، قررت أن تنظر بالغرفة جيدًا فهي لأول مرة ترى ملامح هذه الغرفة تشعر أنها حاملة أسرار كبيرة ولكن ما هي هذا ما يثير فضولها، تقدمت من خزانة ملابس وكادت أن تفتحها في فضول اخذها ولكن صوته المتهكم اوقفها:
_ مش عيب يا استاذة يا محترمة تمدي ايدك على حاجة متخصكيش.
شعرت سدرا بحرج وهي تعود بيدها للخلف، بينما أكمل وحش حديثه بنبرة باردة:
_ اتفضلي خدي حاجتك خليني ننفض من السيرة دي ونخلص.
تلون وجهها بغضب تشعر إنها على وحش قتله، تقدمت من حقيبتها تمسكها في غيظ ولم تلاحظ تلك الورقة التي تعشق رؤيتها واقعة من الحقيبة، سار وحش أمامها دون أن يلتفت لها، بينما سارت خلفه تشعر بدهشة غريبة غرفة التي كانت بها هي الوحيدة على الأرجح هي استحسان من باقي منزل فحوائط المنزل مهترئة بينما هذه الغرفة حائطها نظيفة ولامعة، المقاعد وعدد كبير من أثاث المنزل قديم للغاية ولكن بالغرة كان نظيفًا، غادرت من المنزل تسير خلفه في هدوء ولكنها لاحظت وقوف بعض الرجال له تلتمع عيناهم بالرعب من رؤيته، فاقت من شرودها على جملته الحامل ثلج تكاد تجن لتعلم من أين أتي به:
_ متركزيش مع حد وأمشي خلصيني.
صكت على أسنانها في غضب تغمغم بنبرة متعصبة:
_ وأنت متعرفش تتكلم بأسلوب أحسن من كده.. أنا مش جارية عندك ولا أسيرة.
استدار ينظر لها بشدة يهتف في جمود:
_ متخلينيش فعلا أعملك اسيرة ليا وساعتها أبقى شوفي نور دا تاني بعد كده فياريت تتفضلي معايا من غير كلام لأن وجودك أكتر من كده هيدمرك فعلًا.
شعرت بتهديد صريح، ولكن يعتريه خوفًا عليها، زفت في ارهاق مرددة بنبرة هادئة:
_ طب يلا عشان زمانهم مستنين تلفون.
غادرت معه ثم صعدت معه داخل سيارة متوجهين بها للمشفى التي تعمل بها كام اخبرته مكانها، ثم أخذت هاتفه تقيم اتصال تخبر به والدها السيد جلال بمكانها.
وصلت سدرا مع وحش لمكان المشفى وهبطت من السيارة سريعًا تركض نحو السيد جلال تبكي في ألم بينما غادر وحش في هدوء دون أن يلقى نظرة عليها، هتف السيد جلال بنبرة مطمئنة:
_ أنتِ كويسة يا حبيبتي ؟ تحبي نروح مستشفى؟
حركت رأسها بالنفي تردد بنبرة خافتة:
_ لا يا بابا الصراحة الأستاذ دا علا..
لم تكمل جملتها بعدما اختفي، تعجبت من اختفائها بينما تساءل جلال بدهشة:
_ هو فين؟
نظرت له بدهشة ثم حركت رأسها بعدم معرفتها، زفر جلال في راحة ثم قال مبتسمًا:
_ مش مهم المهم أنك كويسة تعالي يلا نروح.
سارت معه تشعر بالأمان الذي فقدته من ساعات تحمد ربها كثيرًا أنه أرسل هذا الشاب لينقذها لا تعلم انه سيوقعها بشباك العشق ولكن عشق اسود سيقضي عليهما؟!
*******
مر يومين قدمت سدرا بهما اعتذر لطبيب سمير عن عدم قدرتها بأن تأتي بينما سردت للجميع ما حدث معها وبدأوا يرددوا بحمد الله أنها أتت لهم سليمة ولم تُصب بشيء، بينما كان آدم قد أرسل أحد لمراقبة منزل تاليا جيدًا ليعلم سر تلك الفتاة، ولكن شعر بطول الانتظار وقرر الذهاب لها بيومٍ ليس به الأعمال ضخمة، بينما بقى وحش يفكر بسدرا وطريقتها ولم يشعر بتلك البسمة التي زحفت لثغره دون أن يشعر.
****
انتهي من تناول طعام الفطور في هدوء ولكن أتت سيدة تقدم له ورقة مرددة بنبرة خافتة:
_ الورقة دي يا وحش بيه لقيتها على الكرسي وانا بنضف الاوضة تقريبا كده وقعت من الأنسة اللي كانت هنا.
نظر للورقة قليلًا ثم أخذها منها في هدوء يشير لها بأن تغادر، لم يحرك بصره عن تلك الورقة بل ظل يحدق بها في هدوء، ثم فتحها ببطء يرى ما بداخلها وبل فعل وجد العديد من الجُمل منها
»أنت فؤادي الذي ملأته بندوبٍ من فراقك«
»كيف لي أن أنساك وأنا بكل يومًا ابقى بداخلك في أحلامي«
»لا أعلم هل سيقع قلبي بحب أحد وأنت لست بجواري«
أغلق تلك الورقة وعلم أنها قطعت من مذكرة صغيرة، وضعها جانبًا ولكن شعر بفضول لأول مرة يروضه من معرفة هذا الشخص الذي سلب فؤاد تلك الفتاة، نهض من مكانه ولكن حمل هذه الورقة ووضعها بمحفظته الشخصية وكأنه يخشى ضيعها ولا يعلم هل يتصل بها ليعيدها أم يبقيها معه؟
****
غادرت تاليا وهي تشعر بقلق شديد يملأ قلبها تفكر ماذا ستفعل إن عاد هذا الشاب من جديد، فلم تخبر أحد ولا شقيقتها ولكن ستقع بمشكلة كبيرة إن وجدته أمامها.
هتفت بنبرة خائفة مترجية:
_ يارب يارب مشوفهوش النهاردة يارب.
ما أن انتهت من دعائها حتى رأته يقف أمامها ولكن المأزق الآن أنهم بالقرب من الشارع الذي تقطن به، اتسعت عيناها في صدمة ممزوجة برعب، بينما ابتسم آدم في برود يهتف:
_ بنت حلال كنت لسه هطلع لوالدك عشان افهم بقى الحوار اللي حصل دا ايه؟ ولو صوتي هقوله إننا متجوزين عرفي وابقى وريني هتخرجي من المشكلة دي ازاي وسط اهلك.
يتبع.
.. وجهٌ آخر للوحش..
تخلل قلبها شعورٌ من الرعب، هل هناك أحد يسمى بـ ماجد الكدواني غير الممثل، ازدردت حلقها ولكن كان جافًا فلم تشعر سوى بصحراءٍ قاحلة تغرق بها، حاولت الحديث أو تبرير ما فعلته ولكن عُقد لسانها وكأن هناك أحد يمسكه، لم تشعر بتلك اللحظة سوى بجسدها المرتعش.
علم آدم أنها تشعر بالرعب من حدقتيها اللتان فاض منهم هذا الشعور القاسي، ولكن يجب فهم لما فعلت هكذا؟ هتف بنبرة متهكمة:
_ سيادتك هتفضلي ساكتة كده خلصيني!
:_ بص حضرتك يا استاذ.. أنا..أنا..
لم تستطع إكمال جملتها عندما لاحظت تقدمه نحوها، تراجعت في رعب ثم بدأت بالصراخ قائلة:
_ يالــــــــــــهـــــــــوي ألحقوني بيتهجم عليا.. ألحقوني يا ناس.
تجمد آدم لوهلة لم يستطع تفسير ما فعلته فهو لم يفعل شيء كي تصرخ هكذا، كان يتقدم ليستمع لصوتها الهامس، دقائق وبدأ عدد كبير من الرجال يحيطون بآدم يسددون له بعض لكمات عنيفة حتى اختفى وسط هذا العدد الضخم من الشباب والرجال.
ركضت تاليا سريعًا تعبر الطريق ثم صعدت درجات، تتخطى المكينات ولحسن الحظ أتي قطار المترو اسرعت تركب أحد العربات، وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئت تهدج أنفاسها، اشارات إحدى السيدات لتاليا بأن تجلس وبالفعل استجابت لها سريعًا فقد انتهت قوتها بعدما رأت الكدواني، همست بداخلها في راحة:
_ الهيييح الحمدلله بعد العلقة السخنة اللي خده دي اعتقد مش هيجلي هنا تاني.. وربنا يسامحني بقى.
****
أفعي سوداء تحاوط جسده تشدد عليه شيئًا فشيء حتى شعر بتكسر عظامه، حاول الافلات منها ولكن لم يجد نفعًا ولكن فجأة اقتربت منه أفعى ضخمة في سرعة كبيرة تبرز أنيابها السامة ثم رفعت نفسها ولكن قبل أن تغرز أنيابها استيقظ يتنفس في صعوبة، يضع يده حول عنه حتى يتأكد من عدم وجود شيء نهض من أعلى الفراش وقرر أن يستنشق بعض الهواء بعيدًا عن هذا المكان.
وبجانب أخر..
نظر الشابان لسدرا في تلهف غريب كلاهما يتمنيان تلك اللحظة التي سينقضان عليها بها، نظر احدهما قائلًا:
_ أنا اللي هبدأ وبعد كده عيش حياتك معها.
بدأ يحل أزرار قميصه ولكن اوقفه صديقه مرددًا بنبرة مغتاظة:
_ بقولك إيه أنا من بدري بدور على مزة زيها والبنت شكلها كده نوع جديد علينا وانا بحب ادوق الجديد.
حدق به في غيظ، ثم أكمل ازالت قميصه مرددًا في برود:
_ بقولك إيه أنا اللي جبت الحلوة دي يبقى أنا اللي هبدأ وسبنا بقى خلينا نخلص من الليلة دي.
كاد أن ينحني ولكن هدر صديقه بنبرة غاضبة:
_ لا بقولك ايه أنت مش هتجب عليا وتقولي أنت اللي جبتها انا اللي هبتدي.
تعالي صوت الأثنان في شجار حاد من منهما سيبدأ بقتل روحٍ بريئة تمتلئ بالندوب.
***
حاول أن يتنفس قليلًا ربما يريح صدره الملتهب منكم آلام انفجرت به كالبراكان، ولكن لم ينزع عقله الشارد سوى صوت شجار بين أثنان، تقدم ليرى من يتشاجر بهذا الوقت المتأخر من الليل فوجد سيارة بها أثنان، كاد أن يستدير تاركًا اياهم ولكن تردد بسمعه جملة احدهما( المزة دي دخلت دماغي ومش بعد ما اتخدرت كده ملحقش اخد وادوق أول حتة منها).
علم أنهما يتشاجران على فتاة ومن الأرجح أنها ليست من المنطقة، تقدم في خطواتٍ خفيفة يحاول رؤية تلك الفتاة ولك لم يستطع فأحدهما يجب الرؤية، كاد أن يغادر ولكن لا يعلم لما امتنع قلبه عن الذهاب، زفر بضيق ثم تقدم من السيارة يطرق على باب السيارة وما أن فتح أحدهما بعد أن صمت فجأة قام «وَحش» بسحبه في عنف وتسديد عدد من اللكمات العنيفة التي تترك عاهة مستديمة، ما أن رأي الأخر هكذا حاول الهروب ولكن كيف ويد هذا الوحش قد قبض عليه وستنفذ حُكم القضاء عليه.
وقع الأثنان غائبين عن الواقع فهذه اللكمات أتت بمناطق محددة وكأن هذا الشخص مقاتل بارع، تقدم وحش من سدرا فرأي وجهه الممتلئ بالدماء من أثر ضربه عنيفة، حملها في هدوء ثم عاد بها لمنزله، هذا الكهف الذي لا يدلفه سوى اثنان وها هي الثالثة تدلف له.
بدأ وحش في ازالت حجابها، ولكن توقف فجأة يتطلع لوجهه البسيط، فلو كانت في كامل وعيها لن تسمح لأحد بأن يقترب منها كام الآن يفعل، فهو لم يدع الأثنان يستبحون ذلك.. لِمَ يسمح لذاته بأن يرى شيئًا ليس من حقه؟ شعر باختناق يحاوطه وكأنه سيبقى بهذا الشعور مدى الحياة.
ترك الغرفة وغادر دون أن يفعل شيء، مختفيًا كالزيبق، ولكنه أرسل سيدة في الخامس والأبعين من عمرها، بدأت تعالج أثار هذه الضربة وتنظف جرحها.
*****
بشقة السيد جلال..
بدأت تشعر بتأكلها من الداخل بسبب هذا القلق، تشعر وكأنها ستفقد روحها من تأخر الفتاتان، يتلاعب بعقلها كالكرة وسط الملعب، نهضت تمسك بهاتفها مرددة بنبرة خائفة:
_ لا انا مش مستحملة ومحدش بيرد عليا يارب ردهم ليا سالمين يارب انا معنديش اغلى منهم.
دقائق بسيط دلفت تاليا للشقة، استدارت فريال سريعًا مرددة في قلق ممزوج بغضب:
_ كنت فين لحد دلوقتي يا هانم؟
تعجبت تاليا من طريقة والدتها ونظرت للساعة فعلمت لما غضبت هكذا، اجابتها في هدوء تعلم جيدًا أنها لن تتحمل أي مزاح بتلك اللحظة:
_ مفيش يا ماما المترو عطل بيا في محطين وطول فيهم اوي.
هدأت فريال بعض الشيء ولكن عاد توترها ما أن تسألت تاليا عن سدرا:
_ امال فين سدرا؟
:_ لسه مجتش!
قالتها في قلق شديد، بينما اتسعت عين تاليا بشدة مرددة بنبرة ملتاعة:
_ نعم دي المفروض ترجع من اربع ساعات دي بقالها كتير برة!
حركت رأسها بعدم معرفتها لها، تردد بنبرة باكية:
_ مش عارفة يا تاليا انا برن عليها كتير مش بترد وفي الاخر تلفونها فصل شحن انا خايفة عليها اوي.
ربتت تاليا على كتف والدتها في محاولة تهدئتها، ولكن هي تشعر بأنها غير قادرة على المثابرة وستنهار سريعًا إن لم تظهر شقيقتها!
*****
دلف للغرفة يتأكد من أنها لاتزال نائمة ولكن صُدم من رؤيتها تبكي وهي نائمة لا تردد سوى بأسم والديها، أصبح مترددًا بتلك اللحظة ولأول مرة ماذا يفعل مع تلك الفتاة، زفر في ضيق ثم تقدم منها يتطلع لها عن قرب وبدأ يهمس بصوت رجولي هادئ ببعض الكلمات:
_ أهدي أنا جنبك متخفيش من حد.. أنا معاكي وموجود مكان بابا وماما.
هدأت رجفة جسدها قليلًا، واستكنت في الفراش دون بكاء او همهمات تلفظ بها بل تنعم ببعض الهدوء، بينما نظر لها وحش في غموض ثم تركها مغادرًا الغرفة بأكملها.
****
عاد السيد جلال للشقة وعلم باختفاء سدرا وتسرب له شعور فريال بالقلق، أسرع يبحث عنها بمستشفيات والأقسام ولكن لم يجد نفعًا، وانطلق للمنطقة التي بها المشفى التي تدرب بها ولكن لم يجد أي شيء يساعده، حاول طيلة الليل إن يجدها ولكن انتهت جميع محاولته بالفشل ولكن كلما زاد الفشل زاد لهيب ألمه من عدم إيجادها وبدأت تاليا تشعر أنها على حافة الانهيار وستبدأ بدخول في نوبة بكاء حادة.
****
عاد آدم يتأوه من الألم يشعر بغيظ شديد مما فعلته تاليا به، صعد يبدل ملابسه ثم انطلق نحو غرفة والده وما أن جلس حتى شعر بألم يغزو جسده، تعجب ماجد من صوت أنين آدم وأردف في تعجب:
_ مالك حصل إيه؟
نظر له آدم في غضب جامح وبدأ يسرد له ما حدث وما أن انتهي حتى انفجر ماجد في الضحك بصوتٍ عالي، ازداد غيظ آدم يردد بنبرة غاضبة:
_ بتضحك على ايه أنا عايز افرم البت دي.. بعد ما كنت هعرف ليه عملت كده واسيبها دا انا هسجنها ولوطولت ممكن اقتـ.ـلها!
حرك ماجد رأسه بالنفي يحاول كبح ضحكته، حتى لا يزداد غضب ابنه مرددًا بنبرة هادئة:
_ بلاش يا آدم أعرف الأول السبب وبعدها حدد بظبط هل هتقدر تاخد حقك منها وهي بنت ولا لاء؟ مش ممكن وقعت في مشكلة واستنجدت بأسمنا .. خليك فاكر إن اللي بيجي على الولايا مش بيكسب وبيخسر كتير.. اوعي تيجي على حد ضعيف او مكسور كفاية كسرته وضعفه دول هنا وجع كبير بنسبة له.
حرك آدم رأسه ولكن بدأ يفكر كيف سيوقع تاليا بين قبضتيه، ويراها بين قبضتيه ولكن لم يعلم انه سيقع معها بين قبضتي العشق.
****
صباحًا..
استيقظت سدرا تشعر بألم عنيف يغزو رأسها، وضعت يدها على رأسها تحاول تذكر ماذا حدث وسرعان ما تذكرت ما فعله أحد الشابان بها وتلك الضربة العنيفة التي تلقتها منه، نهض من الفراش تنظر للمرآة ولكنها قطبت جبينها في حيرة وهي ترى تلك الضمادة، نظرت حولها تبحث عن حقيبتها، وقعت عيناها عليها على مقعد موجود بزاوية الغرفة اسرعت نحوها في تلهف تبحث عن الهاتف ولكن ذمت شفتاها في ضيق ما أن رأته فارغ الشحن، بقت مكانها ولا تعلم كيف ستتصرف ولكن قطع تفكيرها صوتٍ رجولي جذاب ولكن يحمل تهكم:
_ أخيرًا سيادتك صحيتي!
استدارت سدرا تتطلع نحو في محاولة اكتشف هل أحد الشابان الذين رأتهما ولكن توقفت عن تدقيق النظر ما أن أردف بنبرة ساخرة:
_ لو أنا اللي ضربتك على دماغك هلف دماغك كده ولا حتى هسيبك سليمة وبهدومك مش كنت على الاقل...
صرخت سدرا بصوتٍ عالي مرددة:
_ اخرس أنت بتكمل تقولي ايه!
ابتسم في خبث مرددًا:
_ ماهو دا اللي كان هيحصل معاكي لو مكنتش جيت وانقذتك!
اتسعت عيناها في صدمة، بينما تحولت حدقتيه لبرودٍ شديد اكمل بنبرة متهكمة:
_ كنتِ في عربية وشابان معاكي ولحسن حظك كنت معدي من جنبهم ولحقتك غير كده كنت هتبقى..
:_ يا جدع أنت في ايه هو أنت بتتعامل مع جحش معندهوش احساس متراعي شوية أني بت ومش هينفع اسمع الكلمات دي.
قالتها في غيظ منه تتظاهر بقوة زائفة أمامه، بينما كبح وحش ابتسامتها في صعوبة يردد في برود:
_ حقيقي مش عارف أنت أنهي كائن بظبط وممكن تكوني حجش ليه لاء.
اتسعت عيناها في صدمة ممزوجة بغضب، وبدأت تبحث عن شيئًا تلقيه به وما أن رأت مزهرية صغيرة على الطاولة امسكت بها وألقتها في غيظ عليه متمتمة:
_ هوريك يا معدوم المشاعر والذوق أنت.
هبط وحش سريعًا لتصطدم تلك المزهرية بالمرآة تصدر صوت كسر عالي، تطلع وحش للمرآة في ذهول ثم عاد بنظرة لسدرا ولكن تلك المرة تحولت عيناه لظلام دامس ارتجف جسدها على أثره، بينما تقدم وحش منها يهمس في فحيح:
_ لولا أنك بنت وغريبة كنت دفنتك مكانك!
تراجعت سدرا إلى الخلف، ولكن لسانها السليط لم يتركه بل أجابت في غضب:
_ وأنا بقى المفروض اعمل إيه ادفنك مكانك على قلة ذوقك اللي اتعملت بيها معايا دي وانا لا اعرفك ولا عملت لك حاجة!
لم يتخيل بيومٍ أن هناك أحد سيقف أمام غضبه الأسود، توقف فجأة ثم استدار يهدر في صوت عالي اخافها:
_ يا ســـــــــيــــدة تعالي.
دقائق وأتت تلك المرأة التي تضمدت لها جرح رأسها في سرعة تنظر له ببعض القلق، بينما نظر وحش لها في غموض مرددًا بنبرة قوية:
_ شوفيها لو هتعوز حاجة وخرجيها برة الحارة مش عايز أرجع على الضهر ألقيها في البيت.
تركها مغادرًا الغرفة بينما شهقت سدرا في صدمة من حديثه الوقح ثم هدرت بنبرة عالي مغتاظة:
_ وأنت طول تلاقي ملاك زي في بيتك يا جنف أنت.
تعجبت سيدة من سلوك سدرا وخاصة أن وحش لا يسمح بأحد أن يحدثه هكذا، تقدمت منها سيدة تردف سريعًا:
_ عايزة حاجة يا بنتي عشان تمشي بسرعة.
نظرت لها قليلًا ثم أردفت في تردد:
_ محتاجة تلفون عشان اطمن أهلي زمانهم مرعوبين عليا.
حركت رأسها في هدوء ثم انطلقت تحضر لها الهاتف بينما تذكرت سدرا سلوك هذا الرجل وتمنت أن تقلع رأسه، زفرت في غضب فلم تتخيل بيومٍ أنها ستفقد أعصابها بسهولة هكذا، فاقت من شرودها على هاتف مقدم لها أخذته سريعًا وبدأت بالاتصال على شقيقتها تاليا، وما أن اجابة حتي اردفت سدرا وهي تبكي:
_ تاليا أنا سدرا.
انتفضت تاليا من مكانها تردف في فرحة:
_ سدرا أنتِ كويسة؟ فيكي حاجة؟ طب أنتِ فين؟
اخذت فريال الهاتف منها تردد بصوت باكي:
_ أنتِ فين يا سدرا؟
ازالت دموعها تجيب بصوتٍ خافت:
_ لما اجي هحيكلكم بس عايزة حد يجي ياخدني من المكان اللي انا فيه؟
نظرت سدرا لسيدة متسائلة:
_ هو أحنا فين كده؟
:_ في بطن الحندوق!
قالتها في بساطة شديدة، بينما صُدمت سدرا من الأسم لم تفق سوى على صوت فريال تردد:
_ أنتِ فين؟
لم تعلم كيف ستخبرها في لأول مرة تستمع لهذا الأسم، حاولت الحديث مرددة بنبرة مشمئزة:
_ حتة او حارة مش عارفة هي أسمها بطن الحندوق.
قطبت فريال جبينها في تعجب، ثم قالت في استنكار:
_ بطن ايه.. اوعي تكوني بتضحكي عليا يا سدرا ودا مقلب!
:_ أبدًا هي واحدة ست قالتلي كده مش عارفة اصلا هو ايه المكان دا! بصي استنى هخلي الناس اللي هنا يوصلوني لحتة بابا جلال ياخدني منها استنى بس.
اغلقت معها سدرا ثم أردفت بنبرة محرجة:
_ ممكن بس توصلوني لحتة معروفة شوية لأننا منعرفش حاجة عن المكان دا.
تطلعت لها قليلًا ثم قالت:
_ طب ثواني وراجعة.
غادرت الغرفة تاركة سدرا تفكر كيف ستعود لمنزلها؟ تشعر بقلق شديد من هذا المكان وبالأخص هذا الرجل تشعر أنه مريب بعض الشيء، زفرت في ألم بدأ يحتل خلايا رأسها من أثر التفكير، قررت أن تنظر بالغرفة جيدًا فهي لأول مرة ترى ملامح هذه الغرفة تشعر أنها حاملة أسرار كبيرة ولكن ما هي هذا ما يثير فضولها، تقدمت من خزانة ملابس وكادت أن تفتحها في فضول اخذها ولكن صوته المتهكم اوقفها:
_ مش عيب يا استاذة يا محترمة تمدي ايدك على حاجة متخصكيش.
شعرت سدرا بحرج وهي تعود بيدها للخلف، بينما أكمل وحش حديثه بنبرة باردة:
_ اتفضلي خدي حاجتك خليني ننفض من السيرة دي ونخلص.
تلون وجهها بغضب تشعر إنها على وحش قتله، تقدمت من حقيبتها تمسكها في غيظ ولم تلاحظ تلك الورقة التي تعشق رؤيتها واقعة من الحقيبة، سار وحش أمامها دون أن يلتفت لها، بينما سارت خلفه تشعر بدهشة غريبة غرفة التي كانت بها هي الوحيدة على الأرجح هي استحسان من باقي منزل فحوائط المنزل مهترئة بينما هذه الغرفة حائطها نظيفة ولامعة، المقاعد وعدد كبير من أثاث المنزل قديم للغاية ولكن بالغرة كان نظيفًا، غادرت من المنزل تسير خلفه في هدوء ولكنها لاحظت وقوف بعض الرجال له تلتمع عيناهم بالرعب من رؤيته، فاقت من شرودها على جملته الحامل ثلج تكاد تجن لتعلم من أين أتي به:
_ متركزيش مع حد وأمشي خلصيني.
صكت على أسنانها في غضب تغمغم بنبرة متعصبة:
_ وأنت متعرفش تتكلم بأسلوب أحسن من كده.. أنا مش جارية عندك ولا أسيرة.
استدار ينظر لها بشدة يهتف في جمود:
_ متخلينيش فعلا أعملك اسيرة ليا وساعتها أبقى شوفي نور دا تاني بعد كده فياريت تتفضلي معايا من غير كلام لأن وجودك أكتر من كده هيدمرك فعلًا.
شعرت بتهديد صريح، ولكن يعتريه خوفًا عليها، زفت في ارهاق مرددة بنبرة هادئة:
_ طب يلا عشان زمانهم مستنين تلفون.
غادرت معه ثم صعدت معه داخل سيارة متوجهين بها للمشفى التي تعمل بها كام اخبرته مكانها، ثم أخذت هاتفه تقيم اتصال تخبر به والدها السيد جلال بمكانها.
وصلت سدرا مع وحش لمكان المشفى وهبطت من السيارة سريعًا تركض نحو السيد جلال تبكي في ألم بينما غادر وحش في هدوء دون أن يلقى نظرة عليها، هتف السيد جلال بنبرة مطمئنة:
_ أنتِ كويسة يا حبيبتي ؟ تحبي نروح مستشفى؟
حركت رأسها بالنفي تردد بنبرة خافتة:
_ لا يا بابا الصراحة الأستاذ دا علا..
لم تكمل جملتها بعدما اختفي، تعجبت من اختفائها بينما تساءل جلال بدهشة:
_ هو فين؟
نظرت له بدهشة ثم حركت رأسها بعدم معرفتها، زفر جلال في راحة ثم قال مبتسمًا:
_ مش مهم المهم أنك كويسة تعالي يلا نروح.
سارت معه تشعر بالأمان الذي فقدته من ساعات تحمد ربها كثيرًا أنه أرسل هذا الشاب لينقذها لا تعلم انه سيوقعها بشباك العشق ولكن عشق اسود سيقضي عليهما؟!
*******
مر يومين قدمت سدرا بهما اعتذر لطبيب سمير عن عدم قدرتها بأن تأتي بينما سردت للجميع ما حدث معها وبدأوا يرددوا بحمد الله أنها أتت لهم سليمة ولم تُصب بشيء، بينما كان آدم قد أرسل أحد لمراقبة منزل تاليا جيدًا ليعلم سر تلك الفتاة، ولكن شعر بطول الانتظار وقرر الذهاب لها بيومٍ ليس به الأعمال ضخمة، بينما بقى وحش يفكر بسدرا وطريقتها ولم يشعر بتلك البسمة التي زحفت لثغره دون أن يشعر.
****
انتهي من تناول طعام الفطور في هدوء ولكن أتت سيدة تقدم له ورقة مرددة بنبرة خافتة:
_ الورقة دي يا وحش بيه لقيتها على الكرسي وانا بنضف الاوضة تقريبا كده وقعت من الأنسة اللي كانت هنا.
نظر للورقة قليلًا ثم أخذها منها في هدوء يشير لها بأن تغادر، لم يحرك بصره عن تلك الورقة بل ظل يحدق بها في هدوء، ثم فتحها ببطء يرى ما بداخلها وبل فعل وجد العديد من الجُمل منها
»أنت فؤادي الذي ملأته بندوبٍ من فراقك«
»كيف لي أن أنساك وأنا بكل يومًا ابقى بداخلك في أحلامي«
»لا أعلم هل سيقع قلبي بحب أحد وأنت لست بجواري«
أغلق تلك الورقة وعلم أنها قطعت من مذكرة صغيرة، وضعها جانبًا ولكن شعر بفضول لأول مرة يروضه من معرفة هذا الشخص الذي سلب فؤاد تلك الفتاة، نهض من مكانه ولكن حمل هذه الورقة ووضعها بمحفظته الشخصية وكأنه يخشى ضيعها ولا يعلم هل يتصل بها ليعيدها أم يبقيها معه؟
****
غادرت تاليا وهي تشعر بقلق شديد يملأ قلبها تفكر ماذا ستفعل إن عاد هذا الشاب من جديد، فلم تخبر أحد ولا شقيقتها ولكن ستقع بمشكلة كبيرة إن وجدته أمامها.
هتفت بنبرة خائفة مترجية:
_ يارب يارب مشوفهوش النهاردة يارب.
ما أن انتهت من دعائها حتى رأته يقف أمامها ولكن المأزق الآن أنهم بالقرب من الشارع الذي تقطن به، اتسعت عيناها في صدمة ممزوجة برعب، بينما ابتسم آدم في برود يهتف:
_ بنت حلال كنت لسه هطلع لوالدك عشان افهم بقى الحوار اللي حصل دا ايه؟ ولو صوتي هقوله إننا متجوزين عرفي وابقى وريني هتخرجي من المشكلة دي ازاي وسط اهلك.
يتبع.