رواية شيخة القبيلة الفصل الرابع 4 بقلم رانيا ممدوح
ذهبت هنادي إلى بيت الداية جلالة بعد أن أظلم قلبها بحلم لم يفارقها يومًا، كانت عيناها تشتعلان برغبة دفينة لم تطفئها السنوات ولا الولادات الست. طرقت الباب بعجلة، ففتحت لها جلالة وهي تمسح يديها بطرف ثوبها.
+
نظرت إليها جليلة نظرة أمٍّ خبِرت التعب والحمل والوجع، وقالت:
+
"تعالي يا هنادي، مالك جاية ووشك فيه همّ الدنيا؟"
+
جلست هنادي على حافة السرير، تمسك بطرف ثوبها بإحكام، وقالت بصوت واهن لكنه يحمل إصرارًا:
+
"عايزة أحمل تاني يا جلالة... عايزة ولد، أنا نفسي في الولد اللي يشيل اسمي واسم أبوه."
+
تنهدت جليلة بعمق، واقتربت منها، وضعت يدها على كتفها وقالت بحنان ممزوج بالقلق:
+
"يا بنيتي جسمك بقى ضعيف... كل سنتين بتولدي، وسنين الحمل والرضاعة أكلت من صحتك حتت. كفاية ست بنات، ربنا يباركلك فيهم، وساعتها تبقي سترتي نفسك فيهم، خلاص، الحمل مينفعش تاني."
+
نظرت إليها هنادي بعينين فيهما رجاء مجنون:
+
"بس إنتي مش فاهمة، أنا مش هتهنى ولا أهدى غير لما أخلف الولد، ماينفعش بدر يفضل الوريث الوحيد، أنا ولادي أحق بقيادة القبيلة منه ."
+
أطرقت جليلة رأسها، ثم رفعت نظرها إليها وقالت ببطء:
+
"ارجعي إلى الله يا هنادي... رضاه أوسع من أي خطة في دماغك، بس أنا كدا بقولك الحقيقة، جسمك مش هيستحمل أي حمل تاني ."
+
اشتعل الغضب والخذلان داخل هنادي، لكنها كتمت ثورتها، و كان قلبها يغلي كما يغلي القدر على النار.
+
هنادي بتوتر:
"يعني إيه؟ هو في إيه؟ بيحصل معايا كده ليه؟"
+
جليلة بجدية:
"يعني لو حملتي تاني، احتمال تموتي... جسمك مش ناقص تعب تاني، الرحم مرهق، وضعفك باين، وأنا مقدرش أضحك عليكي."
+
شهقت هنادي وكأن الكلام طعنة مباغتة في خاصرتها، شهقة لم تخرج من حلقها لكنها هزّت صدرها. نظرت لجليلة بعينين مكسورتين ومليئتين بالإصرار المسموم:
+
"أنا هموت ناقصة عمر لو ما جبتش الولد... بدر لوحده مش كفاية، القبيلة محتاجة وريث مني أنا، من دمي أنا مش من دم فاطمة يا جلالة"
+
جليلة بنبرة حاسمة:
"وأنا بقولك: الولد مش هيعوض حياتك لو راحت... والبنات اللي عندك يخلوا اسمك ما ينداسش. يا هنادي، اختاري العيشة، مش كل اللي بنتمناه يستاهل الموت عشانه. ارضي باللي أنتي فيه."
+
لم تردّ هنادي، فقط نهضت وهي تمسح كفيها ببعضهما بعصبية، وخرجت كما دخلت... وفي صدرها نار لا تنطفئ.
+
..............
+
بعد أن خيّم الصمت في بيت هنادي، ومرت الأيام دون أن تسمع رابحة دعوة جديدة، بدأ القلق يتسلل إلى قلب الدجّالة. فشلها في منح هنادي "الولد المنتظر" يعني سقوط هيبتها في القبيلة، وأسوأ من ذلك... انتقام هنادي، تلك المرأة التي لا تنسى ولا تغفر.
+
كانت رابحة تجلس في كوخها، تعبث بخيوط الحجاب الذي صنعته ذات ليلة مظلمة. قلبها مضطرب، وعيناها تراقبان الباب في كل لحظة كأنها تنتظر الهلاك يدخل منه.
+
همست لنفسها:
+
"هي لو عرفت إني ضحكت عليها ومفيش في إيدي لا سحر ولا بركة... هتدفني بإيديها. الست دي قلبها حجر."
1
في الليلة التي تلت، كانت السماء ملبدة، والهواء محمّل بالتراب. جمعت رابحة كل ما استطاعت حمله في كيس قديم، نظرت إلى كوخها نظرة طويلة، وكأنها تودّعه للأبد.
+
ثم همست:
+
"القبيلة دي ما بترحمش، واللي يزعل هنادي مصيره يندفن تحت رجليها. أسيب الأرض وما أسيبش روحي تضيع هنا."
+
انسلّت من بين البيوت كظلام، لا يُرى ولا يُسمع. لم تودّع أحدًا، ولم تلتفت خلفها. فقط خطوات سريعة تبتعد عن كل شيء... عن الحجاب، عن الكذب، وعن هنادي.
+
................
+
جلست فاطمة على الأرض أمام ابنتها، تتأمل ملامحها التي بدأت تأخذ شكلاً واضحًا، مزيج من القوة والبراءة. مدت يدها في صمت وبدأت تمشط شعر بدر الطويل، الذي تمرد في تموجهات غجرية عن أي ترتيب. بين خصاله السوداء، ظهرت خصلتان حمراوان في الجانب الأيسر من رأسها، كأنهما وشم القدر، علامة لا تخطئها العين.
+
تسمرت نظرات فاطمة عليهما، وامتلأت عيناها بالدموع.
+
قالت وهي تبكي:
"كبرتي يا بدر... وبان أصلك ومعدنك... وورثتي خصلتين أبوكي اللي بيميزوه عن كل خلق الله."
+
مررت أصابعها المرتعشة على الشعر بعناية كمن يلامس ذاكرة، ثم أكملت بصوت مختنق:
"كنت دايمًا أبص في خصلاته وأقول سبحان اللي خلق، دلوقتي بشوفهم فيكي... وكأن ربنا بيطبطب عليّ بيكي."
+
رفعت بدر عينيها البريئتين إلى أمها، لم تقل شيئًا، لكنها شعرت بالحنين الذي لم تفهمه بعد، واحتضنت والدتها دون أن تسأل، فالصمت في تلك اللحظة كان أبلغ من أي سؤال.
+
كان المساء قد بدأ يُلقى فوق أرض القبيلة، والنسيم العليل يُداعب ستائر الغرفة القديمة التي احتضنت أسرارًا كثيرة. جلست فاطمة القوية، التي غزلت الحزن في صمتٍ طويل، تُحدّق في ابنتها بدر وقد اكتمل في ملامحها نضج مبكر، وفي عينيها شيء من والدها... شيء يشبه الهيبة المخبأة خلف الطفولة.
+
وضعت فاطمة يدها على كتف بدر برفق، لكن نبرتها حملت قوة لا تقبل التردد، وقالت:
+
"لازم نبدأ يا بدر... خلاص بلغتي السن الرسمي للتدريب في القبيلة. هدربك إنتي وأمان، وهتبقوا دايمًا سوا."
+
نظرت بدر لأمها باستغراب بريء، وقالت:
+
"هتدربيني على إيه يا ماما؟"
+
ابتسمت فاطمة، تلك الابتسامة التي تحمل وجع السنين وفخر العزائم، وقالت:
+
"كل حاجة. أمك اللي كانت حبيبة أبوكي، كانت شايفة كل حاجة بيعملها، من أول ما يمسك السيف لحد ما يقرر مصير رجال. ربنا يقدرني وأخليكي نسخة منه... نظرته، شجاعته، وهيبته اللي ماكانش حد يقدر يقف قصاده."
+
ترددت بدر لوهلة، ثم همست:
+
"بس أنا بنت... مش ولد."
+
هنا اشتعلت نظرة فاطمة بعزم لا يلين، وانحنت قليلًا لتكون في مستوى عينيها، وقالت بحسم:
+
"لأ يا بدر... إنتي بنت سالم الحمداني، يعني رجال. من اللحظة دي، إنتي زيك زي الولد... يمكن أقوى. علشان تحافظي على القبيلة اللي أبوكي مات علشانها، وتحميها من اللي بيتمنوا زوالها. دم أبوكي في عروقك مش للزينة، ده عهد... وأنا أول من هيساعدك تكمّليه."
+
سكن المشهد للحظة... وبدر لم تقل شيئًا، لكن شيئًا في روحها استيقظ، كأنه فُتح لها بابٌ جديد... باب يقودها إلى قدرٍ لا يُشبه ما كانت تعرفه من قبل.
+
نهضت فاطمة واقفة، وأمسكت بيد بدر، كانت نظرتها حاسمة وصوتها لا يترك مجالًا للاعتراض، وقالت بنبرة هادئة لكن مُثقلة بالمسؤولية:
+
"هتنسي الفستان يا بدر... من النهاردة مفيش لبس أطفال ولا زينة بنات."
+
اقتربت منها وسحبت من على المشجب جلابية بيضاء نقية كانت مطوية بعناية، ثم أخرجت شملة من قماشٍ غليظ، بلون الرمال، تشبه ما كان يرتديه الفرسان، ورفعتها ببطء أمام ابنتها.
+
"هتلبسي الجلابية البيضة، وتمشي بيها في أرض القبيلة مرفوعة الرأس، والشملة دي فوق راسك... مش علشان تغطيكي، لأ... علشان تعلّيك."
+
كانت بدر تحدّق في الجلابية، تتردد، تسأل في صمتها: هل أنا مستعدة؟
+
فقالت فاطمة، وكأنها سمعت هذا الصمت:
+
"دي مش جلابية، دي عهد... واللي يلبسها يبقى مسؤول، يبقى حامل اسم، ورافع راية. إنتي خلاص، بقيتي نور أبوكي، والقبيلة كلها مستنياكي تكبري وتورّيهم يعني إيه بنت سالم الحمداني."
+
مدّت بدر يدها، وأخذت الجلابية، وكل شيء في قلبها تغيّر... كان الأمر أشبه بانتقال من صفحة إلى صفحة، من طفلة تُسرّح شعرها، إلى فتاة كُتب عليها أن تصنع المجد.
+
وضعت فاطمة يدها على قلب بدر، وقالت بصوت فيه رجفة حنين، لكنّه مفعم بالقوة:
+
"بدر... عايزاكي تفكّري في القبيلة بس. في كل واحد فيهم، في كل بيت انهد، وكل أم سهرت على غايب، وكل طفل نام خايف."
+
رفعت يدها الأخرى، تمسح خصلة من شعر بدر الأحمر، ثم تابعت:
+
"تخافي عليهم... زي ما بتخافي عليّا. تحسي بيهم، وتحميهم... وتكوني ظهرهم. تبقي النور اللي في عز الليل، والسيف اللي بيقف في وش الظلم."
+
أخذت نفسًا عميقًا، وقلبها يعصره الشوق لسالم، وقالت:
+
"إنتي مش بس بنت سالم، إنتي أمل الحمدانية... ولازم تعوضيهم عن كل لحظة رعب ومرار عاشوها. احفري ده جواكي، وامشي بيه، وكبّريه جوا صدرك."
+
بدر، التي لم تعُد طفلة، أومأت برأسها، ويدها الصغيرة قبضت طرف الشملة بقوة، وكأنها تعاهدها ألا تسقط منها أبدًا.
+
وقفت بدر أمام أمها، والريح تلعب بخصلات شعرها الطويلة، تلك الخصلتان الحمراوان على الجانب الأيسر، تشعّان في ضوء القمر كذكرى حية من والدها الراحل.
+
اقتربت فاطمة، وفي يدها سكين حاد، قلبها يرتجف، لكن عينيها لا ترمش.
+
فاطمة بهمسٍ حنون وهي تتنهد:
"عارفة، كنت دايمًا أقول إن شعرك ده فيه روح أبوكي... وكنت كل يوم أبص للخصلتين الحمر دول، أحس إني لسه شايفاه واقف قدامي."
+
فاطمة بصوت خافت لكنه ثابت:
"وأول تضحية ليكي يا بدر... هي شعرك."
+
توسعت عينا بدر، لم تتكلم، فقط نظرت لأمها، تعرف أن هذا الشعر هو هويتها، لعبتها، أنوثتها الصغيرة... وذكرى أبوها.
+
فاطمة:
"عارفة قد إيه بتحبيه... بس القائد ما يلبس تاج من ضفاير. القائد يتوج بروحه ودمه."
+
مدت يدها، وسحبت الخصلتين الحمراء بين أصابعها، لمعت دمعة في عين فاطمة، لكنها كتمتها، ورفعت السكين.
+
فاطمة:
"دي أول خطوة عشان تبقي قائدة... لما تقطعي حاجة غالية عليكي، يبقى قلبك مستعد يضحّي بأي حاجة علشان قبيلتك."
1
انحنت بدر، وأغمضت عينيها.
قُطع الشعر كله، وسقط في كفّ فاطمة كأنه آخر خيط من الطفولة.
+
رفعت فاطمة الخصلات، ثم همست:
+
"وداعًا يا بدر الطفلة... وأهلًا ببدر القائدة."
+
سكتت للحظة، ثم تابعت وهي تبدأ في تضفير الشعر:
+
"بس القائدة ما تتزينش... القائدة تتقوّى، واللي عايز يحافظ على قبيلته لازم يخلّي قلبه أقسى من سيف العدو."
+
رفعت إحدى الضفيرتين، وربطتها بخيط أبيض، ثم الأخرى بخيط أحمر... وأعطتهما لبدر.
+
فاطمة بصوت فيه حنان وصلابة:
"أنا مش هقطّع شعرك وأرميه في الهوا... دي ضفايرك يا بدر، وهتفضلي شايلهم معاك في قلبك. لما تيجي لحظة ضعف... بصّي لهم، وافتكري إنك بنت سالم الحمداني ، و إنك ضحيتي بشعرك علشان خاطر القبيلة ساعتها القوة هتحاصرك من كل مكان."
+
أمسكت بدر الضفيرتين المرتبتين بخيطي الشرف، وقلبها يخفق. عينيها دمعتا، لكن ما لم تنزل أي دمعة.
فهمت إن الطريق قد بدأ.
+
فاطمة وهي تلفّ الشملة البيضاء فوق رأسها:
"من النهاردة... مافيش فستان. الشملة دي تاجك. وبدل الضفاير... عندك قبيلة كاملة محتاجة تتربى على إيدك."
+
شدّت فاطمة الشملة البيضاء على رأس بدر بإحكام، ثم وضعت يديها على كتفيها، نظرت في عينيها بثبات كمن يسلّم الشعلة لمن سيحملها بعده.
+
لكن بدر، التي حاولت أن تكون صلبة مثل أمها، لم تحتمل ثقل اللحظة. انكمش قلبها بين ضلوعها، وسقطت دمعة هادئة من عينها اليمنى، كأنها انسلت عنوة رغمًا عنها، تحمل وجعًا لم تُفصح عنه.
+
مدّت فاطمة يدها ومسحت دمعتها بإبهامها، ثم قالت بصوت دافئ يحمل الشدة واللين معًا:
+
"دي أول وآخر دمعة يا بدر. خليها تطلع علشان ترتاحي... بس بعد كده، الدموع دي ما تنفعش قائد. انسي البنت اللي كنتي عليها، من النهاردة أنتي أمل القبيلة و ولدها."
+
ابتلعت بدر دمعتها الثانية وهي تهز رأسها موافقة، تحاول أن تزرع في قلبها قسوة لم تُولد بها، لكن عليها أن تكتسبها... لأجل اسم أبيها، لأجل أرضها، ولأجل كل من سيحتمي بها يومًا ما.
+
في فناء المنزل الواسع في اليوم التالي، حيث كانت أشعة الشمس تتسلل بين أعمدة الطين والسقف المفتوح، دخلت حسناء بخطى مسرعة ونظرة مملوءة بالولاء.
+
قالت بانفعال وهي تضع يدها على صدرها:
+
"عبد ربه ابن خالي تحت يا ست فاطمة، زي ما أمرتي."
+
رفعت فاطمة رأسها عن كتاب قديم كانت تتصفحه، ثم نظرت نحو بدر التي وقفت بزيها الجديد، الجلابية البيضاء والشملة التي زادتها هيبة رغم سنّها.
+
"عبد ربه؟" قالت فاطمة بتروٍ.
+
حسناء بحماس:
"أيوه يا ستي، عبد ربه ده سياف ومبارز شاطر، دخل حروب كتير، وساب وراه سيرة يحلف بيها الناس. أقدر أئتمنه على سرنا... وهيعلم الست بدر بكل أمانة وإخلاص، زي ما يكون بيربي بنته."
+
تنهّدت فاطمة، ثم وقفت، وتقدّمت نحو بدر، وضعت يدها على كتفها بثبات:
+
"من النهاردة يا بدر... عبد ربه مش مجرد مُعلّم. هو مرايتك. هيشوف فيكي اللي أنا شايفاه. شجاعة أبوكي... وهيبة الحمدانية."
+
نظرت بدر نحو حسناء، ثم إلى أمها، قبل أن تهمس بصوت مملوء بالحماسة المكبوتة:
+
"أنا جاهزة يا أمي."
+
فاطمة و هي تقاوم البكاء:
"روحي يا بنتي... وافتكري، ده أول سطر في حكايتك الكبيرة."
+
في الساحة الترابية خلف بيت فاطمة، كانت بدر تخطو أولى خطواتها في طريق لا رجوع منه.
ترتدي جلابيتها البيضاء، تتدلى الضفائر الذهبية التي قصّتها أمها من شعرها في عنقها، ملفوفة بعناية في قطعة من الحرير، كرمز لوعد لا يُنكث.
+
وقف عبد ربه أمامها، ضخم الجسد، يحمل سيفًا أثقل من وزنها، وصوتًا أجشًّا اخترق الصمت:
+
"أنتِ بنت قائد... بس ده مش كفاية. الجسد بيتعلم، لكن العقل هو اللي بيقود. هعلمك إزاي تمسكي السيف... لكن الأهم، هعلمك إمتى ما تمسكيهوش."
+
نظرت إليه بدر بثبات، لم ترتجف، لم تهرب، فقط شهقت الهواء بثقة وقالت:
+
"أنا جاهزة."
+
.........
+
أما على الجانب الآخر من الحدود، في قبيلة الشرقاوية، كانت الأرض تغلي تحت أقدام صقر، الطفل الذي لم يتجاوز الثالثة عشر، لكن الحقد جعل عمره أثقل من سنواته.
+
في ساحة التدريب الترابية التي تعج بصيحات الشباب وصدى ضربات السيوف المعدنية الحادة، وقف صقر وسط خمسة شباب آخرين، كل منهم يحاول أن يثبت نفسه، لكن كان واضحًا أن يده وأسلوبه يعكسان تجربة صقلها الألم والقسوة.
+
مع كل ضربة يوجهها، كان صقر يردد في نفسه همس والده القاسي:
"لازم تكون زي عمك... قوي، ما تخليش دمك و قلبك ضعيف."
+
كان يتحرك بخفة وثقة، يتنفس بعمق، ويركز كل قوته في ضرباته، يتغلب على التعب وكأن جسده يتحدى الألم. أما أمه، فصوتها القاسي يرن في أذنه:
"مش عايزين ولد ضعيف... عايزين أسد يحمي القبيلة."
+
رغم قسوة الكلمات، كانت هذه الضربات تزيده إصرارًا، حتى صار يتفوق على الجميع، يجرح الهواء بقوة لا يملكها غيره.
+
ولكن خلف تلك العزيمة، كان في قلب صقر وجع دفين، حزن ولد من خذلان والدين لم يعطياه أمان الحنان، لكن مع ذلك، صنع منه مقاتلًا لا يُقهَر.
+
في النهاية، وقف صقر، يتنفس بصعوبة، بينما الآخرين يلتقطون أنفاسهم، ينظرون إليه بإعجاب مختلط بالخوف... هو ليس فقط الأقوى، بل هو أكثرهم ألمًا، وأكثرهم عزيمةً على إثبات وجوده في عالم لا يرحم.
+
انتهى القتال بفوز صقر، وعندما التفت نحو والده، كان ينتظر لمحة فخر في عينيه، أي إشارة تعني أن جهده لم يضيع، لكن قلبه تمزق عندما لم يجد سوى برود لا يكاد يخفيه، وجفاف في النظرة لا تعرف الرحمة.
ظل صقر واقفًا، يتنفس بصعوبة، يحمل في عينيه دمعة مكبوتة من حنجرته، وكأن الفوز لم يكن سوى عبء ثقيل يُضاف إلى جراحه القديمة.
+
لم يكن صقر الابن الوحيد لجمال، بل كان الأكبر بين إخوته.
زين، الذي يصغره بثلاث سنوات، كان أكثر هدوءً ورزانة، يحاول دائمًا أن يكون وسيطًا بينهم.
أما رماح، فهو أصغر من زين بسنتين، يتميز بحيوية لا تهدأ وعينان تلمعان بالحماس والشجاعة.
جوان، الذي يلي رماح بعامين، كان يحمل في قلبه طموحات كبيرة، رغم صغر سنه.
وأخيرًا، دنانير، الاخت الوحيدة، التي تصغر جوان بثلاث سنوات، كانت زهرة العائلة، تشعر الجميع بالحنان رغم قسوة محيطهم.
+
لم يكن أحد من أبناء جمال يعاني كما كان يعاني صقر.
فهو الابن الأكبر، وحامل اسم العم الراحل، والمطلوب منه أن يكون ظلّه في القوة والهيبة، بل أن يفوقه.
نشأ في بيت لا يعرف الحنان، بين أب لا يرى فيه إلا مشروع انتقام، وأم لا ترى فيه إلا وسيلة لاستعادة مجد لم تملكه يومًا.
أما إخوته، فعاشوا في ظله... ظلّ التوقعات الثقيلة التي سُحقت فوق كتفيه منذ الطفولة.
زين نال نصيبه من الهدوء، ورماح نال الدعابة، وجوان كان حرًّا في أحلامه، ودنانير كانت مدللة الجميع.
لكن صقر...
صقر لم يكن له متّسع للحلم، ولا راحة من الألم.
في كل مرة يخطئ، كانت الصفعة أسرع من أن يتدارك نفسه.
وفي كل مرة ينجح، كان الصمت أقسى من أي عقاب.
كان كل ما يريده... نظرة فخر.
كلمة واحدة من أبيه تقول: "أشعر بالفخر تجاهك".
لكنها لم تأتِ يومًا...
+
...........
+
مرّت ثلاث سنوات كأنها رياح تمر على أطراف صحراء، لا تعرف الراحة ولا تتوقف للحظة.
وفي كل يوم كانت بدر تُعيد خلق نفسها من جديد...
لم تعد تلك الطفلة ذات الضفيرتين الحمراوين، بل أصبحت محاربة، تتقن ما لا يقدر عليه كثير من فتيان القبيلة.
+
في ساحة التدريب، كانت خُطاها واثقة، وسيفها يلمع في الهواء كما لو أنه امتداد لذراعها.
امتطت الخيل كما لو أنها وُلدت في سرجه، تندفع به وسط الرمال كعاصفة.
وسهامها... لم تكن تخطئ.
تصيب الهدف بدقة مرعبة، حتى بدأ البعض يتهامسون عن "الفتى بدر"، وريث سالم الحمداني، المولود من رحم النار.
+
أما أمان، رفيق دربها وأخوها في الرضاعة، فقد كان ظلّها الوفي، لا يبتعد عنها، يفهمها بنظراته، يحرسها كمن نذر حياته لها.
+
وفي قلب كل هذا...
كانت فاطمة تراقب بصمت، بين كل تنهيدة فخر، ودمعة حنين.
تعلم أن الوقت يقترب...
الوقت الذي سيعرف فيه الجميع أن القائد المنتظر، لم يكن ولدًا كما ظنّوا، بل كانت بنت سالم الحمداني.
التي أعدّتها لتكون أسطورة القبيلة القادمة.
+
...........
+
كان ناجي يقف أمام المرآة، يُعدّل في جلابيته الحريرية ذات الأكمام المطرزة، ويضع العقال على رأسه بعناية. في عينيه بريق من الحماسة والخوف في آنٍ واحد، كأنّه ذاهب إلى مصير يُكتب فيه كل شيء. دخلت هنادي الغرفة وهي تنظر إليه بشك، ثم قالت بحدة:
+
"رايح فين يا ناجي؟"
+
استدار إليها ناجي وهو يبتسم ابتسامة باهتة:
+
"شيخ القبايل عامل مجلس لينا كلنا... مسابقة. كل قبيلة هتجيب الوريث بتاعها، ولازم نكون هناك."
+
ضاقت عينا هنادي، واقتربت منه خطوة:
+
"يعني هتاخد ابن فاطمة؟"
+
ارتجف قلب ناجي للحظة، لكنه تمالك نفسه وقال بثقة:
+
"هو مش ابن فاطمة بس يا هنادي... ده ابن سالم، أخويا... حتة من قلبي ومن دمي."
+
نظرت إليه هنادي بعينين تغلي فيهما نار الحسرة:
+
"يا حسرة... معرفتش أجيب الواد، معرفتش أديك الوريث."
+
اقترب ناجي منها ووضع يده على كتفها بحنان:
+
"هنادي... أنا مش فارق معايا ولد ولا بنت... أنا فارق معايا إنك تكوني بخير، وإنك تكوني جمبي. كفاية إني رضيت ابن أخويا يتربى بعيد عني علشان زعلك... بس لازم تعرفي، الحكم من حق بدر، سواء رضيتي أو لأ."
+
ثم أكمل وهو ينظر من النافذة نحو الأفق:
+
"الوريث مش لازم يخرج من صلبنا، يكفي يكون من دمنا... وسالم كان روحي، وبدر وريثه، وماينفعش نخون دمه."
+
كانت هنادي واقفة مكانها، لم تردّ على كلمات ناجي، لكن ملامحها كانت أبلغ من ألف رد. عيناها جمدت في مكانها، وشفتيها ارتجفتا دون صوت.
في داخلها، كانت نار الغيرة تشتعل، تحرق قلبها كما تحرق النار الهشيم.
+
كيف؟ كيف يصبح ابن فاطمة، ذلك الطفل الذي ربّته بعيدًا عنها، هو السيّد؟
كيف يُقال له "وريث الحمدانية"، بينما بناتها الستّ لا قيمة لهن في ميزان القبيلة؟
+
كانت تردد في نفسها وهي تضغط على قبضتيها:
+
هنادي (في خاطرها):
"أنا اللي في حضني بناتي، وقلبي موجوع عليهم... وأنا اللي كل يوم بدفن حلمي فيهم.
فاطمة؟ فاطمة اللي قاعدة فوق، بقت أم الوريث... وأنا؟
ولا كأني مرات القائد... حتى جوزي، اللي كنت فاكراه سند، بيقول إن الحكم مش من حقي ولا من حق ولادي.
بس لأ... أنا مش هسكت.
اللي بيحكم القبيلة مش الدم... اللي بيحكمها هو اللي يعرف يحرّك الناس... وأنا أعرف أحرّكهم كويس... أوي كمان."
+
وبينما كانت تنظر إلى ناجي، كان في قلبها عهد يتجدد:
إن لم يأتِ لها القدر بولد... فستصنع طريقًا لنفسها، ولو كان طريقًا من نار.
+
وصل ناجي إلى منزل فاطمة، يسبق خطواته صوت حذائه فوق أرض الديار الترابية، وعبق العطور الشرقية يملأ المكان. وقفت فاطمة أمام الباب، يعلو وجهها الهدوء الظاهري، بينما قلبها ما زال يحمل همّ القبيلة وأمانة سالم.
+
فاطمة (بابتسامة خفيفة):
"أهلاً بقائدنا، نورت الدار يا ناجي."
+
ناجي (يرد التحية وهو يخطو إلى الداخل):
"أهلاً بيكي يا فاطمة، البيت منور بأصحابه."
+
جلست فاطمة وأشارت له بالجلوس، ثم قالت:
"خير يا ناجي؟ إيه سبب الزيارة السعيدة دي يا ترى؟"
+
تنهّد ناجي وهو يخرج ورقة مطوية من جيبه، ثم قال بنبرة جدية:
+
"شيخ القبايل، عرفان، جهز مجلس كبير ومسابقة لكل القبائل... وطلب كل قبيلة تجيب وريثها يشارك باسمها في المسابقات، رماية، خيل، سيف... واللي يكسب هيرفع اسم قبيلته."
+
تجمدت تعابير وجه فاطمة للحظة، وكأن الكلمات وقعت عليها كالصاعقة، انعقد حاجباها، واتسعت عيناها في ذهول.
+
فاطمة (بصوت مرتجف قليلاً):
"يعني... بدر لازم يشارك؟ قدام الناس كلها؟"
+
أومأ ناجي بهدوء، بينما كانت فاطمة تحاول استيعاب الأمر، وقلبها ينبض بقوة، تعرف جيدًا أن هذه اللحظة كانت آتية لا محالة... لكنها لم تكن تظن أنها ستكون بهذا القرب.
+
فاطمة (تحاول إخفاء ارتباكها):
"يعني... المسابقة دي لازم يحضرها الوريث بنفسه؟"
+
ناجي (بثقة):
"طبعًا، وده وقته. بدر كبر، واتدرب كويس، وده وقته يثبت نفسه."
+
فاطمة (تمالك نفسها وردّت):
"آه... طبعًا. بدر... اتدرب، وواقف على رجله كويس. وإن شاء الله يكون قدها."
+
ناجي (بابتسامة فخر):
"أنا دايمًا شايف فيه روح سالم... نفس العزيمة والنظرة. وصدقيني يا فاطمة، يوم ما بدر يطلع قدام القبايل، محدش هيشك إنه حفيد الحمدانية."
+
فاطمة (بابتسامة باهتة تخفي كل شيء):
"بإذن الله... بدر هيكون على قدّ الثقة، ويفتخر بيه أبوه من التراب اللي نام فيه."
+
ناجي (واقف ليستعد للرحيل):
"خلّيه يجهز، وبلغيني أنا هستنى تحت لو احتجتي أي حاجة... بدر خلاص بقى أملنا كلنا."
+
فاطمة (بهمس وهي تتابعه بعينيها):
"ربنا يسترها يا سالم... بدر قدها بس قلبي مش مطمن."
+
بمجرد أن أغلق ناجي الباب وراءه، وضعت فاطمة يدها على صدرها، تكتم شهقة مرتجفة. لقد كانت تخفي الحقيقة عن الجميع... بدر لم يكن ولدًا كما يظنون.
لكنها آمنت أن بدر، رغم أنوثتها، تحمل قلب فارس... وتستحق أن تحمل اسم الحمدانية.
+
دخلت فاطمة إلى غرفة بدر، وكانت الفتاة تجلس فوق سجادة صغيرة، تلمّع خنجرها بقطعة قماش بيضاء، وعيناها تلمعان بالحماسة الممزوجة بالخوف.
+
اقتربت منها فاطمة ببطء، ثم جلست أمامها، ووضعت يدها على كتفها بحنان.
+
فاطمة (بصوت دافئ لكنه جاد):
"بدر... لازم تعرفي إن الخطوة الجاية مش سهلة. شيخ القبايل أعلن مسابقة، والمجلس هيكون فيه كبار القبايل كلهم. لازم تروحي وتظهري قد إيه أنتي مستعدة."
+
بدر (بتوتر وارتباك):
"يعني... الناس كلها هتشوفني؟ و... وهافضل لابسة اللبس ده؟"
+
فاطمة (بحسم وهي تمسك الشملة البيضاء وتبدأ بلفّها فوق رأس بدر):
"هتلبسي زيهم، وهتكوني زيهم... لأ، أنتي هتكوني أحسن منهم."
+
بدر (بهمس مرتجف):
"بس أنا بنت يا ماما... كل يوم بقول هقدر، بس لما بيقرب اليوم بخاف. أنا مش زيهم."
+
فاطمة (تنظر لها بعينين دامعتين):
"بدر... أنتي بنت، بس جواكي قلب فارس. أبوكي كان بيحارب عشان الأرض... وانتي هتحاربي عشان الحق.
اللبس ده مش بس عشان يخبي كونك بنت... ده درع، بيساعدك توصلي للي ليكي."
+
بدر (بصوت مكسور):
"يعني هافضل أعيش طول عمري متنكرة؟"
+
فاطمة (تضمها لحضنها):
"مش للأبد... بس لحد ما تبقي قوية كفاية تدافعي عن نفسك وعن القبيلة. وقتها... الناس هتعرفك ويهابوا اسمك، مش نوعك."
+
قامت فاطمة وأحضرت من صندوقها عباءة بيضاء واسعة، وشملة مزينة بخيوط حمراء على الجوانب... رمز الحمدانية.
+
ألبستها لبدر ببطء، كأنها تلبسها قدرًا، لا مجرد ثياب. ثم وقفت أمامها، تنظر إليها بفخر.
+
فاطمة (بابتسامة حزينة):
"شايفة نفسك في المراية؟ دي مش بنت... دي قائد... دي فخر الحمدانية. عبد ربه هيكون معاكي ماتقلقيش"
+
بدر (بهمس):
"أنا مستعدة يا أمي... حتى لو قلبي بيرتعش، بس مش هرجع ورا."
+
كان نهار القبيلة قد أقبل مختلفًا... الهواء يحمل رائحة ترقب، والوجوه مشدودة نحو ما ستؤول إليه هذه المناسبة التي دعا إليها شيخ القبائل بنفسه.
أُقيم المجلس الكبير في الساحة الوسطى حيث اجتمعت وفود القبائل جميعها، رجالٌ على ظهور الخيل، ونساءٌ خلف الستائر، وعيون لا ترمش من شدّة الانتظار.
+
في الزاوية، وقفت فاطمة تنظر إلى ابنتها بدر، التي لبست العباءة البيضاء، والشملة التي تعلو رأسها مزينة بخطوط حمراء... رمز الدماء التي سالت لأجل القبيلة، ورمز الوريث الشرعي.
+
خطت بدر بخطى ثابتة بجوار عمها ناجي، بينما الهمسات تدور:
+
"هو ده ابن سالم؟!"
"بيقولوا إنه شبه أبوه تمامًا"
"بس ملامحه فيها هيبة مش طبعية..."
+
أما فاطمة، فكانت تضع يدها على قلبها... قلبها الذي يخفق بكل رِعشة خوف وكل ومضة فخر.
+
كان على بدر أن تثبت اليوم أنها القائد القادم... دون أن يعرف أحد أنها "بنت".
أن تحمل إرث سالم الحمداني، وتكون ظلّه المضيء في زمنٍ اختلطت فيه الخيانة بالشرف.
+
الميدان كان ينتظر... والسيوف تتلألأ تحت شمس القبيلة، والخيل تصهل، والرايات ترتفع، واسم "بدر الحمداني" يتردد بين الصفوف، كأنه نجمٌ في وضح النهار... قادم ليُثبت أنه وُلد قائدًا، حتى وإن خفيت حقيقته عن الجميع.
+
بينما كانت الأصوات تتعالى في الساحة، وهدير الخيول يدوّي، سارت بدر بخطى متماسكة، لكن قلبها كان يخفق بعنف... كانت ترتجف من الداخل، رغم الثبات الذي يظهر على ملامحها.
+
اقتربت من والدتها فاطمة قبل دخولها للميدان، فمالت عليها وهمست:
+
بدر (بصوت خافت مرتجف):
"ماما... أنا خايفة... خايفة يتكشف أمري... خايفة يغلط سيفي، أو أطيح من فوق الحصان... خايفة الناس يشوفوني بنت مش قائد..."
+
نظرت لها فاطمة بعينين دامعتين، ووضعت كفها على قلب ابنتها، وقالت بثقة ودفء:
+
"خوفك ده طبيعي يا بدر، بس إوعي تنسي إنك متخلقتيش عشان تبقي بنت عادية... أنتي بنت سالم، يعني الرجولة ساكنة في دمك... والهيبة ماشية في عروقك."
+
بدر بقلق دفين يسري في عروقها اللينة:
"بس كل اللي حواليا رجالة... وعيونهم مش هترحم، وأنا... أنا بحاول أكون شبههم بس..."
+
فاطمة (بحنان وقوة):
"أنتي مش شبههم... أنتي أقوى منهم.
اللي شاف أبوكي وبيحارب، يعرف إنك من نسله...
والنهاردة، لما تركبي الحصان، وتضربي بالسيف، كل حد هيشوف فيك القائد اللي مستنيينه...
خوفك ده هو اللي هيخليكي أقوى... فاكرة أول مرة وقعتي من على الحصان؟"
+
بدر (وهي تبتسم بخجل):
"آه... كنت هعيط."
+
فاطمة (بضحكة دافئة):
"بس قمتي... ومسحتي تراب الأرض من على هدومك، وقلتيلي: (أنا مش هقع تاني).
النهاردة، نفس الجملة دي عايزاكي تقوليها جواكي... أنتي مش هتقعي يا بدر، مش قدامهم... أنتي هتعلّي راس أبوكي."
+
نظرت بدر في عيني والدتها، شدّت على يدها بقوة، ثم رفعت رأسها، وتنفست بعمق، وقالت:
+
"أنا مش هقع... أنا القائد... بدر الحمداني."
+
ومشت نحو الميدان، كأن خطواتها تهز الأرض من تحتها، والفخر يسبقها كظل لا ينفصل.
+
وقف المتسابقون مصطفّين على ظهور خيولهم، والعيون تترقب، والقلوب تخفق بقوة. كانت الخيول تصهل وتضرب الأرض بحوافرها، وكأنها تشارك الفرسان توترهم.
+
وبينهم، كانت بدر، على ظهر فرس أبيض قوي، يزأر مع كل خطوة، أطلقت عليه اسم "صوَّان". كانت تمسك اللجام بإحكام، وعلى وجهها غطاء يحجب ملامحها، لكن نظرات عينيها كانت كفيلة بإثبات حضورها.
+
اقترب عبد ربه وهمس لها بصوت يكاد يصل لها:
+
"اركبيها زي ما علمتك، خديها عاليمين في الأول، وبعدين لفّي بيها مع الهوا... ورينا إنك حفيدة الحمدانية."
+
هزّت بدر رأسها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم عدّلت جلستها فوق الحصان.
+
انطلق صوت المنادي بإشارة البدء:
+
"استعدوا... على بركة الله... واحد... اتنين... انطلقواااا!"
+
وانطلقت الخيول، تهدر في الميدان كالبرق. تصاعدت الأتربة تحت سنابكها، وتعالى الصهيل والتصفيق.
+
كانت بدر في البداية خلف اثنين من الفرسان الأشداء، بينما صقر بن جمال يتقدم بخطوات ثابتة على جواده الأسود "بركان"، عيناه لا تزيغان عن المسار، ووجهه حاد كالنصل.
+
بدأت بدر تتجاوز الفارس الأول... ثم الثاني، فيما صقر يزيد من سرعته أيضًا، حتى لم يتبقَ في المقدمة سواهما. كانا يتقدمان بخطوات محسوبة، وكأن الزمن يتباطأ ليراقب هذا السباق بين وريثين محتملين.
+
عرفان شيخ القبائل، كان يراقب بشغف، ثم تمتم بإعجاب:
+
"الوادين دول زي النار... ودي مش مسابقة، دي إنذار حرب لسه ما اشتعلتش."
+
ازداد الحماس، وصهلت الخيول بعنف، وبدر تميل بجسدها مع الرياح، كأنها جزء من الحصان لا فارسة فوقه، وصقر يضغط على جواده بكل قوته، عضلاته مشدودة ونظره ثابت.
+
وبلحظة خاطفة، وصلا سويًّا إلى خط النهاية.
+
ساد صمت ثقيل... ثم دوّت الصيحات، وتعالت الهتافات من القبيلتين.
+
المنادي (يصرخ):
"تعادل! بدر الحمداني وصقر الشرقاوي وصلوا سوا"
+
أما فاطمة، فامتلأت عيناها بالدموع، وابتسمت برضا، وهي تهمس:
+
"بداية الطريق... يا بدر."
+
ووقفت بدر فوق صوّان، تنظر بثبات من خلف غطائها، بينما صقر ينزل من فوق جواده، وينظر نحوها بنظرة لم تُفهم... لكنها لم تكن ودودة.
+
الميدان بدأ يهدأ، والصوت التالي ارتفع من عرفان:
+
"يلا يا فرسان... خلّونا نشوف شطارتكم في الرماية"
+
وبذلك، كانت الجولة الأولى قد انتهت... والمعركة الحقيقية بدأت.
+
كان على كل فارس من المتسابقين أن يصيب عشرة أهداف من مسافات متفاوتة، باستخدام القوس والسهم. وُضعت الأهداف على هيئة دوائر خشبية بألوان متباينة، تقف ثابتة في الجانب الشرقي من الساحة.
+
عرفان شيخ القبائل وقف في منتصف الميدان، وأعلن بصوته الجهوري:
+
"دلوقتي دور الرماية... كل فارس معاه عشرة سهام، وعليه يصيب عشرة أهداف. الدقة قبل السرعة... وإلا خسرت مكانك."
+
وقف المتسابقون صفًا خلف خط الرمي، يحمل كل منهم قوسه وجراب السهام على ظهره.
كانت بدر تمسك قوسًا كبيرًا من خشب الأبنوس، نقش عليه والدها قديمًا اسمه، وكان هذا القوس لا يملكه سواها.
أما صقر، فكان يقبض على قوس مرن صنعه له والده خصيصًا، وكلما اشتد ساعده، زاد تعلقه به.
+
بدأت المنافسة.
+
الأنفاس محبوسة، العيون شاخصة، كل سهم يُطلق كأنه سهم قدر.
+
الفارس الأول أطلق سهامه، أصاب سبعة من عشرة.
الثاني أصاب ستة.
الثالث تسعة.
+
ثم جاء دور صقر.
+
وقف بثقة، ثبت قدميه على الأرض، وبدأ.
أطلق السهم الأول... إصابة.
الثاني... إصابة.
الثالث... إصابة.
حتى أكمل عشرة من عشرة، بدقة تامة، وسط ذهول الجمهور.
+
تعالت الهتافات من قبيلة الشرقاوية.
+
جمال بصوت عال بين أفراد القبائل الأخرى:
"شايفين؟ دا ابني... ابني صقر"
+
ثم جاء دور بدر.
+
وقفت بهدوء، أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها بنظرة صقر، وسحبت أول سهم.
+
السهم الأول... إصابة.
الثاني... إصابة.
الثالث... إصابة.
مرت اللحظات كأنها سنين، حتى وصلت للعاشر...
+
السهم العاشر... إصابة كاملة في مركز الهدف.
+
سكت الجمع... ثم انفجر الميدان بالتصفيق.
+
عرفان (بابتسامة عريضة):
"الليلة... لسه طويلة. الجولتين اتعادلوا، ولسه في الجولة الأخيرة: المبارزة."
+
وبينما يهمّ الجميع بالتحضير، كانت أعين صقر وبدر قد التقت... واشتعلت نار لا يعلم أحد إن كانت احترامًا... أم إعلان تحدٍّ.
+
وقف المتسابقون في مواجهة بعضهم البعض وسط الساحة، يحمل كل منهم سيفًا لامعًا يلمع تحت أشعة الشمس، والهواء يملؤه توتر وترقب.
+
اقترب عرفان شيخ القبائل من وسط الميدان وقال بصوته الجهوري:
+
"دي آخر جولة... المبارزة بالسيف. اللي يثبت إنه الأقوى ويحافظ على مكانه في القبيلة هو اللي هيفوز. الحذر والشجاعة هما الأساس."
+
تقدم صقر ووقف بثبات، عيونه تتحدى، جسده مشدود كقوس منوتر، سيفه في يده اليمنى، ينتظر الخصم.
+
وفي المقابل، خرجت بدر، ترتدي عباءتها البيضاء، وشملتها البيضاء التي تخطها خيوط حمراء، وجهها مغطى بغطاء خفيف، لكن عينيها الثاقبتين كانتا كافيتين لتروي قصة إصرارها وقوتها.
+
ابتسمت بدر ببرود وقالت:
+
"جاهز يا صقر؟ تعال وريني مين أجدع الحمداني و لا الشرقاوي."
+
رد صقر بابتسامة مملوءة تحدي:
+
"أنا مستنيك، ما تستهونش بيا بلاش ثقتك الزايدة دي ."
+
بدأت المبارزة، اشتبك السيفان، تصدّت ضربات وهجمات بكل قوة، كل حركة محسوبة، كل خطوة محسوبة.
+
صقر يحاول أن يكسر دفاع بدر، لكنها كانت سريعة ورشيقة، تحركت كالريح، ضربات سيفها كالصواعق، تهدف لأن تثبت أن وجودها في هذا المكان ليس صدفة.
+
لكن فجأة، وبحركة خاطفة وقوية، تفوق صقر، ضرب سيفه بعنف، أسقط بدر أرضًا.
+
بدر استيقظت لتجد السيف على رقبتها، وعيون صقر تتلألأ بحقد دفين.
+
قال صقر بمرارة:
+
"ده مكانك، مش مكان الضعفاء. خدّ الدرس ده كويس... الأرض دي مش لعبتك."
+
الدماء تتسارع في عروق بدر، لكنها لم تفقد عزيمتها، نظرت له بتحدٍ رغم الألم.
+
تعمّق الصمت للحظة، ثم ارتفع تصفيق خافت من الجمهور، كل منهم يترقب الخطوة التالية في هذه المواجهة التي حملت بين سيوفها مصير القبيلة.
+
تفكّر صقر لحظة، عيونه تلمع بالغضب والحقد، كاد يضغط أكثر على السيف و كاد يقطع رقبتها لكن صوت أبيه كان كالصاعقة:
+
جمال (بغضب صارخ):
"صقر! شيل سيفك من على رقبته حالاً! مش هتعملها قدام كل الناس"
+
تردد صقر قليلاً، لكن الأوامر لا تُناقش، فأزاح السيف ببطء وهو يطلق نظرة قاتلة نحو بدر، مزيج من الكراهية والاحتقار في عينيه.
الجميع في المجلس وقفوا يتنفسون بعمق، إذ كان المشهد على وشك أن ينفجر في لحظة حرجة، لكن حكم شيخ القبيلة وقف كجدار منيع يحمي قدرًا من السلام المؤقت.
+
رفع شيخ القبائل عرفان صوته معلنًا وسط الجمع:
"صقر هو الفائز اليوم، وحصل على جائزة قدرها خمسون ألفًا."
ثم توجه إلى بدر وقال بحنان:
"قوم يا بدر، سلّم على صقر كدليل على التسامح والسلام."
+
نهضت بدر ببطء، وجهها لا يزال مغطى، وعيناها تحملان عزيمة لا تلين، لكنها لم تستطع إخفاء التوتر الذي يختلج في صدرها. تقدمت نحو صقر الذي وقف يراقبها بنظرة حاقدة، عيناه تلمعان بغضب دفين وكراهية لا يخفيها.
+
مدت بدر يدها، لكنها شعرت ببرودة يده التي أمسكت بها بلا رغبة، كأنها مجرد واجب فرض عليها. نظر إليها صقر بنظرة مليئة بالاحتقار، وكأن كل كلمة سلام قد صدرت منه لا تعني له شيئًا، والكره في عينيه كان صريحًا، لم يكن مجرد خصم في مبارزة بل عدواً قديماً ينتظر فرصته ليقتلعها.
+
الجمود بينهما تخطاه صوت شيخ القبيلة عرفان، مطالباً بوقف هذا العداء، لكن في قلب صقر لم تكن هذه سوى بداية حرب صامتة لا نهاية لها.
+
في أحد أركان ساحة المجلس، حيث الضجيج تلاشى قليلاً والهمسات تراقب، وقف بدر وصقر وجهاً لوجه، النار في الأعين، والسكون الثقيل بينهما لا يقطعه إلا حوار تقطر منه نيران الكراهية، والثقة الممزوجة بالتحدي.
+
"بدر" بصوت منخفض لكن ثابت:
"كأنك مش عايز تسلم علي."
+
ابتسم "صقر" بسخرية وهو يلوح بيده في الهواء:
"شاطر، عرفتها لوحدك؟ ولا حد قالك يا ابن الحمدانية؟"
+
رد بدر وهو يرفع رأسه بثقة:
"أكيد الحمدانية دي مش شتيمة ولا عار يضايقني مثلاً، وكونك كسبت النهارده ما يديكش الحق تتكبر يا صقر."
+
قهقه صقر ضاحكًا بمرارة:
"ده مش تكبر... ده كُره ليك ولقبيلتك."
+
اقترب بدر منه خطوة، قائلاً بهدوء:
"يا ترى دي صراحة ولا وقاحة؟ على العموم، طول ما أنا عايش، قبيلتي حماها على رقبتي."
+
صقر بخبث وقسوة:
"رقبتك اللي كانت تحت سيفي، جسمك لسه طري يا حمداني... لو طولت عن كده، هتكون حرمة في جسم راجل. المعركة للرجال... اللي قوتهم في قلبهم."
+
لم يتراجع بدر، بل ابتسم بهدوء وهو يقول:
"اللي قلبه ضعيف مش زي اللي قلبه رحيم. القلب اللي فيه رحمة، فيه قوة الدنيا، واللي فيه قسوة... قوته على قد ناره، تخلص مع الوقت."
+
ضيق صقر عينيه بازدراء:
"مابقاش غير عيل صغير زيك يعلّمني حكم ومواعظ؟"
+
بدر بابتسامة ساخرة:
"العَلام بينوّر المخ."
+
صقر باستهزاء:
"العَلام؟"
+
بدر وهو يرفع حاجبه متحديًا:
"صح، نسيت إنكم مشغولين بكرهكم ليا... بس أنا مشغول إني أتعلم وأدرس."
+
لوّح صقر بيده بسخرية وهو يدير وجهه:
"يبقى حُكمك هيكون فاضي... وساعتها هتسهل عليا آخد قبيلتك."
+
بدر، بنبرة ناعمة لكنها حادة كالسيف:
"العِلم هيكون درع ليا، أواجه بيه أي حد... حتى لو كان كرهه ليا بيجري في دمه."
+
وانتهى الحوار، لكن الشرر لم يتوقف بين نظراتهم.
العداء لم يكن من أجل سباق، بل من أجل مصير قبيلة... ومن سيسقط أولًا.
+
ابتعد صقر عن ساحة المجلس، مشتعلاً بالغضب، حانقًا من هدوء بدر وثقته التي أربكته، خطواته كانت ثقيلة كأنها تضرب الأرض من شدة الغيظ، وبينما كان يسير بعصبية، فوجئ بوالده "جمال" يقف أمامه، ذراعيه معقودتين ونظراته تتفحصه بشدة.
+
جمال (بحدة):
"كان بيقولك إيه الواد ده؟"
+
صقر (وعيناه مشتعلة):
"بيتفاخر بعلامه... بيقول إنه بيتعلم وبيذاكر!"
+
قطب جمال حاجبيه، وابتسم بسخرية ممزوجة بالغيرة:
"علامه؟! يعني الواد ده بيتعلم كمان؟"
+
اقترب من صقر وخبط على صدره بإصبعه بحزم:
"من بكرا، إنت كمان لازم تتعلم زيه... بل تعديه! كل حاجة هو بيعملها، إنت تعملها أحسن. أي حتة يروحها يلاقيك وراه، فاهم؟"
+
صقر أومأ برأسه، قلبه يغلي، وصوت والده يرنّ في أذنه كنذير دائم:
"هزمك النهارده بعلامه، بس لو عديته... ساعتها أرفعلك راسي."
+
ثم تركه جمال وغادر، تاركًا خلفه ابنًا لا يبحث عن مجد... بل عن رضا لا يأتي أبدًا.
+
ركضت بدر نحو والدتها، شعرها يتطاير خلفها، وعيناها تلمعان بدموع الانفعال، اختلط فيها الحزن بالفخر. كانت تتوق لكلمة واحدة من فاطمة، كلمة تُنقذها من ثقل الهزيمة، فاستقبلتها فاطمة بذراعيها وضمّتها إلى صدرها.
+
فاطمة (وهي تمسح على ظهرها):
"فخورة بيكي يا بدر، فخورة من قلبي."
+
بدر (وهي تنشج):
"بس أنا خسرت... وابن الشرقاوية كسب!"
+
فاطمة (بنبرة دافئة حازمة):
"مش مهم... المهم إنك حاولتي، وانك وقفتي على رجلك زي فارس شجاع. أنتي كسبتي في نظري، كسبتي احترام الناس، وكسبتي نفسك."
+
بدر (بعينين دامعتين):
"بس ابن الشرقاوية قالي... قالي إنه ناوي ياخد القبيلة مني! هما ليه بيكرهونا كده؟!"
+
جلست فاطمة على مصطبةٍ حجرية وجذبت بدر لتجلس أمامها، وضعت كفيها على كتفيها ونظرت في عينيها بثبات الأم التي تعرف معنى الحقد والخذلان.
+
فاطمة:
"بصي يا بدر... الأرض دي كلها كانت تحت راية جدك، الكل بيحلف بحكمه وعدله. بس الشرقاوية؟ عملوا فتنة. لما اتنقلوا هنا، عملوا قبيلة ليهم بعد ما قلبوا الدنيا في أرضنا..."
1
سكتت لحظة ثم أكملت:
"جدك كان بيحاول يراضيهم... يراضيهم بالود وبالحق. بس الطمع ملوش كبير، باعوا نفسهم لفلوس متعرفيش مصدرها، واشتروا أراضي فوق الأراضي اللي سرقوها. ومن ساعتها، وهم ناويين ياخدوا الباقي... ويمسحوا اسم الحمدانية من الوجود."
1
بدر (بدهشة وانكسار):
"طب ليه؟! ليه الكره ده كله؟"
+
فاطمة (وعيناها تشرد في الزمن البعيد):
"علشان جد جمال كان بيحب أخت جدك... وكان غني، شايف نفسه، فاكر إن الفلوس تشتري أي حاجة. لكن جدك كان شايف إن الطمع عمره ما يبني بيت... ورفضه. ومن يومها، حلف يندّمه. ربى أولاده على الكره، وأولاده ورثوه لأحفاده. وأهو... جيه دورك."
+
بدر (بغصة):
"طب... الأرض اللي في إيدهم؟ مش هنرجعها؟"
+
فاطمة (وقد غلّفت عينيها لمعة الإصرار):
"رجعي أرضك اللي بين إيدك، ابني قبيلتك، قويها، علميها، خديها فوق... ساعتها الأرض التانية هتيجي برجليها. أنا بعلمك مش علشان حرب بس، لأ، علشان تبقي قائدة تعرف تبني، مش بس تدافع."
+
ثم وضعت كفها على قلب بدر وقالت:
"الأرض مش ملك اللي يسرقها، الأرض ملك اللي يخاف عليها... وانتي حفيدة الحمدانية، ومحدش هيحافظ عليها غيرك."
+
