رواية نفوس قاسية الفصل الثالث 3 بقلم مني احمد حافظ
الثالثة .رغبة وخوف.
---------------------------
مرت الأيام وسهر تصعد بشكل يومي إلى صفية ما أن يظهر فؤاد، وبعدما تعافي كتفها وفى محمود بكلمته ورافقته لتتسلم عملها، الذي سرعان ما اندمجت سهر به فهو بالنسبة إليها كان القشة التي أنقذتها من البقاء بالمنزل، ورحمها من رؤية فؤاد الذي لم يكف عن مطاردتها بكلماته الملتوية ونظراته الخبيثة مستغلًا والدها.
أما محمود فحاول صرف عقله عن التفكير بسهر ولكنه لم يستطع فـ مشاعره نحوها تنمو وتزداد قوة واحتياجًا، ووجودها بالقرب منه جعلته يُدمن رفقتها والحديث معها.
وبعد مرور بضعة أشهر على وجود سهر بالفندق، باتت سهر من أفضل العاملات لتفانيها بعملها والتزامها وبأحد الأيام بعدما أنهت سهر ترتيب إحدى الغرف، عادت إلى استراحة الفتيات، وقبل أن تخطو للداخل وصل إلى سمعها صوت إحدى الفتيات تقول:
- دي بتيجي معاه وبترَوح معاه ودايما بيسأل عنها ويقف يكلمها، تفتكري يكون في بينهم حاجة، أنا خلاص هتجنن بقى معقول أنا اللي ليا سنتين شغالة معاه مش عارفة الفت نظره ليا وبالعافية لما بيقف يتكلم معايا، تقوم تيجي بنت زي دي تاخده مني فأقل من تلت شهور.
أجابتها منال بصوتٍ هادئ ما أن لاحظت عصبيتها:
- داليا أنا قبل كدا كلمتك فالموضوع دا وقولت لك بلاش تتعلقي بيه لإنه واضح عليه من سنين أنه مش من النوع اللي بيعمل علاقات فالشغل أو حتى بيكلم بنات، وأنتِ اللي رفضتي تسمعي النصيحة وأهو أنتِ بنفسك شوفتي فكل مرة بتفتحي معاه كلام هو اللي بيقفل ويستأذن ويمشي، يعني بمنتهى الصراحة بيفهمك أنك برا تفكيره، فمينفعش دلوقتي تقولي أنها سرقته منك علشان هو مكنش ليكِ من الأول.
رمتها داليا بنظراتٍ نارية وأشاحت بوجهها عنها، في حين زمت منال شفتيها وتركت مكانها ومع استدارتها تقابلت عيناها بعينا سهر فتلون وجهها حرجًا لسماع سهر حديثهما، حينها تنفست سهر بقوة وولجت وهي تقول:
- السلام عليكم.
التفتت داليا بحده وحدقت بها وضاقت عيناها ولكنها سرعان ما أخفت ما يجول بداخلها ورسمت ابتسامة واهية فوق شفتيها وقالت:
- أيه يا سهر خلصتي شغلك ولا لسه باقي لك حاجة، يعني علشان متتأخريش على الأستاذ محمود، مش هو بردوا هيوصلك النهاردة زي ما بيعمل كل يوم.
تناست سهر تحذير محمود وبادلت داليا الابتسام وأجابتها بتلقائية:
- للأسف ابيه محمود عنده شغل كتير فأنا هروح لوحدي النهاردة.
انتبهت داليا لكلمات سهر وعلق لقب محمود بذهنها فاقتربت منها وسألتها بدهشة:
- ابيه مين هو الأستاذ محمود يقربلك.
انتبهت سهر لكلماتها فاحمر وجهها وأدركت خطأها وحاولت الإجابة وغادرها صوتها مذبذبًا:
- لا مش قريبي بس يعني هو.
وضعت داليا يدها فوق كتف سهر وحثتها على الكلام بتذمر مُردفة:
- طيب لما هو مش قريبك أنتِ ليه قولتي ابيه دي، ما تتكلمي يا سهر ولا أنا يعني هشد الكلام منك، قوليلي هو محمود يقرب لك أيه بالظبط.
لاحظت منال خوف سهر واضطرابها فسارعت بمقاطعة داليا لتهون على سهر الأمر قائلة:
- ما تسيبيها يا داليا هو يعني تحقيق، وبعدين أحنا مالنا هيهمنا فأيه أن كانوا قرايب أو لأ.
رمتها داليا بنظراتٍ نارية وعقبت على قولها بعصبية واضحة قائلة:
- أنا مش بحقق معاها ولا حاجة وأظن أنتِ عارفة كدا كويس يا منال وأكيد سهر فاهمة أن سؤالي غرضي منه اطمن علشان لو حد سأل أو أتكلم نعرف نرد عليه ونوضح لهم الصورة بما أنهم على طول واقفين مع بعض وبيرَوحوا ويجوا سوا.
والتفت داليا برأسها ووجهت عيناها إليها وأضافت:
- أنتِ زي أختي يا سهر ولازم أخاف عليكِ من لسان الناس.
تمتمت منال بصوت خفيض لا يسمعه أحد:
- آه يا بنت اللذينا عايزة تطويها تحت جناحك علشان تعرفي منها اللي يفيدك ربنا يستر وسهر متطلعش خايبة وتقع معاكِ.
أومأت سهر برأسها وعقبت على قول داليا قائلة:
- ابيه محمود يبقى جاري وزي أخويا الكبير ووالدته هي اللي مربياني، بس لو ممكن محدش يعرف لأن أبيه نبه عليا متكلمش فالموضوع دا علشان هنا مكان شغل وانتو فاهمين.
اتسعت ابتسامة داليا بسعادة وأجابتها وهي تربت يدها:
- اطمني يا سهر محدش هيعرف حاجة وزي ما قولت لك أنتِ زي اختي ولو احتجتي لأي حاجة بلغيني وأنا عيني ليكِ.
شكرتها سهر بلطف وهي تبتسم بحرج وأردفت:
- أنا كمان بعتبرك أنتِ ومنال زي أخواتي وبشكركم جدًا على لطفكم معايا، عمومًا أنا هروح أبلغ الأستاذ عصام أني خلصت اللي ورايا علشان امشي عن أذنكم.
غادرت سهر الأستراحة واتجهت إلى مكتب عصام وطرقت بابه وما أن أذن لها بالدخول حتى ولجت وهي تنظر أرضًا وأردفت بصوتٍ خافت تقول:
- أستاذ عصام أنا خلصت كل اللي حضرتك بلغتني بيه وميعاد الشغل كدا انتهى أمشي أنا ولا لسه في حاجة.
حدق بها عصام وبدا وكأنه وجد ضالته فابتسم وهو يُشير إليها بالجلوس وقال:
- تعرفي يا سهر أنا لو فضلت أشكر محمود علشان هداني بيكِ كل يوم مش هيكون كافي حقيقي أنا مشفتش حد زيك من اللي اشتغلوا هنا ليا زمن، أنت بتعملي شغلك بضمير وأنا لو عليا اعملك مكافأة ولعلمك أنا كتبت كل دا في التقرير بتاعك لأنك تستحقي كل خير، وبصراحة تفانيكِ في شغلك هيخليني أطلب منك خدمة هو شغل هنا بردوا بس مش أي حد ممكن يأديه، في جاح هنا خاص بالأستاذ آدم محدش بيطلع فوق إلا الناس الموثوق فيها وكان عندي شاب مسئول عنه بس هو ساب الشغل للأسف ومن وقتها وأنا محتار مين يستحق يشرف على الجناح الخاص ويرتبه بضمير ويخرج منه وميتكلمش عنه ولا يجيب سيرته نهائي كأنه مش موجود أصلا، والحقيقة أنا ملقتش غيرك أنتِ أصلًا شغلك هو اللي دل عليكِ علشان كدا أنا عايزك تطلعي جناح الأستاذ آدم هو بلغ قبل ما يخرج أنه محتاج يتوضب وأنا عارف أنك قدها، ومش هوصيكِ هتدخلي وتخرجي كأنك مشوفتيش أي حاجة ومش عايز أي حد يعرف أنك طلعتي فوق، بصي الجناح له اسانسير خاص هتطلعي منه وتخلصي شغلك وتنزلي والأدوات الخاصة بالنضافة هتلاقيها فوق ولو في حاجة خاصة بيكِ عايزة تخديها تقدري تخديها معاكِ.
وافقته سهر بإيماءة من رأسها وأدرفت:
- اطمن يا أستاذ عصام أنا مش هخذلك أبدًا وبرقبتي لو حد عرف حاجة.
رافقها عصام حتى باب المصعد واطمن عليها بداخله وضغط على زر التشغيل وابتعد ووقفت سهر يملؤها الترقب وحين توقف بها المصعد وغادرته ووقفت تحدق بما حولها بدهشة لفخامة المكان واختلافه عن باقي الفندق، زجرت سهر نفسها لشرودها وبدأت عملها بالاهتمام بالمكان وحين توجهت نحو المرحاض فوقفت تطلع حولها تطمئن إلى ما أنجزته ويدها تقبض على مقبض الباب وابتسمت لإتمامها عملها على وجه أكمل، وزفرت وهي تفتح باب المرحاض وتلاشت ابتسامتها وبهتت واتسعت عيناها بصدمة، فأمامها تسطح شاب فوق أرضية المرحاض لا يتحرك، كادت تتراجع ولكنها تمالكت نفسها سريعًا وجثت بجواره ومدت يدها وهزته ببطء، وزفرت أنفاسها ما أن سمعت أنينه ووقفت سريعًا وهتفت بصوتٍ قلق:
- هو مفروض أبلغ الأستاذ عصام دلوقتي ولا اعمل أيه.
دلها عقلها بأن تأتي بزجاجة ماء وتمسح على وجهه ونفذت سهر سريعًا ومسحت وجهه وما أن أعطى لها إشارة أستعادة وعيه، همت بالوقوف ولكنها عقدت حاجبيها لسماعها همهمة خافته تصدر عنه، فمالت نحوه لتسمع كلماته ليخبرها بوهن:
- لو سمحتي هاتي شنطتي السودا من الدولاب بسرعة ارجوكِ.
نفذت سهر طلبه وقلبها يخفق بقوة لا تدر لما استولى عليها الخوف، التقطت سهر حقيبته وعادت إليه ومدت يدها بها فأشار إليها لتقترب فجلست سهر بجواره ليُردف:
- معلش هتعبك بس في حقنة في الشنطة لو سمحتي طلعيها واديهالي.
رمت سهر الحقيبة ووقفت وقالت بخوف:
- حقنة وادهالك يا خبر أنت مدمن.
ارتسمت ابتسامة على وجه الشاب خطفت أنفاس سهر منها ووقفت تحدق مسلوبة العقل تمامًا للمرة الأولى في حياتها ورغم محاولاتها المغادرة إلا أنها وقفت بمكانها وحين أشار إليها جثت بجواره مرة آخرى وقالت:
- أزاي شاب شكله ابن ناس زيك كده ومدمن مش حرام عليك نفسك.
سمعته ينفي بصوتٍ متألم:
- مدمن إيه أنا مش مدمن صدقيني والحنقة دي علاجي ومحتاج لك تديهالي، أرجوكِ اديني الحقنة ولا هتديري وشك عني وتسبيني لما أموت.
ضربتها كلماته بمقتل وأمتلأ قلبها أسف على حاله فهزت رأسها بقوة وهي تلتقط الحقيبة من جواره أردفت بصوتٍ مرتبك:
- لا مش همشي ومش هسيبك تموت علشان محدش يتهمني أني قتلتك.
ضحك الشاب وعقب على حديثها قائلًا:
- أنتِ محدش قالك أنك ساذجة أوي، يا بنتي اديني الحقنة أنتِ ربنا بعتك ليا نجدة كملي جميلك معايا بقى.
اخرجت سهر الحقنة بيد مرتعشة وسألته بخوف:
- هديهالك أزاي.
تنهد الشاب بألم وأجابها:
- تحت الجلد فدراعي ارجوكِ بالراحة وبسرعة.
دعت سهر الله فِي سرها أن تنقذه وطهرت يده بالكحول وحقنته ببطء وقالت:
- أحمد ربنا إن بعرف أدي حقن على قدي وإلا فعلا هبقى بموتك.
بعدما مرت عشر دقائق أحس آدم أنه بخير فقال لها:
- ساعديني بقى وكملي جميلك واطلعي دوري برا على الكرسي المتحرك بتاعي وهاتيه.
احزنها قوله حين علمت مصابه وغادرت سريعًا فهي لمحت مقعده المتحرك وهي تنظف الغرفة فعادت به، فشكرها آدم بقوله:
- ممكن تساعديني أقعد عليه.
ساعدته سهر حتى جلس وتنهد بارتياح فضغط على يد المقعد وتحرك به خارج المرحاض وتبعته سهر تحمل حقيبته فقالت تسأله:
- هو حضرتك هنا أزاي وفي حد بلغ إن الجناح فاضي.
تجهم وجه آدم وأجابها بضيق:
- متشغليش دماغك أنتِ المهم أنتِ اسمك إيه.
أجابته سهر بخجل عن اسمها فسمعته يقول:
- اسمك حلو أوي يا سهر على فكرة أنا آدم عمران واحب انبه عليكِ أنك متجبيش سيرة عن اللي حصل دلوقتي هنا لأي مخلوق فاهمة.
اضطربت سهر لطلبه وسألته بحيرة:
- بس الأستاذ عصام لازم يعرف هو كان قايل إن الجناح ف.
قاطعها آدم وهو يهز رأسه بالنفي قائلًا:
- نفذي اللي قلت لك عليه ومتقلقيش من أي حاجة ودلوقتي لو كنتِ خلصتي شغلك ممكن تتفضلي علشان متتأخريش.
اعلمته أنها لم تنتهي من تنظيف المرحاض فأشار إليها آدم لتستأنف عملها بهدوء وما أن أنهت سهر عملها أعادت الأدوات إلى مكانها وغادرت مسرعة وما ان هبطت حتى اتجهت صوب مكتب عصام وأعلمته بصوتٍ مضطرب:
- أنا خلصت يا أستاذ عصام في حاجة تانية ولا اروح.
شكرها عصام وهو يبتسم وأخبرها بصوتٍ هادئ:
- روحي يا سهر ومش هوصيكي الجناح ده أنتِ متعرفيش عنه أي حاجة.
هزت سهر رأسها بالموافقة وغادرت الفندق بعد أن بدلت ثوبها لتجد محمود يقف أمام الفندق فسأله حين رآها بحيرة:
- سهر أنتِ لسه هنا ليه مش مفروض تكوني روحتي من ساعة.
أجابته سهر بتوتر:
- أصل الأستاذ عصام كلفني بشغل تاني فخلصته وأهو ليا نصيب اروح معاك يا ابيه.
أبتسم محمود وأردف:
- طيب يلا بينا احسن أنا واقع من الجوع وخالتك صفية عاملة لي النهاردة بامية مخصوص.
وخلفهما تمامًا وقفت داليا تتابع حديثهما فزفرت بقوة واتجهت صوبهما وأردفت:
- ازيك يا أستاذ محمود.
ثم التفتت نحو سهر وسألتها بدهشة:
- أنتِ لسه هنا يا سهر مش قولتي أنك مروحة من بدري.
منعها محمود من الإجابة وأردف بالنيابة عنها:
- أنا قلت لها تستني يا انسة داليا في حاجة.
تطلعت داليا إليه بعيون ولهه وأردفت بصوتٍ خفيض:
- لا يا أستاذ محمود بس لو ينفع اروح على طريقكم.
سارعت سهر وعقبت وهي تبتسم:
- مفيهاش حاجة ممكن نوصلها فطريقنا يا ابيه.
رمقها بها محمود بحدة فوضعت يدها على فمها وقالت باضطراب:
- أنا اسفة والله نسيت يا أستاذ محمود حقك عليا.
تجهم وجهه وزفر بقوة وأجابها بسخط:
- يلا بينا علشان الوقت اتأخر وعمي رشدي ميضيقش.
--------------------
ما أن ولجت سهر إلى غرفتها حتى زفرت بأرتياح كونها بأمان بين جدران غرفتها وأرتمت فوق فراشها تشعر بالضيق لأهمال محمود لها طوال رحلة العودة، ليكمل غضبه منها حين تركها أمام باب شقتها دون أن يحدثها وصعد إلى مسكنه مهملٍا إياها لتتفاجأ سهر بفؤاد يستقبلها وعلى وجهه ابتسامته السمجة فابتعدت عنه ولكنه أوقفها مُشيرًا إلى والدها الغافي فوق مقعده وأخبرها بصوتٍ خافت:
- وحشتيني يا سهر قلبي وحياتي.
دفعته سهر بعيدًا عنها وصاحت بصوتٍ عال لتوقظ والدها بسؤاله:
- بابا حضرتك عاوز حاجة مني اعملها.
أجابها رشدي وهو يفرك عينيه:
- لا مش محتاج حاجة أساسًا فؤاد مش مخليني عاوز حاجة روحي ريحي أنتِ شكلك تعبانة.
نفضت سهر عنها التفكير بفؤاد وسرعان ما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة شاردة لتذكرها آدم وابتسامته التي سلبتها عقلها وإحدى دقات قلبها تمامًا.
وبعد ساعة استفاقت سهر من غفوتها حين أحست بأحدهم يحاول فتح الباب فانتفضت من فوق فراشها وهي تحدق بباب غرفتها بخوف وسألت بصوتٍ مُهتز:
- مين اللي برا.
أجابها فؤاد بصوتٍ خافت:
- افتحي يا سهر أنا عايز أقولك على حاجة.
التفت سهر تبحث عن هاتفها بخوف وحين وقع بصرها عليه التقطته سريعًا وأجرت أتصالها بمحمود وقلبها يرجف بذعر وبنفس اللحظة التي أنتهى اتصالها دون إجابه فُتح باب غرفتها فسقط هاتفها من يدها وهي تتراجع بخوف لتلتصق بالحائط وعيناها تحدق بوجه فؤاد الذي وقف أمامها بعد أن أوصد باب الغرفة وبيده مفتاحًا لها ويحدق بها برغبة مشتعلة أثارت بقلبها الرعب فسألته بصوتٍ مرتجف:
- أنت أزاي فتحت الباب وجبت منين المفتاح دا.
استكمل فؤاد خطاه نحوها وازداد خوف سهر بسبب نظراته إليها التي جعلتها تشعر بشلل عام بجسدها، ليُجيب عليها وهو يستند إلى الحائط:
- هو أنا مش قولت لك أن مافيش حاجة بتصعب عليا يا سهر أنا من أول يوم ليا هنا وأنا معايا نسخ لكل مفاتيح البيت، المهم سيبك من المفتاح وخلينا فيكِ على فكرة أنتِ وحشتينى يا سهر ألا أنتِ مش ناوية بردوا تحني عليا.
ازدردت سهر لعابها بخوف ودعت الله أن ينجدها من فؤاد وحاولت استجماع شجاعتها كي لا يستضعفها فؤاد وأردفت بحدة:
- أطلع برا يا أستاذ فؤاد بدل ما اصوت وألم عليك الناس.
عقد فؤاد حاجبيه وهتف بحنق:
- بصي بقى أنا مش هستنى كتير أنتِ لازم تعرفي أنك بتاعتي فبلاش تتعبينى معاكِ وليني دماغك معايا علشان ابسطك، بدل ما اقلب عليكِ وأنتِ اللي هتخسري فـ الأخر علشان اللي أنا عايزه هاخد بمزاجك أو غصب عنك.
دفعته سهر وهرولت باتجاه باب الغرفة تحاول فتحه وقد استولى عليها الخوف ليوقفه فؤاد قائلًا بحدة:
- على فكرة لو قولتي لأي حد على اللي بيحصل هنا هزعلك أوي على رشدي اللي بقى تحت رحمتي فخليكِ عاقلة وبلاش تتهوري بدل ما تندمي.
التفتت سهر وسألته بخوف قائلة:
- قصدك أيه.
أجابها فؤاد وهو يقترب منها:
- قصدي هتعرفيه فـوقته.
ابعدها فؤاد عن الباب وفتحه وأفسح لها المكان وأردف ساخرًا:
- ودلوقتي يلا أجري على فوق بس اعرفي أني سيبك بمزاجي وكله بحسابه يا سهر فالأخر.
هرولت سهر إلى أعلى بخوف وطرقت الباب بقوة ففتح لها محمود فالقت بنفسها بين يديه تبكي ليحتضنها محمود وسألها بخوف:
- مالك يا سهر في إيه هو عمي رشدي ضربك تاني.
انتبهت سهر لمكانها فابتعدت عنه بحرج ونظرت له وكادت تحكي له ولكنها امتنعت حين تذكرت تهديد فؤاد فهزت رأسها تؤيد تخمينه ليُخبرها محمود بأسف:
- طيب متزعليش وتعالي اقعدي.
حاولت سهر تمالك ارتعاشها وجلست بحرج وسألته وعيناها تبحث عن والدته:
- هي خالتي صفية فين.
جلس محمود بجوارها وأجابها بهدوء:
- هي مريحة شوية دلوقتي اصحيها.
أومأت سهر والتفتت لتحدق به وهتفت قائلة:
- ابيه أنا أسفة على اللي حصل النهاردة والله ما كان قصدي خالص اقول كدا بس.
هز محمود رأسه فصمتت سهر ليُردف:
- خلاص يا سهر أنا مش زعلان اللي حصل حصل، أنا بس مكنتش حابب حد يدخل بينا من البنات اللي في الشغل، عمومًا كده احسن علشان محدش يضايقك بحاجة.
ابتسمت له سهر وقد شعرت بالحرج فتركت مكانها وقالت:
- طيب أنا هنزل بقى وخلي خالتي نايمة.
تحرك محمود من مكانه ووقفت بجوارها وقال:
- خليكِ شوية قوليلي الشغل عجبك أنا عارف أنه متعب و.
هزت سهر رأسها بالنفي فتوقف محمود عن الكلام فأردفت سهر:
- بالعكس يا ابيه أنا عجبني الشغل أوي هو زي ما بتقول متعب بس كلهم بيعاملوني كويس هو مكنش في غير داليا اللي مكنتش بتكلمني بس النهاردة لاقيتها عاوزة تصاحبني.
ربت محمود على كتف سهر وقال:
- بردوا عيزك تخلي بالك من نفسك ومتحكيش لحد حاجة عنك فاهمة.
صمت وقد شرد بعينيها فلم يشعر بيده التي تحركت على طول ساعدها حتى احتضن كفها وأصابعه داعب باطن يدها، فجذبت سهر يدها بحرج وقالت باضطراب وهي تهم بالابتعاد عنه:
- أنا أنا هنزل بقى يا ابيه علشان تعبانة و.
ابتلعت سهر كلماتها حين اختطف محمود يدها وقبض عليها ليُدنيها منها ووقف يتطع نحوها ومد يده الأخرى نحو رأسها وأعاد خصلة شعرها الشاردة خلف أذنها وداعب أذنها بسهو منه وعيناه تلاحق شفتيها وأنفاسها المضطربة، فازدردت سهر لعابها وهمست بصوتٍ مهتز ملؤه الرجاء:
- ابيه أنا عايزة انزل.
لم يسمعها محمود فـحركة شفتيها سرقت قلبه وعقله فوجد نفسه مغيب تجذبه شفتيها فاقترب بوجه منها وسلبها حق اختيارها من يكون صاحب قبلتها الأولى وغزا شفتيها غافلا عن رفضها، تجمدت سهر بفزع للحظات ومحمود يقبلها لتنجح أخيرًا بدفعه بعيدًا عنها بخوف وهرولت من أمامه وغادرت وهبطت إلى شقتها ولكنها تجمدت أمام بابها وحاولت تهدأة أنفاسها المضطربة كي لا يلحظها فؤاد وحين ولجت حمدت الله لمغادرة فؤاد واتجهت إلى غرفتها وأوصدتها بمفتاحها ووضعت المقعد خلفه وارتمت فوق فراشها تبكي.
في حين نهر محمود نفسه على فعلته وشد شعره غاضبًا لتهوره وتساءل عن السبب الذي دفعه ليقبلها حينها نحى عتابه وغضبه وخاض اللحظة يتذكر طعم شفتيها فأهتاجت نفسه شوقًا إلى سهر يُمني نفسه بالمزيد منها.
---------------------
وبالفندق لم يستطع آدم النوم فكلما أغمض عيناه رأى تلك الجنة الخضراء التي أسرته فتنهد وهو يتذكر اتهامها له بالإدمان وقلقها عليه حتى استعاد عافيته، ليعبس وهو يتذكر تصرف مازن ابن عمه معه حين أغلق عليه المرحاض وسلبه مقعده المتحرك وتركه حبيس الرمحاض دون دوائه فعزم على محادثة عمه وأخباره بأمر تصرفات مازن الخرقاء، وأغمض عيناه مرة أخرى يتنفس رائحة الياسمين التي أمتلأت بها غرفته وهمس:
- طيرتي النوم من عيني يا سهر.
----------------------
في الصباح سارعت سهر وغادرت إلى عملها دون أنتظار محمود وما أن ولجت غرفة الأستراحة حتى التفتت إليها أنظار داليا ومنال لتخطو داليا نحوها تسألها بقلق:
- أنتِ فين يا سهر دي الدنيا مقلوبة عليكِ.
تملك الخوف من سهر والتفتت تحدق بوجه منال لها وهي تشعر بتعب وإرهاق لعدم نومها وحين مطت منال شفتيها عادت ببصرها إلى داليا وسألتها بترقب:
- وهي الدنيا هتتقلب عليا ليه وأنا معملتش حاجة.
أجابتها داليا بحنق:
- مش أنا اللي بقول على فكرة دا الأستاذ عصام كل شوية يسأل عليكِ واتصل على موبايلك لاقاه مقفول واتصل بالأستاذ محمود وقاله أنك فالطريق لهنا، فساب لنا خبر نقولك علشان تروحي له و...
قطعت داليا كلماتها حين لمحت محمود يقف أمام الباب فاتجهت صوبه ورحبت به ليعقد حاجبيه بوجهها ويقول بصوتٍ حاد مُهملًا داليا كُليًا:
- تعالي يا سهر الأستاذ عصام عايزك.
لحقت به سهر وقد سيطر عليها الأضطراب ليتوقف محمود بُغته فتجمدت سهر بمكانها ليلتفت إليها لينهرها بحدة:
- ممكن أفهم أنتِ ليه مشيتي من غيري.
تهربت سهر من النظر إليه وأجابته بتردد:
- أصل أصل.
أدرك محمود سبب فعلتها فأكمل عنها قائلًا:
- أصلك خوفتي مني علشان اللي حصل بينا امبارح بصي يا سهر أنا أسف على موقف إمبارح أنا مش عارف عملت كدا أزاي فهل ينفع تنسي اللي حصل ومتزعليش مني.
تنهدت سهر فليس أمامها غير موافقته على طلبه على الرغم من إحساسها بخيبة الظن به، كونه فرض عليها نفسه مثلما فعل فؤاد معها وودت لو توبخه وتخبره بما تشعر ولكنها امتنعت حرصًا على علاقاتها بصفية والدته التي تعاملها كابنتها وهي لا تريد خسارتها فأجابته بصوتٍ فاتر:
- ماشي يا ابيه أنا هنسى علشان خاطر خالتي صفية، المهم هو حضرتك متعرفش في إيه حصل علشان الأستاذ عصام يطلبني.
هز محمود رأسه بالنفي وأدرف:
- عصام رفض يقولي على السبب فتعالي نشوف في أيه حصل ومتقلقيش أنا معاكِ.
ولج محمود وتبعته سهر وما أن رأها عصام حتى هتف بأنزعاج واضح:
- أنتِ فين يا سهر يعني معقول علشان أوصل لك ألف عليكِ الفندق بحاله أنا ناقص أجيلك البيت، المهم خلينا فدلوقتي أنا عايز أفهم أنتِ أزاي يبقى الأستاذ آدم في جناحه أمبارح ومتبلغيش.
ارتبكت سهر خوفًا من صوته الحاد والتفتت إلى محمود فلاحظت عبوسه الشديد فعادت بعينيها إلى عصام وأجابته:
- أنا مبلغتش علشان الأستاذ آدم هو اللي نبه عليا وطلب مني أني متكلمش بس أنا معملتش حاجة يا أستاذ عصام أنا خلصت شغلي ونزلت على طول.
جلس عصام وأشار إلى محمود ليجلس وقال:
- بعد كدا لازم تبلغي يا سهر لأن لو في حاجة ضاعت أنتِ اللي هتتسألي عنها.
شهقت سهر بذعر وهتفت:
- بس أنا مخدتش حاجة والله ما مديت أيدى على حاجة.
والتفتت وحدقت بمحمود وقد ترقرت عينيها بالدموع وأردفت بتوسل:
- قوله يا ابيه أن أنا مش حرامية.
أجابها عصام ما أن لاحظ انهيارها وقال:
- أهدي يا سهر أساسًا محدش قال أنك اخدتي حاجة، كل الموضوع أن أنا بلفت نظرك بس ودلوقتي اتفضلي الأستاذ آدم طلبك بالاسم تطلعي ترتبي جناحه.
سيطر الضيق على نفس محمود وتساءل لما سهر تحديدًا فالتفت إلى عصام وسأله بسخط:
- واشمعنة سهر يا أستاذ عصام ما في بنات غيرها.
أجابه عصام بدهشة لسؤاله:
- وأحنا من أمته بنتناقش فأوامر الشغل با محمود وعمومًا علشان تبقى مطمن على سهر الأستاذ آدم أختار سهر علشان بتشتغل بضمير وهدوء.
انهى عصام قوله لمحمود والتفت إلى سهر وأشار إليها بالذهاب بقوله:
- يلا يا سهر واقفه كده ليه اتحركي يلا شوفي شغلك.
استأذن محمود ولحق بسهر وأوقفها قابضًا على ساعدها بقوة وأردف بحدة:
- أنا عايز أفهم موضوع آدم دا أيه يا هانم وليه مقولتليش عليه قبل كده عمومًا أنا عارف أن هنا مش مجال للكلام بس خليكِ عارفة أني مش هعديها ومش هعدي حكاية أ،ك تخبي عليا اللي بيحصل وأعملي حسابك أني هستناكِ علشان نروح سوا وأياكِ تمشي من غيري فاهمة.
هزت سهر رأسها بايجاب لتتخلص من ضغط يده وأجابته باضطراب:
- حاضر يا ابيه عن اذنك.
همس محمود لنفسه وهو يراها تبتعد:
- لازم تعرفي أنك ليا يا سهر خصوصًا بعد ما بقت كلمة ابيه بتشقلب كياني، اومال لو قلتي محمود ولا حبيبي هتعمل فيا ايه أنا بقيت مجنون بيكي يا سهر.
صعدت سهر بالمصعد الخاص بجناح آدم وولجت إلى الداخل بعدما طرقت الباب ولم يجيها أحد فبحثت بنظرها عنه ولكنها لم تراه، فبدأت عملها واستغرقت ساعة لتقف تنظر إلى المكان مبتسمة وسحبت نفسا عميقا تشتم رائحة الياسمين العطرة التي دومًا تسعدها، لتسمع صوته يقول من خلفها:
- مين قالك أني بحب الياسمين.
انتفضت سهر من مكانها وأجابته وقد تخضب وجهها بخجل:
- أنا ظاسفة مكننتش عارفة إن حضرتك هنا.
بهتت ملامح آدم وهو يحدق بوجهها الذي أزداد حُسنًا وعقب بعد أن أنتبه لنظراته إليها:
- أنا اللي لازم أعتذر لإني مأخدتش باللي أنك وصلتي يعني كنت فى البلكونة حضرتك بخلص شغل على اللاب المهم أنتِ خلصتى.
هزت سهر رأسها مبتسمة وأجابته:
- ايوة حضرتك أنا خلصت تأمرني بحاجة تانية.
اتسعت ابتسامة آدم وحرك مقعده نحوها وأردف:
- بصراحة آه أنا عايزك تفطري معايا ممكن.
تراجعت سهر إلى الخلف وأعتذرت بحرج:
- مش مش هينفع يعني أصل أنا ورايا شغل تاني وو.
تجهم وجه آدم وتطلع نحوها في حين لزمت سهر مكانها وتفاجأت بأنه اقترب منها ورفع وجهه نحوها وأردف برجاء:
- على فكرة أنا مكلتش من إمبارح أهون عليكِ.
هزت سهر رأسها بالنفي وأخبرته بارتباك:
- متهونش بس أصل.
لم ينتبه آدم لضغطة يده فوق مسند مقعده فاندفع خطوة للأمام فارتطم بها فأختل توازن سهر ولم تجد ما تتمسك فاسرع آدم بتلقائية وأحاط خصرها بيداه لتسقط سهر فوق قدميه ليتجمدا سويًا وتلاقت نظراتهما معًا وازداد احمرار وجه سهر لقربها الشديد منه ليهمس آدم وهو تائه كُليًا بعيناها:
- عينيكِ حلوة أوي يا سهر هتصدقيني لو قولت لك أني معرفتش أنام إمبارح من ساعة ما شوفتك ومش عارف أنتِ عملتي فيا أيه.
كانت سهر تشعر كمن ألقيت عليها تعويذة سحر تحدق بعيناه وهي مسلوبة الإرادة مأخوذة به تمامًا، وهاجمتها أنفاسه الدافئة فأحست باضطراب يسري بجسدها فأغمضت عيناها والتقطت بضع أنفاس سريعة وسارعت بالوقوف وقد احتقن وجهها بحمرته خجلًا منه وأردفت بهمس مُتحشرج:
- أنا أنا هنزل.
تابعها بنظراته وهي تجمع الأدوات لتغادر وتساءل بحيرة لِما هي ولِما فارقه النوم منذ أبصر عيناها وكأنها سجنته داخل خضراوتيها البريئة برموشها الطويلة؟ أيعقل أن ينجذب لفتاة صغيرة مراهقة تخطو أولى خطوات الحياة وهو الذي تتمناه أجمل الجميلات ويحاولن معه بشتى الطرق، ولكنه لم يعد يعرف غير شيء واحد وهو أنه يريدها أن تبقى بجانبه فقط، فقال آدم ليفاجىء نفسه قبل أن يُفاجأها:
- سيبي الشغل الفندق يا سهر وخليكِ معايا.
التفتت سهر إليه وحدقت به بدهشة تشعر بحالها كفراشة تجذبها النيران، وأدركت أن قربه منها يزلزل كيانها بإحساس لا تعلم ماهيته، إحساس للمرة الأولى تشعر به، ولكنها سرعان ما نهرت نفسها وذكرت قلبها وعقلها المسلوب بظروفها وكادت تنصرف ولكنها عادت وسألته تستوضح معنى طلبه:
- يعني أيه حضرتك تقصد أني اشتغل عندك.
همس آدم وهو يقاوم إحساسه بأختطافها عن العالم أجمع لتكون له وأجابها بصدق:
- أيوة سيبي شغلك دا وأنا هشغلك معايا فأي منصب أنتِ عوزاها المهم أنك تكوني جانبي.
انتبه آدم لحاله فاعتذر منها وأردف:
- أنا حقيقي أسف بس فعلًا مش عارف أيه اللي حصل لي من أمبارح.
اضطربت سهر حين سمعت اعترافه وهمست:
- أنا مش فاهمة.
أدرك آدم أن حديثه بتلك الطريقة سيخيفها منه وقد تفهم حديثه بمعنى يخالف إحساسه فقال ليطمئنها:
- أيه رأيك تشتغلي سكرتيرة.
حدقت فيه سهر ببلاهة فضحك آدم على شكلها فتاهت سهر في ملامحه التي ازدادت سحرا بضحكته فأخبرته بصدق عن نفسها قائلة:
- بس أنا شهادتي دبلوم يعني مينفعش وبعدين في بنات أحسن مني كتير.
حرك آدم كرسيه ليقترب منها وقد ضايقه عدم تقديرها لنفسها فقال بضيق:
- أنتِ ليه بتقللي من نفسك بالطريقة دي، يا بنتي فين ثقتك بنفسك وبعدين أنا صاحب الشغل وبقول أنك تنفعي ها موافقة.
هزت سهر رأسها بحيرة لا تدر بما تجيبه وتذكرت محمود وتساءلت هل سيوافق على عملها معه فأدرفت بحيرة:
- مش عارفة إن كان ينفع، قصدي هو ممكن أخد فرصة أفكر.
وافقها آدم وقد قرر أن يحاول معها بروية حتى تطمئن له فقال:
- تمام خدي وقتك بس عايزك تعرفي أن أنا عايزك تبقي في وظيفة أحسن من اللي أنتِ فيها دي.
ابتسمت سهر واستئذنته وغادرت لتستكمل باقي عملها، ولكنها شعرت بالضيق بسبب داليا التي لاحقها في كل مكان تريد أن تعرف منها سر طلب عصام لها، ولكنها لزمت الصمت لتزداد داليا حنقا عليها، وسئمت داليا من صمت وحيطة سهر وعقدت حاجبيها بضيق وهمست تحدث نفسها:
- شكلك مش سهلة وحويطة زيادة عن اللزوم بس على مين دا أنا داليا ولما أحط حاجة في دماغي بوصلها فخبي براحتك يا سهر لإني هعرف بردوا.
---------------------------
مرت الأيام وسهر تصعد بشكل يومي إلى صفية ما أن يظهر فؤاد، وبعدما تعافي كتفها وفى محمود بكلمته ورافقته لتتسلم عملها، الذي سرعان ما اندمجت سهر به فهو بالنسبة إليها كان القشة التي أنقذتها من البقاء بالمنزل، ورحمها من رؤية فؤاد الذي لم يكف عن مطاردتها بكلماته الملتوية ونظراته الخبيثة مستغلًا والدها.
أما محمود فحاول صرف عقله عن التفكير بسهر ولكنه لم يستطع فـ مشاعره نحوها تنمو وتزداد قوة واحتياجًا، ووجودها بالقرب منه جعلته يُدمن رفقتها والحديث معها.
وبعد مرور بضعة أشهر على وجود سهر بالفندق، باتت سهر من أفضل العاملات لتفانيها بعملها والتزامها وبأحد الأيام بعدما أنهت سهر ترتيب إحدى الغرف، عادت إلى استراحة الفتيات، وقبل أن تخطو للداخل وصل إلى سمعها صوت إحدى الفتيات تقول:
- دي بتيجي معاه وبترَوح معاه ودايما بيسأل عنها ويقف يكلمها، تفتكري يكون في بينهم حاجة، أنا خلاص هتجنن بقى معقول أنا اللي ليا سنتين شغالة معاه مش عارفة الفت نظره ليا وبالعافية لما بيقف يتكلم معايا، تقوم تيجي بنت زي دي تاخده مني فأقل من تلت شهور.
أجابتها منال بصوتٍ هادئ ما أن لاحظت عصبيتها:
- داليا أنا قبل كدا كلمتك فالموضوع دا وقولت لك بلاش تتعلقي بيه لإنه واضح عليه من سنين أنه مش من النوع اللي بيعمل علاقات فالشغل أو حتى بيكلم بنات، وأنتِ اللي رفضتي تسمعي النصيحة وأهو أنتِ بنفسك شوفتي فكل مرة بتفتحي معاه كلام هو اللي بيقفل ويستأذن ويمشي، يعني بمنتهى الصراحة بيفهمك أنك برا تفكيره، فمينفعش دلوقتي تقولي أنها سرقته منك علشان هو مكنش ليكِ من الأول.
رمتها داليا بنظراتٍ نارية وأشاحت بوجهها عنها، في حين زمت منال شفتيها وتركت مكانها ومع استدارتها تقابلت عيناها بعينا سهر فتلون وجهها حرجًا لسماع سهر حديثهما، حينها تنفست سهر بقوة وولجت وهي تقول:
- السلام عليكم.
التفتت داليا بحده وحدقت بها وضاقت عيناها ولكنها سرعان ما أخفت ما يجول بداخلها ورسمت ابتسامة واهية فوق شفتيها وقالت:
- أيه يا سهر خلصتي شغلك ولا لسه باقي لك حاجة، يعني علشان متتأخريش على الأستاذ محمود، مش هو بردوا هيوصلك النهاردة زي ما بيعمل كل يوم.
تناست سهر تحذير محمود وبادلت داليا الابتسام وأجابتها بتلقائية:
- للأسف ابيه محمود عنده شغل كتير فأنا هروح لوحدي النهاردة.
انتبهت داليا لكلمات سهر وعلق لقب محمود بذهنها فاقتربت منها وسألتها بدهشة:
- ابيه مين هو الأستاذ محمود يقربلك.
انتبهت سهر لكلماتها فاحمر وجهها وأدركت خطأها وحاولت الإجابة وغادرها صوتها مذبذبًا:
- لا مش قريبي بس يعني هو.
وضعت داليا يدها فوق كتف سهر وحثتها على الكلام بتذمر مُردفة:
- طيب لما هو مش قريبك أنتِ ليه قولتي ابيه دي، ما تتكلمي يا سهر ولا أنا يعني هشد الكلام منك، قوليلي هو محمود يقرب لك أيه بالظبط.
لاحظت منال خوف سهر واضطرابها فسارعت بمقاطعة داليا لتهون على سهر الأمر قائلة:
- ما تسيبيها يا داليا هو يعني تحقيق، وبعدين أحنا مالنا هيهمنا فأيه أن كانوا قرايب أو لأ.
رمتها داليا بنظراتٍ نارية وعقبت على قولها بعصبية واضحة قائلة:
- أنا مش بحقق معاها ولا حاجة وأظن أنتِ عارفة كدا كويس يا منال وأكيد سهر فاهمة أن سؤالي غرضي منه اطمن علشان لو حد سأل أو أتكلم نعرف نرد عليه ونوضح لهم الصورة بما أنهم على طول واقفين مع بعض وبيرَوحوا ويجوا سوا.
والتفت داليا برأسها ووجهت عيناها إليها وأضافت:
- أنتِ زي أختي يا سهر ولازم أخاف عليكِ من لسان الناس.
تمتمت منال بصوت خفيض لا يسمعه أحد:
- آه يا بنت اللذينا عايزة تطويها تحت جناحك علشان تعرفي منها اللي يفيدك ربنا يستر وسهر متطلعش خايبة وتقع معاكِ.
أومأت سهر برأسها وعقبت على قول داليا قائلة:
- ابيه محمود يبقى جاري وزي أخويا الكبير ووالدته هي اللي مربياني، بس لو ممكن محدش يعرف لأن أبيه نبه عليا متكلمش فالموضوع دا علشان هنا مكان شغل وانتو فاهمين.
اتسعت ابتسامة داليا بسعادة وأجابتها وهي تربت يدها:
- اطمني يا سهر محدش هيعرف حاجة وزي ما قولت لك أنتِ زي اختي ولو احتجتي لأي حاجة بلغيني وأنا عيني ليكِ.
شكرتها سهر بلطف وهي تبتسم بحرج وأردفت:
- أنا كمان بعتبرك أنتِ ومنال زي أخواتي وبشكركم جدًا على لطفكم معايا، عمومًا أنا هروح أبلغ الأستاذ عصام أني خلصت اللي ورايا علشان امشي عن أذنكم.
غادرت سهر الأستراحة واتجهت إلى مكتب عصام وطرقت بابه وما أن أذن لها بالدخول حتى ولجت وهي تنظر أرضًا وأردفت بصوتٍ خافت تقول:
- أستاذ عصام أنا خلصت كل اللي حضرتك بلغتني بيه وميعاد الشغل كدا انتهى أمشي أنا ولا لسه في حاجة.
حدق بها عصام وبدا وكأنه وجد ضالته فابتسم وهو يُشير إليها بالجلوس وقال:
- تعرفي يا سهر أنا لو فضلت أشكر محمود علشان هداني بيكِ كل يوم مش هيكون كافي حقيقي أنا مشفتش حد زيك من اللي اشتغلوا هنا ليا زمن، أنت بتعملي شغلك بضمير وأنا لو عليا اعملك مكافأة ولعلمك أنا كتبت كل دا في التقرير بتاعك لأنك تستحقي كل خير، وبصراحة تفانيكِ في شغلك هيخليني أطلب منك خدمة هو شغل هنا بردوا بس مش أي حد ممكن يأديه، في جاح هنا خاص بالأستاذ آدم محدش بيطلع فوق إلا الناس الموثوق فيها وكان عندي شاب مسئول عنه بس هو ساب الشغل للأسف ومن وقتها وأنا محتار مين يستحق يشرف على الجناح الخاص ويرتبه بضمير ويخرج منه وميتكلمش عنه ولا يجيب سيرته نهائي كأنه مش موجود أصلا، والحقيقة أنا ملقتش غيرك أنتِ أصلًا شغلك هو اللي دل عليكِ علشان كدا أنا عايزك تطلعي جناح الأستاذ آدم هو بلغ قبل ما يخرج أنه محتاج يتوضب وأنا عارف أنك قدها، ومش هوصيكِ هتدخلي وتخرجي كأنك مشوفتيش أي حاجة ومش عايز أي حد يعرف أنك طلعتي فوق، بصي الجناح له اسانسير خاص هتطلعي منه وتخلصي شغلك وتنزلي والأدوات الخاصة بالنضافة هتلاقيها فوق ولو في حاجة خاصة بيكِ عايزة تخديها تقدري تخديها معاكِ.
وافقته سهر بإيماءة من رأسها وأدرفت:
- اطمن يا أستاذ عصام أنا مش هخذلك أبدًا وبرقبتي لو حد عرف حاجة.
رافقها عصام حتى باب المصعد واطمن عليها بداخله وضغط على زر التشغيل وابتعد ووقفت سهر يملؤها الترقب وحين توقف بها المصعد وغادرته ووقفت تحدق بما حولها بدهشة لفخامة المكان واختلافه عن باقي الفندق، زجرت سهر نفسها لشرودها وبدأت عملها بالاهتمام بالمكان وحين توجهت نحو المرحاض فوقفت تطلع حولها تطمئن إلى ما أنجزته ويدها تقبض على مقبض الباب وابتسمت لإتمامها عملها على وجه أكمل، وزفرت وهي تفتح باب المرحاض وتلاشت ابتسامتها وبهتت واتسعت عيناها بصدمة، فأمامها تسطح شاب فوق أرضية المرحاض لا يتحرك، كادت تتراجع ولكنها تمالكت نفسها سريعًا وجثت بجواره ومدت يدها وهزته ببطء، وزفرت أنفاسها ما أن سمعت أنينه ووقفت سريعًا وهتفت بصوتٍ قلق:
- هو مفروض أبلغ الأستاذ عصام دلوقتي ولا اعمل أيه.
دلها عقلها بأن تأتي بزجاجة ماء وتمسح على وجهه ونفذت سهر سريعًا ومسحت وجهه وما أن أعطى لها إشارة أستعادة وعيه، همت بالوقوف ولكنها عقدت حاجبيها لسماعها همهمة خافته تصدر عنه، فمالت نحوه لتسمع كلماته ليخبرها بوهن:
- لو سمحتي هاتي شنطتي السودا من الدولاب بسرعة ارجوكِ.
نفذت سهر طلبه وقلبها يخفق بقوة لا تدر لما استولى عليها الخوف، التقطت سهر حقيبته وعادت إليه ومدت يدها بها فأشار إليها لتقترب فجلست سهر بجواره ليُردف:
- معلش هتعبك بس في حقنة في الشنطة لو سمحتي طلعيها واديهالي.
رمت سهر الحقيبة ووقفت وقالت بخوف:
- حقنة وادهالك يا خبر أنت مدمن.
ارتسمت ابتسامة على وجه الشاب خطفت أنفاس سهر منها ووقفت تحدق مسلوبة العقل تمامًا للمرة الأولى في حياتها ورغم محاولاتها المغادرة إلا أنها وقفت بمكانها وحين أشار إليها جثت بجواره مرة آخرى وقالت:
- أزاي شاب شكله ابن ناس زيك كده ومدمن مش حرام عليك نفسك.
سمعته ينفي بصوتٍ متألم:
- مدمن إيه أنا مش مدمن صدقيني والحنقة دي علاجي ومحتاج لك تديهالي، أرجوكِ اديني الحقنة ولا هتديري وشك عني وتسبيني لما أموت.
ضربتها كلماته بمقتل وأمتلأ قلبها أسف على حاله فهزت رأسها بقوة وهي تلتقط الحقيبة من جواره أردفت بصوتٍ مرتبك:
- لا مش همشي ومش هسيبك تموت علشان محدش يتهمني أني قتلتك.
ضحك الشاب وعقب على حديثها قائلًا:
- أنتِ محدش قالك أنك ساذجة أوي، يا بنتي اديني الحقنة أنتِ ربنا بعتك ليا نجدة كملي جميلك معايا بقى.
اخرجت سهر الحقنة بيد مرتعشة وسألته بخوف:
- هديهالك أزاي.
تنهد الشاب بألم وأجابها:
- تحت الجلد فدراعي ارجوكِ بالراحة وبسرعة.
دعت سهر الله فِي سرها أن تنقذه وطهرت يده بالكحول وحقنته ببطء وقالت:
- أحمد ربنا إن بعرف أدي حقن على قدي وإلا فعلا هبقى بموتك.
بعدما مرت عشر دقائق أحس آدم أنه بخير فقال لها:
- ساعديني بقى وكملي جميلك واطلعي دوري برا على الكرسي المتحرك بتاعي وهاتيه.
احزنها قوله حين علمت مصابه وغادرت سريعًا فهي لمحت مقعده المتحرك وهي تنظف الغرفة فعادت به، فشكرها آدم بقوله:
- ممكن تساعديني أقعد عليه.
ساعدته سهر حتى جلس وتنهد بارتياح فضغط على يد المقعد وتحرك به خارج المرحاض وتبعته سهر تحمل حقيبته فقالت تسأله:
- هو حضرتك هنا أزاي وفي حد بلغ إن الجناح فاضي.
تجهم وجه آدم وأجابها بضيق:
- متشغليش دماغك أنتِ المهم أنتِ اسمك إيه.
أجابته سهر بخجل عن اسمها فسمعته يقول:
- اسمك حلو أوي يا سهر على فكرة أنا آدم عمران واحب انبه عليكِ أنك متجبيش سيرة عن اللي حصل دلوقتي هنا لأي مخلوق فاهمة.
اضطربت سهر لطلبه وسألته بحيرة:
- بس الأستاذ عصام لازم يعرف هو كان قايل إن الجناح ف.
قاطعها آدم وهو يهز رأسه بالنفي قائلًا:
- نفذي اللي قلت لك عليه ومتقلقيش من أي حاجة ودلوقتي لو كنتِ خلصتي شغلك ممكن تتفضلي علشان متتأخريش.
اعلمته أنها لم تنتهي من تنظيف المرحاض فأشار إليها آدم لتستأنف عملها بهدوء وما أن أنهت سهر عملها أعادت الأدوات إلى مكانها وغادرت مسرعة وما ان هبطت حتى اتجهت صوب مكتب عصام وأعلمته بصوتٍ مضطرب:
- أنا خلصت يا أستاذ عصام في حاجة تانية ولا اروح.
شكرها عصام وهو يبتسم وأخبرها بصوتٍ هادئ:
- روحي يا سهر ومش هوصيكي الجناح ده أنتِ متعرفيش عنه أي حاجة.
هزت سهر رأسها بالموافقة وغادرت الفندق بعد أن بدلت ثوبها لتجد محمود يقف أمام الفندق فسأله حين رآها بحيرة:
- سهر أنتِ لسه هنا ليه مش مفروض تكوني روحتي من ساعة.
أجابته سهر بتوتر:
- أصل الأستاذ عصام كلفني بشغل تاني فخلصته وأهو ليا نصيب اروح معاك يا ابيه.
أبتسم محمود وأردف:
- طيب يلا بينا احسن أنا واقع من الجوع وخالتك صفية عاملة لي النهاردة بامية مخصوص.
وخلفهما تمامًا وقفت داليا تتابع حديثهما فزفرت بقوة واتجهت صوبهما وأردفت:
- ازيك يا أستاذ محمود.
ثم التفتت نحو سهر وسألتها بدهشة:
- أنتِ لسه هنا يا سهر مش قولتي أنك مروحة من بدري.
منعها محمود من الإجابة وأردف بالنيابة عنها:
- أنا قلت لها تستني يا انسة داليا في حاجة.
تطلعت داليا إليه بعيون ولهه وأردفت بصوتٍ خفيض:
- لا يا أستاذ محمود بس لو ينفع اروح على طريقكم.
سارعت سهر وعقبت وهي تبتسم:
- مفيهاش حاجة ممكن نوصلها فطريقنا يا ابيه.
رمقها بها محمود بحدة فوضعت يدها على فمها وقالت باضطراب:
- أنا اسفة والله نسيت يا أستاذ محمود حقك عليا.
تجهم وجهه وزفر بقوة وأجابها بسخط:
- يلا بينا علشان الوقت اتأخر وعمي رشدي ميضيقش.
--------------------
ما أن ولجت سهر إلى غرفتها حتى زفرت بأرتياح كونها بأمان بين جدران غرفتها وأرتمت فوق فراشها تشعر بالضيق لأهمال محمود لها طوال رحلة العودة، ليكمل غضبه منها حين تركها أمام باب شقتها دون أن يحدثها وصعد إلى مسكنه مهملٍا إياها لتتفاجأ سهر بفؤاد يستقبلها وعلى وجهه ابتسامته السمجة فابتعدت عنه ولكنه أوقفها مُشيرًا إلى والدها الغافي فوق مقعده وأخبرها بصوتٍ خافت:
- وحشتيني يا سهر قلبي وحياتي.
دفعته سهر بعيدًا عنها وصاحت بصوتٍ عال لتوقظ والدها بسؤاله:
- بابا حضرتك عاوز حاجة مني اعملها.
أجابها رشدي وهو يفرك عينيه:
- لا مش محتاج حاجة أساسًا فؤاد مش مخليني عاوز حاجة روحي ريحي أنتِ شكلك تعبانة.
نفضت سهر عنها التفكير بفؤاد وسرعان ما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة شاردة لتذكرها آدم وابتسامته التي سلبتها عقلها وإحدى دقات قلبها تمامًا.
وبعد ساعة استفاقت سهر من غفوتها حين أحست بأحدهم يحاول فتح الباب فانتفضت من فوق فراشها وهي تحدق بباب غرفتها بخوف وسألت بصوتٍ مُهتز:
- مين اللي برا.
أجابها فؤاد بصوتٍ خافت:
- افتحي يا سهر أنا عايز أقولك على حاجة.
التفت سهر تبحث عن هاتفها بخوف وحين وقع بصرها عليه التقطته سريعًا وأجرت أتصالها بمحمود وقلبها يرجف بذعر وبنفس اللحظة التي أنتهى اتصالها دون إجابه فُتح باب غرفتها فسقط هاتفها من يدها وهي تتراجع بخوف لتلتصق بالحائط وعيناها تحدق بوجه فؤاد الذي وقف أمامها بعد أن أوصد باب الغرفة وبيده مفتاحًا لها ويحدق بها برغبة مشتعلة أثارت بقلبها الرعب فسألته بصوتٍ مرتجف:
- أنت أزاي فتحت الباب وجبت منين المفتاح دا.
استكمل فؤاد خطاه نحوها وازداد خوف سهر بسبب نظراته إليها التي جعلتها تشعر بشلل عام بجسدها، ليُجيب عليها وهو يستند إلى الحائط:
- هو أنا مش قولت لك أن مافيش حاجة بتصعب عليا يا سهر أنا من أول يوم ليا هنا وأنا معايا نسخ لكل مفاتيح البيت، المهم سيبك من المفتاح وخلينا فيكِ على فكرة أنتِ وحشتينى يا سهر ألا أنتِ مش ناوية بردوا تحني عليا.
ازدردت سهر لعابها بخوف ودعت الله أن ينجدها من فؤاد وحاولت استجماع شجاعتها كي لا يستضعفها فؤاد وأردفت بحدة:
- أطلع برا يا أستاذ فؤاد بدل ما اصوت وألم عليك الناس.
عقد فؤاد حاجبيه وهتف بحنق:
- بصي بقى أنا مش هستنى كتير أنتِ لازم تعرفي أنك بتاعتي فبلاش تتعبينى معاكِ وليني دماغك معايا علشان ابسطك، بدل ما اقلب عليكِ وأنتِ اللي هتخسري فـ الأخر علشان اللي أنا عايزه هاخد بمزاجك أو غصب عنك.
دفعته سهر وهرولت باتجاه باب الغرفة تحاول فتحه وقد استولى عليها الخوف ليوقفه فؤاد قائلًا بحدة:
- على فكرة لو قولتي لأي حد على اللي بيحصل هنا هزعلك أوي على رشدي اللي بقى تحت رحمتي فخليكِ عاقلة وبلاش تتهوري بدل ما تندمي.
التفتت سهر وسألته بخوف قائلة:
- قصدك أيه.
أجابها فؤاد وهو يقترب منها:
- قصدي هتعرفيه فـوقته.
ابعدها فؤاد عن الباب وفتحه وأفسح لها المكان وأردف ساخرًا:
- ودلوقتي يلا أجري على فوق بس اعرفي أني سيبك بمزاجي وكله بحسابه يا سهر فالأخر.
هرولت سهر إلى أعلى بخوف وطرقت الباب بقوة ففتح لها محمود فالقت بنفسها بين يديه تبكي ليحتضنها محمود وسألها بخوف:
- مالك يا سهر في إيه هو عمي رشدي ضربك تاني.
انتبهت سهر لمكانها فابتعدت عنه بحرج ونظرت له وكادت تحكي له ولكنها امتنعت حين تذكرت تهديد فؤاد فهزت رأسها تؤيد تخمينه ليُخبرها محمود بأسف:
- طيب متزعليش وتعالي اقعدي.
حاولت سهر تمالك ارتعاشها وجلست بحرج وسألته وعيناها تبحث عن والدته:
- هي خالتي صفية فين.
جلس محمود بجوارها وأجابها بهدوء:
- هي مريحة شوية دلوقتي اصحيها.
أومأت سهر والتفتت لتحدق به وهتفت قائلة:
- ابيه أنا أسفة على اللي حصل النهاردة والله ما كان قصدي خالص اقول كدا بس.
هز محمود رأسه فصمتت سهر ليُردف:
- خلاص يا سهر أنا مش زعلان اللي حصل حصل، أنا بس مكنتش حابب حد يدخل بينا من البنات اللي في الشغل، عمومًا كده احسن علشان محدش يضايقك بحاجة.
ابتسمت له سهر وقد شعرت بالحرج فتركت مكانها وقالت:
- طيب أنا هنزل بقى وخلي خالتي نايمة.
تحرك محمود من مكانه ووقفت بجوارها وقال:
- خليكِ شوية قوليلي الشغل عجبك أنا عارف أنه متعب و.
هزت سهر رأسها بالنفي فتوقف محمود عن الكلام فأردفت سهر:
- بالعكس يا ابيه أنا عجبني الشغل أوي هو زي ما بتقول متعب بس كلهم بيعاملوني كويس هو مكنش في غير داليا اللي مكنتش بتكلمني بس النهاردة لاقيتها عاوزة تصاحبني.
ربت محمود على كتف سهر وقال:
- بردوا عيزك تخلي بالك من نفسك ومتحكيش لحد حاجة عنك فاهمة.
صمت وقد شرد بعينيها فلم يشعر بيده التي تحركت على طول ساعدها حتى احتضن كفها وأصابعه داعب باطن يدها، فجذبت سهر يدها بحرج وقالت باضطراب وهي تهم بالابتعاد عنه:
- أنا أنا هنزل بقى يا ابيه علشان تعبانة و.
ابتلعت سهر كلماتها حين اختطف محمود يدها وقبض عليها ليُدنيها منها ووقف يتطع نحوها ومد يده الأخرى نحو رأسها وأعاد خصلة شعرها الشاردة خلف أذنها وداعب أذنها بسهو منه وعيناه تلاحق شفتيها وأنفاسها المضطربة، فازدردت سهر لعابها وهمست بصوتٍ مهتز ملؤه الرجاء:
- ابيه أنا عايزة انزل.
لم يسمعها محمود فـحركة شفتيها سرقت قلبه وعقله فوجد نفسه مغيب تجذبه شفتيها فاقترب بوجه منها وسلبها حق اختيارها من يكون صاحب قبلتها الأولى وغزا شفتيها غافلا عن رفضها، تجمدت سهر بفزع للحظات ومحمود يقبلها لتنجح أخيرًا بدفعه بعيدًا عنها بخوف وهرولت من أمامه وغادرت وهبطت إلى شقتها ولكنها تجمدت أمام بابها وحاولت تهدأة أنفاسها المضطربة كي لا يلحظها فؤاد وحين ولجت حمدت الله لمغادرة فؤاد واتجهت إلى غرفتها وأوصدتها بمفتاحها ووضعت المقعد خلفه وارتمت فوق فراشها تبكي.
في حين نهر محمود نفسه على فعلته وشد شعره غاضبًا لتهوره وتساءل عن السبب الذي دفعه ليقبلها حينها نحى عتابه وغضبه وخاض اللحظة يتذكر طعم شفتيها فأهتاجت نفسه شوقًا إلى سهر يُمني نفسه بالمزيد منها.
---------------------
وبالفندق لم يستطع آدم النوم فكلما أغمض عيناه رأى تلك الجنة الخضراء التي أسرته فتنهد وهو يتذكر اتهامها له بالإدمان وقلقها عليه حتى استعاد عافيته، ليعبس وهو يتذكر تصرف مازن ابن عمه معه حين أغلق عليه المرحاض وسلبه مقعده المتحرك وتركه حبيس الرمحاض دون دوائه فعزم على محادثة عمه وأخباره بأمر تصرفات مازن الخرقاء، وأغمض عيناه مرة أخرى يتنفس رائحة الياسمين التي أمتلأت بها غرفته وهمس:
- طيرتي النوم من عيني يا سهر.
----------------------
في الصباح سارعت سهر وغادرت إلى عملها دون أنتظار محمود وما أن ولجت غرفة الأستراحة حتى التفتت إليها أنظار داليا ومنال لتخطو داليا نحوها تسألها بقلق:
- أنتِ فين يا سهر دي الدنيا مقلوبة عليكِ.
تملك الخوف من سهر والتفتت تحدق بوجه منال لها وهي تشعر بتعب وإرهاق لعدم نومها وحين مطت منال شفتيها عادت ببصرها إلى داليا وسألتها بترقب:
- وهي الدنيا هتتقلب عليا ليه وأنا معملتش حاجة.
أجابتها داليا بحنق:
- مش أنا اللي بقول على فكرة دا الأستاذ عصام كل شوية يسأل عليكِ واتصل على موبايلك لاقاه مقفول واتصل بالأستاذ محمود وقاله أنك فالطريق لهنا، فساب لنا خبر نقولك علشان تروحي له و...
قطعت داليا كلماتها حين لمحت محمود يقف أمام الباب فاتجهت صوبه ورحبت به ليعقد حاجبيه بوجهها ويقول بصوتٍ حاد مُهملًا داليا كُليًا:
- تعالي يا سهر الأستاذ عصام عايزك.
لحقت به سهر وقد سيطر عليها الأضطراب ليتوقف محمود بُغته فتجمدت سهر بمكانها ليلتفت إليها لينهرها بحدة:
- ممكن أفهم أنتِ ليه مشيتي من غيري.
تهربت سهر من النظر إليه وأجابته بتردد:
- أصل أصل.
أدرك محمود سبب فعلتها فأكمل عنها قائلًا:
- أصلك خوفتي مني علشان اللي حصل بينا امبارح بصي يا سهر أنا أسف على موقف إمبارح أنا مش عارف عملت كدا أزاي فهل ينفع تنسي اللي حصل ومتزعليش مني.
تنهدت سهر فليس أمامها غير موافقته على طلبه على الرغم من إحساسها بخيبة الظن به، كونه فرض عليها نفسه مثلما فعل فؤاد معها وودت لو توبخه وتخبره بما تشعر ولكنها امتنعت حرصًا على علاقاتها بصفية والدته التي تعاملها كابنتها وهي لا تريد خسارتها فأجابته بصوتٍ فاتر:
- ماشي يا ابيه أنا هنسى علشان خاطر خالتي صفية، المهم هو حضرتك متعرفش في إيه حصل علشان الأستاذ عصام يطلبني.
هز محمود رأسه بالنفي وأدرف:
- عصام رفض يقولي على السبب فتعالي نشوف في أيه حصل ومتقلقيش أنا معاكِ.
ولج محمود وتبعته سهر وما أن رأها عصام حتى هتف بأنزعاج واضح:
- أنتِ فين يا سهر يعني معقول علشان أوصل لك ألف عليكِ الفندق بحاله أنا ناقص أجيلك البيت، المهم خلينا فدلوقتي أنا عايز أفهم أنتِ أزاي يبقى الأستاذ آدم في جناحه أمبارح ومتبلغيش.
ارتبكت سهر خوفًا من صوته الحاد والتفتت إلى محمود فلاحظت عبوسه الشديد فعادت بعينيها إلى عصام وأجابته:
- أنا مبلغتش علشان الأستاذ آدم هو اللي نبه عليا وطلب مني أني متكلمش بس أنا معملتش حاجة يا أستاذ عصام أنا خلصت شغلي ونزلت على طول.
جلس عصام وأشار إلى محمود ليجلس وقال:
- بعد كدا لازم تبلغي يا سهر لأن لو في حاجة ضاعت أنتِ اللي هتتسألي عنها.
شهقت سهر بذعر وهتفت:
- بس أنا مخدتش حاجة والله ما مديت أيدى على حاجة.
والتفتت وحدقت بمحمود وقد ترقرت عينيها بالدموع وأردفت بتوسل:
- قوله يا ابيه أن أنا مش حرامية.
أجابها عصام ما أن لاحظ انهيارها وقال:
- أهدي يا سهر أساسًا محدش قال أنك اخدتي حاجة، كل الموضوع أن أنا بلفت نظرك بس ودلوقتي اتفضلي الأستاذ آدم طلبك بالاسم تطلعي ترتبي جناحه.
سيطر الضيق على نفس محمود وتساءل لما سهر تحديدًا فالتفت إلى عصام وسأله بسخط:
- واشمعنة سهر يا أستاذ عصام ما في بنات غيرها.
أجابه عصام بدهشة لسؤاله:
- وأحنا من أمته بنتناقش فأوامر الشغل با محمود وعمومًا علشان تبقى مطمن على سهر الأستاذ آدم أختار سهر علشان بتشتغل بضمير وهدوء.
انهى عصام قوله لمحمود والتفت إلى سهر وأشار إليها بالذهاب بقوله:
- يلا يا سهر واقفه كده ليه اتحركي يلا شوفي شغلك.
استأذن محمود ولحق بسهر وأوقفها قابضًا على ساعدها بقوة وأردف بحدة:
- أنا عايز أفهم موضوع آدم دا أيه يا هانم وليه مقولتليش عليه قبل كده عمومًا أنا عارف أن هنا مش مجال للكلام بس خليكِ عارفة أني مش هعديها ومش هعدي حكاية أ،ك تخبي عليا اللي بيحصل وأعملي حسابك أني هستناكِ علشان نروح سوا وأياكِ تمشي من غيري فاهمة.
هزت سهر رأسها بايجاب لتتخلص من ضغط يده وأجابته باضطراب:
- حاضر يا ابيه عن اذنك.
همس محمود لنفسه وهو يراها تبتعد:
- لازم تعرفي أنك ليا يا سهر خصوصًا بعد ما بقت كلمة ابيه بتشقلب كياني، اومال لو قلتي محمود ولا حبيبي هتعمل فيا ايه أنا بقيت مجنون بيكي يا سهر.
صعدت سهر بالمصعد الخاص بجناح آدم وولجت إلى الداخل بعدما طرقت الباب ولم يجيها أحد فبحثت بنظرها عنه ولكنها لم تراه، فبدأت عملها واستغرقت ساعة لتقف تنظر إلى المكان مبتسمة وسحبت نفسا عميقا تشتم رائحة الياسمين العطرة التي دومًا تسعدها، لتسمع صوته يقول من خلفها:
- مين قالك أني بحب الياسمين.
انتفضت سهر من مكانها وأجابته وقد تخضب وجهها بخجل:
- أنا ظاسفة مكننتش عارفة إن حضرتك هنا.
بهتت ملامح آدم وهو يحدق بوجهها الذي أزداد حُسنًا وعقب بعد أن أنتبه لنظراته إليها:
- أنا اللي لازم أعتذر لإني مأخدتش باللي أنك وصلتي يعني كنت فى البلكونة حضرتك بخلص شغل على اللاب المهم أنتِ خلصتى.
هزت سهر رأسها مبتسمة وأجابته:
- ايوة حضرتك أنا خلصت تأمرني بحاجة تانية.
اتسعت ابتسامة آدم وحرك مقعده نحوها وأردف:
- بصراحة آه أنا عايزك تفطري معايا ممكن.
تراجعت سهر إلى الخلف وأعتذرت بحرج:
- مش مش هينفع يعني أصل أنا ورايا شغل تاني وو.
تجهم وجه آدم وتطلع نحوها في حين لزمت سهر مكانها وتفاجأت بأنه اقترب منها ورفع وجهه نحوها وأردف برجاء:
- على فكرة أنا مكلتش من إمبارح أهون عليكِ.
هزت سهر رأسها بالنفي وأخبرته بارتباك:
- متهونش بس أصل.
لم ينتبه آدم لضغطة يده فوق مسند مقعده فاندفع خطوة للأمام فارتطم بها فأختل توازن سهر ولم تجد ما تتمسك فاسرع آدم بتلقائية وأحاط خصرها بيداه لتسقط سهر فوق قدميه ليتجمدا سويًا وتلاقت نظراتهما معًا وازداد احمرار وجه سهر لقربها الشديد منه ليهمس آدم وهو تائه كُليًا بعيناها:
- عينيكِ حلوة أوي يا سهر هتصدقيني لو قولت لك أني معرفتش أنام إمبارح من ساعة ما شوفتك ومش عارف أنتِ عملتي فيا أيه.
كانت سهر تشعر كمن ألقيت عليها تعويذة سحر تحدق بعيناه وهي مسلوبة الإرادة مأخوذة به تمامًا، وهاجمتها أنفاسه الدافئة فأحست باضطراب يسري بجسدها فأغمضت عيناها والتقطت بضع أنفاس سريعة وسارعت بالوقوف وقد احتقن وجهها بحمرته خجلًا منه وأردفت بهمس مُتحشرج:
- أنا أنا هنزل.
تابعها بنظراته وهي تجمع الأدوات لتغادر وتساءل بحيرة لِما هي ولِما فارقه النوم منذ أبصر عيناها وكأنها سجنته داخل خضراوتيها البريئة برموشها الطويلة؟ أيعقل أن ينجذب لفتاة صغيرة مراهقة تخطو أولى خطوات الحياة وهو الذي تتمناه أجمل الجميلات ويحاولن معه بشتى الطرق، ولكنه لم يعد يعرف غير شيء واحد وهو أنه يريدها أن تبقى بجانبه فقط، فقال آدم ليفاجىء نفسه قبل أن يُفاجأها:
- سيبي الشغل الفندق يا سهر وخليكِ معايا.
التفتت سهر إليه وحدقت به بدهشة تشعر بحالها كفراشة تجذبها النيران، وأدركت أن قربه منها يزلزل كيانها بإحساس لا تعلم ماهيته، إحساس للمرة الأولى تشعر به، ولكنها سرعان ما نهرت نفسها وذكرت قلبها وعقلها المسلوب بظروفها وكادت تنصرف ولكنها عادت وسألته تستوضح معنى طلبه:
- يعني أيه حضرتك تقصد أني اشتغل عندك.
همس آدم وهو يقاوم إحساسه بأختطافها عن العالم أجمع لتكون له وأجابها بصدق:
- أيوة سيبي شغلك دا وأنا هشغلك معايا فأي منصب أنتِ عوزاها المهم أنك تكوني جانبي.
انتبه آدم لحاله فاعتذر منها وأردف:
- أنا حقيقي أسف بس فعلًا مش عارف أيه اللي حصل لي من أمبارح.
اضطربت سهر حين سمعت اعترافه وهمست:
- أنا مش فاهمة.
أدرك آدم أن حديثه بتلك الطريقة سيخيفها منه وقد تفهم حديثه بمعنى يخالف إحساسه فقال ليطمئنها:
- أيه رأيك تشتغلي سكرتيرة.
حدقت فيه سهر ببلاهة فضحك آدم على شكلها فتاهت سهر في ملامحه التي ازدادت سحرا بضحكته فأخبرته بصدق عن نفسها قائلة:
- بس أنا شهادتي دبلوم يعني مينفعش وبعدين في بنات أحسن مني كتير.
حرك آدم كرسيه ليقترب منها وقد ضايقه عدم تقديرها لنفسها فقال بضيق:
- أنتِ ليه بتقللي من نفسك بالطريقة دي، يا بنتي فين ثقتك بنفسك وبعدين أنا صاحب الشغل وبقول أنك تنفعي ها موافقة.
هزت سهر رأسها بحيرة لا تدر بما تجيبه وتذكرت محمود وتساءلت هل سيوافق على عملها معه فأدرفت بحيرة:
- مش عارفة إن كان ينفع، قصدي هو ممكن أخد فرصة أفكر.
وافقها آدم وقد قرر أن يحاول معها بروية حتى تطمئن له فقال:
- تمام خدي وقتك بس عايزك تعرفي أن أنا عايزك تبقي في وظيفة أحسن من اللي أنتِ فيها دي.
ابتسمت سهر واستئذنته وغادرت لتستكمل باقي عملها، ولكنها شعرت بالضيق بسبب داليا التي لاحقها في كل مكان تريد أن تعرف منها سر طلب عصام لها، ولكنها لزمت الصمت لتزداد داليا حنقا عليها، وسئمت داليا من صمت وحيطة سهر وعقدت حاجبيها بضيق وهمست تحدث نفسها:
- شكلك مش سهلة وحويطة زيادة عن اللزوم بس على مين دا أنا داليا ولما أحط حاجة في دماغي بوصلها فخبي براحتك يا سهر لإني هعرف بردوا.
