📁 آخر الروايات

رواية بوتقة الحب الفصل الثالث 3 بقلم هدير الصعيدي

رواية بوتقة الحب الفصل الثالث 3 بقلم هدير الصعيدي


الفصل الثالث

ما أشد قسوة القلب ! , تشتد الصدمة حينما تأتى الطعنة من أقرب الأشخاص وتلك لم تكن كأى طعنة !!!

غفت على فرحة وأمل لتستيقظ على كابوس قلب حياتها رأسًا على عقب !!

بعد أن كان وجهها يُشرق بنور الفرحة ودقات قلبها تعلو بين الحين والآخر انطفىء ذلك النور لتحل الصدمة والشحوب وهى تستمع لقرارات تتوالى بقسوة فوق مسامعها تخبرها أنها لم يكن لها الحق بأن تفرح !!

لم يكن لها الحق أن تحلم أو تُفكر يومًا بما حدث !!

ستظل بمكانة دانية لا يحق لها أن تخرج منها أو تفكر باجتيازها ولو بخطوة واحدة نحو مستقبلها !!

هو المستقبل والحياة التى كانت تسعى نحوهما , ولكن وقفت بينهما الحواجز مانعة وأبى هو اجتيازها !!

دقات قلبها مازالت كما هى رغم كل آلام قلبها الذى مازال ينزف حتى الآن !!

رغم كل شىء مازالت تأمل رؤيته وإن كان سيختفى تلك المرة عن عالمها للأبد !!!

خرجت من شرودها شاهقة بعنف ما إن انزلقت فجأة وسط بركة طينية لتأتى سيارة مسرعة تنثر باقى الماء المتسخ أمامها على وجهها وجزء من ثيابها ..

فتحت عينيها على اتساعهما بذهول وهى ترى ما حل بثيابها , رفعت يدها الملخطة بالطين تمسح وجهها ليزداد الأمر سوءًا !!

همت بالنهوض لتلمح أحدهما يقترب منها بخطوات شبه مهرولة صارخًا ببعض القلق

- هل أنتِ بخير ؟! .. هل أصابكِ مكروه ؟

نظرت له باستغراب قبل أن تهتف بسخرية وهى تشير إلى ثيابها

- مكروه !! .. وهل هناك أكثر مما أنا فيه !! .. لمَ كل تلك السرعة بتلك الأجواء ؟ .. ألا ترى كيف تبدو الشوارع أمامك ؟!

مرر يده فى شعره قبل أن يقترب منها أكثر مقربًا يده قائلًا بتهذيب وهو يميل بجسده قليلًا للأمام

- أعتذر .. اعطنى يدكِ كى أعاونكِ على النهوض

نظرت ليده ثم رفعت حاجبها قائلة باستنكار يشوبه السخرية

- وبأى صفة سأمسك يدك

رفع حاجبه قبل أن يعتدل بوقفته قائلًا وقد بدا الغضب جليًا على وجهه

- أعتذر مرة ثانية .. ولكن تلك المرة ليس لكِ بل لى

نظرت له بعدم فهم ليكمل بنفس الغضب الذى ظهر بنبرة صوته

- أنا المخطىء من البداية بتفكيرى الساذج بمساعدة إحدى القرويات أمثالك

اتسعت عينيها لوقاحته ولكنه لم يهتم لنظرتها , ظل ينظر لها قليلًا بغضب قبل أن يهم بالابتعاد عنها لتهتف بدهشة أوقفته

- موسى

ظل يوليها ظهره لبضعة ثوانى قبل أن يستدير ويتطلع إليها باستغراب وقد عقد ما بين حاجبيه ليهز رأسه عقبها متسائلًا

- ماذا قلتِ للتو ؟!

عقدت حاجبيها هى الأخرى لتهتف بشك وتردد

- لم أقل سوى اسمك .. ألست موسى ؟!

أومأ إيجابًا ليهتف ومازلت علامات الاستغراب تحتل قسمات وجهه

- بلى .. ولكن من أين لكِ بمعرفتى ؟! .. هل انتشر خبر وصولى بمثل تلك السرعة ؟!

ظلت صامتة ولكن تبدلت ملامحها قليلًا لتهتف عقب ثوانى من صمتها الذى أغضبه

- لم أعلم بخبر وصولك .. ولكننى تعرفت عليك من ملامحك .. لم تتغير قط

نظر لها باستغراب أكبر وقبل أن يتحدث قاطعته متسائلة بابتسامة هادئة وهى تنهض دون مساعدته

- ألا تتذكرنى ؟!

ولم تنتظر منه إجابه فالجواب يظهر بوضوح على ملامحه المستغربة من الحديث برمته فهتفت بابتسامة

- أنا ثويبة .. ابنة عمك

******

حينما نُغمض أعيننا ونسير خلف قلوبنا بلا تفكير تكون العواقب فى الغالب وخيمة , لن تكون النتائج دومًا كما نتمنى ؛ فليس كل ما يتمناه المرء يحدث , ربما تُصادف أن تكون النتائج كما توقعنا , ربما تكون النتائج أفضل بكثير ولكن ماذا إن كانت النتائج كارثية !!

كانت ترتعب من نظراته , لا تعلم بمَ تجيبه , أنقذها الله بقدوم والدته مهرولة بخوف لتهتف ما إن دلفت للشرفة ورأتهما بتلك الحالة

- ما الأمر ؟ .. لمَ تصرخ هكذا زين ؟

لم يجيبها بل ظلت نظراته موجهة لمزاهر التى كادت تذوب من شدة الرعب , نظراته تشعر بها تخترقها , ابتلعت ريقها بخوف قبل أن تهتف بشجاعة مزيفة وهدوء

- لا أعلم ما أصابه خالتى .. كنت أتحدث معه وفجأة أمسك بيدى وصرخ

عقدت هيام حاجبيها باستغراب ثم نظرت لزين متسائلة

- ما الأمر زين ؟!

رفع زين كف يد مزاهر الذى مازال بحوزته قائلًا وهو يُشير إلى العلامة بكف يدها

- انظرى

نظرت هيام لكف يدها باستغراب وعدم فهم قبل أن تنتبه للعلامة المميزة بكفها , نظرت لمزاهر ثم نظرت لكف يدها مجددًا قبل أن تتساءل بهدوء

- ما تلك العلامة ابنتى ؟

نظرت لها مزاهر وقد هدأ قلبها قليلًا كون الأخرى تتساءل بهدوء لتجيبها بثقة تبعثر أغلبها من نظرات زين الغاضبة والتى مازالت موجهة إليها

- كنت أُعد الطعام واحترقت يدى

قاطعها زين بغضب

- كاذبة

نظرت له بخضة ليعود خوفها من جديد , بينما هتفت هيام ببعض الغضب الذى ربما تراه مزاهر للمرة الأولى

- انتبه لحديثك زين .. كيف تُحادثها بهذه الطريقة ؟!

وكأن حديثها بث داخل مزاهر قوة فتمسكت بها لتنكس رأسها قائلة بأعين أدمعت صدقًا

- أُقسم لكما أن يدى احترقت

ربتت هيام على كتفها قائلة بحنان

- أعتذر عوضًا عنه ابنتى .. شفاكِ الله .. هيا كى تتناولى فطورك

رفعت مزاهر رأسها والدموع تتلألأ بعينيها إثر حديث هيام ؛ لم تشعر بأحد يحنو عليها هكذا من قبل لذا بكت رغمًا عنها قائلة

- سأتركما الآن خالتى وأصعد شقتى لأرتاح قليلًا

أنهت حديثها وخرجت من الشرفة تحت نظرات هيام الحزينة والمُحرجة من فعلت زين , ما إن سمعت باب الشقة يُغلق حتى استدارت تنظر لزين متسائلة

- ألن تكف عن مضايقة الفتاة ؟!

نظر لها بذهول لتهتف بغضب

- ماذا !!

تساءل بذهول واستياء

- هل تدافعين عنها أمى ؟! .. تلك الفتاة بها شىء .. وتلك العلامة بيدها.......

قاطعته هيام قائلة بغضب

- أخبرتك أن يدها احترقت .. وإن دققت النظر بها زين ستلاحظ أنها علامة حديثة وصغيرة عن تلك العلامة بيد منال رحمها الله .. لا تخلط الأمور

نظر لها زين ولم يعلق فخرجت من الشرفة بعد أن هتفت بجدية

- اعتذر منها بأقرب وقت فلقد أسأت الأدب معها وتواقحت بطريقة لم أعهدك بها من قبل

..

أما مزاهر ففتحت الباب بأيدى مرتعشة – حتى أن المفتاح كاد يتساقط منها أكثر من مرة – ثم دلفت وأغلقته خلفها , جلست على المقعد الموضوع بجانب الباب فلم تعد قدميها قادرة على حملها بعد ..

ظلت جالسة بضعة دقائق تستعيد ما حدث قبل قليل ثم نهضت تدلف لغرفتها , وقفت أمام المرآة تنظر لملامحها قبل أن تنزع وشاحهها وتسحب قطعة قطن لتسكب فوقها القليل من مُزيل المكياج وتبدأ فى مسح وجهها بقوة آلمتها ولكنها لم تهتم ..

فور انتهاءها نظرت لملامحها , حقًا تشبهها وهى أكملت النواقص بأدوات الزينة الخاصة بها فباتت مثلها تمامًا !!

نكست رأسها لتقع عينيها على العلامة بيدها , تذكرت ما فعلته قبل أيام لتتوجه إلى المطبخ وتُعيد الكرة من جديد ؛ ألم تسعى لإكمال النواقص بها , إذن فلتتحمل وتحرق يدها من جديد !!

******

ليس كل قرار نتخذه يكون صوابًا , هناك قرارات يتخذها القلب تودى به إلى الهلاك رغم سعادته ببداية القرار , ولكنه يكون كالمُغيب عن الواقع من فرط السعادة ؛ يتوهم الحياة الرائعة التى تنتظره رغم أن كل ما حوله يوحى له بالنهاية الأليمة !!
كانت واقفة أمام المرآة تمشط خصلات شعرها الطويل حينما استمعت لصوت مزمل بالخارج , تركت الفرشاة من يدها وخرجت سريعًا بعد أن ألقت نظرة سريعة على هيئتها ..

كادت تصل حيث غرفته لتقف فجأة وقد قلبت شفتيها ما إن صُفع الباب فجأة بوجهها ..

فكرت لثوانى هل تتوجه للغرفة أم تُعاود أدراجها لتتقدم فى النهاية تجاه غرفته , أمسكت بالمقبض ثم فتحته بعد أن طرقت الباب سريعًا لينتفض مزمل بخضة , دلفت تقترب منه قائلة بازدراء وهى تنظر للفوضى التى أحدثها حوله نتيجة فزعة من دخولها

- ما تلك الفوضى ؟! .. هل بت تتناول تلك الأشياء فى وضح النهار ؟!!

انتفض سريعًا تجاه الباب يُغلقه حتى أنه اصطدم بكتفها بقوة ألمتها دون أن يهتم أو يعتذر , استدار قائلًا بغضب

- هل جننتِ دليلة !!

نظرت له باستنكار ليعاود الجلوس كما كان يُكمل ما يفعله , تابعته بعينيها حتى انتهى لتهتف ببعض الضيق

- ذهبت بالأمس لأرى فستان الخطبة ولكن لم يعجبنى شىء .. لذا هاتفت إحدى المصممات وستأتى بعد قليل كى تُرينى بعض الموديلات لعلها تكون مناسبة .. تعلم هناك تصميم أتمناه ولكن لا أعلم هل ستنفذه بحرفية كما أحلم به .. وهل سيناسبنى أم لا ؟!

لم يعلق بل استلقى على الفراش بأريحية مغمضًا عينيه بعد أن فرك أنفه بإصبعه , اقتربت منه تنظر لها بغضب قبل أن ترفع حاجبها قائلة باستنكار

- أتحدث معك مزمل

فتح عينيه ينظر لها برؤية شبه ضبابية قبل أن يهتف بضياع

- اتركينى بضع دقائق دليلة .. أنا لا أعى حرفًا مما تتفوهين به الآن

نظرت له بضيق ثم استدارت تنوى الخروج بغضب ؛ هو قلما يهتم لحديثها بوعيه والآن يخبرها بأنه لا يعى ما تتفوه به !! , وإن وعى سيستمع لها من الأساس !!!

وقعت عينيها على الصحن فوق المنضدة الصغيرة , ظلت نظراتها معلقة تجاهه قبل أن تقترب وتحمله وهى تختلس النظرات تجاه مزمل , خرجت سريعًا ثم أغلقت الباب خلفها متوجهة إلى غرفتها بخطوات شبه راكضة !!

******

بعض الآلام تتعافى سريعًا وبعدها يظل أثره عالقًا طويلًا يسحب منك قوتك شيئًا فشىء !!

ليت الآلام تطفو بعيدًا عن عالمها , فبمرور الوقت يزداد الألم انغراسًا داخلها وكأنه يأبى الرحيل , انقلب عالمها رأسًا على عقب فباتت كخرقة بالية تتلاعب بها الظروف لتزداد آلامها مع كل موقف وكل ذكرى تمر ..

مرت الليالى السابقة مُرهقة ؛ كانت ترى كوابيس فى كل ليلة ؛ كانت ترى جدها فى صورة سيئة ؛ تراه بها أبشع شخص فتظل تصرخ وهى تخبره بخوفها وغضبها منه ولكنه يظل يضحك حتى تستيقظ صارخة ..

وككل ليلة يأتى معتصم مهرولًا فى فزع من خارج الغرفة وقد بات يغفو كل ليلة فوق الأريكة تاركًا لها الفراش بل الغرفة بأكملها تنعم بها وحدها .

يؤلمها قلبها , وتؤلمها فكرة أنه سيتزوج غيرها , لا تكاد تصدق مجرد التفكير فى أنه سيوافق على ما طلبه جدهم ..

لمحته يقف وسط الظلام , ولكنه تلك المرة لم يقترب بل ظل واقفًا فهتفت بهدوء

- متى سننهى الأمور معتصم ؟

شعرت بملامحه تتحول سريعًا للغضب فهتفت بجدية وهى تؤكد على حروفها
- لن أقبل بما طلبه جدى ...

قاطعها اقترابه منها فتوقفت عن الحديث , جلس قبالتها فوق الفراش متسائلًا بجدية

- هل ستتخلى عن كل شىء هكذا ؟! .. وأين ستمكثين إذن ؟! .. ألم تستمعى للوصية جيدًا وتدركى كافة جوانبها

أدمعت عينيها لتهتف بغير تصديق

- تتحدث وكأنك وافقت على الأمر .. هل ستتحمل إيلامى هكذا معتصم

هم بالرد لتقاطعه قائلة

- لا تبرر شىء .. أنت وافقت وانتهى الأمر فلا داعى للتبرير .. من يدرى ربما كنت تعلم بهذا مسبقًا .. ربما أخبرك جدى أو بالأساس كان هذا اقتراحك فلا أرى أى غضب يبدو عليك من هذا الأمر

كان حديثها بتلك الطريقة يشعره بغضب كبير لذا انفعل قائلًا

- لا تهذى كلثم .. ألا تتذكرى كيف كانت حالتى يوم قرأت الوصية

هتفت وقد بدأت دموعها تتساقط فوق وجنتيها

- ربما كنت تدعى الغضب كى لا ينكشف الأمر

لم يعد يتحمل حديثها لذا غادر الغرفة بخطوات غاضبة فمالت تتدثر بالغطاء جيدًا وقد أجهشت فى البكاء .

*******

بعض الأمور تُجبر على خوضها , أمور لم تكد تتصور يومًا أن تحياها !! , وبمرور الوقت تكتشف أنها كانت طوق نجاة بتلك الفترة , وبمرور الأيام وكثرة التفكير الذى كانت تمر به كل ليلة توصلت لحل ربما يُريحها قليلًا ..

لذا ما إن أشرقت الشمس ارتدت ثيابها وخرجت متوجهة إليه , كانت تعلم أنه يستيقظ باكرًا ويتناول فطوره بالحديقة فتوجهت حيث يجلس وجلست قبالته دون تحية ليهتف دون أن ينظر إليها

- وعليكم السلام

لم تعلق فرفع رأسه ينظر إليها متسائلًا بهدوء

- هل أتيتِ تخبرينى بموافقتك ؟

أجابت بهدوء

- بلى

رفع حاجبه متسائلًا بدهشة حقيقية

- حقًا ؟! .. بتلك السرعة تغير رأيك !!

هزت ساقها قائلة

- وافقت ولكن بعدة شروط عليك الموافقة عليها أولًا

هز رأسه بتفكير قبل أن يتراجع بظهره قائلًا

- أود سماعها

تنفست بعمق قبل أن تفرد ظهرها قائلة وقد توقفت عن هز ساقها

- أولًا : سيكون الزواج صوريًا

لم يعلق أو يبدى أى ردة فعل , حتى أن ملامحه ظلت هادئة كما هى فأكملت وقد بدأ التوتر يغزوها فهى تهابه رغم كل شىء , وصمته هذا يُخيفها

- ثانيًا : سأخرج برفقة أصدقائى وقتما أريد ولن أجلس بالبيت طويلًا

لم يعلق فتساءلت ببعض الضيق

- ألن تُعلق على حديثى ؟!

تساءل بهدوء

- هل انتهيتِ ؟!

عادت تهز ساقها من جديد قائلة

- كلا .. هناك شرط واحد أخير

صمت فهتفت بتردد

- ما إن يعود فادى ستُطلقنى لأتزوجه

انتظرت تعليقه على حديثها ولكنه لم يتفوه بكلمه , وما إن طال صمته حتى تساءلت بتردد

- لمَ لم تعلق ؟! .. أنت ستتزوجنى لأن فادى سافر وأبى سيُجبرنى على الزواج من أى شخص يتقدم كما سبق وأخبرنى خصوصًا أنه غير مُرحب بفادى على الاطلاق .. أعلم أن فادى لن يتركنى هكذا وسيجبره قلبه على العودة من أجلى لذا من الطبيعى أن تُطلقنى ما إن يعود .. أليس كذلك ؟

نهض من جلسته فنظرت له باستغراب , وما إن همت بالتحدث حتى قاطعها قائلًا بهدوء قبل أن يدلف داخل الفيلا مختفيًا عن أنظارها

- موافق

*******

ظلت نظراتها مسلطة على الصحن أمامها طويلًا , لن تنكر أن التجربة السابقة لها والأولى كانت ممتعة , ودت لو تُعيد التجربة من جديد ..

اقتربت من الصحن الموضوع فوق الكومود وجثت على ركبتيها , ثم مالت برأسها فوقه وأغلقت إحدى فتحات أنفها واستنشقت بالأخرى فى قوة لتنتفض برعب ما إن سمعت صوت والدها وهو يهتف بإسمها ..

نهضت سريعًا تُخفى الصحن أسفل غطاء الفراش , ومن ثم مسحت آثار المسحوق الأبيض عن أنفها قبل أن تخرج من الغرفة كى تُجيبه , وصلت حيث يجلس بغرفة مزمل , وما إن دلفت حتى نظر لها مزمل نظرة أرعبتها فتجاهلت نظراته بتوتر مُجيبة لوالدها

- نعم أبى .. هل تريد شيئًا ؟

هتف والدها بهدوء

- كنت أتحدث مع مزمل حول أمر الخطبة والزفاف .. أرى أن تتم الخطبة فى الفترة القادمة على أن يؤجل الزفاف ريثما يتخرج مزمل من الجامعة و .........

قاطعته قائلة باستياء

- هل سأنتظر حتى يتخرج مزمل من الجامعة !!!

لم يتوقع والدها ردها لذا انفعل قائلًا

- تأدبى دليلة .. كيف تجرؤين على التحدث أمامى بمثل هذة الطريقة .. إن كان مزمل قد وافق فلمَ تعترضين أنتِ !!!

قلبت ملامحها بضيق وأشاحت بوجهها بعيدًا فهتف والدها بغضب

- انظرى إلىّ .. ما تلك السرعة والرغبة فى الزواج .. هل أصبحت بسن كبير وتخشين من التأخر أكثر من هذا !! .. لن يتم الزواج قبل عامين ونصف دليلة ليكن بعلمك

كانت تعلم أنه يسخر منها ؛ لذا كانت ملامحها تزداد ضيقًا لتتحول فجأة لصدمة ما إن هتف بعبارته الأخيرة , نظرت له بفم مفتوح قبل أن تهتف بذهول

- ماذا !!! .. ألم يكن حتى ينتهى مزمل من دراسته !!! .. وها هو بعامه الأخير وآمل أن يُنهيه سريعًا ولا يستمر للعام القادم

لم يعلق بل ترك الغرفة ورحل غير عابىء بنظراتها التى لاحقته بغير تصديق وهو يتركها هكذا ويخرج , أما مزمل فتساءل بغضب

- أين الصحن الذى كان بجوارى دليلة ؟

نظرت له بضيق قبل أن تهتف باستنكار

- هل هذا كل ما يهمك الآن !! .. ألم تستمع لما هتف به أبى قبل قليل ؟!

هز رأسه متسائلًا بسخرية أغضبتها

- ما سر رغبتك بالزواج سريعًا دليلة ؟!

وضعت يديها بخصرها قائلة

- صديقاتى أغلبهن متزوجات .. بل وهناك من لديها أطفال أيضًا .. وهناك من هى على وشك الزواج .. وهناك من تعمل بجانب دراستها .. أما أنا فلا شىء على الاطلاق

رفع حاجبه متسائلًا بسخرية

- هل هذا كل ما فى الأمر وراء رغبتك فى الزواج سريعًا !!

هتفت بتهكم

- وهل هذا الأمر هين !!!

لم يعلق بل نهض من جلسته مقتربًا منها , توقف على بعد خطوات منها ليتساءل وقد عاد الغضب لملامحه

- أين الصحن دليلة ؟

توترت ملامحها ليتساءل بانفعال غاضب

- أين الصحن ؟

انتفضت لتشير خلفها قائلة بخوف

- بغرفتى

تساءل بانفعال أرعبها

- وماذا يفعل بغرفتك ؟!

ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تجيبه بتردد

- فكرت أن ..........

صمتت بخوف من نظراته ليهتف بغضب وقد احمر وجهه

- أن تُعيدى التجربة التى سبق وأخبرتينى بأنك ستفعلينها مرة واحدة فقط

همت بالتحدث ليصرخ بوجهها قائلًا

- لن أتحمل غضب عمى إن تطور الأمر دليلة

نكست رأسها قائلة بخوف

- لم أُصبح مدمنة مزمل .. فقط قمت بالتجربة مرتين

انفعل قائلًا

- لمَ تتحدثى باستهانة هكذا وكأن الأمر هين !!

نظرت له بضيق قبل أن تهتف بتردد

- أنت تفعل نفس الشىء الذى تخشى من معرفة أبى به

اقترب يمسك فكها بقوة آلمتها قائلًا

- أنا رجل ولن يحاسبنى أحد .. كما أننى أعلم ما أفعله جيدًا .. أما أنتِ فهل سيمر الأمر مرور الكرام إن علم والدك أو خالتى ؟!

لم تجيب بل أدمعت عينيها فترك فكها لتهتف وقد أوشكت على البكاء

- أكرهك مزمل

نظر لها باستخفاف لتترك الغرفة وترحل بخطوات شبه راكضة تجاه غرفتها

******

- أنا ثويبة ابنة عمك

نظر لها باستغراب ثم بدأ فى تفحص ملامحها بترو أخجلها فتنحنحت قائلة

- ألا تتذكرنى ؟!

رفع رأسه ينظر إليها مجيبًا

- أتذكر ثويبة الصغيرة ذات السادسة عشر عامًا .. أما من تقف أمامى ......

قطع حديثه يعاود تفحصها فقاطعته بتوتر وخجل , على الرغم من أن نظراته لم تكن سيئة ولكنها تخجل رغم كل شىء

- هل ستظل تتفحصنى كل لحظة ؟! .. هل أخبرك أحدهم أننى أتغير كل لحظة لتعاود تفحصى بتلك الطريقة !!

نظر إليها مبتسمًا قبل أن يهتف بأسف

- أعتذر حقًا ولكن هيئتك بالكامل تغيرت .. أحاول المقارنة بين ملامحك التى أتذكرها وملامحك الآن ولكن ليس هناك أدنى شبه وكأنكِ أخرى

ابتسمت قائلة

- بلى أنا هى ولكن على ما يبدو تغيرت قليلًا .. فلقد صار عمرى الآن ثمانى وعشرون عامًا

صمتت تشرد وقد تبدلت ملامحها للحزن فعقد حاجبيه متسائلًا

- هل أنتِ بخير ؟!

أومأت إيجابًا وقد عادت إليها ابتسامتها قائلة

- بلى بخير .. أحمدُ الله

ابتسم قائلًا وهو يشير بيده إلى ثيابها

- أعتذر على ما حدث بثيابك

نظرت له باستغراب قبل أن تنظر لثيابها وقد غفلت عما حدث لتتسع عينيها من جديد قائلة

- يا إلهى .. هل تركتنى أتحدث معك بهذا الشكل ؟!

ابتسم قائلًا

- على ما يبدو كان الحديث شيقًا فتغافلتِ عن هيئتك

عقدت حاجبيها قبل أن تهتف بجدية وهى تنوى الرحيل

- يجب أن أذهب الآن .. فلقد تأخرت بالفعل .. كما أن وقفتنا تلك غير لائقة لى .. لا أريد أن تتحدث الناس بشأنى وأغدو كلقمة سائغة فى فم أهل القرية

همت بالرحيل ليوقفها ممسكًا بمعصمها لتسحبه منه بغضب قائلة

- ألم تستمع لحديثى !!

هتف بجدية

- أنا لا أهتم لحديث أحد .. أما بخصوص إمساكي بكِ فأعتذر عنه ولكنكِ كدتِ ترحلين فتصرفت بتلقائية

نظرت له قليلًا دون أن تتلفظ بكلمة , كان يعتقد أنها لا تزال غاضبة لهذا تصمت ولكنها لم تكن معه بل كانت تبحر مع ذكرياتها الماضية ؛ ذكرى مشابهة لما هى به الآن !!!

كانت أيضًا تسير بالشارع بعد أن قرأت الخطاب ليوقفها ممسكًا بذراعها ما إن همت بتخطية فور رؤيتها له !!

تساءلت فجأة بشك

- ألا تهتم حقًا لحديث أحدهم ؟!!

وعلى الرغم من استغرابه من تساؤلها إلا أنه أجابها بهدوء

- بلى

صمتت عدة ثوانى قبل أن تهز رأسها بهدوء وترحل ليوقفها من جديد ولكن تلك المرة صاح بإسمها لتتوقف وهى تنظرحولها بتوتر وقد انتبه لها بعض الجالسين على قارعة الطريق لتعود حيث يقف قائلة بغضب واستنكار

- توقفت عن إمساك معصمى لتصرخ بإسمى !!!

رفع حاجبه قائلًا باستنكار

- وماذا تريدى منى أن أفعل إذن !! .. هل أقذفك بحجر كى تنتبهى لى وتتوقفى

زاد الغضب على ملامحها من سخريته فهتف بهدوء

- اهدئى ثويبة .. أنا فقط أريد إيصالك

همت بالتحدث ليقاطعها قائلًا بجدية قبل أن يتوجه إلى السيارة

- لن أسمح بكلمة أخرى منكِ وأخبرتك أننى لا أهتم بحديث أحد إن كنتِ ستخبرينى بعدم رغبتك فى التواجد برفقة أحدهم داخل السيارة .. وكى تطمئنى فدارين برفقتى لذا لن تكونى بمفردك

*******

أُجبر على الكثير ووافق وكان كل شىء بفضل الله يتجاوزه ويسعى جاهدًا لتحويل ما أُجبر عليه لشىء جيد يُحبه , إلا هى أُجبر على الزواج منها لتتحول حياته برفقتها كل يوم إلى أسوء ما يمكن للمرء أن يحياه !!

حاول كثيرًا التقرب منها ورؤية المميز لديها , يقسم أنه حاول أن يُحبها , وفعل كل ما أخبرته به والدته ولكن لاشىء يتغير داخله تجاهها !!

شعر بها تدلف للشرفة فاعتدل بوقفته عوضًا عن استناده بمعصمة فوق السور المعدنى , جاورته بوقفته تضع يدها فوق يده المرتاحة فوق السور قائلة

- صباح الخير .. هل استيقظت مُبكرًا كعادتك ما إن تأتى هنا ؟

لم يجيبها فتساءلت باستغراب

- منتصر ألا تسمعنى ؟!

أجابها بضيق

- بلى أسمعك

رفعت حاجبها متسائلة باستياء

- إذن لمَ لا تجيب ؟!

مرر يده بشعره قائلًا بضيق

- ألا تملى نهال من تساؤلاتك المستمرة

نظرت له بضيق فهتف وهو يترك الشرفة ويدلف للداخل

- لقد مللت حقًا

نظرت حيث دلف بضيق لتلحق به , وجدته يُبدل ثيابه فهتفت بهدوء

- انتظرنى سأنزل برفقتك

لم يُعلق فتوجهت كى تُخرج ثيابها من الخزانة , ظلت تعبث بالخزانة لتنتفض على ارتطام الباب فنظرت تجاهه بوجه غاضب قبل أن تتمتم ببعض الكلمات الغاضبة

.................

يتبع


تعليقات