رواية ترويض وحش الالفي الفصل الثالث 3 بقلم نور محمد
البارت_الثالث
مرت الساعات بطيئة وثقيلة، وفجأة انفتح طاقة صغيرة أسفل الباب الحديدي، ودخلت منها صينية عليها أكل بسيط، وبجوارها حقنة ومجموعة حبوب ملونة، ومعاهم ورقة مكتوب عليها بخط واضح: "الدوا يتاخد كله، وإلا حسابك هيكون عسير".
حور قربت من الصينية، شالت الأدوية وبصت فيها بتركيز. بحكم دراستها، ملامحها اتغيرت للصدمة.
بصت لجاسر اللي كان قاعد على الأرض ساند ضهره على السرير، والسلاسل محاوطاه، وقالت بصوت مهزوز:
"ده مش علاج... دي مهدئات خيل وأدوية هلوسة! هما مش بيعالجوك يا جاسر، هما بيموتوا خلايا مخك بالبطيء عشان تفضل مغيب ومسلوب الإرادة."
جاسر بصلها بعينين هادية، كأنه كان عارف، كأنه كان حاسس بالسم اللي بيمشي في عروقه كل يوم ومش قادر يتكلم ولا يدافع عن نفسه.
حور أخدت نفس عميق، وبنظرة مليانة إصرار، راحت ناحية شباك صغير جداً في الحمام الملحق بالأوضة، ورمت الحبوب كلها، وفضت الحقنة في الأرض.
رجعت وقعدت قدامه على ركبها، وقالت بصوت حنون:
"من النهاردة، مفيش سم هيدخل جسمك تاني. حتى لو التمن حياتي، أنا مش هسيبهم يدمروك."
مسكت طبق الأكل، وكان عبارة عن شوية رز وقطعة لحمة صغيرة. لأن إيديه كانت لسه مقيدة جزئياً ومجر*وحة، أخدت المعلقة وقربتها من شفايفه.
جاسر بصلها... بص لوشها الشاحب، وعينيها اللي دبلت من قلة النوم والخوف، وشفايفها اللي بتترعش من شده الجوع.
بدل ما يفتح بوقه عشان ياكل، رفع إيده السليمة ببطء شديد، وبحركة مليانة رقة متتناسبش مع ضخامته، مسك إيدها اللي ماسكة المعلقة، ووجهها ناحية بوقها هي.
بقلم.. نور محمد
حور اتفاجئت، حاولت تقاوم بضعف وتقوله: "لا، أنت لازم تاكل عشان تسترد صحتك، أنت ضعيف جداً."
لكنه هز راسه بالرفض القاطع، وعقد حواجبه بتصميم، وخرج صوته المبحوح، الضعيف، وكأنه بيحفر في الصخر عشان ينطق:
"كُـ... كُـلـي... إنـ... إنتي."
الدموع اتجمعت في عينين حور. إزاي راجل في حالته دي، متبهدل، جعان، ومسجون، بيفضلها على نفسه؟ إزاي الوحش اللي رعبوها منه، يملك قلب أحن من كل البشر اللي بره الباب ده؟
نزلت دمعة سخنة من عينيها على إيده اللي ماسكة إيدها. جاسر شاف الدمعة دي، وكأنها نزلت على قلبه حرقته. مد صباعه الخشن، ومسح دمعتها برفق شديد، وبص في عينيها بنظرة اخترقت روحها.
نظرة بتقولها: "طول ما أنا بتنفس، مفيش دمعة هتنزل من عينيكي من الجوع أو الخوف".
أكلت حور معلقة واحدة بس عشان ترضيه، وبعدين أصرت إنه ياكل الباقي. كان بياكل من إيدها وكأنه بياكل لأول مرة في حياته، كل نظرة منه كانت مليانة امتنان بيكسر القلب.
لما الليل دخل، الأوضة بقت تلج. الجدران كانت بتسحب أي دفا. حور لفت نفسها دراعاتها وبدأت تترعش بعنف، أسنانها بتخبط في بعضها ومحاولة تكتم صوتها عشان متقلقوش.
الروایه حصریه علی صفحه روایات نور محمد
جاسر كان ملاحظ. السلاسل اللي في رجله وإيده كانت بتمنعه يتحرك بحرية في الأوضة، بس هو مكنش هيسيبها تبرد.
شد البطانية الثقيلة اللي على سريره، ورماها على الأرض. وبحركة مفاجئة، شد السلسلة اللي في إيده اليمين بكل قوته، عروق رقبته برزت، وصرخ صرخة مكتومة من الألم لحد ما المسمار اللي مثبت السلسلة في الحيطة اتخلخل شوية، بس مقدرش يفكه كله.
ومع ذلك، المساحة اللي كسبها كانت كافية.
مد إيده، وسحب حور من دراعها بخفة، ودخلها جوه المساحة بتاعته.
لف البطانية حواليها كويس جداً، وبدل ما ينام هو عليها، قعد وسند ضهره على الحيطة، وشدها خلاها تسند راسها على صدره العريض.
حور اتصلبت في الأول، بس الحرارة اللي طالعة من جسمه، ودقات قلبه المنتظمة اللي كانت سامعاها تحت ودنها مباشرة، عطوها إحساس بأمان عمري ما حسته في حضن أبوها نفسه.
رفع إيده، وحوطها بيها، كأنه بيخبيها من الدنيا كلها جوه ضلوعه.
وفي وسط السكون والضلمة، همست حور ودموعها بتبلل قميصه:
"أنت مش وحش يا جاسر... أنت أجمل وأحن إنسان أنا شوفته في حياتي."
شد على حضنها أكتر، وغمض عينيه، ولأول مرة من سنين... نام جاسر وهو حاسس باراحه كبيره اوي..
مرت ثلاثة أيام.. ثلاثة أيام كانت كفيلة إنها تحول الأوضة لساحة معركة حقيقية، مش معركة بالأسلحة، لكن معركة بين جسم "جاسر" والسم اللي بيجري في د*مه.
لما حور منعت عنه المهدئات وأدوية الهلوسة، بدأ جسمه يطالب بيها بشراسة. أعراض الانسحاب بدأت تظهر عليه بكل قسوة. حرارته ارتفعت جداً، جسمه الضخم كان بيتنفض ويرتعش كأنه في التلج رغم إن الأوضة كانت دافية، العرق كان بيغرق ملامحه، وصوت أنينه المكتوم كان بيقطع قلب حور.
في الليلة الرابعة، كانت أسوأ ليلة.
جاسر كان في حالة شبه هذيان، السلاسل كانت بتجرح إيديه ورجليه من كتر ما كان بيتحرك بعنف غصب عنه بسبب الألم اللي بيمزق عضلاته.
فتح عينيه اللي كانت حمرا ومغطاها ضباب الوجع، وبص لحور اللي كانت قاعدة جنبه بتعمله كمادات بمية باردة من الحمام الصغير.
ملامحه اتشنجت، وبمجهود خرافي عشان يسيطر على نفسه، زق إيدها بضعف وقال بصوت متقطع، بيحاول يطلع الكلمات من بين سنانه اللي بتخبط في بعضها:
"ابعدي... ابـ.. ابعدي عني يا حور... مش قادر أسيطر... هأذيكي... ابعدي للاخر!"
كان خايف عليها من نفسه. خايف في لحظة غياب وعي يضربها أو يخوفها.
لكن حور، البنت الرقيقة اللي كانت بترتعش من مجرد صوته من كام يوم، مسحت دموعها اللي نزلت على خدها، وقربت منه أكتر. مسكت وشه بين إيديها الصغيرتين، وبصت في عينيه الزايغة وقالت بنبرة فيها قوة غريبة:
"مش هبعد... لو هتموتني مش هسيبك لوحدك في الوجع ده. أنت أقوى من السم ده يا جاسر.. طلعوا بره جسمك.. أنا معاك وسنداك."
ألم الانسحاب وصل لذروته، جاسر صرخ صرخة مكتومة وهو بيعض على شفايفه لحد ما نزفت عشان ميطلعش صوت والحراس بره يسمعوه.
حور مقدرتش تتحمل تشوفه بيتألم كده. رمت قماشة الكمادات، ورمت نفسها في حضنه. لفت دراعاتها الصغيرين حوالين رقبته، ودفنت وشها في صدره العريض اللي كان بيطلع وينزل بعنف، وفضلت تقرأ قرآن بصوت واطي وحنين جنب ودنه، وتمسح على شعره المبلول بالعرق.
عناقها ليه كان زي السحر. دفئها، ريحتها الهادية، وصوتها اللي مليان يقين، كانوا بمثابة طوق النجاة لعقله اللي كان بيغرق في الهلوسة.
جاسر غمض عينيه بقوة، ولف دراعه السليم حواليها، ومسك في هدومها كأنها الحبل اللي بيربطه بالدنيا.
فضل جسده يتنفض من اثر النوبه لساعات، وهي ثابتة، مبتبعدش، مابتشتكيش من ضغطة إيده القوية اللي كانت بتوجعها من غير ما يقصد، لحد ما الإرهاق غلبهم هما الاتنين، والوجع بدأ ينسحب ببطء.
مع خيوط الفجر الأولى، هدوء غريب سطر على الأوضة.
حرارة جاسر نزلت، تنفسه بقى هادي وطبيعي لأول مرة من شهور. حور كانت لسه نايمة في حضنه، راسها على صدره، وإيدها ماسكة في قميصه.
جاسر فتح عينيه.
المرة دي... مكنش في ضباب. مكنش في حمار أو غضب أعمى.
عينيه كانت صافية، حادة زي الصقر، وبتلمع بذكاء ووعي كامل. السم خرج من جسمه، وعقل "جاسر الألفي" - كبير العيلة ورجل الأعمال المرعب - رجعله بكامل قوته.
بص للسقف ثواني وهو بيستوعب اللي حصل. افتكر كل حاجة... خيانة أخوه، الحقن اللي كانت بتغيبه، السلاسل، العذاب... وافتكر "هي".
نزل عينيه ببطء وبص للملاك اللي نايم في حضنه. شاف الكدمات اللي على إيديها بسببه، وشاف الإرهاق اللي طفى ملامحها الطفولية. حور ضحت بروحها عشان ترجعه لوعيه، وقفت قدام الموت عشان تحميه.
رفع إيده، وبكل رقة الدنيا، أبعد خصلة شعر نزلت على وشها. اللمسة خلتها تفتح عينيها ببطء.
حور رفعت راسها، وبصتله. اتصمرت في مكانها.
النظرة اختلفت تماماً. ده مش الراجل المكسور أو الوحش الغاضب.. ده راجل عاقل، هيبته تملى المكان حتى وهو مقيد.
بلعت ريقها وسألته بصوت واطي ومرتعش: "جاسر..؟ أنت حاسس بإيه؟"
ابتسم. لأول مرة حور تشوف ابتسامته الحقيقية. ابتسامة رجولية، واثقة، ومريحة جداً.
اتعدل في قعدته بصعوبة، وسند ضهره، وبعدين مد إيده ومسك إيدها الصغيره، وباسها بحنيه، قبل ما يبصلها ويتكلم.
صوته المرة دي مكنش مبحوح ولا مكسر. صوته خرج عميق، قوي، وفيه هيبة ترعب وتطمن في نفس الوقت:
"أنا رجعت يا حور... جاسر الألفي رجع."
سكت لحظة وهو بيبص للسلاسل اللي في إيديه، وبعدين بص لعينين حور اللي مليانة دموع الفرحة، وقال بنبرة خليت قلبها يدق بعنف:
"أنتي دخلتي الأوضة دي ممرضة ضعيفة بيرموها للموت... بس قسماً بعزة جلال الله، لتخرجي من الباب ده وسيد عيلة الألفي كلها في ضهرك. السلاسل دي هتتفك، واللي قفل علينا الباب ده، أنا هخليه يتمنى الموت وميطولوش... بس الأول، لازم نلعب معاهم نفس اللعبة، لحد ما يجي وقت الحساب."
یتبع... نور محمد
