اخر الروايات

رواية اسيرة الغريم الفصل الثالث 3 بقلم ولاء رفعت علي

رواية اسيرة الغريم الفصل الثالث 3 بقلم ولاء رفعت علي



اندفعت تهبط درجات السلم مسرعة، وقد انعقد الخوف في صدرها عقدة خانقة،
لم تكن تركض عبثاً؛ بل كانت تهرب من احتمال مرعب، أن يصعد مؤمن فيري أو يسمع ما سمعته هي منذ لحظات، ولو حدث ذلك فالعواقب لن تكون هينة… بل أقل ما قد يفعله أن يتخلص من شقيقته ومعها شقيقها، ليُسدل الستار على تلك الفضيحة التي تتربص بالجميع في الأعلى.
بلغت باب المنزل، فوجدته مفتوح على مصراعيه، ومن داخله كانت الأغاني تصدح في الأرجاء، تختلط بنغمات الموسيقى وضجيج الضحكات، وقفت لحظة تستجمع أنفاسها، قبل أن يلمحها.
انتبه لها، فتقدم منها قليلاً، وانحنى برأسه نحو أذنها ليغلب صوته صخب الموسيقى، وسألها:
— كنتي فين؟
رمقته لثوان قصيرة، كأنها تزن الكلمات قبل أن تنطق بها، ثم أجابت بهدوء متصنع:
— خرجت أشم نفسي شوية… الشقة جوه زحمة أوي.
مد يده فأمسك يدها، ثم مال إلى أذنها مرة أخرى، متعمداً أن لا يسمع أحد سواها، وهمس بنبرة ماكرة:
— ما تيجي نطلع السطح فوق، نشم أنا وانتي أحلى هوا؟
وما إن نطق بكلمة السطح حتى اتسعت عيناها فجأة، كأن صاعقة أصابتها.
رمقته بنظرة امتعضت ظاهرها، غير أن الخوف كان يتوارى خلفها بوضوح، دفعت يده عن يدها، ثم لكزته في صدره وهي تقول بضيق:
— اتلم بقى… إنت ما بتزهقش؟!
اقترب منها أكثر، غير عابئ بامتعاضها، وقال بجرأة مازحًا:
— أزهق من إيه؟ هو أنا عملت حاجة لسه؟ ده انتي مطلعة عيني يا شيخة… بس هانت، كلها أيام ويتقفل علينا باب، وهوريكي الزهق على حق.
ثم غمز بعينه في خبث واضح، رفعت حاجبها تنظر إليه نظرة تجمع بين السخرية والضيق، لكن تعبير وجهها تبدل فجأة، إذ اتسعت عيناها فجأة، وحدقت خلفه بذعر مصطنع وهي تهتف:
— رضا!
التفت الأخر خلفه بفزع حقيقي، جال ببصره سريعاً فلم يجد أحد، وفي اللحظة التالية دوى ضحكها في المكان، ضحكة خفيفة مشاكسة كشفت حيلتها.
عاد يلتفت إليها، وعيناه تضيقان بوعيدٍ واضح:
— بتشتغليني يا نور!، طيب… مش هاسيبك غير لما آخد حق الخضة اللي قطعتلي الخلف.
وفي لحظة مباغتة، مد يده فأغلق باب الشقة من الخارج، ثم جذبها من خصرها حركة خاطفة، قبل أن يقودها إلى زاوية معتمة لا يصلها ضوء المصابيح.
لم يمهلها فرصة للاعتراض؛ إذ انقض على شفتيها بقبلة جامحة، أخذت تدفعه عنها بيديها، تحاول التخلص من قبضته، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة، وكأنه كالجبل؛ فأوهمته لوهلة أنها تبادله القبلة، حتى تمكنت من احتواء شفته السفلى بين أسنانها.
وفي اللحظة التالية…غرزت أسنانها فيها بقوة مفاجئة، انتفض عنها صارخاً، وقد انبلج الألم علي وجهه، بينما سالت الدماء بغزارة من شفته المجروحة.
أما هي فلم تنتظر ثانية واحدة؛ ركضت مبتعدة عنه كغزالة أفلتت من صيادها، وانطلقت نحو السلم تهبط درجاته مسرعة، قبل أن يتمكن من اللحاق بها.
وبينما كانت تختفي أسفل الدرج، كان صوته يلحقها بوعيد غاضب، بينما ضحكتها تتردد ساخرة في الأرجاء.
ظل واقفاً لحظة يضغط على فمه بيده، ثم التفت سريعاً وعاد إلى داخل الشقة، مكمم فاه حتى لا يلاحظ أحد ما حدث لشفته.
توجه مباشرة إلى الحمام، وفتح الصنبور، أخذ يغسل الدماء عن فمه محاولاً إيقاف النزيف. كان الألم ينبض في شفتيه كجمرة مشتعلة،
ظل يتأوه وهو ينظر إلى انعكاس وجهه في المرآة، ثم قال بين أسنانه بغيظ واضح:
— ماشي يا نور… أما وريتك، هتروحي مني فين.
لم يكد يفرغ من مداواة شفته ومحاولة إيقاف نزيفها حتى صدح هاتفه بصوت تنبيه يشق سكون الحمام، فانتبه له وهو ما يزال يضغط على شفته المتورمة.
مد يده ببطء إلى جيب بنطاله، وأخرج الهاتف وعيناه تضيقان بتوجس غامض.
فتح الشاشة، وما إن وقعت عيناه على اسم المرسلة حتى تبدل الألم في وجهه إلى غضب متأجج كانت الرسالة من تلك المرأة التي تدعي «نوءه»، وهو الاسم الذي اعتاد أن يدللها به في لحظات كان يتمنى الآن لو أنها لم تكن.
انزلق بصره على الكلمات، فبدت الحروف كأنها سياط تلهب أعصابه.
«خليك فاكر إنك قولتلي أسيبك يومين، والتالت هتنفذ اللي قولتلك عليه، يعتبر فات يوم، وفاضل بكرة إبقى اتهرب مني عشان أجيلك الحارة، ومش محتاج أقولك أنا هاعمل إيه… هخليك تعرف بنفسك وقتها… سلام يا أبو اللي في بطني»
ما إن فرغ من قراءة الرسالة حتى انقبض فكه بقسوة، وجز على أسنانه جز عنيف حتى اصطكت من شدة حنقه.
اشتعل الغضب في عينيه كجمرتين متقدتين، وارتفعت أنفاسه متلاحقة، أكبر ما يؤرقه ويثقل قلبه هو أن يُفتضح أمره أمام أسرته وعائلته، أن ينكشف المستور فجأة فتتهاوى صورته التي بناها أمامهم، لكن أكثر ما كان يبعث الرعب في نفسه… أن يصل ذلك الخبر إلى ابنة عمته تحديداً قبل حفل زفافهما.
❈-❈-❈
في قصر آل الشاذلي...
جلس صفوان على رأس الطاولة بقامته المهيبة وبدلته الأنيقة التي تُبرز هيبته السياسية، على يمينه جلست ناهد زوجة عمه بابتسامتها الهادئة، بجانبها دارين التي كانت تحاول أن تبدو هادئة ومتماسكة وتدرك ما وراء هدوء ابن عمها، ليس بأي هدوء، فهو الذي يسبق العاصفة.
بينما يلي دراين فايا التي كانت تجلس في آخر الصف كأنها تحاول الاختباء من عيون الجميع، و خاصة زرقاويتين هذا الهشام، يحدق بها كل حين و آخر، وجواره زوجته أسما تنظر لوالدتها وكأنهما يتبادلان الحديث بالعيون.
كان الجو هادئًا ظاهريًا، لكن نظرات صفوان إلى دارين كانت تُطلق سهام من الوعيد كلما التقت عيناه بعينيها، فهو ينتظر بانتهاء هذا العشاء كي يُفرغ ما في صدره من غضب مكبوت، بعد أن علم بذكائه الحاد وبطريقته الخاصة أن حوار المذيعة «لي لي الشامي» معه والصحفيين الذين التفوا حوله في الصباح كانوا جميعًا من مكائد ابنة عمه، حيث اتفقت معهم علي أن يقوموا باحراجه أمام الرأي العام كونه نائب في البرلمان.
و إذا يقطع هشام هذا الصمت بصوته الجهوري المرح، ثغره متسع بسعادة بالغة وهو ينظر إلى أخيه:
–عجبتني أوي يا صفوان في حوارك مع لي لي الشامي، حاولت تحرجك على الهوا فعرفت تلفها بالكلام وتديها من تحت لتحت بتهيئلي هاتحرم تستضيفك تاني.
ابتسامة باردة انبلجت علي ثغر شقيقه، لكنه لم يرفع عينيه عن طبقه مباشرة؛ بل كان يرمي كلماته بطريقة مدروسة، موجهًا سهامه الخفية نحو ابنة عمه التي كانت تتظاهر بعدم الاكتراث، وتحرك الطعام في طبقها بلا شهية:
–أصل هي واللي زيها فاكرين نفسهم أذكياء، ما يعرفوش إن أنا عارف هم بيفكروا في إيه قبل ما يتكلموا وإيه اللي بيدبروه من ورايا.
و تلك المقصودة تسمع كلماته وتحاول أن تبدو غير معنية بالحديث، كأن حديث طليقها يمر عليها مرور الكرام، لكن وجهها الشاحب كان يكشف عن توترها الداخلي، فهي تدرك جيدًا أن الليلة لم تمر بسلام عليها!
وبالعودة إلي فايا، فكانت في عالم آخر، شاردة تمامًا في طبقها، تحرك الشوكة في الأرز ببطء وتتظاهر بالأكل، بينما قلبها يخفق بقوة.
تخشى أن ترفع عينيها وتلتقي بنظراته الغريبة التي كانت تُلقى عليها كل حين، نظرات تحمل ذكرى الصباح حين دخل عليها فجأة ورآها تحتضن قميصه بكل ما فيها من شوق محرم.
تلك النظرات تُعيد إليها المشهد بكل تفاصيله، فتزداد وجلًا وتوتر.
و إذا بها فجأة انتبهت إلى صوته يناديها بهدوء:
–فايا ممكن تناوليني المية اللي عندك.
رفعت عينيها عن الطبق ونظرت إليه لثوان قليلة، وكأنها لم تسمع ما قاله لها، فأشار لها بعينيه نحو الإبريق الزجاجي الذي كان بجانبها.
مدت يدها بسرعة، أمسكت الإبريق ومدته إليه، وهي تتفادى النظر في عينيه تمامًا، خوفًا من أن يقرأ ما يدور بداخلها، فكيف لا يقرأها وهي كالكتاب المفتوح أمامه!
لم تستطع أن تتحمل التوتر أكثر من ذلك، قامت فجأة من مقعدها، وقالت بصوت هادئ تحاول أن تجعله طبيعي:
–عن إذنكم طالعة أنام.
علي الفور نظرت والدتها إلى أسما نظرة سريعة، وأشارت إليها بعينيها نحوها.
نهضت شقيقتها وقالت بصوت دافئ:
–استني يا فايا عايزة أتكلم معاكي شوية.
ارتجفت من طلب شقيقتها، وكانت أول حركة لها أن نظرت إلى هشام بنظرة مذعورة.
لاحظت والدتها تلك النظرة الخاطفة، لكنها لم تنطق أو تعلق، بينما هي استدارت بعد ثوان نحو شقيقتها التي تابعت بابتسامة هادئة:
–مالك مخضوضة ليه؟، بقالنا كتير ما رغيناش مع بعض، تعالي نقعد في الجنينة شوية.
رسمت فايا على وجهها طيف ابتسامة تخفي خلفها حالة من التوتر الغادق، وقالت بصوت هادئ:
–تمام، يلا.
و هنا دارين كانت على وشك أن تقوم هي الأخرى، لتلحق بهم هربًا من الذي ينتظرها، نهضت قليلاً وقالت:
–استنوا خدوني معاكم.
لكن قبل أن تكمل حركتها، قبض صفوان بيده القوية على رسغها، التفتت إليه مذعورة، وعيناها تسألان بصمت.
وقبل أن تنطق كلمة واحدة، قام وأمرها بصوت يبدو إنه هادئ لكن الهدوء القاتل، أمر حازم لا يقبل الجدل:
–قدامي على المكتب.
وقبل أن تنفذ أمره ألقت نظرة علي الجالسين لاسيما والدتها التي حدقتها بابتسامة ساخرة وشامتة لأنها كم حذرتها أن لا تعترض طريق ابن عمها بالمكائد، والأخرى لم تكترث لأي نصيحة بل تفعل النقيض لتثير جنون هذا الوحش الكامن الذي سحبها مرة واحدة خلفه.
❈-❈-❈
دخل المكتب بخطوات ثقيلة هادئة، يجرها من رسغها بقبضة حديدية لا تؤذي لكنها لا تسمح لها بالفرار.
أغلق الباب خلفهما بدفعة واحدة حاسمة من قدمه، فدوى الصوت في الغرفة كإعلان بدء معركة لن تنتهي علي خير!
الغرفة شبه مظلمة، مضاءة فقط بضوء مصباح مكتبي أصفر خافت، انعكاسه علي وجهه اعطاه هيئة دبت الرعب في أوصالها ، تملأ الغرفة رائحة الخشب القديم والسيجار الباردة تخالطها رائحة عطره القوي الذي كان يملأ المكان.
دفعها بلطف قاس نحو منتصف الغرفة، ثم وقف أمامها، يحجب عنها الضوء بقامته الطويلة، رفع ذقنه قليلاً ونظر إليها بنظرة باردة تخفي تحتها بركان من الغضب المكبوت.
–سؤال واحد وعايز اعرف إجابته... إيه اللي مخليكي تستهتري بيا للدرجة دي؟
نظرت إليه بتحدٍ واضح، رغم أن قلبها كان يخفق بقوة، فأجابت بإنكار:
–أنا معرفش أنت بتتكلم عن إيه.
انبلجت علي شفتيه ابتسامة ساخرة مليئة بالتهكم، تعلم ما يليها جيداً من بركان علي وشك الإنفجار، فها هو اندفع نحوها ليقبض علي ذراعها فجأة، لكنها تحركت اسرع منه، تراجعت خطوة إلى الخلف.
جز علي أسنانه ويبدو إنه يقاوم شياطنيه:
–ما تعرفيش أنا بتكلم عن إيه!، هاعتبرك غبية و ما بتفهميش وهاقولك، بالنسبة للي لي الشامي اللي طلعت يا سبحان الله بنت خالة صاحبتك نانسي، و لا الصحفيين اللي روحتي دفعتيلهم عشان أول ما يشوفوني يتلموا عليا ويسألوني الأسئلة السخيفة بتاعتهم و اللي هي يا سبحان الله برضه كلها عنك و عن طلاقنا و إزاي عايشين مع بعض في بيت واحد و إحنا مطلقين!
اقترب منها خطوة أخرى، صوته منخفض لكنه حاد كالسكين:
–أنا عارف كل حاجة، عارف كل خطوة بتعمليها سواء قدامي أو من ورايا.
رفعت ذقنها بكبرياء، عيناها تلمعان بغضب قديم متجدد:
–ولو نفترض أنا عملت كل اللي بتقوله، إنت مالك؟!، أنا حرة أعمل اللي أنا عايزاه. وأنت كمان عملت اللي إنت عايزه، كفاية خربت ليا حياتي، فما تزعلش من أي حاجة اعملها، ده مجرد رد فعل يا سيادة النائب مش أكتر.
ضحك ضحكة قصيرة جافة، ثم مال بجسده نحوها حتى أصبح وجهه على بعد سنتيمترات قليلة من وجهها، أنفاسه الساخنة تلامس بشرتها، يعقب علي قولها: –رد فعل؟، ده اسمه عندي انتقام رخيص، أنتي للأسف مش قادرة تفهمي إني أنا أقدر أدمرك في ثانية لو حبيت، بس أنا سايبك بمزاجي، مستني أشوف لحد فين هتوصلي بغبائك اللي هايوقعك في مرة، وساعتها يبقي ماتلوميش غير نفسك.
ارتجفت رغماً عنها، لكنها لم تتراجع، نظرت مباشرة في عينيه الحادتين، يشبهان البحر في تدرج ألوانه و هيبته المخيفة، ابتلعت ريقها واخبرته بقوة واهية:
–أنا مش خايفة منك، و لو علي تهديدك أنت فعلاً دمرتني من يوم طلاقنا.
ابتلعت ريقها مرة أخرى قبل أن تتجرأ وتردف قولها الذي لا يهاب و لا يعرف الخوف:
–يعني اللي عندك اعمله.
في لحظة، أمسك ذراعيها بكلتا يديه وجذبها إليه بعنف حتى التصق جسدها بجسده، همس بصوت أجش جوار أذنها:
–شكلك نسيتي من هو صفوان الشاذلي، بس تصدقي بالرغم كنت ناوي اعلمك الأدب، بس صعبتي عليا، كفاية حاكم عليكي لا تطولي سما و لا أرض، وهاتفضلي عايشة كده طول عمرك، تشوفيني كل يوم في وشك، عايشة معايا تحت سقف واحد، زي العطشان و متكتف ايدين و رجلين قدام نهر، تخيلي إحساسه يبقي إيه، أهو أنتي كده بالظبط، يا حرام، صعبتي عليا أوي.
و هنا القوة الظاهرة لديها، تبددت عقب رصاص كلماته، حيث شعرت بدموع الغضب تترقرق في عينيها، لكنها عضت على شفتها السفلى بقوة كي لا تسقط أمامه، حاولت أن تدفع صدره بيدها، لكنه لم يتحرك قيد أنملة.
خرج صوتها بصعوبة من غصة خانقة تقف في حلقها:
–سيبني يا صفوان.
–كلامي وجعك؟
همس وهو يبتسم بتشفي، ثم أردف: –بلاش تقفي قصادي تاني، لأنك هاتكوني الخسرانة.
تركها فجأة، فترنحت قليلاً وهي تحاول استعادة توازنها.
استدار نحو مكتبه، أشعل سيجاره الكوبي بهدوء، وألقى نظرة أخيرة عليها من فوق كتفه:
–اتفضلي روحي شوفي أنتي رايحة فين، و ابقي فكري كويس قبل ما تعملي أي حركة غبية تاني، عشان المرة الجاية مش هكون لطيف معاكي كده.
خرجت من غرفة المكتب وهي تكاد تنفجر من فرط الغضب والقهر معاً، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وجهها محتقن بالدماء من شدة الغضب المكبوت الذي يغلي في عروقها، عيناها تلمعان بدموع الغضب والإهانة التي تكتمها بصعوبة، وكأن كل كلمة قالها صفوان قد انغرست في صدرها كسكين حاد.
لم تكد تخطو خطوتين في الممر المضيء بإضاءة خافتة حتى اصطدمت وجهًا لوجه مع الخادمة الشابة، التي كانت تحمل بين يديها صينية فضية يعلوها زوج من فناجين القهوة ، متجهة إلى غرفة المكتب.
توقفت الخادمة علي الفور وابتسمت ابتسامة مهذبة وقالت بخوفٍ وأدب:
–مساء الخير يا ست دارين، أنا جايبلكم القهوة لحضرتك و لصفوان....
لم تكمل الخادمة جملتها، في لحظة انفجار، امتلأت عينا الأخرى بنار الغضب الجامح، رفعت يدها بسرعة هستيرية وصفعت الصينية بكل ما تحتويه من يد الخادمة بقوة وقهر صارخة:
–غوري من وشي!
❈-❈-❈
جلست الشقيقتان على مقعد خشبي مزخرف بجانب نافورة صغيرة ، وبالرغم أن الهواء يحمل رائحة الورود والتراب الندي، لكن أجواء الحديث كانت أثقل من أن يخففها عبير الزهور.
بدأت أسما الحديث بهدوء، وتحدقها بابتسامة دافئة لكنها تحمل جدية واضحة:
–قوليلي يا فايا بما أنك في أخر سنة في الكلية، ناوية تعملي إيه بعد التخرج؟
نظرت الأخرى لها بعد أن زفرت بأريحية، وذلك بعد خوف وتوتر، فقد ظنت بأن هشام ربما اخبرها بما حدث صباحًا، فأجابت بثقة هادئة:
–أبيه صفوان قالي أول ما أخلص هيعيني Systems Analyst في قسم الـ IT في الشركة.
ابتسمت شقيقتها بسعادة وقالت بحماس:
–حلو أوي!، أنتي كده هتبقي تبع هشام، هو اللي ماسك حاليًا قسم الـ IT، يعني هو اللي هايبقي مديرك المباشر.
ارتجفت من المفاجأة، واتسعت عيناها بدهشة واضحة، قالت بسرعة وهي تحاول إخفاء توترها:
–مش هو المدير التنفيذي للشركة؟ ماله ومال الـ IT؟
ابتسمت الأخرى بهدوء وأجابت:
–ما هو ده تخصصه من البداية، وتخصص دراسته اللي هو نفس دراستك.
في تلك اللحظة، غابت فايا في ذكرياتها، تذكرت يوم نتيجة الثانوية الدولية، حين حصلت على مجموع يؤهلها لدخول كلية هندسة بتفوق، وبعد اجتيازها السنة الأولى بامتياز، اختارت التخصص في قسم البرمجة والنظم، تمامًا كما فعل هشام من قبل، شعرت بدقات قلبها تتسارع دون أن تدري.
انتبهت فجأة من شرودها حين سمعت صوت شقيقتها يسألها بلطف:
–مش ناوية تفكري في حاجة تاني؟
توترت وردت بسؤال دفاعي:
–حاجة زي إيه؟
ابتسمت الأخرى بمكر ثم اخبرتها بصراحتها المعتادة:
–بصي، أنتي عارفة أنا ماليش في اللف والدوران، من الآخر... ماما بتخطط إنها تجوزك لأكثم ابن عمتك.
نظرت إلى أختها بتعجب شديد، ثم بدأ التوتر يتحول إلى انفعال واضح، لم تشعر بنفسها وهي تنفعل:
–إزاي ماما تفكر في حاجة زي كده؟!، ومين قالها إني عايزة أتجوز!، وكمان بتختارلي على مزاجها من غير ما تسألني!، لسه بتتعامل معايا على إني فايا الطفلة الصغيرة؟!
تعجبت أسما من شدة انفعال شقيقتها، فأمسكت يدها برفق، وربتت عليها بحنان أخوي عميق:
–اهدي يا فايا، مالك اتعصبتي ليه؟، محدش يقدر يجبرك على أي حاجة أنتي مش عايزاها، و أنا مش هاسمح بكده، أنا في ضهرك.
شعور مفاجئ باغتها وجثم علي صدرها، وإذا بالدموع تتجمع في عينيها ، فهمست بصوت مختنق:
–محدش هيجبرني، بس أنا وأنتي عارفين ماما مش بترتاح غير لما بتنفذ اللي في دماغها.
حاولت أن تهدأ، ثم اردفت بصوت أكثر انكسار:
–وبعدين مش أكثم ده كان بيحبك يا أسما، وكان عايز يتجوزك قبل ما تتخطبي لأبيه هشام؟!
اضطربت الأخرى لحظات، ثم أجابت بهدوء محاولة إخفاء توترها:
–حصل... بس ده كان من 8 سنين، وأنا كان ردي وقتها إني باعتبره زي أخويا، وهو احترم اللي قولته.
رفعت شقيقتها حاجبيها بدهشة واضحة وسألتها:
–طب تقدري تقوليلي هو ليه ما اتجوزش لحد دلوقتي؟!
تجهم وجه أسما، فرفعت كتفيها بعدم معرفة متظاهرة:
–الله أعلم.
اقتربت الأخرى جوارها أكثر، ووجهت إليها الحقيقة التي تحاول شقيقتها تجاهلها:
–هو ما اتجوزش لحد دلوقتي عشان لسه بيحبك ومش قادر ولا هيقدر ينساكي، فياريت تقولي لماما تسيبني في حالي وتسيبني أخطط لحياتي من غير ما تدخل هي وتخربهالي... عن إذنك.
ألقت فايا كلماتها الأخيرة بحدة، ثم قامت بخطوات سريعة ومتعثرة، دخلت القصر وصعدت الدرج وكأن النار تحرق قدميها. عيناها مليئتان بالدموع الساخنة التي حالت بينها وبين الرؤية بوضوح، لم تكن تشعر بمن يتبعها كظلها.
وقبل أن تضع يدها على مقبض باب غرفتها، شعرت بيد قوية تمسك ذراعها بلطف حازم، فالتفتت بسرعة.
رفعت وجهها المبلل بالدموع لتجد هشام أمامها، ينظر إليها بنظرة قلق عميق واهتمام صادق.
–إيه اللي حصل؟
سألها بهمس خشن يحمل قلق حقيقي،
نظرت إليه بصمت مطبق، وهي تصرخ في داخلها، أنت السبب... لما فؤادي اختارك دون عن كل الرجال!، لماذا أنت؟!
حين لم ترد، أخرج محرمته الخاصة من جيبه، والتي كانت غارقة بعطره المميز الذي يعرفه قلبها جيدًا.
رفع يده بلطف ليجفف دموعها بحنان لم تتوقعه، تصلب جسدها كاملًا من فعلته، ومن نظرة الحزن الصادقة في عينيه الزرقاويتين كالمحيط الغامض والذي تخشي الغرق داخلهما.
هزت رأسها بالرفض، وأمسكت المحرمة من يده قائلة بنبرة رسمية باردة تحاول إخفاء اضطرابها:
–ميرسي يا أبيه... عن إذنك.
فتحت باب غرفتها بسرعة ودخلت، وهو لا يزال واقفًا في مكانه، عيناه لم تبرح وجهها حتى أغلقت الباب في وجهه بهدوء.
كان إغلاق هذا الباب ليس مجرد إغلاق لغرفة نومها فقط... بل كان محاولة يائسة لإغلاق باب آخر، باب يحمي قلبها من الوقوع في المحظور الذي يقترب منها أكثر فأكثر.
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي، كان يجلس خلف مكتبه العريض في مقر شركة العائلة، ذلك المكتب الذي يتوسط غرفة فسيحة يغمرها ضوء النهار المنساب من الجدار الزجاجي الكبير.
كانت الأوراق تتكدس أمامه، بينما راحت يده تتحرك ببطء، يدون اسمه أسفل كل ورقة تقدمها له المساعدة، توقيع بعد توقيع.
لم يرفع عينيه عن الأوراق وهو يقول بصوت هادئ جاف:
— ألغي أي مواعيد النهارده، وراجعي الإيميلات وابعتهالي على حسابي.
أومأت له المساعدة برأسها في امتثال مهذب، ثم ردت بنبرة رسمية:
— تمام يا صفوان بيه… عن إذن حضرتك.
أجابها مقتضباً دون أن يبدل من جلسته:
— اتفضلي.
انسحبت بهدوء، وما إن أُغلق الباب خلفها حتى أطلق زفرة طويلة مثقلة، ثم مال بظهره إلى الخلف ليستند إلى مسند المقعد الجلدي الوثير.
أغمض عينيه لحظة كأنه يجمع شتات أفكاره، قبل أن يمد يده إلى هاتفه الموضوع على المكتب.
ضغط زر الاتصال، وما إن جاءه الرد حتى قال بإيجاز:
— تعالى… عايزك.
لم تمض سوى ثوان معدودة حتى فُتح الباب، ودخل جسار بخطوات ثابتة، وقف أمام المكتب منتصب القامة، يومئ باحترام:
— تحت أمرك يا صفوان بيه.
نهض الأخر من خلف مكتبه ببطء مهيب، واتجه إلى صندوق خشبي فاخر موضوع على أحد الرفوف، الصندوق مزخرف بأحجار كريمة، فتحها وأخرج منها لفافة تبغ فاخرة، وقبل أن يمد يده إلى القداحة، سبقه جسار إليها بالقداحة خاصته واشعلها.
وضع صفوان السيجار بين شفتيه، وسحب نفس عميق، ثم أطلقه زفير كثيف من الدخان، أمره قائلًا:
— اعمل حسابك… ساعة وهنمشي، ولما نروح، ابقي جهز نفسك عشان هنحضر فرح عمرو.
ارتسم الضيق واضحاً على ملامح الأخر، ذلك الضيق الذي لم يغب عن عيني صفوان الثاقبتين.
حدجه بنظرة حادة تحمل تحذير خفي، ثم قال بنبرة أكثر صرامة:
— لآخر مرة هحذرك يا جسار.
التقط نفس آخر من السيجار وأكمل حديثه:
— أنا عارف سبب اعتراضك إن الفرح هيكون في حارة، ومتفهم مدى خوفك إنه ممكن يحصل حاجة… بس بتهيألي التأمين ده مهمتك، يعني المفروض كنت اخدت الرجالة من بدري وروحتوا تأمنوا المكان كويس.
أومأ الأخر برأسه آلياً، ثم قال بصوته الرجولي الأجش:
— كله تم يا باشا… الرجالة هناك من الصبح.
رمقه بنظرة تعجب ورضا، فاقترب منه وربت على كتفهﻧ:
— براڤو.
عاد ينفث الدخان في الهواء، ثم سأله وهو يراقب خيوطه الرمادية تتلاشى:
— لسه برضه معرفتش مين هي؟
توقف جسار لحظة يعيد السؤال في ذهنه ليفهم مقصده، ثم أجاب بعد تردد بسيط:
— للأسف معرفناش نوصل لها… وحضرتك شوفت تسجيلات الكاميرات اللي كانت في المكان يومها، جايباها من ضهرها، والكاميرا الوحيدة اللي جابتها من زاوية تانية مش واضح فيها وشها، لأنها كانت بالجنب.
تقدم الأخر نحو الحائط الزجاجي الكبير، ووقف أمامه يتأمل ناطحات السحاب، فقال بسخرية باردة:
— سنة بحالها بندور عليها ومقدرناش نوصل لها… دي لو كانت إبرة مرمية في محيط كنا عرفنا نوصلها.
قال حارسه بنبرة حذرة:
— معلش يا باشا… أنا مش بتدخل في أمور حضرتك الخاصة، لكن أنا شايف إن إحنا بنبذل مجهود في البحث على الفاضي، وكمان دي واحدة ما نعرفش عنها حاجة… يعني وارد جداً تبقى مرتبطة، مخطوبة، متجوزة، حضرتك فيه ألف واحدة غيرها حواليك مستنيين إشارة منك.
كان صفوان حتى تلك اللحظة، يستمتع بتأمل المشهد خارج النافذة، لكن كلمات حارسه الأخيرة كانت كفيلة بأن تنتزع منه هدوءه.
استدار إليه ببطء، والغضب يتوهج في عينيه، ثم اخبره بحدة واضحة:
—عارف يا جسار… أنا اللي مصبرني عليك لحد دلوقتي إنك الوحيد اللي بأمنه على نفسي وعلى عيلتي، وعارف إنك ممكن تفديني بروحك.
ارتسمت على ملامحزذلك الوجه الذي اعتاد الجمود والصرامة، شبه ابتسامة، وقال بصوت يحمل امتنان صادقاً:
— الله يخليك يا باشا… ده شرف ليا سيادتك.
بينما صفوان، فقد كظم ما تبقى في صدره من غيظ دفين، وحاول أن يضبط نبرته حتى لا تنفلت منها حدة الغضب. استدار قليلاً عن النافذة، وأخذ نفس بطيئ من السيجار قبل أن يتحدث بنبرة أكثر هدوء:
— المهم… عايزك تأكد على اللي مراقبين مدام دارين ياخدوا بالهم كويس.
ثم أضاف بصرامة وقد انعقدت حاجباه:
— مش عايز أتفاجئ زي المرة اللي فاتت بمصيبة، يعني لو راحت لأي ناحية نايت… أو أي مكان فيه رقص وخمرة، يمنعوها قبل ما رجليها تنزل من العربية.
أومأ الأخر برأسه في طاعة أقرب إلى العمياء، وقال دون تردد:
— اعتبره حصل يا باشا.
رمقه لحظة بنظرة متفحصة، ثم أعاد السيجار إلى شفتيه، قبل أن يقول بنبرة مقتضبة:
— تقدر تتفضل… ولو في أي حاجة حصلت، تبلغني فوراً.
اعتدل في وقفته أكثر، ثم قال باحترام واضح:
— تحت أمرك يا صفوان بيه.
❈-❈-❈
تقف في المطبخ أمام الحوض، تجلو الصحون ، بينما يغلي رأسها من الألم، حيث تشعر بصداع ثقيل يطرق جمجمتها كالمطارق، و ذلك كلما تذكرت ما رأته وسمعته بين شقيقها وابنة خالها، كاد عقلها يجن من فرط الغضب والاشمئزاز.
لم تكن تلك المشاهد مما يمكن السكوت عليه؛ فالأمر بالنسبة لها لم يعد مجرد خطأ عابر، بل فجور فج لا يحتمل الصمت. وبينما كانت تغمس الصحن في الماء وتفركه بعصبية، انبعث في الأرجاء صرير باب الشقة وهو يُفتح ببطء.
توقفت يدها لحظة، وأرهفت سمعها،
لم تمض ثوان حتى انطلق صوت التحية الرجولي من الصالة، فعرفت من فوره أي من شقيقيها قد عاد.
عندها ألقت ما في يدها في الحوض بإهمال، وغسلت كفيها سريعاً تحت ماء الصنبور، ثم أغلقته على عجل.
خرجت من المطبخ بخطوات حازمة، لتجده ممدداً على الأريكة في استرخاء بارد، وقفت أمامه مباشرة، وضعت يديها على جانبي خصرها، ورمقته بنظرة ملأها الاحتقار والغضب.
ردت تحيته بنبرة ينضح منها التهكم:
— وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… يا حضرة البيه الحرامي والخاين والقذر.
لم تمر كلماتها مرور عابر عليه، فقد وثب من مكانه في لحظة، واندفع نحوها كالعاصفة، قابضاً على ذراعها بعنف حتى غرزت أنامله وأظافره في لحم عضدها، وصاح بها:
— مين ده اللي بتشتميه يا بنت الـ…؟!
لكن الألم لم يرهبها، ولم تتراجع خطوة، رفعت رأسها متحدية، وقالت بوجه مكشوف:
— أنت الحرامي اللي بيستحل تعبي وشقايا ويروح يشتري بيه الكيف بتاعه، وأنت الخاين لابن عمك، وخاين لابن خالك اللي ما يعرفوش حاجة عنك أنت والسافلة القذرة اللي المفروض فرحها النهارده، ونازلين أنت وهي أحضان وبوس في بعض.
كأن تيار كهربائي صعقه فجأة؛ فقد دفع ذراعها بعيداً عنه في ذهول، واتسعت عيناه بينما تكسو الصدمة ملامحه:
— أنتي… أنتي عرفتي منين؟ ولا شوفتي…
قاطعته فوراً، وقد اشتعل صوتها:
— أيوه، شوفتكم فوق السطح امبارح، وسمعت كل حاجة، وعلى فكرة كنت شاكة فيكم من زمان، كان بيظهر قدامي حاجات… بس أنا ما بحبش سوء الظن، وقلت يمكن تهيؤات يا بت يا نور، مش معقولة، أخوكي حرامي آه… بس مش هتوصل بيه الوساخة إنه يمشي مع بنت خاله المخطوبة، لا وكمان ياريت اللي بينكم مجرد كلام… ده أنتم عديتوا ليفل الفُجر بمراحل كتير أوي.
ابتلع ريقه بصعوبة، بينما أخذ وسواس شيطانه يهمس في رأسه بقلق محموم، حدقها بنظرة تنضج شر، فسألها بحدة:
— أنتي قولتي لحد؟، قولتي لمؤمن؟
انفجرت ضاحكة بسخرية لاذعة:
— ولو أنا قولت لمؤمن كان زمانك واقف بتزغر لي بعينيك كده؟!، ده لولا إني سمعته امبارح وهو طالع ونزلت له، كان زمانه هو اللي مكاني وشافكم، أقل حاجة كان هيطيركم من فوق السطح أنت وهي.
تنفس الصعداء أخيراً، كأن صخرة هوت عن صدره، فهو يعرف قلب شقيقته جيداً؛ مهما بلغ غضبها من أفعاله، لم تؤذه يوماً. جلس على الأريكة وقد خارت قواه، ومد يده يمسك بكفها متوسلاً:
— نور… أختي وحبيبتي، أنا عارف إن من حقك تكرهيني على كل اللي عملته معاكي، وعارف إني حرامي وندل، وياما جيت عليكي، بس عشان خاطري، بحلفك بالله، أوعي اللي سمعتيه أو شوفتيه تقوليه لأي مخلوق، وأنا هافهمك الموضوع، الحكاية أصلاً لا بإيدي ولا بإيدها، وإنتي كنتس عارفة بعلاقة حبنا أنا وهي قبل ما تتخطب لعمرو.
زفرت شقيقته باحتقار واضح وقالت:
— وأنا برضه الوحيدة اللي كنت عارفة، بس لما سألتك وقتها آخر علاقتكم إيه، قولتلي آخرتها حلال يا نور، وسنة تجر التانية في التالتة… فضلتوا أربع سنين، ولما لاقيت مؤمن جه قال لي إن عمرو ومرات عمي راحوا طلبوا إيدها، جيت سألتك… قولتلي خلاص، كل حاجة خلصت ما بينكم عشان مش جاهز للجواز.
هزت رأسها بمرارة وأكملت:
— حتى أنا استغربت، لأن السافلة دي عارفة إنها بتموت فيك… مش عارفة على إيه والله، بس احترمتك وقتها لما لاقيتك انسحبت بهدوء، وفهمت إن مؤمن ومرات خالي ضغطوا عليها عشان توافق، جيت تاني قولت لك يا سيد، عايزني أكلم مؤمن وأفهمه إنكم بتحبوا بعض ويديك فرصة تجهز حالك وتطلب إيدها، قولتلي أوعي تعملي كده!
صمتت للحظة ثم انفجرت قائلة:
—مكنتش أعرف إنكم بتشتغلوني وعايشين حياتكم بالطول والعرض!، ليه كده؟! أنت تقبلها عليّا؟
صاح فوراً بانفعال:
—لا طبعاً، ده أنا كنت أقتلك ولو أنا ما عملتهاش رضا كان هيعملها بدالي، أنا عارف فيّا كل العبر… بس أهل بيتي خط أحمر، وبعدين إحنا واثقين فيكي وعارفين إنك زي الألف.
رفعت حاجبها بدهشة وقالت بحدة:
— لأني بخاف ربنا… مش خايفة منكم، ولو عملت حاجة غلط في حق نفسي أنا اللي هشيل الطين فوق دماغي لآخر العمر، غير حساب الآخرة اللي ما بيفوتش هفوه.
زفر بضجر وقال متبرماً:
— خلاص بقى، هتقلبيها حصة دين ولا إيه؟!
ردت ببرود ساخر:
— يا سيد، أنت أصلاً الدين ما عداش عليك يا حبيبي، ده أنت لو إبليس عملك امتحان هتطلع من الأوائل عنده… وبتقدير امتياز كمان.
اشتعل غضبه وصاح بها:
— اتلمي يا نور أحسن لك، هو عشان ساكت لك هتسوقي فيها ولا إيه؟، فوقي لنفسك يا بت!
لكنها لم تتراجع، بل صاحت بصوت أعلى:
— أنت تخرس خالص، ليك عين وبتزعق لي وتهددني؟!، بص بقى يا ابن أمي وأبويا، عشان أبقى عملت اللي عليّا قدام ربنا، لو عرفت إنك لسه على تواصل مع البت دي، أقسم بالله لأبلغ أخوها… حتى لو هيموتها ويخلص عليك أنت كمان، عمرو ابن عمك ما يستاهلش منك كده، افتكر له حتى مواقف الجدعنة اللي عملها معاك… عمره ما اتأخر عليك في أي حاجة، وكلنا نشهد له بأخلاقه وشهامته.
كانت تتمنى أن توقظ كلماتها ضميره الغارق في سبات عميق، لكن نظراته اصبحت قاسية، فجأة قبض على شعرها بعنف وقال بتهديد:
—طب اسمعيني كويس بقى يا روح....
وقبل أن يكمل تهديده، دوى صوت غاضب من مدخل باب المنزل:
— إيه اللي بيحصل ده؟!
كان والدهما قد فتح الباب للتو، فترك شقيقها شعرها فوراً، واستدار مبتسماً ابتسامة زائفة وقال:
— مفيش يا حاج… كنا بنهزر مع بعض.
ثم رمق شقيقته بنظرة تجمع بين التوسل والتهديد، وقال:
— مش كده يا نور؟
لكن شقيقته لم تجبه، و رمقته بنظرة ازدراء أخيرة، ثم استدارت وتركتهما، متجهة إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها بعنف، وكأنها تغلق في وجه العالم كله.
جلست على سريرها وقد أثقل قلبها الاشمئزاز والمرارة، كم كرهت العيش في هذا المستنقع الذي يحيط بها من كل جانب.
غير أنها حاولت أن تهون على نفسها، مرددة في أعماقها أن الأمر لن يدوم طويلاً… فليست إلا أيام قليلة، وستغادر هذا البيت كله إلى عشها الزوجي، تاركة خلفها كل هذا العفن الذي أنهك روحها.
❈-❈-❈
اندفع هشام إلى مكتب شقيقه كعادته، من غير استئذان، يفتح الباب بجرأة اعتادها بينهما، دخل مبتسماً وعلى شفتيه تلك الخفة التي تسبق كلماته دائماً، قائلًا بمرح:
— قولت أجي أصبح أو أمسي عليك، وأشوفك ليه مشيت من بدري حتى ما قعدتش تفطر معانا.
كان الأخر واقفاً قرب مكتبه، وبين أصابعه بقايا السيجار يتلاشى دخانه ببطء، نظر إليه لحظة قبل أن يترك ما تبقى من السيجار في المطفأة الكريستالية الموضوعة فوق المكتب، ثم تنهد تنهيدة خافتة:
— صحيت من بدري… ومكنش ليا نفس أفطر.
حدقه شقيقه بنظرة متفحصة، كأنه يقرأ ما وراء الكلمات، ثم قال باستفهام مائل إلى اليقين:
— واضح دارين عكتها معاك المرة دي أوي.
ارتفع جانبفمهم في ابتسامة ساخرة خالية من المرح، قائلًا ببرود:
— وإيه الجديد!، ده العادي بتاعها، ما تبقاش دارين إلا لما تخرج أسوأ ما فيّا.
ضحك هشام ضحكة دوى صداها، تقدم وجلس على المقعد المقابل للمكتب، مستنداً إلى ظهره في استرخاء واضح، وقال:
—عشان بتحبك… ومش بتحبك وبس، دي مهوسة بيك.
تغيرت ملامح شقيقه قليلاً، وأجاب بنبرة جافة:
—واللي بيحب حد ومهوس بيه يوصلوا لمرحلة إنه يخليه مش طايق يبص في وشه؟!، عمرها ما احترمت كلمتي، كنت أقولها يمين تنفذها شمال… بتشوف إيه اللي يعصبني وتروح تعمله، ده غير حاجات كتير تانية أحب أحتفظ بيها لنفسي.
هز الأخر كتفيه واخبره:
— كل اللي قولته ده كان سهل يتصلح واحدة واحدة، وطالما بتحبك هتنفذ اللي تقوله ليها من غير جدال، هي كانت بتعاندك عشان عايزاك تهتم بيها… تحبها زي ما بتحبك، هي ما لقتش منك حب… لقت امتلاك وبس.
ساد صمت ثقيل للحظة، ثم نهض هشام من مقعده، ووقف في مواجهة شقيقه، عقد ساعديه أمام صدره وأكمل حديثه بنبرة مباشرة:
— من الآخر… أنت ما حبيتهاش، بدليل إنك ما صدقت تطلقها للمرة التالتة، وعارف إنها مش هينفع ترجعلك تاني إلا لو اتجوزت محلل، وأنا عارفك كويس… صفوان الشاذلي أكره ما عليه حد يلمس أي حاجة كانت خاصة بيه، حتى لو الحاجة دي ما عدتش تلزمه.
زفر الأخر بضجر واضح، وقد بدا أن هذا الحديث استنفذ صبره، أدار وجهه قليلاً كأنه يريد أن يطوي تلك الصفحة، ثم اتجه نحو مكتبه وجلس خلفه، وقال بنبرة تغير بها مجرى الكلام:
—في موضوع كنت عايز أبلغك بيه… وبنسي كل مرة.
ضحك شقيقه، وقال بلهجة مازحة لا تخلو من تهكم:
— توه، توه في الكلام، ماشي يا برنس، اتفضل قول… وأنا سامعك.
رمقه صفوان بنظرة متجهمة، فرفع الأخر كفيه مبتسمًا:
— خلاص يا باشا، أنا كنت بهزر.
اخبره بلهجة مقتضبة:
—فايا بنت عمك.
وما إن خرج الاسم من بين شفتيه حتى تلاشت الابتسامة من وجهه فجأة، انعقدت ملامحه وسأله بنبرة خافتة يخفي خلفها قلقه:
—مالها؟
أجاب شقيقه بهدوء:
—المفروض قدامها شهرين وتخلص الكلية، وأنا قولتلها مكانها موجود في قسم الـ IT، وبما إنك مدير القسم، فعايزك تجيبها تتدرب على الشغل الفترة دي في أيام إجازتها.
استمع إلى حديثه بصمت، بينما تحولت زرقتا عينيه من الفاتح إلى القاتم، نظرته تنضح بالغموض.
شرد بصره في الفراغ كأن ذهنه انزلق إلى مكان بعيد، ولم ينتبه إلا حين جاءه صوت صفوان يقول بحدة خفيفة:
— أنت معايا ولا سرحان في إيه بالظبط؟
انتبه فجأة، فأومأ برأسه وقال:
— معاك… تمام، أنا هابلغها لما نروح عشان تبقى عاملة حسابها.
اخبره شقيقه بنبرة تحمل شيئاً من التحذير:
— مش هوصيك عليها طبعاً.
لم يرد الأخر مباشرة نظر إلى الفراغ لحظة، وفي رأسه صورة لا تفارقه… يتذكرها وهي تحتضن قميصه بحميمية، فخياله انطلق إلي ما هو محظور، حيث تصور إنها تعانقه هو وليس القميص!
نظر إلي شقيقه وارتسمت على شفتيه ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ثم اخبره بعزم وثقة:
—ما تقلقش… هاخد بالي منها كويس.
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-