رواية اسيرة الغريم الفصل الرابع 4 بقلم ولاء رفعت علي
بعد حلول المساء...
في الجناح الخاص به وقف أمام المرآة الكبيرة، يطالع انعكاس صورته بنظرة ثابتة كأنما يزن بها وقاره وهيبته.
ألقى نظرة أخيرة على هندامه؛ بدلة سوداء قاتمة، وقميص أسود يزيد ملامحه صرامة ووقار، حتى بدا حوله هالة من الهيبة الطاغية.
وما إن همَّ بالخروج من غرفته حتى تزامنت خطاه مع انفتاح باب الغرفة المجاورة؛ حيث خرجت دارين في اللحظة نفسها، وكأن المصادفة أرادت أن تجمعهما في ذلك الرواق الهادئ.
كانت ترتدي ثوب أحمر قاتم يصل إلى أعلى الركبة، بلا أكمام، يبرز نعومة ذراعيها، ويبرز بداية نهديها بسخاء، تمسك بيدها حقيبة يد سوداء لامعة، تشبه في بريقها لون حذائها المخملي ذي الكعب المرتفع.
تسمر كلاهما في موضعه لحظة قصيرة، تبادلت فيها العيون حديث صامت.
حدقت هي إليه بانبهار واضح، يتلألأ في لمعان عينيها، بينما كانت عيناه تنضحان بغضب مكتوم، سرعان ما تسلل إلى نبرة صوته حين سألها بحدة:
— لابسة كده ورايحة على فين؟
رفعت حاجبها قليلًا، وردت بلهجة ساخرة لا تخلو من التحدي:
— وأنت لابس كده ومتشيك كأنك رايح تتجوز.
رمقها بنظرة مشتعلة بالغضب الكامن، وقال ببرود نافذ:
— انجزي وقولي يا دارين، وبطلي ملاوعة.
عقدت ساعديها أمام صدرها، وحركت مقلتيها بملل، ثم أخبرته ببرود لا يقل استفزازه لها:
— رايحة أسهر مع أصحابي… وابقى اسأل الكلاب اللي بتبعتهم عشان يدولك التقرير عني.
ألقى عليها نظرة فاحصة من أعلى إلى أسفل، عاقدًا ما بين حاجبيه في امتعاض صريح، ثم قال بصرامة:
— وإذا سمحتلك تخرجي أصلًا تسهري، فأنتي إزاي جه في دماغك إن أنا ممكن أخرجك بالمنظر ده؟!
اقتربت منه بخطوات بطيئة، رغم القلب المقهور الذي ما زال يضج بألم إهانته لها بالأمس.
مدت يدها تمسك بربطة عنقه بإغرا واضح، وهمست بنبرة ملأها التحدي:
— لسه بتغير عليا يا صفصف؟
نظرت إليه بعينين لامعتين طالما أسقطتا آلاف القلوب من حصونها؛ قلوب رجال أشد بأسً، غير أن الرجل الذي يقف أمامها لم يكن كغيرهم.
إنّه صفوان الشاذلي بجبروته الصلد، قلب لم يعرف الخفقان قط، ولم يهوَ سوى تلك المجهولة التي ما زال يبحث عنها دون كلل أو ملل.
تحرك فجأة، فاستند بكفيه إلى الجدار من جانبيها، محاصرًا إياها بين دفء أنفاسه وبرودة الحائط خلفها، اقترب منها قليلًا، ثم قال بصوت هادئ لا يليق إلا به:
— أنا بغير عليكي… وعلى أسما، وعلى فايا حتى مرات عمي، فياريت بكل أدب وهدوء، ومن غير أي مشاكل، تدخلي أوضتك تغيّري قميص النوم اللي أنتي مسمياه فستان، وتلبسي أي حاجة محترمة، ولو على السهر، عندك كل الرفاهيات في القصر.
تصاعدت أنفاسها، واشتعل الغضب في صدرها كجمر يتأجج، تحاول عبثًا أن تخفيه أمامه، غير أن احتدام فكيها، وبروز عروق عنقها، كانا كافيين ليخبراه أنها لولا هيبته التي تخشاها لانقضت عليه كهرة غاضبة بمخالبها.
بينما هو، فقد تابع حديثه بنبرة تنطوي على سلسلة من الإهانات المبطنة:
— لأن عيب… وما يصحش واحدة ليدي زيك تروح تسهر وتشرب وترقص، وتخلي أي كلب يتجرأ يبصلها أو يقرب منها، لاء… وكمان بترجعيلي على وش الفجر، عارفة اللي بتعمل كده بيتقال عليها إيه؟
هنا بلغ الغضب ذروته في صدرها؛ فألقت حقيبتها أرضًا ورفعت يديها بهجوم خاطف، غير أنه كان أسرع منها، قبض على معصميها بقوة، وأجبرها أن تستدير حتى صار ظهرها يلامس صدره، وما تزال يداه تقيدان حركتها.
مال نحو أذنها، وقال بصوت خافت يحمل تحذير صارم:
— اعقلي… بدل ما أحكم عليكي ما تخطيش خطوة واحدة برة أوضتك، وأظنك مجربة قبل كده.
ثم دفعها بخطوة حازمة نحو غرفتها المجاورة لجناحه، فتح الباب وأدخلها كما تُدفع طفلة مشاكسة لا تملك أمرها، ربت على خدها عدة مرات بقليل من العنف، وقال ببرود مخيف:
— اتقي شري يا دارين… عشان ما أوجعكيش، أنا لحد دلوقتي عامل حساب إنك بنت عمي، غير كده كان هيبقى ليا تصرف تاني.
واختتم تهديده بابتسامة صغيرة، تنضح منها نظرة تحذيرية قاسية، وقبل أن يغلق الباب خلفه، أطلقت العنان لغضبها الضاري، فارتفع صراخها في أرجاء القصر:
— أنا ما بخافش منك، طُز فيك... وطُز في تهديداتك... وهعمل اللي أنا عايزاه يا صفوان... وابقى احكم عليا براحتك... حتى لو هتحبسني، برضه هعمل اللي في دماغي... أنت مالكش حكم عليا… أنت مجرد طليقي.... سامعني؟... أنت طليقي.
لم تمضِ لحظات حتى خرج هشام من غرفته، وخلفه زوجته، ثم لحقت بهما السيدة ناهد، تتبعها فايا.
تجمعوا في الرواق الواسع، ليروا صفوان يخرج من غرفة دارين ويغلق الباب خلفه بهدوء غريب.
سأله شقيقه بقلق:
— إيه اللي بيحصل يا صفوان؟
رمقهم جميعًا بنظرة مقتضبة، ثم قال ببرود:
— مفيش حاجة.
ثم التفت إلى ناهد قائلًا بجدية:
— من فضلك يا مرات عمي، تدخلي تقعدي معاها، وما تخليهاش تخرج… وخليها تعقل.
أومأت برأسها، وقد بدا الضيق واضح على وجهها من تصرفات ابنتها، وقالت:
— ما تقلقش… أنا هادخل لها.
فأخبرهم وهو يستعد للمغادرة:
—و أنا مضطر أمشي… عن إذنكم.
ألقى كلماته وانصرف بخطوات ثابتة، وقبل أن تدخل ناهد إلى غرفة ابنتها، سارعت أسما بالحديث، فهي تعلم جيدًا أن والدتها قد تزيد الأمر سوءً بتوبيخها المعتاد لشقيقتها:
— اتفضلي يا ماما روحي استريحي في أوضتك، وأنا داخلة أتكلم معاها… أنا بعرف أتعامل معاها وبتتقبل مني النصيحة.
كانت نظرتها تحمل رجاء، فتنهدت والدتها قليلًا ثم قالت:
— اتفضلي… وياريت ما أسمعش صوتها العالي، أنا داخلة أنام.
تركتهم واتجهت إلى غرفتها، بينما دلفت أسما إلى غرفة شقيقتها، وهنا هشام ظل واقفًا في الرواق، إلى جواره فايا التي كانت تهمّ بالانسحاب نحو غرفتها، غير أن صوته أوقفها فجأة:
— استني عندك.
التفتت إليه، وقد تسارعت دقات قلبها، نظر إليها لحظة، ثم قال بهدوء:
— تعالي ننزل نقعد في الجاردن تحت… عايز أتكلم معاكي في موضوع.
تذكرت فجأة أنها ما تزال ترتدي ملابس النوم؛ قميص بنصف أكمام وبنطال حريري خفيف، وقد جمعت شعرها إلى أعلى بمشبك زينة.
فقالت على عجل:
— اتفضل روح… وأنا هادخل أغيّر هدومي وهاحصلك.
ألقى عليها نظرة سريعة متفحصة لهيئتها، أربكتها على الفور، وجعلت خلايا جسدها تنتفض بتوتر وخجل.
فما كان منها إلا أن أدارت وجهها سريعًا، وتركت المكان متجهة إلى غرفتها.
❈-❈-❈
الأضواء الملونة تتلألأ على امتداد الحارة، تتدلى من الأسلاك الممتدة بين الشرفات كعناقيد من نور متراقص، تتداخل ألوانها بين الأحمر والأزرق والأصفر، فتغمر المكان بهالة احتفالية صاخبة.
وعلى طول المداخل والمخارج وقف رجال الأمن والحراسة الذين أرسلهم جسار، ينتشرون بملابسهم الداكنة ونظراتهم اليقظة، كأنهم حائط صلب يحرس المكان، يراقبون الحركة بدقة ويؤمنون كل زاوية في الحارة.
في تلك الأثناء كانت الموسيقى تصدح من مكبرات الصوت المتناثرة في الأرجاء، تعلن ألحان الاستقبال عن وصول العروسين.
تعالت أصوات تنبيه السيارات، واختلطت بتهليل الشباب وضحكاتهم، وزغاريد النسوة والفتيات التي ارتفعت في الهواء كطلقات فرح متتابعة.
توقفت السيارة أخيرًا، فهبط منها عمرو وهو في أبهى حُلة رسمية، زادته أناقة فوق وسامته الرجولية.
غير أن التجهم كان يسود وجهه، ووجوم يخيم على ملامحه، فكأن البداية لا تبشر بخير.
مد يده نحو باب السيارة ليساعد عروسه على النزول، وما إن خرجت ريم حتى انجذبت إليها كل الأعين، لاسيما الفتيات والنسوة، فبدأت الهمهمات بينهن، بينما الرجال والشباب فحدث و لا حرج!
وفي اللحظة التي وقعت فيها عينا والدة عمرو عليها، شهقت شهقة مكتومة، ووضعت كفها على فمها وهي تتمتم بالدعاء أن تمر تلك الليلة على خير.
فحين ذهب عمرو ليأخذ ريم من مركز التجميل، تفاجأ بثوب زفافها الذي تعمدت أن يكون مفاجأة له.
الثوب بلا أكمام، مكشوف الكتفين والذراعين، حتى بدا جسدها مكشوف للناظرين، مستباح على المشاع، تتلقفه عيون رجال وشباب الحارة بفضول فاضح.
وفي زاوية قريبة، نور تقف إلى جوار نجلاء، تراقبان المشهد من بعيد، همست نجلاء بدهشة مستنكرة:
— هي بنت خالك اتجننت؟!، إيه اللي عملاه في نفسها ده؟ فاكرة إن فرحها في الشيراتون ولا إيه؟!
اكتفت نور بنظرة ساخرة ارتسمت على شفتيها، فهي لم تتفاجأ كما تفاجأ الآخرون؛ تعلم جيدًا أن من ههم علي شاكلة ريم لن يعرف الحياء ولا الخشية طريقًا إليهم.
وفجأة، شق مؤمن طريقه من بين الحضور بخطوات غاضبة، تقدم نحو شقيقته، ثم خلع سترة بدلته وألقاها فوق كتفيها قسرًا، وهو يوبخها بحدة:
— أقسم بالله لو كنت مع جوزك وهو بيجيبك من الكوافير، ما كنت خرجتك منه بالمنظر ده.
ثم رمق زوج شقيقته بنظرة مشتعلة وقال بحدة:
— إيه يا عمرو؟ إزاي توافقها تلبس عريان كده؟!
زفر الأخر بضيق ظاهر، وقد كان الغضب يتخمر في صدره منذ اللحظة الأولى، ثم قال بنبرة مكظومة:
— خلاص يا مؤمن… عشان أنا على آخري، ولولا الفرح لكنت…
لكن ريم قاطعته بلا تردد ولا خوف، قائلة بحدة مستفزة:
— كنت هاتضربني؟!، مش كفاية الفضايح اللي عملتهالي في الكوافير؟!
اشتد غضب شقيقها، فقبض على ذراعها بقوة وقال بغلظة:
— حقه يضربك… ويديكي بالجذمة كمان.
رفعت د عينيها نحو زوجها، متصنعة دموع زائفة ونظرة استغاثة، عندها أبعد عمرو يد مؤمن عن ذراعها قائلًا بلهجة حازمة:
— خلاص يا مؤمن… الناس بتبص علينا، وبعدين أنا اللي أحاسبها مش أنت، هي بقت مسؤولة مني أنا.
رويدًا رويدًا عادت الأجواء إلى صخبها الأول، فعادت الموسيقى تعلو من جديد، واستأنف الفرح حركته.
كان الاحتفال منقسمً إلى قسمين؛ جزء خاص بالرجال، وآخر خاص بالنساء، يفصل بينهما سرادق كبير أو ما يعرف بين الناس بـ"الفراشة".
وكان مقعد العروسين في مجلس النساء، حيث التفت النسوة والفتيات حولهما، يباركن ويهنئن، ويطلقن الزغاريد بين الحين والآخر.
وفي خضم تلك اللحظات، انتبه عمرو إلى أحد رجال الحراسة يقترب منه ليهمس في أذنه بخبر وصول سيادة النائب.
انتفض عمرو واقفًا على الفور، وقد غمره شعور طاغي بالسعادة والفخر، فتقدم لاستقباله بنفسه.
في تلك اللحظة، أخذ الرجال يفسحون الطريق، ممهدين الممر لصفوان الذي صار محط أنظار الجميع.
يتقدمه رجال الحراسة، ويسير آخرون خلفه، بينما وقف جسار إلى يمينه، يهمس بالأوامر لرجاله عبر السماعة اللاسلكية في أذنه.
تعالت هتافات الشباب والرجال ترحيبًا به، فابتسم لهم صفوان، ورفع يده بإشارة مقتضبة يرد بها التحية.
اقترب منه عمرو، فسمح له الحرس بالمرور بينهم، وما إن بلغ صفوان حتى صافحه بحرارة، فبادره الأخير وهو يعانقه:
— ألف مبروك يا عريس.
أشرق وجه عمرو وهو يقول بحماس صادق:
— الله يبارك فيك يا باشا، والله ما مصدق نفسي حضرتك بنفسك هنا… دي لوحدها فرحة.
ربت صفوان على كتفه بحنو وقال:
— يا عمرو أنا بعزك، وأنت تستاهل كل خير.
ابتسم الأخر بامتنان بالغ:
— الله يخليك يا باشا، اتفضل حضرتك، ليك طربيزة مخصوص.
اتجه صفوان نحو الطاولة المعدة له خصيصًا، يتبعه رجاله كظل لا يفارقه، حتى جلس بينهم.
وبالعودة إلى مجلس النساء، كانت نجلاء ما تزال تراقب المشهد بفضول، فمالت نحو صديقتها وهمست:
— قوليلي يا بت يا نور، إيه كمية الرجالة أم بدل سوده المترشقين في الحارة من الصبح؟، هو الوزير هيجي يحضر الفرح ولا إيه؟
أجابت نور بعد أن ألقت نظرة من بعيد نحو صفوان، شعرت بنبضات قلبها تخفق وكأنها رأته من قبل، لكن الذاكرة لديها في غفوة الآن، نفضت الأمر من رأسها واجابت علي حسب ما قيل لها:
—مرات عمي قالتلي دول رجالة البيه النائب اللي شغال عنده عمرو… جاي يوجب معاه.
اتسعت عينا الأخرى إعجابًا:
— ما شاء الله… أهي دي المعازيم اللي الواحد يتباهى بيهم.
ضحكت نور بمزاح:
— آه والله فعلًا… يا ترى يا مؤمن عازملي مين في فرحنا؟
قهقهت صديقتها، ثم ابتعدت خطوة كأنها تتحاشى أن تمسك بها نور، وقالت مازحة:
— يا بنتي، انتي فرحك هايبقى فخر الشرابية كلها، أكيد مؤمن عازملك كبار تجار المخدرات في المنطقة، وهايجيبلك الديلرز بتوعهم يأمنوا المكان ويوزعوا على المعازيم حشيش وبانجو لزوم الواجب وكده.
رمقتها نور بنظرة غيظ مصطنعة:
— يعني لما تبعدي كده فاكرة إني مش هاجيبك؟، طب إيه رأيك بقى… مش هاسيبك يا نجلاء، وهاجيبك من قفاكي زي زمان.
انفجرت الأخرى ضاحكة، ثم ركضت مبتعدة، حاولت نور اللحاق بها وتعالت ضحكاتهما في أرجاء المكان، تمتزج بصخب الموسيقى وزغاريد الفرح.
❈-❈-❈
جلس ينتظرها عند المقاعد الخشبية التي تعلوها ظلال الأشجار العريضة، وقد بسطت أوراقها فوق المكان كستار أخضر يحجب ما تحته عن العيون، فيمنحه قدرًا من الخصوصية.
بينما فايا، فبعد أن بدلت ملابسها، ارتدت ثوب أزرق داكن بأكمام طويلة، ضيق من الأعلى حتى الخصر، ثم ينسدل باتساع رقيق يلامس ساقيها بنعومة، وتركت شعرها كما كان، ملمومًا إلى أعلى بمشبك بسيط، فبدت بهيئة تجمع بين الوقار والبساطة.
سارت في الحديقة بخطوات مترددة تبحث عنه، حتى انتبهت إليه يلوح لها بيده من بعيد.
فاتجهت نحوه، وما إن اقتربت حتى سألته بنبرة هادئة:
— خير يا أبيه؟
أشار بيده إلى المقاعد المتوارية خلف الأشجار:
— تعالي نقعد هنا عشان نعرف نتكلم.
نظرت حولها بتوتر واضح، وكأنها تتحسس المكان بعينيها، ثم قالت مترددة:
— طب ما تيجي نقعد جوه في الليڤينج أحسن.
ارتسمت على جانب فمه ابتسامة تحمل شيئًا من المكر والغموض، ثم أمرها بهدوء مطمئن:
— اقعدي يا فايا، مالك قلقانة ليه؟
–مش قلقانة، هو بس المكان اللي قاعدين فيه برايڤيت أوي.
جلست على طرف المقعد بحذر، بينما تلذذ هو بنظراتها التائهة وهي تتلفت من حولها، كأنها تخشى أن يباغتهما أحد.
اقترب منها قليلًا، ثم قال بصوت خافت يلعب علي أوتار أعصابها:
— اشمعنى ما خوفتيش لما دخلتي الجناح عندي واخدتي قميصي في حضنك؟
انتفضت من قربه وكلماته المفاجئة، وشعرت بقلبها يخفق بعنف، بينما تابع هو حديثه ببطء مقصود:
— افرضي أسما هي اللي دخلت وشافتك؟
احتقن وجهها حتى غدا مغضن من شدة الحرج، وابتلعت ريقها بصعوبة وقد اجتاحها خجل مربك.
أدارت وجهها سريعًا، وهمّت بالانصراف، غير أن يده امتدت لتقبض على يدها قبل أن تبتعد.
سألها بلهجة حازمة:
— رايحة فين؟… أنا لسه مخلصتش كلامي.
نظرت إليه، وبصوت خرج متقطع من فرط التوتر والخجل قالت:
— أنا... آسفة على اللي حصل امبارح و…
لكنه وضع إصبعه برفق على شفتيها ليوقفها عن الحديث، ومع تلك اللمسة الخفيفة، ونظراته الثابتة، ارتجف جسدها كأن تيار كهربائي مر فيه.
فانتفضت مبتعدة خطوتين إلى الوراء.
فقال بهدوء عميق وبدهاء متقن:
— مفيش داعي للاعتذار… أنا فاهم ومقدر مشاعرك... لأن مفيش حد فينا ليه حكم على قلبه.
اندفعت الكلمات من فمها في إنكار متعجل بعدما صرح بما أدركه عن مشاعرها نحوه:
— حضرتك فهمت غلط يا أبيه.
نظر إليها بصمت بضع ثوان، ثم أطلق ضحكة قصيرة جعلت قلبها يكاد يتوقف. تساءلت في سرها، لِما يفعل معها ذلك؟!، لِما لا يتركها ترحل بدلًا من هذا العذاب الذي يمزقها؟
اخبرها وينظر إليها بنظرة متفحصة:
— أنتي بريئة أوي يا فايا… من وإنتي صغيرة ما اتغيرتيش. لسه طفلة بريئة وساذجة في نفس الوقت.
أوغرت سخريته صدرها، فعقدت حاجبيها ورمقته بامتعاض واضح، قائلة بلهجة جادة:
— أنا ما بقتش طفلة… وكلها شهرين وهتم 22 سنة و كمان هاتخرج، وأبيه صفوان هايسلمني شغلي في الشركة.
هز رأسه قليلًا، ثم قال وكأنه تذكر أمرًا هام:
— بمناسبة الشغل… لأن ده الموضوع اللي أنا كنت عايزك فيه، صفوان قالي أنزّلك تدريب خلال الشهرين دول عقبال ما تخلصي الامتحانات وتستلمي الشغل.
اقترب منها خطوة حتى شعرت بأنفاسه القريبة، ثم أردف بنبرة هادئة:
— ووصاني عليكي أوي… قالي آخد بالي منك وأدرّبك على الشغل بنفسي، ها، قولتي إيه؟
تتنفس بصعوبة في حضوره الطاغي، وزرقاوتا عينيه اللتان تبعثان في قلبها رهبة كلما حدقت فيهما.
كرر سؤاله بنبرة مراوغة:
— قولتي إيه يا فايا؟
نظرت إليه بتوتر بالغ، فسألته بعد أن ابتلعت ريقها:
— أقول إيه؟
أخبرها بنبرة رجولية عذبة، يعلم مدي تأثيرها علي قلبها الصغير:
— بقولك أنا اللي هدربك على الشغل بنفسي.
خفضت بصرها قليلًا ثم قالت بخفوت:
— اللي حضرتك تشوفه يا أبيه.
ابتعد عنها قليلًا، كأنه يمنحها مساحة لتتنفس براحة، ثم قال بنبرة جادة:
— بس خدي بالك… الوضع مختلف خالص في الشركة، يعني أنا معنديش أي تهاون في الشغل... كل ثانية ليها تمن عندنا... وتنسي إن أنا ابن عمك وجوز أختك خالص... بمجرد دخولك الشركة أنا مديرك… اتفقنا؟
أومأت برأسها بالموافقة، مد يده فجأة نحو شعرها، وخلع مشبك الزينة الذي كان يجمعه، فانفرطت خصلاتها وانسدلت بانسيابيةٍ حول كتفيها.
ثم مد يده بالمشبك إليها قائلًا بنظرة مبهمة زادت من خفقات فؤادها أكثر:
— شعرك كده أحسن.
رفعت يدها تتحسس شعرها بخجل، بينما تنحنح هو قليلًا، ثم أخرج مفتاح سيارة ومده لها قائلاً:
— اتفضلي.
رمقته بنظرة متسائلة:
— إيه ده؟
— مفتاح عربيتي التانية… خليها معاكي لحد ما عربيتك تتصلح.
ابتسمت برفق معتذرة:
— شكرًا يا أبيه… أنا بروح بعربية دارين.
هز رأسه واخبرها:
— عارف… وبتسوقي بحذر جدًا لتخدشيها، لأنك لو رجعتهلها فيها خدش مش هاتسمي عليكي، أختك عاملة زي أخويا، عارفهم… حاجتهم خط أحمر.
قالها مبتسمًا، فابتسمت هي الأخرى متأثرة بحديثه الذي تتخله روح الدعابة:
— هي فعلًا موصياني عليها جدًا، وقالتلي نفس كلامك… كأنك كنت قاعد معانا.
— أسيبك بقى تطلعي تنامي… تصبحي على خير.
أجابته بلطف:
— وأنت من أهله.
همَّت أن تتحرك، لكنه أوقفها قائلًا:
— المفتاح.
ومد يده بالمفتاح نحوها مرة أخرى،
ترددت لحظة، ثم أخذته من يده قائلة بصوت خافت:
—thanks.
❈-❈-❈
تهرول في زقاق ضيق، يبدو إنها ابتعدت كثيرًا، تلتفت وراءها بين الفينة والأخرى لتستطلع أثر نور التي تُطاردها، وفي لحظة لم تشعر إلا وهي ترتطم بجسد صلب كالجلمود، لم يتردد صاحب الجسد لحظة؛ بل انتشلها من خصرها بقوة غاشمة، وأطبق كفه على ثغرها ليكتم صرختها، مستغلًا سكون المكان الذي خلت ردهاتُه من المارة.
دلف بها إلى فناء بناء مهجور، أنزلها عن جسده لكنه ظل محكم القبضةِ عليها، وأنفاسُه تتردد في أذنها لاهثة متقطعة، قبل أن يهمس بصوت أجش:
–ماتخافيش.. ده أنا.
علمت من هو من نبرته التي طالما سكنت قلبها قبل مسامعها، فدفعت يده عن فمها بعنف، وصدرها يعلو ويهبط في خفقان مضطرب كعصفور ذبيح، قالت بلوعة:
–عايز مني إيه يا رضا؟!
أجابها وعيناه لامعه برجاء يائس:
–عايز نرجع زي زمان، وتديني فرصة أخيرة.. واوعدك إني هاتغير عشانك.
رمقته بنظرة يملؤها غضب دفين، واختلجت شفتاها بكلمات كأنها شظايا زجاج:
– ماعدش ينفع.. كل اللي بيني وبينك اتكسر، كدبك عليا زمان، وبدل ما تغير من نفسك، يمكن كنت وقتها سامحتك ورجعنا لبعض وبابا مكنش هايرفض لو أنا عايزاك، بس أنت أصريت تكرهني فيك ورحت اتجوزت، لاء واتعمدت تعمل الكوشة قصاد بيتنا، أنت عارف عملت وقتها إيه؟!، كأنك خلعت قلبي بإيدك ورميته تحت رجلك وقعدت تدوس عليه.. فعايز قلبي إزاي يسامحك بعد ما عملت فيه كده؟!
ابتلع غصة مريرة وقفت في حلقه كالشوك، فقد استيقظت في عقله صور الماضي وأفعاله التي قام بها عن عمد ، ولم يدرك حينها أن سهم انتقامِه سيرتد ليمزق صدره هو، والآن يقع بين براثن الندم.
سألها بقلب ملتاع وعينين تفيضان بالانكسار:
– إيه اللي يرضيكي أو يشفي غليلك مني وأنا هانفذه لك.. بس ترجعيلي.
ردت بجمود:
– اللي يرضيني تبعد عن طريقي خالص وتشيلني من دماغك.. أنا لا بقيت أحبك ولا بكرهك.
حدق في عينيها طويلًا، باحثًا عن وميض كذب يمنحه بصيص من الأمل، ثم قال بنبرة واثقة وبتحدي:
–بلاش كلام أنا وانتي عارفين حقيقته.. انتي بتحبيني زي ما أنا بحبك، وأكبر دليل هو رفضك لأي حد يطلب إيديكي.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وحشدت في ذهنها كل ذكرى سيئة وكل خذلان ذاقته على يديه لكي تستجمع شتات ثباتها، ثم قالت بتحد صارخ:
– أنا مش بقول أي كلام، وعشان أثبتلك يا رضا.. إيه رأيك لو اتقدم لي حد الفترة دي هوافق عليه وهاتجوزه، عشان تبقي تفوق من الوهم اللي أنت عايش فيه.
ما إن ألقت كلماتها تلك حتى باغتها بلكمة قوية استقرت في الجدار المتهالك بجوار رأسها، ففزعت وتراجعت بعيد عنه، بينما ارتدت ملامحه قناع من القسوة والوعيد، يحدق إليها بنظرة أرعبت فرائصها وهو يزمجر:
–لو جدعة وأبوكي راجل اعمليها.. عشان أخلي حياتك جحيم، وفي الآخر هاتبقي ليا سواء برضاكي أو غصب عنك.
ألقى بتهديده الذي لم يزدها إلا رعب وخوف جعلها ترتجف، ثم انصرف وتركها في عتمة المكان والروح؛ فهي تحفظ خصاله جيدًا، وتعلم أن رضا إذا عقد العزم على أمر، لم يتوانَ عن بلوغه، ولن يثنيه عن تنفيذ وعيده عائق مهما بلغت العواقب فداحة.
❈-❈-❈
ارتمت فوق سريرها تطلب السكينة، وسندت رأسها إلى الوسادة وهي تطلق زفرة حارة متهدجة، مدت يدها في تثاقل لتُطفيء إضاءة المصباح المجاور للسرير، غير أن يدها تسمرت في منتصف الطريق؛ فقد داهمها ذلك الشعور المريب الذي ظل يراودها طوال نهارها... وخزة طفيفة تسللت إلى صدرها كإبرة باردة.
انقبضت أساريرها وعبست في صمت، ثم حركت كتفها يمينًا ويسارًا علّها تجد وضعية تريحها، تظن بطأن الأمر لا يتعدى كونه تعب جسدي أو تشنج عضلي،
رفعت يدها في حذر، تتحسس موضع الألم يمين نهدها الأيمن ببطء، وما إن ضغطت بأطراف أصابعها برفق، حتى تجمدت الدماء في عروقها؛ ثمة شيء صغير، كتلة صلبة بالكاد تُستشعر تحت الجلد.
تصلب جسدها للحظة، ثم عادت تضغط مرة أخرى، وهذه المرة بحذر أشد وجلاً، تخشى أن يكون حدسها قد خانها في المرة الأولى.
تمتمت بصوت واهن يغلفه القلق:
–لاء، لازم أروح أكشف.
أغمضت جفنيها، ثم هزت رأسها في محاولة يائسة لطرد الفكرة التي بدأت تنبت في عقلها، وقالت بصوت حاولت أن تجعله مطمئن لقلبها:
–إن شاء الله هاتطلع مجرد إلتهابات في الغدد زي ما حصلي من سنتين.
سحبت يدها في النهاية، واعتدلت في فراشها تبحث عن مضجع مريح، ليفاجئها هشام بدخوله الغرفة، وقبل أن تفتح ثغرها بسؤاله عن ماذا كان يفعل، باغتها هو بقوله:
–عملتي إيه مع دارين؟
انتصبت جالسة على طرف الفراش، وأجابته بلهجة يكسوها التعب:
– سيبتها عشان تنام، بعد ما فضلت ساعة أقنع فيها بلاش اللي بتعمله، لأن محدش بيتأذي من أفعالها غير نفسها، وكمان المفروض تفوق، ما ينفعش توقف حياتها على حد.. معلشي يا هشام، صفوان يعلم ربنا إن أنا بعزه جداً وأخويا الكبير، بس حرام اللي بيعمله فيها، أنا عارفة أختي متهورة بس قلبها أبيض وحنينة جداً.
تمدد فوق السرير في ملل ظاهر، ورد بفتور:
–بقولك يا أسما ريحي دماغك من حوار أخويا وأختك، دول عشر سنين جواز كل يوم خناقات واتطلقوا تلات مرات، والاتنين غلطانين، وفي نفس الوقت هم أحرار، خلينا في نفسنا، مش هانقعد نوجع قلبنا عليهم و هم كل واحد فيهم عايش حياته.
رمقته بنظرة يمتزج فيها العجب بالإنكار:
–هخليني في نفسي لو اللي بتكلم عليهم دول ناس غريبة، دول اخواتنا، وكلنا عايشين في بيت واحد، يعني واجب علينا نقف جنبهم.
زفر بضجر واخبرها بلهجة قاطعة:
– خلاص يا حبيبتي، اقعدي أوجعي قلبك مع إخواتنا، وهم هايعملوا اللي في دماغهم في الآخر.
استشعرت في ثنايا كلماته نبرة سخرية، فعلقت بإصرار:
–مش مشكلة.. المهم أكون عملت اللي عليا.
اشاح لها بيده بعدم اكتراثه لما تقوله، وأمرها بنبرة غلب عليها النعاس:
– اطفي النور اللي جنبك خلينا ننام.
امتثلت لطلبه، ثم تمددت جواره واضجعت على جانبها تحدق في ظهره وقالت:
–بكرة هانروح نقضي الويك إند أنا وسيليا وماما في الشاليه.
التفت إليها والضيق يرتسم على وجهه بوضوح، وسألها بضيق:
–وانتي قررتي كده تروحي من غير ما تشوفيني هوافق ولا لاء؟
ابتسمت بتهكم مرير وأجابته:
– حبيبي أنت أغلب وقتك مش فاضي، وأنا عارفة إجابتك المعتادة، خدي البنت ومرات عمي وروحوا انتم، سواء خرجنا أو رايحين النادي، إجابتك واحدة.
عقب ببرود لا يخلو من عتاب مغلف بالدهاء:
– ها.. وإيه تاني؟!، يلا نكمل وصلة النكد بتاعت كل مرة.. على فكرة أنا كنت هاخدك أنتي وسيليا الويك إند بتوع الأسبوع الجاي ونسافر تركيا، بس طالما بطلع أنا الوحش في الآخر يبقى متشكر جداً يا أسما هانم.
تسرب الحزن إلى فؤادها واستبد بها الندم، فاقتربت منه في دلال وعانقته قائلة:
–أنا مش قصدي أزعلك حقك عليا، ما تتعصبش ولا تزعل عشان خاطري.
رفع حاجبيه في خبث وسألها:
–بتصالحيني عشان همك زعلي ولا عشان سفرية تركيا؟
تظاهرت بالتفكير قليلًا ثم قالت بمراوغة محببة:
–عشان.. عشان السببين.
حدق فيها بمكر وتلألأت عيناه ببريق الرغبة، وهمس أمام شفتيها:
– طيب اللي بيصالح حد يبقى بالكلام بس؟
ردت عليه بابتسامةٍ ناعمة:
– أمال بإيه يا إتش يا حبيب قلبي؟
اغمض عينيه لثوان، تذكر هيئة الأخرى وهي بالمنامة الحريرية، وملامحها عندما انسدل شعرها بإنسيابية خطفت عقله.
فتح عينيه وجد زوجته تنظر له بابتسامة ساحرة، وفي لحظة جعلها تمددت على ظهرها واستقر أعلاها، يتفرس ملامحها بشغف متقد، واخبرها بصوت يذوب عشقًا:
–يبقى بالفعل يا حبيبة قلب هشام.
ثم طوقها بذراعيه، وغرقا معًا في لجةِ عناق وقبلات، ليرحلا بعيدًا عن ضجيج العالم إلى ملكوتهما الوردي الخاص.
❈-❈-❈
مضت نور تفتش عن رفيقةِ دربها بعينين يملؤهما الترقب، لحظات وبصرت بها قادمة من بعيد، تجفف عينيها التي فاضت بدموع حارة، فأسرعت الخطى نحوها، وقلبها يخفق بهواجسِ الخوف والقلق، لتسألها الأخرى بلهفة:
– في إيه؟!
جاهدت نجلاء لتكبح جماح شهقاتها، وحاولت جاهدة أن تلملم شتات روحها المنكسرة، فأجابت بصوت مختنق غصت به الكلمات:
– مفيش.
لم تكن الأخرى بحاجة إلى معرفة السبب؛ فقد وقع بصرها على شقيقها الرابض على بعد أمتار قليلة، يلوذ بظل بناء متهالك وهو يزفر دخان سيجارته في نقمة وشرود.
رمقته بنظرة مشحونة بالعتاب واللوم الصامت، أما هو فقد أشاح بوجهه نحو الأفق البعيد، ثم تحرك مبتعداً.
وهنا احتوت الأخرى صديقتها بين ذراعيها في عناق دافئ، وراحت تربت على كتفها بحنان يضمد جراح فؤادِها:
– ماتخليش حد يضايقك مهما كان، أنتي صح، وسيبك من أي حاجة تزعلك.
وفي تلك اللحظة، انبعثت من مكبرات الصوت نغمات موسيقى رقص ذائعة الصيت، فاهتز لها وجدانهما وانصرف انتباههما نحوها.
أشرقت أسارير نور وقالت بمرح خفف من حدة الحزن:
– بت يا نوجا.. فاكرة الأغنية دي؟!
ارتسمت على ثغر الأخرى ابتسامة باهتة سرعان ما اتسعت، وأجابت:
– طبعاً فاكراها.. كنا كل ما نيجي نذاكر ونزهق، نقوم نشغلها وننزل رقص.
أجالت بصرها في الأرجاء، تتأكد من خلو المكان من الشباب أو الرجال، ثم قبضت على يد رفيقتها بقوة تدعوها للخروج من دائرة الحزن:
–تعالي نرقص عليها زي زمان.
❈-❈-❈
ترقص ببراعة فاتنة وسط تصفيق حار من السيدات والفتيات، تتعالى منهن صيحات التشجيع وهتافات الإعجاب، بينما جسدها يتماوج في رشاقة .
وعلى مقربة وقف صفوان متصلب القامة، يحملق في الفراغ، والهاتف ملتصق بأذنه، وصوته يجلجل بالغضب:
ــ يعني إيه خرجت من غير ما تشوفوها؟
.....
ساد صمت لبرهة قبل أن ينفجر من جديد:
ــ قدامكم ربع ساعة تعرفوا غارت راحت فين وتبلغوني، وإلا اعتبروا نفسكم مرفوضين، وابقوا قابلوني لو لاقيتوا حد يقبل يشغلكم عنده.
أطبق الهاتف بعنف، دون أن يمنح الطرف الآخر فرصة للاعتذار أو التبرير.
أعاده إلى الجيب الداخلي لسترته، وزفر زفرة طويلة، تكاد أن يعود إلى مجلس الرجال، لكن قدماه توقفتا فجأة، كأنما أُوثقت بسلاسل في الأرض.
فها هي بين الضوضاء والألوان رآها، تلك التي لم تفارق مخيلته منذ عام مضى.
عاد طيف الذكرى يخترق ذهنه، كان يسير في شارع شبه خال، حين اندفعت أمامه فتاة تركض من زقاق جانبي، كادت أن ترتطم به، فأمسكها بذراعيه قبل أن تسقط.
تجمد في مكانه وهو يتأمل ملامحها، بينما هي شعرت بالتوتر واعتذرت على عجل.
لم يدرك كيف انساب السؤال من بين شفتيه:
-اسمك إيه؟
ابتلعت ريقها، ولم تكد تجيب حتى دوى رنين هاتفها، فارتعشت حين رأت اسم شقيقها الأكبر على الشاشة، استأذنت بخوف وابتعدت بخطى متسارعة، تاركة ابتسامته معلقة في الهواء.
عاد من ذكراه ليغرق في واقعها؛ فهي أمامه الآن، تتمايل وسط الفتيات في فتنة تحاكي السحر.
خصرها المنحوت يختبئ خلف ثوب أسود يعانق الجسد، وخصلات شعرها السوداء تتطاير مع حركتها كأمواج الليل ، عيناها بحر عميق يبتلعه بغير رحمة.
أرهف سمعه بين الضوضاء، فالتقط الهمسات اسمها -نور- ارتجف قلبه وكأن اليقين طوقه.
أشار بلمحة خاطفة إلى مساعده القريب، فهرول مطيعاً:
ــ خير يا باشا؟
رفع ذقنه قليلاً، وأشار نحو نور دون أن يثير انتباه من حوله:
ــ تاريخ حياتها من أول ما أتولدت لحد دلوقتي يكون على مكتبي الصبح، مش هوصيك يا جسار.
أومأ الأخر بثقة:
ــ اعتبره على مكتبك يا باشا.
❈-❈-❈
وفي الجهة الأخرى، مالت نحو فتاة صغيرة اقتربت منها وهمست في أذنها.
اعتدلت في وقفتها، ثم التفتت إلى صديقتها الواقفة بجوارها قائلة:
ــ بقولك يانجلاء، أنا رايحة أشوف مؤمن عايز إيه وراجعة لك تاني.
أجابتها صديقتها مبتسمة:
ــ تمام، ما تتأخريش.
أصلحت من مظهرها، جمعت خصلاتها إلى أعلى، وثبتتها بمشبك أنيق، كل ذلك تحت عيني صفوان المتربصتين بها كصقر يترقب فريسته.
استدارت بنظرة خاطفة، ثم اتجهت في اتجاه معاكس.
كاد أن يتبعها، غير أن رنين هاتفه عاجله، فإذا بأحد رجاله يخبره:
ــ مدام دارين في كازينو الحصان الأسود.
انقبضت ملامحه كمن تلقى طعنة، واشتدت أسنانه من الغضب، أطلق أمره بصوت حاد كالسيف:
ــ اسبقوني على هناك، وأنا جاي حالاً في الطريق.
أنهى المكالمة مسرعاً، وعاد بعينيه يبحث عن نور بين الحشود... لكن هيهات، فقد اختفت كأن الأرض ابتلعتها.
❈-❈-❈
تمشي على عجلة من أمرها، تمسك هاتفها بين أصابعها وتطلق اتصالاً إلى مؤمن وقد ارتجفت أناملها من توتر لا تختفي أسبابه.
فجأة وبلا إنذار، انثنت زوايا صدرها حين شعرت بيد قوية تجذبها داخل فناء عمارة شبه مظلمة.
شهقت بخوف، لكن سرعان ما تبدد الخوف حين رأته هو صاحب القبضة، تنفست الصعداء:
-ليه كده يا مؤمن حرام عليك، قلبي واجعني من الخضة.
ضحك بمرح خافت:
-ألف سلامة على قلبك من الوجع.
مد يديه ليحتويها بين ذراعيه، لكنها أبعدت يداه عنها بحدة:
-خير؟، باعتلي ليه وسايب فرح أختك، مش المفروض تقعد مع مامتك ومرات عمي بتستقبلوا المعازيم؟
ابتسم ابتسامة مريبة، ونبرة صوته تلثمها خفة ماكرة:
-بعتلك عشان أفرجك على مفاجأة، جيبتها لك وحطيتها في شقتنا فوق.
لمحت في وجهه شيئاً مريب فنادت بفضول محاط بحذر:
-إيه هي المفاجأة؟
قبض على ذقنه ثم قال بمرح زائف:
-تعالي نطلع فوق وأوريهالك، هتعجبك أوي يا نونو.
انتابها قلق يسكن صدرها، فتنفست شهيق مليئاً بازدراء مضمر، وسألته بصرامة:
-هو أنت رجعت تشرب تاني؟
حك ذقنه كما يفعل من يدرك أن الإجابة جاهزة لكنه يحتجب عن قولها، ثم أجاب بنبرة تتقاذفها محاولة التبرير:
-دي سُجارة واحدة تفاريحي، أخوكي زعزم بيها عليا، وعيب لما حد يعزم عليك بالمزاج ترفضه.
ردت عليه بنبرة لاذعة ساخرة كأنها مرآة تعكس سخافته:
-طيب أوعي من وشي وروح كمل شرب مع أخويا اللي هايوديك في داهية.
تصاعد الصراع بينهما؛ فامسك بيدها ليوقفها، وصوته حنون متضارب:
-رايحة علي فين يا نونو؟، زعلتي ليه بس؟، دي سيجارة واحدة يعني مفيهاش ضرر، وعلي يدك بطلت بقالي شهور، حتى السيجارة البريئة ما بقتش أشربها، وبقيت أشرب شيشة بس.
نظرت إليه بسخرية مريرة، وكلماتها حادة كالسكين:
-يا فرحتي... بطلت الزفت عشان تروح للي أزفت منه، عارف يا مؤمن، لولا إننا كاتبين كتبنا ومقدرش أقول لأبويا وأخواتي عايزة اتطلق، كان زماني رميتلك شبكتك وكل واحد فينا يروح لحاله.
حديثها سبر أغواره؛ كشر عن أنيابه وتحول كلامه إلى سيل لاذع:
- مش هاتقدري تفكري حتى تعمليها، ده لوليا أنا كان زمانك مرمية زي الخدامة عند الراجل الخليجي اللي جابه لك أخوكي رضا يتجوزك جواز متعة، أو كنتي بقيتي مرات واحد من أصحاب أخواتك اللي نصهم شمامين والنص التاني رد سجون، أنا قدرت ظروفكم وعارف أبوكي ما يحتكمش علي قرش يجهزك، وفلوسك اللي بتكسبيها من وقفتك في صيدلية تعبانة، أخوكي سيد بياخدهم منك أول بأول غصب واقتدار، ولا أخوكي الكبير يوم ما ربنا كرمه وفتح بيت رجع للجري ورا النسوان والرقاصات وخلوه يبيع اللي وراه وقدامه لحد ما مراته اتطلقت منه وخدت بنتها وخلعت، أكملك باقي قاذورات أهلك ولا خليني ساكت؟!
حُشرت الكلمات في حلقها؛ نظرت له بحزن عميق، وحازت دموعها على محاولات الصمود، فهمست بمرارة منكسرة:
- شكرًا يا محترم.
همت بالابتعاد، لكنه منعها وزفر بضيق نابع من هدوء منقلب إلى فزع.
جذبها فجأة إلى صدره، وعانقها كأنما يريد أن يضم قلبها قبل أن يضيع في صراعاته، قائلاً بنبرة يكسوها الندم:
-حقك عليا ما تزعليش من اللي قولته، بصراحة كلامك حرق دمي وخلاني أهلفت بكلام زي الزفت.
انطلقت الدموع من عينيها كأنها وجدت الغلاف الآمن لتصرف طال كبته؛ أطلقت صوتها باكية، تعترف لما في صدرها من ألم لا يوصف:
-كل مرة لما تتخانق معايا، تقعد تذلني، قولتلك أنا ماليش ذنب في اللي بيعملوه أخواتي، محدش فينا بيختار أهله.
ابعدها عن صدره برفق، ثم أحاط وجهها بين كفيه، مسح دموعها بحنان، وقال معتذراً:
-حقك عليا، آسف، شوفتي بقى كنتي هتنسيني المفاجأة، تعالي أوريكي جيبتلك إيه.
امسكها من يدها و صعد الدرج، توقف أمام باب شقة الزوجية، فتح القفل بالمفتاح، توقفت بتردد:
-هات المفاجأة و أنا هاشوفها هنا، بابا مانعني أصلاً أدخل الشقة غير في يوم فرحي، ولو عرف هيبهدلني.
-وهو هايعرف إزاي، كلهم قاعدين في الفرح تحت، وبعدين أنتي مراتي مش واحدة شاقطها.
ولجت بتردد وخوف، أمسك يدها وأغلق الباب:
-نورتي شقتك يا نونو.
أخذت تتأمل عش الزوجية و ما أعده لها من أثاث و تجهيزات.
-ها، إيه رأيك؟
نظرت بإعجاب من حولها:
-حلوة أوي الشقة والعفش بعد ما اتفرش.
-ولسه تعالي أفرجك علي باقي الشقة والمفاجأة.
سحبها من يدها حتي وصل أمام باب أحدى الغرف، أدار المقبض ودفعها برفق نحو الداخل، فقالت عندما رأت الأثاث والفرش:
-الله يا مؤمن، ماشاء الله حلوة أوي أوضة النوم.
وقف خلفها وأغلق الباب رويداً رويداً، حاوط خصرها ودفن وجهه بين كتفها وعنقها:
-وهتبقي أحلي وأحلي وأنتي معايا.
حاولت أن تتملص من بين ذراعيه، ابتعدت ووقفت أمامه:
-قولتلك قبل كده كتير، ما بحبش حركاتك دي، فرحنا خلاص قرب، مستعجل علي إيه؟!
اقترب منها مجدداً حتي اصطدمت بظهرها في خزانة الثياب، حاوطها من علي جانبيها بذراعيه ليخبرها برغبة جامحة:
-أصلك حلوة أوي النهاردة، ومش قادر أصبر لحد الفرح، و في كل الحالات إنتي مراتي و أعمل معاكي اللي أنا عايزه، في أي وقت و في أي مكان.
وانقض علي عنقها وتسللت يده إلي ظهرها حتي لمس بداية السحاب وقبل أن يفتحه، نجحت في دفعه عنها صارخة وهبطت علي خده بصفعة دوى صداها بين حوائط الغرفة:
-لاء مش هايحصل يا مؤمن، و خد دبلتك أهي.
و خلعت خاتم الخطبة وألقته في وجهه بعنف، سارت نحو الباب المغلق، مدت يدها للمقبض فإذا بقبضة عنيفة كادت تجتث خصلاتها من الجذور، يصيح بغضب أعمي:
-بتمدى إيدك عليا يا بنت الكلب، طب إيه رأيك هاخد اللي عايزه منك، سواء بمزاجك أو غصب عنك، أنتي مراتي يا....، اعمل فيكي اللي أنا عايزه.
كان مع كل جملة يتفوه بها يعنفها و يصفعها علي وجهها، ومازال يقبض علي خصلاتها حتي وصل بها إلي الفراش.
دفعها علي السرير، فهبطت علي وجهها، كادت تنهض فامسك ذراعيها وقام بضمهما معاً خلف ظهرها، ملقياً عليها كلماته:
-دخول الحمام مش زي خروجه.
ترجته وتوسلت إليه:
-سيبني بالله عليك عشان خاطري يا مؤمن.
دنا منها وامسك بذقنها يخبرها في أذنها:
-ما أنا هاسيبك بس مش دلوقتي، خليكي هادية يا حب، و إن جالك الغصب خوديه بالرضا يا أخت رضا.
أطلق ضحكة كالأبله، ثم نهض قليلاً من فوقها، ليفتح سحاب ثوبها و ينقض عليها بقبلاته، مازالت تصرخ و تتحرك محاولة دفعه عنها، أفلتت يديها من قبضته، فجلس فوقها، وجذب حبل تعليق الستار، فقام بتقيد يديها معاً.
جذبها من خصلاتها ليرغمها علي الاستقامة، و انقض علي شفتيها بقبلات وحشية، كلما صرخت كلما تلقي صرخاتها داخل جوفه.
ألقاها علي السرير مرة أخرى، فوقعت علي ظهرها، رفع يديها المقيدتين أعلاها وثبت القيد في المسند الخلفي للسرير، امسك بمقدمة الثوب دون رادع قام بتمزيقها، فلم يكتفِ بذلك فعل المثل مع كل قطعة ثياب تعوقه تحت صرخاتها وتوسلاتها، حتي أصبحت منزوعة الثياب أمامه.
و علي الفور تحرر من ثيابه ليأخذ ما يريد منها بالقوة دون شفقة أو رحمة.
مر الوقت كمرور الدهر حتي نهض من فوقها يلهث و يتصبب عرقاً من جبينه و جسده.
نظر إليها وجدها تنظر في الفراغ، وجهها ملطخ بحمرة الشفاه و أسفل عينيها ملطخ بسواد الكحل، خصلاتها مبعثرة وكأنها بُعثت لتوها من القبر.
قام بفك الحبل من حول رسغيها و ألقاه، استقام من جوارها ليرتدي سرواله، نهض متجهاً إلي الخزانة، دفع الضلفة جانباً و أمسك بثوب من ثيابها الذي اشتراها لها، وقف أمامها يطالعها بدون ندم، فهو منذ أن تلقي رسالة تهديد التي تدعي نوءة قد حسم أمره، حتي يضع نور أمام الأمر الواقع إذا علمت بأمر خيانته لها، فلم تجرؤ علي طلب الطلاق لاسيما بعد ما فعله بها.
ألقي عليها الثوب وأمرها:
-قومي خديلك دش وألبسي ده، وأنزلي قبل ما حد يحس إنك مش موجودة.
تركها وذهب إلي الحمام للإغتسال، بينما هي نهضت وجذبت ما تبقي من ثوبها ارتدته بعشوائية، سارت إلي المطبخ بخطوات متعثرة، فأخذت شيئاً خبئته خلف ظهرها.
عادت إليه وفتحت باب الحمام فوجدته يستحم و يغني وكأنه لم يقترف شيئاً في حقها، انتبه إليها فابتسم:
- إيه لحقت أوحشك فجيالي الحمام؟!
و غمز بعينه، ثم نظر إلي ثوبها الممزق وسألها:
-مالبستيش الفستان اللي ادتهولك ليه؟، و لا أقولك تعالي يا حب، ناخد دش العرسان و أبقي ألبسي الفستان بعدين.
وإذا بها ترفع يدها المخبأة خلف ظهرها، شاهرة سكين حادة صارخة:
- أنا هقتلك.
يتبع...
الخامس من هنا