اخر الروايات

رواية رحي الايام الفصل الثالث 3 بقلم عائشة حسين

رواية رحي الايام الفصل الثالث 3 بقلم عائشة حسين



                                              
الفصل الثالث
هبطت ضي الدرج باحثة عن والدتها مفتشة عنها بعزم لا يلين ، تقنع نفسها ببعض التملق تدفعها لالتصاق حميمي ثقيل وإلحاح يحقق لها أمنيتها ويخرج النجمة من عتمة السماء، وجدتها تقف خلف الطباخات موجهة بحزم بأكمام مشمّرة «أما» 
التفتت سحر تجيبها بشدة معتادة وانهماك واضح على وجهها «أيوة يا ضي» 
اقتربت ضي محتضنة لها تقبلها متوسلة مما آثار دهشتها«خلي عمتي تجيب نجمة جوليلها يا أما تسيبني أجيبها» 
تعجبت سحر من فعلة فتاتها الغريبة على طباعها، ضي دائما متحفظة معها لا تتودد ولا تطلب ، راقها عودتها لأحضانها أخيرًا، انفك السحر وحلّت العُقد المتينة، بشت برضا وقبِلت الطلب بحماس «حاضر يا ضي هجولها» 
رجتها ضي «دلوك يا أما عشان خاطري مش هنبسط غير ونجمة هنا» 
فورًا خرجت سحر ملبية طلبها، بحثت عن جليلة أخت زوجها بحماسة نقلته لها فعلة ضي، بينما وقفت ضي تتابع ما يحدث أمامها باحساس خانق يزاحم الرضا في قلبها، لم تكن يومًا متملقة تفعل مالا تطيق لأجل مصالحها ، لكنها فعلت وليتها فعلت منذ زمن وكفّت أذى والدتها عن أحبائها ، ليتها ما عاندت ، ربما كانت هي بأفعالها وعنادها سببًا فيما لاقوه، و داعٍ لرجمهم بالمصائب، إنها تحمل مع الجميع الذنب ،فلما تنفي عن ذاتها الأذى وتتبرأ من المشاركة فيما حدث! 
نفضت رأسها من الأفكار حين عادت والدتها بملامح غطرسة تشي بالانتصار وقفت تستقبل الخبر بابتسامة حافظت على مرونتها «يلا روحي جبيها» 
شكرتها ورحلت بخفّة، أولًا هاتفت ليلى قبل أن تذهب وتحضرها من التخت بقوة وسيطرة أعلمتها بما تنتوي فعله فسبتها ليلى وأغلقت الاتصال، بعد قليل دخلت ضي حجرة ليلى وأجبرتها على الاستيقاظ ، فنهضت ليلى من نومها لاعنة لهم جميعًا ،لكنها لا تبالي سوى برغبتها في اقتفاء أثر السعادة ولو بفعلٍ بسيط يمنحهم شعور بالدفء والونس، تركتها لتحضر نجمة محذرة لها من عودة النوم.. وصلت ضي منزل عمتها جليلة الكبير ، وقفت متأملة له قبل أن تدخل، منزل كبير واسع بأربع طوابق، تنهدت بأسى على حال ابنة عمتها التي تذكرها دائما بربونزل، نجمة الضريرة التي تبصر بقلبها وتستبدل عينيها بكفين حين تسير محاطة بالظلام، الفتاة البريئة الطيبة التي يحبسها أخوتها خوفًا من ظهورها واستجلاب الفضائح والسخرية بعاهتها، نجمة التي تمنعها والدتها من كل شيء وتتركها وحيدة لا يؤنسها سوى قطة بيضاء قليلة الحيلة مثلها والخالة وجيدة التي تعكف على رعايتها منذ زمن وتهتم لأمرها. 
تذكرت حين كانت تحضر هي ورضوان متسللين،قبل أن يعلو المنزل وتصبح حجرتها بعيدًا،يحضران  متخفيين في الظلام لمحادثة نجمة من النافذة و إدخال السرور على قلبها ببعض الحلوى والهدايا أو لتجربة شيء جديد أحبا أن تجربه مثلهما وتنعم بتلك المتعة، تذكرت الحكايات الجميلة التي كان يسردها رضوان بحماس واجبارها على الضحك واستقبال نجمة الحافل بالمودة حين يأتيان بعد غياب، كان رضوان يحب أن يصف لنجمة كل شيء وأي شيء بدقة تتعجب لها هي وصبر ، يغريها بعشقه وهل فعلت سوى أنها عشقته حد الهلاك، عادت للواقع مبتسمة متسلحة بالأمل والأماني، دخلت المنزل بعدما فتح لها ابن عمتها محارب المنزل، رحب بها فسلمت باقتضاب وصعدت فورا للأعلى حتى لا يسترسل ، فهي لا تحبه وتبغض حديثه ويثير اشمئزازها بغروره واعتزازه الوقح بنفسه وهو لا شيء ، بل كتلة من القسوة والغباء متحركة. 
طرقت الباب فنهضت وجيدة لتفتح، رأتها ضي فابتسمت واقتربت معانقة بحنان أحبته وجيدة منها ، فظهر امتنانها لضي في الترحاب وطول العناق، تأملتها ضي قليلًا قبل أن تتركها كانت سمراء متوسطة الطول نحيلة الجسد بضفائر قصيرة لا تتخلى عن الأثواب السوداء التي تعكس حزنها ووحدتها، وجيدة قريبة والدة والدها اليتيمة، مات رضيعها ولم تنجب فطلقها زوجها وتركها فجاءت بها عمتها اكرامًا لصلة القرابة ولخدمة نجمة ورعايتها مقابل الإواء والطعام والشراب.. 
هللت نجمة بفرح «ضي» 
دخلت ضي الحجرة قائلة«ازيك يا نجمة النجوم وأحلاهم» 
نهضت نجمة فورًا فقفزت القطة النائمة في حجرها وابتعدت مراقبة، ضمتها ضي بمحبة وحنان ثم قالت«يلا استعدي هنطلع أنا وأنتِ وليلى شوية وبعدين هنروح البيت عندنا» 
فركت نجمة كفيها بتوتر فطمأنتها ضي «متخافيش عمتي الي جالت» 
ابتسمت نجمة وهتفت بحماس «يلا يا خالة وچيدة ساعديني» 
هزت ضي رأسها قائلة بخيبة وهي تتنفس جو الحجرة «نفسي أفهم خالة وچيدة بتحطلك ايه على جسمك مخلي ريحتك حلوة والأوضة حلوة كده» 
ضحكت نجمة بفرحة وفخر متألق في انبساط ملامحها الحلوة بينما قالت وجيدة باعتذار «لما تتجوزي اعملك حاجة مخصوصة ليكي بس الريحة دي لنجمة بس» 
شاكستها ضي قبل أن تخرج للشرفة تاركة نجمة على راحتها «لاه ولا ذلتك هشتري» 
وقفت ضي في الشرفة تتأمل الزرع من حولها متذكرة الغائب بحنين يشتد يومًا بعد يوم، جذب انتباهها صوت محارب العالي القادم من الأسفل فرأته يتشاجر مع أحد المزارعين من كبار السن، عبست بضيق من عدم احترامه للعجوز وغطرسته البغيضة واستقواه على ضعفه. 
فهمت من الحوار الدائر أن ابن عمتها أخذ غلال الرجل ولم يمنحه ثمنها ويماطل في الدفع، فاضطر الرجل لأن يترجاه ويخبره بما عنده من ظروف وحاجته الشديدة لهذه الأموال،لكن هيهات لم يهتم محارب بما قاله الرجل وذله أمامه بل وبخه وأهانه ثم طرده هو وابنه الشاب، زفرت ضائقة بما تراه أمامها من استقواء وتعالي وظلم.. 
انتهت المشاجرة برحيل الرجل منكسرًا ذليلًا ثم خرج محارب بعده، استراحت هي لخروجه من المنزل حتى لا يراها وهي تأخذ نجمة فقد يعترض ويمنعهما. 
بعد مرور وقت أخذت ضي نجمة وخرجتا بعدما أوصت وجيدة وشددت عليها ضرورة المجيء ، وهددتها إن لم تأتِ ستجيء بنفسها وتحملها، ضحكت وجيدة بحياء ونظرة ممتنة حنونة، أخذت ضي نجمة وخرجتا لمقابلة ليلى 
تحت الشجرة، اقتربتا منها فسلمت ليلى على نجمة بمودة وترحاب ثم ساروا ناحية المكان المقصود، تذكرت ليلى كيف وحّد ثلاثتهم غيابه، لم تكن تهتم لأمر نجمة ولم تقترب منها مكتفية به وضي عن العالمين لكن عندما غاب واختفى أثره جمعهما الحزن ووحشة الفراق ، قرّبت ضي بينهما كثيرًا ولم تهدأ حتى أصبح ثلاثتهم أصدقاء، تعرف ضي جيدًا وتشفق عليها من هكذا حب قد يدفعها لفعل المستحيل وتقديم حياتها قربان، مسكينة لا تعرف ما ينتظرها من خذلان .. عادت ليلى للواقع تعاتب ضي المتأبطة ذراع نجمة قائلة «مش تسبيني نايمة» 
سخرت ضي منها بغيظ«ليلى إنتِ ماشية بالمخدة أساسًا» 
قالت ليلى بعبوس كاذب«بريح ضهري مريحوش» 
ابتسمت نجمة لمشاكستهما دون تدخل، حين اقتربن من المكان المقصود وجهت ضي نجمة لمكان جلوسها ثم أجلستها برفق وبعدها جلست قربها، جلست ليلى ساحبة عود قصب مما أصرّت على أن تحضره وشرعت في تقشيره، اقتربت ضي ساخرة تقلدها بتهكم «ايوة أجرفينا أخ أخ» 
ضربتها ليلى بالقصب على كتفها محذرة لها بنظراتها من التمادي فضحكت ضي بمرح قبل أن تعود لمكانها في تلك الجلسة لتصبح نجمة بينهما محتمية ومحاطة، استنشقت نجمة الهواء الطازج بوفرة فابتسمت ضي برضا قبل أن تضع رأسها على كتف نجمة الصامتة كعادتها. 
بعد دقائق قطعت نجمة الصمت قائلة «النيل حلو يا بنات؟ شكله ايه دلوك» 
أجابت ليلى بملل وهي تواصل مصّ القصب «زي شكله زمان كل حاچة زي ما هي عفشة» 
عبست ضي لكلمات ليلى الكئيبة وشرعت في الشرح لنجمة بصوت هاديء، ناعم ورقيق «حلو يا نجمة، رايج وهادي ولونه زي السما» 
هتفت ليلى تنعتها بسخط  «مُضللة» ثم ابتسمت هي وقالت مصححة بفرشاة الحقيقة «مليان زبالة وحالته تجرف وأم سحلول جريبة مننا بتغسل بناطيل ولدها فيه» 
تأففت ضي بينما ضحكت نجمة، عاتبتها ضي بغيظ «ما تهمدي يا ليلى شوية امال لو مكنتيش الكبيرة العاقلة» 
صححت لها ليلى بابتسامة ساخرة «جصدك الكبيرة البايرة على رأي أمك» 
مدّت ضي ذراعها ولكمت ليلى معاتبة بضيق «بت أنتِ نكدية وفصيلة» 
تركت ليلى القصب مستسلمة للهدوء والصمت، هتفت ضي بصوت متحشرج،تحدثت بعشوائية عما يؤرقها ويجلب الحزن «عارفين ساعات مبعرفش أحب أمي ولا أكرهها» 
شاركتها ليلى عشوائية الحوار بأسى ،تخبرهما بما يكدر نفسها «لو أمي عايشة كنت هلبس خلجها؟ كنت هحب دِه؟» 
صارحتهما نجمة بابتسامة مضيئة رغم وجع السؤال«لو كنت بشوف كان هيفرق معايا محبوسة أو لاه؟» 
هتفت ضي وهي تنظر لليلى بحب «كنتي هتلبسيه يا ليلى،  احنا بنشوف حاجة حبايبنا كلها حلوة وبنطمن لما تحاوطنا» 
ابتسمت ليلى لشاعرية ضي ورقة مشاعرها وقالت ساخرة تراوغ بكذب «بس أنا دلوك بلبسها عشان بكسل أنزل اشتري وبحوّش عشان أجيب عربية» 
لفهن الصمت لدقائق قبل أن تقطعه ضي مرة أخرى «فيها إيه لو كانت أمي رضت بالمكتوب؟ فيها إيه يعني لو كان المرة دي الحاچة مجاتش زي ما عايزة ورتبتلها، ليه عاندت و أذت !! مش كان زمانه جنبي دلوك؟» 
قالت ليلى تُجيب سؤال نجمة بأسى «الضلمة ساعات بتكون أحسن من النور الفضاح يا نجمة والحبسة أريح من وشوش مبتحبكيش، كلنا محبوسين يا نجمة وأهونها حبسة الحيطان» 
اعترفت ضي بدموع مترقرقة «أنا لسه محبوسة فسنين فاتت، محبوسة في مشاعر و إحساس مش عارفة أغيره، محبوسة فشوق كل ما ألاقي مفتاحه وافتح عشان أهرب يضيع مني ويتجفل على جلبي» 
بينما همست ليلى دون توضيح وباختصار شديد «وأنا محبوسة جوه سؤال اسمه ليه ؟ ليه عمل كده؟ليه فارق وفرّقنا» 
هتفت نجمة بعفوية «أنا رضوان وحشني جوي، من بين كل الأصوات صوته كان بيطمني لما أخاف ويريحني لما أتعب، ضحكته بتخليني أفرح لما أسمعها ولما كان بيحكي ويوصف كنت بحس إني شايفة» 
مسحت ضي دموعها المنسابة بصمت بينما قالت ليلى بضيق «اهو راح لحاله خلاص ننساه زي ما هو نسي» 
خافت ضي الحديث، المدافعة عنه، فهي تعرف ليلى، فبقدر ما تحبه قدر ما كان جرحها منه عميق... لا تريد أن تنقلب لحظات الصفاء المختلسة لمشاجرة لن يفوز فيها أحد، ستؤلمان قلبيهما بالذكريات والأحداث وتجنيان الحزن، صمت ثلاثتهن بحزن كبير حتى انقضت المدة وغادرن للمنزل. 
عادت ليلى لمنزلها بينما سارت ضي متأبطة ذراع نجمة تخبرها بصدق وشفافية «وأنا كمان وحشني يا نجمة بس عذراه،  الي حصله مكانش هيّن ولا قليل .. واحد كل ما يحلم حلم ياخدوه منه ويكسروه، كل ما يحاول يدوسوا عليه» ثم قالت وهي تمسح عينيها «بكرهم كلهم يا نجمة» 
أطبقت نجمة شفتيها بأسى شديد ، في الطريق ظهر محارب مبتسمًا «ازيك يا دكتورة؟» 
أجابته بترحاب خالي من الود متحفظ «ازيك أنت يا محارب» 
سألها باهتمام ونظرة متوهجة بالضيق «كنتي فين بنجمة؟» 
انقبض قلب نجمة وانكمشت خائفة من تسلطه فربتت ضي على كفها مطمئنة ومحتوية قبل أن تجيبه بحزم «كنا عالبحر وخدت أذن أبوي وعمتي يا محارب» 
لوى فمه ببسمة متهكمة وهو يمسح نهاية شاربه بسبابته قائلا «ماشي هموا عالبيت» 
رمقته ضي بنظرة متعالية غير راضخة وسارت متخطياه تسحب نجمة المرتعشة برفق وحنان، استدار مشيعًا لهما بنظراته قبل أن يحمحم ويرحل، سألتها ضي بغضب «بتخافي منه كده ليه؟» 
قالت نجمة بحزن «بيزعج ومبيرضاش بحاجة» 
همست ضي رغمًا عنها وبانفلات مغتاظة «عيل ماسخ ورذل» 
ابتسمت نجمة متنهدة براحة، دخلتا المنزل فتوقفت جليلة عن الغناء والكبل منادية «تعالي يا ضي ارجصي» 
سارت ضي برفق حتى أجلست نجمة بحنو وجلست هي جوار عمتها جليلة قائلة «خلي العروسة ترجص يا عمتي» 
سحبت جليلة النقاب من على وجه ضي معاتبة «اجلعي الزفت دِه محدش هنا» 
عاتبتها وهي تعيده مكانه «حد يدخل يا عمتي» 
قالت جليلة «محدش هيدخل غريب كلهم متربية معاهم» 
هزت ضي رأسها بيأس مؤثرة الصمت فلا فائدة من الشرح والتوضيح، دفعتها عمتها «اجلعيه يابت شيفانا رجالة» 
سحبته ضي متأففة فابتسمت جليلة وبدأت في الغناء والتصفيق بحرارة، نهضت نور متمايلة بعدما شجعتها قمر حاولت سحب ضي لكن ضي تصلبت رافضة متيبسة الجسد فتركتها نور ، طالعتها قمر بشماتة وترقب وهي تتحرك من مكانها، جاورت ضي ثم مالت وهمست لها «إيه الحلبية معلمتكيش؟» نظرت لها ضي بغضب واضح وغيظ مكتوم قبل أن تلتقط أنفاسها وتميل ناحية خالتها هامسة «لاه علمتني وعلمتني كيف أخطف جلب أحسن راجل وأخليه ميشوفش غيري كمان ويمشي يدوّر عليَّ»
أظلم وجه قمر،أصابتها كلمات ضي في مقتل فنهضت هاربة، شيعتها ضي بنصر إلا أنه خالط هذا النصر مرارة،فهي لا تحب ضرب مناطق الألم ولا نقاط الضعف لكنهم يجبرونها فتضطر لذلك مرغمة. 
أعادتها نور للواقع بنظراتها المتوسلة ورجاءها الخافت أن تشاركها الرقص فنهضت ضي واقتربت منها هامسة  «طيب هروح أشوف أبوي وأرجع» 
انسحبت مقررة أخذ نجمة معها لترى خالها. 
******
نهض ضبع من فوق التخت لاعنًا. سحب علبة سجائره وخرج، جلس فوق عتبة الحجرة يشعل سيجاره وهو يسألها «وبعدين في الندب ده يا خالة؟» 
أجابت بحدّة «أنت مسلم يا ولدي؟» 
قال بغيظ «مسلم وموحد يا خالة خير شيفاني داجج صليب!» 
أوضحت بتقطيبة جبين «لو داجج صليب كنت هميت حتى عالكنيسة تصلي لكن أنت لا روحت جامع لما يدن ولا كنيسة ولا بتصلي، يعني ملكش ملّة» 
نفث الدخان لاعنًا قبل أن يقول بحدة «عليا الطلاج أنتِ حد مسلطك عليّ» 
أمسكت بالمكنسة المصنوعة من النخل ونهضت متجهة نحوه، ضربته قائلة «يلا غور من وشي برقدتك الي تچيب الفقر دي» 
دخل الحجرة صافعًا بابها عليه، تجوّل فيها بغيظ قبل أن يأخذه الحنين ويرميه على بوابة الماضي العتيقة، أمسك أحد الكتب ومسح عليه بكفه هامسًا بابتسامة «وحشتني يا صاحبي كل حاچة كانت كوم وفراقك كوم تاني كني اتجطعت من جدوري جطع بغيبتك» 
طُرق الباب بعنف فانتفض لاعنًا الطارق الذي أيقظه من غفوة الماضي، ترك الكتاب بقدسية وغادر ليفتح الباب «بتهبدي في الباب ليه يا خالة؟» 
شملته بنظرة محتقرة وهي تقول «واحد من رجالتك بره غور شوفه» 
سيطر على انفعاله وغضبه بصعوبة وهو يخرج لمقابلة أحد رجاله الذي يطلبه على وجه السرعة.  
سحبه و جلس به بعيدًا عن نظرات السيدة التي تترصدهما، استمع لقول بريزة وعينيه تتابعها بحذر حتى هتفت بما كان ينتظره ويترقب حدوثه «أنتو مين؟» 
سأله بريزة بذهول «في ايه؟» 
ضرب ضبع على ركبتيه قائلاً «شكل جالها زهايمر بحظ أمي الفقر» 
حدّق فيها بريزة مندهشاً «واه سهايمر يا سنة سوخة» 
دفعه ضبع في غيظ وحنق وهو يقول «غور يلا من وشي أنت كمان يلا أعمل الي جولتلك عليه» 
نهض بريزة قائلاً ونظراته تراقب الخالة بحذر خوفًا من شطحاتها «تفتكر محارب أبو غريب هيرضى يدفع فلوس الراجل من سكات» 
شرد ضبع قائلاً بابتسامة رضا «عايزه ميدفعش خليه يطيح عشان الجماعة دول غاليين عليا جوي وحسابهم بيتقل عندي» 
سأله بريزة بفضول «أنت تعرفهم يا كبير» 
أشعل ضبع إحدى سجائره قائلاً «إلا أعرفهم دول عشرة أوسخ جزء فالعمر» 
أردف بريزة بفضول «طب ما تحكيلي» 
جاءت الخالة مهرولة تمسك بمقشتها صارخة «بره يا حرامية» 
خرج بريزة بسرعة وهو يقول بابتسامة انتصار «الحمدلله هربت يكش تخليه يتوب»
تركها ضبع ودخل الحجرة صنع لنفسه كوب من القهوة وشرد في الماضي الذي يسيطر عليه ويحوم حوله انتظر كثيرًا الفرصة التي تمكنه من آل الإسناوي وذويهم، الفرصة التي ستشفي غليل قلبه منهم ها قد أتت، استنجد الرجل المسكين به، تمنى وسط القرية أن يأخذ ضبع بثأره من محارب كما يفعل مع الجميع، أراد بفعلته أن يصله الطلب عبر رجاله المتخفيين المتناثرين بينهم وها قد حدث وله ما تمنى وطلب ، محارب يحمل دماء البهنساوي العكرة ، ابن ابنته جليلة، السيدة الأكثر قسوة وعداء بعد زوجة فخر، جليلة التي تتعامل مع أهل القرية بدونية هي و ولدها، يستحل الابن أموال الفلاحين الكادحين وتبيح هي له ذلك وتطهره من الذنب بغطرستها ونفوذ والدها، ابتسم ضبع متمتمًا «بما إني راجل حقاني همشي معاك بمبدأ التلت فرص» 
******
في حجرة فخر، جلست ضي جواره فوق التخت بدعوة وهو يناديها بحنان «تعالي يا ضي أبوكي» 
جاءت ملبية بسرعة، بخفة كمشاعرها الناعمة الدافئة تحيطه بنظرات براقة «جول وأؤمر يا فخر» 
مسح فوق رأسها مستعيدًا الذكريات، يسترد بعض العاطفة المفقودة في زحمة الحاضر المشحون بالانتظار« من يوم ما رضوان طلّعك من المية وأنا معتبره ولدي الكبير و هان الخوف والزعل عليكم لما شوفت كيف منصور رباه، جولت بجى لبنتتك ضهر وسند يافخر والواد كان حنين ورحيم زي أبوه» 
ابتسمت مستمعة له بإنصات وقلبها يدق ،ومع كل اعتراف لأبيها تتذكره مثله، تابع هو مبتسمًا يشاكسها « كنتي ساكتة علطول وهادية ميتسمعلكيش حسّ ،عرفتي الشجاوة على ايديه واتكلمتي ألف كلمة بسببه، لما خدتك من يدك وروحناله البيت مسكتي يده ومن يومها هو مفلتيش يدك» 
مسحت ضي دموعها بسرعة بينما تنهد فخر قائلاً بحسرة وندم «يشهد ربنا إني حاولت مع الكل بس مجدرتش بعد العيا والرقدة وجلة الحيلة، خايف يا ضي» 
نظرت لعينيه بحنان واقتربت منه تلثم كفه وتدفئه بحبها هامسة «ليه يا حبيبي خايف من إيه؟ أنا عارفة يا أبوي وشاهدة» 
أجابها بارتعاش «خايف العمر يتسرق مني ويخلص قبل ما أشوفه و قبل ما أرد له حقه ، خايف أرجع لمنصور ومعرفش أقولّه إيه لما يسألني يا ضي» 
مسحت دموعه العزيزة مستنكرة، تتوسله «بس يا أبوي هيرجع بإذن الله» 
قال بنفس الارتجاف « منصور له ورث أمه اتنازل عنه قصاد رجعته وسطنا ، أبوي حكم عليه بكده فوافق ورجع عايز المودة ومعايزش غيرها زاهد فكل حاجة ، بس ورثي أنا جاعد وباسمي هكتبه باسم رضوان هرد الحق وسامحيني أنتِ واخواتك فيه» 
لثمت كفه بدموعها وهي تقول «متعولش هم ده بتاعك وأنت حر فيه» 
نظر لوجهها بحنو قائلاً «عارف لما يرجع هتعملي زي ما بتمنى، هتجفي جنبه وتساعديه وعارف إن جلبك متعلّق بيه ومش هيفوته ، أمانة يا ضي لو ربنا افتكرني قبل ما أشوفه تجوليله عمك حاول بس الشر والكره أجوى من ضعفه ومرضه» 
بكت ضي بحرقة متأثرة بكلماته بينما تابع هو بحسرة «لما منصور خلّف واد قلب أمك زاد كرهه ليه الضعف ولما جابتك جولت هتهدا شوية والنار الي جواها هتنطفي بس جمر خالتك فضلت تشعللها بزيادة، أمر الله وحكمته هنعمل ايه هنعاندوه!» 
وصاها بحزم «هنروحوا قنا فمرة ونخلصوا كل حاجة والكلام سرّ بينا» 
عانقته قائلة ببكاء «أنت أحسن أب فالدنيا يا فخر هفضل فخورة بيك وفخورة إنك أبوي» 
ابتعد عنها فخر مشجعًا بحنان «يلا روحي شوفي هتعملي ايه يلا» 
نهضت قائلة «أنا كويتلك الجلبية والشال وجهزتلك كل حاجة» 
ابتسم بحنان قائلاً «ماشي على خير يا بتي» 
في الحديقة وأثناء التجهيزات همس زيدان لوالده «سامع حاجة الأيام دي يا أبوي وعايز أجولك عليها» 
سأله والده باهتمام «خير يا زيدان!» 
همس زيدان «رضوان» 
انتفض والده وسأل«ماله؟» 
تفرّس زيدان ملامح والده بترقب قبل أن يلقي قوله الشديد «كذا حد شافه فقنا ، كنت بجول بيشبهوا لكن لما كتر الكلام جولت يبجى صُح طلع ورجع»
تنهد الرجل بحزن وهو يجلس على أحد الكراسي القريبة بإرهاق وشجن، سأله زيدان بتوتر «تفتكر هياجي؟»
جلس زيدان قربه قائلاً بشك «معارفش بس هو معدلوش حد هنا هياجي لمين؟ حقاش لو فخر عرف بيه يشيعله» 
صمت الرجل بتفكير ثم قال بلا وضوح «وماله ياجي مكانه جاعد يشتغل بأجرته زي ما كان واهو يخدمنا ويجوم على مصالحنا عيالك متنطورين ، الي فقنا والي فالغردجة والي فالسعودية وعبدالله صغير» 
حدّق في وجهه زيدان قبل أن يذكره بخطورة الأمر «فكرك لو رجع بعد الي حصل هياجي من وراه خير دِه ردّ سجون؟» 
طرق الرجل بعصاه الأرض مُفكرًا في كلمات ولده ثم قال بتنهيدة «لما ياجي وقتها يحلها ربنا» لمس زيدان رغبة والده الدفينة في عودة رضوان وقبوله بينهم من جديد 
فهتف موسوسًا بحقد «زمان أبوه خسّرك العمودية بعملته وقلّ من شأننا في البلد وبجينا مسخرة وفضيحة ولو رجع هو دلوك وعاش وسطنا من تاني هيقلّ مننا خليه بعيد يا أبوي هو كده كده لا ليه ورث ولا حاچة» 
صمت والده بتفكير عميق، حين اطمئن زيدان لرضوخ والده واستسلامه نهض يباشر العمل والتجهيزات. 
خرجت سحر منادية«أبو فتحي» 
جاءها زيدان ملبيًا فسألته باهتمام «مشيعتش حد لجراح بيه؟» 
قال بحماس «اطمني شيعتله حد تبعنا يعزمه» 
قالت باستحسان «زين مش عايزين الي بينا وبينه يتجطع واصل عايزينه يتمدّ» 
مازحها زيدان بضحكة متحشرجة «جوزيه ضي» 
مصمصت بحرقة وغيظ «والله لو جاني وهي رضيت وماله بس بتي ربنا يهديها عاد» 
قال مؤكدًا «صُح والله جالها الي زي جراح دِه وأحسن» 
تنهدت قائلة بحسرة «ربنا يهديها لسه صغيرة تعقل دلوك» 
سمع من يناديه فاستأذن مغادرًا «عن اذنك يا مرت أخوي هشوف بتاع النور عايز ايه؟» 
هتفت حين ابتعد عنها «خليه يكتر عقاد النور يا أبو فتحي» 
أجابها بتقدير «حاضر» 
استدارت عائدة فوجدت جليلة خلفها أخذتها للداخل قائلة «تعالي نشربوا فنجانين جهوة ونتحدتوا» 
تمنت جليلة بصمصمة شفاه متحسرة  «يكش زيدان يغير من الفرح ويروح يتجوز» 
جلست سحر بها في ركن قصي تعد القهوة أمامها على طاولة صغيرة توضع فوقها عدّة القهوة قائلة «هيغير دلوك بعد ما شاب؟» 
أصدرت جليلة بفمها حركة متأسفة وقالت «حقه والله دي زهيرة ماتت من سنين» 
قالت سحر متذكرة الفقيدة «كانت مرة طيبة وفحالها ولا بتهش ولا تنش لا بتنزل ولا تطلع زي ما تجوليلها تعمل ومن فوق متنزلش ولا تدخّل فالي ملهاش فيه» 
أكدت جليلة محاسن الفقيدة وأضافت «كفاية اتحملت زيدان وأحواله » 
ختمت قولها بالضحكات ذات المغزى التي شاركتها فيها سحر مؤكدة «صح والله» 
سألت جليلة سحر باهتمام وهي تتناول فنجان القهوة الذي أعدته سحر «وفتحي ومرته فين دلوك مشيفهمش» 
شرعت سحر في اعداد فنجانها قائلة بزفرة ملل «كامش معاها فوق يا أختي مطرح ما تكون لازق فيها» 
ضحكت جليلة على قولها ممازحة «بيحبها يابت مالك؟ ما كان فخر الله يديه الصحة زيه كده ولا نسيتي» 
ضحكت سحر مؤكدة بهزة رأس خجول، ثم بثت نواياها لجليلة «بفكر الدور التالت بتاع منصور الله يرحمه أشطبه لعبدالله بعد كده» 
استحسنت جليلة الاقتراح وشجعتها «وماله هو كدا كدا مجفول ومالوش لزمة بس افرض ولده رجع وقال يتجوز فيه هتعملي ايه» 
انتفضت سحر في مكانها وهتفت بشراسة «خليه ياجي وأنا أكسر رجليه الي هتفوت لفوق هو دِه الي ناجصنا كمان» 
ربتت جليلة على ذراعها مهونة «اهدي متعكريش دمك» 
عاتبتها بغيظ وهي تعود لاعداد القهوة «وأنتِ افتكريلنا حاجة عدلة كمان» 
ضحكت جليلة قائلة «هشرب الجهوة وأروح أبص عالبنتة فوق وأطلّ على أخوي فخر» 
لوت سحر فمها قائلة «روحي يا أختي» 
********
بعد مرور يومين
دخلت ضي محل العطارة متأبطة ذراع والدها، تسير بتؤدة ناحية مكتب رشيد وهي لا تكف عن الثرثرة مع والدها بمرح لا تدّعيه وحنان يصاحب قولها وفعلها معه، قالت بأسف «طيّب عمي رشيد» 
تنهد قائلاً «لو مكانش طيّب وبيحبها كان اتحمل كل ده! » 
سألته ضي حائرة «ممكن الحب يخلينا نتحمل وفقلبنا الأمل كل ده يا أبوي من غير شكوى ولا ملل» 
ابتسم فخر قائلاً «مش كل الحب يا بتي» 
قالت بحنان «مسكين عم رشيد بيصعب عليَّ» 
نصحها بلطف «ادعي لخالتك ربنا يهديها لو مش عشانها عشان خاطر الغلبان الطيب الي خدته فالرجلين بعنادها» 
عبست قائلة بضيق «يطلجها ويشوف حياته» 
نظر إليها عاتبًا لها «متبجيش جاسية يا داكتورة أهل الحب مساكين» ثم صحح لها بضحكة خشنة« ولا زي ما بتسمعي عقلاؤهم حمقى، بعدين أنا أعرف واحدة مستنية واحد بتاع خمس سنين والأمل فقلبها منه منطفاش» 
ضحكت موافقة بخجل «ماشي يا فخر» 
رفع رشيد نظراته من على الأوراق فوجدهما يتقدمان نهض فورًا مستقبلًا لهما بحفاوة وترحاب شديد 
«يا دي النور أبو عبدالله عندنا» 
عانقه رشيد بمودة ثم أجلسه وجلس جواره بفرح شديد، التفت مُرحباً بضي «ازيك يا ست البنات» 
ابتسمت مُجيبة «ازيك يا عم رشيد عامل ايه يا طيب وازاي صحتك» 
ربت بكفه على صدره بحفاوة صادقة «الحمدلله نورتوني» 
قالت بمرح «مشوفتكش ولا جعدت معاك لما جيت كتب الكتاب وأبوي كمان كان نفسه ياجي يجعد معاك فجولنا نطبوا عليك هنا فقنا» 
قال بابتسامة صادقة «تحصلي البركة» 
نهض فورًا يبحث لها عن كرسي لتجلس لكنها منعته بلطف «خليك يا عم رشيد هتمشى في المحل» 
أشار لها بحنان «اتمشي والي يعجبك خديه من غير كلام» 
تركتهما وخرجت وقفت على عتبة المحل تنظر للشارع المكتظ بالناس، والمحلات التجارية المتنوعة والشباب الواقفين على عربات خشبية بسيطة يبيعيون الملابس الداخلية وأغراض المنزل البسيطة، تحركت ناحية احدى العربات التي يقف خلفها طفل صغير دارت بنظراتها على محتويات العربة تفتش عن شيء تحتاجه مقررة الشراء من هذا الصبي الصغير الباش سألها «عايزة ايه جوليلي يا حاچة» 
أجابته بلطف وضحكة ناعمة «الحاجة بتدوّر استنى» 
عدد لها ما عنده علها تجد ضالتها لكنها أمسكت بولاعة تتفحصها ضحك الصغير قائلاً «هتشربي سجاير» 
أجابته بغيظ «لاه هولّع بيها البوتجاز» 
فجأة وجدت من التقطها من بين أناملها بخفة وأشعل بها سيجاره ثم رماها بغطرسة فوق الأغراض 
تنفست ثلاث مرات قبل أن تلتفت له موبخة ، تقسم بغلظة على تأديبه لكنها سمعت ما جعلها تتسمر مكانها مرتجفة «ازيك يا عيسى عامل ايه» 
تمتمت دون تصديق «رضوان» 
نفث دخان سيجاره في وجه الواقفة مكانها وقال بمكر وسخرية «ادي ولاعة جديدة للحاجة تولع بيها البوتجاز» 
التفتت له وهي تتنفس بسرعة هائلة أربكته، دققت في ملامحه بطريقة غريبة لملم على إثرها ابتسامته الساخرة وانتبه قاطبًا لها بعجب، لم تزده السنوات الا وسامة، لحية نامية وخصلات شعر مبعثرة، ملامح تبدلت من الوسامة للخشونة المحببة وسمرة زادته جاذبية، عيناه ليست حالمتين كما عهدته بل قاسيتين بنظرة غامضة،وجرح طويل معتم ككل الليالي دونه فوق حاجبه الأيمن. 
ابتلع ريقه بتوتر وقد شكّ في أمرها تحركت تفاحة آدم فأغرورقت عيناها بالدموع وهي تضع كفيها فوق بعضيهما على فمها بنظرة ذاهلة، تراجع معتذرًا حينما شعر بالخطر «معلش آسف» 
قلبه يناوشه بهوية صاحبة العينين،يهمس له بالافتراضات،يذكره بما يتناساه عمدًا بإجحاف، اتسعت خطواته ولم يعبأ بنداء الصغير،بما أوتي من إصرار ابتعد،اللحظة هو بين رضوان القديم والجديد في المنتصف يقف محايدًا. 
لكنه تسمر مكانه في وحل المفاجآة مُسلّمًا بالأمر حين نطقت اسمه عاليًا بشجن استحضر الماضي في عقله وقلبه، لا يعرف أتناديه أم تمنع رحيله وتتوسله الرجوع «رضوان» 
مسح وجهه بضيق وعجز، لا يعرف هوية المنتقبة تلك التي عرفته وتناديه باستجداء، استدار فاتسعت عيناه حين رأى من يهرول خلفها،عمه فخر، إذا هي إحدى بنات عمه لكن مَن يا تُرى نور أم... 
توقف حديث نفسه يهز رأسه برفض، فاق على سيرهما تجاهه بلهفة زادت من ارتباكه واحساسه بالخطر، استدار بسرعة وعبر الطريق مُختفيًا هاربًا من تلك المواجهة التي لم يستعد لها ولا يريدها من الأساس ليس لشيء سوى لأنه زاهد،يريد أن يمحو الأثر حتى لا يُستدل على قديمه، لكنها تشبثت به بعزيمة أدهشته، تقبض على الخيط المهتريء بينهما بقوة ، تركت والدها ورحلت تتبع أثره، تسير خلفه رغم بُعد المسافة وإصراره على تضليلها دون يأس.. قطع الخيط ورماه بعناد فجلست متعبة تبكي بحرقة غير مهتمة ولا مبالية بنظرات الناس ولا تساؤلاتهم، والصوت خلفها من أحد المحلات يصدح متحدًا متآلفًا مع خذلانه يكمل لوحة من الخيبة 

+



   
          

                
«لأقعدنَّ على الطريقِ وأشتكي .. وأقولُ مظلومٌ وأنتَ ظلمتني
ولأدعونَّ عليكَ في غسقِ الدجى .. يبلِيكَ ربي مِثلما أبليتني» 

+


نهضت عائدة لوالدها بتثاقل حائر، الأمل يشوبه شيء من الإنكار والحزن، عاد الحبيب كما تمنت لكنه هرب منها بوعيه، بإرادته ضللها حتى لا تصل إليه. 
أصبح الحزن في قلبها حزنين، حزن على الفراق وحزن من الخوف الذي تسلل إليها جراء فعلته وموقفه منها.
__________________
«رضوان-فاروق 2015» 
ركضت بسرعة حتى دخلت منزله لاهثة بعدها توقفت محتمية خلف صبر التي سألتها بقلق «خبر ايه مالك چاية فزعانة يا حبيبتي» 
نظرت ضي بعينيها الجميلة تجاه الباب المفتوح فرأت صبر ولدها رضوان يدخل لاهثًا يهتف بغضب «فاكرة لما تتداري فأمي هسيبك!» 
سألته صبر وهي تحميها منه «حصل ايه بس مالكم؟» 
هتف رضوان وهو يحاول الوصول إليها وسحبها من خلف والدته «مش جايلها جدامك متطلعش بشعرها خلاص كبرت» 
نظرت إليه بعينيها الجميلة من خلف كتف والدته مبررة «أمي جالتلي عادي لسه بدري» 
قال بتهكم «ومن متى بتسمعي كلام أمك!» 
أجابته بابتسامة مغيظة «عشان جاي على هواي» 
هتف وهو يقبض على مرفقها ويحاول سحبها «وأنا مش جاي على هواي وهضربك يا ضي» 
أفلتت ذراعها منه قائلة بنصف ضحكة «مالكش دعوة أنا حرة ملكش حكم عليّ » 
وقف متسمرًا زاهدًا في المحاولة يفلتها بكبرياء ويفلت مشاعره معها ابتسم قائلًا بغموض«ماشي يا ضي براحتك» 
غادر لحجرته بملامح باردة فوقفت تشيّعه بندم شديد وعبوس، سألت صبر بدموع مترقرقة «هو زعل يا خالتي ولا إيه؟» 
ابتسمت صبر لرقة قلب ضي ومكر ولدها الذي يمارسه على تلك الطيبة الحنون لمعرفته الجيدة بها. 
سحبت ضي حقيبتها ونظراتها تقف فوق بابه طارقة باعتذار وندم قبل أن تقبّل صبر على خدها وتنسحب من المنزل حزينة. 
في الصباح قبل مغادرتها وقفت أمام الباب طارقة، فتحت لها صبر مستقبلة بحفاوة فسألتها «رضوان صحي ولا لسه؟» 
أجابها من خلف والدته بجمود «عايزة إيه من زفت؟» 
تخطت والدته ودخلت، نظر إليها نظرة سريعة فرأى رأسها تلتف بحجاب أبيض جميل زاد وجهها ضياءً ونور، خبأ ابتسامته في طيات العبوس الكاذب وانتظر قولها الذي لم يتأخر «بص أنا عارفة إنك زعلان مني بس أنا مكنتش أجصد والله حاجة متزعلش وأي حاجة هتجولها هسمعها وأعملها» 
دخل المطبخ راميًا كلماته «عادي الي عيزاه اعمليه ماليش صالح» 
دخلت خلفه متابعة بنظرة بريئة وهي تقول «خلاص متزعلش مش هجول حاجة تضايجك تاني» 
قال بجمود وهو يمسك بكوب شاي ويخرج به وهي في أعقابه «ماشي» 
توقفت عن السير خلفه قائلة بحشرجة بكاء «رضوان خلاص أنا منمتش طول الليل وكنت عايزة آجي معرفتش وأهو قبل ما أطلع عالدرس جيتك» 
ربتت صبر على كتفه ليتلطف بها ويركن عناده بعيدًا ويقبل منها هدايا مودتها دون لوم أو عتاب، صمت فخرجت من المنزل بيأس، بعد قليل تبعها مناديًا «ضي» 
التفتت مبتهجة تلبي بفرحة وحماس «ها» 
اقترب منها مثنيًا بإعجاب بريء «الحجاب حلو فيكي جوي» 
ضحكت شاكرة بخجل «شكرًا يا رضوان » 
أخرج من جيب بنطاله قطعة شيكولاتة قائلاً بابتسامة دافئة «خدي جبتهالك امبارح واستنيتك تاجي مجتيش» 
خطفتها بلهفة شاكرة له «شكرًا» 
أشار لها «يلا على عشان متتأخريش» 
ابتسمت برضا وود قبل أن تغادر محتفظة بصورته داخل جفونها. 
****
جلس فاروق جوار صفية متحسسًا جبهتها يسأل بأعين مهتمة حريصة «أنتِ كويسة يا صفية؟ » 
هزت رأسها وهي تبتسم بذبول فأحاط وجهها ولثم جبهتها بحنان قبل أن ينظر لوالدته التي تسرُب القمح استعدادًا لإرساله إلى الطاحونة، سألته باهتمام ومحبة «أمال فين رضوان مباينش يا فاروق؟» 
أجابها فاروق بانشغال حقيقي وقلق «معارفش يا أما والله غايب ليه النهاردة، بعد العصر هفوت أشوفه» 
استحسنت والدته الأمر مشجعة له بلطف ورقة قلب «زين يا ولدي والله الواد ده غلبان جوي ومسكين» 
تنهد فاروق مؤكدًا قولها ببعض الضيق والهم «إلا مسكين والله يتمرمغوا هما فالعز وراميينه فحتة بيت جديم مهدّم ولا كنه ولدهم ومنهم» 
مصمصت قائلة بشفقة حقيقية «والله أبوه كان راجل طيب وحنين على الكبير والصغير وكل الناس كانت تحبه وتحترمه حتى بعد ما حصل الي حصل واتجوز الحلبية» 
دافع فاروق بعصبية وضيق «وهي الحلبية مش بني آدمه يا أما يعني!» 
ابتسمت قائلة برفق «والله ست الستات من يوم ما اتجوزها وهي فحالها وصاينة نفسها وما حد سمعلها حس ولا شاف منها رضي» 
سألها فاروق باهتمام «هو كيف منصور ساب جمر بت عمته بعد ما كان خاطبها ومتحدد فرحهم واتجوز الخالة صبر، صُح يا أما عشجها وهام يدوّر عليها لغاية ما جمعها واتجوزها» 
قالت باقتضاب وتحفظ شديد«اهو الكلام الي دار وقتها كتير وكل واحد بكلمته وقوله، والسر عند أصحاب السر والسميع العليم يا ولدي ربنا يسترنا» 
تجاهل فاروق القول وقال بأسى حقيقي «أنا مهاممنيش غير رضوان يا أما خايف عليه منهم ومش مرتاح لهم ، الواد من بعد موت أبوه وهما دايسين عليه» 
قالت رافعة كفيها للسماء بعفوية وبساطة«ربنا ينجيه وينصره غلبان ومنكسر وربك للمنكسرين جابر» 
رق قلب فاروق واقترب ملثمًا كفيها بحنان ومودة فنصحته بحكمة «راعيله يا ولدي وخليك جاره واهو تقوو ببعض و تتسندوا على بعض» 
نظر فاروق للبعيد متذكرًا يوم مات والد رضوان منذ عامين ومكوث رضوان جوار قبر والده يوم طويل لا يبرح المكان ولا تتوقف دموعه عن الهطول، ظل يتابعه دون أن يقترب، يحاوطه بالاهتمام والعناية حتى أشفق عليه فخرج يواسيه بقربه ويؤنسه بالجلوس جواره في دعم غير منطوق، أهداه وقتها رضوان نظرة مرتبكة فابتسم له بحنان وسأله برفق «مجوعتش ولا تعبت؟» 
خفض رضوان رأسه بصمت وخجل وحزن ، فأخرج فاروق لفافة أحضرها معه بها بعض الشطائر التي صنعها بيده، قدم له واحدة فهز رضوان رأسه رافضًا بخجل لكنه ألحّ عليه «خد كُل ولما آجي عندكم أبقا وكلني» 
تردد رضوان قليلًا رغم جوعه فسحب فاروق كفه و أرسى داخله الشطيرة مشجعًا «والله عاملهولك ببيض بلدي مش مزارع» 
ابتسم رضوان على دعابته ثم قضم منها على استحياء فابتسم فاروق برضا وظل يشغله بالحكايات والثرثرة، يتصنع الأكل لكنه يبطيء في تناوله مخبئًا باقيه لهذا الضعيف الذي لم يسأل عليه أحد ولم يهتم أحد بغيابه، أعطاه ما صنع في غفلة حتى شبع وارتاحت نفسه هو لما فعل... منذ ذلك الحين وهما أصدقاء بمشاعر متلاحمة ومحبة متبادلة. 
عاد لواقعه على كف أمه الممدودة بعطايا محبتها «خد يا فاروق جبلك قمصين حلوين وبنطلونين للكلية» 
سألها بجدية «ايه دول يا أما وجبتيهم منين؟» 
ضربته على كتفه «هتجررني خد وأنت ساكت» 
تناولهما بمحبة مقبلاً كفها داعيًا لها «ربنا يخليكي ليا يا أما وميحرمنيش منك» 
كان يعلم لو جادلها وناقشها سيفوز في الجدال رابحًا حزنها ورفضها لما يفعل فأخذهم بصمت وبلا ثرثرة ، لا فوز في خسارة من نحب ولا راحة في شعورهم بالحزن. 
******
أسندت ضي خدها بقبضتها متأملة له، تاركة ما جاءت لأجله منشغلة بمراقبته هو لا شرحه، هتفت بإسمه في رقة «رضوان» 
أجابها باهتمام وهو يترك القلم من يده وينتبه لكلماتها «ممكن اسألك سؤال؟» 
أجاب فوراً بحماس «أيوة اسألي» 
فكرت كثيرًا مترددة قبل أن تحسم قرارها وتقول «بره الشرح والدرس» 
لوى فمه بغير رضا وهو ينظر لها بعتاب قائلاً «يبقى سرحتي ومركزتيش» 
أطبقت شفتيها بأسف وندم فابتسم قائلاً وهو يغلق الكتاب مستعدًا «جولي مش مشكلة نشرح تاني وتالت يا ستي» 
اتسعت ابتسامتها الدافئة ممتنة له ولقلبه ثم قالت ماحية ترددها «ساعات بحس إني عفشة ومش كويسة» 
قطب من قولها بضيق واستنكار وهمس بحنان «ليه بتجولي كده يا ضي» صمتت بخجل وحزن فأردف بصدق «لما أنتِ عفشة مين حلو أمال وجمر» 
ابتسمت بخجل شاكرة له قبل أن توضح «مش جصدي الشكل» 
غمز لها بشقاوة «ولا أنا جصدي الشكل» 
شهقت قائلة بعتاب «يعني أنا كده مش حلوة!» 
قال بعصبية وبزفرة ملل«بت متلففنيش حواليكي اخلصي جولي» 
عبست بغيظ قبل أن توضح بقلق «ساعات بحس حاجات مش كويسة فخايفة أكون أنا عفشة» 
ضرب جبهته بملل قبل أن ينهض قائلاً «روحي لليلى يا ضي أهي بت زيك وهتفهمك» 
تبعته مصرّة «لاه أنت هتجولي» 
وقف عاقدًا ساعديه أمام صدره يمنحها الفرصة ببعض الصبر «طيب وضحي مش فاهمك» 
قالت بقلق وحذر «ساعات بمثل على حد إني بحبه عشان يعملي حاچة عايزاها واستغل حبه ليا أو أجول كلام مش من جلبي عشان اسكته » 
خبأ ابتسامته وصاح بمكر «كنت عارف من الأول والله إنك مستغلة ومنافقة وبتشتغليني» 
أوضحت بحرج وضيق «لا والله مش أنت» 
صمت مفكرًا يتأمل انقباض ملامحها وارتعاشة جسدها بالقلق والحرج فابتسم مغيرًا الحديث «بجولك إيه يا ضي عايز أرتب الصالة دي وأغيّر شكلها ايه رأيك تساعديني» 
تخطت الأمر كما تخطاه وقالت بحماس واندفاع «ماشي هساعدك» 
نظر للصالة الصغيرة مفكرًا وهي تقترح عليه بشغف وحماس، تشرح ما عليهما فعله فابتسم مُجيبًا سؤالها فجأة «ضي أنتِ مش عفشة ولا عشان حسيتي حاجة تبجي عفشة لاه دا دليل إنك كويسة ، وبالنسبالي أنا استغليني براحتك عادي عندي كم ضي» 
تمنت اللحظة عناقه بشدة، أو تقبيله على خده مكافأةً له لكنها ضحكت بخجل وهي تحاوطه بنظراتها الممتنة، نظر للصالة بعدما راودته الرغبة في عناقها ، ضمها وطمأنتها ولو قليلًا في سعادة. 
رغم كل شيء ستبقى ضي ابنته الصغير وصديقته المشاكسة وعائلته الدافئة جدًا جدًا. 
****
سار فاروق بعد صلاة العصر ناحية منزل صديقه،  في الطريق إليه استوقفته شهقة جزع وسؤال أقرب للإجابة «فاروق أبو حزيِّن سترك يارب» 
توقف عن السير يسبها بخفوت قبل أن يستدير قائلاً بابتسامة مزيفة «ازيك يا ست شربات» 
أشارت له بتشاؤم «إيه جايبك نواحينا دلوك! » 
النسوة الكبار يتعاملن معه كما لو كان غرابًا يجلب النحس أو بومة في صوتها الكرب والهم-نذير فقد- رؤيته تجلب لنفوسهم التشاؤم فيحطن أنفسهن بالأوراد ويهرعن لمساكنهن بخوف وقلق 
«رايح لصاحبي» قالها ببساطة فقالت بمصمصة شفاة «وأنت مين يصاحبك يا حفار القبور!» 
قال بغيظ «ماله حفار القبور ما بيدفن مربربينكم ، من غيره تاكلهم كلاب السكك» 
لوت فمها بغير رضا وانزعاج فابتسم لإصابته الهدف ثم تحرّك قائلاً «عقبال ما تستكفي من الدنيا المتبتة فيها دي يا شربات وادفنك بيدي» 
هتفت بحنق «عيل جليل رباية ناجص» 
ضحك قائلاً وهو يتابع السير ببطء حتى تصلها كلماته «ندر عليَّ لازرعلك ريحان فوق قبرك يا شربات واكتبلك جصيدة تتهز لها الأوساط الأدبية» 
ختم قوله بقهقهة مستفزة وأكمل سيره يدندن برضا وراحة 
بعد قليل وقف فاروق أمام منزل صديقه منتظرًا قدومه الذي لم يتأخر، خرج حاملًا كوبين من الشاي تناول فاروق واحدًا ورفع رأسه يحدق في المنزل الكبير الذي يحاكي القصور في تصميمه وسأل «أنت مش عايش معاهم هنا ليه يا رضوان؟» 
أجابه رضوان بما لم يبدد به حيرة صديقه بل زادها اشتعالاً «معارفش احنا أول ما رجعنا جعدنا أسبوع وبعدها لجيت أبوي بيجولي هنعيش وحدنا علشان نكون على راحتنا» 
قطب فاروق مستفسرًا باهتمام «حصل حاچة يعني؟» 
قلّب رضوان شفتيه بلا معرفة قبل أن يشاركه الحيرة «معارفش رجعت من المدرسة فيوم لجيتهم بيلموا الحاچة بتاعتنا وبننجلها» 
نظر إليه فاروق بأسى امتزج بحنانه وهو يعده ويمنيه بصدق ومحبة «بكره يبجى عندك أكبر منه وأحسن»
مازحه رضوان بمرح «دا أكيد فالجنة يا فاروق بعد ما تزرعلي شوية ريحان» 
شاركه فاروق الضحك والمزاح قائلاً «عيب عليك هزرعلك ورد» 
ضحك رضوان ببساطة ، لكن غصة أصابت قلب فاروق المحب لصاحبه فجعلته يعانقه مُقبّلًا رأس رضوان وهو يهتف بحنان «العمر الطويل ليك يا صاحبي بإذن الله يكون عندك فالدنيا أحسن منه يا أما أولعلك فيهم كلهم وتورثهم» 
استقبل رضوان محبة صديقه بامتنان ورضا وابتعد قائلاً «يا سيدي ربنا يدينا من عرقنا وشقانا» 
أكد فاروق «يارب يا صاحبي» 
ثم ارتشف آخر رشفة من الكوب وقال بهزل «يا راجل ناسك دول كفرة» 
ضحك رضوان بينما أكد فاروق بنفس الجديّة «عليا الطلاق كفرة مش مصدجني!» 
من بين ضحكاته قال رضوان «مصدجكك والله» 
هكذا كان صاحبه شديد الجدية فيما ينطقه من قول ساخر، يمزح ولا تتبين في ملامحه الا الوثوق والشدة، اقترح فاروق «بجولك إيه إلبس وتعالى ننزل قنا» 
سأله رضوان باهتمام «هنروح نعمل ايه؟» 
أحاط فاروق كتفي صديقه وقال واعدًا وممنيًا «هنتمشى عالكورنيش وناكل كشري ونلّف» 
تردد رضوان قليلًا وانشغل باله بإحصاء ما يملك من أموال قد تمكنه من مشاركة صديقه الرحلة دون إثقاله بأي أعباء أو مشاركة، لاحظ فاروق شروده مخمنًا وقد كان صاحب فراسة لا تخطيء، لديه من الحداسة ما تُعجز مراوغيه، ابتسم قائلاً «أنا عازمك على فكرة، ولو ناوي تدفع حاچة خليك جنب أمك» 
ابتسم رضوان بتردد حين دفعه فاروق ناحية المنزل إشارة تأكيد على قوله ورغبته الحقيقية في عزيمته، وقف رضوان مفكرًا يتمنى ذلك لكنه لا يُفضّل أن يكون عبئًا على فاروق وهو يعرف ظروفه، توقف فاروف عن السير واستدار مستفسرًا «هتاجي يا صاحبي!» 
وجد رضوان في دعوة صديقه حبًا خالصًا وتزكية قرّت عينه وقلبه فوافق فورًا «ماشي نصاية ونتجابل عالچسر» 
ابتسم فاروق بنصرٍ وحماس واستدار متابعًا طريقه برضا. 
في المساء جلست ليلى أمام النافذة بقلق منتظرة قدوم رضوان الذي وعدها قبل أن يذهب مع فاروق أنه لن يتأخر وسيأتيها حين يعود لطمأنتها، ظلت ساهرة رغم ما يعتريها من تعب تصرّ رغم تثاؤبها على فتح عينيها، نصحها نبيل بلطف وإشفاق «اجفلي الشباك وروحي نامي أنا هستناه» 
قالت بحنان وهي تنظر للخارج بابتسامة «لاه عايزة اطمن عليه بنفسي يا أبوي وأشوف انبسط ولا لاه» 
ابتسم نبيل قائلًا «ما الصبح هتعرفي كل ده» 
أجابته وهي تترك النافذة وتتجه ناحيته «مش هنام مرتاحة حتى لو نمت» 
ابتسم نبيل داعيًا «ربنا يخليكم لبعض وميحرمكمش من بعض» 
تحركت ناحية المطبخ قائلة «هعمل شاي أعملك معاي؟» 
قبل أن تسمع إجابته كان رضوان يقف أمام النافذة مصفرًا بفمه يعلن وصوله، ركضت ناحية النافذة بفرح «حمدالله على السلامة اتأخرت ليه؟» 
هتف بملامح منبسطة ومرح «حد يروح قنا وياجي بدري يا بت ؟» 
قالت بحماس «هفتحلك الباب يلا ادخل» 
أمسك بمرفقها مانعًا من بين حديد الحماية وقال «لاه خليكي همشي أنا جيت عشان اطمنك» 
عاتبته بعبوس «ليه تعالى» 
أجابها بإرهاق «لاه الوجت اتأخر ادعي بس زيدان ميشوفنيش وأنا من الفجر هاجي أصحيكي» 
قرصت خده بأناملها قائلة برضا «ماشي يا حلو خلي بالك من نفسك» 
ودعها ورحل فأغلقت النافذة وعادت لوالدها المراقب بابتسامة كعادته، سألها بضحكة «كده هتنامي طبعا!» 
أمسكت بكرسيه قائلة بأمر «أيوة خلاص اطمنت عليه وأنت كمان متسهرش فاروق ورضوان خليوا بيك الليلة» 
أدخلته حجرته وساعدته على توسد فراشه ثم دثرته جيدًا وخرجت متجهة لحجرتها. 
*****
في اليوم التالي مساءً
هتف فخر بعصبية وهو ينهض من جلسته حين سمع ما ينتوي والده فعله واقتراح زيدان الخبيث «لاه يا أبوي كيف يعني يخش تجارة وهو چايب المچموع ده؟» 
قال زيدان وهو ينظر لأخيه الثائر بنصف عين وبحذر «وماله ما فتحي هيدخل وبعدين احنا عايزينه يمسك حالنا ومالنا مكان أبوه» 
قال فخر بحدة «فتحي مچابش زيه ولو كان چاب مكنتش جولت يجعد يحرص، ولو على حالنا أنا بروح بعد الشغل وأنت فاضي وراك ايه يا زيدان؟» 
أشاح زيدان بغير رضا وحنق، بينما تدخلت سحر بغيظ «وايه فيها يا فخر مالها تچارة بعدين هنصرفوا عليه ليه وعلى علامه» 
صاح فخر بثورة يردعها بلا حساب «ملكيش صالح يا سحر متدخليش أنتِ فالي ميخصكيش دي حاچة والحاچة التانية ليه منصرفوش عليه مش لحمنا ودمنا »
احتقنت عيناها بالقهر من فعلته الجديدة على طباعه وحدته، زاد سخطها على رضوان و والدته وأقسمت على عقابهما حينما تسنح الفرصة، قال زيدان بنفس الحذر «أبوه مالوش حاچة ولا ورث» 
استنكر فخر قوله وقال بحزم «جده عايش يصرف عليه» 
قال الجد وهو يطرق بعصاه في عصبية «خليه يشتغل زيه زيكم هو بدل أبوه» 
تدخلت سحر مؤيدة كلام خالها «صُح خالي معاه حق» 
رفع ذراعه ناويًا صفعها وهو يهدر فيها بلا حذر أو مراعاة «اكتمي جولت متدخليش يا سحر وتزيدي النار شعللة» 
حملقت في كفه المرتفعة بذهول لا تصدق أنه قد يفعلها وأمام الجميع، انسحبت فورًا بكبرياء بينما استغفر فخر واستدار معلنًا قراره للجميع «رضوان هيجدم فكلية الطب وأنا هصرف عليه زيه زي عيالي والي معاكم اعملوه» 
قفزت ضي الواقفة بالمطبخ في حماس وفرحة حين وصلها قرار والدها ورضوخ الجميع له، لم تشفق على والدتها بل تمنت بكل شر لو صفعها. 
جلس فخر بالخارج يفكر بهدوء فذهبت إليه ضي واحتضنته فابتسم ومسح على رأسها بحنان، قالت بنظرة لامعة «أنا بحبك يا أبوي وفخورة بيك» 
ضحك قائلاً بحنان «وده كله ليه؟» 
أجابته بصدق تعودت عليه معه «عشان وجفت ضد الظلم ومرضتش بيه وهتفرّح رضوان وخالتي صبر» 
تنهّد فخر قائلاً «رضوان له چميل فرجبتي من يوم ما طلّعك من الميه، وجات الفرصة أرده وعشان منصور الي اتظلم كتير واتحمل» 
قالت بمحبة «ربنا يخليك لينا يا أبوي» 
نهض فخر قائلاً «رايح مشوار لقنا عايزة حاچة يا بابا؟» 
قبّلته على خده شاكرة «لاه يا حبيبي خلي بالك من نفسك» 
رحلت فوراً لمنزل خالها مستغلة انشغال أمها بما حدث، دخلت باحثة عنه حتى وجدته فجلست جواره ومالت هامسةً بانتصار «هحكيلك حاچة هتبسطك جوي» 
ابتسم خالها وقال هامسًا باهتمام وانصات «احكي يا رويتر» 
هتف رضوان داخل المطبخ حيث كان يقف مع ليلى يعدان الطعام ويساعدها في غسل الأواني وتنظيفها «ايه جاب ضي دلوك؟» 
ابتسمت ليلى ساخرة بأسف «بشك إنها بتشم ريحتك زي الكلاب» 
ضحك رضوان على وصفها وقال معاتباً «يا شيخة يخربيت وصفك» 
قالت مؤكدة بالدلائل على وصفها «والله مكان ما تروح تلاجيها وراك حتى لو متعرفش مكانك» 
قال ببساطة وهو يغسل الخضروات «صدفة» 
مازحته ليلى «لما تكبروا نجوزكم ونرتاح من الصداع دِه» 
وقف جوارها وهمس بلوم وعتاب «حرام عليكي أتجوز واحدة أمها سحر وخالتها جمر دي تبجى لعنة» 
ضحكت قائلة «ماهم هيجتلوك فأول أسبوع لو حصل» 
قلّد ضحكتها بغيظ بينما توقفت هي متسائلة «غريبة البت دي بتتودود مع خالها فايه ومجاتش» 
دخلت ضي المطبخ فجأة هاتفة بحماس ومرح «رضوان كويس لجيتك كنت عايزة منك حاچة» 
رفع رأسه للسماء مستغيثًا «استر يارب» حاولت التقاط حبة طماطم من أمام ليلى فضربتها على كفها موبخة «بت ايدك» 
وقفت أمامه مترجية بدلال «ممكن أروح معاك النيل المرة الجاية» 
استنكر طلبها ورفضه «لا طبعا أنا بروح مع أصحابي هاخدك كيف؟» 
توسلته برقة «عشان خاطري يا رضوان هجعد بعيد» 
دفعها بعيدًا وهو يرفض بإصرار «لاه لاه لاه» 
اقترحت ليلى «بجولكم إيه ما تيجوا ناخد أبوي وخالتي صبر ونروح الكورنيش» 
قفزت ضي مصفقة بحماس «أيوة ياريت» 
قال بأسف وخيبة «امك مش هترضى ولو عاندتي هتجوّم البيت حريجة» 
توقفت عن القفز قائلة «هخلي أبوي يكلمها ومش بعيد لو جولتله يروح معنا يودينا و يروح» 
قالت ليلى بتفكير «ممكن برضك» 
خرجت ضي من المطبخ راكضة حين سمعت أحد الجيران يتحدث مع خالها «عرفت الي حصل يا أستاذ نبيل بيجولوا فخر الإسناوي وقع في الترعة بعربيته وبيطلعوا فيه» 
صرخت ضي حين سمعت الخبر «أبوي!» 
انتفضت ليلى تاركة ما بيدها وخرجت ورضوان في أعقابها. 
#انتهى
#رحى_الأيام
#رواية_صعيدية_رومانسية
#عائشة_حسين
#

1



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close