اخر الروايات

رواية حب غير حياتي الفصل الثالث 3 بقلم نور محمد

رواية حب غير حياتي الفصل الثالث 3 بقلم نور محمد


في صباح اليوم التالي..
صوت سحاب الشنط كان عالي ومزعج جداً.
"جيسيكا" كانت بتلم هدومها بعصبية ووشها أحمر من الغضب.
عصام كان قاعد على الكرسي في الجناح، ساند راسه لورا ومغمض عينيه، كأنه بيستمتع بالهدوء اللي هيحل بعد العاصفة.
جيسيكا وقفت قدامه وزعقت:"أنت أكيد اتجننت! بتسيبني أمشي عشان شوية الفلاحين دول؟ أنت فاكر نفسك هتقدر تعيش في الخرابة دي يومين على بعض؟ دي مش حياتك يا إيسام، أنت مكانك في نيويورك، مش في وسط التراب والتخلف ده!"
عصام فتح عينيه وبصلها ببرود، لأول مرة يشوفها على حقيقتها، مجرد قشرة فاضية بتجري ورا الفلوس والمظاهر:"يمكن يكون مكاني هناك فعلاً.. بس أنا محتاج أعرف مكاني هنا الأول. أنا قولتلك خدي الكريديت كارد، احجزي أول طيارة، ولما أرجع هنبقى نصفي حساباتنا. طريقك زراعي يا جيسيكا."
خرجت جيسيكا ورزعت الباب وراها بكل قوتها. وفي اللحظة اللي الباب اتقفل فيها، عصام أخد نفس عميق، وحس إن في حمل تقيل انزاح من على صدره. مكانش زعلان، بالعكس، كان حاسس بـ "نضافة" غريبة في الجو من حواليه.
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
في مكتب الحاج كامل..
بعد ما جيسيكا مشيت، الحاج كامل طلب عصام في مكتبه. المكتب كان عبارة عن متحف؛ سيوف قديمة، بنادق صيد، ومكتب خشب ضخم.
الحاج كامل كان قاعد بيشرب قهوته، وبص لعصام بنظرة ثاقبة: "صاحبتك مشيت.. عين العقل إنها تغور من هنا، البيت ده طاهر وميدخلوش غير الطاهرين."
عصام قعد بضيق: "جدي، خلينا في الشغل. أنا قعدت أهو ومسافرتش، إيه المطلوب مني عشان نخلص ورق الورث؟"
الحاج كامل اتنهد وسند على مكتبه: "أبوك سابلك ديون في بلاد بره، بس هنا سابلك أرض وعز. نصيب أبوك في الأراضي والمصانع مش هيتكتب باسمك إلا بشرط واحد.. تنزل الأرض، وتفهم شغل العيلة، وتعرف عرق الفلاحين اللي بيجيبلك القرش. غير كده، أنا ممكن أبيع نصيب أبوك وأسدد ديونك وأرميلك الباقي وتغور، بس ساعتها مش هتبقى من عيلة الكيلاني."
عصام فكر ثواني.. التحدي استفزه، وهو بطبعه بيكره الخسارة.
"موافق.. هنزل الأرض. بس أنا معرفش حاجة عن الحسابات دي ولا عن نظامكم."
ابتسم الحاج كامل بخبث:"متقلقش.. اللي هتعلمك وتراجع معاك الدفاتر، هي أكتر حد بيفهم في شغل السرايا والأراضي.. بنت عمك شغف."
عصام قلبه دق خبطة قوية في صدره. "شغف؟" الاسم لوحده خلاه يتوتر ويفرح في نفس الوقت بحاجة هو مش فاهمها.
دخل عصام الأوضة المخصصة لإدارة حسابات الأراضي. كانت شغف قاعدة على مكتبها، لابسة عباية سودا شيك جداً وواسعة، وعليها خمار بلون الكشمير بيعكس نور الشمس اللي داخل من الشباك على وشها الصافي.
بمجرد ما دخل، شغف رفعت عينيها من الدفاتر، وقالت بنبرة عملية ورسمية: "اتفضل يا ابن عمي.. جدي بلغني إنك هتبدأ تتابع معايا. دي دفاتر السنة اللي فاتت، ودي ديون الفلاحين."
عصام قعد على الكرسي اللي قدامها، وحاول يكون عملي زيها. مسك الدفتر بتاع "ديون الفلاحين" وبدأ يقلب فيه. عينه وسعت لما شاف الأرقام، وقال بعقلية رجل اعمال: "إيه كل ده؟ ديون متأخرة بقالها سنين؟ الناس دي ليه مابتسددش؟ إحنا لازم نبعت لهم إنذارات، واللي ميدفعش نصادر أرضه أو محصوله فوراً. ده تسيب بيخسرنا ملايين!"
شغف سابت القلم من إيدها، وبصتله بنظرة فيها مزيج من العتاب والشفقة، وقالت بهدوء: "الناس دي مش أرقام في بورصة يا عصام. الناس دي لحمنا ودمنا. ده عم إبراهيم اللي محصوله اتحر*ق السنة اللي فاتت، وده الأسطى حسن اللي بنته عملت عملية قلب مفتوح وقسمت وسطه. إحنا عيلة الكيلاني، كبار البلد.. والكبير بيكبر برحمته مش ببطشه."
عصام كشر وقال بحدة: "رحمة إيه؟ ده بيزنس! في البيزنس مفيش مشاعر، في مكسب وخسارة. لو مشينا ورا العواطف هنشحت!"
شغف ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وفتحت المصحف اللي كان دايماً جنبها على المكتب، وقالت بصوت خاشع ومؤثر هز قلب عصام:"﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾... ده دستورنا يا عصام. ربنا أمرنا نصبر على المديون المتعسر، بل وقالنا لو سامحناه وتصدقنا بالدين ده، فهو خير لينا. الفلوس اللي بتيجي بكسرة نفس فقير مفيهاش (بركة)، واللي بيعامل ربنا بالرحمة، ربنا بيعوضه أضعاف."
عصام سكت تماماً. الكلمات دخلت قلبه زي السهم. حس بضآلة نفسه قدام تفكيرها. هو بيفكر إزاي يعصر الناس عشان يجيب الفلوس، وهي بتفكر إزاي تتاجر مع ربنا عشان تجيب البركة.
"يعني إيه بركة؟" سألها عصام بصوت واطي، كأنه طفل بيسأل عن حاجة أول مرة يسمع عنها.
شغف عينيها لمعت بحماس وهي بتشرح:"البركة دي هي الجندي الخفي بتاع ربنا. ممكن تكسب ألف جنيه بس ربنا يباركلك فيهم فيكفوك ويفرحوك ويشفوك من مرض، وممكن تكسب مليون جنيه من حرام أو ظلم، وتلاقيهم طاروا في مصايب وهم وغم وميكفوش. البركة هي الرضا والنور اللي بيملى حياتك لما تمشي على مراد الله."
عصام فضل باصص لعينيها، مش قادر ينزل عينه. شاف فيهم صدق ويقين عمره ما شافه في حياة الغرب الزايفة. ولأول مرة، يتمنى لو عنده ذرة من السلام الداخلي اللي هي عايشة فيه.
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
العصر أذن، وعصام قرر ينزل يتمشى في الأراضي اللي جده قاله عليها. كان لابس بنطلون قماش مريح وقميص مفتوح نصه، بس الهوا النضيف وريحة الزرع بدأت تنضف رئتيه من ريحة العوادم والزيف.
من بعيد، لمح شغف واقفة وسط مجموعة من الستات الفلاحات. قرب بهدوء من غير ما يحسسهم بوجوده.
كانت ست عجوزة بتبكي وبتمسك إيد شغف عشان تبوسها، بس شغف سحبت إيدها بسرعة وبادتها الحضن، وقالتلها وهي بتمسح دموعها: "يا حاجة أم السعد، إحنا اللي خدامينكم، ده حقك وحق أيتامك، الفلوس دي من مال الله، والله ما طلعت من جيبي، ده حق ربنا في مالنا."
الست فضلت تدعيلها وتدعي لجدها. شغف كانت بتبتسم ووشها منور زي البدر. عصام كان واقف متسمر في مكانه.
قلبه كان بيدق بعنف، عينيه رغرغت بدموع محبوسة مش عارف سببها. إيه الجمال ده؟ إيه النقاء ده؟ إزاي في إنسانة تقدر تكون قوية، وذكية، وعملية، وفي نفس الوقت في قمة الحنية والتواضع ده؟
شغف لفت عشان ترجع السرايا، واتفاجأت بعصام واقف على بعد خطوات، باصص لها بنظرة غريبة جداً.. نظرة فيها انكسار، إعجاب، وحاجة تانية عميقة.
ارتبكت ثانية، بس كالعادة استعادت ثباتها وغضت بصرها: "أنت هنا من إمتى يا ابن عمي؟"
عصام قرب خطوتين، صوته كان مهزوز لأول مرة:"شغف... أنا تايه."
الكلمة طلعت منه بتلقائية، كأنه طفل لقى أمه في زحمة. شغف وقفت مكانها، قلبها اتنفض من نبرة صوته الحزينة، بس حافظت على المسافة اللي بينهم وقالت بهدوء شديد: "كلنا بنتوه يا عصام.. بس المهم نلاقي البوصلة."
عصام اتنهد، وبص لقرص الشمس اللي بينزل ورا الزرع، وقال بوجع:"أنا عشت عمري كله فاكر إني ملك الدنيا. كان معايا فلوس، بنات، عربيات، وشهادات. بس لما جيت هنا، ولما شفتك... حسيت إني أفقر إنسان على وش الأرض. أنا فاضي من جوه يا شغف.. فاضي ومضلم. أنتي إزاي كده؟ إيه اللي مخليكي مليانة بالنور ده كله؟"
شغف بصت للأرض، وبعدين رفعت عينيها للسما وقالت بصوت دافي مليان إيمان: "النور ده مش بتاعي يا عصام، ده نور ربنا. لما تملى قلبك بحب اللي خلقك، وتعيش عشان ترضيه، بيملى حياتك نور ويسد أي فراغ جواك. أنت مشكلتك إنك كنت بتدور على الشبع في الحاجات الغلط."
عصام بصلها بعيون بتترجاها، وقالها بصوت أقرب للهمس:"علميني.. علميني أبقى زيك. علميني عن ربنا اللي خلاكي بالجمال والنقاء ده. أنا معرفش حاجة عن ديني غير إني مسلم في البطاقه. أنا عاوز أبدأ من جديد."
شغف قلبها دق بفرحة عظيمة، فرحة إنسان بيشوف روح بترجع لخالقها. ابتسمت ابتسامة واسعة، بريئة، ووشها نور أكتر، وقالت بثقة:"البداية مش من عندي يا عصام.. البداية من هناك."
وشاورت بإيدها على مأذنة المسجد الصغير اللي في أول العزبة، واللي كان بيبدأ يرفع أذان المغرب.
"روح اتوضى واغسل قلبك مع وشك.. وادخل لربنا، هو مستنيك تفضفضله أحسن مني."
ساد الصمت بينهم لثواني، كان صوت الأذان هو الحاجة الوحيدة اللي بتتردد في المكان. عصام بصلها بامتنان عميق، وحس إن دي أول مرة في حياته يشوف طريق واضح قدامه. طريق بدايته المأذنة، وفي نوره بتمشي "شغف".
يتبع.. نور محمد


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-