اخر الروايات

رواية حب غير حياتي الفصل الرابع 4 بقلم نور محمد

رواية حب غير حياتي الفصل الرابع 4 بقلم نور محمد



في ساحة المسجد الصغير..
وقف عصام قدام باب المسجد، متردد، خايف، وحاسس برهبة عمره ما حسها في حياته.
ريحة المسك اللي طالعة من جوه، وصوت الإمام اللي بيقرأ قرآن بصوت خاشع، كانوا بيشدوه زي المغناطيس، بس خطوته كانت تقيلة. "أنا هقف إزاي قدام ربنا بعد كل اللي عملته؟" السؤال ده كان بياكل في عقله.
دخل بخطوات بطيئة.. راح على مكان الوضوء زي ما شغف قالتله. كان بيحاول يفتكر حركات الوضوء اللي أبوه عملها قدامه مرة واحدة بس وهو طفل صغير.
فضل يغسل وشه، ومع كل قطرة ماية بتنزل، كان بيحس كأن هموم الدنيا وذنوب السنين بتنزل معاها.
دخل يصلي مع الناس في الركعة التانية.. مكنش حافظ غير "الفاتحة" بالعافية وبلكنة مكسرة، بس قلبه كان بيقرأ اللي لسانه مش قادر ينطقه.
ولما الإمام قال "الله أكبر" ونزلوا للسجود.. عصام حط جبهته على الأرض لأول مرة في حياته.
في اللحظة دي.. انهار.
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
سد السنين اللي كان بانيه حوالين قلبه اتكسر. دموعه نزلت بغزارة بللت سجادة الصلاة. مكنش عارف يقول إيه، مفيش دعاء حافظه، فبدأ يكلم ربنا بقلبه:"يا رب.. أنا ضايع.. أنا وحش أوي.. بس أنا جيتلك، اقبلني.. اغسلني من جوه.. أنا مش عاوز أرجع للضلمة تاني."
طول في السجود لدرجة إن الإمام سلم والناس خلصت وهو لسه ساجد بيبكي زي الطفل.
حس بإيد دافية بتطبطب على كتفه، رفع راسه لقى راجل عجوز وشه منور بيبتسم له وبيقوله: "متقلقش يا ابني.. دموع التوبة دي بتغسل القلب، ربنا يفرحك بقبوله."
عصام قام، حاسس إن في جبل انزاح من على صدره. حس بسلام داخلي عجيب، هدوء عمره ما شتراه بكل فلوس الدنيا.
صباح اليوم التالي.. في السرايا
نزل عصام على الفطار، بس المرة دي مكنش لابس الجينز المقطع والتيشرتات الغريبة. كان لابس قميص أبيض مريح وبنطلون قماش، وشعره متسرح بهدوء من غير الجيل والمبالغة بتاعته.
الحاج كامل كان قاعد، وبمجرد ما عينه وقعت على عصام، لاحظ التغيير. وشه رايق، ملامحه هادية، ونظرة التمرد والتعالي اللي في عينه اختفت.
شغف كانت قاعدة كالعادة، رفعت عينيها بالصدفة، ولما شافت وشه، قلبها دق بفرحة مكتومة.
النور اللي في وشه كان أكبر دليل على إن قلبه داق حلاوة القرب من ربنا. غضت بصرها بسرعة وابتسمت ابتسامة خفيفة جداً محدش لاحظها غير جدها اللي كان بيراقبهم في صمت وعيونه بتلمع برضا.
عصام قعد، وبص لجده وقال بصوت هادي:"صباح الخير يا جدي.. أنا جاهز أنزل الأرض النهاردة، وأشوف الشغل على أرض الواقع."
الحاج كامل ابتسم بفخر:"على بركة الله يا ولدي. رضوان وكيل الأرض هيكون في انتظارك، بس خلي بالك، عينك في راسك، الفلاحين دول أمانة في رقبتنا قبل ما يكونوا شغالين عندنا."
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
في الأراضي الزراعية..
عصام كان بيلف في الأرض مع "رضوان"، وكيل الأعمال اللي باين عليه القسوة والجشع. رضوان كان بيحاول يثبت لعصام إنه مسيطر، فكان بيعامل الفلاحين بتعالي وصوت عالي.
وصلوا عند أرض فلاح بسيط اسمه "عم صابر". الراجل كان قاعد على الأرض مهموم، ورضوان بيزعق فيه: "بقولك إيه يا صابر! المحصول قل السنة دي، والديون اللي عليك كترت. لو مسددتش اللي عليك لغاية آخر الأسبوع، إحنا هناخد البهيمة بتاعتك نبيعها وناخد حقنا، ونطردك من الأرض!"
عم صابر قام بكسرة نفس، وعينيه مليانة دموع، وبص لعصام وقال: "يا بيه، الدودة كلت نص المحصول، والبت عيانة وبتتعالج، ارحموا عزيز قوم ذل."
رضوان رفع صوته أكتر: "مفيش رحمة في أكل العيش..."
"اسكت يا رضوان!"الكلمة طلعت من عصام حاسمة، قاطعة، ومرعبة في نفس الوقت. رضوان سكت وبص لعصام بصدمة.
عصام قرب من عم صابر، افتكر كلام شغف امبارح..(الناس دي مش أرقام.. الكيلاني بيكبر برحمته). افتكر الآية اللي قرأتها (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة).
عصام حط إيده على كتف عم صابر وابتسم له ابتسامة طمنت قلبه، وقال بصوت عالي عشان كل الفلاحين يسمعوا: "يا عم صابر، أرضك هتفضل بتاعتك، والبهيمة في حوشك. والديون اللي عليك السنة دي.. عيلة الكيلاني مسامحة فيها اعتبرها طلعت لله، واللي محتاجه لعلاج بنتك ابعت خده من السرايا بعد العصر."
الذهول سيطر على المكان. رضوان فتح بقه مش مصدق، وعم صابر رمى نفسه على إيد عصام يبوسها وهو بيبكي ويدعي له.
عصام سحب إيده بسرعة وباس هو راس الراجل العجوز وقال: "مرفوع الراس يا عم صابر، إحنا اللي بناخد منكم البركة."
من بعيد، كانت عربية السرايا واقفة، وشغف كانت جواها بتتابع الموقف بالصدفة وهي في طريقها للمستوصف الخيري.
شافت عصام وهو بيرد للراجل كرامته، شافت النبل اللي جواه وهو بيطلع للنور. حطت إيدها على قلبها اللي كان بيدق بعنف، وهمست لنفسها: "اللهم ثبته.. اللهم اهدِ قلبه." ولأول مرة، تحس إن عصام مابقاش مجرد "ابن عمها الأجنبي"، بل بقى راجل تعتمد عليه بجد.
في حديقة السرايا..
بالليل، عصام كان قاعد في الجنينة، ماسك في إيده سبحة خشب صغيرة جده إداهاله الصبح.
كان بيسبح ومغمض عينه، بيستمتع بالهوا النضيف.
سمع صوت خطوات هادية. فتح عينه لقى شغف ماشية في الممر، معاها صينية صغيرة عليها كوباية شاي بالنعناع، وكانت رايحة توديها لجدها في المكتب.
عصام قام وقف لا إرادياً، وقال بصوت هادي:"شغف."
وقفت مكانها، ومرفعتش عينيها، بس استنت يسمع هيقول إيه.
عصام قرب مسافة محترمة، وقال بنبرة مليانة صدق ورقة:"أنا بس كنت عاوز أشكرك."
شغف بصوتها الناعم الهادي: "على إيه يا ابن عمي؟ أنا معملتش حاجة."
عصام اتنهد وقال:"على كل حاجة. على إنك شفتي فيا حاجة كويسة وقت ما أنا نفسي كنت شايفني شيطان. على إنك مديتيلي إيدك من غير ما تلمسيني، ونورتيلي طريقي من غير ما تجرحيني. أنا النهارده في الأرض حسيت لأول مرة يعني إيه أكون إنسان."
شغف ابتسمت ابتسامة صافية، ورفعت عينيها في عينيه للحظة واحدة بس، بس كانت كفيلة إنها تقلب كيانه، وقالت: "الخير كان جواك يا عصام، كان بس متغطي بتراب الغربة والبعد عن ربنا. أنت النهارده معملتش بس خير في عم صابر، أنت عملت صدقة جارية في صحيفة والدك الله يرحمه."
الكلمة دي هزت عصام جداً. عينه رغرغت بالدموع:"أبويا؟ تفتكري ربنا هيغفرله؟ ده مات وهو بعيد أوي."
شغف بحنية بالغة: "أكيد.. (ولد صالح يدعو له). طول ما أنت بتمشي في طريق ربنا، وبتعمل الخير بنيته، ربنا كريم ورحمته وسعت كل شيء. استمر يا عصام، الطريق لسه في بدايته، بس أنت ماشي صح."
كانت لسه هتتحرك، بس عصام قال جملة وقفتها مكانها: "أنا اتولدت من جديد هنا يا شغف.. وأنتي كنتي السبب. أنا عمري ما هنسالك إنك غيرتي حياتي."
شغف وشها احمر، قلبها كان بيرجف، حست بصدق مشاعره اللي بدأت تتجاوز مجرد الامتنان. بس التزمت بحيائها وقالت بصوت مرتبك شوية:"ربنا يثبتك.. عن إذنك."
ومشيت بسرعة وسابته واقف بيبص لطيفها، وهو متأكد للمرة المليون، إن قلبه خلاص دق.. ومش أي دقة، دي دقة حب حلال، حب اتولد في محراب الطاعة والنقاء.
عصام رجع جناحه وهو حاسس إنه أسعد إنسان في الدنيا. طلع تليفونه اللي كان قفله طول اليوم، ولما فتحه لقى عشرات المكالمات الفائتة، كلها من رقم دولي في أمريكا.
رقم المحامي بتاعه "مايك".
عصام عقد حواجبه باستغراب، واتصل بيه."ألو؟ مايك؟ في إيه؟ أنا مش قولتلك إننا هنأجل كل حاجة لحد ما أخلص ورق الورث هنا؟"
صوت مايك كان مرعوب وبيترعش على الناحية التانية:"عصام! إنت لازم ترجع أمريكا فوراً.. أو تستخبى في أبعد مكان ممكن! الديون اللي على والدك مش للبنوك بس زي ما كنا فاكرين!"
عصام قلبه اتقبض: "قصدك إيه؟"
"قاعد براجع الدفاتر السرية في مكتب والدك. والدك كان متورط مع عصابة غسـ'ـيل أموال خطيرة جداً، وواخد منهم مبلغ ضخم. والنهارده الصبح اقتحموا شقتك في نيويورك ودمروا كل حاجة."
عصام بلع ريقه بصعوبة: "طيب وهما عرفوا مكاني؟"
رد مايك بصوت يائس:"أيوة يا عصام.. جيسيكا رجعت النهارده، وراحت الشقة تاخد حاجتها، وهما مسكوها هناك.. وهي، من خوفها، اعترفتلهم بمكانك في مصر وعنوان السرايا بالتفصيل! هما في طريقهم ليك يا عصام.. الناس دي مابتهزرش، دول هيقتـ'ـلوك!"
التليفون وقع من إيد عصام على الأرض. صدى الكلمات بيتردد في ودانه. في اللحظة اللي لقى فيها نفسه، ولقى فيها دينه، ولقى فيها الحب الحقيقي.. الماضي الأسود لأبوه رجع عشان يدمر كل حاجة، ويهدد السرايا، ويهدد شغف!
يتبع.. نور محمد


الخامس من هنا
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-