📁 آخر الروايات

رواية لتسكن الي الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم يسمينة مسعود

رواية لتسكن الي الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم يسمينة مسعود


~الفصل السادس والثلاثين ~


الفصل غير مدقق لهذا عذرا على أي خطأ موجود ????✋

:
•♡•
:

الْفَضْفَضَةُ نَوْعٌ مِنْ التَّعَرِّي ، فَلَا تَعْرِي
ضَعْفُكَ إِلَّا لِمَنْ كَانَ حَرِيصًا عَلَى سَتْرُكَ ????????

:
•♡•
:

صعد زياد آخر درجة من السلالم المثبتة على فرع الشجرة يرفع نفسه حيث سطح البيت الخشبي بالأعلى، فتقدم للحاجز المثبت حول البيت كله يجول ببصره بالأسفل بالمساحات الخضراء فرغم ضلام الليل إلا أنّ الأنوار المفتوحة أبرزت وبقوة جمالية المنظر...تنهد بخفوت مبتلعًا علقمه المر الذي إستقر بحلقه محاولاً قدر الإمكان تجاهل ألم قلبه، فشهد تجاهلته كليًا..تطبق عليه نفس أسلوبه الذي إنتهجه هو معها...لم يكن يتخيل أنّ الوضع سيكون موجعًا لهذه الدرجة...كشعور إقتلاع الشريان من الجسد..


أفاق من شروده المرير على رنين هاتفه ليجيب بتعب: خيرًا ؟!

عقب هاني قائلاً: هل إشتقت لي أيها العاشق البائس ؟!

إرتكز زياد على الحاجز مرددًا من بين أسنانه: لماذا قد أشتاق لك... ألم نكن صباحًا مع بعض فقط ؟!!

ضحك هاني بخفة مستفزًا إياه: خمنت فقط أنك تصارع حزنك وخيبتك من طفلتك الصغيرة التي قلبت عليك الطاولة.

طحن زياد ضروسه مرددًا بضيق: كفاك حقارة أيها اللعين...أساسًا هكذا أفضل فهذا الوضع يناسب كلانا.

لوى هاني شفتيه معلقًا: إعترف أنك لا تحبها وكنت تتوهم ذلك لا غير...مسكين لا تفرق بين الحب وبين المودة...

هدر به زياد فاقدًا صبره: ما الذي تسعى له من هذا الإستفزاز يا هاني ؟! هل تشككني في حبي لشهد...تبًا لك أيها الوغد أنا أعشقها...إفهم أعشقها..

قلب هاني مقلتيه مصرحًا بإستفزاز أكثر: أجل واضح يا حبيبي...لهذا رضخت لأمر الواقع بسهولة...


تشنج فك زياد صدقًا يريد الخروج له من الهاتف وتشويه وجهه ذاك، حيث أردف من بين أسنانه: إذهب للجحيم أيها الغبي...تدرك جيدًا أنّ يداي مكبلتان...لن أجرها للمشاكل ما دمت أجهل مشاعرها لي.

أصدر هاني صوتًا ساخرًا مغمغما بعدها بتهكم: يداي مكبلتان...بلابلابلابلا...أجه ل مشاعرها...بلابلابلا أووه يا زياد إبقى هكذا يا حبيب جولي حتى تراها تزف من القصر لبيت عريسها وحينها عليك فقط النواح كفتاة صغيرة سرقت دميتها منها...

ضغط زياد على الهاتف بقوة يكاد يحطه مزمجرًا به وهو يضرب الحاجز بعنف: لن يحدث هذا ولو على جثتي...أبدًا لن يحدث...وكفاك كلامًا مستفزًا أيها الأحمق كي لا أتصل بخالتي عطاء وأخبرها عن غباءك السابق.

إمتقع وجه هاني مرددًا بعدها ببرود: بدلاً من التهديد الفارغ حاول إيجاد حل لعشقك ذاك الذي يجعلك مثيرًا للشفقة...

جز زياد على أسنانه كي يشتمه فإنزوى حاجبيه حين تهادى له صوت غريب داخل المنزل فتحرك ناحيته مردفًا بحدة: صدقًا أود تحطيم وجهك أيها النذل...


علق هاني بضجر: مت عاشقًا غبيًا يا حبيب جولي.

فتح زياد الباب فضيق عينيه حين لمح خيال يتحرك بالضلام ليمد كفه فاتحًا النور حيث توسعت عيناه بعدما ترائت له شهد التي كانت تتراجع للخلف فهمس بخفوت متفاجئ: شهد !!

رفع هاني حاجبه مصرحًا هو الآخر بمكر: أنت تخرف بإسمها حتى باليقظة..

تجاهله زياد مغلقا الهاتف بوجهه يرمق شهد التي كان محياها شاحبًا تناظره بعيون بدت مصدومة، فإسترسل حديثه مستفهمًا منها: لماذا أنتِ هنا وبهذا الليل ؟!!


تراجعت شهد للخلف فحاصرها الجدار الخشبي موقفًا تراجعها عاجزة عن النبس بحرفٍ واحد، ليعقد هو جبينه بحيرة من مظهرها وهي هكذا متسائلاً بوجل أصاب قلبه: ما خطبكِ...هل أنتِ بخير ؟!

إغرورقت عيني شهد وتكدست الدموع بهما غير قادرة على إزاحة ناظريها عن محياه ذاك، لتتسع عيني زياد تدريجيًا وكأنه بدى بعملية الإستيعاب فإبتلع ريقه هامسًا بإرتباك: هل...هل سمعتِ ما قلته قبل قليل ؟!!!!

حدقت به كالممسوسة وقد إنسابت دموعها رويدًا وكأنّ لسانها قد إنعقد عن الإدلاء بأي حرف، إتخذ بضع خطواتٍ نحوها كأنه يريد الشرح أو التفسير ربما...فأيقن هفوته ليتراجع للخلف هامسًا بنبرة مهتزة: إسمعي...

إنفجرت شهد ببكاء مرير واضعة كفيها على وجهها، فإنتفض مذعورًا يرمقها بحالها الغريب هذا ، فإزدرى ريقه رافعًا كفيه عساه يوقف نحيبها الذي مزق فؤاده بعنف مرددًا بخوف: لا بأس...شهد أرجوكي لا تبكي..حسنًا إنسي أي غباء سمعته مني..

إرتفع نحيب شهد وقد تعالت شهقاتها ليختض قلب زياد بين جنبات صدره عليها ومشاعر القهر تنغل جوفه فتدميه هاتفًا بصوت هارب: لا تبكي...أتوسل لكِ لا تفعلي...أنتِ تقتلينني هكذا.

أشارت له بكف يدها متابعة البكاء بقوة، فغامت عينيه تسبحان بالوجع المضني مستفهمًا منها: ماذا تريدين ...فقط أسمعيني صوتكِ وأريحي فؤادي يا شهد ؟!!!

‌تسارعت أنفاسها مبعدة كفها الآخر عن وجهها مرددة بصوتٍ متهدج: إبـ...إبتعد....أغادر...

‌تلجلج مرتبكًا وقد تداخلت الأفكار بعقله هامسًا بوهن: فقط لا تبكي...لا تعذبيني يا شهد..وبخصوص حبي..لا بأس إعتبري ما سمعته فقط توهمًا...
‌إرتفع نحيبها مجددًا منكمشة على ذاتها فإختلج قلبه رعبًا جاثيًا على ركبتيه أمامها يتوسلها الرحمة...يرجوها العفو إن كان حبه لها قد أذاها أو ضلمها...مردفًا بصوتٍ هارب وفؤاد خافق: لا...لا تبكي...حسنًا إعتبريني أخرف أو...أو...جننت يا شهد...إحذفي كل غباء قد سمعته....فقط كفاكِ ذبحًا لي بدموعكِ تلك...أستحلفكِ بالله لا تقتليني أكثر..
‌رفعت شهد كفيها لوجنتيها تكفكف دموعها مشيحة بوجهها المبلل عن ركوعه أسفل قدميها هامسة بصوتٍ مبحوح: دعني...أغادر...
‌إبتلع ريقه مستقيمًا بساقان مرتجفتان مومئًا لها بضياع وهو يقول بنبرة مهتزة: حـ...حسنًا...فقط لا تبكي..
‌تقبضت على جانبها تنتظر إبتعاده عن الباب ليتراجع هو للخلف يرمقها بعينين معذبتين ضائعيتن، يغادر المنزل مشيرًا لها وقد عجز لسانه عن التفوه بأي كلمة...
‌هرعت شهد تغادر المنزل تنزل من السلم المثبت على الشجرة بسرعة كأنها تفر من شبح ما...فأسرع هو خلفها كي يطمئن على وصولها بخير في هذا الضلام...يرمقها وهي تركض بأقصى قوتها وقد يتحرك بخطى سريعة هو كذلك حتى يطمئن أنها ولجت للقصر دون أن يلاحظها أحد..فأخذ نفسًا عميقًا يتحرك بالمكان يشعر بالقيود تكبله...يشتم حظه ويلعنه للمرة المليون...هل كان عليها أن تعرف...وبهذه الصورة ؟؟ فواضح جدًا من رد فعلها أنها لا تراه سوى أخ وصديق ربما...فضرب جذع الشجرة الذي بقربه عدة لكمات مزمجرًا بحدة: تبًا لي...تبًا لي...
‌تسارعت أنفاسه وإرتجف كيانه واضعًا جبينه بتعب نفسي على الشجرة كأنه يستمد منها تلك القوة التي تجعله يجابه به قسوة الأيام القادمة.


:
•♡•
:

أغلقت سحر قميص رعد حولها مغادرة الحمام وقد علت ضحكتها الرقيقة قائلة: أنظر قميصك هذا قد جعلني أبدو كرضيعة ترتدي ثياب إخوتها الكبار.


كبح رعد بسمته بصعوبة وعيناه تنتقلان من قميصه الأبيض الذي بدى أكبر من حجمها لينزل ببصره للشورت الأسود الخاص به...حسنًا بدت مضحكة قليلاً...لكنها بالآن ذاته ظريفة جدًا ولذيذة !!


دنت منه سحر وهي تضيق عينيها: إعترف كيف أبدو ؟!

هز كتفيه مجيبًا بهدوء: عادي...كفتاة ترتدي ثياب زوجها..

قلبت سحر مقلتيها على مراوغته ترفع الكمين لمرفقها مرددة: لو عدنا أفضل..

زفر رعد بخفوت مصرحًا: قلت لكِ عودي لكنكِ أنتِ من أصررتِ على البقاء.

رفعت سحر حاجبها معقبة: أذهب وأتركك لوحدك ؟! لا والله لن يحدث هذا...

إرتفعت زاوية شفتاه ببسمة ساخرة مغمغمًا: لا تقلقي لن أحضر أي إمرأة بعد مغادرتك و لن أخونك.


تراقصت بسمة ماكرة على ثغر الأخيرة تدنو منو بكبرياء خلاب تناظره ملأ عينيها وهي تجيب: تؤتؤتؤ أعلم جيدًا أنك لن تفعل يا عزيزي...لكنني فقط أخشى أن تلتهمك الأشباح من بعدي وتناديني فلا تجدني هنا كي أحميك منهم.

لملم بسمته يرمقها بهذا القرب المهلك صدقًا هي تٌشبه السلام في بلادٍ أشقتها الحروب...هامسًا بخفوت شديد: كريمة والله..

غمزت له بحلاوة جعلتها تبدو بناظريه شهية جدًا قائلة: طبعًا كذلك...وبما أنني كريمة يا زوجي العزيز تعال معي للمطبخ كي أطعمك...فوجهك شاحب.

لتتحرك بعدها مغادرة الغرفة فتتبعها رعد هو الآخر مصرحًا بهدوء: ليس عليكِ إتقان دور الزوجة الصالحة لهذه الدرجة.

دلفت سحر للمطبخ وقد علت ضحكتها الرقيقة به مجيبة إياه: بالعكس أحب أن أتقن كل أداوري يا رعدوشي...

طافت عيناه بجسدها ذاك وهي تتجول بالمطبخ...بدت كنحلة صغيرة تتحرك هنا وهناك...لا يعرف لماذا تفكيره يبث له تخيلاتٍ مضحكة...فإنزوى حاجبيه حين لمح ذلك الخلخال المستفز لرجولته بقدمها فبادرها متسائلاً: قلتِ سابقًا أنكِ ذهبت لأدهم للشركة وبعدها أتيت لهنا...من الذي أخذكِ للشركة ؟!

رمقته سحر بنظرة جانبيه مخرجة بعض الأطباق من الثلاجة مجيبة: السائق.

رفع رعد حاجبه مردفًا من بين أسنانه: إذًا ذهبت للشركة وأنتِ ترتدين ذلك الخلخال ومع السائق يا حرمي !!!!

وجهت سحر بصرها ناحيته وكان محياه قد تلون بكل ألوان الغضب تشتم نفسها بعد أن بدأت تستوعب هفوتها تلك فهمست: خطأ غير مقصود.

دنى منها ببطئ مما أربك نبضها محاصرًا إياها قرب الرخام لتضع كفيها عليهما متمسكة به مردفة بخجل: حسنًا عاتبني دون الإلتصاق بي...

مد ذراعيه مرتكزًا بيديه على الرخام من خلفها ضائعًا بلازورد عينيها هامسًا بخفوت: كم مرة علي أن أنبهكِ بأنّ الخلخال ممنوع خارج القصر ؟!

إرتفع جفناها يعانقان عينيه السوداوين مهمهمة بمراوغة: أتعلم أنك تبدو قبيحًا حين تغضب ؟!!

عقد حاجبيه مستفهمًا بضيق: هل عدتِ لعادة الإستفزاز هذه ؟!

نفت سحر موضحة بتلاعب: لم أتخلى عنها حتى أعود لها يا رعدوش...لهذا لا تغضب كي لا يقولوا أنّ زوج سحر قبيح.

أغمض عينيه محاولاً تمالك صبره مهسهسًا بحدة: أجيبي على قدر السؤال يا بلوة حياتي.


عبست سحر غير أنّ تقاسيم وجهها تغيرت وهي تطوف ببصرها على وجهه الذي كان مجروحًا قليلاً...فرفعت كفها متلمسة جرح صغير قرب حاجبه، فتخشب هو مبتلعًا ريقه يرنو ببصره لمحياها البهي وهي بهذا القرب تمد أناملها لبقية جروحه مستفهمة بنبرة قد غشيها الألم: هل كان قاسي عليك ؟!

تحرك بصره بتأن بها مجيبًا بهمس خافت: من ؟!

تطلعت إليه بنظراتٍ حانية موضحة: أدهم...يبدو أنه كان عنيفًا معك.

إبتسامة صغيرة شقت ثغره مستفهمًا منها: من أخبركِ أنه هو ؟

ترسم وجهه بعينيها موضحة: حين أحضرني لهنا هو من أعلمني بذلك.

ظلا يحملقان ببعض مرددًا بجدية: أدهم أخي الغالي وكل شيء مقبول منه...ودفاعه عنكِ يدل على حبه الكبير لكِ وهذا يجعلني أفخر برجولته وغيرته على أخته التي هي زوجتي.

رق محياها مغمغمة بسخط: لكن واضح أنه كان عنيفًا يا رعد...ليس لهذه الدرجة.

ران الصمت لوهلة وقد رفع كفه لذقنها ممررًا أنامله بخفة عليها مرسلاً لها ذبذبات لكافة جسدها مصرحًا: لابأس...بعد الذي فعلته بكِ ربما أستحق أكثر من ذلك..

نفت سحر بقولها: بالله عليك يا رعد أخبرتك أن لا تحمل نفسك أي ذنب..

دنى منها أكثر فإزدادت هي إلتصاقًا بالحافة الرخامية وقد هيمن عليها بحضوره الطاغي محدقًا بعمق عينيها مهمهما بنبرته الخشنة: هل أنتِ حقًا مقتنعة بأنه لا ذنب لي أو تتلاعبين بي فقط ؟!!

رغم تشوشها الداخلي إلا أنّ شفتاها قد تزينت ببسمة مشرقة قائلة: مادام فعل غير مقصود فأنا أعتبرك غير مذنب.

إنحنى عليها أكثر وقد بدأت أنفاسها تتسارع وخفقها يزداد تدريجيًا هامسًا بأنفاس ساخنة: لم أكن أعلم أنكِ متسامحة لهذه الدرجة ؟!!!

رطبت شفتيها مجيبة بتهرب: حسنًا ها قد علمت...والآن إبتعد ودعني أنهي عملي...

حاولت دفعه عنها غير أنه دنى أكثر محاصرًا إياها مرددًا بخفوت: لا بأس إعملي..

إبتلعت ريقها وقد إشتعلت وجنتيها حياءًا مستديرة توليه ظهرها تحاول التركيز قدر الإمكان بعملها وهي تشعر بدفئه خلفها فتصلبت بوقفتها شاعرة بكفه تتمرد لخصرها ببطئ وقد دس وجهه برقبتها هامسًا لها: نفس عطري تمامًا..هل تشترين مثلي ؟!!

تلوت سحر بين ذراعيه محاولة إبعاده عنها قائلة بإرتباك ووجه محتقن بالحمرة: قلت لك سابقًا يشبهه فقط...

تبسم رعد مستنشقًا عبيرها الآخاذ مهمهمًا برجولية: سبحان الله شبه مطابق تمامًا..

هاجمتها مشاعر غريبة لتتجاهلها ملتفتة له دافعة إياه بقوتها دون أن يتزحزح: كفاك عبثًا...إبتعد فهذا تحرش صريح..

إفتر ثغره عن بسمة رجولية وسيمة هدمت حصونها مردفًا بنبرة خشنة: لا بأس إعتبريني زوجكِ.

نفت بدلال محاولة إزاحته وهو بهذا القرب الذي يضعف دواخلها قائلة: لست كذلك بل أنت صديقي...ولا يجوز التحرش بين الأصدقاء.

كبح ضحكته على ذلك التورد اللذيذ الذي يريد قضمه قائلاً بهدوء: هناك أصدقاء يفعلون ذلك أيضًا.

رفرفت برمشها مجيبة بحلاوة: لكنك صديق مؤدب ومتخلق تبارك الله.

لم يجد بدا من الإنصياع بعد أن غلبته بقولها معقبًا برضوخ لسحرها ذاك: حسنًا هزمتني..

زفرت براحة تسعى للسيطرة على هدير فؤادها المتعالي تراه قد جلس على كرسي خشبي قرب الطاولة، لتعود لعملها مشغلة الموقد مباشرة طبخها.

حيث إتكأ رعد على ظهر كرسيه و عيناه تبصرانها تتحرك برشاقة هنا وهناك..وشعرها ذاك يشاركها بخفة حركتها...مهما نظر لها صدقًا أصبح لا يمل من مرآها وهي حوله...هي خليط غريب وممتع من كل شيء....هي إمرأة تصنع المزاج الجيّد من أسوء المِزاجات...ليتهادى له صوتها القائل: يبدو أنّ أدهم كان يعتني بك بالأيام الماضية...فالثلاجة ممتلئة.

إرتفعت زاوية شفتاه بسخرية وهو يقول: أجل هو كذلك يحب ممارسة دور الأمومة معي...كلكم ورثت نفس الميزة من العمة جوليا..

ضحكت سحر كأنها تغرد مقتربة منه واضعة بعض الأطباق قربه مجيبة: وهل تزعجك هذه الميزة بنا ؟!!

شيعها بنظراته مرددًا: أجل...تجعلني أصاب بالتخمة من فرط المشاعر التي تغدقونها علي..

إنفجرت سحر ضحكها واضعة كفها على صدرها تحاول السيطرة على موجة الضحك التي هاجمتها قائلة بعدها: يا إلهي دمك خفيف حقًا.

رفع حاجبه عليها فإسترسلت هي قولها: حسنًا يبدو أنّ هذا هو قدرك فإرضى به وكفاك تذمرًا لا طائل منه..

بعد لحظات صفت باقي الأكل أمامه تجلس قربه على الطاولة متحدثة: هيا إبدأ..

سم بإسم الله مباشرًا أكله...فسكبت له العصير مقربة الكأس منه، حيث جالت ببصرها به وهو يتناول طعامه فإبتلعت ريقها فواضح عليه الجوع هامسة: تبدو جائعًا جدًا ؟!

أومئ لها مجيبًا إياها: لم أكل بالأيام السابقة إلا قليلاً.


عقدت حاجبيها مستفهمة منه بحيرة: لماذا ؟!


إرتشف بعضًا من الماء مصرحًا: لم تكن لي أي رغبة.


تقطيبة خفيفة علت جبينها مستفسرة مرة أخرى: وما الذي تغير الآن حتى تعود شهيتك ؟!!

حدق بعمق عينيها مجيبًا: إطمأننت أنكِ بخير وسامحتني.

توردت سحر تشعر بشرارات تقتحمها مستقرة داخلها هامسة: هذا ليس بسبب قوي يجعلك تهمل تغذيتك و صحتك يا رعد.

ناظرها بعيون عميقة لم تفهم هي فحواها مرددًا وهو يغير الموضوع بعدها: هل كنتِ تبعين سابقًا هذا الأكل ؟

إرتسم على شفتيها تعبير فرح مجيبة: أجل...كنت أحضر مختلف الأطباق سواء التقليدية أو المعاصرة.

أومئ لها بهدوء فقربت هي منه طبقًا آخرًا تعود لصحنها مباشرة أكلها، غير أنها حولت بصرها له مستفهمة: كيف علمت أنني كنت أقوم بذلك ؟!

رفع حاجبه يناظرها بجمود تام قائلاً: تقومين بماذا ؟!


علت الجدية محياها موضحة: أقوم ببيع الأكلات المختلفة لأنني لم أخبرك سابقًا عن هذا..

إبتسامة صغيرة شقت ثغره مجيبًا: فقط خمنت.


إحمر وجهها وبان إنفعالها في زمة شفتيها وهي تقول: رعد من فضلك أريد إجابة شافية ولا تتحذلق علي.

تنهد الأخير تنهيدة عميقة موضحًا: حين عدتِ للقصر كنت قد قمت بتقصي كل المعلومات عنكِ وعن أختكِ.

إمتقع وجهها مبادرة بسؤالها: ماشاء الله...ألا يكفي أن أبي قد تقصى علينا حتى تقوم أنت بذلك ؟


وضع رعد الكأس على سطح الطاولة مجيبًا بجدية: هذا واجبي يا سحر فأنتما كنتما غريبتان عن القصر ولا نعرف كيف قضيتما تلك السنوات...الموضوع ليس بتلك البساطة التي تتخيلينها..

تمتمت سحر بإنشداه: غريبتان !!

أومئ لها الأخير موضحًا: أجل لكن ليس بالمعنى الحرفي...صحيح أنك من أهل القصر ومن نفس الدم لكنك قضيت عمرًا طويلاً بعيدة عن أسرتكِ لهذا كنتِ بحكم الغريبة حتى تعودي وتختلطي بهم فتزول هذه الصفة.

زفرت سحر بخفوت متجاهلة الموضوع فهي تدرك أن له وجهة نظر صائبة، تتناول أكلها بهدوء ليخترق مسمعها تسائل: كم كان ثمن هكذا أطباق ؟!


هزت كتفيها مجيبة إياه: حسب الطبق والجهد المبذول فيه وكذلك المكونات...لكن كانت الأسعار بسيطة في متناول الجميع فلم أحب أن أثقل كاهل أي أحد.

وضع اللقمة بفمه مرددًا بعدها: ما الذي دفعكِ لبيع المأكولات..؟؟!!

تنهدت تنهيدة خافتة صغيرة قائلة: وضعنا المادي كان سيئًا حينها...وكنا بحاجة للمال...

إنزوى حاجبي رعد مستفهمًا: ألم تكونا تأخذان معاش والد شهد...أظنه يكفيكما بما أنكما عازبتان.

نفت سحر موضحة: بعد وفاته لم نكن نأخذ المعاش لعدة أشهر كما تعرف بهكذا حالات فإن إنتقال المعاش للإبن أو الإبنة يستغرق وقتًا حسب القانون...بالبداية إعتقدنا أنها أمور مؤقتة وبعدها يعود الراتب لشهد لكن للأسف لاحقًا إكتشفنا أنّ عمها النذل هو من كان يأخذه بالتعاون مع موظف المركز المالي.

تقبض بقوة مستفهمًا بهدوء مختلق: وما الذي حدث بعدها ؟!

إرتسم على شفتيها تعبير مفرط القسوة مجيبة بحدة: قمت بقلب المركز المالي فوق رؤوسهم ببساطة...وهددتهم بأنني سأفضحهم بالمواقع والجرائد وأرفع دعوة قضائية بالمحكمة ضدهم بتهمة إستلائهم على حق أختي المالي وتسليمه لشخص آخر مخالفين بذلك القانون ...


رفع حاجبه وقد مر بريق فخر خاطف بمقلتيه مستفسرًا: وما الذي حدث بعدها ؟!

قهقهت سحر برقة غامزة له بجاذبية بمفرطة وهي تقول: طبعًا إرتجفوا و خافوا على مناصبهم أولائك الحمقى فإعتذروا فورًا متحججين أنه خطأ غير مقصود وسيحلونه حالاً...وهذا الذي حدث بعدها.

إفتر ثغره عن بسمة طفيفة مرددًا ببحة رجولية: لا يستهان بكِ أبدًا.

هزت كتفيها بدلال مجيبة إياه: طبعًا يا عزيزي...في هذه الحياة إن لم تكن ذئبًا فستأكلك الذئاب...لهذا بهكذا مواقف فتبًا للخجل وللأخلاق ولا مجال هنا إلا للقوة...معتوهين يعتقدون أنّ لحمنا سيكون حلوًا و متاحًا للجميع...

أومئ لها رعد يناظرها بعيون عميقة معقبًا على قولها: صحيح...لكن ذلك سابقًا يا زوجتي...يعني الآن إنسي كل ذلك.

قطبت جبينها مستفهمة بعدم فهم: ما المقصود ؟! ..هل علي أن أتحول لنعجة مثلاً ؟!

مد رعد كفه أسفل كرسيها يجذبه ناحيته فإرتبكت سحر وهي بهذا القرب منه لتعلن وجنتيها توردها خاصة حين ردد بهدوء: قلتها لكِ سابقًا سأرضى بأن تكوني لبؤة في حالة ما كنت أنا بعيدًا أو غير موجود فقط...لكن وها أنا أكررها على مسمعكِ للمرة الألف...لكن مادمت موجودًا وحاضرًا فأنتِ ستتراجعين للخلف وتتركين الساحة لي فقط..


أسبلت جفنيها بحياء فرفع هو ذقنها ذو الطابع السمح ناحيته لتتعانق نظراتهما وتلتحم هامسًا بتسائل: أين الجواب يا حرمي ؟!

إزدرت ريقها و هي مقيدة بسواد مقلتاه قائلة: سأحاول..

مسح خدها برفق وعيناه تتفرسان وجهها ببهائه المفرط مرددًا: يجب عليك ذلك يا سحر..فأنتِ ناضجة بما فيه الكفاية كي تدركي صواب قولي..و لأن النُضج عزيز جداً، لا يُهديك ذاته إلا بعد أن
يُذيقك مرارة المواقف، ويُجرّعك من كؤوس
التجارب ، ويأخذ ضريبته من نفسك....لهذا و بما أنكِ محفوفة بالرجال الآن فإتركي الساحة لهم فقط.

دغدغت لمستة الحانية جوارحها بكل إنسيابية دافئة فرطبت شفيتها مهمهمة: ممممم حسنًا لكن أريد منك طلب صغير يا رعدوشي.

رفع حاجبه معلقا: تدركين أنّ طلبك سيرفض مادمت تطلبينه بكل هذا الدلال واللطف.

قهقهت سحر مقربة قطعة التفاح من ثغره تلقمه إياها بلطف مرددة بعدها: بالله عليك إنه طلب صغير جدًا وأنت ما شاء الله عليك كريم وطيب ولا تقهر قلب زوجتك وصديقتك.

أومئ لها ببطئ مصرحًا: لأجل مصالحكِ تجيدين المدح حقًا..

وضعت بثغره قطعة أخرى وقد إمتزجت نظراتهما وتعانقت هامسة له بحلاوة: أكيد خاصة أنني أدرك جيدًا أنّ زوجي لن يرفض طلبي أبدًا.

إفتر ثغره عن بسمة رجولية تراقصت لها أمواجًا من الفراشات بصدرها خاصة مع بحة صوته حين قال: حسنًا يا حرمي أبهريني.

تطلعت إليه بنظرات الجرو البريئ قائلة بمسكنة: أريدك أن تعلمني كيف أستعمل المسدس.

ران الصمت لوهلة يحاول إستعاب طلبها فإستفهم بحدة: عفوًا !! كرري مطلبكِ ؟!!

رفرفت سحر برمشها مسايرة إياه وهي تقول: أريدك أن تعلمني إستعمال المسدس يا زوجي الحنون اللطيف.

علت بسمة ساخرة ثغر رعد معقبًا بعدها: لماذا إن شاء الله...كي تطلقي النار على أي شخص يعبس بوجهكِ...أو كي تسفكي دم كل فرد نسي أن يحييكي تحية الصباح...

قلبت سحر مقلتيها مجيبة: أجل سأفعل وأنت ستكون أولهم...

إستقام رعد من مجلسه مرددًا ببرود: جيد إذًا... لأنني لن أوافق.

عبست سحر وهي تراه يغادر المطبخ فزفرت تحمل الأطباق هامسة بضجر: نينينينيني..لا يجيد سوى الرفض...سوف أريك...

بعد وقت نظفت سحر المطبخ وحضرت مشروب اليانسون الدافئ متجهة لغرفته متوغلة فيها فلمحته يغادر الحمام يجفف شعره فبرطمت: للمرة المليون لا تجفف شعرك إلا بالحمام يا رعد ،سوف تمرض هكذا...

دنى من السرير بعد أن أنهى التجفيف قائلاً: كفاكِ مبالغة.

فتحت نور الأباجورة لتغلق بعدها أنوار الغرفة وقد إقتربت هي الأخرى من السرير متسلقة إياه: خذ هذا سيساعدك في الإسترخاء والنوم.

أخذ الكأس منها معلقًا بعدها: يانسون كالعادة.

رفعت اللحاف عليهما هامسة: أجل هو...وبالمناسبة سأعتبرك وافقت على عرضي الذي عرضته عليك قبل لحظات.

إرتشف قليلاً من المشروب مجيبًا إياها: غريب لا أظنّ أنني فعلت ذلك.

قرصت سحر خده مغمغمة: بلى فعلت...فأنت طيب ولن تكسر قلبي الصغير.

أبعد رعد كفها المستفز عن خده مجيبًا ببرود: إنسي الأمر...قبلها فقط أخبرتكِ أننا هنا ولن نسمح لكِ بالتقدم مادمنا نحن نلفكِ بالحماية يا سحر.


تنهدت الأخيرة ملتفتة له بكليتها محاولة إقناعه بقولها: أكيد أنتم هنا يا رعد...لكن أنا أتحدث عن مواقف تكون فيها أنت بعيدًا مثلما حدث يوم الغابة...


تقطيبة خفيفة علت جبينه متسائلاً بجدية: هل تشعرين بالخوف وأنت معي ؟!!

حدقت بعمق عينيه التي بدت نظراته بهما وكأنه يتلهف لجوابها...فإبتلعت ريقها وعقلها يأخذ شذًا وجذبًا للأجابة عن سؤاله..هل هي تشعر بالخوف معه ؟!! فلم تصل لجواب غير لا...هي أبدًا لم تشعر بأي تهديد أو قلق مادامت ضمن مداره الخاص...بل كانت الراحة التامة تغمرها وكانت تلفها كل تراتيل الأمان معه...فتنهدت تنفي برأسها مرددة: أبدًا..

زفر بخفوت وكأن الروح التي كانت غائبة عنه قد عادلت لثنايا جسده معقبًا بحدة: إذًا لا داعي لحملكِ لأي سلاح.

زمت شفتيها مردفة: حين تكون أنت بقربي ومعي فأكيد ستتولى حمايتي يا رعد...لكن أنا أتكلم في حالة ما كنتم بعيدين عني...هل سأترك الأعداء يقتلونني أو يغتصبونني ربما.

زمجر بها رعد وقد إشتعلت جوارحه غضبًا: سحــــر...

إرتبكت الأخيرة فزمت شفتيها مستلقية على جانبها حيث الطرف الآخر تغطي نفسها باللحاف، فمسح هو وجهه يشعر بتأنيب الضمير ينغزه مرددًا بهدوء قدر الإمكان: فقط لا تستفزينني...

تجاهلته الأخيرة متظاهرة بالنوم فتنهد رعد واضعًا الكأس على الطاولة الصغيرة قربه محتارًا من هذا الوضع الغريب...فهي كانت تجادله وترد له الصاع صاعين...ما خطبها الآن ؟؟ تحدث بصبر: لم أقصد الصراخ عليكِ...لكن كلمة إغتصاب تلك أحرقت أعصابي..

تبسمت سحر بسخرية مجيبة: لأنّ الحقيقة تألمكم أليس كذلك...يبدو أنك كنت تعيش بفقاعة وردية يا رعد...لهذا أفق قليلاً.

إنزوى حاجبيه بعدم فهم مبادرًا تسائله: أي حقيقة هذه ؟!!

إستقامت سحر منتصبة بجذعها وهي تلتفت له مجيبة إياه بحدة: حقيقة أنّ يوم الغابة ذاك كدت أغتصب...لكن لولا ستر الله وحمايته حال دون ذلك.


توسعت عيني رعد يقبض على ذراعها بقوة هادرًا بها بجنون: والآن فقط تعلمينني !! هل لهذه الدرجة لا قيمة لي عندكِ ؟!!!

حاولت سحر إبعاده عنها مجيبة: قلت لك محاولة فقط...لكن شهد ضربته وبعدها طعنته أنا...رعد لا تكبر الموضوع رجاءًا....


إستعرت الجحيم بوجدانه يشعر بالغضب يتدفق لشرايينه وهو يتخيلها بذلك الموضع مهسهسًا من بين أسنانه: يومها سألتكِ إن كانوا قد تحرشوا بكما أو أي شيء آخر...حينها أنكرت كليًا وقلت لي أبدًا...إذًا كنت تكذبين وأنتِ تنظرين بعيني يا سحر...

نفت الأخيرة رافعة كفها لوجهه محاولة تفنيد سوء ظنه هامسة: أبدًا يا رعد...لأنني بوقتها قد ثأرت لما حدث وقد قمت بطعنه وضربه عدة مرات بل أنني أفقدته بصره كما تعلم وهذا كان ردًا لإعتباري ولمحاولته الخسيسة تلك...ما كنت لأمررها له بسهولة...لهذا لماذا قد أعلمك ما دمت إقتعلت حقي منه.

تسارعت أنفاسه مرددًا بفحيح مضلم: تعلمينني كل شيء يا سحر...هل فهمتِ كل شيء...حتى ولو مرت نسمة هواء حولكِ بوقتها أريد معرفة ذلك...

إبتعلت ريقها محتوية خديه بين كفيها هامسة: حسنًا لا بأس..فقط إهدأ يا رعد بالله عليك لا أحب رؤيتك بهكذا غضب...

إهتزت لؤلؤتاه فمسحت سحر ذرات العرق التي نضح بها جبينه مسترسلة بلين: كان ماضي وإنتهى يا رعد...وزوجتك ردت الصاع صاعين لهذا بدلاً من الحنق وإحراق أعصابك فقط إسترخي بهدوء.

زفر الأخير مردفًا بحدة: هذه آخر مرة تخفين عني شيئًا ما يا سحر...لن أبقى هادئًا لوقت طويل..

تبسمت برقة تمشط شعره بحنو قائلة: حاضر...فقط لا تغضب فهذا سيسبب لك التجاعيد يا زوجي الوسيم...هيا إبتسم...إبتسم...البسمة تناديك..

لملم إبتسامته متكئًا على السرير فدنت هي منه تقرص وجنته قائلة: إذًا موافق وستعلمني.

هم بالرفض غير أنها وضعت كفها على ثغره هامسة بلين: رعدوشي الطيب هيا كن لطيفًا كما عهدتك..

تنهد بخفوت مومئا لها بحسنًا فقهقهت برقة تقرص خديه هامسة: ظريف والله.

أبعد كفيها عنه مرددًا بصبر يحسد عليه: كفاكِ قرصًا لي...

ترددت سحر وقد أصابها تشتت لحظي فبادرها هو متسائلا حين لمح حيرتها: ما بكِ ؟!

وضعت الأخيرة خصلة خلف أذنها هامسة: بخصوص ما طلبه أبي منك...أقصد الطلاق...ماذا قررت ؟!

رمقها بنظرة غلفها الغموض مستفهمًا هو الآخر منها: سابقًا قلت أنني لن أطلقك...لكن الآن ومبعد الذي سببته لكِ فسأنفذ ما تأمرين به يا سحر...لهذا فالخيار بيدكِ أنتِ فقط ؟!

إبتعلت ريقها وقد علا هدير قلبها والضياع يكبلها...صدقًا هي لا تعرف ماذا تريد بالضبط ؟! حيث عقبت: ما الذي يريحك أنت ؟!

ناظرها بعمق عينيه هامسًا: تريحني راحتكِ فقط.

توردت المعنية تتلاعب باللحاف ما بين يديها مغمغمة: في الحقيقة يريحني لقب أرملة أفضل من مطلقة...

كبح ضحكته بصعوبة مُنوهًا بعدها: لهذا كنت أمانع تعليمكِ إستخدام المسدس...لأنني سأكون أول ضحاياكِ..

قهقهت سحر برقة تنفي ببرائة: سامحك الله...أكيد سأطلق عليك لكن ليس لدرجة الموت..ربما بالذراع والساق فقط...إطمئن ستضل حيًا يا زوجي..

تنهد مفكرًا ليقول بعدها: سوف أحدث عمي بنفسي..هو سيحاول الإلتزام بموقف الحدة معي كنوع من التحذير لي مستقبلاً..

غمغمت سحر بقولها: سوف أقف بوجهه وأرفض قراره...الأمر ليس صعبًا..

إحتدت تقاسيم رعد مقتربـًا منها محذرًا إياها: إياااكِ أن تقفي بوجهه يا سحر...عمي عصام خط أحمر...بل عدة خطوط حمراء...ممنوع عليكِ حتى التجرأ على الرد عليه..

إنزوى حاجبي الأخيرة موضحة: لا أقصد الوقوف بوجهه بمعناه السلبي فلقد خانتني الكلمات فقط...هو أبي يا رعد ومستحيل أن أغلط بحقه أو أقلل من شأنه بل أنا أتفهم غضبه ذاك...كل ما في الأمر أننا سنكسب الموقف بذكاء لا غير..

إستلقى على ظهره قائلاً بهدوء: سوف أحدثه بنفسي أنتِ لا تقحمي نفسكِ بيننا يا سحر...لا أرضاها لا لكِ ولا له...

أشرقت بسمة على فاهها مقتربة منه وهي تستفهم: هل تحبه لهذه الدرجة ؟!

قطب جبينه كأنه يرى مخلوقاً غريبًا مجيبًا بعدها: إنه والدي ؟!! أكيد هو و جوليا أغلى ما أملك بهذا الكون.

أصدرت سحر صوتًا مستلطفًا تقرص خده برقة هامسة: يا لك من إبن لطيف وظريف.

أبعد كفها عنه متحكمًا ببسمته مرددًا: حسنًا كفاكِ قرصًا لي ودعينا ننام..

إستلقت على ظهرها حيث أصدرت صوتًا خافتـًا متألمًا منقلبة على جانبها مقابلة له، فإبتلع مرارته مستفهمًا منها: هل يؤلمكِ ظهركِ ؟!

أشفقت سحر عليه من تأنيب الضمير نافية برأسها وهي تجيب: لا...لكن فقط حين أتحرك بسرعة أشعر ببعض الوجع الخفيف لا تقلق..

حدق بها بعينين عميقتين متسائلاً: هل تنامين على جانبكِ منذ الحادثة ؟

أومئت له المعنية مصرحة: أجل...لكنني أحيانًا أنام على ظهري بعد أن شفيت أغلب الإصابات..

حيث عدل وضيعة إستلقائه ليكون على جانبه مقابلاً لها تمامًا فمد ذراعه لها قائلاً بعدها: تعالي إلي.

توردت سحر بحياء وقد بدأ قلبها يعلو هديرة تشعر بالخجل والتردد بالآن ذاته، غير أنه أزال عنها خجلها يجذبها برفق بكفه الآخر ناحيته، لتتوسد على ذراعه غير قادرة على النظر بعيناه، ليتقرب منها أكثر رافعًا اللحاف عليهما يشدها بذراعه الآخر له...فإرتبكت سحر تشعر بنفسها متخشبة وهي بهذا القرب منه فتمردت كفه حيث شعرها يمسح عليه بحنو هامسًا لها: شكرا لأنكِ لم تخذلينني وسامحتني دون أي لومٍ أو عتابٍ.

رفعت وجهها ناحيته ترمق وجهه عن قرب فرغم، الضلام المحيط بهما إلا أنها إستطاعت أن تبصر لؤلؤتاه التي كانت تبثانها دفئًا غريبًا فإهتزت جدران روحها وإختضت بعنف هامسة بخفوت: وشكرًا لك لأنك كنت دومًا بظهري ولم تخذلني.

جذب رأسها ناحيته لاثمًا جبينها بدفئ فأغمضت عينيها بقوة وقد إشتعلت وجنتيها خجلاً وخفق قلبها خفقًا متسارعًا يكاد يحطم قفصها الصدري...فضمها بلين ناحيته ملتصقة بصدره العضلي.. يمسح بكفه على ظهرها هامسًا لها بأنفاسه الساخنة: لا بأس إسترخي فأنا لا آكل اللحم البشري.

أصدرت قهقهة صغيرة واضعة جبينها على صدره تمد يدها بتردد ناحية قميصه تتمسك به كأنه سيفلتها إن لم تفعل، تغمر ذاتها بين جنبات دفئه الرجولي الذي داعب أنوثتها بكل عبث.

:
•♡•
:

أشار عصام للموظف مرددًا بهدوء: لا بأس إسمح له بالتفضل.

أومئ له الأخير بعملية متحركًا خارج المكتب سامحًا للزائر بالولوج، هذا الأخير الذي دلف متوغلاً بخطى هادئة فإستقام له عصام يمد كفه له مرحبًا به بجدية: أهلاً

سلم عليه المعني مرددًا: شكرا على قبولك لقائي سيد عصام...في الحقيقة إنتظرت عدة أيام كي تفرغ لي بضع دقائق من وقتك ماشاء الله، لو قررت مقابلة رئيس الدولة لكان أسهل..

رفع عصام حاجبه على جرأته مصرحًا بعدها: طبعًا هو كذلك...لأنّ رئيس دولتك هو الآن بمنصبه ذاك بدعم خاص منا نحن..

تبسم الآخر معقبًا على قوله: جيد...إذًا هذا يشير إلى أنك سهل التعامل وبالتالي سيسهل علي مهمتي.


أشار له عصام بالجلوس ففعل الآخر ما أراد فعاد عصام لكرسيه مشابكًا كفيه ببعضهما البعض يرمق هذا الغريب الذي كان منذ أيام يصر على مقابلته، فإستغرب بالبداية فهو أصلاً لا يعرفه ولم يقابله مسبقًا لكنه رضخ بالنهاية مفسحًا له بعض الوقت عساه يفهم مراده، حيث ردد بجدية: ها قد لبيت طلبك وقابلتك هلا تكرمت علي وأعلمتني بماذا تريدني يا هذا ؟!

وضع الأخير قدمًا فوق الأخرى مجيبًا بإحترام: عصام آل سلطان وأخيرًا قابلتك...قمت ببحث صغير عليك ولا أنكر أنني تفاجئت حين علمت أنّ لك ثلاث شباب كبار وإبنة شابة...فمظهرك لا يوحي بذلك أبدًا..

صحح له عصام قائلاً: لدي إبنتان...حاول مستقبلاً أن لا تأخذ معلوماتك من قوقل فهو ليس بمصدر موثوق..

إنزوى حاجبي الرجل متمتمًا بإستغراب: إبنتان !! غريب فقوقل لم يقل هذا حقًا !! لا بأس فلنعتبر إبنتك الأخرى فال خير علي بإذن الله.

زفر عصام بصبر مصرحًا بوقار: تفضل أخبرني ماذا تريد ؟

عدل الآخر جلسته مردفًا بثقة: أولاً من باب الكرم الذي سمعته عنك كثيرًا أطلب لي قهوة سوداء وأكيد سأخبرك فأنا لست على عجلة لابأس.

تنهد عصام تنهيدة عميقة يضغط على هاتف المكتب قائلاً: أحضر إثنان قهوة سوداء من فضلك.

بعد لحظات دلف الموظف واضعًا القهوة لكلاهما مغادرًا بعدها، فإرتشف الأخير على مهل يناظر عصام الذي كان ينتظره بصبر كبير ليضع بعدها الفنجان على المنضدة بقربه معلقًا: شكرًا هي لذيذة حقًا.

أومئ له عصام مصرحًا: عفوًا...إن كنت تريد الغذاء فلا بأس سوف أطلبه فورًا لك..

لملم الأخير بسمته وهو ينفي بقوله: لست جائعًا... فلنأجلها لحين قدومي لقصركم بإذن الله.

رفع عصام حاجبه مستفهمًا بعدم فهم: قدومك للقصر ؟!!

أومئ له الآخر وقد إرتسمت على ثغره بسمة رجولية واسعة: نعم قصركم لما أنت مستغرب ؟؟ أووه عذرًا نسيت أن أعلمك سبب قدومي لك وأخذي من وقتك يا عصام ؟!!

رفع الأخير حاجبه مجددًا عليه مكررًا قوله: عصام ؟!! ما شاء الله يبدو أنني أصبحت صديقك المقرب وأنا لا أعلم ؟؟

ضحك الآخر بخفة معقبًا بمزاح: صحيح أنك أكبر مني بسنوات عديدة لكن لا بأس سأعتبرك كذلك..ومع حاجتي التي جئت لأجلها سترتفع مكانتك عندي لأكثر من صديق أبشر بذلك.

ناظره عصام بإستغراب مرددًا بعدها: والله صرت متشوقًا لمعرفة حاحبتك المهمة هذه.

تنحنح المعني قائلاً بهدوء: في الحقيقة جئت لك طالبًا يد كريمتك.

رمش عصام عدة مرات يناظره بجمود تام مصرحًا بعدها بإختصار شديد: لا بنات لدي للزواج.

نفى المعني مستفهمًا بحيرة: من قال أنني أتيت لأجل بناتك يا عصام ؟!!

إنزوى حاجبي الأخير مبادرًا بتسائله: إذًا من ؟!!

تزينت شفتي الرجل ببسمة هائمة متذكرا تلك البهية وهو يقول: طبعًا الآنسة مريم.

ضيق عصام عينيه مستفهمًا بنبرة بدت خطرة: عفوًا ماذا قلت ؟!!!

كرر الآخر مطلبه بهدوء يحسد عليه: أريد طلب يد أختك الكريمة مريم على سنة الله ورسوله...ويا حبذا أن تكون الخطبة والزواج بسرعة فصدقًا أحب العجلة في مثل هذه الحالات.

إستند عصام بظهره على الكرسي يرمق هذا الغريب الذي لا يعرف من أين سقط عليه متحدثًا بصبر: ومن أين تعرف أختي إن شاء الله ؟!

تحدث المعني موضحًا: أولاً إسمي طارق الداسري عمري خمس وأربعين سنة وأنا أعزب...لم أتزوج لأنني كنت بإنتظار أن يكرمني الله بأختك طبعًا.

هدر به عصام بحدة: هل ستتواقح بوجهي أو ماذا ؟!

ضرب طارق كفيه ببعضهما البعض محولقًا: لا حول ولا قوة إلا بالله...أين الوقاحة يا عم...هل فقط لأنني أخبرتك أنّ الله أخر زواجي كي يعوضني بكريمتك تلك..أتسمي لفظي هذا وقاحة ؟!!

تمتم عصام بذهول: عم ؟!!

عقب طارق بمناكفة: طبعًا أنت بمقام العم وبعد الزواج بإذن سوف تكون صهري وأخ زوجتي...فلذلك الوقت سوف أناديك بعم عصام.

زفر الأخير بخفوت على ثقته الزائدة مستفهمًا: أختي ليست متاحة للزواج يا هذا..

إنتفض طارق مذعورًا وهو يردد: لماذا...هي عازبة وأنا عازبة أين الإشكال في الأمر...وبخصوص المهر لا تقلق سوف أعطيك ألف صاعٍ من القمح ومئة ناقة..أبشر بكل خير..

فغر عصام فاهه مكررًا قوله بإنشداه: ألف صاعٍ قمح وناقة ؟!!(فتشنج فكه مرددا بحدة) كفاك سخرية يا هذا...وليس لي أخت للزواج...غادر لو سمحت.

جلس طارق مجددًا واضعًا قدمًا فوق الأخرى مصرحًا بهدوء: حسنًا لا تغضب فهذا ليس لصالح زواجي، فالواضح أنك لست بسهل بتاتًا...لهذا فلنعقد صفقة صغيرة...إن سهلت علي زواجي من المحروسة أختك وعد مني أنني سأعطيك الأولوية في تسمية أولادنا يا عصام.

حدق به عصام كالممسوس..ما خطب هذا الرجل...صدقًا ما خطبه ؟!! ليضع سبابته والوسطى بين عينيه محاولاً تمالك أعصابه كي لا يخطئ بحق ضيفه قائلاً بهدوء: أطفالك إذًا ؟!!

أومئ له طارق وقد أشرقت تقاسيمه الرجولية ببسمة واسعة مؤكدا: أكيد...طفلان وبنتان بإذن الله..

تطلع إليه عصام بذهول طفيف لتتحول لضحكة خفيفة بعدها مكررًا قوله بصدمة: طفلان وبنتان !!...ماشاء الله ومن أختي أيضًا ؟!!

أكد طارق قوله مجددًا: نعم...هيا يا عصام أنت جربت شعور العم كثيرًا ألا تحب تجربة شعور الخال قليلاً...كلما تساهلت معي كلما إقتربت من لحظة تتويجك بمنصب الخال...صدقني وعن تجربة هو شعور رائع حقًا..

إبتسم عصام بسمة مصطنعة مجيبًا إياه: شكرًا لا أريد تجربة ذلك الشعور..

هز طارق كتفيه قائلاً: لا بأس فنحن بدولة قانون وحق الرفض مخول لك طبعًا...المهم الآن متى موعد الخطبة لو سمحت فلا وقت لي كي أضيعه.

مسح عصام وجهه يستغفر الله بسره ليقول بعدها: ومن قال لك أننا موافقون عليك كعريس لأختي..؟!

إنزوى حاجبي طارق مستفهمًا بإستغراب: ولماذا أساسًا قد ترفض... فأنا مقاول معروف ولدي أعمالي الخاصة وكذلك عازب وسمعتي جيدة بفضل الله...إذا على أي أساس ترفض..؟!

راوغه عصام قائلاً: على أساس الدين ؟!

رفع طارق حاجبه مرددًا بثقة: ومن قال لك أنني أعبد البقر مثلاً ؟!! إطمئن من هذه الناحية فأنا ملتزم وقد قمت بثلاث عمرات وأعرف الحلال والحرام والشبهات كذلك.

شعر عصام أنه محاصر فبادره بسؤال: لماذا أختي بالضبط ؟!!

فرد طارق كفيه على ذراع الأريكة مجيبًا بثقة: لأنها الوحيدة التي جعلتني أرغب بالزواج بعد أن كنت زاهدًا به.

يرمقه بنظرة غلفها الخطر مرددا بهسيس: هل تعرفها شخصيًا ؟!!

تفطن طارق لبداية توتر الوضع فعدل جوابه حين قال: أبدًا...لكنني لمحتها سابقًا بالسوق وحين سألت عنها أعلموني بعائلتها وفورًا تقدمت لها...أقصد بعد وضعي في قائمة الإنتظار من قبلك لعدة أيام حتى تكرمت علي بالنهاية ووافقت على لقائي.

تنهد عصام مصرحًا بجدية: تلك التي تريدها هي ريحانة القلب ومهجة الفؤاد...ولا أحد...ها أنا ذا أكررها لك لا أحد يستحقها من الرجال..

أومئ له طارق معقبًا برزانة: وهذا الذي يجعلني متمسك بالمحروسة أختك...لأنني الوحيد فقط من يستحقها..

إبتسم عصام بسمة بلاستيكية متسائلاً: ولماذا هذه الثقة ؟!!

هز طارق كتفيه مجيبًا إياه: لأنني واثق من نفسي ومن كرم الله علي...فأكيد لم أكن لأحظى بعد كل هذه الوحدة التي مررت بها إلا بمن هي أهلاً لتصاحبني ببقية مشوار حياتي...تستطيع القول أنه عوض طيب من الله بعد عزوفي السابق.

شبك عصام أنامله ببعضهما البعض مستفهمًا: ولماذا كنت عازفًا عن الزواج إن شاء الله ؟!

أجابه طارق بعفوية: في الحقيقة وكي أكون صريحًا معك كنت أكفل إبن وإبنة أختي رحمها الله فبعد أن توفيا والداهما توليت رعايتهما ولم أشأ الزواج كي لا تحدث حساسية بين زوجتي وأبناء أختي، وكي لا أخسرهم مقابل زوجتي والأطفال من صلبي فيشعرون بالخيبة مني وأكسر قلوبهم ويتجرعون مرارة اليتم مرتين...لهذا حذفت فكرة الزواج من رأسي وتوليت دور الأم والأب معهم قدر الإمكان حتى شبّا وصارا ما عليه اليوم..

تغيرت تعابير عصام كليًا فتوجس طارق من محياه الجامد مستفهمًا بريبة: هذا ليس سببًا للرفض يا عصام...حاول إيجاد ثغرة أخرى لا بأس..

تبسم المعني بسمة باهتة مرددًا: لقد أخذت من وقتي الكثير سيد طارق وللأسف لدي ضغط عمل...

وضع طارق ذراعه على ركبته مستفسرًا بترقب: إذا علينا تحديد موعد الخطبة فخير البر عاجله أليس هذا هو المعروف ؟!

تنهد عصام تنهيدة عميقة مرددًا بهدوء: سوف نفكر وبعدها نقرر...

لاح الأمل على تقاسيم طارق متسائلاً: إذا نقول مبروك.

إستقام عصام من كرسيه موضحًا: حين تأتي للقصر ربما قد نقولها...لكن لم نعطي أي قرار لا أولي ولا نهائي سيد طارق.

وقف المعني هو الآخر مرددًا بتذمر: هيا يا عم عصام فحسب المعلومات التي تقصيتها عنك علمت أنك المؤثر رقم واحد بالعائلة لهذا كن متعاونا قليلاً...

مد عصام كفه له معقبًا: لا وعد في مثل هذه الأمور سيد طارق وأكيد أنت تعرف ذلك بما أنك قد كفلت إبنة أختك وهي بمثابة إبنتك ؟!!

سلم عليه طارق وقد إبتسم بسمة هادئة معقبًا بعدها: قولك صائب لا أنكر ذلك...لكن بإذن أنا متفائل.

أومئ له عصام مصرحًا بقول مختصر: التفائل جيد طبعًا...في حفظ الله.

أخذ طارق بطاقة أرقام الموضوعة على المكتب مصرحًا: سوف أتصل بك للإستعلام بعد فترة فلا تتأخروا بالرد كي لا أعود ثانية للمكتب.

ليغادر بعدها تاركًا عصام يهز رأسه عليه...صدقًا غريب وجريئ ذلك الرجل...يبدو أنّ عليه البحث عنه جيدًا...


:
•♡•
:

تشنج فك هاني ينزل عتبات الدرج يبحث عن زوجته مناديًا عليها: سهام...

ردت والدته على ندائه بقولها: بالمطبخ يا بني..


توجه الأخير للمكان المقصود فلمح والدته وسهام جالستين قرب الطاولة تتناولان الشاي فردد بسخط: يا زوجتي هلا شرحت لي لماذا قميصي هذا متسخ هكذا ؟!

قطبت سهام جبينها ترمق القميص الكحلي الذي بيده.. فهتفت بعدها: لقد غسلته منذ يومين فقط.

رفع هاني حاجبه ساخرًا: حقًا !! غريب... لماذا يبدو لي ليس كذلك إذًا ؟

شعرت سهام بالحرج مستقيمة كي ترى القميص، فسبقتها ضحى بعد أن وقفت رافعة إياه تبصره عن كثب قائلة بعدها: هو نظيف يا بني.

جز هاني على أسنانه مرددًا بصبر: أمي ليس كذلك...يبدو متسخًا.

أخذت سهام القميص منها قائلة: لا بأس سوف أعيد غسله وأجففه بسرعة.

نفت ضحى بقولها: هو نظيف ولا داعي لذلك...يبدو أنّ إبني لديه عمى النظر.

كبحت سهام ضحكتها بصعوبة في حين قد برطم هاني بضيق: أمي هو متسخ...متسخ.. وكنت مقررًا إرتدائه اليوم..

هدرت به والدته بصرامة: ليس بكذلك ومادامت سهام قالت قد غسلته إذًا هو نظيف...

تذمر هاني بعبوس: ليس نظيف يا أمي..وكنتكِ تلك واضح أنها لم تركز جيدًا...

هدرت به ضحى بحدة: هل ستضع العتب على سهام الآن...واضح جدًا أنك تعاني خللاً في رؤية...لهذا قم بغسله بنفسك وأصمت.

فغر هاني فاهه مستفهمًا بإنشداه: أغسله أنا ؟!!

أومئت له والدته بقولها: نعم أنت...لكن قبلها هاته...


أخذت منه القميص تمسح به رخام المطبخ فإتسعت عيني هاني بصدمة جلية، لتعض سهام على شفتيها مانعة قهقهتها من الصدوح.

بعد هنيهات من المسح رمته ضحى بوجهه معقبة بحزم: الآن نستطيع أن نقول أنه متسخ... لهذا قم بغسله بنفسك يا إبن بطني..

قهقهت سهام برقة فحدجها هاني بنظرة نارية أربكتها مرددًا بحنق: أمي أنا إبنكِ...إبنكِ.. وليس هي...ركزي قليلاً.

نفت ضحى معقبة بسخرية: لا يا حبيبي لست كذلك...سهام الآن أخذت مكانك...لهذا لملم نفسك وإبتعد عن ناظري قبل أن أفرغ غضبي فيك.

حضنت سهام ذراعها بمحبة هامسة: خالتي الحبيبة.

تغضنت تقاسيم هاني معارضًا: أين هي أمي الحنونة التي تغدق علي بالحب والإهتمام ؟!!

لوت ضحى شفتيها مصرحة: ذلك سابقًا...الآن كل حبي سيكون لإبنتي سهام لا غير...والآن إذهب وإبحث عن قميص آخر...هيا..

إمتقع وجهه متحركا نحو دوره العلوي وهو يتذمر: سحقًا...لماذا تزوجت إذًا ...كي أهان وأرمى على الجانب مثلاً !!

دلف لغرفته متوغلاً بها يبحث بخزانته عن قميص مناسب مرددًا بحدة: أين ذلك القميص الأسود...

مد يده للأعلى حيث الأقمصة المرتبة بعناية يأخذ أحدهم فلمح سقوط شيء ما، حيث إنزوى حاجبيه منحنيًا على الأرض يلتقطه... إذ به ذلك الدواء الذي كان قد أخذه من سهام...إستقام هاني يرمقه بمقلتين جادتين مستغربًا كيف وصل لهنا ؟! ...فهو أساسًا قد تركه بعمله، فلن يخاطر بوضعه أمام عينيها بعد أن كان قد أيقن أنها لازالت تستعملهم...أسرع بفتح العلبة فإتسعت عيناه حين لمحها مملوءة تقريبًا...يعني أنها علبة جديدة وليست القديمة التي أخذها منها...قبض بقوة على العلبة يكاد يحطمها...إذًا إشترت أخرى جديدة...تلك الخبيثة...وهو الذي إستغرب كيف لم يظهر عليها أي أعراض تأثر أو إنسحاب بعد أن أخفى عنها علبتها الأولى !!!

فتحت سهام الباب والجة للغرفة وهي تقول بهدوء: هل وجدت قميص مناسب ؟! ...فأنت لك عشرات القمصان الجيدة.

إحتدت تقاسيم هاني رافعًا العلبة أمامها مبادره بسؤاله فورًا: من أين لكِ هذه العلبة ؟!

تخشبت سهام بوقفتها تناظر ما بيده بصدمة تجلت على محياها فإبتلعت ريقها مجيبة بمراوغة: آآآ...هذا...هذا دواء أتناوله...يعني يساعدني في تخفيف وجع الرأس...

هدر بها هاني مما جعلها تجفل لوهلة: كفاكِ كذبًا...كفاكِ...

دنى منها بعيون تتقد خطرًا مسترسلاً بتسائله: من أين حصلتِ عليه يا سهام...فقد أخفيت علبتكِ الأولى بنفسي ؟!

تطلعت إليه بذهول طفيف مغمغمة بعدها بتفاجئ: أنت إذًا ؟!!!

أومئ لها هاني هامسًا بحدة: أجل أنا...لهذا أخبريني كيف حصلتِ عليها قبل أن أفقد صبري معكِ ؟!


إحمر وجهها وبان إنفعالها في زمة شفتيها مجيبة بكبرياء: لا يحق لك أخذ ما يخصني يا هاني...هذا الأمر يعنيني أنا فقط...

تطلع إليها بغضب حقيقي سرى بأوردته قابضًا بعنفٍ على ذراعها يشدها ناحيته صارخًا بوجهها: يخصكِ إذًا !!! وهل قتل نفسكِ بهذا السم يخصكِ أنتِ فقط...هذه المصيبة تخص كل العائلة أولهم أنا زوجكِ المسؤول عنكِ وبعدها والديكِ ووالداي يا ذكية...


أبعدته عنها مصرحة بقوة: لا أسمح لك بالتجاوز بحقي...مادمت لم أتدخل بشؤونك فأنت قم بنفس الشيء يا هاني..

حاولت أخذ العلبة منه غير أنه أبعدها عن متناولها يمسك رسغها بقوة موقفًا حركتها و كافة إنفعالاته تتجلى بعينيه مرددًا بهسيس: سوف أكسر يديكِ إن حاولتِ تناول هذا السم مجددًا يا سهام...للمرة الثانية لا تفقديني صبري أفضل لكِ..

حررت رسغها من قيد كفه و مشاعر شتى تجتاحها وتبعثرها معقبة بعدها: لا حق لك بمنعي ولا بإجباري على ما لا أريده...

علا صوته الغاضب مما أفزعها: بلى يحق لي...كفاكِ خداعًا لي كل مرة...ماذا سأكتشف مستقبلاً ها...كل مرة أتفاجئ بكِ.. لأي قاع ستنحدرين مجددًا...؟!


هاجمها الوجع بضراوة فإبتلعت غصتها المريرة مجيبة بكرامة جريحة: سواء إنحدرت أو إرتفعت فهذا لا يخصك بشيء...

قارعها بقوله الحاد: يخصني مادمت مسؤولاً عنكِ...لكن حين أطلقكِ بوقتها فلتذهبي للجحيم ولن أبالي..

شعرت ببرودة تخترقها فجأة محاولة السيطرة على دموعها مجيبة بهدوء مختلق: إذًا فلتسرع بعملية الطلاق...هكذا على الأقل سيرتاح كلانا من الآخر.

دنى منها محاولاً قدر المستطاع أن لا يغرق بشمس عينيها مجيبًا بغضب: لا تقلقي سيحدث ذلك..لكن أولاً أعلميني كيف إشتريتِ هذا السم ؟!

تلجلجت سهام مرتبكة وهي تجيب: لقد...لقد إشتريته قبل أيام حين ذهبت للسوق مع والدتكِ.

رفع هاني حاجبه مستفسرًا بصبر: أصلاً لماذا تتناولين هذا الدواء...ما الداعي له يا سهام ؟!!

تقبضت على جانبها متراجعة للخلف وهي تجيب: هذا لا يعنيك بشيء لهذا لا تتدخل بحياتي الخاصة...


إنتفضت مذعورة حين صرخ بوجهها بجنون: بل يخصني...لهذا أجيبي..

لاذت بالصمت رافضة الجواب فأولته ظهرها مغادرة الغرفة بسرعة مفضلة عدم الخوض في ذلك النقاش الذي كانت تخشاه وتحرص أن لا تُحاصر به..فأسرع هاني خلفها مرددًا بحدة وغضب: أجيبيني يا سهام.


نزلت المعنية عتبات الدرج مرددة برفض: كفاك إفتعالاً للمشاكل يا هاني...ولا تجعل خالتي ضحى ترى خلافنا..

كور قبضته هادرًا بها: لا تعلميني ماذا أفعل...أجيبي فقط.

غادرت سهام الدرج فقبض هو بسرعة على ذراعها مرددًا بهسيس: لن تهربي يا زوجتي...أريد فورًا الجواب.

حاولت سهام إبعاد يده عنها مصرحة بخفوت: ليس وقته يا هاني...من فضلك دعني..

زمجر بوجهها حين قال: بل أنا الذي أحدد الوقت فلا دخل لكِ..

غادرت ضحى المطبخ تمسح كفيها بالمنديل مستفهمة بإستغراب: ما خطبكما ؟!

شعرت سهام بالحرج مجيبة بتوتر: لا شيء يا خالة..


قبض هاني على ذراعها أكثر متحدثًا بغضب: بل يوجد...فواضح أن كنتك المحترمة لا تعيرني إعتبارًا يا أمي.

دنت منهما ضحى مرددة بصرامة أم: أولاً أبعد يدك تلك عنها وتحدث كالبشر وليس كالهمج الرعاع..

أزاح هاني يده عن المعنية فدعكت الأخيرة موضع الألم مهسهسًا بعدها بصبر: حسنًا...سوف نتحدث كالبشر إذًا.

توترت سهام خشية أن يفضحها هاني أمام خالتها، هذه الأخيرة التي عقبت بحدية محضة: هذه آخر مرة أراك تعاملها هكذا يا هاني...قسمًا بالله سوف أخبر أباك وهو سيتصرف معك..

ناظرها هاني بإنشداه قائلاً بحنق: أنا الضالم هنا إذًا ؟!

هدرت به ضحى بغضب مماثل: أجل أنت كذلك...فبدلاً من أن تنتهج أسلوب الحوار والنقاش.. تتعامل مع زوجتك كمتخلف تربى بالشارع... !!

لملم هاني زمام أعصابه إحترامًا لوالدته مرددًا بهدوء قدر الإمكان: أمي رجاءًا أنتِ لا تفهمين الأمر...سوف أحل الأمر مع زوجتي لوحدنا...

إمتقع وجهها واضعة كفيها على بعضهما البعض مرددة بتهكم: واضح طريقة حلك العبقرية يا إبن بطني...فأنت لا تجيد سوى الصراخ الذي صدعت رأسي به..

كبحت سهام بسمتها فجز هاني على أسنانه متحدثًا بحدة: حسنًا إذًا...منذ هذه اللحظة ممنوع عليها الذهاب للسوق يا أمي...وإن أرادت شيء فستكون فقط برفقتي أنا لا غير...وممنوع عليها أن تخطو خارج البيت خطوة واحدة إلا معي فقط.

أسرعت سهام بمعارضته بقولها: هل ستحبسني كالعبدة أو ماذا ؟!

صرخ بوجهها فاقدًا لصبره: أجل هو كذلك..

إرتدت سهام للخلف مجفلة من صراخه، فتدخلت ضحى مبعدة إياه عنها هادرة به: كفاك صراخًا هكذا...إعقل قليلاً ولا تفقدني صبري يا هاني..

تخضب وجهه بحمرة الغضب وبان إنفعاله في إشتداد محياه وتصلبه مرددًا بنبرة غلفتها العصبية: كلامي وقد قلته...فلا تجروني على أن أفقد تحكمي بذاتي...

إكفهر وجه ضحى مستفسرة بحزم: ولماذا كل هذا يا هاني...هل هناك داعي ضروري لهذا الأمر أو فقط هو نفش ريش وتحكم ذكوري ؟!

تصلبت نظرته وجمدت ملامحه مجيبًا إياها: أمي من فضلكِ هذا شيء خاص بنا...ومادمت أصدرت الأمر فهي مجبرة على الطاعة فقط..

إقتربت والدته منه بوجهٍ قد كسته كل تعاليم الصرامة هادرة بقولها: لا يا إبن بطني..حتى ولو كانت هي زوجتك فعلاً فلن أسمح لك بأن تدوس و تتجبر عليها...فأنا لم أوافق على هذه الزيجة كي تفرض ضلمك وجبروتك عليها..ولن أسمح لك بأن تكون سببًا في وجعها...فيكفيها معناتها الأولى مع زوجها ذاك..

لم تستطع سهام إحجام دمعاتها المنسابة فكفكفتها بسرعة كي لا يلاحظها أحد ترمق زوجها هاني الذي همس بصدمة: هل تقارنيني بسعد ذاك يا أمي ؟!!

تطلعت إليه ضحى بنظرات حادة مجيبة إياه: أكيد لست مثله بتاتًا...لكنك بدأت تخطئ بحق زوجتك وهذا الذي لن أسمح به ما دامت هي كنتي...


علت القتامة محياه مرددًا بصبر: أمي يبدو أنكِ نسيتي أنها زوجتي وهذا حقي.

نفت ضحى ترفع سبابتها بوجهه محذرة: زوجتك نعم هي كذلك..و تطيعك ضمن مقدرتها وليس أن تحولها لعبدة تدوسها...هنا سأعيد تربيتك بنفسي يا بني...فلا يغرنك صبري.

تغضنت تقاسيم هاني مستفهمًا بذهول: عبدة ؟!!! هل لأنني منعت خروجها إلا معي أصبحت الآن عبدة برأيكِ ؟!!

صرحت والدته بقولها: ليس كذلك بل أسلوب الأمر والصراخ والحدة هو ما يجعل الوضع يبدو كذلك...فلماذا ترفع صوتك ما دمت تستطيعا التكلم بهدوء ومناقشة أي خلاف بينكما ؟!!

تقبض هاني بقوة يحدج سهام الذي وضعته بهكذا موقف بحدة مجيبًا بصبر: فقط فقدت صبري يا أمي...


مطت والدته شفتيها معلقة على قوله: إذًا بالمرة القادمة إفقد صبرك مع أصدقائك وليس على أهل بيتك يا ضنايا...هل فهمت ؟...أو تريد مني أن أصرخ بوجهك عسى ينفعك الصراخ قليلاً في عملية الفهم ؟!!

لملمت سهام بسمتها فزفر هاني بصبر مهسهسًا من بين أسنانه: حاضر يا أمي حاضر...فقط أخبري كنتكِ الموقرة والتي تدافعين عنها صباح مساء أن لا تخرجني عن طوري فقط.

ضربت ضحى صدره بخفة لترن أساورها الذهبية هامسة بسخرية: والله أنت الرجل هنا يا إبن بطني...لو كنت أدرك أنك لازلت مراهقًا هكذا لما زوجتك يا ضنايا...

علت الدهشة وجهه مرددًا بصدمة: مراهق !! أنا ؟!!


ضحكت سهام برقة ليرمها هاني بحنق فتجاهلته المعنية ..لتجيب خالتها مؤكدة قولها بتهكم صريح: أجل أنت كذلك...فتصرفاتك طائشة وهذا غير مبشر بتاتًا في زواجك هذا...لهذا إعقل و ضع قدميك في الأرض وإبعد الغضب في تعاملك مع زوجتك المسكينة.

رفع هاني حاجبه مكررًا قولها بتفاجئ: مسكينة ؟!!

أومئت له ضحى معقبة بعدها: طبعًا هي كذلك ألا يكفيها أنها ضحت ووافقت عليك تاركة أسرتها الدافئة لتعيش معك متحملة إياك أنت.

ذهل هاني أكثر هامسًا بصدمة: متحملة إياي ؟!!

كبحت سهام ضحكتها على تعابيره المنصدمة، حيث أومئت له ضحى هامسة بحنان أمومي: طبعًا كذلك...أنظر إليها مشاء الله جمال وعلم وأدب وخلق رفيع ودين...لكن حظها نحس في رجال.

توردت المعنية حين حول هاني نظره لها مستفهمًا بعدها بإنشداه حقيقي: هل أنا أدخل ضمن الرجال المنحوسين يا أمي ؟!!

مصمصت والدته شفتيها مردفة بسخرية: بل أنت بأول القائمة يا ضنايا...لكن أكيد هي ستتنازل وترضى المواصلة معك فقط إكرامًا لي لا غير.

حدق بها كالممسوس متسائلاً: تتنازل !! كريمة تبارك الله... !!

أومئت له والدته مسترسلة: ها قد عرفت الآن...لهذا إحمد ربك وكفاك إفتعالاً للشجار معها فصبري لن يطول معك...

حيث أشارت لسهام بالذهاب معها للمطبخ هامسة بتهكم: وزع الصدقات كشكر لله يا ولدي..


قهقهت سهام برقة ترمق زوجها الذي ناظرها بغضب...فتحركت مع خالتها حيث المطبخ تاركة هاني قد تقبض على جانبه بعد أن قامت والدته بمسح بكرامته الأرض مغمغمًا بحدة: تعاملني كعدو لها وليس إبنها...الصبر فقط.


:
•♡•
:

قدمت جوليا القهوة لزوجها هامسة: تفضل حبيبي.

أخذ عصام منها الفنجان قائلاً: شكرًا.

جلست زوجته قربه ترتشف هي الأخرى قهوتها، فإنزوى حاجبيه مبادرًا هو بسؤاله: هل عادت شهد من عند الطبيبة، فاليوم جلستها صح ؟!

أومئت له جوليا مجيبة إياه: أجل...عادت منذ ساعة تقريبًا...فحسب ما قالته الطبيبة فإنّ حالتها بسيطة الحمد لله..

أيدها عصام بقوله بعد أن إرتشف من فنجانه: نعم...أظن إرهاصات حادث وفاة والديها حين كانت رفقتهم هو من يؤثر عليها في بعض الأحيان..

همست هي بشرود: بإذن الله ستتحسن هي كذلك كما تحسنت سحر..

تنهد عصام بخفوت مرددًا بتهكم: بخصوص إبنتك
الأخرى لم تعد لحد الساعة...كنت سأستغرب لو لم تعارضني.

قهقهت جوليا بخفة واضعة فنجان قهوتها على المنضدة وهي تقول بالله عليك يا عصام هل حقًا ستتسبب بطلاق إبنتك ؟!!

أومئ لها الأخير مجيبًا بإختصار: أكيد.

مسحت جوليا بحنو على عضده هامسة: حبيبي أدرك جيدًا سبب هذه الحدة لكن أنت هكذا تؤذي كلاهما، وهو ليس بحل صائب.

وضع عصام فنجان قهوته قربه هو الآخر مقارعًا إياها بقوله: جوليا بمثل هذه العاطفة وتراخي قد يتصاعد الأمر لما هو أخطر...لهذا فلنقتلع المشكل من جذوره قبل أن يتطور أفضل.

جادلته زوجته بهدوء: ألست أنت من قلت أن لا نتدخل في علاقتهما فهما ناضجان كفاية كي يقررا مصير هذه العلاقة ؟!

زفر عصام موضحًا: طبعًا ولا زلت عند قولي...لكن حين يكون الأمر خطرًا هكذا وفيه حياة أو موت فسأتدخل بنفسي منعًا لأي جنون.

مشطت جوليا شعره بأناملها متسائلة بنبرة أم: أنت هكذا تؤذي إبننا رعد يا عصام...تجبره على ما لا يطيقه وترهق كاهله..

نوه عصام بنبرة خشنة: أنا فعلت ذلك لصالحه هو قبل صالح سحر يا جوليا...أنا أحميه من نفسه فأنتِ أكثر شخص يدرك أنّ رعد لن يصمد طويلاً في حالة ما تسبب بضلم لشخص آخر...هو تجرع كثيرًا بطفولته مرارة الضلم والقهر لهذا يتحسس من أي تصرف كي يجعله بموقع الضالم...تخيلي فقط لو كان الزجاج قد إخترق موضعًا حيويًا بجسد سحر وتعرضت لغيبوبة أو شلل أو نزيف أو أي شيء آخر لسمح الله...بوقتها هو لن يسامح نفسه وسينتهي به المطاف مجنونًا أو مدمرًا على الآخر وهذا الذي لن أسمح به أبدًا..

تلجلجت جوليا مرتبكة هامسة: صح نسيت هذه النقطة...يا إلهي.

قال عصام بعصبية مكبوتة: لهذا ضغطت عليه حتى يدرك تسرعه الذي كان سيؤذي كلاهما يا جوليا..في هكذا موقف لا يجب أبدًا إرخاء الحبل...فلا ينفع غير الشدة والحزم.

قبلت جوليا كتفه بحب تترجاه بعاطفتها الأمومية: أرجوك يا حبيبي لا تقسو عليه...والله قلبي لا يتحمل رؤيته حزين من فضلك..

تقطيبة خفيفة علت جبينه مستفهمًا بحيرة: هل كنت أكلم نفسي منذ ثواني أو ماذا ؟!

تذمرت جوليا مبرطمة: لا أتحمل خيبته يا عصام...أكيد هو يدرك تمامًا خطئه لكن لا تضغط عليه أستحلفك بالله...وأيضًا سحر لا تريد الطلاق هل ستجبرها قسرًا ؟!!

رفع حاجبه متحدثًا: هي أساسًا كانت تريد فرصة للطلاق منه...ما الذي جعلها ترفض إستغلال هكذا فرصة.. !!

إبتسامة بهية أضائت وجهها مصرحة: هي ترفض تركه يواجه الموقف لوحده يا عصام وهذا فعل ذكي منها...فمن واجبها الوقوف بجانبه ودعمه بهكذا وضع...والأهم أنها بدأت تحبه ربما..

نظر لها مليًا مستفهمًا بإنشداه: تحبه ؟!!!

أومئت له جوليا معقبة: أجل...لست متأكدة تمامًا لكنني بما أنني عاشقة لك فأعرف جيدًا طبيعة العشاق..

بادرها عصام متسائلاً: ربما مودة أو تعود فقط..ليس بالضرورة حب ؟!!

نفت جوليا هامسة بسعادة: أبدًا...بل واثقة أنه حب..حسنًا ربما لم يتطور حبها كثيرًا لكنها بدأت مرحلة الحب الأولية...فعيناها يرويان كل شيء.

تنهد عصام تنهيدة عميقة مرددًا بهدوء: إدعي إذًا أن يبادلها هو نفس الحب...فسحر عاطفية جدًا ولن تستطيع إخفاء مشاعرها مطولاً لأنّ حركاتها ستكشفها بسهولة.

إفتر ثغر جوليا عن بسمة عذبة مرددة: سيقع عاجلاً أو آجلاً يا حبيبي...فإبنتك ليست بهينة مطلقًا..

ناظرها عصام بعيون ولهة هامسًا لها بأنفاس ساخنة: صح فهي مثل والدتها تمامًا.

توردت جوليا هامسة بعتب: كفاك عبثًا..

لتتغير ملامحها للشرود مرددة بضيق: وضع زياد لا يعجبني يا عصام...الولد تغير تمامًا وكلما أسأله يتهرب ويرواغني...هلا تقصيت منه عن السبب ؟!

رمقها بنظرة غلفتها الجدية التامة مجيبًا إياها: إبنكِ هو الآخر عاشق يا جوليا.

ظلا يحملقان ببعض ففغرت جوليا فاهها لتغلقه بعدها لتفتحه مرة أخرى بصدمة حقيقية هامسة: عاشق...زياد إبني يحب ؟!!!!

أومئ لها بهدوء..فتغيرت تعابيرها المصدومة للفرحة مستفهمة بحماس دبّ بها: كيف عرفت...حسنًا من هي...هل أعرفها..هيا من هي...يعني من التي أوقعت صغيري زياد بحبلها ؟!

زفر عصام بخفوت مجيبًا بجمود: تعرفينها فهي أمامكِ طوال الوقت.

ضيقت جوليا عينيها تفكر فهمس بذهول: لا تقل منى...فهي يراها كأخت فقط حسب علمي !!!

نفى عصام مرتشفًا من قهوته قائلاً: غيرها.

توسعت عينيها هامسة بإستغراب شديد: لا تقل سارة...فأساسًا زياد لا يحدثها إلا نادرًا !!


قلب عصام مقلتيه مكررًا قوله: غيرها.

فغرت جوليا فاهها مردفة بتفاجئ: لا تقل نور !!


نفى عصام مرددًا بصبر: ليست هي...فكري أكثر يا جوليا.

ضيقت عينيها مجددا تفكر..من يا ترى..من ؟ فعمت الصدمة وجهها ملتفتة لزوجها وقد دبت بوادر الحيوية أوصالها هامسة بذهول: لا تقلها ؟!!!


أومئ لها بتأكيد: أجل..هي بالذات..."شهد".


صفقت جوليا بحماس مرددة بسعادة حقيقية: صغيرتي وطفلتي...وأخيرًا حمدًا لله فلطالما كنت أحمل هم زواجها من خارج القصر فأنا أمقت حقًا فكرة مغادرتها من بيننا...لكن كيف عرفت يا عصام ؟!

رمقها عصام بهدوء قائلاً: شككت الأمر بالبداية وحين سألته أجابني..

أشرق محياها سعادة مرددة: هي رائعة بحق..كلها برائة وخجل وأدب وحلاوة...

قاطعها عصام بقوله الجاد: لقد رفضت الأمر يا جوليا وإنتهى لهذا لا داعي لكل هذه الأحلام...


ران الصمت فجأة وقد تغضنت ملامحها كليًا مستفسرة بذهول: لماذا رفضت ؟! وأنا التي إستغربت إنقلاب حاله...هل هذا هو السبب إذًا ؟!

أومئ لها عصام معقبًا: أجل هو..طلبت منه أن يبتعد عنها ويقتل حبه ذاك وأن لا يتعامل معها إلا للضرورة وفقط.

توسعت عيني جوليا مستفهمة بحيرة: لكن ما السبب...هيا أخبرني..فلن أسمح أبدًا لك بأن تؤذي طفلي يا عصام ؟!!

تشنج فكه غضبا مجيبًا بحدة: طفلكِ ؟!! وأنا ماذا إذًا !! عدوه ولا أعلم أو ماذا ؟!!!

لملمت جوليا شتات نفسها مستفيقة من صدمتها مرددة بجدية: لا أقصد ذلك طبعًا يا عصام...لكن هكذا ستجرحه وتكسر قلبه...هلا شرحت لي السبب الذي جعلك ترفض الأمر ؟!

أردف عصام بتحذير: بشرط أن تعدينني بأن تغلقي على الأمر برمته ولا تجادليني فصدقًا أعصابي لن تتحمل.

ترددت جوليا وقد عمها الخوف والإرتباك هامسة: ماذا لو كان السبب ليس بقوي يا عصام...أو لا يرقى أن ترفض بسببه ؟!!

حدجها زوجها بنظرة صارمة وهو يقول: ماشاء الله إذًا أنا طفل صغير أحتاج لتعليم...شعري أصبح أبيضًا من الشيب جراء تجارب الحياة يا جوليا ولست غرًا حتى لا أدرس الموضوع من كل جوانبه..


إبتلعت جوليا مرارتها ترقبًا هامسة بعدها: حسنًا وعد سأحاول أن لا أتدخل إن كان سببك قويًا...


::


ترجل رعد من سيارته رفقة سحر مرددًا بتهكم: نكتة سخيفة حقًا.

برمت سحر شفتيها بتذمر قائلة: ليست سخيفة بل مضحكة.

دنت منه حين أشار لها بالتحرك قائلاً: ما المضحك في نكتة مفادها أن نكتة تم الزج بها في السجن لأنها قتلت شخصًا من الضحك !!

قهقهت سحر برقة تضرب ذراعه بخفة قائلة: إعترف أنها مضحكة بالله عليك.

رمقها رعد ببرود متحركًا نحو القصر قائلاً: بل تافهة.


ضحكت سحر كأنها تغرد تمشي بمحاذاته هامسة من بين أنفاسها: بل مضحكة...هي قتلت شخصًا من شدة الضحك فعوقبت بالسجن لأنها السبب بوفاته...أووه هيا إضحك يا رعدوش...


قلب مقلتيه متمتمًا بجمود: بل أتفه ما سمعت.

إزداد وقع ضحكاتها مرددة: يا عدو الفرح والتسلية..


تجاهلها الأخير فتوقف مكانه حين لمح عمه وزوجته جالسان قرب المسبح، حيث أشار لهما عصام بالقدوم...إرتبكت سحر تقبض على ذراع رعد هامسة بخفوت: أظن أنّ علينا أن نهرب كأفضل حل..

حول بصره لها يناظرها بإستغراب وهو يقول: وهل نحن مجرمين حتى نهرب...تحركي معي.

كبحت سحر بسمتها مرددة بمنكافة: حسنًا قل له أترجاك يا مولاي لا أستطيع العيش دون سحر...لا تقتلني ببعدها..

لملم رعد إبتسامته هامسًا بجدية: كفاكِ تهكمًا..


سارت معه سحر مردفة بإستفزاز: أنا لا أتهكم..الأمر بسيط إركع تحت قدميه وقل له يا جلالة الملك عصام آل سلطان أنا الخادم والعبد الفقير سأتنازل عن كل ممتلكاتي لك والتي هي عبارة عن عنزة و بقرتان مقابل زواجي من الأميرة المبجلة سحر.

زفر رعد بملل مصرحـًا: لكنكِ لست أميرة.. !!


قلبت سحر مقلتيها مجيبة بعدها بسخرية: على أساس لو كنت كذلك سأرضى بخادم لديه عنزة وبقرتان !!

قاوم رعد ضحكته بصعوبة منبهًا بجدية: فقط لا تتدخلي بيني وبينه يا سحر..

نفخت خديها بعبوس مبرطمة: حاضر.

قبض رعد على كف سحر لتتورد الأخيرة وقد سرت رعدة لذيذة لكافة جسدهما.. ليعلن فؤادها خفقًا غريبًا...حيث إقتربا من المجلس محييهما بإحترام: سلام عليكم.

أجابتهما جوليا ببسمة حانية وهي ترمق كفيهما المتشابكين بقلب سعيد: وعليكما السلام...وأخيرًا عدت يا ولدي...أوجعت قلبي حقًا...

إنحنى عليها رعد لاثمًا جبينها بمحبة صادقة معتذرًا: حقكِ علي يا زينة نساء...سامحيني.


ربتت الأخيرة على عضده مردفة بنبرة حانية: لا عليك يا حبيبي..

قبل رعد رأس عاصم مرددًا: حقك علي يا عمي عذرًا..


رمقه الأخير ببرود مستفهمًا من سحر: وأنتِ أين كنتِ ؟!

همت الأخيرة بالإجابة غير أنّ رعد سبقها بقوله: كانت معي يا عمي.

أومئ له عصام مستفهمًا بحدة: ومتى قررتما الإنفصال إن شاء الله ؟!

زمت جوليا شفتيها على مبالغة زوجها، في حين قد رفعت سحر بصرها ناحية رعد الذي صرح بهدوء: في الحقيقة نحن لم نقرر الإنفصال يا عمي..

رفع عصام حاجبه مستفهمًا ببرود: لماذا إن شاء الله ؟!

وضع رعد كفه على خصر سحر مقربًا إياها منه أكثر فإبتلعت هي ريقها تشعر بإشتعال وجنتيها خاصة أمام والدها حيث تحدث رعد بوقار: لأنني متمسك بزوجتي يا عمي..

أومئ له عصام ببطئ معقبًا على قوله: تقصد زوجتك التي كنت بوقت سابق ستقتلها صحيح ؟!


أردفت سحر بعتاب: أبي هو...

ضغط رعد على خصرها هامسًا بحدة: لا تتدخلي.


زمت الأخيرة شفتيها بعبوس وقد صمتت على مضض، فإسترسل رعد قوله الجاد: صح يا عمي...لكن خطأ غير مقصود وسأبذل كل جهدي أن لا يتكرر مرة أخرى بإذن الله... هذا وعد مني..

ربتت جوليا على ذراعه مرددة بحنان الأم: عصام كن لطيفًا معهما...ألا ترى أنهما متعلقان ببعضهما البعض..

كبح عصام بسمته على خبث زوجته موجهًا بصره لإبنته التي كان محياها خجلاً مستفهما بجدية محضة: هل تريدين البقاء معه يا سحر...فسابقًا أخبرتني أنّ زواجكما مؤقت لهذا ربما هي فرصة مناسبة لكِ للإنفصال ؟!

إرتبكت سحر تشعر بنفسها محاصرة من عدة جوانب فهمست بهدوء: لن أترك زوجي بهكذا وضع يا أبي...فرعد لم يذنب بشيء...هو فقط خطأ غير مقصود...ولا أستطيع إستغلال هكذا وضع للتحرر منه...فهذه حقارة مني ورعد بالذات لا يستحق أن ترد شهامته معي بهكذا تصرف خسيس.

إفتر ثغر رعد عن بسمة صغيرة فخورة فتحركت أنامله بخفة جانب خصرها مرسلاً لها شرارات دافئة بعثرت دواخلها بشدة...

عقب عصام بحزم أبوي: حسنًا لكما ما تريدان...هذه المرة القرار كان لكِ يا سحر وإحترمت قراركِ وحكمتكِ...لكن مستقبلاً إن تكرر هكذا خطأ من زوجكِ ذاك فسيكون طلاقكِ قسرًا ...هل فهمتما ؟!

أومئت له سحر هامسة بخفوت: حاضر..

رقت تقاسيم رعد ولان محياه فإنحنى عليه مقبلاً جبينه مرددا بإمتنان: حفظك الله لنا يا عمي..

أومئ له الأخير، فإستقامت جوليا كي تترك الرجلان مع بعضهما البعض مشيرة لسحر بقولها: تعالي بنيتي فلندخل.

أومئت لها الأخيرة مختلسة نظرة خاطفة لرعد متحركة رفقة أمها للداخل..تاركة رعد الذي تنهد تنهيدة عميقة مستفهمًا: عمي هل لازلت غاضبًا مني ؟!

إستقام عصام واقفًا مجيبًا: ماذا تظن ؟!

إبتلع رعد غصته مرددًا بندم: فقط لا تغضب مني يا عمي...والله لا أحتمل أن أخيب ظنك هكذا.

شعر عصام بنغز بضميره فربت على كتفه يقول: لا بأس .. هذا أصبح ماضي وإنتهى يا بني.

زفر رعد براحة مصرحًا: عساني لا أخيبك مجددًا يا عمي..

- سوف أبكي تأثرًا بالمشهد.

كلمات متهكمة نبس بها عماد الذي إسترسل ساخرًا: أكيد إشتقتم لي بعد هذا الغياب.

رحب به عصام بحنو: أهلاً بعودتك يا بني.

خطى نحوهما عماد مردفًا: سمعت أنّ رعد أرسل زوجته للمشفى...بالله عليكما لازلتما عريسان يا إبن عمي..

تجاهله رعد قائلاً: أغرب عن وجهي.

هز عماد كتفيه مغمغمًا بإستفزاز: لابأس سوف أطمئن على إبنة عمي بنفسي.

جز رعد على أسنانه قابضًا إياه من تلابيه ...فتدخل عصام مبعد رعد عنه هادرًا به: أبعد يديك عنه يا رعد.

تشنج فك الأخير مهسهسًا بحدة: ألم تسمع حقارته يا عمي ؟!

رمقه عصام بنظرة غلفتها الصرامة: هذه آخر مرة ترفع يدك عليه يا رعد ولن أكرر كلامي مرتين.

صمت رعد على مضض تقديرًا لعمه فقط، في حين قد ضحك عماد بخفة معقبًا بسخرية: كعادتك يا عمي حنون حقًا...بتُ أحبك فعلاً.

حدجه عصام بنظرة نارية يمد كفه لرقبته جاذبًا إياه بقوة ناحيته هامسًا بأذنه بغضب: كل ما تقوم به خلف ظهورنا أنا على علم به...لهذا لا يغرنك حلمي وصبري معك يا عماد...هل فهمت ؟!

تخشب الأخير وقد شلت الصدمة جسده ليبتعد عنه عصام مسترسلاً بنبرة خطرة: يومك قادم لهذا عُد لوعيك أفضل لك..

قطب رعد جبينه بعدم فهم، في حين قد إرتبك عماد يحس بأنه قد كشف وعري أمامه.. فقاطعهم خروج فؤاد الذي ردد بحزم: عماد وأخيرًا عدت...تعال معي للمكتب.

زفر المعني بضجر متمتمًا: ها قد أتى أبي هو أيضًا..

هدر به عصام قائلاً: أطع أباك فورًا.

زم الأخير شفتيه متحركًا نحو باب القصر حيث ما طلب أباه...تاركًا عصام الذي شيعه بنظراتٍ غامضة ليستفهم منه رعد: ما الأمر يا عمي...بماذا همست بأذنه ؟!!

مسح عصام وجهه بحركة عصبية مجيبًا: ليس الآن...المهم يا رعد لا تنجر للشجار معه...أنت الأكبر يا ولدي كيف لك أن ترفع يديك عليه ؟!!

شعر رعد بالحرج مدافعًا عن نفسه بقوله: عمي من فضلك هو الذي يستفزني كل مرة...كيف لي أن أصمت حين يتطرق لحرمي ؟!

هدر به عصام بصرامة أبوية: تحكم بأعصابك إذًا...فليس كل حرف يتفوه به تقيم حربًا بسببها...هو بمثابة أخاك الأصغر يا رعد...عليك الصبر عليه وإحتوائه وتفهم التخبط الذي هو يعانيه وليس بِرد الصاع بقسوة كل مرة..

زفر رعد موثرًا الصمت فدنى عصام منى ماسحًا على خده برفق مسترسلاً: أدرك غيرتك جيدًا يا بني...لكن عماد يستفزني أنا شخصيًا لكنني طوال الوقت أتجاهل كلماته وأعتبر نفسي أصم معه...هو به خطب ما والقسوة هنا لا تنفع...بل علينا تفهمه حتى نعثر على حل يعيده لنا كما كان مسبقًا...

تنهد رعد تنهيدة عميقة مصرحًا: ربما معك حق يا عمي...عذرًا..

ربت عصام على كتفه مغمغمًا بعدها: لا بأس يا بني...لا بأس.

:
•♡•
:


طرقت سحر باب الحمام منادية: شهد حبيبتي حان وقت العشاء هيا..

مسحت الأخيرة دموعها المنسابة تجلي صوتها وهي تجيب: إذهبي أنتِ فقط يا سحر...أنا لست جائعة.

عقدت أختها جبينها مستفهمة بسخط: منذ ساعتين وأنتِ تستحمين يا شهد ما كل هذا الوقت...هيا أخرجي فورًا وتعالي معنا...

إبتلعت المعنية غصتها مجيبة: سحر كفاكِ عنادًا...لقد أكلت منذ وقت قريب فقط ولا أشعر بأي جوع و إن أحسست به فسوف أجهز الأكل بنفسي لا بأس..

زفرت سحر بخفوت هامسة: لا بأس..

لتغادر بعدها الغرفة تاركة شهد التي كانت بحوض الحمام تضم ساقيها لها تبكي بصمتٍ تام، واضعة رأسها بركبتيها ودموعها تتابع إنسيابها...منذ ليلة أمس...أو بالأحرى منذ إعتراف زياد ذاك وهي متخبطة وتبكي...كلماته تلك أفاقتها من غيبوبتها و سباتها التي كانت به...كل ما نبس به كان قد صفعها بقوة مسببًا لها وعيًا على الواقع..البارحة فقد كانت قد أيقنت أنّها...أنّها هي الأخرى تحبه بكل جوارحها...​فقد أحسَت بالحُب تجاهه منذ اليوم الذي لمحت فيه الدِفئ الذي في وجهِه و العِناق الذي حدث ما بين
صوتُه و مسمعها، شعرت بأنّ هذا القلب الصغير الذي تحمِله في زوايا صدرها يتمدّد بحبّه يومًا بعد يوم، لا يتبددُ شعورها له و لا يَنقص، بل إنه يحتشد في وسط صدرها بكل عنفوان...فقد كان تواجده كثيفٌ جدًا حولها..حضوره في حياتها غير عادي بتاتًا و يصعب على إنسان مثلها إستيعاب هذه الكثرة أو تصديق أنه مجرّد إنسان واحد.. فهو فقط من إستطاع أن يتواجد مَثعها في كُل مكان... كأنه طيف ثابت أمام عينيها...وبعده عنها بالأيام السابقة سبب لها خرابًا داخليًا...حول جنتها الخضراء الصغيرة التي كانت تزهر رفقته لأرضٍ جرداء لا حياة بها...ألهذه الدرجة هي أحبته وتعلقت به... !!

كفكفت شهد دموعها تشعر بالعجز والحيرة تتملكها متسائلة بتشتت وتخبط بالآن ذاته: ماذا عليها أن تفعل الآن ؟! بما أنه يحبها إذًا لماذا كان يعاملها ببرود سابقًا...وأصلاً لماذا لم يعترف لها فقط ؟!!

رفعت كفها للأعلى تضغط على الزر فإنساب الماء من المرش متساقطًا على جسدها بكل إنسيابية...تفكر بالوضع الراهن..كلاهما يحبان بعض...أين الإشكال إذًا ؟!!! فتخضبت وجنتها بالحمرة واضعة كفيها المبللين على وجهها تشعر بالحياء يلفها كليًا..هي وزياد !! يا إلهي الفكرة وحدها تربك نبضها وتوهن قلبها الصغير...يا إلهي كم تحبه..حسنًا هي غبية فعلاً...فرغم مشاهدتها للمسلسلات إلا أنها لم تستفد منها غير الغباء لا غير...هي تحبه...تحبه كثيرًا...بل تعشقه بكل جوارحها...

:
•♡•
:


إتخذت سحر مجلسها قرب زوجها رعد... فبعد زواجهما تم تغيير مكان جلوسها لتصبح بمحاذاته حسب نظام الجلوس..فكل زوجة تتخذ مكانًا قرب زوجها لا غير...فإستفهمت منها جوليا: بنيتي أين أختكِ ؟


فتحت سحر المنديل مجيبة: قالت ليست جائعة يا أمي فقد أكلت منذ قليل فقط..


إبتلع زياد غصته يناظر كرسيها الفارغ..فهي لم تغادر غرفتها منذ ليلة البارحة كأنها تتحاشاه...ألهذه الدرجة ترفضه هو وحبه ؟!


باشروا الأكل فأردفت منى بعد هنيهاتٍ قائلة: بالمناسبة.. الأسبوع القادم سوف نعرض مذكرتنا أنا وشهد بإذن الله..لهذا جهزوا الهدايا لو سمحتم..


ربتت شادية على رأسها بحنان أمومي مرددة بعدها: مبارك لكما منذ الأن يا إبنتي.


في حين قد قلبت سارة مقلتيها مجيبة بسخرية: لستما أول شخصين يتخرج بالعائلة..


أجابتها منى بسخرية: والله لم نطلب منكِ هدية لهذا أتركيها لكِ..


همست سارة بتهكم: لم أكن لأشتري لكِ أصلاً.


عاتبتها والدتها رقية: سارة من فضلكِ..


صمتت المعنية على مضض، فعقب خالد بحنو: مبارك لكِ منذ الآن يا صغيرتي...إختاري ما تريدين وسوف يكون رهن يديكِ..


أيده فؤاد بقوله: طبعًا...أنتِ وشهد آخر من سيتخرج بالعائلة لهذا مسموح لكما بكل أنواع الدلال..


توردت منى هامسة بحلاوة: إذًا سوف نخطط منذ الآن.


رفع جاسم نظره لحفيده عماد مستفهمًا بجمود: أين كنت بالأيام الماضية يا ولد ؟!


إرتشف عماد من مشروبه مجيبًا ببرود: كنت مسافرًا لفرنسا...


عاد جاسم بظهره لكرسيه يناظره بعيون تتقد خطرًا وهو يتسائل: وما الذي قادك لفرنسا ؟!


وضع عماد شوكته مجيبًا إياه: عمل خاص..


رفع جاسم حاجبه مستفهمًا مرة أخرى: وما هو هذا العمل الخاص ؟!


وجه عماد بصره لجده الذي كان محياه جامدًا تمامًا ولا ينم إلا على الخطر وبداية فقدانه لصبره فأجابه بإختصار: عمل تجاري يا جدي...وأكيد تعرفون كل تفصيلة عني بما أنكم ترسلون الجواسيس خلفي.


هدر به فؤاد بحدة: عماااد...تأدب مع جدك..


إرتبك الكل فجأة، فقلب عماد مقلتيه مصرحًا بتهكم: لم أخطئ بشيء فما شاء الله رجالكم حولي بالوطن وخارج الوطن...كأنني عميل هارب...لو كنت مطالبًا من قِبل الأنتربول الدولي لما تمت متابعتي بهذه الطريقة..


رددت رقية بنبرة حانية: بني نحن خائفون عليك فقط..


رمقها عماد بنظرة ساخرة وهو يقول: طبعًا أنتم كذلك...فهذا أكثر شيء أثق به..


تدخل عصام بعد طول صمت قائلاً: أكيد عماد عاقل ولن يجر نفسه لأي غباء مستقبلاً..


ناظر عماد عمه الذي كان يرمقه بنظراتٍ مبهمة بإبتلع ريقه بتوتر مزيحًا عيناه عنه...فعمه كعادته لا يخفى عنه شيئًا...


رمقت سحر بجانب عينها رعد الذي كان يتناول طعامه بصمتٍ تام موثرًا عدم التدخل بالجدال الدائر...فتراقصت بسمة ماكرة على ثغرها منزلة كفها أسفل الطاولة تمد يدها بهدوءٍ لرعد فقرصت خصره بخفة...


غص رعد في شربه فسعل بقوة حين شعر بقرصة على خصره...فتسائلت جوليا بنبرة أم: بني هل أنت بخير ؟!


صرح أدهم بهدوء: إشرب بعض الماء.


واصل رعد سعاله فتظاهرت سحر بالبراءة تربت على ظهره بخفة مستفهمة برقة: كان عليك الشرب على مهل..


قربت منه كأس الماء هامسة: لا بأس إرتشف قليلاً..


أخذ الماء منها وقد حدجها بنظرة قاتلة فرفرفت هي برمشها مرددة بلين: حسنًا كُل على مهلك..فالأكل لن يهرب..


تشنج فكه واضعًا الكأس على الطاولة يدعو الله بالصبر فقط...ليشعر مرة أخرى بكفها يقرصه من الأسفل فتحكم بتعابير محياه متناولاً طعامه بهدوء..فإنزوى حاجبي سحر مرتشفة هي الأخرى بعض العصير محركة أناملها بخفة على خصره تدغدغ جوانبه..


وضع رعد سبابته وإبهامه ما بين عينيه محافظًا على جمود ملامحه بصعوبة ومتحكمًا بضحكته...فأنزل هو الأخر يده ممسكًا كفها يضغط عليه بقوة...فحاولت سحر تحرير كفها من قيد يده لكن دون جدوى...فأنزلت يدها الأخرى تمدها له تقرص كفه الممسك بيدها...


أبعد يده عنها محررًا كفها من قيده...ليوجه بصره ناحيتها فغمزت له هي بنصر أنثوي بهي يدعوه صدقًا لإلتهامها...فمن أي نجم نسجت تلك العينان الساحرتان لتسرقانه كهذا...فذلك اللازورد الذي إستوطن عيناها بكل بهاء هما ككارثة حلت به وقلبت كل موازينه.


مد كفه لفخذها يفرده هناك بكل راحة فتصلبت هي بجلستها وقد توردت وجنتاها و أصابها تشتت بعثر نبضها بقوة...فإزدرت ريقها مبعدة كفه عنها...لتعود يده مرة أخرى نحو فخذها يمسح عليها ببطئ...حيث أخفضت هي وجهها وقد إشتعلت وجنتيها محاولة إبعاد هيمنته عنها لكن في كل مرة يعود كفه لها...فهمست بتوتر: رعد كفاك..


إرتشف بعض الماء متحكمًا ببسمته يرمق بنظرة جانبية مختلسة وجهها المحمر من الخجل...فرفع كفه مجددًا ناحية خصرها يداعبه بأنامله مرسلاً لها ذبذبات تتمرد لجسدها عبر شرايينها...فضربت قدمه بقدمها هامسة بخفوت مرتبك: رعد..تـ...توقف..


أشفق عليها الأخير مزيحًا كفه عنها ململمًا إبتسامته جراء ذلك التوهج الذي كسى خديها... ‏الآن فقط قد تأكد أنّ عيّونها كبدرين وخديها بُستان.


مسح عصام فاهه بالمنديل مردفًا بهدوء: هناك عريس تقدم لكِ يا مريم..


قلبت الأخيرة مقلتيها مجيبة بملل: أرفض منذ الآن يا أخي..


أومئ لها الأخير بهدوء هامسًا: لا بأس..


إستفهم أدهم بفضول: طوال الوقت كنت ترفض يا أبي دون أن تستشيرها...فلماذا أخبرتها الآن ؟!


هز عصام كتفيه مجيبًا: لا أعرف...طارق ذاك بدى لي جيدًا نوعًا ما...


تفاجئت مريم وقد علت الصدمة محياها...في حين قد هتفت منى بحماس: لا تقل أنه طارق الداسري ذاك ؟!


رمقتها مريم بتحذير، فأدركت منى هفوتها حين ناظرها عمها عصام بحدة مستفهمًا بصرامة بعدها: كيف عرفتِ أنه هو ؟!!


إرتبكت منى مجيبة بمراوغة: أاا...فقط خمنت..


عقب والدها 1ضخالد بجدية: خمنتِ ؟!! كيف تعرفين الرجل يا منى ؟!!


إبتلعت الأخيرة ريقها هامسة بتوتر: لقد..لقد قابلناه بالسوق..


إستفهم عصام بجدية محضة: قابلتماه !! أنتِ وعمتكِ صحيح ؟!


أخفضت الأخيرة وجهها تشعر بالحرج جراء تهورها...فتدخل جاسم بقوله بعد طول صمت: عصام يبدو أنّ هناك حديث لك مع أختك ؟!


أومئ له الأخير يرمق أخته المحرجة بحدة مجيبًا: أجل يبدو ذلك..


إرتبكت الأخيرة تشعر بالفراشات تتمرد داخلها رويدًا رويدًا...فهزت رأسها على غبائها..هل ستعيش مراهقة متأخرة أو ماذا ؟!!


تحدثت سارة موجهة حديثها لأدهم: بالمناسبة يا أدهم منذ أيام لمحتك تغادر منزل نور..ماذا كنت تفعل عندها لوحدكما دون والدتها ؟!


تصلب أدهم بجلسته مبتلعًا لقمته بصعوبة..فناظره زياد بصدمة...يدرك أنّ الوضع لن يكون مبشرًا أبدًا..


ران الصمت بالقاعة فجأة...عجز خلالها أدهم عن الرد ليتهادى له صوت جده الحاد: هل ما قالته صحيح يا ولد ؟!


توتر الوضع بغتةً...إزدر أدهم ريقه حينها مجيبًا بهدوء مختلق: كانت تعاني مشكلة بالمنزل فأسرعت لمساعدتها لا غير..


خفق قلب جوليا بقلق موجهة بصرها ناحية زوجها عصام الذي كان محياه ينذر بعاصفة قادمة.. فهمست هي بخفوت عساها توقف أي تصاعد للموقف: ما المشكلة التي حدثت ؟!


تجنب أدهم النظر لوالده ولا لجده مجيبًا بإختصار: إحترق المطبخ فقمت بإطفاء النار فقط..


أصدرت سارة صوتًا ساخرًا معلقة: حجة قديمة...الله أعلم لماذا سمحت هي لك بالولوج للمنزل.


إستقام لها أدهم مزمجرًا بها: أغلقي فمكِ..


وقف رعد قابضًا على ذراعه بقوة وزياد الذي دفع أخاه من صدره للخلف مرددًا بحدة: لا تتهور يا أدهم...


وقف فؤاده له هادرًا بوجهه: هل ستتهجم على إبنتي وأنا هنا يا أدهم ؟!


هدر به أدهم بعصبية: ألم تسمع ماذا كانت تخرف ؟!


- أدهم..


إستقام جاسم هادرًا به، فإلتفت له الأخير وقد تسارعت أنفاسه وتملكته كل ألوان الغضب فإسترسل جده بصرامة لا تقبل الجدال: هذا سنعرفه من نور فقط ؟!


توسعت عيني أدهم ينفي برأسه وهو يردد بنبرة مهتزة: هي لا علاقة لها يا جدي...أنا فقط ساعدتها...


هدر به جاسم بنبرة مخيفة: لم يعد لك الحق في النقاش...نادوا عليها فورًا..


شلل تام كبل جسده وفكره يرمق أباه الذي كان يضغط ما بين عينيه بقوة يحاول تمالك أعصابه بكل قوته...مدركًا أنّ الموقف يزداد فقط خطورة..


::


دلفت حنان للغرفة رفقة إبنتها هامسة بقلق: هل إستدعيت إبنتي يا سيد جاسم ؟!


أشار لها المعني بالولوج مرددًا بجدية: نعم..تفضلا..


توغلت نور رفقة أمها بالقاعة ترمق الأفراد الذين كانوا متخذين مجالس متفرقة، فأشار لها جاسم بالوقوف وسط الغرفة مشيرًا لوالدتها: دعي إبنتكِ لوحدها يا إمرأة وتنحي جانبًا..


تصاعد توتر حنان مستفهمة: من فضلك سيد جاسم ما الذي إقترفته إبنتي ؟!


إبتلع أدهم مرارته يشتم ذاته الذي وضعهما بهكذا موقف عصيب...


أجابها رعد بهدوء محاولاً إمتصاص توترها: فقط سؤال بسيط للآنسة نور يا عمة لا تقلقي...


رفعت سحر بصرها لزوجها الذي كالعادة يكون تدخله رفيقًا بالغير.


فإبتعدت حنان عن نور التي كانت قد إختلست نظرة سريعة سرية لأدهم الذي كان محياه مرتبكًا ومشتتًا هامسة بهدوء: نعم.


تدخل عصام بدوره مستفهمًا بنبرة حانية: بنيتي هل صحيح أنّ أدهم قبل أيام كان ببيتكم ؟!


تفاجئت حنان من قوله ترمق إبنتها التي شعرت بالحرج مجيبة إياه بإختصار: أجل..


أسرعت جوليا متسائلة كي لا يوترها شخص آخر: حسنًا...لماذا كان بمنزلكم ؟!


إبتلعت نور ريقها مجيبة بحرج: لقد إشتعلت النار بالقدر حينما كنت أطبخ فهرعت خارجة من المنزل وحين لمحني أسعل ساعدني ودخل للمنزل كي يطفئ النار بوقتها..


زفر أدهم مرددًا بحدة: ها قد أجابتكم...أظنّ أنّ الفيلم العربي إنتهى..


ضرب جده سطح مكتبه بعكازه هادرًا بنبرة أربكت الكل: أغلق فمك...


إبتلع أدهم لسانه على مضض، فوجه جاسم قوله لنور بنبرة خطرة: منذ متى وأنتِ تسمحين للرجال بالولوج لبيتكم يا نور ؟!


توسعت عيني أدهم متدخلاً بقوله: جدي هي كانت بخطر...


أشار له زياد بالصمت كأفضل خيار...في حين قد زجره عصام بصرامة: لا تتدخل يا أدهم فالحديث ليس لك..


إنتفض قلب أدهم ملتاعًا وهو يرى نور قد تكدست الدموع بعيناها جراء الموقف المحرج الذي هي به، فإستقامت حنان متدخلة تدافع عن صغيرتها قائلة: سيد جاسم من فضلك لا أرضى بهكذا قول لإبنتي...


أشفقت سحر عليهما فهمت بالحديث غير أنّ كف رعد التي إحتوت خصرها موقفًا قولها حال دون ذلك..فرفعت بصرها ناحيته تبصر جانب وجهه الوسيم وهو يقول: لا تتدخلي...هكذا تعقدين الموقف...حين يحين الوقت سوف أتحدث بنفسي يا سحر.


صمتت المعنية مفضلة الصمت ربما...لترمق عمها فؤاد الذي ردد بهدوء: الموضوع بسيط لا يحتاج كل هذا التحفز.


قلبت سارة مقلتيها فضربتها والدتها على خصرها مرددة بخفوت: كل هذا بسببكِ يا سارة..هل كان عليكِ التحدث ؟!


تغضنت تقاسيم الأخيرة فسبقها عماد بقوله الساخر: كلما أعود للقصر أجد مصيبة قد وقعت...عودتي تجلب النحس حقًا..


هدر جاسم بنبرة حازمة: كان على إبنتكِ أن تكون أكثر تعقلاً من أن تسمح لرجل غريب إقتحام منزلها يا إمرأة.


زمجر عصام بحدة: العتب ليس على نور يا أبي فهي لم تكن بوضع يسمح لها بالتركيز ربما...اللوم كله على ولدي...فالتصرف يكون معه هو فقط..


أيده رعد بسرعة كي يبعد أي شبهة عن نور: أوافق عمي بقوله يا جدي...العتب يقع على الرجل بحكم أنه يفهم تفكير الرجال ونور مثل بنات قصرنا تتصرف بعفوية لا تحسب لهكذا مواقف أي حساب..


شكره أدهم بنظراتٍ صامتة، فتدخلت مريم بلين وقد وخزها قلبها على نور ووالدتها: موقف بسيط و مر على خير يا أبي...لا بأس فلتمرره لهما رجاءًا...


تبسمت منى على قول عمتها الحنون محولة بصرها لجدها الذي هدر بعصبية: أمرره لهما ؟! ما الذي يضمن أنّ هذا الأمر حدث لأول مرة أصلاً ؟!


إكفهر وجه أدهم مجيبًا بدفاع نفس عن كلاهما: جدي والله هذه أول مرة...


تدخلت حنان مدافعة هي الأخرى عن إبنتها: سيد جاسم أدهم لم يدخل لمنزلنا منذ سنواتٍ عديدة...أي منذ اللحظة التي طلبت منه أن لا يحتك بالبنات و كلمة حق تقال هنا وأمام الكل هو كان رجلاً ونفذ أمرك بوقتها ولحد اللحظة...


أيدتها نور بقولها المرتبك: أجل...كانت أول وآخر مرة.


تدخلت سحر مرددة بحنو: جدي يا حبيبي هيا مرر الأمر هذه المرة فلطالما كنت حنونًا معنا...


رمقها جاسم بحدة هادرًا بها: كفاكِ تلاعبًا أنتِ..


دنت منه سحر تمسح على ذراعه بدفئ قائلة برزانة: جدي بالله عليك أنت ربيت الجميع هنا على يديك وزرعت بهم قيمك ومبادئك ومن بينهم نور...هل تعتقد أنهم قد يخالفون ما نقشته على صخر قلوبهم...مثل هذه الأخطاء تقع دومًا وكلنا بشر...ها أنا ذا أمامك جراء خطئ بسيط وعفوي كادت سمعتي أن تدمر تمامًا...وكذلك أختي شهد بسبب عفويتها كادت تضيع بسبب تهمة مخدرات...لكن الحمد لله لطالما كنت أنت والعائلة بظهرنا تشدنا وتُقوم تصرفنا بكل حكمة وصبر..


مط جاسم شفتيه على تلاعبها ذاك...في حين قد تبسم رعد بفخر حقيقي لكلماته الموزونة تلك..


إبتسامة صغيرة شقت ثغر جوليا مؤيدة حكمة إبنتها وهي تقول: سحر معها حق يا عمي...رجاءًا مرر الأمر بهدوء.


رمق رعد عمه عصام الذي كان محياه واجمًا وصامتًا تمامًا ...فردد هو متدخلاً بكلماته الجادة: فلنعتبر أنّ الموقف لم يحدث يا جدي... ونور هي تربيتنا ومحل ثقتنا وطوال سنواتٍ عديدة وهي بيننا لم نرى أي خطب بها أو بخلقها لهذا فما حدث هو خطأ عفوي لا يجب الوقوف عليه.


قبلت سحر خد جدها هامسة بمناكفة شقية: هيا يا جدي...يا جسومي هيا كي أجد لك عروسًا جميلة وبهية مثلك تمامًا...هيا هيا..


كبح جدها بسمته مرددًا بصرامة: كفاكِ وقاحة أنتِ الأخرى...(ليوجه بصره لنور المرتبكة مسترسلا) لابأس سأعتبر ما حدث لم يكن...لكن تنبيه أخير لكِ ولباقي البنات هنا...ممنوع أي تجاوز بينكم وبين أي رجل أجبني آخر...حتى ولو كان إبن عم..


همست نور براحة: حاضر..


تنهد أدهم تنهيدة عميقة يشعر بنار صدره تخمد فجأة بعد أن ضمن على الأقل خروج نور من الموقف..


حيث أشار لهم الجد قائلاً بجدية: غادروا..


تقدم عصام من إبنه قابضًا على ذراعه بقوة مهسهسًا بشراسة: تعال معي لمكتبي يا فخري..


إرتبكت جوليا مستقيمة بسرعة مدركة أنّ زوجها بدأ يفقد حلمه المعتاد فدنت منه تترجاه: عصام...إهدأ من فضلك..


أشار عصام لنور قائلاً: إبقي هنا يا نور سوف أستدعيك..


تحرك أدهم مع والده حيث مكتبه فتبعه رعد وسحر وزياد وجوليا...ليفتح عصام الباب دافعًا إبنه بقوة للداخل...فإبتلع أدهم ريقه مقدرًا غضب أباه مرددًا بندم: أقسم أنني لم أقصد يا....


باغته عصام بلكمة أردته أرضًا فهرعت جوليا لإبنها وقد إنسابت دموعها بغزارة تقول بمرارة: لا تضربه يا عصام...ما خطبك..


هدر بها عاصم فاقدًا لزمام صبره: لا تتدخلي يا جوليا..


وقف زياد حائلاً بينه وبين أخاه يترجاه: أبي من فضلك..هو لم يقصد هذا..


أمسكه عصام من ياقته مزمجرًا به: لم يعد تنفع معكم سوى الهمجية...تبًا للحكمة وللصبر..


تدخل رعد مرددًا بهدوء: عمي من فضلك ليس هكذا أرجوك..


زمجر عصام بوجهه وقد علا صوته الغاضب كدوي الإنفجارات: رعد لا تفقدني صوابي أنت الآخر...


إستقام أدهم يمسح الدم من فاهه مرددًا بقلق: والله لم أقصد يا أبي...فقط تصرفت دون تفكير ونيتي كانت سليمة تمامًا..


أبعد عصام زياد عن طريقه متجهًا نحو إبنه...فإبتلعت سحر ريقها وهي ترى أباها قد تخضب وجهه بحمرة الغضب ليمنعه رعد من التقدم واقفًا أمام أخاها مدافعًا عنه وهو يقول بتهدئة: عمي والله معك حق..لكن أعفو عنه هذه المرة فقط...


مسحت جوليا دموعها مرددة بغضب: عصام كيف لك أن ترفع يدك عليه وهو رجل هكذا...أنت لم تفعها حين كان طفلاً !!


تراقص الجنون بمقلتي عصام مزمجرًا بها: صحيح...فدلالي هو من جعل أبنائي حمقى هكذا...البكر الأول يرسل زوجته للمشفى والثاني يشوه سمعة فتاة بريئة...والثالث الله أعلم بماذا سيفاجئني مستقبلاً...


هاجم الوجع قلب أدهم بكل ضراوة وقسوة لصحة قول أباه هامسًا بندم حقيقي: ربما أخطأت لكن خطورة الموقف أربكتني يا أبي ولم تجعلني أحسن التفكير.


هدر به عصام والعرق بصدغه ينبض بجنون: لأنك غبي...تدخل للمنزل رفقة فتاة تجلب لها الشبهات والشكوك..لا وفي غياب والدتها أيضًا..أي حمار أنت...


فك أدهم مقدمة قميصه قائلاً: أبي من فضلك لا تكبر الأمر.. أساسًا هو قد إنتهى..


هدرت عيني عصام بعاصفة كاسحة وهو يقول بصرامة مخيفة: لا يا ولدي لم ينتهي بعد...لن أمرر حق نور بسهولة...هل لأنها يتيمة تعتقد أنه مخول لك بتجاهل الموقف بسهولة..لأن لا أب ولا أخ لها كي يحطم عظامك ها ؟!!!


إرتد أدهم للخلف مجفلاً من تصريحه وهو يقول: أبي أي حق...أنا لم أقصد والله ؟!


زمجر عصام بوجهه: لا يهمني قصدك الغبي ذاك..قلتها للمرة المليون لا يهمني سوى الفعل...الفعل فقط..


تدخلت جوليا علّها توقف جنون غضب زوجها بصوتٍ متهدج: عصام رجاءًا لا تقسو عليه.


أيدها رعد بتدخله: عمي هو نادم على إستهتاره..لا تغضب لأجل صحتك..


إبتعلت سحر ريقها هامسة: أبي من فضلك سامحه هذه المرة..


هدر بهم عصام وعيناه تتقد بنظرة خطرة: أبدًا...ما حدث لسحر لن يحدث لنور مادام هناك نفس يجول بصدري...وحقها سأقتلعه من إبني بنفسي..


تطلع إليه زياد بنظرات متفاجئة مستفهمًا: ما علاقة سحر يا أبي...فالفرق بينهما كبير جدًا...لأنّ سحر كانت تهمتها مقصودة أما نور فأدهم لم يقصد وضعها بموقف لجلب الشبهات...


إهتزت مقلتي أدهم يشعر ببرودة تخترق دواخله حين وعى الموقف الذي وضع به نور.. فدنى منه والده مزمجرًا به: سوف تعتذر من نور ولا أريد أن أرمق وجهك بالقصر يا أدهم..هل فهمت ؟!


شهقت جوليا مرددة برجاء باكي: عصام ليس لهذه الدرجة..


هدر بها عصام وقد غشي ضباب الغضب عيناه: جوليا كفاكِ عاطفة...نور سوف أسأل غدًا أمام الله عن حقها ماذا عساني أجيب ها ؟ لأنّ أميرك المبجل من العائلة البرجوازية فسوف نرخي له الحبل يجلب القيل والقال لها ونمثل أننا لا نرى ولا نسمع لأنّ المسكينة مجرد فتاة يتيمة لا رجال خلفها يقتلعون حقها من إبنكِ المدلل ذاك..


أشفق زياد على أخاه الذي يعاني موقفا عصيبًا فهم بالتدخل ..غير أنّ أدهم سبقه حين قال: أنا أحبها يا أبي...ولم أكن لأسبب لها الضرر عمدًا..


صمت الجميع فجأة مبهوتين من تصريحه المفاجىء ذاك حيث إسترسل أدهم حين قال بقوة: لم أكن لأفكر بتشويه سمعة الفتاة التي ستكون زوجتي يومًا ما...


تهللت أسارير جوليا هامسة بسعادة: يا حبيبي..


تدخلت سحر بسرعة مرددة: أجل لقد أخبرني سابقًا أنه يحبها ويريد التقدم لها يا أبي..


ففعل زياد المثل حين قال: صحيح ومنذ وقت طويل أعلمني أنا كذلك نفس الشيء.


أومئ له عصام ببطئ مستفهمًا بهدوء: تحبها إذًا ؟!! ومن قال لك أنني سأوافق على هذه الزيجة أصلاً ؟!!


فغر أدهم فاهه مستفهمًا بصدمة: لماذا قد ترفض...رفضت زواج زياد بشهد دون سبب وجيه..والآن ترفض زواجي من نور كذلك ؟!!!


رفع رعد حاجبه بتفاجئ..في حين قد إتسعت عيني سحر ترمق زياد الذي كان محياه واجمًا صامتًا...أختها شهد !!!


هدر به عصام بعنف: لأنك لازلت طفلاً متهورًا بسبب غبائك وضعت من تدعي حبها بموقف شبهة شرف...وبعدها تأتي لي تخبرني عن حبك الغبي ذاك..(وجه بصره لسحر قائلاً) نادي على نور..


بعد لحظات دلفت المعنية مستفهمة بقلق: نعم عم عصام.


أشار لها الأخير قائلاً: تعالي بنيتي.


تقدمت الأخيرة منه فعقب هو بهدوء: أدهم ولغبائه وضعكِ بموقف عصيب لهذا يريد الإعتذار منكِ..


نفت الأخيرة تشعر بالقهر لأجل حبيبها هامسة: أبدًا والله هو فقط ساعدني.


هدر بها عصام بجدية: نور كفاكِ تغطية على الموضوع يا بنيتي..حتى ولو فعلاً ساعدكِ إلا أنّ الموقف كان يحتاج لإدارته بطريقة أكثر حكمة..


إبتعلت الأخيرة ريقها ترمق أدهم الذي كان محياه نادمًا فهمس لها: عذرًا والله يا نور...حقكِ علي...


تكدست الدموع بعيناها تنفي برأسها مغمغمة بصوتٍ متهدج: لا عليك...الأمر لا يحتاج كل هذا الإعتذار..


إبتلع أدهم مرارته ماسحًا وجهه بحركة عصبية مرددًا: بل يحتاج..فبفعل تهوري وضعتكِ بمحل شك وتهمة أنتِ أرفع من أن تحيط بكِ...لهذا سامحيني. .



إنسابت دموع الأخيرة فردد عصام بحدة: أي عقاب تريدنه سوف أنفذه فورًا يا نور...


أسرعت الأخيرة بالنفي مرددة بقولها: أبدًا يا عم عصام..من فضلك والله خطأ بسيط لا داعي لكل هذا..


تنهد عصام بخفوت مشيرًا لأدهم بحدة وهو يقول: تفضل غادر..


إنتفض الأخير مغادرًا يشعر بجمراتٍ من القهر تنغل جوفه فتدميه...يشتم ذاته على غبائه...صدقًا هو حمار وغبي...تاركًا نور التي شيعته بنظراتٍ متألمة...


فحولت جوليا بصرها لزوجها الذي أوقف أي هذيان منهم بقوله الحاد: نصيحة لا تستفزوا أعصابي..


صمت الكل على مضض مقدرين غضبه لحماية سمعة نور هي ووالدتها ..فإستقامت سحر مغادرة المكتب بصمتٍ تام يبدو أنّ عليها الحديث مع أختها...فوقف رعد هو الآخر مفضلاً الصمت بالوقت الحالي حتى يهدأ عمه..



:
•♡•
:


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء
تعليقات