📁 آخر الروايات

رواية لتسكن الي الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم يسمينة مسعود

رواية لتسكن الي الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم يسمينة مسعود


~ الفصل الخامس والثلاثين ~


الفصل غير مدقق لهذا عذرا على أي خطأ موجود ????✋

:
•♡•
:

‏أطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بمقادير اللّه.✋

✨علي بن ابي طالب ✨

:
•♡•
:

توسعت عيني رعد على أوجها و شلل تام قد كبل جسده وفكره وهو يناظر زوجته التي كانت مغمى عليها وسط شظايا الزجاج المهشمة، فإنتفض مذعورًا لها يجثو على ركبتيه قربها هادرًا بإسمها: ســــحـــر...


حدق بها كالممسوس وهو يرفعها بين ذراعيه متجاهلاً قطع الزجاج الصغيرة التي جرحت كفيه فأدمتهما، إهتزت مقلتيه ترتجفان برعبٍ قد عمه كليًا يهمس بإسمها عدة مرات دون أن يجد لندائه أي صدى منها...فواضح أنها ليست بالواقع معه...غامت مقلتاه تسبحان بالقهر الذي ينغل جوفه بكل قسوة، قربها منه يحتويها بين عضديه وهي بهذه الخفة وقد نزلت دمعة من رمشها كانت متعلقة بها...كأنها فقط كانت تنتظره بأن يهز صاحبتها فتعلن هي الأخرى سقوطها...

رفعها من الأرض مستقيمًا بها ولسانه يكرر همسه الباهت: سحــر...أفيقي بالله عليكِ..

دون رد...فسقط رأسها على كتفه وقد بدأ على وجهها الشحوب..فإبتلع ريقه و قلبه يختض ملتاعًا بين جنبات صدره...فأسرع بها خارج الغرفة شاكرًا الله أنها لم تنزع وشاحها بعد....حيث هرع بها خارج الجناح نازلاً عتبات الدرج بخطواتٍ سريعة عصبية يلهج بسره بالدعاء بأن لا يصيبها شيء..

غادر بها القصر فمن الجيد أنه لم يقابل أحد فهو في هذه اللحظة في غنى تمامًا عن أي تسائلات...

حيث لمحته عمته مريم التي كانت رفقة زوجة أخيها شادية اللتان كانت متجهتان لباب القصر، فهمست عمته بتسائل مرتبك: ما الأمر يا رعد...ما به إبنة أخي ؟!!

وضعها رعد بالمقاعد الخلفية مجيبًا بسرعة لم تخفى عنها نبرة الهلع: وقعت...لا وقت لدي.

إبتلعت شادية ريقها مرددة بقلق: خيرًا بإذن الله سوف نلحقكا حالاً...

أسرعت مريم تخرج هاتفها تتصل بأخيها عصام وهي ترمق سيارة رعد التي إنطلقت بسرعة البرق حيث المشفى.


:
•♡•
:

قربت عطاء صحن المقبلات من هاني هامسة بحنو: كل يا حبيبي...طبخت كل هذا لأجلك فقط.

رمقها هاني بعينين ممتنتين وهو يعقب: بوركت يا خالتي. ..لكن والله كل هذا مبالغ فيه...أنا من أهل البيت.

طفت على شفاهها بسمة دافئة وهي تعود للجلوس بمكانها مرددة: طبعًا يا ولدي أنت الآن صرت أقرب فقد تحولت من إبن لي لصهر لنا ومقامك إرتفع أكثر.

توردت سهام بخجل منكبة على صحنها تتناول الطعام بهدوء، محاولة قدر الإمكان تجنب الحديث المدار على الطاولة، في حين قد إبتلع هاني لقمته بصعوبة يشعر بمرارة بحلقه فخالته حقًا لا تستحق كل الغباء المفتعل من قبله...

- كيف حال عملك يا بني ؟

كلمات مستفهمة نبس بها رضا متابعًا إرتشاف عصيره، فأجابه هاني بقوله: في الحقيقة نقول جيد والحمد لله...لكن أفكر قي تطويره أكثر.

تطلع إليه بنظرات هادئة معقبًا: أظنّ أنّ عصام قد إقترح عليك فكرة إنضمامك لبعض أعماله...أظنها فكرة جيدة نوعًا ما.

أومئ له هاني قائلاً: سابقًا عرض علي ذلك وقد بدأت تعاملات خفيفة معه..

إفتر ثغر رضا عن بسمة رجولية عميقة مصرحًا: جيد...عصام ذكي فعلاً يريد ضم كل من يثق بهم تحت جناحه كي يوسع باقي أعماله وهذا مفيد لك جدًا وسيسهل عليه الإجراءات القانونية، لأنّ زوج خالتك معارفه بالدولة كبيرة جدًا...وأراهن أيضًا أنه يفكر بضم أخويك كذلك بعد عودتهم من ديار الغربة.

ضحك هاني بخفة مما إنعكس ببسمة لا إرادية على سهام... حيث أردف زوجها قائلاً: في الحقيقة هو فعل بآخر مرة عادوا بها...كلمهم بالأمر وقد أبدوا موافقة مبدئية.

تدخلت عطاء قائلة: حسنًا لا داعي للحديث عن العمل الآن...هاني بني هل تريد شيئًا آخر ، كل فأنت لم تأكل شيء.

عبس هاشم بطفولية مرددًا: أمي منذ أن جلس وأنت تهتمين به هو فقط...أنا إبنك وليس هو.

ضحك الجميع على ظرافته فربتت عطاء على شعره بحنان موضحة: هو أخاك الأكبر الآن وزوج أختك كذلك..لهذا من العادات وتقاليد أن يولى إهتمامًا خاصًا.

ضيق هاشم عينيه مستفهمًا بحلاوة: هل سينجبان أطفالاً.

تخشبت سهام وقد شعرت بالحرج الشديد أمام والدها، في حين كبح هاني بسمته خاصة مع إحساسه بزوجته التي كانت على يساره وقد تحولت لتمثالٍ صلب.

مسحت عطاء على رأس ولدها هامسة: طبعًا كل الأزواج ينجبون الأطفال..وهذا أمر خاص لا يجب التدخل فيه يا صغيري.

بعد لحظات مسح رضا فمه بالمنديل وقد إستقام قائلاً: صحة وهناء...لدي مشوار صغير كلها ساعة وسأعود...لهذا إعتبر البيت بيتك يا هاني.


ردد المعني بإحترام: بوركت .

إستقام هاشم هو الآخر يقفز بحماس: أريد الذهاب
معك يا أبي فقد وعدتني آخر مرة بذلك...

تنهد الأخير مشيرًا له قائلاً: حسنا إغسل يديك وإلحق بي سأنتظرك بالسيارة.

قهقه الأخير بظرافة مسرعًا للحمام كي ينفذ ما طلب منه ليركض بعد لحظات خارج المنزل نحو سيارة والده....تاركًا الثلاثة وقد أنهوا أكلهم فوقفت عطاء مصرحة ببسمة عذبة: سوف أضع لكما بعض الأكل الذي تحبانه وخذاه معكما فقد حضرت كمية كبيرة.

أومئت لها سهام هامسة: خالتي ضحى كذلك تغدق علينا بكافة الدلال ماشاء الله...صرنا لا نفرق بينكنّ أنتنّ الثلاثة يا أمي.

حملت عطاء الأطباق تضحك بخفة: وكم من الضنا لدينا يا إبنتي غيركم.

رفعت سهام أيضًا بعض الصحون هامسة: سأساعدكِ.


إرتشف هاني بضع رشفات من الماء مرددًا: والله أكلك رائع كعادتك يا خالة....كأنه من الجنة.

إبتسامة صغيرة شقت ثغر المعنية قائلة: سهام كذلك طبخها في غاية اللذة.

تصنع هاني بسمة محولاً بصره لزوجته مردفًا: أجل لقد أحضرت لي كأسًا من الماء وكان لذيذًا بحق.

زمت المعنية شفتيها جراء تهكمه في حين إنفجرت عطاء ضحكًا مرددة بعتب: بالله عليك يا بني هي أساسًا لم تدخل للمطبخ بعد عندكم، فضحى أمرت بأن تضيفها فترة على الأقل وبعدها تتحفكم بأكلها.

هزت سهام كتفيها بفخر هامسة: دعيه يا أمي هو فقط يستشيط غيرة مني.

فتحركت حيث المطبخ بدلال أنثوي وذلك الثوب الذهبي الذي يحدد معالم جسدها المهلكة بكمين طويلين...فإبتلع ريقه مزيحًا بصره بصعوبة عنها..هل هذه محاولة إغراء منها أو ماذا ؟!!

كبحت عطاء ضحكتها مرددة بمحبة: هي تمزح معك فقط يا بني.

بادلها الأخير بسمتها واقفًا من مجلسه لاثمًا ظهر كفها وهو يقول: أعلم يا خالتي الحبيبة... لكن ألا تلاحظين أنكِ تزدادين شبابًا وجمالاً.

توردت المعنية هامسة بعتب : كفاك غزلاً يا ولد يكفيني زياد وكلماته الحلوة تلك فلا تدعه يحولك كما هو..

دنت سهام تأخذ باقي الأواني فصرح هو بعبث: حسنًا يا خالتي تعالي كي ندردش قليلاً، وزوجتي الجميلة هذه ستوافينا بشاي حلو مثلها تمامًا.

تخضبت وجنتي سهام وقد خفق قلبها خفقات متتالية، رافعًا كفه مبعدًا خصلة من شعرها للخلف مرددًا ببسمة رجولية أطاحت بباقي ثباتها: ما رأيكِ يا حبيبتي ؟!

تلجلجت مرتبكة تشعر بفؤادها الذي تضخم جراء هديره المتعالي فيكاد يفتك بها، هامسة بتلعثم: حـ..حاضر..

همس هو الآخر بأنفاس ساخنة: هذه هي زوجتي الرائعة.

أصدرت عطاء صوتًا مستلطفًا مرددة بإنبهار: يا إلهي كم أنتما جميلان بكل هذا الحب والتوافق.

توردت سهام مختلسة نظرة لهاني الذي عقب ببسمة بدت بناظريها خلابة بحق: طبعًا يا خالتي...سهام هي الغالية وإبنة الغالية..

قرع قلب المعنية فحملت الكؤوس بكف مرتجف هامسة: سوف...أحضر الشاي..

فهرعت بعدها تسير بخطى سريعة محاولة الفرار من الوضع الذي أشعل وجنتيها حياءًا، حيث شيعها هاني بنظراته يتأكد من ذهابها فأسرع بالقبض على كف خالته مشجعًا إياها على التحرك معه حيث الصالة قائلاً بهدوء مصطنع: تعالي يا خالتي أحتاجكِ.

إنزوى حاجبي الأخير تخطو رفقته مستفسرة: خيرًا يا حبيبي ؟.

جلس هاني على الأريكة فإتخذت خالته هي الأخرى مجلسًا بالأريكة الجانبية قربه وقد ردد هو بمراوغة: في الحقيقة عمدًا أبعدت سهام عساني أستفهم منكِ عن بضع أمور. ..بشرط أن لا تعلميها ويضل الأمر بيننا فقط.

توترت عطاء تناظره بمقلتين مرتبكتين مبادرة بسؤالها: ما الخطب يا بني أقلقت دواخلي...هل هناك إشكال ما ؟!!

نفى هاني محاولاً صياغة سؤال بأسلوب هادى: حسنًا لا تقلقي الأمر بسيط يا خالة...فقط أردت الإستفسار عن بعض جوانب سهام...يعني كما تعرفين أريد إسعادها لكنني أخشى أن أرتكب أي حماقة تجعلها تغضب.

رقت تقاسيم عطاء ماسحة على لحيته بدفئ كفها هامسة بحبور: يا إلهي كم أنت شهم وزوج رائع...حقًا فخورة بك ولم تخيب ظني يا حبيبي.

إبتلع الأخير غصته يغتصب بسمة على فاهه قائلاً: هيا أخبريني إذًا...هل لها عادات تفضلها أو هوايات ما خلافًا للصناعة الحلويات طبعًا ؟

ضيقت عطاء عينيها مجيبة بهدوء: حسنًا هي تحب مشاهدة بعض المسلسلات الرائجة حاليًا...وكما تعلم ليس لديها ميول للعمل خارج البيت حتى بشهادتها الجامعية، وقد أصررت عليها سابقًا خاصة بعد طلاقها أن تعمل لكنها رفضت وفضلت المكوث بالبيت...

أومئ لها هاني متقبضًا على جانبه مبادرًا بسؤال بدى عاديًا: حسنًا أحيانًا أرى أنها تتناول أدوية صداع رأس هل هي معتادة على تناولهم يا خالة ؟

أومئت له عطاء مجيبة بعفوية: أجل منذ فترة طويلة وهي تتناولهم...وأكيد نهيتها سابقًا عن المداومة عليهن لكن لطالما أخبرتني أنها تشعر بوجع برأسها فتأخذ منهم..

تخشب هاني بجلسته وقد أحس بمرارة بحنجرته فإبتسم بتصنع يداري غضبًا مستعرًا بروحه معقبًا: أخشى أن يؤثر عليها يا خالة سلبًا...حسنا منذ متى بدأت بتناولهم كي أبعدهم عنها فقط.

هزت عطاء كتفيها مصرحة: في الحقيقة لا أدرك متى بالضبط...لكن بعد طلاقها بأشهر كنت أراها تأخذ منهم كل مرة.

أومئ لها هاني وهو يشعر بغليان فائر بأوردته مرددًا بهدوء مختلق: حسنًا هناك أنواع ضررها أكبر مقارنة بالأدوية الأخرى...هل التي تستعملهم هي علبة بيضاء ذات غطاء أزرق ؟

رمشت عطاء بأهدابها تفكر قليلاً مجيبة بعدها: أجل كذلك.

إهتزت مقلتي هاني وقد إضطرب قلبه بعنف متسائلاً بسره بهلع أربك أوصاله: كل هذه المدة وهي تتناول المهدئات ؟!!

قطبت عطاء جبينها مستفسرة بلين: بني ما خطبك ؟!

إزدر هاني ريقه مجيبًا ببسمة مصطنعة: لاشيء يا خالة...حسنًا أعلميني الآن ما هو نوع الهدايا الذي تفضله زوجتي ؟

إتسعت بسمة خالته مجيبة إياه بحماس: حسنا هي تحب تلك الكرات الصغيرة لرياضة كرة السلة...هي عبارة عن كرات صغيرة جدًا وتكون شبيهة تمامًا لكرات السلة..

عقد هاني حاجبيه مستفهمًا بإستغراب: كرة السلة !! غريب !!

قهقهت عطاء برقة معقبة: حسنًا لا أنكر أنا أيضًا إستغربت فهي ليست من هواة مثل هذه الرياضات..لكن لا أعرف لماذا تحبها حتى أنها كانت تحب تصوير ذلك الملعب الصغير الذي خلف بيتكم.

إرتفع حاجبي هاني تدريجيًا كأنه قد خمن بشيء ما...لكنه هز رأسه فأكيد صدفة لا غير..فطبعًا لن تحب كرة السلة فقط لأنه يمارسها من وقت لآخر !!

فتنحنح بعدها قائلاً برجاء: خالتي من فضلك لا تخبري سهام ما تحدثنا عنه...أقصد سأشعر بالحرج إن علمت رغبتي بمعرفة ما تفضله..

أصدرت عطاء صوتًا مستلطفًا رابتة على عضده قائلة: أكيد يا بني إعتبر أن هذا لم يحدث...

بعد هنيهات دلفت سهام واضعة صينية الشاي على المنضدة وقد بدأت تصب بالفناجين فهمس هاني بعبث يداري به حروبه الداخلية: ضعي النعناع وبعض المكسرات يا جميلتي.

كبحت عطاء بسمتها من الصدوح تحمد الله تعالى على زوج رائع كهاني لوحيدتها التي جبرها الله بعد طول معاناة.

في حين قد أومئت له سهام وقد إرتجف كفيها تشعر بوجنتيها تتوهجان بشدة، ترفع الفنجان تمده له فأمسكه الأخير وقد تلامست أنامله مع أصابعها يناظرها ملأ عينيه قائلاً بشاعرية: أكيد هو لذيذ طبعًا دون تذوقه فيكفي أن يداكِ هما من طبخاه.

توسعت عيني سهام على جرأته أمام والدتها، وقد بدأت ساقاها تتحولان لهلام...فصدحت ضحكة عطاء بالغرفة مرددة بفرحة توشح به محياها: كم أنت مغازل لطيف يا هاني تشبه زياد حقًا.

أمسك هاني ذراع سهام يشدها كي تجلس جانبه يفرد ذراعه على كتفها قائلاً: هو يأخذ دروس خصوصية مني يا خالة...كله بفضلي.

تسارعت أنفاس سهام وقد بدأ قلبها يعلن ضجيجه ورهبته...ليمسح هاني بحنو على ذراعها بعد أن شعر بتصلبها فقاومت تشنجها اللحظي تفرك كفيها بإرتباك محاولة قدر الإمكان الإسترخاء علها تتمتع ببعض من قربه الرجولي الذي يغذي أنوثتها المتعطشة له.


:
•♡•
:

كفكفت جوليا دموعها التي تابعت إنسيابها دون توقف منذ أن هرعوا للمشفى كي يطمئنوا على سحر، محولة بصرها لعصام الذي كان واضعًا كلتا ذراعيه على ركبتيه يناظر الأرضية بصمتٍ تام...هي مدركة تمامًا أنه يشتعل خوفًا على صغيرته..لكن الأهم هو غضبه الكبير من رعد خاصة بعد الذي إعترف به بأنه السبب في الذي حدث لها...

رفعت الأخيرة كفها المرتجف تمسح به على ظهر زوجها هامسة بحشرجة: حبيبي لا بأس ستكون بخير.

دون رد...فقط الصمت..فزفرت بتعب واضعة جبينها على كتفه وكفها يتابع المسح بحنو على شعره كأنها تعلمه أنها هنا بجواره وستسنده...

طحن زياد ضروسه مرددًا بحدة فاقدًا لصبره: ما كل هذا الوقت...هل يخترعون النووي.

مسح أدهم صفحة وجهه بكفه معقبًا بجدية: زياد رجاءًا لا توترنا أكثر.

صمت الأخير على مضض موجهًا بصره لجده الصامت وباقي أفراد العائلة الذين إلتزموا السكون كذلك، أولهم شهد التي كانت منكمشة بحزن ودموعها تتساقط تلوى بعضها ليشعر بجحافل القهر تنغل فؤاده عليها...فقط يريد ضمها عساه يتشرب منها ذلك الحزن الذي يعذب طفلته الملونة.

حولت سارة بصرها لرعد الذي كان متكئًا على الجدار فإنزوى حاجبيها مرددة بهدوء: رعد كفيك مجروحان ما رأيك أن نطلب منهم فحصهم وتعقيمهم ؟

تجاهلها رعد وفكره كله منحصر فقط بزوجته التي بالداخل مع الطبيبات...يشعر بجمراتٍ من العجز والقهر وقلة الحيلة تجثم فقط صدره و تكبله حرفيًا...محاولاً قدر الإمكان عدم النظر لجده وعمه عصام كي لا يرى تلك الخيبة على محياهما..فتقبض على جانبه وقد بدأت مراجل الغضب من نفسه تستعر كالجحيم بين جنبات صدره...هو السبب بكل هذا...هي لا تستحق ما حدث...لا تستحقه بتاتًا...

فتح الباب وقد خرجت منه الطبيبة مزيلة الكمامة الزرقاء من فوق فاهها، فإستقام عصام وزوجته وأخويها نحوها...في حين تصلب رعد بمكانه وقد بلغ خفق قلبه أوجه عنده...

إستفهم منها عصام بعجلة : رجاءًا كيف هي ؟

تنهدت الطبيبة بتعب مجيبة بنبرة عملية: حسنًا عمومًا هي بخير...ونحمد لله أنّ الشظايا لم تكن ذات حجم كبيرة بل أغلبها كان صغيرًا لهذا لم يشكل خطرًا على جسدها...لقد قمنا باللازم وأزلناهم كلهم وإهتممنا بهم جيدًا...فقط هي تحتاج للراحة لا غير حتى تلتئم الجروح.


زفروا براحة وقد خف القلق عليهم، حيث همست جوليا: شكرًا لكنّ..

أومئت لها الأخيرة مجيبة بالعفو...مغادرة المكان تاركة إياهم يحمدون الله على سلامتها...فزفر رعد براحة يخرج مع كل زفرة لهيب قلبه الذي كاد أن يفتك به ويرديه ميتًا.

فنادى عصام على إبنه بجدية: أدهم.

تحفز الأخير مدركا أنّ أباه سيفاجئهم بشيء ما وقد أجاب: نعم أبي.

ردد عصام بنبرة أمر: إتصل بمحامي العائلة.

حول أدهم بصره لرعد بعد أن خمن ما سيقوله والده ليراه وقد تغضن محياه كليا مرددًا برفض: لن أطلق زوجتي يا عمي...لن يحدث هذا أبدًا.

هدر عصام وقد إحتل عيناه مزاج سوداوي: رغمًا عن أنفك ستفعل يا رعد.

إرتبك الكل بعد أن بدأ الوضع يتوتر تدريجيًا، فدنت جوليا من زوجها كي تهدأ ناره المتأججة هامسة: عصام من فضلك ليس هكذا..

إبتلع رعد ريقه يشعر بأنه محاصر فهمس برفض: عذرًا لكنني لن أفعل يا عمي...زوجتي ستضل تحت جناحي ولن تغادره ما دامت هي لم تطالب بذلك.

إتقدت مقلتي عصام حنقًا وقد إتخذ بضع خطوات نحوه مستفهمًا بنبرة تنضح خطرًا: ماذا قلت يا فخري ؟!!

أسرعت جوليا توقف تقدمه تترجاه بنبرة متحشرجة: أرجوك يا عصام لا داعي لإنفصالهما مادام فعله غير مقصود ؟!

تدخل أخاه خالد عساه يوقف إشتعال الوضع: عصام من فضلك ليس هكذا...

إستدار له المعني و كافة إنفعالاته تتجلى بعينيه مزمجرًا بوجهه: لا دخل لك بأبنائي يا خالد سواء أنت أو أي طرف آخر....لا أحد ينبس حرفًا واحدًا مادمت أحدث إبني..

صمت أخاه على مضض مقدرًا ثورته المتجلية فمسحت زوجته شادية بلين على ذراعه هامسة: لا بأس...لا تضغطوا عليه..

تقبض رعد على جانبه مدركًا ومتفهما لغضب عمه...لكن هو ببساطة لا يستطيع تخيل فكرة طلاقها...فهي. ..هي زوجته...ملكه لوحده...تخصه هو لا غير... فإبتلع غصته المريرة التي إستحكمت حنجرته بعنف وقد تماهت ملامحه كليًا قائلاً: إن أرادت هي ذلك سأفعل يا عمي...لكن ما لم ترد ذلك فسأخالف أمرك إعذرني.

إقترب منه عصام مهسهسًا بحدة: لا دخل لك برأيها...مادامت إبنتي أصبحت ترسل للمشفى غارفة بدمائها فلن أكترث برأيها بتاتًا.. هل فهمت أو أحفره بدماغك ذاك ؟.

شعر ببرودة تخترقه فجأة، كمن تم حصره بين جبال قطب جليدي ففكرة إبتعادها عنه تخنقه وبشدة...لن يترك شعاع دفئه ذاك بسهولة...

أشفقت مريم على رعد جراء موقف العصيب الذي يكابده محولة بصرها لأباها الذي كان متخذًا جانبًا صامتًا دون أن ينبس بحرف هامسة: أبي تدخل من فضلك.

تنهد جاسم بتعب مجيبًا إياها: لا أستطيع يا إبنتي...عصام كأي أب مرعوب على طفلته وهذا حقه.

تنهدت المعنية بخفوت متدخلة هي بدورها قائلة: عصام أخي لا تضغط عليه...على الأقل إسأل سحر أولاً وهي تقرر.

إلتفت لها عصام مرددًا بحنق: مريم رجاءًا يا أختي...أساسًا هذه الزيجة كنت أرفضها من الأول ولولا الإصرار الشديد والضغط الذي تعرضت له ما وافقت عليها من أصله...ولقد نبهته ألف مرة قبل الزواج وبعدها بأن يتصرف بحكمة وتكون كل خطواته مدروسة مع زوجته...لكن طبعًا ضرب بكل تنبيهاتي عرض الحائط.

نبس رعد بنبرة باهتة حملت بطياتها العجز والندم: لم...لم أقصد يا عمي..كان فعلاً غير مقصود أنت تدرك جيدا أنني لست ممن يضلم.

هدر به عصام والعرق بصدغه ينبض بجنون: للمرة المليون لا أخبركم أن النية لا تهمني...كل ما أريده منكم هو الفعل...الفعل فقط...

تدخل أدهم بهدوء عساه يوقف التوتر المتصاعد: أبي من فضلك...دعنا نطمئن على سحر أولاً هذا هو الأهم الآن.

إستشاط عاصم غضبًا وهو يقول: قلت لك إتصل بالمحامي ولا تفقدني صبري أنت الآخر.

ذرات عرق نضح به جبين رعد يشعر بأنه على صفيح ساخن مرددًا بقوة: لن أطلقها ما دمت هي لم تطالب بذلك يا عمي..

علا صوت عصام الغاضب كدوي الإنفجارات وهو يدنو منه أكثر: كرر ما قلته يا بكري ؟!

أسرعت جوليا تقف حائلاً بينه وبين رعد ترجوه بدموع منسابة: عصام من فضلك ليس هكذا...على الأقل فلنأجل هذا الموضوع لوقت آخر.

أيدها حماها بقوله الصارم عله يوقف مهرجان الغضب هذا: إسمع كلام زوجتك يا عصام ودع الأمر لما بعد.

أخذ المعني شهيقًا ثم زفيرًا يتمالك ذرات حنقه مومئًا بإيجاب قائلاً: حسنًا...كما تريدون لكن غادر يا رعد من أمامي قبل أن أفقد صبري معك مرة أخرى.

تغضنت تقاسيم الأخير هامًا بالرفض إلا أنّ جوليا إلتفتت له تربت على صدره بحنو هامسة: بني غادر الآن من فضلك...والله قلبي لن يتحمل كل هذا الضغط.

أشفق زياد وأدهم عليها، هذا الأخير الذي دنى من صديقه مشجعًا إياه على التحرك رفقته هامسًا له: تحرك وسأوافيك بكل التطورات لا بأس..

لاح التردد بمقلتي رعد لتمسح جوليا على لحيته بحنانها الأمومي مصرحة: هيا يا ولدي...من فضلك.

تنهد تنهيدة عميقة وقد كور قبضته مستديرًا مغادرًا الرواق بصمتٍ تام...يشعر بقلبه يتفتت لعدة قطع صغيرة جراء ما إقترفته يداه...فعلاً يتسحق الألم ولا شيء غيره.


::

رفعت سحر ستار جفنيها لوهلة ...مغلقة إياهما مرة أخرى جراء الضوء القوي المنبعث من الإنارة بالسقف..لتعود مرة أخرى لفتحهما وقد تهادى لها صوت منى التي همست بفرحة: لقد إستيقظت..

هرعت لها جوليا تدنو منها منحنية عليها وهي تقول: يا قرة عيني كيف أنتِ ؟

تغضنت تقاسيم سحر وقد إغرورقت عيناها بالدموع مجيبة بصوت متهدج: ظهري يؤلمني..

أحست شهد بالشفقة عليها مبتلعة مرارتها وهي ترى أختها بكل عنفوانها الشرس بهكذا وضع تعب وواهن، فمسحت منى بخفة على ذراعها كأنها تواسيها بصمت دون النبس بأي حرف.

إزدرت جوليا غصتها المسننة هامسة بخفوت: لا بأس ستأتي الطبيبة وتعطيكِ المسكنات يا إبنتي..

رفت سحر بأهدابها تطرد دمعة تعلقت بها محاولة الإستلقاء على ظهرها فأسرعت والدتها تقبض برفق على ذراعها موقفة حركتها مرددة بعدها: يفضل بقائك هكذا على جانبك يا إبنتي...كي تشفى جروحك بسرعة.

تقدم عصام هو الآخر منها يمسح بكفه الحاني على شعرها المنساب حولها يبعده عن محياها البهي قائلاً بلين أبوي: كلها أيام فقط يا صغيرتي إصبري.

أومئت له الأخيرة مستفهمة بعدها بهمس خافت: أين رعد ؟

إرتبكت جوليا تناظر زوجها الذي إكفهر محياه كليًا مجيبًا بنبرة جادة: ليس بوقته يا سحر...حاليًا عليكِ الراحة فقط.

حاولت سحر الإستقامة مبعدة شعرها ..فمدت جوليا كفيها لها مانعة تحركها غير أنّ إبنتها لم ترضخ لها مكررة سؤالها بصوتٍ مبحوح: أين زوجي يا أبي...فهو أكيد لن يتركني بهكذا حال ؟!

حاول زياد التدخل غير أن عمته مريم أوقفته بإشارة منها كي لا يغضب أباه...فيكفيه ما يكابده من كتمان لعصبيته وحنقه.

زفر عصام بصبر مصرحًا: أنا طلبت منه المغادرة يا إبنتي...وأصررت على ذلك وهو نفذ ما طلب منه.


إبتلعت سحر ريقها مرتكزة على مرفقها بتعب وهي تستفسر: لكن...لماذا يا أبي ؟

إستقام جاسم من مجلسه متدخلاً بقوله: هو أخطأ بحقكِ يا إبنتي وهذا الأمر لن يمر مرور الكرام...لهذا سنأجل الفصل بهذا الأمر حتى تشفي تمامًا.

إهتزت مقلتي سحر مرددة برفض قاطع: خطئه غير مقصود يا جدي...ولو كان فعلها عمدًا لكنت أنا أول من يرد له الصاع صاعين فلست أنا من تتنازل عن حقها بسهولة..لكن كل ما حدث كان عفويًا لهذا فلا عتب مني عليه...

قال عصام بعصبية مكبوتة: تدافعين عنه وهو الذي أوصلكِ لهذا الحال يا إبنتي ؟!!

غامت عيني سحر شاعرة بالألم مجيبة بنبرة مهتزة: لم يكن عن عمد يا أبي...أرجوكم لا تعاتبوه بذنب غير مقصود منه..

قارعها عصام بقوله: حتى وإن كان غير مقصود يا سحر...كان عليه أن ينتبه أكثر ولا ينجر للغضب الأعمى الذي كاد يودي بحياة زوجته..

إرتفع جفناها يعانقان عينيه التي بدت حازمتين لكنها حملت بين ثناياها كل تراتيل الأبوة فعقبت على قوله: لا بأس أنا أسامحه إذًا على ذلك يا أبي..

ربت جاسم على كتف إبنه قائلاً: ما بينهما خاص بها يا بني...لا دخل لنا به.

تشنج فك عصام مغمغمًا بهدوء قدر الإمكان: خاص بهما أجل...لكن خاص بي كذلك ما دمت أنا من سلمت إبنتي له...

تدخلت جوليا بلين عساه توقف أي تفاقم للأمر: حسنًا لا بأس ..حاليًا يكفينا شفاء سحر وبعدها يكون لكل حادث حديث.

أيدها أدهم بقوله هو الآخر: أمي معها حق...يفضل أن تأجلوا النقاش لوقت آخر.

همت سحر بالإعتراض غير أنّ عصام زجرها بحزم: سحر كفاكِ إعتراضًا يا إبنتي...سيؤجل كل شيء لما بعد لهذا لا تكثري من الجدال.

برمت شفتيها بتذمر غير أنها إرتأت الصمت مؤقتًا إحترامًا لأباها كي لا ينفعل أكثر، فعادت لموضعها وقد ساعدتها والدتها على ذلك ماسحة بكفها الحاني على ذراعها وهي تقول: بعد لحظات فقط ستعودين للقصر يا طفلتي لا بأس.


:
•♡•
:

فتح هاني الباب مشيرًا لسهام بالولوج ففعلت الأخيرة ذلك تخطو بهدوء بالمنزل لتلمح خالتها وزوجها يرتشفان القهوة بغرفة المعيشة فتحركت نحوهكا هامسة: السلام عليكم.

حياها وائل ببسمة حانية: وعليكما السلام بنيتي أهلاً بعودتكما.

تقدمت منه الأخيرة مقبلة رأسه بإحترام ثم خالتها التي ربتت على ذراعها مناكفة إياها بقولها: تقبيلكِ لرأسنا كل مرة يشعرنا أننا بلغت درجة الشيخوخة.

إقترب هاني منهم مصرحًا بسخرية: وطبعًا تريدين البقاء بكل هذا الشباب و الجمال كي تضمني بقاء أبي بجواركِ يا حبيبة وائل.

هزت المعنية كتفيها بدلال أنثوي وهي تقول: طبعًا مازلت في كامل رونقي الأول يا حبيب سهام.

توردت المعنية تشعر بالحياء يتملكها ويتوهج تدريجيًا على وجنتيها، في حين قد قلب هاني مقلتيه قائلاً: أجل لهذا زوجكِ لا زال عازب لحد الساعة المسكين.

كبح والده بسمته حين بدأت بوادر الغضب تتجلى على تقاسيم والدته التي رددت بحدة: نعم يا إبن بطني بماذا تفوهت ؟!! من العازب إن شاء الله.

غمز لها هاني بشقاوة: ولا أحد يا ضحى القلب أمزح فقط...فأبي قالها قبلاً أنتِ لوحدكِ أربع نساء.

توردت المعنية مبعدة خصلة من شعرها للخلف برقة مجيبة بغرور: طبعًا فهو قد ماتت بعينه كل نساء منذ أن فاز بي.

رمقها وائل بعيون هائمة: ونعم الفوز والله.

كتمت سهام ضحكتها بصعوبة في حين قد قلب هاني عينيه ضجرًا مشيرًا لها بالصعود كأفضل خيار بدلاً من موشحات العشق التي يتراشقان بها أمامه...فأطاعته الأخيرة تصعد عتبات الدرج بخفة، فتهادى صوت وائل المستفهم: كيف كان العشاء يا بني ؟


أومئ له المعني مجيبًا بهدوء: حسنًا كان لطيفًا وكعادتها خالتي عطاء وزوجها رحبا بنا كثيرًا وأكرمانا.

همست ضحى بلين: أختي كعادتها كريمة ومعطاءة.


ضحك هاني بخفة وهو يسير: أنتنّ الثلاثة نفس الشيء يا أمي.

ليصعد بعدها الدرج بهدوء وفكره قد بدأ يحاول إيجاد حل للورطة التي بها زوجته، الآن عليه أن يتخذ خطوة ما...لكن كيف ؟؟ فأكيد ستتعبه خاصة أنّ هكذا وضع عليها هي أن تبذل جهدًا من تلقاء ذاتها لا غير.

دلف للغرفة ينزع سترته يرميها بعشوائية على الأريكة، فلمح سهام التي غادرت الحمام متجهة لتسريحتها كأنها تبحث عن شيء ما...فإرتفعت زاوية شفتاه ببسمة ماكرة مبادرًا بسؤاله: هل تبحثين عن شيء ما يا زوجتي ؟؟

إستدارت له المعنية وقد عمها الإرتباك مجيبة بمراوغة: اآآ لا شيء مهم..

أومئ لها بهدوء مكررًا تسائله: غريب بدوتِ لي كأنكِ تبحثين عن شيء معين...لا بأس سأساعدكِ إن أردتِ.

إبتلعت سهام ريقها مجيبة بمراوغة: فقط دواء مسكن للألم كان عندي لكن لم أجده الآن.

تظاهر هاني بالتفاجئ مستفهمًا بعدها: ألم !! هل آخذكِ للطبيب يا زوجتي العزيزة ؟

أسرعت الأخيرة بالنفي متجاهلة كلمة "عزيزتي" التي خفق لها قلبها مجيبة: لا...ليس ضروري..


دنى منها هاني مرددًا بتسائل: هل أنتِ متأكدة ؟...فأكيد سآخذكِ للطبيب حتى ولو بالفجر..

نفت سهام بسرعة قائلة: فقط صداع خفيف لا تهتم..


ناظرها بعيون عميقة مرددًا: حسنًا كما تريدين.

إرتبكت الأخيرة من نظراته هامسة: حسنًا سـ..سأجهز شاي..

تحركت كي تغادر غير أنه قبض على ذراعها يشدها ناحيتها مما فاجئها هامسًا بخفوت: لماذا أحسن أنكِ تخفين عني شيئًا ما ؟؟

إضطرب قلبها بعنف وقد تعانقت عينيهما وإلتحمت نظراتهكا مجيبة بتلعثم: لا...أبدًا..

غرق بشمس مقلتيها التي تجذبانه بأشعتها تلك نحو مدارها هي فقط منحنيًا عليها مهمهمًا بأنفاس ساخنة: لا بأس لاداعي للعجلة..فبنهاية المطاف سأعرف كل شيئ...

توترت جوارحها وبصرها مأسور بفيروزيتيه التي بدت بناظريها ‏كنجمتين براقتين إقتبستا نورهما من ضوء القمر، فإزدرت ريقها مشيحة بمحياها عنه مرددة: حسنًا...علي أن..أذهب للمطبخ.

جاهد ذاته كي يبعد كفه عنها فإستغلت هي الفرصة تفر منه ومن دفئ اللحظة وقلبها ذاك يعلن تعالي خفقه المحب والقلق بالآن ذاته.


:
•♡•
:


~ بعد أيام~

شتمت سحر للمرة التي فقدت عدها ترمي الهاتف على السرير بقربها...متوعدة إياه بسرها فهذه المرة الخمسين التي تتصل به وتجد هاتفه مغلق..ذلك الوغد الجليدي..فإبتلعت ريقها وقد بدأ الهلع يعمها مرددة بقلق: ماذا لو حدث له مكروه..لا..يا ربي لا..

إنزوى حاجبيها بحيرة مستغربة أساسًا لما هي خائفة هكذا !! فإبتلعت ريقها وقد بدأ الإرتباك يعمها مجيبة: أكيد..لن أترمل وأنا عروس...يعني على الأقل فلتمر سنة كاملة وبعدها هو حر بالموت..

لتهز رأسها على غبائها تناظر هاتفها المرمي من بعيد مرددة من بين أسنانها: جبل جليدي...الحق علي لأنني دافعت عنك ووقفت بوجه أبي أيها القبيح السمين...


‏عبست سحر مبرطمة: حسنًا هو ليس قبيح..لا لا..زوجي وسيم ورياضي وطويل...ماشاء الله محظوظة حقًا بهكذا زوج مثالي..

ضربت سحر خدها برفق معاتبة نفسها: كفاكِ غباءًا يا سحر ما خطبكِ ؟!...أفيقي لنفسكِ.. أصلاً أدهم وزياد أوسم منه...قال وسيم قال..أساسًا هو يشبه الفقمة..


ضحكت بخفة تهز رأسها على ذلك التشبيه وهي تتخيل رد فعله إن سمعها وهي تخبره بهكذا قول...لتتلاشى بسمتها تدريجيًا وقد عاد القلق يفتك بقلبها، فهو مختفي منذ أيام ولم تره نهائيًا ولم يعد حتى للقصر وكل إتصالاتهم بائت بالفشل فقد أغلق هاتفه كليًا ولا يفتح أبدًا..رفعت كفها أيسر صدرها تشعر بالوجع بقلبها تدعو الله فقط أن يعود لها سالمًا...أقصد أن يعود لهم...

أفاقت من شرودها على طرق الباب فأجلت صوتها قائلة: تفضل.

فتح الباب قليلا وقد أطلت منه شهد ببسمتها الرقيقة حيث أشارت لها سحر بكفها قائلة: تعالي صغيرتي.

دلفت الأخير للغرفة متوغلة بها فربتت سحر قربها على السرير مسترسلة: حسنًا تعالي هنا بقربي..

إتخذت شهد مجلسًا قربها مبادرة بسؤالها: كيف حالكِ اليوم يا سحرور ؟

زمت المعنية شفتيها تتأمل ملامح أختها التي بدت لها شاحبة وباهتة وكأنّ نورًا بها قد كان ثم إنطفئ مجيبة إياه بسؤال مماثل: هذا السؤال موجه لكِ أنتِ بدلاٍ مني يا شهد ؟!

تلجلجلت الأخيرة مرتبكة وهي تقول: لم...أفهم ؟!

إحتدت تقاسيم سحر مجيبة بثبات: لست غبية يا شهد فأنتِ متغيرة تمامًا...لستِ شهد أختي التي عهدتها قبلاً...لا أعرف..لقد أصبحت صامتة على الدوام ومنطوية وذابلة يا أختي، إنني أرى بعيناكِ ذبولاً غريبًا...ما بكِ يا شهد أصدقيني القول ؟

إهتزت مقلتي شهد مبتلعة ريقها..ماذا ستجيبها !! فهي أساسًا لا تدرك السبب...هل كل هذا الكم من الألم والقهر والعذاب الذي تعيشه فقط لأنّ زياد يتحاشاها وهي طبقت عليه نفس الموقف فأصبحت تتجنبه قدر الإمكان !! إذًا لماذا تضل تبكي طوال الليل حتى تتبلل وسادتها ؟ أصلاً هو غريب عنها فليس بأخيها ولا أباها حتى تكترث ببرودته تلك معها... !!!

فإغتصبت بسمة محاولة صياغة جواب شافع... فأختها سحر ليس ممن يسهل خداعهم لتجيب: في الحقيقة أشعر بضغط التخرج يزداد فوق كاهلي...وربما مفارقتي للجامعة وللدراسة قد أثرت علي قليلاً..

رفعت سحر حاجبها مقارعة إياها بقولها: ماشاء الله يا صغيرتي..لهذه الدرجة كنت تعشقين الدراسة وأنا لا أعلم !!...هيا كفاكِ كذبًا وأفحميني سبب هذا الإنقلاب الكلي الذي بك...هل هناك من أزعجكِ أو أخطئ بحقكِ يا شهد...؟؟

نفت الأخيرة قائلة: أبدًا يا سحر..والله لم يقترب مني أحد.

إتقدت لازوردي أختها بشراسة مكررة إستفهامها: هل أزعجكِ شخص من سكان القصر...وعد مني سأقتص حقكِ أضعافًا مضاعفة ممن يتنفس قربكِ فما بالكِ إن أخطؤوا بحقكِ.

رقت تقاسيم شهد تناظر أختها ملأ عينيها هامسة: أبدًا...كلهم هنا يحبونني والله...صدقيني أشعر فجأة أنني واهنة وتعبة فقط خاصة بعد أن قدمنا المذكرة لإدارة الجامعة...أظن أنّ تعب الأيام الفارطة قد إنعكس علي سلبًا حاليًا.

زفرت سحر مفضلة عدم الضغط عليها رافعة كفيها لوجهها السمح تحتوي كلتا خديها وهي تقول: كما تريدين يا قلبي...لكنك تدركين جيدًا أنني هنا دومًا ووعد مني أنني سأجلب حقكِ مضاعفًا إذا مس طرف منكِ يا قلبي.


إبتلعت شهد غصتها المريرة مومئة بإيجاب هامسة: أثق بكِ يا سحر.

جذبتها سحر تقبلها خدها عدة قبلات جعلت شهد تضحك بخفة محاولة إبعادها، فطرق الباب مرة أخرى لتهرب شهد من أختها وهي تضحك قائلة: تفضل.

فتح الباب لتطل منه جوليا التي كانت تحمل صينية عليها بعض الأكل قائلة ببسمة حانية: ها قد أتى الأكل لصغيرتي..

تنهدت سحر مرددة بعتب: بالله عليكِ يا أمي لماذا كل هذا التعب والله لقد تحسنت جدًا..

تغضنت تقاسيم جوليا مجيبة: الأكل لطفلتي شهد وليس لكِ يا سحر..

قهقهت شهد برقة هامسة: بوووم قصف أرض جو يا سحرور.

قلبت الأخيرة عينيها معلقة: للمرة المليون أقول من يكرم شهدي فهو يكرمنا أنا شخصيًا..لهذا فهو ليس بقصف بتاتًا يا غبية.

ضحكت جوليا بخفة قائلة: حسنًا أمزح فقط هذا لكِ يا سحر كي تتغذي ويستعيد وجهكِ ذاك لونه.

زفرت سحر تأخذ من أمها اللقمة التي وضعتها بثغرها مرددة بعدها بحيرة: أمي لماذا رعد مختفي كل هذا الوقت ؟!

أعطت جوليا كأس العصير لشهد لتأخذه منها مجيبة: متوقع منه هذا يا إبنتي فأكيد هو يشعر بالغضب من نفسه...كما تعرفين فرعد كانت كل تصرفاته رزينة و محسوبة ولم يقترف هكذا خطئ قبلاً خاصة إن تعلق الأمر بنا نحن...لهذا فهو منزوي على نفسه بمكان ما مبتعدًا عن الكل.

إنتفض قلبها بين أضلعها ملتاعًا هامسة بتشتت: لكن لماذا هو غاضب من نفسه هكذا...أنا أصلاً لست بغاضبة منه ولا ألومه بتاتًا ؟!

رقت تقاسيم جوليا ماسحة بخفة على وجنتها وهي تتسائل: أحقا لستِ بعاتبة عليه يا إبنتي...صحيح لم يتعمد ذلك لكن بنهاية المطاف لقد تأذيتِ بسببه ؟!

مشاعر شتى تجتاحها وتبعثرها وتكبلها بقيود قوية من الحيرة ..غير أنها أجابت: رعد ومع عشرتي له..تيقنت أنه ليس بذلك الشخص الذي كنت آخذ صورةً نمطية عنه يا أمي...حين تمعنت أكثر وبنظرة محايدة أدركت أنه فعلاً شهم ونبيل وطيب جدًا...هو رجل بحق لهذا سامحته فورًا...فسابقًا كنت أستفزه كثيرًا وأتشاجر معه لكنه كان حليمًا و صبورًا ويتحكم بغضبه ولا ينجر بتاتًا لأي خطئ مني، فأكيد لن يفعلها الآن ونحن متفقان قليلاً...

تدخلت شهد مستفهمة منها: إذًا لن تتطلقا كما قال أبي عصام ؟!

حولت سحر بصرها ناحية أختها بسرعة مجيبة بإنشداه: نتطلق !! وهل أبي قال أننا سنفعل ؟؟

توترت شهد موجهة بصرها لجوليا التي عم العتب محياها فواضح أنّ سحر لم تعلم بعد ما قاله عصام بخصوص الإنفصال، فحولت المعنية نظرها من أختها لوالدتها مستفسرة بريبة: أشرحا لي...أي طلاق هذا ؟!

تنهدت جوليا قائلة بهدوء: يوم كنتِ بالمشفى أباكِ طلب من رعد أن يطلقكِ..

إكفهرت تقاسيم سحر مرددة بتفاجئ: نعاااام...وهل قلت أنني سأفعل يا ترى ؟!!!

تنهدت جوليا تنهيدة عميقة قائلة: سحر من فضلكِ لا تعاندي أباكِ.. حسنًا.

عقدت سحر جبينها مستفهمة بذهول: هل تقصدين أن أنفذ أمرًا لست بمقتنعة به يا أمي...رجاءًا لا أحب هكذا إجبار لأنني لن أفعلها أكيد.

مسحت جوليا برفق على فخذها موضحة: طبعًا ليس هذا...لكن إياكِ أن تتحديه وجهًا لوجه يا إبنتي...هذا أباكِ وليس بعدوكِ حتى تقفي بشراستكِ المعتادة بوجهه...إياااكِ ها أنا ذا أنبهكِ..

تهدلت كتفي المعنية مجيبة: أمي بالله عليكِ أكيد لن أتجاهل كلمة أبي ولن أخطأ بحقه لكن فقط سأحاول كسب الموقف بتلاعب بسيط مني.

إفتر ثغر والدتها ببسمة فخورة قائلة: أجل كوني فقط ذكية وحكيمة...فلا تخسري زوجكِ ولا تخسري أباكِ بالآن ذاته...صدقيني هو كان سيصاب بجلطة حين ذهبت للمشفى وأنتِ بدمائكِ، خاصة أنه يحمل نفسه مسؤولية هذا الزواج بأكمله وقد كان مجبرًا عليه لولا الوضع العصيب الذي كنا به لما وافق أبدًا...لهذا قدري موقفه الغاضب حتى يهدأ أكثر.

غامت عيني سحر تسبحان بالذنب لما كابده والدها من قلق وفزع هامسة بعدها: حسنًا أنا مقدرة موقفه يا أمي..لكن بهكذا موقف بالذات لا أستطيع التخلي عن رعد..لن أخذله وهو بحاجة لدعمي و لوقوفي بجانبه.

همست شهد بإستفزاز: زوجة صالحة.


رمقتها سحر بنظرة حادة مرددة: أكرميني بصمتكِ أفضل.


عبست الأخيرة بظرافة مما جعل جوليا تضحك بخفة قائلة: جيد يا إبنتي...فرعد يستحق هكذا موقف منكِ.


أومئت لها المعنية مسترسلة: أمي من فضلكِ هلا أخبرتني عن ماضي رعد...أصلاً لما لم تعلموني أنه حفيد داوود ذاك ؟..ورجاءًا لا تقولي لي بالمرة القادمة لأنكِ طوال الأيام السابقة كنت تتهربين.

تنهدت جوليا بخفوت مستقيمة واضعة الصينية على المنضدة عائدة للسرير بعدها رافعة قدميها عليه وهي تجيب بهدوء: لم أكن أتهرب يا إبنتي...لكن وضعكِ لم يكن يسمح بكثرة الحديث ولا لسرد ذلك الماضي الأليم له..لهذا أجلتها فقط...وبخصوص مسألة معرفتكِ بأنّ زوجكِ هو حفيد داوود ذاك فهذا الأمر ليس سرًا والكل كان يعرفه، لكن فقط لم تأتي الفرصة لإعلامكِ ولا أنت سألتِ من أصله...لهذا لم يتحدث به أحد...هل أتيت لي أو لوالدكِ وجدكِ وإستفسرتِ منا ونحن تجاهلنا طلبكِ يا إبنتي ؟!

نفت سحر مصرحة: حسنًا معكِ حق لكن أصلاً لم أكن مهتمة لا به ولا بأصله وفصله لأنني لم أكن أطيقه بتاتًا...

تراقصت بسمة مبطنة على ثغر جوليا متسائلة: وما الذي تغير الآن يا ترى ؟!


إرتبكت سحر مشيحة ببصرها عن عيون والدتها المدققة هامسة: في الحقيقة...لا أعرف..إكتشفت أنه لطيف وحنون نوعًا ما...يعني هو شخص جيد عامة.

كتمت جوليا إبتسامتها كي لا تحرجها أكثر معقبة: حسنًا...ماذا تريدين أن تعرفي عنه بالضبط يا إبنتي ؟


هزت سحر كتفيها قائلة: كل شيء يا أمي...عن والديه وعلاقته بجده داوود السلبية تلك، وكذلك تلك الجروح التي على جسده.. والأهم منذ زواجنا وهو يرى كوابيسًا تؤرق صفو نومه...

تنهدت جوليا تنهيدة عميقة وهي تقول: حسنًا...في الحقيقة الأمر قد بدأ منذ سنوات طويلة أي قبل ميلاده هو أصلاً..حسب ما أتذكر أنّ شهرزاد قد تقابلت مع جواد بفرنسا.

قطبت شهد جنبيها متسائلة نفس السؤال الذي تبادر لذهن سحر: شهرزاد وجواد هما والدي رعد الحقيقيين صح ؟

أومئت لها جوليا مسترسلة: أجل فجواد هو الأخ الأكبر لعصام والفرق بينهما عام لا غير وقد كان هو الإبن البكر لجاسم...أما شهرزاد فهي البنت الوحيدة والوسطى لداوود... كانا قد تقابلا كما قلت بفرنسا فهي كانت تدرس هناك أما جواد فقد كان لديه بعض الإستثمارات هو أيضًا بذلك البلد...بوقتها وبما أنها مسلمة تعرضت لبعض المضايقات بالشارع فهناك بعض العنصريين أرادو إزعاجها وحينها تدخل جواد للدفاع عنها بإعتبارها مسلمة ومن واجبه حمايتها...المهم بعدها شكرته كثيرًا لشهامته تلك معها...وبعدها بفترة تقابلوا مجددًا هنا بالبلد صدفة...لتتوالى بعدها الصدف كذلك..كانا يتقابلان مرة بالشارع..ومرة بالتجمعات الخيرية..ومرة بالمطار...وغيرها..وبوقتها كان كل منهما قد أعجب بالآخر وحينها ما كان منه إلا أن صارحها عند أول لقاء آخر لهما...وطبعًا هي تفاجئت لكنها وافقت طالبة منه أن يتقدم لوالدها وحين إستفهم عن عائلتها تفاجئ أنها من آل لقمان وقد إندهشت هي كذلك حين فور معرفتها أنه بكر آل سلطان..

تدخلت شهد مستفسرة بتحفز: هل تخلى عنها لهذا السبب ؟!!

نفت جوليا وقد أشرق محياها ببسمة عذبة موضحة: أبدًا...فليس رجال آل سلطان من يتخلون عن إناثهم لهكذا أسباب...فرغم تفاجئه إلا أنه وعدها بوقتها أنه سيسعى للزواج منها وقد كان عند وعده...بوقتها حدث والدها بالسيرة ليبدي بعدها جدك رفضًا قاطعًا للأمر..

عقدت سحر حاجبيها مستفهمة بترقب: لماذا رفض...أقصد هل هناك سبب قوي لذلك ؟!!

زفرت جوليا موضحة بهدوء: لأنّ هناك حساسية قديمة بين العائلتين...وقد كانت العلاقة متوترة منذ عقود طويلة أي منذ الحقبة الإستعمارية وليس وليدة اليوم...لكن كان الوضع يختلف حسب الجيل.. فهناك فترات كانت العلاقات هادئة وهناك فترات كانت العكس ومن بين الأزمنة التي كانت العلاقة قد بلغت أوج توترها هي قبل أكثر من عقدين حينها كانت ستقام حرب أهلية بالدولة كلها.

إبتلعت سحر ريقها ترقبا لبقية كلامها في حين لم تستطع شهد الصبر أكثر متسائلة: هل سبب هذه الحرب هو زواج العم جواد من شهرزاد ؟!!

نفت جوليا برأسها مسترسلة قولها: بل أسوء...فلقد أصر جواد بوقتها إصرارًا شديد على الزواج ممن يحب ورغم رفض جاسم للأمر إلا أنّ وقوف عصام لجانب أخيه وكذلك وقوف جدتكِ رحمها الله بجانب ولدها جعله يرضخ بنهاية المطاف...فرفضه الأول لم يكن لشخص البنت بل لمعرفته الكبيرة بخسة داوود ذاك، لهذا فضل عدم مصاهرة تلك العائلة تجنبًا لأي مشاكل المستقبلية..لهذا كان قد رضخ فقط لأجل سعادة إبنه لا غير...فأرسلوا خبرًا لآل لقمان مفاده أنهم يريدون التقدم لكريمتهم...فكان الرد مبدئيًا هو الموافقة بالحضور لقصرهم ... فما كان من جدكِ وجدتكِ وإبنه البكر إلا الذهاب لهم هناك...

إنزوى حاجبي سحر مستفهمة بحيرة: وهل إستقبلهم عادي ؟!!

أومئت لها جوليا موضحة: أكيد...فمن عرفنا أنّ أي زائر يكون مسالمًا وطالبًا للجلوس مع الرجال فهنا يكون تحت بند الحماية ويمنع منعًا باتًا أن يلحق به أي ضرر أو سوء مادام لم يصدر منه حرفًا أو فعلاً فيه إهانة لأهل البيت، حتى ولو كان الزائر عدوًا لدودًا...هذه هي عاداتنا المستمدة من الشريعة الإسلامية...لهذا تم إستقبالهم وإكرامهم كأي ضيوف آخرين...وإنقسم المجلس واحد خاص للرجال كما هو معروف وآخر للنساء...

عم الفضول شهد مستفهمة: حسنًا كيف كانت العروس..أقصد والدة رعد ؟

تبسمت جوليا مجيبة بلين: كانت فاتنة بحق...فقد كانت بيضاء البشرة وشعرها كان أسودًا طويلاً وعينيها كانت نفس اللون...أما شخصيتها فالذي سمعته عنها فهي كانت طيبة جدًا وحنونة وكذلك رقيقة ومتواضعة...يعني بمختصر القول كانت فتاة مميزة...و كلمة الحق فليس كل أفراد آل لقمان سيئيين فزوجته كانت إمرأة صالحة ويشهد لها بالدين وطيب الأصل وواضح أنّ إبنتها قد ورثت هذا عنها...أما أولاده وأحفاده فهناك منهم الجيد وهناك من سلكوا درب أبيهم وجدهم...مزيج غريب حقًا.

أومئت لها سحر مبادرة بسؤالها الفضولي: وماذا حدث بعد ؟

تابعت جوليا سرد الأحداث قائلة: في الحقيقة بوقتها حين قد عرض جاسم عليه طلب يد إبنته أجاب مستخفًا بأنه ليس لديه بنات للزواج...وحينها أسرها جدكِ بنفسه مستقيمًا من مجلسه لأنّ هذه الحركة تعد إهانة صريحة بحقهم...

قاطعتها شهد مستفسرة بحيرة: لكن أين الإهانة هنا...هو أب وله حرية الرفض أليس كذلك ؟

أومئت لها جوليا ببسمة رقيقة موضحة: صحيح...لكن هذا الأمر يكون بين العائلات والأسر البسيطة فقط وليست العائلات العريقة والكبيرة كعائلتينا...فهناك قاعدة وعرف متبع لدينا أنّ مادام الأب كجاسم أو داوود أو حتى عصام وافق على قدوم العريس وأهله للقصر فهذا يعني موافقة مبدئية على إتمام الزيجة...لأنهم قبل أن يرفضوا أو يوافقوا على العريس من أساسه هم على معرفه به وبعائلته كله فبحكم أذرعتهم الطويلة بالمدينة والدولة فلهم معلومات مسبقة عن أي متقدم ويستطيعون بسهولة التحري عنه وعن سلالته كلها...لهذا فحين يقول تفضل للقصر فهذا يشير أنّ له بنتًا بعمر الزواج وهو موافق نسبيًا على المتقدم...كما ترين فأباكِ عصام مثلاً حين كان يتقدم أي عريس لكِ أو لشهد أو حتى لعمتكِ مريم كان يرفض الخوض بالموضوع أساسًا...فإن قال لهم تقدموا للقصر فهنا يعطي إشارة الموافقة الأولية عليه...لهذا فهو لا يتلاعب بالعرسان بل يكون صريحًا ورده واحد وقاطع.

إبتلعت سحر ريقها مستفهمة بترقب: حسنًا وماذا حدث بعدها ؟!!

أجابت جوليا قائلة: بوقتها غادروا بصمتٍ تام دون أن يكرروا طلبهم...فلا جدكِ ولا عمكِ جواد رحمه الله كان ليرضى بإهانة صريحة كهذه...وبعدها كانت العلاقة قد تأزمت أكثر بينهما...حتى أنّ هناك أطرافًا خارجية تدخلت كي يتمموا الزيجة علّها تكون فاتحة خير بين العائلتين ومنعًا لأي حساسيات مستقبلية لكن للأسف كان داوود قد تعنت أكثر رافضًا هذه المصاهرة...فما كان من جواد إلا أنّ رضخ لأمر الواقع وإستسلم.

تغضنت تقاسيم شهد متسائلة بإنشداه: هل تنازل عن حبه بهذه السهولة ؟!!

ناظرتها جوليا بمقلتين عميقتين موضحة: هذا ليس بتنازل يا إبنتي بل هو الصواب بحد ذاته و عين العقل، فجواد كان يدرك تمام الإدراك أنّ داوود ذاك لن يوافق أبدًا...ورفضه لم يكن لشخصه هو بل كان فقط تكبرًا وتحديًا ومحاولة منه لإثبات الذات لا غير...فجواد مشهود له بالدين وحسن الخلق والسيرة الطيبة...فرغم سنه الصغير إلا أنه كان محل ثقة وإستشارة لأغلب الناس...وكذلك كان خدومًا للغير ومتواضعًا جدًا لدرجة أنكِ لن تشكي للحظة بأنه من أثرياء الوطن...لهذا هو رضي بالواقع ولم يشأ أن يذل نفسه وعائلته أكثر متمنيًا لشهرزاد الزوج الصالح فقط...فأكيد لم يكن ليشجعها كي تتمرد على والدها فهذا يعد إنتقاصًا منه بحق دينه ورجولته ولم يكن ليرضى أن يتزوجها دون دعمٍ من عائلتها...فهي ليست بجارية بسوق النخاسة...لهذا فضل الصمت لا غير كأحسن قرار...

تحفزت شهد مستفهمة بسرعة: هيا...هيا.. وماذا بعد ؟!

زفرت جوليا مجيبة إياها بحسرة: بعدها كان كلاهما يعاني ألم البعد...فهي قد حدثت والدها وأخبرته عن شهامته معها بفرنسا وكيف ساعدها إلا أنّ رده كان قاسي مخبرًا إياها أنه لن يزوجها لآل سلطان أبدًا...وهي المسكينة ضلت مصرة عليه ورفضت كل العرسان الذين كانوا يتقدمون لها... وكانت تذبل تدريجيًا وساء حالها كثيرًا..ورغم كل هذا إلا أنّ داوود لم تشفع له صحة إبنته بل وافق على أحد العرسان المتقدمين وحدد موعد الزواج عساه يزوجها فتنساه، إلا أنّ شهرزاد كانت قد أعلنت تمردها بوقتها ورفضت العريس جملة وتفصيلاً مهددة أباها أنها سوف تنتحر يوم زفافها فيكون بدلاً من العرس جنازة ..فما كان من داوود إلا أن فسخ الخطبة خوفًا على سمعته وسمعة الأسرة إلا أنه إزداد جبروتًا معها فقام بمنعها كليًا من مغادرة القصر...وهذا الذي أزم حالها أكثر...فأضربت عن الأكل تمامًا حتى كادت فعليًا أن تموت..فما كان من والدتها إلا أن تتدخل هي شخصيًا لكن هذه المرة كان بالفعل بعد أن بح لسانها مع زوجها العنيد.

باردت سحر بتسائلها: خيرًا ؟!

إفتر ثغر جوليا عن بسمة لطيفة قائلة: كما قلتها قبلاً جدة رعد من الأم كانت طيبة جدًا وحنونة فهي منذ أن تقدم جواد لخطبة إبنتها فرحت كثيرًا خاصة أنّ شهرزاد هي وحيدتها لهذا كانت تدعو الله أن يكرمها بزوج يستحقها ..وقد كانت من أكثر الموافقين على هذه الزيجة خلافًا لزوجها وقد حدث تصادم بينها وبين داوود ولطالما وقفت بوجهه مع بعض أبنائها الذكور بوجه والدهم كي يوافق على جواد ويرحم إبنته...إلا أنّ غروره لم يسمح له بذلك...وبعد طول صبر وإقناع منها كانت قد تأكدت أنّ الكلام لن يزيده إلا رفضًا أكثر...فخططت بسرعة وقامت بالإتصال بأخيها الأكبر الذي هو خال شهرزاد تترجاه أن يساعدها بأن يكون هو ولي إبنتها ويزوجها كي لا تضيع إبنتها من بين يديها...فوافق بعد إصرار شديد منها لتسرع هي بتهريبها بعد أن كانت قد خططت بذكاء لإشغال العمال والحراس...فهرعت حينها شهرزاد تفر من القصر من الجانب الخلفي حيث كان خالها بإنتظارها ..وقبلها هو كان قد إتصل بجدكِ جاسم معلمًا إياه بالأمر برمته...بوقتها جاسم رفض الأمر فهو لم يكن ليرضى أن يجر الفتاة المسكينة لهكذا موقف ضد والدها غير أنّ خالها أعلمه بحالها المتدهور وأنه سيكون سببًا في وفاتها فما كان منه إلا أن وافق على مضض ليعلم بعدها جواد بالتطورات الأخيرة، فعاجل هو بالتحرك فورًا للمكان المحدد وتقابلا هناك..أكاد أتخيل موقفه و كيف تعذب بوقتها بعد أن أبصرها بذلك الشحوب والتعب...وبوقتها أقسم أنه لن يتركها مادمت قد خاطرت لأجله كل هذه المخاطرة...فالبداية كانت منها والخاتمة ستكون منه هو...حينها أخذها للقصر وأحضروا المأذون لعقد القران وقراءة الفاتحة وقد كان خالها هو وليها وإتفقوا على مهر كبير جدًا...أظنها الوحيدة من زوجات آل سلطان التي تربعت على أغلى مهر وهذا إكرامًا لها فقط وكي تحس بتقديرها لهم..وبعدها بأسبوعين فقط كانت قد إستعادت قوتها وتحسنت نفسيتها وعادت الروح لها فأقاموا حفلاً ضخمًا ودعوا به كبار الشخصيات...

قطبت شهد جبينها متسائلة بحيرة: وما كانت رد فعل أباها حينها ؟

تنهدت جوليا مصرحة: بوقتها كان قد كتم غضبه بكل قوته فقط كي لا تهتز صورته أمام الناس فيقولوا أن إبنته تجاوزته وتزوجت رغمًا عنه...فما كان منه إلا أن وافق على مضض يحضر الزفاف مع عائلته...ومرت الأشهر الأولى كان فيها جواد وشهرزاد على وفاق تام وحبهما يزداد كل يوم...وكل من بالقصر كان يحترمها ويحبها ويكرمها...وجدتكِ خاصة كانت تعتبرها كإبنتها مريم وتغدق عليها بكل أنواع الدلال...وهكذا حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم الذي قلب كل الموازين..

توجست سحر وقد بدأ القلق يعمها وكأنّ الذي تسرده أمها الحاضر وليس بالماضي الغابر مستفهمة: خيرًا ؟!!

زفرت جوليا متابعة حديثها بنبرة تشع ألمًا: بأحد الأيام كان جواد رفقة زوجته بالخارج، وقد كانا عائدان للقصر فتعرضا لهجوم من عصابة ما. .حيث قاوم جواد بكل قوته دفاعًا عن زوجته التي حاولوا إخراجها من السيارة وأخذها عنوة...ورغم دفاعه الشديد وشراسته إلا أنه للأسف لم يستطع تحديهم كلهم لوحده فقد تجاوز عددهم الخمسة عشر رجلاً..فضرب على رأسه بقوة ليسقط أرضًا بعدها مغمى عليه...وقاموا بعدها بأخذ شهرزاد التي كانت تبكي بهستيرية خوفًا عليها.

عدلت شهد جلستها مستفهمة بقهر: داوود هو من كان وراء ذلك صح ؟!

أومئت لها جوليا متابعة كلامها: أجل هو..فأكيد شخص مثله لم يكن ليصمت هكذا دون أن يرد الإعتبار لنفسه...بوقتها أعاد شهرزاد تحت جناحه لكن هذه المرة قد أخفاها كليًا عن الأنظار...فحتى والدتها وأخوتها منعهم من مقابلتها...ولم يعلم مكانها أحد...وبعدها حاول جدكِ وجواد أكيد وحتى إخوتكِ العثور عليها دون جدوى، حتى أنهم تهجموا على قصر آل لقمان لكن هو إعتبره بداية صريحة منهم للحرب وقد تدخلت بعض الجهات لإيقاف أي جنون قد يصدر منهما...خاصة أنّ لا دليل بحوزتهم يشير للمرتكب فرغم أنّ المشتبه الأول هو والدها إلا أنّ غياب الحجة الدامغة هو الذي يعيقهم...ورغم بحثهم الكبير وعدة تحقيقات وتحريات إلا أنهم كانوا يصلون لطريق مسدود...لتمر بعدها الشهور كانت والدة شهرزاد قد توفت بحسرتها على إختفاء إبنتها...وبعدها مرت حوالي عشر سنوات كذلك دون أي ظهور لها مطلقًا...

إغرورقت عيني سحر وشهد متأثرتين بوجع فؤاد تلك المرأة منصتتان بكل حواسهما لجوليا التي تابعت: بوقتها كان جواد يعاني كثيرًا من بعدها فهو كان قد عشقها بكل جوارحه إلا أنه فوض أمره لله فقط متحليًا بصبره وإيمانه بقضاء الله...وبعد مرور حوالي عشر سنوات من الواقعة كنت أنا بوقتها قد إنظممت للعائلة وكانت كذلك رقية إنظمت ككنة هو الأخرى وبعدها بفترة صغيرة تزوج الأخ الأصغر خالد وأضيفت شادية للأسرة...أما جواد فرغم إصرار جدتكِ وجدكِ عليه أن يتزوج مجددًا إلا أنه أقسم بالعكس منتظرًا عودة زوجته الغائبة له...فما كان من جديكِ إلا الرضوخ له فهما يدركان جيدًا حبه العظيم للغائبة...وفي الحقيقة هو كان يحترمنا جدًا ويحسن معاملتنا فرغم عيونه المنطفئة إلا أنه كان رجلاً شهمًا نبيلاً معنا نحن الكنائن...وفي يوم من الأيام تلقى جواد إتصالاً مجهولاً من شخص غير معروف مفاده " إن كنت تريد تريد معرفة مصير زوجته فعليك أن تجهز مبلغًا ضخمًا " فما كان من جواد إلا أن إستبشر خيرًا وقد عادت الروح له فجهز المبلغ المطلوب وإتفق عليه أن يتقابل بمكان ما...حينها كان قد تحرك رفقة أخوته و شحذ رجاله كإجراءات إحترازية تجنبًا للوقوع بأي فخ...وحين وصلوا للمكان قابلهم رجلان رفضا التعريف عن نفسيهما وحين أخذ جواد يستفسر عن زوجته أعلمه الرجل بالصدمة التي قسمت ظهره وهي أنها للأسف قد ماتت منذ تسع سنوات تقريبًا...

شهقت شهد واضعة كفيها على ثغرها تتخيل فقط رد فعل زوجها المسكين، في حين قد إنسابت دموع سحر وهي تحس بإنقباضات أيسر صدرها جراء الوجع الذي داهمها بغتةً، فإسترسلت جوليا قولها بنبرة مهتزة: حينها كان جواد قد تحطم كليًا..فهذه الضربة كانت قوية وقاتلة له...لكن وقتها الرجل أخبره بصدمة أكثر عنفًا وهو أنّ لديه إبن منها...بوقتها كان مصدوم حرفيًا إلا أنه رفض تصديق ذلك فأساسًا هي قبل إختفائها لم تكن حاملاً منه...غير أنّ الرجل منحه خصلة صغيرة ملفوفة بقطعة قماش مخبرًا إياه أن يقوم بتحليل DNA فأخذها عصام منه...فحال جواد بوقتها لم يسمح لأي إستعاب آخر...

مسحت سحر دموعها متسائلة بعدم فهم: لكن من ذلك الرجل وكيف علم كل تلك المعلومات ؟

تنهدت جوليا تنهيدة عميقة وهي تجيب: المفشي الأول للمعلومة لم يعرف بعد...لكن سر كهذا كان سيفشى عاجلاً أم آجلاً يا إبنتي...فهذه المعلومة خطيرة و المدة ليست شهر أو سنة بل عشر سنواتٍ تقريبًا...أكيد كان سيعرف الأمر حتى ولو طال...

إزدرت شهد لعابها هامسة: لكن كيف ماتت ؟

رمقتها جوليا بنظرة غلفها الألم مجيبة: عرفنا أنها ماتت أثناء ولادتها برعد..فيبدو أنّ قلبها لم يتحمل كل هذا الضغط، أولها بُعدها عن حبيبها وزوجها وبعدها الخيبة من والدها و مع عذاب الولادة فإستسلمت وصعدت روحها لمولاها..

وضعت شهد كفيها على وجهها تبكي بمرارة وهي تتخيل تلك الأوجاع العصيبة التي كابدتها المتوفاة...فكفكفت سحر مدمعها مستفهمة بحشرجة: ورعد...أقصد إن كانت هي ماتت بولادتها..هو كيف عاش وكبر ؟!


شعرت جوليا بالحزن يعمر مدائن فيها موضحة: بداية سنواته لم نعرف بالضبط كيف كانت، لكن غالبًا قد إعتنت به إحدى العجائز التي قد وضعها داوود لرعايته...فخبر مولده ووفاة إبنته لم يعلم به أحد إلا إبنيه البكرين فقط فهما من كان يوافقانه بتحركاته وخططه أما باقي أبناءه فغالبًا لم يعلموا فهم كانوا يحبون أختهم كثيرًا ولم يكونوا ليوافقوا على هكذا تصرف من أباهم...لكن حين بلغ رعد ست سنوات رماه داوود عند عمال الحقول كي يعمل بالأراضي ويجني الثمار ويساعد الفلاحين وغيرها من الأعمال الشاقة واللاإنسانية بحق طفل صغير بسنه ذاك...

مسحت سحر وجهها تشعر بالضغط يجثم على قلبها مهسهسة بشراسة من بين دموعها: بالله عليكِ يا أمي لا تقولي أنكم لم تثأروا له !!!

نفت جوليا متابعة حديثها: دعيني أكمل أولاً...بوقتها كان داوود قد أخبر بعض العمال المسؤولين أنه حفيد آل سلطان فعاملوه على هذا الأساس...يعني من تعذيب وإهانة وقسوة وغيرها...لتمر ثلاث سنوات وهو يعامل بكل قسوة شديدة لا يتحملها الكبار فما بالكِ بطفل صغير مثله حتى بلغ سن التاسعة، بوقتها كانوا أولائك العمال الذين كانوا مسؤولين عن رعد بدؤوا يطالبون داوود بزيادة المال قليلاً لهم لكنه لم يكن يكترث لهم أصلاً...ومع دوام تجاهله لهم قرروا إيجاد مصدر آخر للمال لكن عن طريق ذلك الطفل المسكين...فهم يدركون أنّ داوود لا يهتم به أصلاً ولن يأبه إن مات أو ضل حيًا لهذا بلغت بهم الوحشية أوجها...فما كان منهم إلا أن تجردوا من إنسانيتهم....

توقفت جوليا مبتلعة ريقها بقهر وقد بدأت عيناها تدمعان تدريجيًا لتفقد سحر صبرها مستفهمة منها: ماذا فعلوا بالله عليكِ ؟

أخذت جوليا نفسًا عميقًا وهي ترى كل من شهد وسحر مترقبتين لكلماتها فما كان منها إلا أن أجابت بصوتٍ مبحوح: لقد قاموا ببيع كليته...

فغرت سحر فاهها وقد سكن بين جنباته ألمًا عظيمًا تشعر كأنّ جسدها قد شل تمامًا كأنها تنتظر أمها أن تكذب ما نبست به توًا، في حين قد بكت شهد متأثرة بذلك الألم الذي كابدة رعد ذاك...

وضعت سحر كفيها على وجهها تشعر بنار تضرم بداخلها ودموعها لم تتوقف عن التدفق فإستفهمت بعدها بصوتٍ متهدج: و...وماذا بعد...أكيد إنتقمتم له يا أمي...رجاءًا لا تقولي أنكم لم تأخذوا حقه ؟!!

همست جوليا مجيبة: لا تقلقي لقد أخذنا بالثأر...

تمردت دموع سحر من محجاريها مهمهمة بوجع: هو..هو يعيش بكلية واحدة إذًا ؟!!

أطبقت جوليا على شفتيها عاجزة عن النبس بالإجابة جراء الألم الذي إستحكم حنجرتها بعنفٍ مومئة بنعم.

حيث باردت شهد متسائلة بحشرجة باكية: لكن كيف أعدتموه للقصر...أقصد ماذا حدث بعد أن أخبروا جواد بوجود إبن له ؟!

مسحت جوليا دمعة إنسابت من مقلتيها وهي تتكلم: بوقتها عاد للقصر مدمرًا تمامًا حتى أنه لم يصدق موضوع إبنه..إلا أنّ جدتك رحمها الله أخبرته أنّ شهرزاد قد أعلمتها قبل إختفائها بيوم فقط أنه تشك بحملها لكنها ستتأكد أولاً وبعدها تخبر جواد إن صح تخمينها...لهذا شجعوه على إجراء التحليل بما أنه يملك عينة من الشعر...فالإحتياط واجب فربما يكون صح ولده وهكذا سيعوضه عن فقد زوجته ولو قليلاً...وقد صدق الأمر فقد تطابقت العينات تمامًا وعرف حينها أنه فعلاً إبنه...بوقتها إتصل جواد بذلك الرجل الذي أخبره أن يتصل به إن كان يريد إبنه بشرط أن يضاعف المبلغ كي يأخذه...

قاطعتها سحر مستفهمة: ومن يضمن أنّ ذلك الرجل ليس من رجال داوود و يكذب فقط ؟

نفت جوليا موضحة بهدوء: ليس كذلك.. فقبل أن يغادر ذلك الرجل وبعد أن أعطاه خصلة الشعر، كان قد قدم له أيضًا صورة لرعد وسبحان الله كان هناك تشابه كبير بينه وبين جواد كأنه نسخة مصغرة عنه...والأهم أنّ داوود لم يكن ليسلم رعد بسهولة لنا وخاصة أنه من الأثرياء ولا يحتاج للمال بتاتًا حتى يطالب به...

إنزوى حاجبي شهد مستفسرة بفضول: إذًا من هم أولائك الرجال ؟!

زفرت جوليا بخفوت معقبة: في الحقيقة كانوا من رجال داوود لكنهم تمردوا عنه سابقًا لأسبابٍ أخرى خاصة بهم...لكن حين عرفوا صدفة عن رعد قاموا بالتحري سرًا كي يعلموا مصير والدته فتوصلوا لخبر موتها أثناء ولادتها ، لهذا قرروا خطفه من أولائك الأوغاد كي يستغلوا هم الفرصة و يربحوا من ورائه خاصة أنهم يدركون أنّ آل سلطان قد وضعوا سابقًا إعلانات مشجعة أنه من يقدم معلومة عن زوجة جواد آل سلطان المختفية فله مكافئة مالية كبيرة فما بالك إن تفاوضوا معهم بشأن حفيدهم البكر فأكيد الغنيمة ستكون أكبر بوقتها...لكن حينها كان الأوغاد الآخرين يبحثون عن رعد بكل جهدهم خاصة أنّ داوود توعدهم في حالة ما لم يجدوه...حينها كان رجال العائلة قد إتفقوا مع الخاطفين أن يسلموهم رعد مقابل المبلغ المتفق عليه، وبعدها بيوم فقط حددوا مكان التقابل والذي كان بالطريق الجديد الغربي والذي كان خاليًا تمامًا من السكان...وقبلها كان جاسم قد أصدر أمرًا أن يضمن سلامة حفيده أولاً وبعدها يقوم بالثأر من داوود فما قام به لا يغتفر.. فهو قد خطف كنته وتسبب بموتها وحرمه من حفيده لتسع سنوات كاملة وقام بخداع الكل وتجاوز بحق عرضنا وحقنا...بوقتها لم يكبلهم إلا سلامة رعد أولاً حتى يضمنوا عودته للقصر و بعدها يكون لكل حادث حديث...لكن للأسف حينما كاد الطرفين يتقابلان كان داوود ورجاله قد علموا بالأمر للأسف...فحشد داوود رجاله وبعض من أبنائه متجهين لمكان اللقاء، فهم كانوا يشكون بأولائك الرجال وقاموا بمراقبتهم ليتضح أنهم من خطفوا رعد وإتفقوا مع آل سلطان لتسليمه مقابل فدية...وبالطرف الآخر كان جدكِ قد أعلن الحرب على آل لقمان، فهو أصلاً كما أخبرتكِ كان ينتظر فقط الفرصة ليعلنها جهارًا...فجمع العديد من الرجال قد بلغوا المئتين ربما وجهزوا الأسلحة وتوجهوا فورًا للمكان...

تساقطت دموع جوليا واضعة كفها أيسر صدرها مجيبة بصوتٍ مبحوح: كان يومًا أسودًا بحق...أتذكر كيف كنت أنا وجدتكِ رحمها الله و رقية وشادية ومريم نبكي بهستيرية ونترجاهم أن لا يذهبوا لموتهم...إلا أنهم لم يتراجعوا بل قد قالها جاسم بلحظتها أنّها مسألة شرف وعائلة.. فإما الفوز أو الموت بشرف...غير هذا فلا تراجع أبدًا ...فهذه المرة داوود تجاوز كل الحدود و لن يشفع له إلا الدم والقصاص لحفيدنا ووالديه...حينها لم أتحمل فكرة ذهاب عصام لموته لهذا إستأمنتكم بمهية جدتكِ التي رغم رفضها إلا أنها قدرت رعبي على زوجي وعائلتي حينها... و كنت قد تتبعتهم سرا بسيارتي...حتى وصلوا للمكان المقصود وبوقتها هجم رجال داوود مطلقين النار فكان الرد بعدها من طرفنا ليردوا بنفس القوة...لحظتها كان أحد الرجال قد أخرج رعد من السيارة طالبًا منه أن يذهب لأباه بالجهة الأخرى..فيبدو أنّ الرجل بوقتها قد أيقن خسارته هو ورفاقه الذين كانوا معه لكن نكاية في داوود أطلق سراح رعد عمدًا كي يعود لأهله فلا يضل رفقة ذلك الضالم...بوقتها رعد المسكين لم يفهم شيء من الثلاثة الأطراف التي هنا ؟! ..ولا لماذا هذه الحرب...لكنه ببراءة طفل تحرك فورًا حيث ما أشار الرجل..ليقع على الأرض حين مرت رصاصة بقربه..فجلس بتعب وعجز وخوف بقلب المعركة الدائرة...كأنه ينتظر منقذًا أن ينتشله من كل هذا الصخب الذي يدور حوله.

تحفزت شهد مستفهمة بسرعة: من أنقذه..هي تابعي أرجوكِ ؟!

أخذت جوليا نفسًا عميقًا مسترسلة سردها: بوقتها كنت أنا بسيارتي من بعيد أراقب المعركة المدارة...وكان الرعب عندي قد بلغ أوجه خوفًا عليهم وحين لمحت رعد فما كان مني إلا أن أتدخل عساني أخفف عنهم الحمل فأكيد هم لم يجدوا الفرصة لإبعاده عن خطر المكان...فقمت بتشغيل سيارتي مقتربة قليلاً لأترجل بعدها مقتحمة ساحة المعركة أخترق السيارات متجاهلة الرصاص المتناثر وكنت قد فتحت ذراعي له منادية عليه...حين أبصرني هو المسكين لم يفهم من أنا..أو ماذا أريد منه..لكن حسه البرئ أخبره أن يلبي فقط النداء ليستقيم بوهن متقدمًا ببطئ ليركض بعدها نحوي..فضممته لي حاملة إياها راكضة بأقصى قوتي لسيارتي...و للأسف كنت قد أصبت بذراعي اليسرى حينها...لكن لم أتوقف أبدًا وإستقللت سيارتي منطلقة بها نحو القصر بأقصى سرعتي...لكن حينها كانوا رجال آل لقمان قد تفطنوا لي فإنطلق نصفهم بسياراتهم خلفي يطلقون النار علي...فقد كنت أضم رعد بصدري متابعة قيادتي بيدي اليمنى فقط أدعو الله أن أصل للقصر قبل أن تنقلب سيارتي جراء الرصاص الذي يطلقونه نحوي...بوقتها كان عصام وبعض الرجال قد إنطلقوا خلفنا أيضًا لحمايتي...والحمد لله تصرفوا بذكاء فائق وسدوا الطريق عن السيارات التي كانت تتبعني وتوبع القتال بعدها حتى إنتهت المعركة..


تقبضت سحر مستفسرة بترقب: كيف إنتهت المعركة ؟!

غامت عيني جوليا تسبحان بالدموع مجيبة بحسرة: إنتهت بالقتلى والجرحى لكلا الطرفين...فقد توفي حينها جواد.

شهقت شهد لتنفجر ببكاء مرير بعدها تشعر بألم فظيع يراود قلبها...صحيح أنها لم تقابل جواد ذاك إلا أنها أحبته لصفاته المميزة التي أخبرتهم بها جوليا..

في حين قد تكدست الدموع بعيني سحر وقد خنقتها العبرة هامسة بصوت هارب: هو. ..لم يقابل أباه إذًا ؟!!

نفت جوليا مجيبة بوجع تجلى بنبرتها: نعم للأسف.

إبتلعت سحر مرارتها حلقها وهي تشعر بزناجير من النار تلف قلبها...هل هو عانى كل هذا العذاب أولها موت والدته دون أن يراها وبعدها التعذيب النفسي والجسدي الذي واضح خلالها أنه كان يجلد ويطعن كل مرة وأيضًا سلبت كليته منه، فإنزوى حاجبي سحر متذكرة أنّ رعد له جرح قطعي جانب بطنه..يبدو أنه بسببها !!


فكفكفت دموعها مستفهمة بنبرة مهتزة: هل هناك خسائر من طرف داوود الوغد ذاك ؟!

أومئت لها جوليا مصرحة: طبعًا..فالحصة الأكبر كانت له فقد توفي له إبناه البكران...وهما اللذان كانا السبب في إختطاف شهرزاد وهما من حرضاه أصلاً على كسر شوكة آل سلطان...لقد كانا حقًا وغدان والكل شهد لهما بسوء الخلق...عكس بقية إخوتهم...

مسحت شهد دموعها هامسة: الحمد لله يستحقون هذا وأكثر...

تنهدت جوليا تنهيدة عميقة مسترسلة قولها: حينها كان وقع خبر موت جواد صدمة للكل...كانت أوقاتًا عصيبة بحق... فبنفس اليوم أقيمت جنازتين واحدة لجواد والأخرى إكرامًا لزوجته التي كانت غائبة...وبوقتها أيضًا كانت الحرب لازالت مفتعلة بين العائلتين فقد إزداد الحشد وإلتفتت العشائر حول العائلتين...وبدأت المدينة بأكملها تلتهب بالشغب والرصاص..أظنّ أنّ هذه المعلومات مدونة بسجل الدولة فقد أخذت صدى إعلاميًا كبيرًا داخليًا وخارجيًا..

ضيقت سحر عينيها مستفسرة: أظنني سمعت عنها سابقًا...أليست هي من أطلق عليها فتنة العشائر..

فغرت شهد فاهها معقبة على قولها: أجل سمعت عنها كذلك...فحسب ما قرأت فقد تواصلت لأربعين يومًا وحل خراب كبير بممتلكات الطرفين من إحراق للأراضي و****ات وكذلك سقوط جرحى من الطرفين وتدخل الشرطة...

أومئت لها جوليا متابعة حديثها: أجل هي...بقوتها أعلن حالة إستنفار بالمدينة بأكملها حتى أنّ المدارس والجامعات والشركات وكل شيء أغلق تقريبًا خوفًا من أي عصابات قد تستغل الوضع القائم بين العائلتين...لأن بوقتها كان رجال العائلتين يتربصون بالطرفين فقد منعنا منعًا تامًا نحن النساء والأطفال بوقتها من أن نغادر القصر خوفًا علينا من الإنتقام والإختطاف وكان رجالنا فقط من يتولون الهجوم ورد الصاع وهذا الذي كان يزيد الخسائر كل مرة.

بادرت سحر بسؤالها: لماذا لم تتدخل الدولة بحزم لإيقاف كل هذا الجنون يا أمي ؟!

أجابتها جوليا موضحة: لأنّ الدولة أصلاً أغلب رجالها من برلمانيين وقادة جيش وشرطة ينتمون للعشائر.. يعني إما مع آل سلطان أو آل لقمان...لهذا كان الوضع حساسًا قليلاً لهذا فضلوا إنتظار هدوء الأوضاع كي لا ينجروا لحرب أهلية ..لأن الوضع كان يزداد تأزمًا فقط...وحين تأكدوا أنّ الحرب تزداد إتساعًا أكثر والخسائر في تعاظم هنا أمر القائد العسكري الأول بالبلاد بإنزال الجيش فورًا لإيقاف كل هذا الجنون السائد...فقامت بإعتقال العشرات وكذلك أصدرت أمر للعائلتين بالتوقف الفوري أو سيُزج بالكبار بالسجن وهنا يقصد جاسم وداوود...حتى أنّ الجنود حاصروا القصرين بوقتها...لكن كل هذا لم يمنع رجال الأسرتين من الرضوخ بل إزداد تمردهم أكثر فبقوتها كان الجد جاسم قد هدد أنت في حالة ما تدخل أي طرف خارجي فسيوقف العديد من مصانعه الغذائية التي كانت تمول الدولة...وهذا سيأزم الوضع أكثر لأن بوقتها كانت تجارتنا قوية بالبلد ونعتبر الأوائل في إنتاج السكر والقمح والزيت...وبعد شذ وجذب وإرتفاع التوتر تدخل بعض علماء الدين الكبار الذين كانوا قد حضروا من السعودية خصيصًا ومن مصر لإيقاف نار الفتنة...وبعد أسبوع آخر من الحوارات كان جدكِ قد فوض أمره لله تقديرًا فقط للشيوخ الأفاضل الذي كان شخصيًا يحبهم لشهرتهم الكبيرة بأرجاء الوطن العربي.

تسائلت شهد بقولها: وهل أوقفت الحرب حينها ؟؟

أومئت لها جوليا مجيبة: نعم لكن كانت قائمة على عدة شروط أهمها أن يخبرهم داوود عن قبر شهرزاد وأن يقوموا بالتأكد من أنها هي حقًا من خلال التحليل كي تدفن بعدها مع زوجها بمقابر العائلة..لكنه طبعًا رفض الرضوخ إلا بعد ضغط كبير من عدة أطراف وتدخل المشايخ وغيرها...ليوافق في نهاية المطاف وقد أعلمهم بقبرها و تم التأكد فعلاً أنها هي ودفنت بعدها قرب زوجها وتمت الصلاة عليها...وكذلك طالبنا بأن يسلموننا الرجال الذين كانوا يعذبون رعد ومن باعوا كليته كي يتم القصاص له...وفعلاً تم تسليمهم وأصدر جدكِ حينها أمرًا بأن تنزع كليتهم ويتم رميهم بعدها بالشوارع والله اعلم ماذا كان مصيرهم..فهناك من قال أنّ بعضهم مات جراء تعفن الجرح وهناك من قالوا أنّ داوود تخلص منهم لأنهم السبب بعد أن خطف رعد منهم وغيرها من الأخبار...وبعض الشروط الأخرى تخص الأعمال التي كانت تتقاطع ببعض الأحيان بين العائلتين وغيرها...

تنهدت سحر مستفسرة: وماذا بعدها هل حل الصلح ؟

نفت جوليا معقبة: أبدًا...بل أوقفت الحرب فقط...وأصدرت الأوامر بمنع أي تعامل بين الطرفين وأن لا يحتك أي فرد بالآخر كي لا تندلع المشاكل مجددًا...لكن بوقتها أتذكر أنّ جدكِ وأعمامكِ تدخلوا لإخراج كل من سجنوا من طرفهم.. فهم كانوا فقط رجالاً لا يرضون الضلم لقادة عشريتهم، لهذا دفعوا الكفالة وقدموا التعويضات لكل من مُست ممتلكاته بسوء وقد عوضت عائلات المتضررين والمتوفين بمبالغ كبيرة وتم تخصيص لهم راتب شهري جيد يتم صبه بموعده للأسرة.. وكذلك قدموا إعتذارًا رسميًا لكل شخص مضلوم بسببهم...فرغم كل الذي حدث بوقتها إلا أنّ لا جدكِ ولا أعمامكِ كانوا ليرضوا بأي ضحايا لا علاقة لهم بالأمر ولا أن يتم خسارة أرزاقهم و بناءًا على هذا فقط قدمت التعويضات..

تبسمت شهد برقة هامسة: إنهم رجال فعلاً...

إبتلعت سحر ريقها مرددة بتسائل: ورعد كيف تأقلم بينكم بالقصر ؟!!

تنهدت جوليا مجيبة بحسرة: أي تأقلم هذا يا إبنتي...بالشهرين الأولين كان منطوي تمامًا وصامت ولم ينبس بحرفٍ واحد.. حتى أننا خمنا ربما يكون أبكم لكن بعدها تكلم عادي...لكن تدريجيًا بدأ بالتغير السلبي فقد كان رعد بأوج شراسته وتوحشه...و كره الجميع وينفر من الكل... حيث أعلن تمرده على الكل فلم يكن يحترم شخصًا ولا يعطي بالاً لما يُنصح به...بل كان يتعمد أن يقوم بالعكس تمامًا...بل بلغت عدوانيته أنه كان يضرب أدهم وزياد وعماد فهم كانوا أصغر منه سنًا...يعني كانت الحرب تقام بينهم خاصة أنّ أخويكِ كانوا يردون بنفس العنف...حتى أنه كان يشتم جديكِ وأعمامكِ...كان متوحشًا حرفيًا...

غامت عيني سحر تسبحان بالوجع متسائلة: رعد زوجي الذي هو الآن مثالي...كان هكذا فعلاً !!!

إبتسمت جوليا بسمة باهتة وهي تجيب: أجل يا إبنتي...صدقيني مهما كنا نكرمه ونحيطه بالحب والحنان والرعاية كلما كان يتمرد أكثر وتزداد عدوانيته...وأحيانًا كان يهرب من القصر فنضل نبحث عنه طوال الليل لنجده كل مرة بمكان ما...فمهما كان الحراس متيقظين إلا أنه كان ذكي جدًا وينجح في مراوغتهم والهروب من القصر..

توقفت جوليا عن الحديث مرتشفة بعض الماء كي تبل ريقها جراء كثرة الكلام المنبعث منها، فتسائلت سحر حينها: هل كان أنتِ أيضًا وقح معكِ ويكرهكِ ؟!

أشرقت بسمة عذبة على ثغر جوليا مصرحة: أبدًا بل كان يحبني جدًا ولا يهدأ إلا معي...حتى أنه كان ينام معي بغرفتي طوال الليل...عصام بوقتها برطم كثيرًا لكن للأسف كان الوضع مع رعد يحتاج إحتواءًا وصبرًا فبما أنه كان ينفر من الكل إلا أنا، فما كان من عصام إلا أن فوض أمره لله وتنازل بعض الوقت...حينها لا أعرف بالضبط لماذا كان يحبني ؟! ربما لأنّ صورتي وأنا أقتحم الخطر وأحضنه راكضة به هي التي تمركزت بعلقه تجاهي...فرغم كل تمرداته وعدوانيته إلا أنه كان طوال الوقت يركض ويختبئ عندي خوفًا من عصام...لأنّ بوقتها كان أباكِ قد طلب الإذن من جديكِ بأن يكفله ويكون ولده وتحت مسؤوليته الخاصة...يعني سيعامل مثل إخويكِ تمامًا...لهذا كان أباكِ يتعب كثيرٍا معه...صدقًا بذل جهدًا و وقتًا عظيمًا في تقويم سلوكه الناري ولكبحه طاقة تمرده تلك...

عم الفضول قلب شهد مستفهمة: كيف ذلك...أقصد من الذي جعل عدوانيته تلك تخف ؟!

طفت بسمة رقيقة على فاه جوليا مسترسلة: ببداية الأمر لم نفهم سبب كل هذه الشراسة فهو كان يعامل كالأمير تمامًا...خاصة أنّ أول شهرين بيننا كان بها هادئًا وديعًا لكن بعدها إنقلب كليًا وإزدادت حدة النفور والغضب اللامبرر...ومع مرور الوقت الذي شهد شخصيته العدوانية قررنا إخضاعه للطب النفسي...وبوقتها قم بإعلام الطبيب النفسي بكل ما تعرض له من مولده لهذا السن كي يفهم وضعه...حينها أخبرنا هو أنّ هذا التمرد هو مصطنع فقط وليس نابع من شخصيته الحقيقية ولا من قلبه...يعني كغطاء خارجي يخالف بها دواخله...

إزدرت سحر ريقها مستفهمة بعدم فهم: كيف بالضبط...لماذا قد يتصنع كل هذا ؟!!

زفرت جوليا بخفوت ترمقها بنظرات حانية وهي توضح: رعد منذ طفولته عاش وحيدًا و يتيمًا يا بنيتي ولم يذق طعم الحنان من أحد بل كان يجلد ويضرب ويهان ويقوم بالأعمال الشاقة...لهذا لم يعد يثق بأحد...وحين عاد للقصر وجد عالمًا آخرًا مخالفًا تمامًا للذي كان به...عثر على المحبة والحنان والتقدير والإحتواء وقد لفه الدفئ كليًا.. لهذا كان بأول شهرين متفاجئًا ربما ، فلم يستوعب عقله الصغير كل هذا الحنان الذي يغدق عليه من الجميع...لكن بعدها للأسف كان قلبه الصغير قد تملكه الرعب من أن يعود لتلك الحقول وللعذاب...فربما يكون هذا الوضع الجديد مؤقت ويتم التخلي عنه بعدها...لهذا فغالبًا لم يرد أن يعلق نفسه وقلبه بنا فتمرد...ربما فكر بعقله البريئ أن يجبرنا على أن نعيده لداوود أحسن من أن نباغته بالتخلي عنه بعد أن يكون قد أحبنا وتعلق بنا فعليًا...

تدفقت دموع البنيتن فرددت سحر بصوت متهدج: يا إلهي لهذه الدرجة كان يتصنع كل تلك العدوانية !! و حسنًا وكيف تغير بعدها ؟!!

كفكفت جوليا دمعة منسابة على خدها هامسة: حينها جلس معه عصام لوحدهما وتحدث معه وأفهمه الحقيقة كلها...وأنه عمه وهو إبن أخيه المتوفي ولقد وعده وأقسم له بأنه يعتبره إبنه وبكره و لن يتخلى عنه أبدًا ولو كان بذلك موته...حتى أنه أقسم على المصحف أمامه كي يبث الثقة بقلبه ذاك...وبعدها تدريجيًا بدأ رعد يثق به وبدأت عدوانيته تخف رويدًا رويدًا حتى هدأ تمامًا...وبوقتها كان عصام يتولى تقويم تصرفاته مع النصح والتوجيه والإرشاد...وإهتممنا بدراسته فهو كان متأخرًا جدًا مقارنة بأقرانه...لكن والحمد الله كان رعد ذكي كثيرًا مقارنة بسنه فقد كان يتخطى الفصول بذكاء باهر وبدأ تعلقه يزداد بنا...خاصة أنا فقد إعتبرني حرفيًا والدته وتقرب من عصام وأخويكِ أكثر...ومع مرور السنوات حتى أبدى بسن السابعة عشر رغبته بالإنضمام للشركة...حسنًا فوجئنا كثيرًا وقتها فسنه كان مبكرًا قليلاً، غير أنّ جدكِ وأباكِ وثقا به فهو كان بارعًا بمثل هذه الحسابات والأمور التي تخص الشركة فكان يدرس من جهة ويعمل مع والدكِ من جهة أخرى حتى كسب خبرة جيدة ليتولى بعدها مسؤولية أكبر وأصبح ذراع أبيكِ الأيمن...فقد أصبح بسن الخامس والعشرين أصغر رجل أعمال بالوطن...وبعد سنواتٍ أخرى أصبح هو المدير العام لشركاتنا، فقد إقتلع المنصب عن جدارة وكان أهلاً .

تبسمت شهد بمودة مصرحة: ماشاء الله...الآن فقط تفهمت برودته تلك...ربما أصبحت أعذره قليلاً الآن وأتفهم موقفه.

أومئت لها جوليا قائلة بعاطفة أمومية: منذ أن أصبح مراهقًا ولغاية اللحظة حمل هم العائلة وكان يرعى الجميع...حتى أنّ جدكِ قربه منه حين لاحظ أنّ شخصيته أكبر من سنه وكل أفكاره وأرائه ناضجة وتنم عن عقل ذكي ومحنك...لهذا كان عصام وأعمامكِ قد تراجعوا تاركين المجال لرعد وباقي الأحفاد كي يثبتوا أنفسهم...لهذا فكثيرًا من الأمور يستشيرون رأيه هو أولاً وبعدها يتصرفون بعد التوصل للرأي الصائب...

تبسمت سحر برقة وقلبها يعاني خفقًا غريبًا متسائلة: لكنني لاحظت أنّ له تعلقًا غريبًا بكِ وبأبي...لا أعرف أحيانًا أحس أنه حب وحماية مبالغة ؟!!

قهقهت جوليا برقة مصرحة: إسمعوا من يقول ذلك...ألست أنتِ التي لديها كذلك تعلق وحب مبالغ بأختها يا شقية...

ضحكت سحر هي الأخرى برقة مباغتة شهد بقبلة على خدها مجيبة: طبعًا هذه قردتي الصغيرة..

قلبت شهد مقلتيها عليها، فأجابت جوليا بقولها: ربما...رعد بالأصل يحب ويحترم الكل هنا لكن عاطفته لا يظهرها جليًا إلا معنا نحن..ربما لأنه يفشل في إخفائها لهذا يستسلم ويظهرها علنًا...لكن أتعلمين أمرًا...حين كان صغيرًا أي بعمر التاسعة والعاشرة كنا لا نراه يضحك إلا معكِ أنتِ..

إرتبكت سحر متسائلة: كيف يعني ؟!

هزت جوليا كتفيها مجيبة: بوقتها كنتِ أنتِ بعمر الثانية والثالثة...حسنًا لا ننكر أنكِ كنتِ فتاة لطيفة جدًا كباربي ظريفة تدعو للأكل حقًا...وكنتِ شقية جدًا والقصر بأكمله يرن بضحكاتكِ البريئة...وبين الفينة و الأخرى كان رعد يفضل اللعب معكِ...

غمزت لها شهد هامسة بمكر: تبارك الله ونتيجة هذا اللعب كان الزواج فعلاً..

إختض قلب سحر بين أضلعها ضاربة إياها بمرفقها وهي تقول: كفاكِ سخفًا...

لتستقيم سحر من سريرها مرددة: سوف أذهب لزوجي...

تبسمت جوليا مبادرة بسؤالها: وهل تعلمين مكانه ؟

توجهت سحر لخزانتها مجيبة: أدهم أخبرني أنه سيحاول العثور عليه...لهذا غالبا قد فلح بذلك.

:
•♡•
:


تقدم الموظف للمكتب بخطى هادئة مرددًا: سيد أدهم أظن أنّ هناك خطئًا ما بهذا الملف ؟

أخذ الأخير ما بيده متسائلاً بجدية: أين بالضبط ؟

إنحنى الآخر قليلاً يمد كفه مشيرًا حيث المقصود قائلاً: هنا بالضبط...لو لاحظت لوجدت أنّ الرقم الأول والرقم الذي أسفله هناك إختلاف وهذا سيسبب خللاً بالميزانية المقترحة وبالتالي ستكون هناك خسائر لا جدوى منها...

إحتدت تقاسيم أدهم مستفهمًا بضيق: من الذي درس هذا الملف ؟!

صرح الموظف بعملية: أظنها الآنسة نور هي تولت هذا الأمر.

تقبض أدهم مرددًا بهدوء: حسنًا أطلب من الآنسة صفاء أن تستدعي المعنية.

أومئ له الأخير مغادرًا بصمتٍ تام...وبعد لحظات طرق الباب ليجيب أدهم: تفضلي.

أدارت نور المقبض تفتح الباب قليلاً وهي تقول بحياء: سيد...أقصد أدهم هل طلبتني ؟!

تنحنح الأخير مشيرًا لها بالتقدم قائلاً: نعم أدخلي.

إبتلعت الأخيرة ريقها وقد بدأ قلبها الضعيف يقرع طبوله العاشقة تقترب من مكتبه هامسة بخفوت: نعم.

قاوم أدهم سحرها مبادرًا بسؤالها: هل هذا الملف أعدتته أنتِ..؟!

رمقت نور الملف المقصود مجيبة بعدها: أجل أنا..

أومئ لها أدهم مشيرًا للخطئ معقبًا: هل تعلمين أنكِ قد إرتكبت خطئًا فادحًا في الحسابات...أنظري ها هو.

دنت نور وقد بدأ الوجل يعم قلبها تأخذ الملف مدققة بالخطأ ففغرت فاهها هامسة: لا...يا إلهي...صح يوجد خطأ هنا.

رفع أدهم حاجبه معلقًا: أكيد أنا لا أكذب.

إرتبكت نور هامسة بقلق دبّ بأوصالها: يا إلهي...الفرق بين المبلغين كبيرًا جدًا...هل سأعوض هذا المبلغ كلّه... !!

كبح أدهم بسمته مشيرًا لها بالجلوس، ففعلت الأخيرة وقد وهنت قدماها تمامًا.. فإسترسل هو قائلاً: ماذا تعتقدين ؟!

شحب وجه نور هامسة بخوف: لو بعت أعضائي بالسوق السوداء لم أكن لأجمع ربع هذا المبلغ..

ضحك أدهم بخفة على كلامها ذاك..‏يرمقها بمقلتين عميقتين ..فحبيبته هذه لا تشبه أحدًا و ‏لم تكون يومًا عادية.. بل ‏كانت دائمًا ‏الجزء اللطيف من حياته ‏و الطرف الرقيق من عمره وهي العلامة الفارقة والوجه الحقيقي للجمال.. ‏بل هي التعريف الأمثل للحب.

توردت نور جراء نظراته الغريبة، فتنحنح هو مشيحًا ببصره عنها حيث الملف قائلاً: لا تقلقي...أصلاً لم يبدأ العمل على المشروع الأخير...ومن حسن حظكِ أنكِ ستحافظين على أعضائكِ تلك...

قهقهت نور برقة وقد أثلج صدرها بالراحة...فهي متأكدة حتى ولو تكبدت لهم بخسائر ما لم يكن ليطالبوها بالتعويض أبدًا..غير أنها سايرته مجيبة: حمدًا لله يبدو أنّ الله كتب لي عمرًا جديدًا...رجاءًا لا تخبر العم عصام عن الخطأ هذا..

رفع أدهم حاجبه متسلحًا بمقاومة جبارة لكل هذا البهاء الذي قربه وهو يتسائل: المرة السابقة أحرقت المطبخ وطلبت مني أن لا أخبر والدتكِ وفعلت...والآن تطلبين مني عدم إخباري لأبي..ألا تلاحظين أنني الوحيد الذي أغطي فدائحكِ ؟!!

كبحت نور بسمتها بصعوبة مرددة بهدوء: لأنني أثق بك طبعًا..

ران الصمت لوهلة بينهما أدركت خلالها نور غباء قولها فتلجلجت مرتبكة وهي تستقيم: ااا حسنًا علي أن أعود لمكتبي..

مسح أدهم على وجهه مقاومًا تردده وهو يقول: إسمعي...هناك...أمر هام أريدكِ أن تعرفيه يا نور...

فركت الأخيرة كفيها وقد بدأ جبينها يتعرق وقلبها يعلن خفقه ونبضه الهادر..فمشاعره تلك التي تحتل وتتربع بقلبها لم تكن حبًا عاديًا، بل كانت إحتلالاً لذيذًا، و إستعمارًا عنيفًا، إقتحامًا حاسمًا، فرضيت هي به قدرًا وواقعا جميلاً..لتهمس بترقب: خيرًا !!

عمه الحياء كليًا لكنه جاهد نفسه...فأكيد لن يصبر أكثر من هذا...صدقًا كفاه غباءًا وتأخرًا..حيث ردد بهدوء خلافًا لثورة مشاعره الداخلية: في الحقيقة لا أعرف كيف سأشرح الوضع...فأنت تدركين أنني ربما فاشل بهكذا أمور...

إزدرت ريقها تحس بساقاها أصبحت هلام توترًا وقلقًا من القادم التي لم تستطع أن تحزر أصلاً ما سينبس به ...مرددة بصوت هارب: مـ...ما الأمر ؟!!

رفع نظره لها فتقابلت عيناهما لوهلة أربكت فؤاد الطرفين فقال بعدها: في الحقيقة أنا.........

قاطع إعترافه رنين هاتفه فإستفاق من إهتياج مشاعره تلك مبتلعًا ريقه مجيبًا بعدها بتوتر: نعم.

بالطرف الآخر أجابت سحر: حبيبي أدهومي أنا مع السائق قرب الشركة إنزل لي وخذني لرعد...فقد أخربتني أنك تعرف مكانه.

ردد الأخير بهدوء مجيبًا: حسنا سأنزل حالاً..

أغلقت الأخيرة الهاتف فإستقام أدهم مشيرًا لنور مسيطرًا على ذاته المنفلتة: حسنًا...اآا...سنؤجل الحديث ليوم آخر...

أومئت له الأخير متحركة كي تغادر وقلبها يقرع طبول الحب والعشق...فحبيبها هذا كان ولا زال هو وحده من ينيرُ لها القنديل في ظلمة الليالي... فلا تلوموها بعشقه...

:
•♡•
:

ترجلت سحر من سيارة السائق مستقلة سيارة أخيها قائلة: هيا بسرعة لا وقت عندي..

تحرك الأخير بسيارته مصرحًا: لماذا كل هذه العجلة...زوجكِ لن يهرب للمريخ مثلاً ؟!

رددت المعنية بجدية: أدهم من فضلك كان علينا الوقوف معه بالأيام الفارطة وليس تركه لوحده يعاني غضبًا من ذاته..

تبسم أدهم بسخرية معلقًا: يناسبكِ دور الزوجة المهتمة فعلاً...

برطمت الأخيرة متذمرة: شكرًا لك على تهكمك يا أخي المبجل...أليس هو رفيقك المقرب وأخاك هًا ؟!

ركز أدهم ناظريه على الطريق مجيبًا إياها: طبعًا هو كذلك...فلقد شوهت وجهه وحطمت بعض من ضلوعه قبل أيام..

فغرت سحر فاهها مستفهمة بإنشداه: ضربته. ..حقًا ؟!!

رمقها أدهم بنظرة جانبية وهو يجيب: طبعًا...هل نسيت أنكِ ولجت للمشفى بفضله هو لا غير...وأكيد حقكِ لن يضيع سدى...

مسحت سحر وجهها مستفهمة منه: بالله عليك...كفاكم ضغطًا عليه...لم يقصد ما فعله وأنا صاحبة الشأن سامحته فبأي حق تضربه...؟!!

هز أدهم كتفيه مجيبًا: لا يهمنا رأيكِ يا عزيزتي...حقكِ يقتص منه وإنتهى الأمر...وأيضًا كفاكِ مبالغة في الدفاع عنه بالله عليكِ كأنه طفل رضيع...فرعد أكثر ما يرفضه هو الشفقة تلك...والأهم رعد ليس بأخي وصديقي فقط بل هو جزء مني يا سحر...لهذا لا تعتقدي ولو لثانية أنني قد أضلمه..

زفرت الأخيرة بخفوت مستفهمة: كيف كان...بل كيف عرفت مكانه ؟!

زم أدهم شفتيه متذكرًا حاله الجامد كليًا...فقد كان كقطعة جليدية لا تتفاعل مع الخارج...حتى أنه حين ضربه لم يدافع عن نفسه بل كان فقط يتلقى الضربات بصمتٍ تام...لكن بالنهاية تعب منه فإعتنى بجروح يديه وعقمها جيدًا وإتصل بأباه الذي خمن أنه يكون يعاني قلقًا عليه حتى ولو لم يصرح بذلك...ردد بعدها بهدوء: كان بالبيت الجبلي...فهو يفضل ذلك المكان لأنه هادئ ولا أحد يزعجه به وقد أغلق هاتفه كي يصفي ذهنه...

إبتلعت سحر ريقها تشعر بتعالي خفقها لتهمس: أشعر بالعطش..

رقت تقاسيم أدهم مجيبًا: هناك قارورة ماء صغيرة بصندوق السيارة خذيها.

إنحنت سحر تفتح الصندوق مخرجة القارورة فإنزوى حاجبيها مخرجة مجموعة أوراق خاصة بالرسم هامسة: هل هذه رسوماتك ؟!

تبسم أدهم دون أن تحيد عيناه عن الطريق مجيبًا: أجل.

طفت بسمة على ثغر سحر تتفحص الرسومات..لتعقد حاجبيها متابعة التفحص مستفهمة بعدها بإستغراب: لماذا كل الرسومات تخص نور فقط ؟!

إرتبك أدهم يشتم ذاته..فتلك الرسومات كان يرسمها فقط لمحبوبته ليهمس بتلعثم: ااا...أجل...هي من بين الأشخاص الذين كنت أرسمهم.

إنزوى حاجبي سحر مستفهمة بجدية: ومنذ متى ترسم بنات الناس يا أخي ؟

إبتلع أدهم ريقه يهز كتفيه وهو يقول: عادي..أقصد هي من أهل القصر...

رفعت سحر حاجبها مصرحة: لا ليست كذلك...صحيح نعتبرها فردًا منا لكن هذا لا يسمح لك بأن تحتفظ بصورها...هذا خطأ بحقها يا أخي..ولن ترضى هي به أبدًا إن علمت هذا.

شعر أدهم فجأة بالحصار قائلاً: خطأ غير مقصود فقط.

تلاعبت بسمة شقية على ثغرها مستفزة إياه: غير مقصود إذًا !!! مممممم متأكد يا أدهومي...غريب فهي تبدو فاتنة بهذه الصور...

رمقها أدهم بحدة منبهًا: سحر عيب.

قهقهت برقة قائلة: عيب إذًا ؟!! حسنًا سأخبر نور بأنك تحتفظ بصورها وسأرى رأيها.

توتر أخاها هادرا بها: إياااك...لا تتصرفي بغباء حتى أعترف لها أنا قبلا.

ضيقت سحر عينيها تجره لدائرتها: تعترف بماذا بالضبط ؟!! هيا. ..هيا والله سرك ببئر عميق يا أخي..

إرتبك أدهم معترفا بحرج: أنا...حسنا أنا أحبها وأفكر بالتقدم لها...هل إرتحت الآن.!!

فغرت سحر فاهها مصفقة بيدها قائلة: يا الله...رااائع...والله نور فتاة مميزة وتستحق كي خير.

تبسم أدهم برجولية مرددًا: فقط فلنأمل أن توافق علي.

مسحت سحر على خده مجيبة بلين: بإذن الله..والله أنت فعلا محظوظ بها يا أخي.

::

صعدت سحر عتبات الدرج بعد أن أوصلها أدهم للمنزل معلمًا إياها بغرفة زوجها، ليغادر بعدها تاركًا إياها وقد بدأ فؤادها ينبض بعنفٍ...لا تعرف سبب كل هذا الإرتباك الذي هي به ؟...حيث سارت بالرواق تجول ببصرها بين الغرف لتقع عيناها على الغرفة المقصودة..فتحركت نحوها مديرة المقبض بهدوء تفتح الباب بعدها..والجة للغرفة وقد وقع بصرها على السرير الذي كان رعد نائمًا عليه..لتتوغل أكثر..تدنو ببطئ...وعيناها تتأملانه وهو هكذا...فجلست قربه على السرير ترمقه بمقلتين تشعان حنانًا...تبصر وجهه الذي كان مصابًا...واضح أنّ أخاها أدهم له لكمة قوية حقًا...فمدت كفها لمحياه عساها تزيح هذه البقع الملونة من معالمه...صدقًا هي تشعر بطاقة حنان غريبة تقودها بعنفٍ نحوه...

تلمست أناملها برقة لحيته لتشعر فجأة بكفه وقد قبض بقوة عليها واضعًا كفه الآخر على رقبتها كرد فعل دفاعي تلقائي...حيث تعانقت الأعين لبرهة كان كلاهما يغرقان بعيني الآخر..فهي تاهت بضلمة الليل التي بمقلتاه، في حين قد غرق هو بأمواج اللازورد...

إهتزت حدقتاه وهو يتفرس محياها عن قرب..هذه هي زوجته... !! فأغلق عيناه ليفتحهما مجددًا كأنه يتأكد أنها هي فعلاً هنا...واقعًا وليس تهيئًا ولا تخيلاً..ليبعد كفه عن رقبتها هامسًا بخفوت: سحر ؟!!

ناظرته ملأ عينيها مجيبة: أجل أنا.

إرتبكت نظراته حائرًا...مشتتًا...واهنًا ربما...وهو يستفهم: ماذا تفعلين هنا ؟!!

طفت بسمة دافئة على ثغرها مجيبة بلين: جئت أطمئن عليك...هل أنت بخير ؟!

إبتلع ريقه يناظر تقاسيمها البهية عن قرب مجيبًا إياها: أليس من المفروض أن أسئلك أنا هذا السؤال ؟!!

" نعم " خرجت الكلمة من ثغرها بثوبٍ من الجمال المفرط الذي تداعت له جوارحه الرجولية.

ظلا يحملقان ببعض متسائلاً بصوتٍ هارب: كيف أنت ؟!

مدت سحر كفها للحيته تمسحها بدفئ وهي تناظره بعيون تتقد حنانًا: بخير يا رعد...والله بخير...

أزاح كفها وقد بدأ الغضب من ذاته يتملكه مشيرًا لها بالخروج: غادري...من فضلكِ..

تهدلت أكتافها مجيبة إياه: لن أفعل يا رعد...ولن أسمح لك بأن تحمل نفسك ذنبًا ليس لك يدًا فيه.

إستقام من سريره يحمل هاتفه فاتحًا إياه وهو يردد بجمود: سأتصل بالسائق كي يعيدكِ.

أسرعت سحر بأخذ هاتفه مرددة بحدة: كفاك غباءًا يا رعد...لم أقطع كل هذه المسافة كي تعيدني للقصر كأنني مزهرية لا قيمة لها.

تشنج فك رعد مهسهسًا بحدة: بل أنتِ التي كفاكِ تجاهلاً للأمر كأنني لم أكد أقتلكِ يا سحر..لقد...لقد كنت ستموتين جراء غبائي ذاك.

أسرعت سحر بإحتواء خديه بين كفيها مجيبة بهدوء: تدرك جيدًا أنه لو فعلتها عمدًا لكنت أقمت الدنيا عليك يا رعد ..والله لم أكن لأمررها لك إلا بدمك...لكن أنت لم تتعمد ذلك ولست أنا من تتجاهل هكذا حقيقة لأضع اللوم عليك..وأيضًا ديونك التي تحفني تشفع لك عندي كل أخطائك الغير مقصودة...بالله عليك لا تعذب نفسك..

إرتجفت مقلتيه فهم بالإعتراض غير أنها وضعت أناملها على ثغره مانعة أي كلام غبي منه تناظره عن قرب وهي تهمس: أنا أثق بك يا رعد...والله لم أكن لأتجاوز هكذا خطأ إلا لثقتي الكبيرة برجولتك وأخلاقك الكبيرة...فلا تردني هكذا ولا تكسر خاطري بعد أن أتيت لك بنفسي.

إبتلع ريقه واضعًا جبينه على جبينها يقبض بكفه على أناملها التي على ثغره يزيحها برفق هامسًا بتسائل: كيف هي جروحكِ ؟!

خفق قلبها كشهد ذائب بأوردتها و إرتفع جفناها يعانقان عينيه مجيبة بتورد: ااا..بخير..

رفع كفه لخدها المخضب بالحمرة يمسح عليه بخفة مرددًا بأنفاس ساخنة: دعيني أراهم..

قفرت نبضاتها إرتباكًا وخجلاً هامسة بتلعثم: لا..لا..أقصد لماذا ؟!

داعب أنفه أنفها برقة مهمهمًا برجولية تداعت لها جوارحها الأنوثية بشدة: مثلما لم أرفض طلبكِ يا حرمي إفعلي أنت المثل...

شعرت بالتوهج يخترقها فجأة، كمن تم حصرها بين جبال من نيران مشتعلة، فتخشبت بمكانها عاجزة عن الحركة مستفهمة بتوتر جلي: هل...هل هذا ضروري ؟!

تحرك بصره بتأن على سائر وجهها وهي بهذا القرب المهلك مجيبًا بخفوتٍ تام: أكيد هو كذلك.

إرتفع هدير قلبها عاجزة عن تلبية طلبه فقربها هو منه تلتصق به يمد ذراعه لظهرها فاتحًا سحاب فستانها ببطئ، في حين قد وضعت هي كفها على وجهها تشعر بالحياء سيفقدها وعيها، ليبتسم بسمة دافئة لخجلها الرقيق ذاك الذي يدعوه صدقًا لأكلها..فأدارها ببطئ وقد أنزلت هي كفيها لفستانها كي لا يقع بما أنّ سحاب ظهرها مفتوح...فمد هو كفيه مبعدًا طرفي الفستان لينكشف له ظهرها لحد خصرها. .. ليجلس بعدها على طرف السرير يشدها ناحيته واضعًا جبينه على خصرها من الخلف مرددًا بندم وحسرة: لم أقصد كل هذا...الله يشهد أنني أمقت الضلم جداا..

إغرورقت عيني سحر و تدفقت دموعها منسابة.. فهي أدركت أنه قد تشبع من الضلم بطفولته لهذا أصبح ينفره منه ومما يؤدي له...فمن تذوق علقم الضلم مرة سيعيش أبد الدهر يمقته...

لتتخشب فجأة حين شعرت بشفاهه تقبل جروح ظهرها...لتعلن وجنتيها إشتعالها وهي تحس بقبلاته ترتفع مع ظهرها يلثم تلك الجروح التي بدأت سابقًا بالشفاء...فوهنت قدماها خجلاً وحياءًا ومشاعرًا أخرى إقتحمت قلبها وكيانها بعنف...فمد هو ذراعه يلفه بقوة حولها وقد إستقام يجذبها ناحيته ملتصقة بصدره، يدس رأسه بوشاحها يستنشق عبيرها المسكر لحواسه هامسًا لها: سامحيني..

تسارعت أنفاسها مبهوتة..عاجزة عن النبس بحرفٍ واحد..وصدرها يعلو وينزل للمشاعر التي تجتاحها دفعة واحدة...لتشعر بشفاهه تلثم خدها برفق متابعًا همسه الساخن: عساني أعوض تلك الدماء التي نزفتها بالقبلات يا حرمي...

وضعت سحر كفيها على وجهها هامسة بحرج شديد: رعد..كـ..كفاك...أرجوك.

تبسم بحنو مقدرًا حياءًا...فإبتعد عنها قليلاً كي لا يغمى عليها يمد كفيه لسحابها الخلفي مغلقًا إياه...فإبتعدت هي عنه قليلاً وقلبها لازال يخفق بعنف محاولة إسترجاع أنفاسها المسلوبة من قبله...فإلتفتت له حين إستفهم منها: هل عذرتني إذًا ؟

غامت عينيها تسبحان بالألم لحاله مجيبة بصدق: أكيد...والله لم أغضب منك ولو لوهلة يا رعد.

طفت بسمة حانية على فاهه يرمقها بعينين عميقتين أربكت نبضها...ليقع بصرها على كفه المجروح فدنت منه تقبض على كلا كفيه مستفهمة: هل هذا بسببي ؟

رق محياه مجيبا بهدوء: بل بسببي أنا...

رفعت عيناها لوجهه هامسة برقة: لا بسببي أنا...

فرفعت كفيه لها تلثم باطنه برقة..مما جعله يتخشب بمكانه وقد إبتلع ريقه..لتقبل باطن كفه الآخر مرددة بحنان: واحدة بواحدة.

رمقها رعد بنظرة لم تفهم هي فحواها إلا أنها جعلت كيانها يهتز وينقلب كليًا...ربما قالت نظرته " لدي رغبة عارمة بإقتناصكِ كجوهرةٍ نادرة...بإقتناءكِ وكأنكِ لؤلؤة باهرة ...بإخفائكِ وكأنكِ خطيئتي المميزة ."

:
•♡•
:



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء
تعليقات