📁 آخر الروايات

رواية لتسكن الي الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم يسمينة مسعود

رواية لتسكن الي الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم يسمينة مسعود


~الفصل الثاني والثلاثين~



:
•♡•
:

"أتركها تأتي كما أرادها الله، لعلها تأتي كما تمناها قلبك."????????

:
•♡•
:


تعرق جبينه وإزداد لهاثة جراء تسارع أنفاسه كأنه يتسابق بمراثون، يحرك رأسه للجانبين وومضاتٍ سوداء مريرة تخترق ذكراه:
" رفع الرجل سوطًا خشنًا يسقطها على ظهره الصغير بعنفٍ ليسقط أرضًا من قوة الضربة، يتلقى ركلة على بطنه بقسوة جعلته يبصق دمًا وصوت الآخر يزمجر بنبرة مخيفة: إعمل أيها الكلب اللعين..أكيد لم يرموك أهلك عندنا كي ندللك...هيا إنهض...


إبتلع الصغير ريقه متحاملاً على نفسه يقف بأرجل مرتجفة وقلب هادر خافق متابعًا عمله بقلبٍ جسور مخالفًا لسنه الذي لم يتجاوز السابعة بعد...فقط يتمنى بطفولية بريئة أن يتركوه وشأنه بدلاً من تلقي كل هذا العذاب النفسي والجسدي..."


شهق رعد مستيقظًا من نومته وكأنّ مسًا قد أصابه، و صدره يعلو وينزل بفعل سرعة أنفاسه المتلاحقة..


في حين فتحت سحر عينيها تدعكهما بلطف متكئة على مرفقها وهي تستفهم بخفوت: ما خطبك يا رعد؟


أغمض عينيه بقوة مكورًا قبضته متمالكًا ذاته من الإنفلات...يبدو أنّ الكوابيس تلك لن تتركه أبدًا ؟ فهي صارت رفيقته الدائمة التي ترفض تحرير قيده منها..جلس على طرف السرير يوليها ظهره المشدود عاجزًا عن النبس بحرفٍ واحد..


أنارت سحر الأباجورة التي بقربها مبعدة شعرها للخلف تناظره بجلسته هذه وهو يرتكز بذراعيه على ركبتيه شاردًا بسجاد الأرضية..واضح أنها إحدى تلك الكوابيس المعتادة التي لطالما كانت تقض مضجعه وتؤرق نومه..أبعدت الوسائد التي كانت تتوسط السرير بينهما مقتربة منه قليلاً تمد كفها نحو ظهره بلين تربت عليه وهي تغمغم: هل أنت بخير ؟

تشنج جسده إثر لمستها ليسترخي تدريجيًا بعدها وقد تهادى له تسائلها بنبرةٍ حانية: هل هو كابوس آخر ؟

لم تجد صدى لإستفهامها إلا كلمة واحدة بدت باردة جدًا: عودي لنومكِ.


حز في نفسها مرآه هكذا وهو مرهق وواهن النفس..هذا ليس رعد الذي عهدته بقوته وشموخه !! فتنهدت بخفوت هامسة بلين: هل ستكون بخير ؟

أجلى صوته وهو على موضعه ذاك مجيبًا إياها بنبرة خافتة حملت بين ثناياها كل تعاليم الإنكسار : ربما.

إزدرت سحر ريقها والألم يتسلل لقلبها رويدًا رويدًا، مستلقية على ظهرها ولا تستطيع إزاحة بصرها عن ظهره الذي يوليه لها، هي تدرك جيدًا أنه لن يعود للنوم مادام قد إستفاق هلعًا هكذا..فلطالما كان على هذا المنوال منذ زواجها. ..يضل مستيقظًا شاردًا باللاشيء حتى الصباح ثم يتجه بعدها لعمله...


فإستقامت قليلاً ماسحة على ظهره بدفئ كفها عساها تتشرب منه ما يكابده من هواجس مرددة بلطف: ما رأيك أن تعود للنوم عساك تغفو ولو قليلاً ؟


كنسمة هواء بارد منعش لفح ظهره إثر لمستها التي كانت تمررها على فانيلته السوداء، فتقبض على جانبه مرددًا بصوتٍ هامس: لا أستطيع...نامي أنت فقط.


أبعدت كفها عن ظهره تشعر بقلة حيلة تكبلها، فلا هي تستطيع تجاهل ما يصارعه من نوم متقطع على الدوام ولا تقدر على النوم كذلك تاركة إياه بهكذا وضع من التعب والشرود...

زفرت سحر بخفوتٍ تشعر بحيرتها و شتات أمرها لحاله هذا..يحز في نفسها تركه هكذا.. بهذا الحال المرهق...صدقًا هذا ليس برعد الذي عهدته يومًا..ليس بهُو إطلاقًا !! فرطبت شفتيها مبعدة خصلة من شعرها خلف أذنها تحارب ترددها اللحظي موثرة مساعدته على خجلها الذي بدأ يتسرب لها تدريجيًا...حيث مدت كفها مرة أخرى لظهره تمرره بخفة ورفق هامسة بنبرة رغم إرتباكها إلا أنها كانت تشع حنانًا: ما رأيك في أن تنام بحضني ؟

تخشب جسده بغتةً محولاً بصره لها..يناظرها بملامح جامدة كليًا غير أنها لمحت بعض تعابير التفاجئ التي تجلت بعيناه ..حيث قاومت توردها رافعة كفها لخده تمسح لحيته بلين وهي تقول: سوف أقرأ عليك بعض الأيات عساك تنام مجددًا. ..ما رأيك ؟

تعانقت عينيهما للحظات كانت فيه سحر تمسح بحنو على خده معقبةً بخفوت: جسدك بحاجة لمزيد من النوم يا رعد..فثلاث أو أربع ساعات فقط من النوم ليس بكافية لصحتك أبدًا...

لاح التردد بمقلتيه السوداوين يناظر وجهها الشكور عن قرب...‏فثمَّة موجٌ في عينيها يغرق هو فيهما رويدًا وببطئٍ شديدٍ .. خاصة مع بسمتها السمحة العذبة تلك...حقًا وجهها هذا لا يناسبه سوى الإبتسام. .

فإتسعت إبتسامتها الرقيقة أكثر حين لمحت تردده ذاك وإرتباكه اللحظي..صدقًا بدى كطفل صغير لا يزيح روعه سوى حضن دافئ يطمئن دواخله المهتاجة..فإستلقت على ظهرها هامسة بخفوت: تعال. ..لا بأس...

إبتلع ريقه وقد تشتت أمره..يحول بصره من محياها البهي ذاك لصدرها..وهناك رغبة كبيرة تدعوه لتلبية مطلبها ذاك...شيء بداخله قد إهتز وإنتفض من بين الأطلال يجبره قسرًا على الموافقة..بل تدفعه بعنفٍ قوي أين يغرق هناك بإرادته..

لمست سحر كفه مكررة همهمتها الأنثوية: تعال..


فتحت ذراعيها له تشجعه بعينيها مقاومة إشتعال خديها..فما كان منه إلا أن إنهار تردده..ملبيًا ندائها ذاك..يفر من هيجاء كوابيسه لحضنها...لبين يديها عساه يغفو مجددًا بصدرها فلا يؤرقه شيء..ستكون مرة واحدة فريدة ولن يعتاد أكيد...لن يعتاد نهائيًا ؟!

وضع رأسه بصدرها فرفعت هي اللحاف على ظهره تغطيه ماسحة برفق على ظهره الذي كان مندسًا بها...وبكفها الآخر ورغم ترددها اللحظي مررته بخفة بين خصلات شعره السوداء تمشطه له بحنان..فشعرت بزوال تخشبه الأولي ليسترخي تدريجيًا...بدأت ترتيلها بعض الأيات بخفوتٍ متابعة تمشيط شعره..فما كان منه إلا أن غمر نفسه أكثر فأكثر بصدرها متنعمًا بنعومته ودفئه الكبير خاصة مع رائحتها العطرية الأنثوية...

في حين قد إزداد تورد سحر تشعر بالخجل يعتريها كليًا إلا أنها حاربته كي لا تكون أنانية معه..فهو لطالما كان رجلاً شهمًا معها بحق..ألا يستحق منها قليلاً من رد الدين ؟! حيث تابعت ما تقوم به، تحس ببداية غفوته...وتدريجيًا عودته للنوم...فتنهدت براحة متابعة المسح على ظهره بخفة وهو مستلقي عليها بنصف جسده العلوي تشعر بصدره على بطنها..لوهلة بدى ثقيلاً لكن شيئًا فشيئًا إعتادت على وزنه..خللت أناملها بين خصلات شعره..تشعر بغرابة تصرفها !!...صدقًا توافقهما مؤخرًا هي و رعد يبدو غريبًا..فلم تتوقع يومًا أنه قد يزول نفورها منه...!!

فتثائبت مرجعة الأمر لمؤخرة ذهنها وقد عاد النعاس لها..يبدو أنها بحاجة هي الأخرى للنوم أيضًا.


:
•♡•
:


أدار مقبض الباب والجًا للغرفة متوغلاً بها بعد أن قضى عدة ساعات بالغرفة الأخرى من الجناح بالفندق، لم يكن يدرك أنه سيفقد تحكمه بذاته منذ الوهلة الأولى من زواجه...لكنها هي السبب...هي فقط التي تأجج فيه مشاعرًا حاول وئدها بقلبه قدر المستطاع..لكن ما إن إنفرد بها وهي زوجته..ملكه..صفعته كعادتها بحقيقة أنه لم يكرهها يومًا بعد تلك الخيانة من قبلها...مهما حاول و إدعى فهو لا يستطيع...بل يزداد حبًا لها...رغم كل شيء..قلبه الوغد يخونه كعادته..فقط تبًا له ولعدم قدرته على السيطرة عليه.

زفر بسخط يناظرها وهي نائمة وقد غطت ذاتها كليًا باللحاف...حيث إنزوى حاجبيه مندهشًا لذلك، فالغرفة ليست باردة بل دافئة و لا تحتاج لكل هذا التكوم على نفسها..

تقدم من السرير حيث الطرف الآخر عساه ينام قليلاً، ليستلقي رافعًا اللحاف فإستفاقت سهام هلعة تشد اللحاف حولها تناظره بعينين مرتعبتين..متراجعة للخلف تنزل من السرير ببطئ...رامقة إياه بخوف..


رفع هاني حاجبه على حركتها تلك مرددًا بسخرية: ما خطبكِ أيتها الحسناء ؟؟

إرتعشت شفيتها هامسة بعد أن أجلت صوتها: لا تقترب مني...؟

ناظرها بجرأة يمرر بصره عليها وقد إرتدت منامة حريرية بلونها الكرزي ذو كمين طويلين ليستقيم هو الآخر وقد تراقصت بسمة ماكرة على ثغره قائلاً: أنا زوجكِ إن نسيتي ؟ يعني سأقترب. ..وأقترب..(فدنى منها ببطئ مستفزًا إياها مسترسلاً بكلماته) وكما يحلو لي يا زوجتي سأقترب ..

نفت برأسها متراجعة للخلف هي الأخري وقد تداخلت الصور بين عينيها تقبض بعنف على ياقتها بوضعية دفاعية هادرة به بقلبٍ منتفض: لن تلمسني أيها الحقير...لن تلمسني أبدًا...

طحن ضروسه و ضباب الغضب يغشي عيناه فدنى منها بسرعة يقبض على ذراعها مزمجرًا بها: من هو هذا الحقير أيتها الحرباء ؟...هل تشتمينيني أنا ؟

ضربت صدره تبعده عنها صارخة به: لا تلمسني...لا تلمسني..

هدر بها ثائرًا بوجهها ليزداد رعبها أكثر منكمشة على ذاتها: أغلقي فمكِ...فبالكاد أتمالك أمري معكِ أيتها الخائنة..

إنفجرت تبكي بقهر تغطي وجهها بكفيها صارخة بهستيرية: إبتعد عني أيها الوحش..أتركني..

أبعد كفه عن ذراعها يكبح غضبه مستغربًا حالها الذي لا يستدعي كل هذا الإنفعال، لتسرع هي راكضة حيث الحمام تبكي بمرارة، فشيعها هو بنظراته متقبضًا على جانبه وقد تسلل الوجع لمرآها وهي بهكذا الوضع..تبًا له...صدقًا تبًا له ولقلبه الخائن الذي لا يكف عن جلده كل حين.

تنهد بخفوت وقيود الإختناق تحكم وثاقها عليه، متحركًا للشرفة عسى نسمات البرودة أن تخفف من حدة صراعاته الداخلية وهدير فؤاده ذاك، فما كان منه إلا أن أخرج هاتفه متصلاً بصديقه الذي فتح المحادثة بعد عدة رنات وهو يبرطم بقوله الناعس: بالله عليك إنها الرابعة فجرًا..لماذا قد يتصل عريس بصديقه بهكذا وقت، إلا إن كنت تعاني خطبًا عضويًا وهذا محرج جدًا لمظهرك أمام عروسك !!

قبض هاني على سياج الشرفة يشتم وقاحة الآخر تلك مرددًا بسخط: والله هذا ليس وقت إستظرافك يا زياد..

إستقام زياد بجذعه على السرير يمسح وجهه بكفه متسائلاً بجدية: هل أنت بخير ؟

إستنشق هاني بعض الهواء يناظر الأبنية المتبانية أمامه ذات الأنوار الخافتة وهو يجيب بلهجة حادة تقطر قهرًا: لست كذلك بتاتًا يا زياد...نهائيًا لست كذلك.

توجس الأخير من قوله مستقيمًا من سريره بسرعة مصرحًا بقلق: حسنًا فلنتقابل الآن إن كنت تريد.

رفض هاني إقتراحه وهو يرنو بنظراته الجانبية لباب الحمام المغلق مردفًا: لا أستطيع تركها بهكذا حال.


تسلل القلق لقلب زياد مستفهمًا منه بريبة: تقصد سهام ؟ ما خطبها. ..هل أذيتها بشيئ أيها اللعين ؟

تغضنت ملامح هاني مغمغمًا بضيق حقيقي: لم أؤذها بشيء...إنها زوجتي إن كنت قد نسيت ؟

كور زياد قبضته، صدقًا يريد لكمه الآن..فهدر به عبر الهاتف فاقدًا لتحكمه بنفسه: تبًا لك ولزواجك أيها الوغد...ما خطبها ؟..واضح أنك إفتعلت كارثة ما..صديقي وأعرف غبائك..

تشنج فك المعني فاقدًا لصبره هو الآخر: لا دخل لك بيننا ولا تحشر ذاتك بعلاقتي مع زوجتي هل فهمت ؟


جلس زياد على سريره يشعر بغليان فائر بأوردته بسبب ذلك الأحمق الذي إسترسل قوله بنبرة عجز: بالله عليك يا زياد..لم أتصل بك كي تعكر مزاجي وتعاتبني.

تقبض الأخير على جانبه مرددًا من بين أسنانه: هاني لا تفقدني رشدي..أنت صديقي وأخي صحيح لكن قلتها سابقًا وسأكررها مهما كانت محبتك بقلبي فمستحيل أن أصمت على أي ضلم قد تسببه لخالتي وإبنتها.

زفر هاني بخفوت يخرج مع كل زفرة حرقة دمه وهو يعقب بخفوت مرهق جراء تلك السكاكين التي تنغل جوفه فتدميه: لقد تشاجرنا فقط فبدأت بالبكاء على إثرها لا غير.


زم زياد شفتيه متمالكًا لسانه شفقة عليه لا غير لأنه يدرك تمام الإدراك ما يكابده صديقه من صراعات داخلية، مبادرًا بقوله بهدوء قدر الإمكان: إذًا أصلح الوضع فهي زوجتك الآن يا هاني.. أنا أعلم جيدًا هدفك الأول من زفافك منها لكن مهما حاولت إيذائها، تذكر فقط أنك تؤذي نفسك لا غير أيها العاشق..وكل وجع تسببه لها سيرتد لقلبك أضعافًا مضاعفة لهذا إرحم نفسك قبل أن ترحمها هي..

جز الآخر على أسنانه قائلاً بحدة: نصيحة أصمت أفضل...فكلماتك هذه تزيد حنقي وغضبي من نفسي.


قلب زياد مقلتيه معقبًا على قوله: جيد لهذا أنت حمار...


أغلق هاني المكالمة بوجهه وواضح جدًا أنّ الآخر يشتمه عشرات المرات، فأعاد بناظريه لباب الحمام الذي لا زال مغلقًا يخطو نحوه بهدوء طارقًا إياه بخفة وهو يستفهم بجدية: إفتحي الباب.

تابعت دموعها إنسيابها وقد أخذت كتيفاها تجيشان مع تأوهاتها، تبكي بقهر. ..بألم..بوجع شل أوصالها..تشعر بذاتها مسجونة بين جدران مكهربة تمنعها من نيل حريتها كي تفرح بزواجها ولو هنيهة..فقط تريد ساعة سلام بين ذراعيه علّها تنال بعض القوة منه لمجابهة قسوة أيامها القادمة رفقته..

طرق مجددًا بقوة أكبر وقد بدأ القلق يتملكه عليها مرددًا بصرامة: سهام أخرجي أو سوف أكسر الباب حالاً.

لملمت شتات نفسها مكفكفة مدمعها من على وجهها مستقمية من جلستها على الأرض متحاملة على نفسها، تدنو من الباب فاتحة قفله فأدار هو المقبض والجًا له، حيث تقهقرت هي بضع خطوات للخلف تلقائيًا تناظره بعينين متورمتين مرتجفتين...فإبتلع غصته مصرحًا بنبرة حاول جعلها هادئة: لا داعي لكل هذه الحركات وكأنني سوف ألتهمك...

أشاحت بمحياها عنه عاجزة عن النبس بحرف واحد، فرفع هو سبابته بوجهها محذرًا بنبرة تتقد شررًا: فقط لا تتجاوزي حدكِ معي..وكلمة حقير التي قلتها قبل قليل سوف أعتبر نفسي لم أسمعها يا سهام...لهذا لا تختبري صبري لأنني فقط أتمالك ذاتي إحترامًا لخالتي عطاء لا غير..

غامت عيني الأخيرة هامسة بخفوت متهدج: فقط لا تقترب مني ولا تلمسني..

إكفهر محياه متقبضًا بقوة، ألهذا الدرجة هي تنفر منه !! فدنى منها ببطئ كان رد الفعل العكسي منها هي تراجعها للخلف وقد بدأت أمارات الفزع تحتل تعابير وجهها، حيث أوقف تراجعها الجدار خلفها وقد إنحنى هاني عليها قليلاً، مما جعلها تنكمش على ذاتها تلقائيًا تناظره بوجهٍ إزداد شحوبه هامسٍا هو بخفوت متهكم: صدقيني حتى ولو نزعت ثيابكِ قطعة قطعة تترجيني كي ألمسكِ لن أفعل ذلك...هل تعرفين لماذا ؟


لم تستطع إحجام دمعاتها المنسابة وهو يسترسل بسخريته المريرة التي إخترقت قلبها كنصل سكين حاد: لأنني لا أتذوق بقايا الرجال يا سهام...مستقبلاً سوف أتزوج فتاةٍ عزباء ترقى لي وأنت ستضلين فقط على الرف كمزهرية جميلة تزين البيت لا غير.

تقبضت على جانبيها تناظره بعيون مغرورقة بمدمعها
الفائض فإبتلعت ريقها مقاومة سحره وهو بهذا القرب الذي يدعوها كي ترمي نفسها بين ذراعيه مترجية دفئ صدره، متسلحة بالكبرياء مجيبة بنبرة رغم إهتزازها إلا أنها كانت قوية: جيد...هكذا أفضل عساك تبتعد عني وتخرجني من دماغك ذاك... فلا وقت لي كي أكون تلك الزوجة المطيعة الحريصة عليك.

صك على أسنانه على خبثها ذاك فلكم الجدار الذي بقربها إنكمشت هي على إثره أكثر مجفلة وقد تسارعت دقات قلبها هلعًا ليردد بعدها بحنق حاول أن لجمه: فقط لا تختبري صبري...فلا أضمن لكِ أنني سأضل محافظًا على إحترامي لخالتي بسببكِ.


خرج بعدها صافعًا الباب بقوة، فإبتلعت ريقها تاركة لمدمعها حرية الإنسياب تشتم لسانها الذي يحاول لسعه كل مرة فلا يزيده ذلك إلا نفورًا منها وبالتالي هذا يزود من قهرها أكثر فأكثر..لتمسح خديها المبللين مغادرة الحمام وقد لمحته وهو مستلقي على السرير يناظر السقف...حيث عمتها الحيرة متسائلة بسرها أين ستنام هي الآن ؟

وجه هاني بصره ناحيتها يرمق حيرتها تلك وهي تدعك كفيها ببعضهما البعض بطريقة مرتبكة...فتغضن جبينه يناظر شعرها الأسود بطولة المتوسط الذي كانت تعقصه للخلف..فإنزوى حاجبيه أكثر مستغربًا منذ متى كان شعرها أسود !! فحسب ما يتذكره منذ سنوات عديدة قد كان لون شعرها نحاسي فاتح..هل صبغته أو تغير لونه مع السنوات ؟!

دنت هي من الأريكة متجاهلة قدر الإمكان نظراته المتفحصة تلك، جالسة عليها مستلقية بعدها علها تنام قليلاً...في حين أبعد بصره عنها وقد بدأ إحساس الندم يراوده على إقحام نفسه بهذه الزيجة...فرغم غضبه الكبير ورجولته التي تدعوه للثأر...إلا أنه كل ما تذكر وصايا خالته عطاء لأجل تلك الحرباء كلما بدأت بوادر التراجع لتكبيله تدريجيًا...فأغلق عينيه مفضلاً النوم ولو قليلاً بعدها يكون لكل حادث حديث.


:
•♡•
:


إستقل أدهم سيارته موجهًا بصره لزياد الذي نادى عليه مستفهمًا منه: هل سافر مؤنس ويزن ؟؟

إتكأ الأخير على نافذة سيارته بذراعه مجيبًا إياه: لو إتصلت بهما لعرفت ذلك ؟


قلب زياد مقلتيه مغمغمًا بسخرية: والله يا حبيبي إتصلت بهما وكان هاتفهما مغلق إذا واضح أنهما بالطائرة الآن.

أشار له أدهم بالإبتعاد مرددًا: سوف أنطلق...إبتعد قليلاً فرعد قد سبقنا.

لوى زياد شفتيه مبرطما بضيق: رعد ذاك أحيانًا
أقسم أنه ينام بمكتبه بالشركة...عاشق للعمل.

زفر أدهم لتقع عيناه على شهد التي غادرت باب القصر فهمس بخفوت: ها قد أتت الصغيرة.

إلتفت زياد لها يناظر بسمتها العذبة التي أشرق محياها على إثرها، وقد إرتدت تنورة فضفاضة سوداء مع بلوزة سكرية ووشاح نفس اللون فدنت منهما قائلة بلين: زياد هلا أوصلتني للجامعة.

تطلع إليها بنظرات حانية مصرحًا بمناكفة: ها قد أصبحت سائقًا للأميرة الصغيرة.

قهقهت هي برقة مومئة بنعم، حيث إشرأب أدهم بعنقه من نافذة السيارة مستفهمًا بهدوء: هل لديكِ لقاءا مع مشرفتكِ اليوم أنتِ أيضًا...فمنى هي الأخرى قد ذهبت منذ ساعة ؟

أومئت له شهد مجيبة برقة: أجل لقد إتصلت بي كي نحدد موعدًا وبما أنّ اليوم ليس لديها محاضرات طلبت مني حضوري.

إبتسم أدهم برجولية مشجعًا إياها: لابأس لم يبقى الكثير...كلها أيام معدودة وسوف تنهيان المذكرة وتتخرجان..

قلب زياد مقلتيه مردفًا بضجر: إن أنهيت وصلة الأخ الأكبر الحنون إنطلق نحو عملك ودعني أمارس دور السائق مع هذه الأميرة.

توردت شهد بحياء تشعر بذبذات حلوة تتراقص بصدرها، في حين قد زفر أدهم بضيق يشغل سيارته منطلقًا بها بصمت.


أشار زياد لشهد مصرحًا ببسمة رجولية أربكت نبضها: سيارتي المتواضعة تناديكِ يا شهد.

إفتر ثغرها عن ضحكة خفيفة تداعت لها جوارح الآخر متحركة حيث سيارته على إستحياء بهي.


- إلى أين تذهبان ؟؟

توقف الإثنان يناظران عصام الذي أوقفهما بتسائله، فأجابته شهد بعفويتها: اليوم لدي مقابلة مع مشرفتي بالجامعة يا أبي عصام.

حول الأخير بصره لولده زياد متسائلاً: وأنت لماذا لم تذهب للشركة ؟

تنحنح زياد مجيبًا إياه: كنت سوف أذهب لكن سأوصل شهد بطريقي للجامعة أولاً.

ناظره عصام بعيون مبهمة مصرحًا بجدية محضة: لا بأس هي ستذهب مع السائق وأنت تحرك للشركة فورًا.

رفرفت شهد برمشها محتارة ليتهادى لها صوت زياد الذي صرح: هو نفس الطريق يا أبي...

قاطعه عصام بصرامة لا تقبل الجدال: نفذا كلامي.

إرتبكت شهد هامسة: حاضر.

فغيرت خطواتها حيث سيارة السائق بالجانب الآخر تاركة زياد يشيعها بنظراته وقد إسترعى إنتباهه صوت أباه الحاد: تعال معي لسيارتي.

توتر المعني يسير خلفه حيث سيارة أبيه المركونة مستقلاً إياها رفقته لتنطلق مغادرة بوابة القصر الخارجية...بعد هينهات من الصمت تسائل عصام بهدوء: بني هل تريد أن تخبرني بشيء ما ؟

حول زياد بصره من النافذة لأباه وقد إنزوى حاجبيه بإستغراب متسائل: شيء مثل ماذا بالضبط ؟

قبض عصام على المقود بقوة يرنو بنظراته الجانبية لوليده مصرحًا بعدها: أنت أعلم.

إهتزت مقلتي زياد لوهلة مبتلعا ريقه مجيبًا إياه: لم أفهم...هل هناك شيء ما يا أبي ؟

رمقه بنظرة جانبية وقد كسى محياه كل أمارات الحدة وهو يقول: شهد إبتعد عنها.

إعترته الصدمة يناظر أباه بوجهٍ شاحب يشعر بذاته قد تعرت أمامه متسائلاً بنبرة مهتزة: ماذا...ماذا تقصد ؟!

ركز عصام على الطريق أمامه لكنه حالما نوه: تدرك جيدًا ما أقصده يا بني...وكلامي لن أكرره مرتين.

إزدر ريقه وقد تلجلج مرتبكًا وهو يقول: شهد ما علاقاتها، هل أسئت لها بشيء ؟!

أردف عصام بهدوء متابعًا سياقته المتأنية: لا تتحذلق علي يا زياد...مقصدي واضح جدًا فكفاك مراوغة.

تطلع إليه الأخير وقد بدأ خفق قلبه يتزايد بوتيرة جنونية مجيبًا بصوت هارب: فقط أجبني هل...هل رأيت مني مني ما يشين تجاهها يا أبي ؟

هدرت عيني أباه بعاصفة كاسحة وهو يقول بصرامة مخيفة: لن أنتظر حتى تسيئ لها كي أتصرف...لأنني حينها سأعيد تربيتك من جديد.

تماهت ملامح زياد وتداخلت جراء مشاعره المتضاربة مبادرًا إياه بتسائله القلق: إذا لماذا تخبرني بالإبتعاد عنها يا أبي ؟!

تصلبت نظرة عصام وجمدت ملامحه معقبًا بعدها: هل تحبها ؟؟

صدم زياد وقد إستدار له بصدمة حقيقية تجلت على محياه مبتلعًا ريقه بإرتباك شديد عاجزًا عن النبس بحرفٍ واحد، فإسترسل عصام قوله بجدية: لست مضطرًا للجواب فكل شيء متضح من عينيك.


فك مقدمة قميصه يشعر بالضغط على أعصابه يتعاظم محتارًا من الوضع الذي هو به الآن...فقط لو كان متأكدًا من مشاعرها تجاهه لكان طلب يدها من والده حالاً...لكنه لا يدرك طبيعة نظرتها له..هل هو كصديق أو أخ أو ماذا ؟! فكور قبضته موجهًا نظره لأباه الذي كان جل تركيزه بالطريق أمامه وهو يدرك تمام الإدراك أنه لم يعد هناك مجال لا للمواربة ولا المراوغة مادام أنه قد تفطن له لوحده، حيث أجلى صوته مصرحًا بنبرة حملت بين ثناياها تعاليم الصدق: أجل أنا كذلك يا أبي..أحبها..وكثيرًا أيضًا.

أومئ له أباه ببطئ دون أن يحيد بعيناه عن درب سيارته مستفهمًا بهدوء: وهل هي كذلك ؟؟

نفى زياد بسرعة مصرحًا: أبدًا...أقصد لا أعرف..هي تتعامل معي بعفوية ولست واثق من مشاعرها.

ركن عصام سيارته بالجراج الخاص بالشركة مرددًا بحزم: منذ اليوم ممنوع عليك الإقتراب منها أو محادثتها بأي شكل من الأشكال..هل فهمت ؟

شعر ببرودة تخترقه فجأة، كمن تم حصره بين جبال قطب جليدي مستفهمًا بصوت مبحوح: ماذا !! ما سبب كل هذا يا أبي ؟

رمقه عصام بنظرة صقيعية حادة مرددًا: نفذ كلامي دون جدال.

ليترجل بعدها تاركا زياد الذي قد شل فجأة والرعب يختلج جنبات صدره فأسرع هو الآخر مترجلاً من السيارة يلحق أبيه مستفهمًا بحيرة وعدم فهم: أبي من فضلك هلا شرحت لي...ما سبب هذا القرار الغريب، هل تشك بي ؟!!

توقف عصام هادرًا به بحنق: هل لو كنت أشك بك أتعتقد أنني سأسمح لك بالبقاء معها بنفس المكان يا ذكي ؟؟

كرر زياد تسائله و كافة إنفعالاته تتجلى بعينيه: إذًا لماذا تبعدني عنها وقد صارحتك توًا بمشاعري لها ؟

تصلبت نظرة عصام وجمدت ملامحه مجيبًا بجدية تامة: مشاعرك تلك عليك وئدها بمهدها يا زياد...وشهد لن تكون من نصيبك بتاتًا فلا تتعب نفسك ولا تتعبها هي معك.

إرتد زياد للخلف مجفلاً من تصريحه القاسي وقد إرتعشت مقلتيه بهلع أصاب كيانه بغتًة مستفهمًا بنبرة واهنة: لكن..لماذا يا أبي..أين الخطب بالأمر ؟!

دنى منه عصام وقد توشح محياه بتعابير الصرامة الأبوية مغمغمًا بعدها: ليس عليك أن تعرف السبب...فقط نفذ دون جدال لا طائل منه.

ليتحرك بعدها تاركًا إبنه الذي لا يزال يكابد صدمته أو مصيبته التي حلت عليه فإبتلع ريقه مجيبًا برفض قاطع: لن أفعل ذلك.

توقف عصام مستديرًا له ببطئ وهو يستفهم بنبرة خطرة: عفوًا ماذا قلت توًا ؟؟

كور زياد قبضته يناظر أباه بثبات مكررًا قوله: لن أفعل يا أبي..أنا أحبها ولا أقوى على البعد عنها...شهد أصبحت جزءًا لا يتجزء من يومي..تفهمني رجاءًا أنا أعشقها...لا يمكنني أن أقصيها من حياتي بعد الآن.


إقترب عصام منه وقد علت الصرامة وجهه قائلاً: ستنفذ...وهذا ليس بطلب بل هو أمر نافذ يا زياد.

نفى زياد برأسه يناظر أباه بإنشداه مجيبًا بإعتراض: لا أقدر على ذلك يا أبي..أنا أحبها..أحبها..

هدر عصام بوجهه فاقدًا لصبره مع ولده: كفاك إعتراضًا...شهد لن تقترب منها وكفى جدالاً...إدفن ذلك الحب وأقتله قبل أن يكبر أكثر...

قفرت نبضاته خوفًا يناظر أباه بصدمة تجلت على محياه مستفهمًا بصوت هارب: ما سبب كل هذا يا أبي. ..أرجوك أنت هكذا تقتلني..كيف لك أن تبعدني عن الفتاة التي أحب دون سبب مقنع على الأقل.

تشنج فك عصام يحدق بوليده بنظرات حادة صارمة مجيبًا إياه: لدي أسبابي الخاصة..

إكفهر وجه الأخير مبهوتًا وهو يتسائل بإرتباك: ما...ما هي هذه الأسباب ؟

صرح عصام بهدوء: لن يشكل فرقا إن عرفت...لهذا فقط عليك الإبتعاد عن شهد وإلتزم الرسمية التامة معها.

تقبض زياد بقوة حتى إبيضت مفاصله مجيبًا بإعتراض: عذرًا يا أبي لكنني لن أفعل..

توسعت عيني عصام بصدمة فقبض على ياقته مزمجرًا بوجهه بغضب: هل أصبحت دوس على كلامي يا زياد ؟

نفى الأخير بسرعة مصرحًا: أبدًا يا أبي..لكنك هكذا تعذبني يا أبي.


هسهس والده بتهديد: كلامي وستنفذه رغمًا عن أنفك..وإن إقتربت منها شبرًا واحدًا يا زياد صدقني لن أتساهل معك بتاتًا هل فهمت ؟؟


إنحسرت أنفاس الأخير متقبضًا بقوة ينفي برأسه وهو يتحدث: مستحيل..حتى ولو حاولت لا يمكنني يا أبي..أنا أعشقها إفهمني من فضلك.


ران الصمت لوهلة وكلاهما يحدقان ببعضهما ليبعد عصام كفه عن تلابيب الآخر مومئًا بهدوء وهو يقول: حسنًا كما تريد..بما أنك أنت الرجل ضعيف هكذا، إذًا فكلامي سيكون مع شهد لا غير.

تحرك بعدها فشحب وجه زياد يسرع خلفه ينادي عليه بقلق: ما علاقتها هي ؟

تابع عصام سيره مصرحًا بجدية: سأطلب منها أن تبتعد عنك ولا تقترب منك أبدًا..وسنرى إن كانت هي ستعارض مثلك.

إضطرب قلبه بعنف معقبًا: لكن هي لا تحبني..أقصد لا أعرف مشاعرها ناحيتي يا أبي..

دلف عصام للمصعد فتبعه ولده بسرعة وقد تهادى لمسمعه جواب والده الحاد: جيد...إذًا سيكون الأمر سهل معها وستنفذ فورًا.

أسرع زياد مرددًا برجاء: أبي هي لا علاقة لها ولا تعرف حبي لها أصلاً..لا تقحمها من فضلك.


هدر به عصام بعنف: إذا نفذ أنت بدلاً عنها.

إنحسرت أنفاسه يشعر بقلبه ينزف بشدة..فكيف له أن يبتعد عن فراشته الصغيرة الملونة وغيمته البيضاء...لا يستطيع..أبدًا لن يقدر..فإبتلع ريقه يمسح وجهه بكف مرتعش كأنه بين فكي كماشة..فإزدر ريقه مرددًا بتعب ألم به: هل إبتعادي عنها ضروري يا أبي ؟ ألا ترفق بي..لقد جربت العشق مع أمي..فكيف أن أحرم أنا منه ؟

ناظره عصام بعيون مبهمة مجيبًا بقول صارم: هناك أمور لا تعرفها أنت يا ولدي...نفذ ولا تكثر الكلام.

تقبض بشدة يكاد يخترق كفه بأنامله معقبا: وإن لم أفعل.

هز عصام كتفيه مجيبًا إياه ببرود: إذًا شهد ستفعل.

أغمض زياد عينيه وقد بدأ الإختناق يحكم قبضته حوله يبتلع تلك الغصة وكأنها زجاج مكسور جرحت حنجرته مجيبًا بتعب: كما تريد..فقط لا تقحمها هي أرجوك..

ران الصمت لوهلة وقد ربت عصام على كتف إبنه معقبًا على قوله: جيد..آمل فقط أن تكون على قدر كلمتك هذه.

فتح المصعد ليغادر عصام حيث مكتبه تاركًا زياد الذي أصابه الشلل فجأة متصلبًا بمكانه يناظر الأرضية بعيون خاوية وشاردة...يشعر بأنّ ثقل الكون أجمع يجثم فوق صدره...سيبتعد عن حبيبته وصغيرته....شهد !! كيف سيتحمل..كيف يا رباه..فقط كيف ؟؟


:
•♡•
:

وجهت منى بصرها لأستاذها الذي كان يحدق بحاسوبها مدققًا بعملها المبدئي..تجول بعيناها على وجهه بلحيته الخفيفة تلك وتقاسيمه الرجولية البحتة...هو وسيم حقًا...حيث هزت رأسها على سخافتها تلك...


- حسنًا لا بأس به.

أفاقت من شرودها على نبرة صوته الأجشة، مومئة بنعم فإسترسل هو قوله موجهًا بصره ناحيتها: هناك بعض الملاحظات الطفيفة نفذيها لا غير..وتابعي عملك بعدها.

همست بإحترام: حسنًا أستاذ.

أغلق الحاسوب مصرحًا بجدية: ولا تكثري من إستخدام الدراسات السابقة بل فقط إعتمدي على المصادر والمراجع كأفضل خيار.

زمت منى شفتيها مبرطمة: لكنك قلت لي أنك ستساعدني بالمصادر..أين هي ؟

رفع شهاب حاجبه عليها فأسرعت هي مرقعة هفوتها: أقصد من فضلك يا أستاذ.

تنهد بخفوت مخرجًا فلاش ميموري من جيب سترته واضعا إياه على الطاولة مصرحًا: خذي هذا يحتوي على أهم المصادر والمراجع التي تناولت نفس موضوعكِ..فقط أحسني كيفية إنتقاء المعلومات التي منهم.

أخذت منى الذاكرة بسعادة مرددة بحماس وقد تناست نفسها: جيد...كريم والله.

كبح شهاب بسمته يناظرها بجدية..ما خطب هذه الفتاة...صدقًا لا يفهم غرابتها ؟! في حين قد إنتبهت منى على غبائها قائلة بإحترام: أقصد شكرًا أستاذ.


أومئ لها بهدوء مصرحًا: هل لديكِ سؤال ما بخصوص المذكرة ؟

ضيقت منى عينيها فأسرعت بالنفي قائلة: حاليًا لا...لكن إن تذكرت سوف أتصل بك لا تقلق..

إنزوئ حاجبيه بإنشداه هامسًا: أقلق !! ومن قال لكِ أني قلق أساسًا..؟!

مطت منى شفتيها مبرطمة بعبوس: أقصد لا تحمل همًا...

رفع حاجبه مسايرًا غرابتها: من قال إنني أحمل هما أصلاً ؟!

زفرت بضيق مستفهمة بإنزعاج طفى على محياها: أستاذ من فضلك لماذا تتهكم علي ؟

إتكئ على ذراعيه يناظرها ملأ عينيه وهو يجيب: وأين التهكم بحديثي...فقط أستغرب بعض الكلمات التي تفحمينني بها لا غير.

زفرت بخفوت متهربة من عيناه بخجل وهي تجيب: حسنًا..إن كانت كلماتي غريبة تجاهلها من فضلك لا غير.

أومئ لها بهدوء معقبًا على قولها: هذا يعتمد على ما تقولينه يا آنسة منى.

قهقهت بخفة مرددة بعدها: لا بأس.

تغضن جبينه وقد تنبه أنّ لها ضحكة جميلة..بل جميلة جدًا !! فتنحنح قائلاً: تفضلي.

أومئت لها مستقيمة من مجلسها مغمغمة: شكرًا لك.


أومئ لها بهدوء وقد إفتر ثغره عن بسمة طفيفة: عفوا..فقط إجتهدي بمذكرتكِ.

همست بـ"حاضر" مغادرة قاعة الأستاذة وقد شيعها هو بنظراته...حسنًا هي تبدو لطيفة نوعًا ما !!.


:
•♡•
:


قدم أدهم الملف للموظف معقبًا: جيد..قدمه لزياد وهو سيتولى الباقي.

أخذ المعني الملف مجيبًا بإحترام: في الحقيقة السيد زياد يلتزم مكتبه و يرفض مقابلة أي أحد حاليًا.

عقد حاجبيه بإستغراب مستقيمًا من مجلسه مغادرًا مكتبه حيث مكتب أخيه الأصغر فليس من عادة زياد أن يتصرف هكذا !!..ليتوقف بغتةً بالرواق وقد تصلب جسده حين لمح نور رفقة الموظف مجد ذاك يتحدثان...فإشتعلت مقلتيه شررًا وقد غلت مراجل الغضب بكيانه مغيرًا مساره نحوهما بتحفز مرددًا بنبرة حادة: ما الذي يحدث هنا ؟

إلتفت له الإثنان حيث تنحنح مجد مجيبًا بإحترام: أهلاً سيد أدهم...فقط كنت أرحب بالآنسة نور معنا بالشركة.

إرتكبت المعنية وقد تزايد خفقها وتسارع تناظر أدهم الذي كان محياه مكفهرًا ، هذا الأخير الذي دنى من مجد و عينيه الصقريتين ترسلان وميضًا خطرًا قائلاً: منذ متى وأنتم ترحبون بنسائنا..؟!

تلجلج الآخر مرتبكًا وقد شعر بالحرج مجيبًا: لا أقصد أي تطاول لكن الآنسة نور حسب علمي ليست من نسائكم يا سيد أدهم.

تقبض أدهم و سحب الغضب تغشي الرؤية مقتربا منه أكثر مهسهسًا بخفوت: أعد ما قلته !!

قفرت نبضات نور خوفًا وترقبًا تنقل بصرها بينهما، فعقب مجد بهدوء: لا تفهم قصدي قلة إحترام...لكنني طلبت يد الآنسة نور من والدتها ومن السيد عصام كذلك لهذا....

قاطعه أدهم جاذبًا إياه من ياقته مزمجرًا به: لن تكون لك لهذا لا تحلم بها أبدًا...إقلعها من دماغك العفن هذا..

تسارعت أنفاس نور وبهتت فجأة تناظر أدهم الذي يبدو أنه فقد أعصابه ورزانته المعهودة، حيث تغضنت تعابير مجد معقبًا بثقة: هذا القرار يعود للمعنية فقط يا سيد أدهم و ما دمت لم أتجاوز حدودي معها ولا معكم فلا أرضى بهذا التعامل معي.

رفع أدهم حاجبه عليه يقبض بقوة أكبر مردفًا بهسيس: لدي ما هو أفضل لك لا بأس..

فباغته بلكمة قوية جعلته يتقهقر للخلف، لتسرع نور عساها توقف أي جنون منه مرددة بهلع: أدهم. ..أقصد سيد أدهم لا داعي للشجار.


هدر بها الأخير بحنق أربكها: لا تتدخلي أنتِ.

تخشبت بمكانها وقد هالها وضعه الفاقد للسيطرة، محولاً بصره لمجد مجددًا متحركًا نحوه هادرًا به و كافة إنفعالاته تتجلى بعينيه: لا تقترب منها ولا من أي نسائنا مجددًا...أو قسمًا بالله لن أتردد بإعادة تشكيل وجهك ذاك.

مسح مجد الدم من شفافه متمالكًا ذاته معقبًا بصبر: هذا يقرره السيد عصام ومادام هو لم ينبهني بأي ملحوظة فلا حق لك التدخل، ما دامت نيتي شريفة.


تراقص الجنون بمقلتي أدهم يكيله لكمة أخرى ثم أخرى هادرًا به: نيتك الشريفة إذًا أيها النذل ؟!

شقهت نور وقد إختلج قلبها رعبًا من تعاظم الموقف، حيث بدأ الموظفون يتنبهون أكثر متجمهرين حولهم، ليتدخل بعضهم يبعدون أدهم عن مجد هذا الأخير الذي إستقام مردفًا بسخط: حتى ولو كنت من أصحاب الشركة لا يحق لك معاملتي هكذا يا سيد أدهم...سوف أشتكيك للسيد عصام.

حاول المعني الهجوم عليه غير أنه مكبل هادرًا به بتوحش: أغرب عن وجهي كي لا أقتلك أيها الوغد.

سارع بعض الموظفين لإبعاد مجد عن المكان كي لا يتفاقم الوضع أكثر، ليتحرك هو مغادرًا متمتمًا بعبارات الرفض والإستهجان، في حين قد بلغ توتر نور أوجه لتسرع هي الأخرى حيث مكتبها بخطوات مهتزة.

أبعد أدهم من يكبله بحزم: دعوني...وعودوا لعملكم فورًا.

تراجعوا تدريجيًا عائدين لمكاتبهم فإنطلق هو لمكتبها وقد تراقصت الشياطين حوله يشعر بغليان فائر بأوردته والجًا له بإندفاع فإستدارت هي له تناظره بمقلتين متسائلتين ولسان حالها يقول بإرتباك: تفضل سيد أدهم.

دنى منها وقد تماهت ملامحه وهو يستفهم بحدة: ما الذي كان يريده منكِ ذلك الحقير ؟!


رطبت شفتيها ونبضها يزداد طربًا مجيبة بهدوء مفتعل: ااا كان فقط يرحب بي معكم بالشركة كما قال...


سحب الغضب تغشي الرؤية عنده هادرًا بعنف: من هو حتى يقف معك بكل هذه الجرأة هكذا.

إرتدت للخلف مجفلة من غضبه ذاك هامسة بخفوت: هو لا يقصد أي نية سيئة.


كور قبضته وجحافل الغضب تتقد عنده مرددًا بهسيس: وما أدراك بنيته حتى تتحدثي هكذا ؟ منذ متى وأنت تفهمين نوايا الرجال أصلاً ؟!

لملمت شتات نفسها مجيبة بكبرياء: أي كان.. أظنها حياتي الخاصة ولا دخل لك بها يا سيد أدهم...وما حدث قبل قليل أتمنى منك أن لا تكرره من فضلك.


رفع حاجبه على إنقلابها ذاك مقتربًا منها ببطئ لتتراجع هي تلقائيًا للخلف ترمق محياه الواجم وعيونه المبهمة التي أرسلت الرجفة لفؤادها العاشق، ليوقف الجدار تراجعها فإبتلعت ريقها متقبضة على جانبها، حيث إنحنى أدهم عليها متسائلاً بخفوت شديد: أعيدي ما قلت يا نور ؟؟

تسارعت أنفاسها ورائحة عطره الرجولية تخترق حواسها وتتغلغل بأعماقها تائهة هي بعمق مقلتاه تلك..فهي لا زلتُ تقع في حبه من جديد في كلّ مرة ترى بها لمعة عينيه تلك..فتسلحت بتماسكها مهمهمة: سيد أدهم...أظن أنّ هذا شيء خاص بي لوحدي.


إنحنى أكثر يناظرها ملأ عينيه يتأمل محياها البهي..هل إعترف قبلاً أنه أحبها بلا مقدمات وتاه بها فأغُرم...ليهمس بجدية محضة: سيد أدهم !!

عظم خفقها تشعر بوهن ساقيها وسحر قربه هذا يفتت صمودها تدريجيًا..فقط لو يعلم أنه لو كان سجنها هو حضنه ومعتقلها عينيه وقيودها أضلعه..حينها فقط فلتسقط الحُريه..وتبًا للحرية ولمن ينادي بها..فرطبت شفتيها هامسة بتورد: نعم...ألست كذلك ؟!

رسمها بعينيه يريد إنقاذ نفسها من فرط جاذبيتها لكن لا قدرة له على ذلك، حيث كرر تسائله بهدوء: ماذا ترين أنتِ ؟!

أخفضت وجهها تفر من سطوة حضوره مغمغمة بصمود مزيف: أراك كما تريد أنت.

تقبض على جانبه يشتم ذاته الغبية التي وضعته بهكذا موقف لأجل كلمة " السيد " فتنحنح مجيبًا: عادي لا داعي لتلك الكلمة السخيفة.

رفعت وجهها ناحية محياه الوسيم الذي أقصى أحلامها أن تتلمسه عن قرب، حيث تخضبت وجنتيها عائدة لواقعها الحالي مرددة بعملية بحتة: لكنها الحقيقة...هكذا أفضل كي لا أتجاوز حدودي معك يا سيد أدهم.

تشنج فكه معقبا بحدة أربكتها: نفذي فقط.

أجلت صوتها مجيبة بكبرياء: حاضر سيد أدهم.

رمش بأهدابه مكررًا قوله: هل أكلم الجدار ؟!!


كبحت بسمتها محافظة على جديتها: سيد أدهم من فضلك أظن....

قاطعه بغضب أجفلها تلقائيًا: سيد...سيد..سيد...ما خطبكِ ؟

إنكمشت على ذاتها فحز بنفسه مرآها وهي بهكذا وضع ليتمالك ذاته قائلاً بهدوء: لم أقصد...فقط..كفاكِ إستفزازًا لي..

تلجلجت مرتبكة محتارة هي من غرابته الغير معهودة منه مصرحة: لم أقصد أي إستفزاز أو تجاوز بحقك وأنت من بدأت بالشجار مع مجد وبعدها إنتقلت لي.

تصلبت نظرته وجمدت ملامحه وقد عاد لواقعه يدنو منها أكثر هامسًا بفحيح: إن فتحت المجال مجددًا له أو لأي ذكر آخر للحديث معك قسمًا بالله سوف ترين وجهي الآخر يا نور.

تطلعت إليه بنظرات حائرة متوترة لا تفهم سبب كل هذه الحدة منه، فأدهم لم يكن هكذا قبلاً، فتسائلت بصوت هارب: لماذا ؟!

إبتلع ريقه ‏يناظرها بمقلتين عميقتين كأنه يبحث عن حدود وطنه بعيناها...فقد صدق محمود درويش حين قال "تشبهينَ الهويّة حينَ أكونُ غريبًا.."مجيبا بعدها: لا يهم السبب يكفي أن تنفذي.


تسلحت بكرامتها ترفع ذقنها بشموخ مصرحة بهدوء مقاومة رغبة فؤادها التي تدعوها للإرتماء بين أضلعه هناك فتأخذ صدره مسكنًا لها: عذرًا لكن هذه حياتي الخاصة فقط يا سيد أدهم، وهو خاطب أتى للبيت من بابه وقد تحدث مع عمي عصام ووالدتي لهذا لا يحق لك إملاء الأوامر علي بخصوصياتي.

ناظرها بجمود وكافة إنفعالاته تتجلى بعينيه مرددًا بحدة: خاطب ؟! لا بأس إذًا خذيه عهدًا مني سوف أضمن بقائك عازبة طول عمركِ يا نور سوف نرى إذا قرار من سوف ينفذ..

توسعت عينيها جراء تصريحه الغريب، فتراجع هو ببطئ يراقب صدمتها التي تجلت على تعابير وجهها مستديرًا كي يغادر غير أنّ صوتها أوقفه حين عقبت: هل تسعى بهذا التصرف كي تأذيني ؟!

تخشب بمكانه يشعر بقبضة قوية تلكم قلبه فإلتفت لها برأسه وقد علا الإستهجان محياه وهو يتسائل بإنشداه حقيقي: أؤذيكي !! هل أنا قد أؤذيكي يومًا يا نور ؟! أدهم الذي عرفته طوال سنوات عدة هل تعتقدين أنه سيفعل ذلك مستقبلاً ؟؟ صدقًا لم أتوقعها منكِ.

فتحرك بعدها مغادرًا المكتب بخطواتٍ عصبية تاركًا نور التي شيعته بنظراتها المعذبة تشتم ذاتها ولسانها الغبي الذي جرحه هكذا..كيف لها أن تتفوه بهكذا حماقات...فأدهم طوال عمره معها كان أبًا و أخًا وصديقًا وحاميًا ورفيقًا..لهذا قد أحبته و عشقته وفوضته لفؤادها سلطانا.

:
•♡•
:


تابعت سحر تأمل الطريق أمامها مبادرة بتسائلها: لو إنتظرت منى لكنت أعدتها معنا للقصر.

تابعت شهد تلاعبها بهاتفها مجيبة بملل: لقد إتصلت بها العمة رقية مصرة عليها أن ترافقها للسوق فسارة مشغولة بمشروعها ذاك.

قهقهت سحر بخفة مستفهمة: منذ متى ومنى حارس شخصي ؟

ضحكت شهد هي الأخرى موضحة: ليس ذلك هو المعنى..بل هي رافقتها كي تساعدها في التسوق بما أنّ منى ذوقها جيد.

رمقتها سحر بحنو وهي تقول: وأنتِ يا قلب أختكِ لماذا لا تتسوقين أو أنكِ مللت منه ؟

تراقصت بسمة رقيقة على ثغر شهد مصرحة بحلاوة: سأفعل غدًا أو بعده يا سحرور..

هزت الأخيرة رأسها عليها فإسترسلت شهد قولها مبرطمة: أريد شراء سيارة كذلك.

بسطت سحر شفتيها تقبض على المقود معقبة على قولها: ألم يعدكِ أبي بشراء واحدة حين تتخرجين..كفاكِ تذمرًا.. هذا إن سمحت لكِ بسياقتها أصلاً.

عبست شهد بضيق قائلة: سوف أتعلم للسياقة جيدًا وأتمكن بها وحينها أفعل..أبي عصام أعطاني الإذن وكذلك أريد سيارة بهيبتها وليس ضفدع مثل سيارتكِ هذه.


توسعت عيني سحر متمتمة بذهول: سيارتي ضفدع !!

إنفجرت شهد مومئة بنعم مرددة من بين ضحكاتها: لا أقصد الإهانة...لكنها كذلك كما قال زياد..أنظري لها هي صغيرة جدًا وظريفة...

لوت سحر شفتيها مهمهمة بسخط: زياد ذاك لا يعلمك إلا الوقاحة وطول اللسان..وأيضًا سيارتي طرازها حديث لهذه السنة لكنها صغيرة لا غير فهي مخصصة للفتيات يا ذكية.

قهقهت شهد مجددًا مردفة: أجل هي كذلك..لكن أريد سيارة كبيرة مثل سيارة رعد أو أدهم وزياد...يعني فخمة بالطريق..

قلبت سحر مقلتيها متابعة تأمل الدرب أمامها فتهادى لها صوت شهد التي مدت كفها للأمام مستفهمة بفضول: ما هذا القلم الغريب ؟

وجهت سحر نظرها لما تقصده حيث إفتر ثغرها عن بسمة طفيفة تناظر ما تقصده لتعود ببصرها للطريق مجيبة: إنه قلم خاص برعد فقد سرقته من عنده.

إرتبكت شهد معيدة القلم لمكانه هامسة: لا ألمس أشياء زوجكِ المخيف ذاك.

ضحكت سحر برقة تهز رأسها على مبالغتها فأخذته من مكانه تناظره فهو يبدو غريبًا نوعًا ما واضعة إياه بجيب عبائتها، ترتدي سماعة أذنها متصلة به وقد إخترق مسمعها رنينه بالطرف الآخر...تعود بذكراها لليلة الماضية كيف نام بين ذراعيها...وقد أعلنت وجنتيها توردها تلقائيًا مستغربة من ذاتها..كيف لها أن تبادر هي بمطلبها الغريب ذاك !!...لكنها ببساطة لم تتحمل ما كان يكابده من أرق وكوابيس وضياع.


بالطرف الآخر حول رعد بصره لهاتفه الذي تعالى رنينه وقد ترائى على شاشة هاتفه أنّ المتصل زوجته فلان محياه مشيرًا للموظف بالمغادرة ففعل الأخير ما طُلب منه تاركًا إياه وهو يضع الهاتف على أذنه بعد أن فتح المكالمة دون النبس بحرف.

فعقدت سحر حاجبيها هامسة: رعد.


تنحنح مجيبًا بهدوء: نعم.

بادرت بتسائلها اللطيف: هل أنت بخير ؟؟


تنهد بخفوت مجيبا بتسائل آخر: هل إتصلت بي لأجل هذا السؤال السخيف ؟

قهقهت سحر برقة تناظر شهد التي كانت منشغلة بهاتفها هي الأخرى قائلة: لا بل لشيء آخر..؟

إرتفعت زاوية شفتاه ببسمة رجولية عميقة وقد عاد تفكيره للبارحة أو بالأحرى لساعاتٍ معدودة...حاول قدر الإمكان تجاهل الأمر وإعتباره لم يحدث..لكن فشل..ولم يكن يومًا هو ممن يفشل في السيطرة على ذاته..حسنًا ربما عليه أن يواجه ذاته ولا ينكر أنه قد نام بحضنها براحة تامة وقد إسترخت جوارحة بين ذراعيها...لوهلة أحس بطعم الجنة...ولا ينكر أنه كان ذوقًا غريبًا..لذيذًا..منعشًا مبهرًا..مسكنًا للآلام وإكسيرًا للحياة...وصباحًا ما إن إستفاق وهو مندس بحضنها حتى أسرع بالمغادرة..أو ربما الفرار...لكن لا يعرف مما بالضبط يفر ؟!


- رعد هل لازالت معي ؟؟

أفاق من شروده على صوتها مجيبًا بهدوء: أجل...

ناكفته سحر بقولها: لم تجبني..إحزر لماذا إتصلت بك ؟؟

إستقام من كرسيه متجهًا للجدار الزجاجي واقفًا قربه وعيناه تبصران البحر أمامه مرددًا: أفحميني.

قهقهت سحر برقة فأصابته عدوى الإبتسام هو كذلك مستمعًا لحديثها حين نبست: حسنًا إتصلت بك كي أعلمك بأنني قد سرقت منك شيئًا ما.

وضع كفه بجيب بنطاله الأسود وهو يصرح بهدوء: لا توجد سرقة بيننا فكل ما هو لي هو ملكك أنتِ شخصيًا.

خفق قلبها هنيهة وقد راقتها كلماته تلك فقاومت توردها هامسة: لا تراوغني...قلت لك إحزر.

تنهد بخفوت محتارًا ما الذي تقصده حيث ردد بعدها: إختصري فقط.

كبحت ضحكتها قائلة: حسنًا لقد سرقت قلمك الفضي ذاك.

إنزوى حاجبي رعد وهو الذي إستغرب أنه إختفى فجأة فتنهد موضحًا: ذلك ليس بقلم عادي يا حرمي.


جعدت جبينها متابعة تأمل الطريق أمامها وهي تتسائل: ماذا إذا.

صرح رعد بقوله: بل سكين صغير.

رفعت سحر حاجبها مخرجة إياه من جيب عبائتها تناظره بكفها وهي تتسائل: كيف يفتح ؟

طرق الباب بضع طرقات ليفتح بعدها وقد برز وجه أدهم الذي دلف، حيث عقب رعد قائلاً: إضغطي على الزر الصغير الجانبي سوف يفتح تلقائيًا.

ضغطت الأخرى على الزر فإنطلق سكين صغير بطول خمس سنتمتر من جانبه، فإتسعت بسمتها مرددة بحيوية: واااو إنه جميل حقا...هل هو هدية ؟

رمق رعد أدهم الذي كان منكبًا يبحث بين الأوراق وقد بدى وجهه مشدودًا متجهمًا وقد أجاب: ليس كذلك بل إشتريته بإحدى سفرياتي.

أومئت له سحر كأنه يراها تهم بالحديث غير أنها أوقفت سيارتها حين لمحت سيارة متوقفة بطريقة عرضية بالطريق تمنع تقدمها فضغطت على زر التنبيه كإشارة منها لفتح المجال لسيارتها بالعبور غير أنّ السيارة الأخرى لم تبدي أي رد فعل فهمست بضيق: ما خطبه هذا ؟!

عقد رعد جبينه مستفهمًا بعدم فهم: ما الأمر ؟؟


تابعت سحر الضغط على البوق دون أن ترى صدى للأمر مجيبة بإستغراب: لا أعرف...هناك سيارة تسد الطريق.

إنزوى حاجبي رعد قائلاً: غيري طريقك فقط.

زفرت سحر بسخط مصرحة: إنه الطريق الغابي لا يوجد به درب آخر.

فتراجعت للخلف قليلاً بسيارتها غير أنها أوقفتها حين لمحت سيارة أخرى بنوافذ مضللة قد سدت الدرب عليها من الخلف بطريقة عرضية أيضًا، فتوجست وقد بدأ القلق يدب قلبها موقنة أنها ليست بصدفة بتاتًا هامسة بريبة: الوضع ليس بمبشر.

تهادى لها صوت رعد المستفهم بقلق: ما الأمر ؟؟

وجهت سحر بصرها لشهد التي كانت ترتدي سماعاتها مركزة مع هاتفها، فأجابت بجدية: هناك سيارة تسد الطريق علي من الخلف أيضًا...أشعر أن هذا الفعل مستقصد.

أسرع رعد بأخذ مفاتيحه وقد بدأت بوادر القلق تتملكه مشيرًا لأدهم الذي لم يفهم شيئًا بالقدوم معه قائلاً: نحن قادمون فقط إلزمي سيارتكِ.

سار أدهم معه مغادرًا المكتب مستفهما بحيرة: ما الأمر ؟

أجابه رعد بحدة أقلقت الآخر: إتصل بأخيك بسرعة كي يلحق بنا هو والرجال.

نفذ الآخر ما طلب منه سير بمحاذاته يدلفان للمصعد حيث أعقب رعد: لا تقومي بأي خطوة غبية حتى نصل لكِ.

أخرجت سحر رأسها من النافذة تناظر السيارة الخلفية التي بدأت بالتقدم منها ببطئ فإشتعلت براكين الغضب بداخلها قائلة: إحداهما تتقدم.

فأسرعت بنزع السماعات من أذن شهد مرددة بصرامة: شددي حزام الأمان حولكِ وإحمي رأسكِ جيد يا شهد .

تغضن جبين شهد بعدم فهم مستفهمة: لماذا ؟

أجابتها سحر بسرعة: نحن محاصرتان فقط نفذي.

لمحت شهد السيارة التي بالأمام ثم نظرت للخلف لترى سيارة أخرى بدأت بالتقدم ناحيتهما دون أن تقدر على لمح من بداخلها بسبب نوافذهم السوداء فإستفهمت بخوف: ما الذي يحدث..هل هم لصوص ؟

هدرت بها سحر: نفذي حالاً.

أسرعت شهد تضع حزام الأمان حولها بكف مرتجف تضم رأسها بذراعيها، حيث شغلت سحر سيارتها متمتمة بهسيس: فلنبدأ.

أسرع رعد لجراج السيارات الخاص بالشركة مستفهمًا بشك فهو يدرك جيدًا جنون زوجته: تبدئين ماذا بالضبط ؟


ففعل أدهم المثل بعد أن أعلمه بالأمر منطلقان بسيارتهما وقد سارع لهما زياد الذي كان وجهه قد توشح بكل تعاليم الغضب هو الآخر.

أجابته سحر بحدة: سوف أدفع السيارة الأمامية بسيارتي كي أزيحها عن دربي...فغالبًا سيحاصراننا أكثر حتى يوقفا حركتي.

فإنطلقت بعدها بسرعة مرتطمة بالسيارة الأمامية التي تزحزحت بضع إنشات فتعالى صواخ شهد المرعوب، حيث هدر رعد بها بسماعتها وقد بدأ نبضه يتزايد قلقا عليهما: ما الأمر...لماذا هذا الصراخ ؟!

تسارعت أنفاس سحر تعود بسيارتها للخلف بسرعة ترمق السيارة الخلفية عبر المرآة الأمامية لتراها قد توقفت فغالبا قد تفاجئ سائقها من رد فعلها مجيبة بشراسة: لا شيئ فقط شهد إرتعبت.

لترفع مستوى سرعتها عائدة للخلف مرتطمة بالسيارة الخلفية معيدة إياها مترين للخلف، لتنطلق بسرعة أكبر مجددًا للأمام، حيث سارع سائق السيارة الأمامية بالإبتعاد بسرعة كي لا تتسبب بمقتلهم جميعًا...فتابعت سيارتها مسيرها بعد أن أفسح لها المجال بآخر ثانية لتهمس بكراهة: حشرات حقًا.

فرفعت بصرها للمرآة الأمامية مبصرة إنطلاق السيارتين خلفها فورًا، وإحداهما تسير بمحاذاتها ترتطم بها على جانبيها مزحزحة إياها قليلاً فهلعت سحر خاصة مع صراخ شهد المرتعب والتي كانت تضم رأسها بين ذراعيها مكررة بعض الأذكار عسى أن يعودا للقصر بسلام.

فأسرعت سحر تفكر بمخرج آمن من هذا المأزق، على الأقل فلتضمن سلامة أختها شهد متجاهلة رعد الذي كان ينادي عليها فسارعت بإيقاف سيارتها بعد أن سدت السيارة الأخرى مجددًا طريقها الأمامي ..لكنها هذه المرة قد إلتصقت بها تمنع أي حركة لها من الأمام، لتضغط على ناقل الحركة كي تعود للخلف غير أنّ السيارة الأخرى قد هي كذلك سدت عليها الدرب مانعة عودتها للوراء بأي شكل من الأشكال.


- سحر أجيبيني و اللعنة .

تهادى لها صراخ رعد بأذنها فإلتفتت هي للخلف ثم للأمام مجيبة بإرتباك تسعى لحل ذكي وسريع بالآن ذاته: تم حصر سيارتي بينهما..لا أستطيع الحركة خاصة أنّ سيارتي صغيرة مقارنة بحجم سيارتهما.


ضرب رعد المقود بعنف وبراكين الغضب تزداد إشتعالاً بداخله مسرعًا أكثر بسياراته وهو يقول: دقائق فقط وسوف نصل..إهدئي ولا تخافي.


وجهت سحر بصرها لأختها مجيبة بجمود: لست خائفة أصلاً.

تصلبت نظرته يستمع لتسارع أنفاسها فواضح أنها تفكر بمخرج ما، فمدت سحر كفها لذراع شهد هامسة: شهد ركزي معي.

أبعدت الأخيرة ذراعيها عن رأسها تناظر أختها بعينين مرتعبيتين متسائلتين بالآن ذاته، حيث إسترسلت سحر قولها بثقة: إسمعيني جيدًا إفتحي الباب بقربكِ وترجلي فورًا حيث غابة وسأفعل المثل لكن من بابكِ هذا.

- سحر لا تركبي أي خطوة غبية.

هدر بها رعد عبر السماعات، فأجابته هي الأخرى بغضب مماثل: لن انتظر هجموهم أولاً يا ذكي.

في حين قد إهتزت مقلتي شهد بخوف فكوبت سحر خديها مكررة قولها: نفذي فقط يا قلب أختكِ...هذا هو الحل الوحيد ...من المؤكد أن نيتهم خطيرة لهذا فالواضح هم سيقتحمون سيارتي وقد يخطفوفننا، وكل ما علينا فعله الآن هو تشتيتهم.

إبتلعت شهد ريقها وقد إنسابت دموعها تمد كفها المرتعش لحزام الأمان تفكه، ففعلت سحر المثل بعد أن أخذت هاتفها مقتربة من كرسيها، فشحذت شهد قوتها بعد أن شجعتها سحر ببسمتها الحانية لتترجل من السيارة بسرعة وقد تبعتها سحر تنطلقان بسرعتها القصوى للغابة..ففعل الشباب المثل مترجلين من السيارتين حاملين أسلحتهم.

قبضت سحر على كف شهد كي لا تفترق عنها مرددة بتشجيع: أسرعي فقط ولا تلتفتي للخلف أبدًا.

شهقت شهد تبكي برعب مردفة بتعلثم: سوف..سوف يقتلوننا يا سحر..

ركضت سحر تبحث عن مخرج من الجانب الآخر قائلة بثبات تحسد عليه: لا يؤذيكي أحد يا شهد..ثقي بي فقط.


فحانت منها إلتفاتة للخلف لتلمح أحدهم من بعيد وقد كان ملثمًا و بيده سكين يركض ورائهم، حيث قبضت على كف شهد بقوة أكبر ترفع من وتيرة ركضها مردفة بلهاث: أسرعي أكثر يا شهد.

قفرت نبضات أختها خوفا وترقبا وقد فاض مدمعها أكثر تزيد من سرعة هرولتها بأنفاس متلاحقة قائلة بتعب: بدأت أتعب يا سحر...

شتمت سحر داخليا فالواضح أنّ الإشارة هنا ضعيفة لهذا قد إختفى صوت رعد، فإبتلعت ريقها خوفًا على أختها من أن يمسها أي مكروه..


- إنهما هناك ؟

نادى أحدهم بصوته الجهوري على رفاقه فركضوا ناحيتهما، ليزداد هلع شهد وإرتفع نحيبها في حين قد جزت سحر على أسنانها تدفعها للركض أكثر مشجعة إياها: فقط لا تتوقفي...وتابعي.

فعلت الأخرى ما طُلب منها تجري بسرعتها القصوى، فجالت سحر ببصرها بين الأشجار تفكر بخطة كي تضمن نجاة أختها، حيث أبعدت أحد الاغصان عن دربهما وقد وقع بصرها على شجرة ضخمة، أسرعت نحوها تختبئان خلفها لتضم سحر شهد لصدرها وقد تسارع تنفس كلاهما هامسة بأذنها: شهد إسمعيني.

رفعت الأخيرة وجهها الشاحب نحوها ترمق أختها الكبرى بعيون متورمة من البكاء متسائلة بحشرجة: ماذا ؟!

كوبت سحر وجنتيها تناظرها بعيون حانية هامسة: سوف أضمن عودتكِ للقصر يا قلبي...إختبئي هنا خلف هذه الشجرة فهي سوف تخفيكِ عن أنظارهم وأنا سأتابع ركضي كي ألفت نظرهم فيلحقونني وحينها عليكِ الهروب فورٍا والعودة عبر الطريق الذي أتينا منه وإركضي هناك حتى يصل لكِ رعد وأخواي.


نفت شهد برأسها وقد تبلل وجهها بمدمعها المنساب هامسة بشفتين مرتجفتين: مستحيل يا أختي..لن أترككِ...لا...لا سيؤذونكِ يا سحر..لا تفعلي.

غامت عيني سحر تسبحان بالدموع هي الأخرى مجيبة بهمس خافت: الأذى الوحيد الذي قد يصيبني في هذه الدنيا هو رؤية الضرر يمسك يا قلبي...وما دام هناك نفس بصدري فقسمًا بالله لن أدع نسمة هواء تعبر بدربكِ...لهذا لا تقهريني يا شهد فقط نفذي أرجوكِ.


شهقت شهد وجحافل القهر والألم تتعاظم وتشتد بفؤادها رافضة جنون إقتراحها ذاك: سحر أخاف عليكِ والله...دعينا نهرب مع بعض أو نموت مع بعض يا أختي.

لم تستطع إحجام دمعاتها المنسابة تنحني عليها أكثر مهمهمة بحنان أخوي: أقسم عليكِ أن تنفذي آخر طلب لي يا شهد..والله سأموت ألف ميتة إن مسكِ سوء يا صغيرتي..لا تقهري قلبي عليكِ.

أطبقت شهد شفتيها عن غصة إستحكمت حنجرتها بعنف عاجزة عن تنفيذ رجاءها هذا هامسة بعجز كبل أوصالها: لا أقدر...قدري موقفي يا سحر.

حضنتها سحر بقوة تكبلها بين ذراعيها فبادلتها شهد الحضن تبكي بمرارة وقد همست الأخرى بأذنها: أنت قوية...لا تخيبي ظني.

لتبتعد عنها بعد ثواني مقبلة جبينها بحب صادق نابع من أعماقها مغمغمة بخفوت: شهد ثقي بذاتكِ وأركضي بطريق العودة وإنجي بنفسكِ ولا تلتفتي للخلف أبدًا...إياكِ أن تلتفتي يا شهد...فقط نفذي .

أومئت لها شهد بوجه باكي مصفر وقد عم القهر أرجاء قلبها. ..فإبتسمت سحر بحنو ماسحة على خدها هامسة بآخر كلمة: تذكري أنني أحبكِ.

لتسرع بالركض بأقصى سرعتها تاركة شهد التي وضعت كفيها المرتجفنين على فاهها تكتم نحيبها وألم فؤادها.


:
•♡•
:

- أجل يا أمي نحن ننتظر طائرتنا التي سوف تنطلق بعد نصف ساعة.

كلمات نبس بها هاني بهاتفه موجهًا بصره لسهام التي كانت تتخذ مجلسًا بمقاعد الإنتظار وقد بدا محياها ساكنا لا ينم عن شيء.

فتهادى له صوت والدته الحنون: حبيبي إهتما بنفسيكما...وكن متفهمًا لزوجتك فهي لم تعتد عليك بعد...رجاءٍا يا ضنايا كن كما عهدتك.

زم الأخير شفتيه فهو نفس كلام وتوصيات خالته عطاء التي لم تكف عن البكاء والنصائح وهذا صدقًا يزيد الحمل عليه ويشعره بالغضب من حاله وكأنه هو فقط المجرم هنا بدلاً من زوجته الخائنة الحرباء، فأخذ نفسًا عميقًا مجيبًا بهدوء: حاضر يا أمي. ..حاضر ..كفاكم درامًا لوجه الله وكأننا سوف نسافر للمريخ.

مسحت ضحى دموعها مرددة بتأثر لسفرهما: حبيبي أنتم قرة العين كيف لنا أن لا نخشى عليكم.


رقت تقاسيم هاني مناكفًا إياها بقوله: أووه وأخيرًا تأثرت بسفري مثل مؤنس ويزن اللذان بكيت عليهما لساعات يا أم هاني.

همست والدته بحشرجة: فقط عودوا لنا سالمين..لا كنز لنا غيركم يا قلب أمكم أنتم.

عقب هاني بمحبة صادقة: إطمئني يا حبيبتي كلها أيام وسنعود وأكيد سأشبعكِ قبلات وأحضان كالعادة.

قهقهت والدته برقة قائلة بأمومية: فداك يا غالي..فقط إهتم بزوجتك فهي حاليًا أمانة بعنقك يا ولدي.

أومئ لها هاني يعود بناظريه لسهام التي كانت تطالع هاتفها حيث شحب محياها بغتة مسرعة بإغلاقه، فعمه التوجس مرددًا: حسنًا يا أمي سوف أغلق الآن وأتصل بكِ حين نصل.

ودعته والدته وقد أغلق هو المحادثة واضعًا الهاتف بجيب سترته متجهًا ناحيتها مستفهمًا بحدة: هاتِ هاتفكِ.

رفعت بصرها ناحيته مستفهمة بإرتباك كأنها تخفي خطبًا ما: لماذا ؟


ردد من بين أسنانه: هاته فورًا.

إبتلعت ريقها مقاومة وجل قلبها مجيبة بقوة خلافًا لتصدعاتها الداخلية: هذه خصوصياتي ولا يجدر بك التدخل بها.

أسرع بأخذ هاتفها فإستهجنت هي حركته تلك مستقيمة من مجلسها قائلة بحدة: لا أسمح لك بإختراق أموري الخاصة.

فتحه متجاهلاً رفضها فلم يعثر على شيء منتقلاً لتطبيق الرسائل فتوسعت عيناه على إثره حين أبصر رسالة من سعد بقوله " لا فائدة من هذا الزواج" إكفهر وجهه مبهوتًا من حقارة وخسة ذلك الوغد فهسهس بغضب: سوف أقتله...سوف أقتله.

أسرع بالتحرك للعودة كي يحطم وجهه غير أنها قبضت على ذراعه مرددة بفزع: من فضلك توقف عن جنونك..أساسًا هو خارج البلاد يا هاني.

إستدار لها بوجه قد كسته تعاليم الغضب الأسود: خارج البلاد ؟ كيف علمت أصلاً ؟!

رمقته سهام بإستغراب مجيبة إياه: الكل يعرف ذلك فبعد آخر شجار لكما وتدخل رعد وأدهم هو سافر خوفًا على تجارته ربما، فهذا ما أخبرني به أبي.

زفر بسخط فقد تذكر أنه كذلك بعد أن أعلمه أدهم بذلك أيضًا، فضغط على الهاتف بقوة يناظرها بعيون تتقد شررًا لترتبك هي على إثره مقتربًا منها نابسًا بلهجة خطرة: منذ متى وأنتِ تتراسلين معه ؟

شحبت تستفسر بصوت هارب: هل تشك بي ؟


هدر بها بجنون: أجيبيني .

إلتفت الأنظار حولهم مما أحرج سهام التي رددت بحنق أنثوي: لا أسمح لك بأن تشك بأخلاقي يا هاني...نهائيًا لن أسمح لك.

قبض على ذراعها يجذبها ناحيته مرددًا بغضب أهوج: وكيف لا أشك بكِ وقد فعلتها قبلاً...فمن يخون مرة سيضل خائنا على الدوام.

خنقتها العبرة تشعر بسكين الخيبة يخترق جنبات صدرها فتدميه قهرًا فتسائلت بكبرياء جريح: ما دمت بنظرك هكذا فلماذا تزوجتني إذا ؟

قبض بقوة أكبر مجيبًا بفحيح: لأنني غبي وحمار...هل عرفت الآن.

جمد محياها مجيبة بهدوء خلافًا لما يخالجها داخليًا: أتعبت نفسك بزواج لا طائل منه إذا.

هدر بها مما زعزع نبضها لهنيهة: كيف عثر على رقمك ذلك الخسيس ؟

إزدرت ريقها مجيبة إياه: هذا رقمي الثاني لطالما كان يزعجني برسائل غبية وكنت أحضر رقمه فورًا..لكنه لا يكف أبدًا عن تلك الحركات.

حذف الرسالة حاضرًا الرقم مجددًا مهسهسًا بصبر: سوف تغيرين رقمكِ هذا. ..هل سمعتِ ؟

أومئت له بهدوء مقاومة تساقط دموعها جالسة مرة أخرى بمكانها مشيحة بوجهها عن مرآه، فجلس هو قربها يتمالك زمام أمره من الإنفلات معيدا لها هاتفها معقبا من بين أسنانه: إن حاول محادثتكِ مرة أخرى أعلميني فورًا ولا تدعيني أكشفكِ لوحدي.

أخذت الهاتف منه متسلحة بقوتها المهزوزة: لا أسمح لك بالشك بأخلاقي هل فهمت...فإن كانت بداية زواجنا هكذا فلا داعي لبقاءه.

إنحنى عليها مستنشقًا عبيرها الأنثوي الذي يشعل أعصابه هامسًا بأذنها: من قال لكِ أنني أكترث لهذا الزواج الغبي أصلاً.

تخشبت بجلستها تشعر به وهو بهذا القرب لترتجف أوصالها وقد بدأت دقاتها ترتفع تدريجيًا هامسة بإرتباك: إبتعد عني..رجاءًا.

تراقصت بسمة عابثة على ثغره مرددًا بخفوت: لا تقلقي فلست مولعًا بقربكِ.

وجهت بصرها ناحيته وهو بهذا القرب تناظر وجهه الحبيب بملامحه الرجولية التي عشقتها يومًا ولا زالت كذلك..ليته يعلم فقط أنها عند النظر إليه تكاد تنسى كيف يُرف جفنيها وهي محبة وولهة لوجهه مثلما يحب المرء لحظاته الأكثر سعادةً..فإبتلعت ريقها متهربة من عيونه تلك التي كانت ترسمها بمقلتيه الفيروزيتين وقد جز على أسنانه مقاومًا مشاعرًا عادت للطفو للسطح مجددًا...ولسان حاله يقول " تبًا لي".


:
•♡•
:


ركضت سحر بسرعة وقد بدأت التعب يشتد عليها هامسة برجاء: ياارب أنجدها فقط...ياارب لا تخذلني..


- سحر !!

توقفت الأخيرة بغتة وقد تهادى لها صوت رعد بسماعة أذنها، يبدو أنّ الإشارة قد عادت، حيث تهللت أساريرها هامسة بفرحة: رعد..!!


زفر الأخير براحة أثلجت صدره موقفا سيارته بعد أن لمح تلك السيارات المتوقفة وسط الطريق وأبوابها مفتوحة فترجل بسرعة مرددًا: لقد إقتربنا لا تقلقي..فقط قاوموا لدقائق.


- إنها هناك أسرعوا.

إلتفت سحر للخلف فأبصرت أحدهم قادما فأطلقت لقدميها العنان مسرعة أكثر هامسة بحنق: تبا أحد الحشرات لمحني.

ركض رعد للغابة فلحقه أدهم وزياد وبعض الرجال، فهتف أدهم مصرحًا بقلب وجل على الفتاتان: الفوج الآخر من الرجال لقد طوقوا الغابة متمركزين حيث كل مخارجها لهذا نستطيع القبض عليهم.

ركض زياد هو الآخر مخرجا مسدسه مستفهمًا بغضب متعاظم: علينا أن نستجوبهم أولاً ومعرفة من أرسلهم.

أسرع رعد أكثر مهسهسًا بشراسة: فقط لا تصيبوهم بمناطق حيوية..(حول تركيزه لسماعته مناديا) سحر هل لازلت معي ؟؟

لهثت بتعب مجيبة إياه: نعم...فقط أعثروا على شهد رجاءًا لقد حاولت تشتتيهم كي تعود هي.

لو لم يكن يكن بموقف عصيب هكذا لإبتسم صدقًا فخرًا بها فأشار لأدهم وزياد قائلاً: شهد تفرقت عن أختها إبحثوا عنها هي أيضًا.

إختلج قلب زياد رعبا أكبر مبتلعًا ريقه يشتت بصره بالأرجاء فقط فليكونا بخير...بعدها يكون لكل حادث حديث.

ركض أدهم مكفهر الوجه يقاوم ومضات من ذكريات عادت له مركزا على دربه مشيرًا لبعض الرجال هادرًا بهم: فليفنرق أربعة منكم من الجانبين بحثا عن إحداهما.

فعل بعضهم ذلك منفذين أمره، توقف رعد فجأة يناظر الغابة بأشجارها و أحجامها المتباينة مستفهمًا من سحر: هل أنتِ بخير ؟!

إرتكنت سحر على إحدى الأشجار مجيبة بأنفاس متلاحقة: لازالت كذلك...فقط طمئنوني على شهد كي أموت براحة.

زمجر بها رعد بحدة: أصمتي.

تابعت سحر ركضها مرددة بحنق أنثوي: أصمت !! لا بأس يا زوجي العزيز إن بقيتي على قيد الحياة وعدنا للقصر، وعد مني أنني سأحيل حياتك لجحيم لا يطاق .

أردف بجدية: فقط عودي.

قطبت جبينها وقد بدا صوته لوهلة غريبًا ؟ فهمت بالسؤال غير أنها دفعت بقوة ساقطة على الأرض وقد سقطت سماعتها، فحاولت الإستقامة غير أنها ضربت بقوة على بطنها فهوت مجددًا متألمة منقلبة على ظهرها واضعة كفيها موضع الألم مبصرة شاب ملثم بهيئة ضخمة نوعًا ما مزمجرا بها: تبًا كل هذا الركض كالحمقى خلفكِ أيتها الحقيرة.

حاولت سحر الوقوف لكنه دفعها منقضا عليها يكبل ذراعيها على الأرض فصرخت بهستيرية شاتمة إياه: إبتعد عني أيها الحشرة النذل.

صفعها بقوة محاولاً إيقاف حركتها غير أن براكينها إشتعلت أكثر بازقة على وجهه مهسهسة بجنون: تبا لك أيها المخنث اللعين.

أغمض عينيه بقوة مقيدًا ذراعيها بكف واحد ماسحًا البزاق من وجهه مرددًا بشر: سأريكِ من هو المخنث أيتها الحمقاء.

حاولت دفعه بعد أن فهمت مقصده الخبيث هادرة بها بشراسة: إبتعد عني أيها الحشرة.

توقف بغتة بعد شعر بضربة على ظهره، وقد رفعت شهد قطعة خشبية تكيل له الضربات بعنف صارخة ببكاء هستيري: أترك أختي أيها الوغد.

لييستقيم بسرعة متحاملاً على ألمه صافعا إياها بقوة يرديها أرضًا، ففغرت سحر فاهها تفاجئًا من عودة أختها.. فإبتلعت ريقها وقد حملت نفس الخشبة كي تضربه غير أنه صد ضربتها بسهولة بذراعه القوية ليسرع نحوها فتراجعت هي للخلف ترمقه بنظرات أضرمت النيران بها هامسة بشراسة: تعال يا حبيب أمك...سأعيد تربيتك.

إستقامت شهد من الأرض تشهق باكية واضعة كفها على خدها المشتعل ترمق أختها التي كانت تتراجع للخلف ببطئ مستفزة الرجل بكلمات معدودة..فإرتجفت شفتيها متذكرة ركضها لفترة من الزمن لكنها لم تستطع متابعة هدفها وهي تعلم أنّ أختها قد ضحت بنفسها مجددٍا كي تضمن سلامتها هي...لم تكن لتتحمل فكرة إصابة أختها بضرر ما في حين تكون هي سليمة...لن تكون أنانية أبدًا..أبدًا.. فلطالما كانت سحر تتصدر كل المشاكل والمواقف العصيبة مزيحة إياها برفق عن معاركهم الخاصة..الآن حان دورها كي تتقاسم معها الصراع..فإما أن تعودا معًا أو تموتا معًا.

تقدم الرجل من سحر في حين قد تراقصت بسمة مستهزة على ثغرها مكررة إستفزازاها: بالله عليك ألم يجدوا أحمقا غيرك كي يرسلوه...أراهن أنك لا تفرق بين اليمين واليسار.

كور قبضته يشعر بغضبه يزداد هاجما عليها بسرعة فغيرت هي مسار وقوفها بآخر لحظة تقوم بنصف دورة رافعة القلم تضغط على الزر الجانبي فإنطلق السكين تهوي به على ظهره تطعنه بقوة فصرخ هو بألم واقعًا على الأرض، مبادرة للهجوم عليه مجددًا كي تطعنه فإستدار على بطنه متألمًا ممسكًا ذراعها، حيث أخذت السكين من الذراع الأيمن المكبل لكفها الأيسر رافعة إياه بقوة أكبر وأسرع غارزة إياه بعينه لتنفجر الدماء منها ملطخة إياها وقد تعالى صراخه بالمكان، وقد رفع قدمه ضاربًا إياها بقوة لتخر هي على الأرض وهو يتلوى بألم وصراخ متعالي ..

حيث صرخت شهد هي الأخرى تبكي بهستيرية، لتهرول سحر للقطعة الخشبية المرمية تحملها بسرعة رافعة إياها ضاربة إياه عدة مرات على رأسه هادرة بتوحش: مُت أيها الحشرة...فلتمت.

سقط أرضًا دون حركة بعدها فلهثت سحر ترمي القطعة الخشبية متمتمة بتهكم: سحقًا ألم يعلموك أن لا تنجر للإستفزاز بميدان المعركة كي لا يسهل عليهم وقوعك...معتوه حقًا.

فأخذت شهيقًا ثم زفيرًا مسرعة لشهد بعدها موقفة إياها وهي تردد بحدة: حسابي معكِ لاحقًا يا شهد...والآن قفي لا وقت لنا لنسرع.

إستقامت شهد بأرجل مرتجفة ترمق أختها التي كان ملطخة بالدماء متسائلة برعب شل أوصالها: هل..هل هو مات ؟

أوقفتها سحر مصرحة بعدم إكتراث: أتمنى ذلك.

توسعت عيني شهد أكثر تركض رفقة أختها للحظاتٍ، غير أنهما تجمدا فجأة حين إلتف حولهم ثلاث شباب بأسلحتهم فإرتبكت سحر تضم أختها لها تناظر وجوههم الملثمة.

تقدم أحدهم يناظر سحر مستفهما بإستهجان: هل ذلك الدم لصديقنا ؟!!!!

إرتفعت بسمة شامتة على ثغرها تناظره بتحدي مجيبة إياه بشراسة لبؤة: تقصد ذلك الضبع الأجرب..أجل هذا دمه، وإن كنت مشتاق له سأرسلك لنفس جحيمه لا تقلق.

قهقه أحدهم مرددًا بإستمتاع: بالله لم نكن أن مهمتنا ستكون ممتعة هكذا..

دنى الثالث منهما فرفعت سحر السكين بوجهه تضم شهد لها أكثر مزمجرة بهسيس: مكانك.. والله لن أتردد بأن أغرسها بحنجرتك إن تقدمت خطوة أخرى.


ناظروا بعضهم البعض لوهلة فتوجست سحر من سكوتهم اللحظي متفطنة أنهم يتفاهمون على خطة ما، فحاولت التحرك غير أن الدرب سد عليهما من أحدهم مشيرٍا لهما بالسكين الضخم الذي بيده بالوقوف.

فتجمدت بمكانها تشد شهد التي كانت تبكي برعب خلف ظهرها، تشتم الموقف التي هي به الآن، تفكر بحل سريع علها تضمن نجاة أختها.


- حسنًا فلنعقد إتفاق بسيط.

كلمات نبس بها أحدهم إسترعى إنتباهها فقطبت هي جبينها مرددة بصوت ساخر: أبهرني يا حبيب أمك.


تجاهل تهكمها الصريح قائلاً: سنترك أختك تذهب بشرط ألقي سكينكِ و إبقي أنتِ هنا ولن نؤذيكِ.


رفعت سحر حاجبها ملوحة بالسكين بوجهه مردفة بهسيس: ما رأيك بأن تضع إقتراحك في صحن مخللات وكله عساه ينفعك كي تحسن إستخدام دماغك الفارغ ذاك.

تشنج فكه بحدة فإسترسلت هي بضحكة ساخرة: أوووه هيا هل توقعت أنني غبية لهذه الدرجة كي أصدق سخافتك تلك..فأكيد لم تتكبدوا كل هذا العناء كي تتركوا أختي تعود وتحسنوا ضيافتي أنا بالنهاية...كون أذكياء أكثر.

إحتدت تقاسيم مرددًا بفحيح: إذًا تريدين الطريقة الأصعب ؟ لا بأس.

فتقدم منها منقضًا عليها فرفعت هي السكين كي تطعنه غير أنه قبض على ذراعها بسرعة ضاربًا جانبها بقوة أردتها أرضًا.

لتصرخ شهد حيث سارع أحدهم بالقبض عليها من الخلف فتلوت بين ذراعيه تصرخ بهستيرية، فشد وشاحها بقوة واضعًا السكين على رقبتها موقفًا حركتها..حيث تعاظم هلعها وتزايد فيضان دمعها حين لمحت سكين ضخم و حاد على رقبتها.

سعلت سحر مرتكزة على مرفقيها متحاملة على نفسها فصرخ أحدهم بها بعنف: قفي لا وقت لنا لدراميتكِ.

تسارعت أنفاسها تكابد وجعها مستقيمة بكبرياء موجهة بصرها لأختها التي كانت تبكي وقد تبلل محياها بأكمله، فأشفقت عليها تفكر بمخرج سريع على الأقل لشقيقتها وبعدها يا مرحبًا بالموت.

أخرج أحدهم مسدسًا من حزامه مشيرًا لصديقه الآخر قائلاً: هيا إبدأ.

فتح المعني كاميرا هاتفه رافعًا إياه لسحر هادرًا بها: هيا إبكي وأطلبي النجدة من والديكِ..لأنهما سيشاهدا هذا الفيديو بعد موتكِ.

إكفهر وجهها مبهوتة من حقارتهم وخستهم غير أنها إبتسمت بإستخفاف قائلة: أبكي !! لن يحدث هذا حتى ولو بأحلامكم الغبية يا كلاب.

رفع الآخر مسدسه ناحيتها مزمجرًا بها بحنق: نفذي فورًا.

قلبت سحر مقلتيها قائلة: لماذا هذه الدراما بالله عليكم...هيا أقتلوننا فقط وأريحوننا منكم ومن سخافتكم هذا.

ضحك أحدهم مرددًا: لا تقلقي سنفعل..لكن فلنستمتع قبلها...هيا إنزعي عبائتك تلك أولاً.

تقبضت بقوة تشعر بغليان فائر بأوردتها غير أنها لملمت شتات نفسها ترفع كفيها للأزرار الأولى لعبائتها مباشرة بفتحهم تدريجيًا...غير أنها توقفت وقد علت بسمة بلاستيكية ثغرها مردفة: ما رأيك أن تفتحهم أنت لي بنفسك...يعني كي يكون المشهد درامي أكثر.

رفع الآخر حاجبه يضحك بعبث: تخططين لشيء ما أيتها القطة صحيح ؟

قهقهت سحر تهز رأسها عليه قائلة: بالله عليك...فقط أخبروني منذ متى وأنتم بمجال الإجرام..صدقًا أفقدتم للجرم هيبته.

هدر بها بسخط: كفاكِ حديثًا ونفذي.

تضجرت سحر مختلسة نظرة سريعة لشقيقتها التي كانت تبكي بصمت رعبٍا من السكين الذي حول رقبتها مجيبة ببرود: ترددت لمجرد أن قلت لك تعال وإفتحهم لي..وأنا ضعيفة ولا سلاح لدي وأنتم ثلاثة رجال ضخام...وأيضًا أختي بحوزتكم..هل وصل بي الغباء لهذه الدرجة حتى أتحداكم.

أومئ لها متقدما منها بهدوء: جيد أنك تدركين أنه لا فرصة لك للفوز يا فتاة..فقط كوني مطيعة فقط.


غمزت له بحلاوة مرددة: أمرك أيها الوسيم.


رفع حاجبه عليها مقتربًا منها أكثر يمد كفيه لعبائتها فعاجلته بركلة ما بين ساقيه جعلته يصرخ وجعًا منحنيًا قليلاً بوضعية الركوع، لتسرع بلحظة أخرى لا تعطي لهم فرصة الإدراك أصلاً تدور نصف دورة رافعة قدمها تضربه بأقصى قوتها على رقبته أردته أرضًا بحركة رياضية قتالية جعلتي صديقيه مبهوتين.


- توقفي عندكِ.

هدر بها الأول الذي كان يحمل مسدسًا مسترسلاً بغضب بدأ يتمكن منه: كفاكِ حركة أيتها الحقيرة أو سأطلق عليكِ.


إنحنت سحر قليلاً تحمل سكين الرجل الذي وقع أرضًا مغمًا عليه، متجهة نحوه تناظره بعيون تتقد شررًا هامسة بشراسة: أولاً دعني أوقف حركة هذا الفأر.

عقدو حاجبهم بعدم فهم مبصرين سحر التي إنحنت على الرجل ترفع سكينه تغرسها بعنف بفخذة وقد تدفق شلال الدم، لترفعه مجددًا غارسة إياه بفخذه الآخر وقد حدث نفس الشيء.

فغر الشاب فاهه مرددًا بسخط: ما هذا !! هل أرسلوننا لسفاحة دماء ؟.

أطلق الآخر رصاصة إستقرت قربها كإشارة تنبيه، فإستقامت سحر وقد تدرجت أكملها بالدم تناظره بعيون متوحشة أربكته لوهلة مقتربة منه والسكين بيدها فأطلق رصاصة قرب قدمها لم ترف لها جفنًا هادرًا بها: إرمي السكين حالاً.

تراقصت بسمة شرسة على شفاهها مجيبة بفحيح: لكنني أحتاجها كي آكل كبدك أيها الحشرة.

هدر بها الآخر بعد أن بدأ الوضع يربكه أكثر خاصة مع هذه الفتاة الغريبة: ضعي السكين أو سوف أذبح أختكِ أمامكِ الآن.

حولت سحر بصرها لأختها المرعوبة فلان محياها وقد عم الحنان قلبها...فقط لو تضمن سلامتها هي..هي لا غير..صغيرتها وبرعمة حياتها النقية..فإبتلعت ريقها مرددة بثبات: هيا أقتلها ماذا تنتظر. ..في كلتا الحالتين ستفعلون ذلك لهذا لست غبية كي أثق بكم...لكن على الأقل سأضمن أنّ موتنا سيكون ميتة فخر وهيبة وشرف.

علت ثغر الأول بسمة ساخرة مرددًا: ذقت ذرعًا بكِ حقًا...وداعًا.

رفع مسدسه ناحيتها أكثر يضغط على الزناد لتغمض سحر عينيها مرددة الشهادة، ليتهادى لها صوت إطلاق نار. ..لكنها لم تشعر بشيء لتفتح جفنيها مبصرة رجل قد تلقى الرصاصة عنها وهي خلفه فركع على إحدى ركبتيه..فشهقت بخوف حين أيقنت أنه.. "رعد".


باغت أدهم الرجل من الخلف رافعا ذراعه للسماء لتنطلق رصاصة أخرى بالجو فحمله بقوة ضاربًا إياه بعنف على أرض مكيلاً له اللكمات.


أطلق زياد رصاصة على قدم الشاب الآخر الذي لم يفهم شيء فأسرعت شهد بالهروب لأختها حين خف ذراعه حولها، وقد ركض زياد له يباغته بركلة جانبية على خصره يرديه أرضًا منقضًا عليه بجيش من اللكمات المتتالية يفرغ به كل حنقه وخوفه وغضبه ووجع فؤاده على حبيبته التي كانت بهكذا موقف.

إستقام رعد متحاملاً على إصابة كتفه متجهًا لأدهم مبعدًا إياه عن الرجل، رافعًا قبضته يضربه بأقصى قوته هادرًا به بجنون: أيها الوغد توجه مسدسك لزوجتي..سأقتلك. ..سأقتلك..

حضنت سحر أختها بقوة هامسة بسعادة: حمدًا لله..حمدًا لله نجوتِ يا قلبي..

فبادلتها شهد الحضن تبكي بمرارة جراء الموقف العصيب الذي الذي أرهق أعصابها وأوهن قلبها مندسة بحضنها مبعدة بصرها عن منظر القتال والدم.


أسرع أدهم كي يوقف رعد مدركا أنه قد فقط تحكمه بنفسه هادرا يه: دعه يا رعد نحتاجهم أحياء..تمالك نفسك.

دفعه رعد بكفه السليم مزمجرًا بوجهه: لا دخل لك..هذا الحثالة والآخران سببا الخوف لزوجتي أنا..ولا أحد يدنو من حرمي ويضل حيًا.

دفع زياد الرجل الذي أغمي عليه على الأرض مشيرًا للرجال بأخذهم مع الآخر مرددًا بأنفاس سريعة: علينا معرفة من أرسلهم أولاً يا رعد هذا الأهم.

تجاهلهم رعد مزمجرًا بجنون معيدًا لكمه وقد تلطخ وجه المعني بالدم كليًا: لن أرتاح إلا بموتهم.


حاول أدهم إيقافه غير أنّ رعد لكمه هو أيضًا مزيحًا إياه عن دربه..فشتم الآخر نفسه فالواضح أنّ إبن عمه قد عماه الغضب كليًا.

إبتعدت سحر قليلاً عن شهد التي كانت مرتعبة من منظر رعد الغاضب لتتقدم منه سحر بسرعة مردفة برجاء: رعد..كفاك أرجوك.

تجاهلها الأخير متابعًا الضرب فدنت أكثر تحضنه من الخلف هامسة بتعب: من فضلك توقف..توقف نحن مرهقتين جدًا..


تصلب جسده فجأة يلهث بغضب...بجنون...بغيرة..بخوف قد أصابه...كانوا يعيشون الجحيم حرفيًا..خاصة عندما فقد إتصاله بها...شعروا ببوادر الجلطة تتملكهم...وقد توقعوا أسوء السيناريوهات أولها التحرش والإغتصاب ثم القتل..لهذا ركضوا بأقصى قوتهم متتبعين أصوات الصراخ التي كانت تصدر من حين لآخر حتى عثروا عليهم بآخر لحظة...أغمض عينيه يشعر بكفيها اللتان تمسحهما بخفة على صدره وهي تضع جبينها على ظهره: لأجلي فقط توقف..

إبتلع ريقه يشعر بناره تخمد تدريجيًا مستديرًا لها متحاملاً على وجع كتفه يناظرها وهي ملطخة بكل هذا الدم مستفهمًا بعيون مضلمة: هل لمسوكما ؟!


رسمته سحر ملأ عينيها..لماذا تشعر أنها إشتاقت لوجهه هذا !! نافية برأسها، فرفع كفه لخدها ماسحًا الدم برفق قائلاً بهسيس: هذا دمهم صحيح ؟

إبتسمت بعذوبة مومئة بنعم عاجزة عن النبس بحرف واحد، فدنى منها أكثر هامسًا بخفوت أكبر: أصدقيني القول هل تحرشوا بكما أو أي ضرر آخر ؟

رفعت كفها تتلمس خده الملتحي مرسلة له ذبذبات مربكة لسائر جسده قائلة بخفوت مماثل: الضرر موجود...لكن لهم هم وليس لنا إطمئن يا رعد فزوجتك ليست بلقمة هينة أبدًا.

إفتر ثغره عن بسمة صغيرة يناظرها بمقلتين فخورتين: من حيث هذه الناحية أنا متأكد.


دنى زياد من شهد مستفهمًا منها بقلق: شهد أنتِ بخير ؟

حولت المعنية نظرها ناحيته مومئة بنعم غير قادرة عن التوقف عن البكاء، تقبض هو بقوة حتى إبيضت مفاصله. ..يريد ضمها...صدقًا يريد ذلك عساها تطمئن دواخلها فلا تبكي مجددًا...فإقترب أكثر هامسًا بلين: أنتِ بخير الآن...رجاءًا لا تبكي والله قلبي لا يتحمل ذلك..

دنى أدهم هو الآخر تاركا الزوجين منفردين أحسن، مستفهما بلين: شهد هل أساؤو لكما بشيء...؟؟

نفت الأخيرة مجيبة بحشرجة باكية: لا. ..فقط خفنا كثيرًا وأرعبونا.

تدفق الحنان لقلب زياد هامسًا: أنت بخير الآن..وسنعود للقصر..فقط لا تبكي من فضلك.

كفكفت دموعها تناظره بعيون مرتبكة جراء نظراته تلك التي بدت غريبة لها نوعًا ما.

تقدم أدهم من سحر يضمها بقوة بين ذراعيه هامسًا براحة: متنا خوفا والله...حمدا لله..حمدا لله.

بادلته الأخيرة الحضن مقبلة جانب صدره الدافئ متنعمة بالأمان معهم لتبتعد عنه بعد لحظات مرددة بعد أن تذكرت شيئا: هناك رجل آخر لا أعرف إن كان حيا أو ميتا على بعد أمتار من هنا

أومئ لها زياد قائلا: أجل لقد وجدناه هو الأول وقد كان مغمى عليه.

لوت شفتيها هامسة بسخط: حي إذا !! ذلك الحشرة.


أحاط رعد خصرها مما سبب لها شرارات منتشرة بجسدها مرددًا: فلنتحرك.

رفعت سحر نظرها ناحيته محولة بصرها بعدها لكتفه قائلة بحنو: فلنذهب للمشفى أولاً كي نكشف على إصابتك.


أيدها أدهم بقوله: أجل فهناك رصاصة بها يجب عليهم إخراجها كي لا يتفاقم الوضع.

زفر بخفوت مشيرا لهم بالتحرك، حيث أحاط زياد كتف شهد بسترته هامسا بخفوت أربكها: يكفينا سلامتك يا صغيرة.

توردت بحياء مبتسمة برقة مختلسة نظرة سريعة له...تشكر الله أنها لازلت حية...فصدقا كانت ستشتاق له وهي ميتة !!


:
•♡•
:

مسحت جوليا دموعها تضم البنيتن لها تقبل كل مرة رأسها كلاهما هامسة بحشرجة: حمدًا لله ياارب...حمدًا لله..

إندست شهد بحضنها مستمتعة برائحتها الأمومية التي تسكن الروح وتزرع بها بوادر الأمان، حيث إسترسلت جوليا قائلة: سحر هل أنتِ متأكدة أنّ هذا الدم ليس لكِ يا ضنايا ؟

زمت الأخيرة شفتيها هامسة بتعب: والله للمرة المليون ليس بدمي يا أمي..لقد سألتموني هذا السؤال عشرين مرة.

لثمت والدتها رأسها تمسح بحنو على ذراعها محاولة قدر الإمكان أن لا تبكي مجددًا، فما إن إتصل بهم أدهم معلمًا إياهم بالخبر حتى هرعوا للمشفى مرعوبين وقلوبهم قد بلغت الحناجر، فحولت بصرها لزوجها عصام الذي كان يتحدث بالهاتف من بعيد وكان محياه مكفهرًا تمامًا، تدرك جيدًا أنه غاضب لدرجة عظيمة لكنه متمالك لأعصابه قدر الإمكان كي لا يربكهم فقط، فالذي حدث هو إعلان حرب صريح وواضح من الأعداء عليهم...لكن ما يضعفهم حاليًا ويكبل حركتهم هو أنّ لا دليل بحوزتهم ولا حجة قوية تشير لآل لقمان بالموضوع...فقط لو عثر رجالهم على ما يدينهم لما إنتظروا لحظة للهجوم عليهم بعقر دارهم.

جلست شادية بالمقاعد التي برواق المشفى وهي تردد: المهم أنّ الفتاتان بخير...حمدًا لله...ورعد إصابته ليست بخطرة..

همهمت مريم بالحمد لله هي الأخرى موجهة بصرها لزوجة أخيها الذي كان وجهها شاحبًا تضم البنتين لها كأنها تريد حفظهما بصدرها للأبد، معقبة بحنو: لقد تجاوزنا الأمر على خير دون خسائر.

أومئت لها جوليا بصمت وقد وقع بصرها على رقية وسارة ومنى اللواتي يتوجهن نحوهم، فأسرعت منى هامسة بقلق: أنتم بخير.

إستقامت شهد من حضن أمها تعانق منى التي ربتت على ظهرها تبادلها الحضن هامسة بحشرجة: جئنا فورًا حين سمعنا الخبر.

جلست رقية قرب جوليا مرددة بقلق: يا إلهي ما هذه الجرأة منهم..كيف وصلت بهم القوة كي يتحدونا جهرًا هكذا.

زفرت جوليا بخفوت تشعر بالتعب يتمرد لأوردتها: إنهم يرفعون مستوى حربهم يا رقية...هذا ليس بمبشر أبدًا.

إرتبكت مريم وشادية متخوفتين من أي فجائع قد تحدث قادما مبتلعة ريقهما بتوتر جلي، حيث أشارت رقية لهم بالصمت كي لا يقلقوا الفتيات.

- كيف حال رعد ؟

كلمات مستفهمة نبست بها سارة إسترعت إنتباه سحر، هذه الأخيرة التي وجهت نظرها لها وقد إنزوى حاجبيها تعود بذكراها لذلك اليوم حين أعلمتها سارة بحبهما هي ورعد..فهدرت بوجهها بشراسة: لماذا تسألين عنه ؟

توتر الجو فجأة حيث هزت سارة كتفيها مجيبة ببسمة بدت بريئة لكن سحر أدركت أنها ليست بكذلك أبدا: فقط نريد الإطمئنان عليه...أليس هو إبن عمي؟

تشعر بغليان فائر بأوردتها ترمقها بحدة مهسهسة بعدها: شكرًا لكِ لكن أتركي إطمئنانكِ الغبي عندكِ.

تدخلت شادية بحنو كي لا يتوتر الوضع أكثر: هو بخير يا سارة فحالته ليست بخطرة...ننتظر خروج الأطباء فقط كي يطمئنونا أكثر.

جلست سارة واضعة قدم فوق آخر ترمق سحر التي كانت ملابسها مدرجة بالدم والتي واضح عليها أنها غير مكترثة به..

إنحنت جوليا على سحر معاتبة إياه: يا إبنتي سارة إبنة عمه..لهذا لا داعي لكل هذا الإنفعال.

تقبضت سحر موجهة بصرها لوالدتها مجيبة بحنق: لا يهمني يا أمي...لا أكترث بتاتًا...ممنوع منعًا باتًا أن تسأل عنه أو أن تكلمه بحرف حتى .

قطبت جوليا جبينها مستغربة من شراستها هذه لتبتسم تدريجيًا غير أنها كبحتها موثرة عدم التدخل حاليًا حتى تتأكد مستقبلاً أفضل.

::

جلس زياد يشعر بالتعب النفسي قبل الجسدي ماسحًا وجهه بكفٍ مرتجف حنقًا ينتظر خروج الطبيب من الغرفة التي بها رعد، فلمح أدهم الذي تقدم منهم وقد كان متجهم التقاسيم متخذًا مجلسًا قربه متكئًا على الجدار بصمتٍ تام، إنزوى حاجبي زياد أكثر مستفهمًا: هل أُخضعوا للتحقيقات أو ليس بعد ؟

نفى أدهم مرددًا بخفوت: لازال...فهم تحت الرقابة الطبية لأن كلهم مصابون..أخبرونا أن نصبر قليلاً كي يكونوا بوعيهم الكلي.

أومئ له زياد بتفهم مهسهسًا: أولائك الأوغاد...صدقًا لم أشبع من ضربهم.

تقبض أدهم هامسًا بشماتة: أحدهم فقد بصره بإحدى عينيه...يبدو أن سحر أجادت الطعن حقًا.

حول زياد نظره لأخته التي بدت ساكنة بطريقة مريبة وقد إبتسم بفخر: بنت آل سلطان عن حق.

وجه أدهم بصره ناحية أخيه متسائلاً: ما خطبك صباحا..أخبروني أنك رفضت مقابلة أي أحد ؟

كور زياد قبضته مختلسًا نظرة سريعو لشهد مجيبا بصوت مهتز: ليس وقت الحديث.

إضطرب قلب أدهم قلقًا على أخيه مستفهمًا بجدية محضة: ما بك ؟!

أجاب زياد بعصبية مكبوتة: نحن بالمشفى الآن يا أدهم..سأعلمك لاحقا رجاءًا لا تضغط علي.

::

أغلق عصام الهاتف بعد أن قام بعدة إتصالات بقادة الشرطة والمحققين الذين ينتمون لعشائرهم، فهو لن يهدأ له بال حتى يثأر لبناته...فقط لو يعثروا على خيط واحد يوصلهم لعدوهم...حينها تبًا للرحمة وللتسامح..بوقتها لن تكون إلا لغة الدم.

رفع كفه المرتعش من الغضب لما بين عينيه يضغط هناك بوهن نفسي، يستغفر بسره مستعيدًا صبره وتحكمه بذاته كي لا تخرج الأمور عن سيطرته جراء أي فعل غير محسوب منه.

- إجلس بني كفاك وقوفًا.

إسترعى إنتباهه كلمات أبيه الذي كان طوال الوقت صامتًا متكئًا على عكازه وهذا غير مبشر نهائيًا...فوالده إن وقعت مصيبة وكان هنا صامتًا ببدايتها فهذا يؤكد أنّ هناك أبوابًا كانت مغلقة ستفتح، فزفر بتعب جالسا قربه مرددًا بجدية تامة: أبي أتوسلك سوف أتصرف أنا..

تجاهله جاسم متابعًا تأمل البنات من بعيد بعيون مبهمة، فمسح عصام وجهه بحركة عصبية مكررًا قوله: أبي قلت لك أرجوك.

أشفق فؤاد الذي كان متكئًا على الجدار على أخيه الأكبر متدخلاً: أبي من فضلك دع الأمر لنا..

أيده خالد بقوله هو الآخر: معه حق يا أبي...فقط دعنا نتأنى في عملية التحقيق.

رمقهم جاسم بنظرة نارية تومض خطرًا مرددًا بصرامة أبوية مخيفة: بناتنا كانت بقلب الخطر...وشرفنا كاد أن يدنس لولا ستر الله وبعد كل هذا تطلبون مني الهدوء وعدم التدخل.

ردد عصام بصبر متفهمًا لما يكابده أباه من غيرة وغضب بالآن ذاته: لن نتحرك دون دليل قوي يا أبي..هذا ضلم ولست أنت من علمنا الضلم والجور على خلق الله.

إقترب فؤاد منهما أكثر يقول بشك: هل سنهجم على عائلة لقمان..هل هذه نيتك يا أبي ؟!

إحتار خالد معقبًا بهدوء: نهجم هكذا دون دليل قوي...فلنتأكد من إعترافات الرجال الذين قبضوا عليهم وبعدها نتصرف أحسن.

أيده عصام بقوله: لن ندخل حربًا دون دليل يا أبي...فالشك لوحده ليس بحل حكيم ونحن لن نضلم أحدًا.

ضغط جاسم على عكازه بقوة أكبر متحاملاً على غضبه الداخلي قائلاً بلهجة حادة تنضح غضبًا أسودًا: لا أحد غيرهم لديهم الجرأة لتحدينا هكذا...هم بأول القائمة...فداوود سيحاول إستفزازنا كي يكون إعلان الحرب منا نحن أولاً.

فك عصام مقدمة قميصه بعصبية: لسنا متأكدين أنه هو أساسًا...فقد بدى الأمر مخالفًا لكل حركاته السابقة.

تصلبت نظرة جاسم وجمدت ملامحه حينما نوه: نفس حركته الحقيرة التي إعتمدها قبل عقدين...لن يتغير بتاتًا..فقط يطعن بالظهر بدلاً من المواجهة المباشرة.

شعر عصام ببرودة تخترقه فجأة متفهمًا مقصد أباه فتشنج فكه غضبًا يدعو ذاته للتحلي بالصبر...ثم الصبر...

::

إرتكزت سحر على ركبتيها تغمض عينيها بقوة مبتلعة ريقها...رافعة كفيها لوجهها تتمالك ذاتها بجهد كبير.

- صغيرتي هل أنتِ بخير ؟

تنبهت لها جوليا مستفهمة منها بقلق، فنفت سحر برأسها مستقيمة من كرسيها تحاول أخذ تنفسها لتسقط على ركبتيها تشهق عدة مرات...فأسرعت لها والدتها برعب مكررة تسائلها الخائف: بنيتي ماخطبكِ..ما بكِ ؟

تبنه أغلبهم للوضع الراهن، فأسرع أدهم وزياد لها يجثون على ركبهم أمامها محاولين فهم الخطب..فأبعدتهم عنها هامسة: أريد هواء...هواء.

هدر بهم أدهم بقلق بدأ يتسرب له لحالها المنقلب كليًا: أتركوها تتنفس.

أزاحهم زياد برفق مرددًا بإرتباك جلي: حسنًا ما بكِ !؟

إستقامت سحر تشعر بغليان فائر بأوردتها...هناك نار تضرم بصدرها...وصور ما تعرضت لها هي وأختها يقتحم ذكراها مجددًا بدفعة أعنف...

إبتعد الجميع عنها قلقًا عليها، فذرفت شهد دموعها تتأملها وهي بهذا الإنفعال الذي بدأ ينفلت من تحكمها الذاتي، لتبدأ سحر سيرها بالرواق ذهابًا وإيابًا، تشعر بالضغط يجثم على صدرها وكأنّ هناك قوة عظيمة على وشك الإنفجار.

رفع زياد كفيه مرددًا بهدوء مقدرًا ثوران أخته اللحظي: سحر حبيبتي إهدئي...حسنًا...كل شيء بخير.

تسارعت أنفاسها وقد إرتجف كفيها والغضب بداخلها يتعاظم مرة أخرى معلنًا إشتعال مراجله بكيانها...

إرتبكت جوليا وقد قفرت نبضاتها خوفًا و ترقبًا لحال إبنتها المقلق فهمت بالتدخل غير أنّ أدهم أشار لها بالعكس، متقدمًا هو منها حريصًا على أن لا يضغط عليها قائلاً: سحر صغيرتي.. أختكِ بخير..أنظري لها..هي بخير تمامًا والحمد لله...إهدئي فقط...سيكون كل شيء بخير.

نفت برأسها تشعر بالإختناق الشديد، كأنّ قيودًا من النار تكبلها داخليًا...فمدت كفها مغمغمة بوجهٍ شاحب: هواء...أريد الهواء...

أبعدهم عصام عنها بعد أن تفطن لما يجري ممسكًا كفها هامسًا بحنان رغم رجفة صوته: تعالي معي يا قلب أبيكِ..

تحركت معه تسير بسرعة بمحاذاته تدلف معه للمصعد، فإزداد شحوبها أكثر وقد كوب هو وجنته قائلاً بدفئه المعتاد: ثواني فقط تحكمي في ذاتكِ...حسنًا..سوف نصعد لسطح المشفى وأفرغي شحناتكِ هناك...قومي بالعد للعشرة يا قلب أبيكِ.

أومئت له الأخيرة متمسكة بذراعيه وقد تعانقت عينيها مع عينيه التي تشعان حبًا وحنانًا و أبوةً و تفهمًا تعد من واحد للعشرة...ليفتح المصعد بعد لحظاتٍ وقد دفعها والدها برفق كي تتوغل على السطح...فأسرعت هي تسقط على الأرض ترتكز بكفيها على الأرض تبكي بهستيرية و قد تعالت شهقاتها...تلاحق ذرات الأكسجين...بأنفاس متسارعة...بقلبٍ خافقٍ غاضبٍ...بفؤادٍ ممزقٍ موجعٍ نازفٍ..تبكي لحظات ضعف أرعبتها على أختها قبل نفسها...على شرفها قبل حياتها...على ضلم تعرضت له وذاقت مر علقمه.

غامت عيني عصام شاعرًا بالقهر يدمي جوارحه لمنظر صغيرته الذي ذبحه كليًا، مكورًا قبضته بقوة حتى إبيضت مفاصله، فتقدم منها جاثيًا على ركبتيه جاذبًا إياها بحنو نحو صدره يمنحها الفرصة الكاملة كي تفرغ إرهاصات الموقف العصيب الذي تعرضت له مع أختها، يمسح بكفه على ذراعها هامسًا بصوتٍ هارب: إبكي كما تشائين يا إبنتي لكِ كل الحق بذلك.

تعالت شهقات سحر تقبض بقوة على سترته مرددة من بين بكاءها المرير: لقد وضعوا السكين على رقبة شهد يا أبي...تخيل كانوا سيذبحونها !!..أختي تتعرض لهكذا موقف..والله مت حينها..مت يا أبي...إلا شهد..إلا هي...

لثم أعلى رأسها متفهمًا ما تكابده داخليًا، فإسترسلت هي تبث شكواها لأباها واضعة جبينها على صدره تبلل قميصه من فيض مدمعها: كاد أحدهم أن يعتدي علي يا أبي...كنت سأموت بلحظتها إن لمس شرفي.

تصلب عصام بغتةً وقد إخترقته برودة صقيعية جعلت جسده يشل كليًا بفعل الصدمة، ليبتلع ريقه وقلبه يعاني إختلاجات الأبوة النازفة لما عانته بنتيه بلحظاتٍ كان هو بعيدًا عنهما، فرفعت سحر رأسها ناحيته تناظره بعيون شرسة مصرحة بهسيس: لكن أتعلم أمرٍا يا أبي...لقد غرست السكين بظهره و بعينه...ذلك الوغد الحشرة..والآخر طعنته عدة طعنات بفخذه...الدم هو الحل الوحيد مع هكذا بشر.

إفتر ثغر عصام عن بسمة فخورة محتويًا خديها بين كفيه مرددًا بصرامة: هذه هي لبؤتي. ..شرسة ولا ترحم..الله وحده يدرك كم أنا مزهو بكِ يا إبنتي...لا تركني للضعف بتاتًا...إياكِ أن تكوني لقمة سائغة يا سحر..إياااكِ..

تلجلجت رافعة كفها لوجهه الحبيب تشعر بالألم لحال أباها الذي كان يخفي إنفعالاته الداخلية ببراعة تامة..لكنها مدركة تمام الإدراك أنه ينزف بأعماقه، فهمست بحشرجة باكية: سامحنا يا حبيبي. ..حقكم علينا أنت وأمي للرعب الذي أصاب قلبكما.

رقت معامله لاثمًا جبينها هامسًا بنغمة حانية: بل سامحونا أنتم...أنتِ وشهد مررتما بموقف عصيب يا قرة عيني...حاربتم لوحدكم ونجحتم بالإختبار عن جدارة...والحمد لله ما خيبني الله فيكم.

لفت سحر ذراعيها حول رقبته هامسة ببكاء مرير: يا قلبي...حمدًا لله عدنا كي نروي أرواحنا من حنانكم هذا...

قبل عصام كتفها هامسًا بأذنها بوعدٍ صادق نافذ: عهد علي أن نقتص لكم ممن فعلوا هذا يا إبنتي...وعهد الرجال لا يخلف أبدًا.

:
•♡•
:

فتح هاني باب الحمام يجفف شعره بالمنشفة يشعر بالإنتعاش بعد تعب السفر الذي أصابه، يرمق سهام التي كانت تخرج الملابس من الحقائب الموضوعة فوق السرير... فإرتفعت زاوية شفتاه ببسمة ساخرة مرددًا: هل تجهزين لي الملابس كي أرتديها يا زوجتي المطيعة.

ناظرته سهام فتوسعت عينيها حين لمحت جذعه العاري ولا يحيط خصره غير منشفة، فتخضبت وجنتيها مشيحة بمحياها عنه وقد بدأت طبول قلبها تقرع بقوة..

تقدم منها رافعًا حاجبه عليها متهكمًا بقوله: هل أصبحتِ صماء يا سهام.

تابعت إشاحتها عن مرآه مواصلة إخراج الملابس من الحقائب بطريقة عشوائية مجيبة بنبرة مهتزة: ااا نعم...أقصد سأضعهم بالخزانة أفضل.

دنى منها مزيحًا حقائبه من يديها مرددًا بحدة: لا تلمسي مقتنياتي...لا أريد ان تلوثيها بيديكِ تلك.

غامت مقلتيهت تسبحان بالألم متظاهرة بالجمود وهي تجيب: كما تريد.

فأنزل حقابه من السرير لتسقط حقيبتها هي وقد تناثرت بعض حاجياتها، فأسرعت هي منحنية كي تجمع ما سقط، حيث إنزوى حاجبيه منحنيًا هو الآخر يحمل منديلاً ما..ليضيق عينيه وقد علا الإستهجان محياه متسائلاً بإستغراب: أليس هذا منديلي السابق !!

تخشب سهام بجلستها ترفع نظرها لما يقصد فشحبت حين لمحت ما يقصد عاجزة عن النبس بحرفٍ واحد، فإتقدت فيروزيته بغضب عارم مكررًا تسائله الحاد: لماذا هو معكِ ؟! ماذا تهدفين من إحتفاظكِ به ها ؟!

تلجلجت هي مرتبكة هامسة بإرتباك: لا أعرف..

أمسكه بكلتا كفيه ممزقًا إياه بعنفٍ هادرًا بها بقهرٍ...بعشقٍ عذب فؤاده: هذا سخف...من هم مثلكِ لا حق لهم في الإحتفاظ بذكرياتٍ نقية كهذه.

إرتدت للخلف مجفلة من غضبه الجنوني الذي يتراقص بعينيه، تشعر بجرحها يزداد تقرحًا ونزفًا وبصرها معلق بالمنديل الذي مزق وتناثر على الأرضية بكل قسوة هدمت صرح فؤادها المحب، فإزدرت ريقها متسلحة بكبريائها مقاومة ألم قلبها وهي تحجم قدر الإمكان دمعاتها كي لا تنساب مجيبة : جيد..أساسًا كنت سأرميه بالقمامة حالما نصل لهنا.

قبض على فكها بعنف مزمجرًا بها: كان عليكِ رميه يوم فكرت بالطعن بالظهر أيتها الخسيسة وليس الآن.

دفعته عنها متظاهرة بالقوة مجيبة: نسيت فقط..لا داعي لتكبير الأمر.

فتحركت بعدها بسرعة للحمام تهرب منه...من القهر الذي بعيناه...تفر من عذابه هو قبل عذابها هي..فقط فليسامحها وليغفر لها ما تجرعه بسببها..تاركة هاني الذي ركل الحقيبة بأقصى قوته وقد إرتطمت بالمنضدة بعنف.

:
•♡•
:


فتح الباب فدلفت سحر وعصام بعد أن أعلمهم الطبيب بأنّ المصاب بخير ما يرام ويمكن رؤيته، فلمحت التجمع الذي حوله، حيث كانت جوليا منكبة عليها تقبله بمشاعرها الأمومية وهي تقول: يا قلب أمك أنت..يا ضنايا الغالي.

إفتر ثغر رعد عن بسمة حانية يمسك كفها بيده السليمة لاثمًا ظهره بحب يخصه لها فقط مرددًا بهدوء: أنا بخير كما ترين... إطمئني.

مسحت خده بمحبة معقبة بحشرجة: الحمد لله...الحمد لله ما خيبكم يا أولادي..

هتف جاسم بصرامة: دعيه يا جوليا فقد خنقته بمشاعركِ تلك يا إمرأة.

عبست الأخيرة فتقدم منها عصام لينحني هو الآخر على رعد مقبلاً جبينه بأبوه دغدغت جوارح رعد قائلاً: حمدًا لله على سلامتك يا ولدي.

أومئ له رعد بإمتنان موجهًا بصره لسحر التي دنت منه وقد توردت جراء نظراته الغريبة، لتقف قرب سريره تتأمل حامل الذراع كان يرتديه كي لا يتأثر كتفه بأي حركة من ذراعه، فإرتبكت هامسة بخفوت: كيف حالك ؟

رفع نظره لها يرمق وجهها المرهق..لكنه رغم تعبه ذاك و شحوبه اللحظي إلا أنه جميل كعادته، فأجاب: حمدًا لله...وأنتِ ؟

إهتزت لازورديها متلمسة كتفه برفق وقد تعانقت عينيها لهنيهة أجابت هي خلالها: لست أنا التي إخترقت الرصاصة كتفها.

طفت بسمة خفيفة على شفاهه لم يلمحها غيرها، فإسترسلت هي بتسائلها القلق: هل..هل تتألم ؟

نفى مجيبًا بقوله: أبدًا.

غامت عينيها تشعر بتأنيب الضمير وهو بهكذا وضع بسببها...بعد أن حماها بنفسه...فإبتلعت ريقها و بصرها يتحرك بتأن على سائر وجهه: آسفة.

ناظر التجمع الذي كانوا يتبادلون الكلام فيما بينهم تاركين لهما فرصة الحديث فحول هو بصره ناحيتها قائلاً بهدوء: لا ذنب لكِ...أنتِ زوجتي يا سحر..زوجتي إفهمي، وهذا واجب علي.

إبتسمت برقة وقد أشرق محياها لعذوبة بسمتها تلك تناظره ملأ عينيها بطريقة أربكته فجأة وهي تقول: أتعلم أمرٍا...اليوم ذكرت إسمي مرتين وهذه أول مرة تناديني بإسمي الحقيقي منذ أن تقابلنا.

قطب جبينه مستفهمًا بإستغراب: بماذا كنت أناديكِ إذٍا ؟!

هزت كتفيها مجيبة بضحكة خفيفة: عدة ألقاب..مثلاً لعنة حياتي..كابوس..بلوة حياتي..وغيرها.

كبح بسمته من الظهور مبادرًا بتسائله: ماذا تفضلين ؟

قهقهت بحلاوة: حسنًا عندما تكون غاضبا ستبدع بألقابك تلك..وحين تكون جادًا ستناديني بإسمي الحقيقي.

أومئ لها مرددًا بهدوء: إذا تعترفين أنكِ تجعلينني طوال الوقت غاضب.

وضعت كفها على ثغرها تكتم ضحكتها مجيبة: أبدًا أنا ملاك بريئ.

أومئ لها ببطئ مسايرًا لجاذبيتها تلك قائلاً: طبعًا أنتِ كذلك..

إنحنت جوليا على عصام مستفهمة منه: كيف حالها الآن ؟؟

تنهد زوجها محيطًا خصرها بذراعه مصرحًا: أفضل..كان عليها أن تخرج كل الضغط الكبير الذي تكبدته اليوم والحمد لله عادت لطبيعتها ما إن أفرغت تداعيات الموقف السلبية التي تراكمت بداخلها.

همهمت جوليا بالحمد، حيث تهادى لها صوت مريم القائل: سحر ما رأيكِ أن تعودي للقصر للإستحمام وتغيير ثيابكِ الملطخة تلك.

نفت الأخيرة مرددة: لن أعود دون زوجي.

تفاجئ رعد لوهلة غير أنه عقب بقوله: لا بأس عودي وإرتاحي وأنا سوف أعود مع عمي عصام.

نفت سحر بقولها الحاد: أبدٍا..قدمي مع قدمك.

كتمت جوليا بسمتها تضرب خصر عصام برفق هامسة بخفوت: أنظر هما ظريفان جدًا.

عاتبها الآخر بجدية: للمرة الألف كفاكِ مراقبة لهما يا إمرأة.

عبست الأخيرة مبرطمة بكلمات غير مسموعة كأنها تدافع عن نفسها، في حين كان عصام ينتظر إتصالاً مهمًا من ولديه اللذان غادرا المشفى بعد أن أرسلهم لجلب بعض المعلومات.

:
•♡•
:


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء
تعليقات