رواية بوتقة الحب الفصل الثلاثون 30 بقلم هدير الصعيدي
الفصل الثلاثين
كانت تدور بغرفة المكتب كالنحلة , تنظر بساعة يدها في كل لحظة وتخصه بين الحين والآخر بنظرات غاضبة , كان يلمحها ويتجاهلها وهو يمسك بيده إحدى الكتب يقرأها في هدوء أثار غضبها , اقتربت منه حتى وقفت أمامه لتهتف بغضب
- افتح لي الباب
نظر لها ولم يعلق وعاد ينظر بالكتاب بيده يقرأه في هدوء , سحبت منه الكتاب في غضب قائلة
- أنا أُحادثك تميم
نظر لها قائلًا باستنكار من فعلتها
- أعيدي الكتاب
أعطته له بضيق قائلة
- هيا افتح لي الباب
هتف بجدية
- لن أفتحه حتى يغادر منتصر
ضربت الأرض بقدمها قائلة بانفعال
- أريد رؤية نهال .. أخشى أن يفعل بها شيئًا
هتف بهدوء
- هو زوجها فيروز .. ولقد وافقت بإرادتها أن تراه
ضيقت عينيها قائلة بضيق
- أنت من أجبرتها على ذلك
هتف بهدوء
- لم أجبرها على أي شيء .. لقد وافقت بملء إرادتها
نظرت له فيروز بغيظ فلم يهتم لنظراتها وأكمل القراءة فعادت تدور بالغرفة , لم تمر سوى دقيقتين واقتربت منه من جديد قائلة برجاء
- أنا خائفة تميم .. رجاءً قدر حالتي ودعني أصعد لنهال
ضيق عينيه متسائلًا بنفاذ صبر
- لماذا تثرثري دون توقف ؟ .. اسمعي الكلام دون مجادلة
نظرت له بضيق ثم جلست على الأريكة تهز ساقها فعاد يقرأ الكتاب من جديد , ظلت تنظر تجاهه وهو يتجاهلها تمامًا حتى تساءلت بضيق
- هل ستظل تقرأ بهذا الكتاب طيلة اليوم ؟
لم يعلق على حديثها فهتفت باسمه في ضيق ليُغلق الكتاب متسائلًا بضجر
- ماذا !!
فركت يديها قائلة بتوتر
- تحدث معي فأنا مالة ولا أجد ما أفعله .. حتى هاتفي بالغرفة ولم تدعني أُحضره
هتف بهدوء أثار حنقها
- لا يوجد لدي ما أتحدث به .. تحدثي أنتِ إن أردتِ ولكن لا تثرثري كثيرًا
نظرت له بضيق قائلة وهى تشيح بوجهها بعيدًا عنه
- لن أتحدث كي ترتاح
هتف بهدوء وهو ينظر لفعلتها ببرود
- كما تريدي
كاد الغيظ يلتهمها من هدوءه , نظرت له فوجدته يعبث بهاتفه مبتسمًا فتساءلت باهتمام
- ماذا تفعل ؟
هتف بابتسامة وهو ينقر بأصابعه على شاشة الهاتف بسرعة
- أُحادث أحدهم على الواتس أب
رفعت حاجبها قائلة بضيق
- حقًا ؟!
لم يعلق فتساءلت بفضول
- من تُحادث إذن ؟
لم يجيبها مباشرةً , بل ظل صامتًا بضعة ثواني قبل أن يرفع رأسه وينظر لها قائلًا ببرود
- هذا ليس من شأنكِ
لمح الغيظ والغضب يتصارعان فوق ملامحها قبل أن تهتف بغضب
- أنا المخطئة بسؤلك .. لا أريد أن أعرف .. كنت فقط أفتح حوارًا معك لأنني مالة
لم يعلق وعاد ينظر بهاتفه لتظهر الابتسامة على ملامحه من جديد فزاد غضبها , ظلت تهز ساقها بعصبية , كاد فضولها يلتهمها لمعرفة من يُحادث فنهضت فجأة تقترب منه بخطوات متمهلة , حاولت التطلع لشاشة هاتفه فلمح فعلتها ليُغلقه وينظر لها متسائلًا بهدوء
- هل تريدي شيئًا ؟
تساءلت بضيق
- لمَ أغلقت شاشته ؟
اعتدل بجلسته متسائلًا باستغراب
- أنا من يريد أن يعرف لمَ تهتمين بمن أُحادث ؟ .. بل وتنهضي كي ترى بنفسك هذا ؟!
ارتبكت لتهتف بتوتر
- لقد أخبرتك أنني مالة وأنت تمسك بهاتفك وابتسامتك تتسع كل لحظة فنهضت كي أرى من وراء تلك السعادة .. لا لم أقصد رؤية من تُحادث .. كنت ......
صمتت وهى تشعر بالغباء من حديثها , أولته ظهرها في ضيق بعض اللحظات قبل أن تستدير وتنظر له متسائلة بضيق
- تميم لمَ تعاملني بجفاء ؟
ردد كلمتها باستغراب
- جفاء !!
أومأت برأسها قائلة
- بلى .. لا أعلم لمَ تعاملني بتلك الطريقة .. ألم تُخبرني أنك ...........
قطع حديثها طرقات على باب غرفة المكتب فنهض تميم متسائلًا عن هوية القادم لتخبره الخادمة بهدوء أن السيد منتصر قد رحل قبل دقائق ففتح الباب واستدار قائلًا لفيروز
- اخرجي إن أردتي .. لقد أخبرت الخادمة أن تأتي ثلاث أيام بالأسبوع كي ترتب المنزل وتُعد الطعام كما كانت بالسابق قبل زواجنا .. أخبريها بما تحتاجي
على الرغم من هدوء كلماته إلا أنها أحدثت فيضانًا كبيرًا من المشاعر التي ضربتها مرة واحدة وكان أبرز تلك المشاعر هو الخوف.
عاد يجلس كما كان فاقتربت منه لتتساءل بتردد
- لمَ أعدت الخادمة تميم .. ألم تُخبرني أنك تود مني أن أُعد أنا الطعام من قبل .. كنت ترفض إعادتها
نظر لها متسائلًا بتهكم
- وهل أعددتيه كما طلبت منكِ ؟
ظهر الحرج على ملامحها لتهتف بتوتر
- لقد حاولت .. ولكني لم أستطع فأنا لم أعتاد على الأمر .. يمكنك مساعدتي كما كنت تفعل ما رأيك ؟
نظر بعينيها قليلًا قبل أن يهتف بهدوء
- لم أعد أُريد فيروز
شحب وجهها وشعرت وكأن دلوًا باردًا قد انسكب فوقها فجأة لتتساءل بتوتر
- ما الذي لم تعد تُريده ؟ .. ماذا تقصد ؟
شعر بغصة في صدره وهو يجد الخوف مرتسمًا على ملامحها وشحوب وجهها الواضح ولكنه غاضب منها بل ينزف قلبه ألمًا لفعلتها وحديثها الذي لم يتوقف لحظة عن التفكير به , هو يتحدث معها مُجبرًا لأجل تلك الظروف التي أُرغموا على التواجد بها وإلا كان أغلق بابه على نفسه كي يستعيد نفسه التي أهدر كرامتها كثيرًا وقلبه الذي ينزف بلا توقف.
أمسك بكتابه وفتحه قائلًا بهدوء
- اصعدي كي تري نهال .. ربما تحتاج منكِ شيئًا
أدمعت عينيها وهى تشعر بقلبها يؤلمها فهتفت بحزن
- تميم هل ..........
قاطعها قائلًا بهدوء على الرغم من عاصفة الحزن التي تجثم فوق صدره بتلك اللحظة تحديدًا
- اصعدي فيروز
********
من وُصم بالشر لا يُرى سوى بذلك , وهو وُصم بالشر منذ زمن بعيد وما إن أراد أن ينزع عنه رداء الشر ويلبس ثوبًا آخر صفعته الحياة بموتها , وكأن الشر أبى ألا يتركه يهنأ ويكون إنسان آخر!
لقد بات قاتلًا , هو لم يقتلها مباشرةً ولكنه دفعها دفعًا خلف هذا الأمر , كيف له أن يحيا الآن , كلما نظر بعيني عمه شعر أنه على حافة الإنهيار , ليته يستطيع التخلص من هذا العبء.
لقد بات يتصدق عنها كل يوم , وقام بإطعام الكثير آملًا أن يتقبل الله منه.
اعتدل على المقعد ينظر لآدم الذي تساءل بابتسامة
- آمل أن نبدأ اليوم فالمرة السابقة رفضت أن تتحدث بالأمر ورحلت سريعًا
هتف مزمل بوهن
- أنا أخشى الاعتراف بالأمر .. أخشى ألا يسامحني الله .. أخشى إن علم عمي بالأمر أن يصيبه مكروه .. زوجة عمي التي باتت في حالة سيئة منذ رحيل دليلة كيف لي أن أُخبرها أنني المسئول عن وفاة ابنتها
اتسعت عيني آدم قليلًا فهتف مزمل بحزن
- حتى أنت ظهرت الصدمة على ملامحك فماذا سيكون رد فعلهما .. كيف سأخبرهما أنني من قتلت دليلة
تساءل آدم بهدوء
- كيف قتلتها وهى كانت مريضة بالمشفى ؟
نكس مزمل رأسه قائلًا
- لقد انتحرت دليلة .. ألقت بنفسها من الشرفة
تساءل آدم بهدوء
- إذن كيف قتلتها ؟ .. أنت لم تفعل شيئًا مزمل
هز مزمل رأسه يمنة ويسارًا قائلًا وقد اغروت عيناه بالدموع
- أنا السبب بكل شيء حدث لها .. أنا الشيطان الذي دمر حياة فتاة بريئة لم تفعل شيئًا سوى أنها أحبتني ووثقت بي فدفعتها دفعًا نحو الهاوية دون شفقة
رفع رأسه ونظر لآدم متسائلًا بحزن
- هل من هو مثلي يستحق أن يحيا ؟ .. هل من قتل البراءة يستحق فرصة أخرى .. لقد قتلتها بدم بارد ولم أستطع إصلاح ما قمت به .. ما قمت بحياكته مكرًا وخبثًا لسنوات أردت إصلاحه في عدة أشهر ضئيلة ولكني لم أستطع ذلك وجاءت النهاية سريعًا بموتها
نظر له آدم بشفقة ولكنه لا يفهم كيف يُحمل نفسه ذنب موتها , ماذا فعل !!َ
تساءل آدم بهدوء
- لمَ تُحمل نفسك كل هذا الألم مزمل ؟
تساقطت الدموع فوق وجنتيه ليهتف بحزن
- لأنني أستحق هذا وأكثر بكثير .. لقد دفعت دليلة للإدمان وقد حاولت الانتحار بسببي .. لقد أوقعت بينها هى وعمي حتى ساءت الأمور كثيرًا وبعد أن كانت تحتل منصبًا كبيرًا بالشركة طردها عمي شر طردة .. وعلم عمي بأمر إدمانها بعد ذلك ودلفت حينها للمشفى كي تتعالج وظننت أنها مسألة وقت لا أكثر وتُشفى لتخرج وأُعوضها عن كل شيء ولكنها أنهت حياتها من جديد وتلك المرة لم تنجو بل رحلت
صمت لحظات قبل أن يهتف بحزن ومازالت دموعه تتساقط
- أشعر أنني سيئ .. وأن بداخلي شرًا لا نهاية له .. كلما حاولت تنظيف قلبي من هذا الشر يمتلىء به من جديد .. منذ أتت كلثم للشركة وأنا أشعر بأن هناك من سيسلب مني كل شيء مجددًا .. فشعرت بالغضب منها ولكني حاولت أن أُسيطر على هذا الشعور بداخلي .. حاولت ردعه قدر استطاعتي ولكني لم أستطع التخلص منه .. أنا لا أريد أن أحيا بهذا الشر .. أريد أن أكون شخصًا جيدًا .. لا أكره أحد .. أشعر بالغضب الشديد من نفسي ومن عدم قدرتي على التخلص مما بداخلي
هتف آدم بابتسامة هادئة
- كونك معترف بأنك أخطأت أكبر دليل على رغبتك الحقيقية بالتغير .. اعترافك بأن هناك شرًا بداخلك تود الخلاص منه والبدء من جديد دليل على أنك لست سيئًا مزمل .. وليطمئن قلبك قليلًا أنت لم تقتل دليلة كما تظن .. لقد أخطأت خطأ كبيرًا ولكنك لم تقتلها .. لقد ندمت وحاولت إصلاح ما قمت بإفساده وهذا أيضًا دليل على أنك لست سيئًا .. نحتاج لجلسات عديدة ولكني أريد منك أن تستعين بالله أولًا وتتوب إليه توبة صادقة ثم تتحلي بالقوة والشجاعة كي تُكمل لتكون إنسان آخر وأنا سأساعدك بإذن الله
نظر له مزمل بأمل ليتساءل آدم بابتسامة
- هل تعدني أنك ستستمر بالجلسات مزمل ؟
أومأ مزمل قائلًا بصدق
- أعدك
********
لم تستطع النوم طيلة الليل من كثرة التفكير , ظلت تتقلب في الفراش حتى سمعت أذان الفجر فنهضت تُصلي وتبحث عنه فوجدته جالسًا بالشرفة يقرأ بمصحفه فآثرت أن تتركه على راحته فاستدارت متوجهة للغرفة من جديد , ولكنه كان قد انتبه لها.
خلعت اسدالها واستلقت فوق الفراش رغبة في النوم وما هى سوى دقائق وراحت في سبات عميق لم تستيقظ منه سوى على صوت زين الغاضب , فتحت عينيها بصعوبة ولكن مع ارتفاع صوته اعتدلت تنظر باستغراب للخارج حيث يصلها صوته الغاضب , أزاحت الغطاء ونهضت ترتدي خفها المنزلي ثم توجهت حيث صوته لتجده واقفًا بالمطبخ يتحدث بالهاتف غاضبًا , انتبه لها فابتلعت ريقها بتوتر , أنهى المكالمة ووضع الهاتف فوق الطاولة الصغيرة في عصبية , اقتربت منه في تردد قبل أن تتساءل باهتمام
- ألم تغفو ؟
هز رأسه يمنة ويسارًا فتساءلت بتردد
- هل أُعد لك شيئًا تتناوله ؟
هز رأسه من جديد ثم خرج من المطبخ قائلًا
- سأغفو قليلًا
نظرت في أثره بحزن فهو غاضب منها وأيضًا من المكالمة التي أتته ولا تعلم عنها شيء!
لحقت به فوجدته واقفًا أمام نافذة الغرفة يتطلع للشارع فاقتربت منه متسائلة باستغراب
- ألم تقل إنك ستغفو ؟
نظر لها بضيق قائلًا
- هل تراقبيني منال !
شحب وجهها وانتبه هو لخطئه فأغمض عينيه غاضبًا من نفسه ثم ما لبث أن فتحهما قائلًا بأسف
- أعتذر منكِ مزاهر .. أنا لم أقصد .. ولكن تلك المكالمة .......
قطع حديثه وهو يلمح الدموع التي ظهرت بعينيها فهتف بضيق
- مزاهر لا تُكبري الأمور هكذا .. لقد أخطأت فقط بسبب المكالمة .. كان هذا شقيق منال من والدتها ولم يكن يسأل عن منال مطلقًا وكانت أمنية منال أن تنشيء ملجأ للأيتام وقد أخبرت شقيقها بهذا الأمر مسبقًا وعرضت عليه أن أقوم بشراء نصيبه في قطعة الأرض التي ورثاها سويًا ولكنه يرفض رفضًا قاطعًا والآن يُخبرني أنه سيبيع الأرض بثمن كبير .. ثلاثة أضعاف ما أعرضه عليه وتشاجرنا
لم تعلق على حديثه , كل ما كان يدور بعقلها وهى تسمع حديثه هو تفكيره الدائم بمنال وما كانت تتمناه , تساقطت دموعها رغمًا عنها لتهتف بحزن
- كل ما تفكر به هو منال فقط .. ماذا كانت تتمني منال .. ماذا تُحب منال .. زيارة قبر منال .. التصدق عن منال
عقد حاجبيه باستغراب لما تتفوه به لتتساءل بحزن
- أين مزاهر بحياتك زين ؟ .. ألا تُفكر بي ولو مرة واحدة .. ألا تهتم لما أُحبه أنا .. ألا تهتم لمشاعري أنا !
هز رأسه بغير تصديق ليتساءل بصدمة
- هل تغضبين من اهتمامي بمنال !! .. منال التي رحلت عن الحياة !! .. هل تغارين مما أفعله لها وهى غير موجودة .. لا أصدق ما تتفوهين به حقًا مزاهر
صمت ثم تساءل ببعض الغضب
- ألا أهتم بكِ مزاهر ؟ .. ماذا تريديني أن أفعل ولم أفعله !
تساءلت ببكاء
- وهل كنت تسأل منال عما تريد .. أم تفعل ما تعلم أنها تريده .. هل تعرف لمَ ؟
لم يُجيبها ولم تكن تنتظر إجابته , هتفت بقهر
- لأنك كنت تُحبها .. ومن يُحب يعلم ما يسعد حقًا حبيبه .. وأنت لم تُحبني
مرر يده في شعره قبل أن يهتف بانفعال ويبتسم بسخرية من الحديث بأكمله
- لا أصدق ما نتحدث بشأنه .. لا أصدق أننا نتناقش بأمر كهذا
كانت مزاهر تنظر له ودموعها لم تتوقف لحظة عن التساقط , دموعها كانت تُغضبه أكثر فمزاهر مُتغيرة , ألهذا كانت تتشاجر معه ؛ لأنه ذهب للمقابر !!
تساءل بغضب
- هل لأني ذهبت للمقابر أنت مُتغيرة وتتشاجرين معي ؟!
لم تُجيبه فهتف بغضب
- لا أصدق .. ولكن أنت من أخبرتيني برغبتكِ في الذهاب برفقتي .. لم أرغمكِ على الأمر إطلاقًا .. هل تدعين حُبكِ لمنال بينما أنتِ تغارين منها
هتفت ببكاء
- أنت لا تفهم شيئًا زين .. أنا أغار لأنك تهتم بها هى فقط .. حتى وهى غير موجودة تهتم بها .. بينما أنا لا .. أنا لا أكره منال بل أُحبها ولكن ما تفعله أنت يجعلني أغار .. لماذا لا تراني زين ؟ .. ماذا أفعل كي تراني ؟ .. ماذا أفعل كي تُحبني ؟
أنهت حديثها وجلست على المقعد تدفن وجهها بين كفيها وتبكي فنظر لها بملامح زال عنها الغضب ولكنها باتت جامدة , لا يعلم أهو المخطئ أم هى !
********
إن أتتك فرصة عليك استغلالها جيدًا , وهذا ما كانت تفعله دومًا فما إن أتتها فرصة التقرب من معتصم استغلتها وتقربت منه بلا تردد , والآن أتتها فرصة إعادة وصل ما انقطع سابقًا بينها وبين معتصم.
وقفت أمام المرآة تتحسس بطنها والذي لم يتغير به شيئًا ولكنها كانت تتخيل أنه بارز قليلًا فتبتسم بفرحة , هتفت بابتسامة واسعة
- هذا الطفل سيكون هو حلقة الوصل بيني وبين معتصم والتي لن تنقطع أبدًا إن شاء الله .. سيحبني معتصم فأنا من ستنجب له الصبي وستعود العائلة لتكبر من جديد
شردت في أحلامها ولم تنتبه لمعتصم الذي دلف للغرفة , نظر لما تفعله باستغراب ليُغلق الباب متسائلًا
- ماذا تفعلي زينة ؟
نظرت له لتعتدل قائلة بابتسامة
- كنت أنظر لبطني .. هل كبرت قليلًا ؟
هتف بتهكم
- ستكبر وأنتِ بشهركِ الثاني !
اقتربت منه متسائلة بابتسامة
- لم تُخبرني ما هو شعورك وأنت عقب أشهر قليلة ستكون أب ؟
لمعة عينيها وابتسامتها أجبرتاه على إجابتها فهتف بابتسامة هادئة
- أريده أن يأتي سريعًا زينة .. أريد أن تكبر تلك العائلة ويظل اسمها ممتدًا كما أراد جدي
شرد بأحلامه هو وكلثم برؤية أطفالهما يركضان حولهما فهتف بابتسامة عاشقة ظنتها زينة لها فرفرف قلبها
- أريد أن يكون الطفل الأول صبي كي يكبر ويشاركني بالعمل وأعتمد عليه في الكثير من أمور العمل .. والثانية فتاة تشبهكِ
اتسعت ابتسامتها لتتساءل بدهشة
- هل تريدها حقًا تشبهني ؟
نظر لها لترتبك ملامحه وكأن سؤالها أعاده لأرض الواقع التي هرب منها للحظات محلقًا بعيدًا عنها , ابتلع ريقه قائلًا بتوتر
- بلى
نظرت له بشك فابتلع ريقه بتوتر قائلًا
- ولكن لتكون هادئة عنكِ فأنتِ مشاغبة
ابتسمت ثم وضعت يدها على بطنها قائلة
- أشعر بالجوع الشديد .. ما رأيك أن نخرج كي نتناول الطعام بالخارج ؟
أومأ برأسه كي يهرب من حصار عينيها , فالتواجد بالشارع سيكون أهون من تواجدهما بالفيلا ومحاصرتها له بالأسئلة , وربما تنشغل عنه بشيء ما
توجهت كي تبدل ثيابها فأوقفها قائلًا وقد خطرت بباله فكرة تجعلها تنشغل عنه قليلًا وعن محاصرته بالأسئلة والتي يعلم أنها ستُدلف كلثم بداخلها
- سنمر بعد تناول الطعام كي نشتري بعض الأغراض للطفل ما رأيك ؟
اتسعت عينيها فرحة قبل أن تصفق بكلتا يديا قائلة بابتسامة واسعة
- أُحبك معتصم
..
تابعها معتصم وهى تتجول بين ثياب الأطفال المختلفة براحة فالأمر مر بسلام ولم تتشاجر معه , وها هى منشغلة باختيار ثياب الطفل والتي أخبرها أن تختارها مناسبة للجنسين فلا يعلمان حتى الآن جنس الطفل.
اقتربت منه بعد نصف ساعة تحمل حقيبة ممتلئة عن أخرها بالثياب لتتسع عينيه متسائلًا
- هتشتري كل هذا ؟!
هزت رأسها قائلة وهى تُشير خلفها
- هناك أيضًا عربة ومقعد السيارة ومقعد تناول الطعام
اتسعت عينيه ليندم على طلبه منها شراء أغراض للطفل ولكنه هتف باستسلام
- حسنًا زينة .. هلا ذهبنا لدفع ثمن ما اشتريتيه
خرجا متوجهان للسيارة ليتوقفا فجأة ما إن وجدا كلثم أمامهما , التقت أعينهم ولمح معتصم نظرات كلثم لما يحمله , همت كلثم بتخطيهما ولكن أوقفتها زينة متسائلة
- كيف حالكِ كلثم ؟
نظرت لها كلثم ولم تجيبها فاقتربت منها زينة قائلة بابتسامة خبيثة
- تبدين شاحبة قليلًا .. أم أنني أتوهم .. هل تأكلين جيدًا أم تراكِ
ابتسمت كلثم فجأة فقطعت زينة حديثها وقد أثارت ابتسامتها غيظها , هتفت كلثم بابتسامة
- لم أكن أعلم أنكِ تهتمين بي لدرجة أن تسألي عن طعامي .. اطمئني فأنا آكل جيدًا .. فلتهتمي بنفسكِ زينة
ابتسمت زينة بخبث قبل أن تهتف بابتسامة ماكرة
- صدقتِ بقولكِ فيجب أن أهتم حقًا بنفسي فأنا أحمل بداخلي قطعة صغيرة من معتصم إن لم يكن لديكِ علم بهذا الأمر
اتسعت ابتسامة كلثم لتتجاهلها تمامًا وتنظر لمعتصم قائلة
- مبارك معتصم
ابتلع معتصم ريقه بتوتر وتمنى في تلك اللحظة أن تبتلعه الأرض ويختفي عن نظراتها , أما كلثم فتركتهما وغادرت لتنظر زينة في أثرها بغضب , لمحتها تستقل سيارة لا تقل عن سيارتهما فضيقت عينيها ثم اقتربت من معتصم متسائلة بحقد
- من أين لها أن تأتي بسيارة كتلك التي استقلتها ؟ .. هل سحبت أموالًا قبل تنازلها عن كل شيء
نظر لها معتصم بغضب ولكنها لم تنتبه لنظراته وكان كامل اهتمامها على كلثم التي انطلقت بسيارتها بعيدًا عن عينيها.
.........
يتبع
كانت تدور بغرفة المكتب كالنحلة , تنظر بساعة يدها في كل لحظة وتخصه بين الحين والآخر بنظرات غاضبة , كان يلمحها ويتجاهلها وهو يمسك بيده إحدى الكتب يقرأها في هدوء أثار غضبها , اقتربت منه حتى وقفت أمامه لتهتف بغضب
- افتح لي الباب
نظر لها ولم يعلق وعاد ينظر بالكتاب بيده يقرأه في هدوء , سحبت منه الكتاب في غضب قائلة
- أنا أُحادثك تميم
نظر لها قائلًا باستنكار من فعلتها
- أعيدي الكتاب
أعطته له بضيق قائلة
- هيا افتح لي الباب
هتف بجدية
- لن أفتحه حتى يغادر منتصر
ضربت الأرض بقدمها قائلة بانفعال
- أريد رؤية نهال .. أخشى أن يفعل بها شيئًا
هتف بهدوء
- هو زوجها فيروز .. ولقد وافقت بإرادتها أن تراه
ضيقت عينيها قائلة بضيق
- أنت من أجبرتها على ذلك
هتف بهدوء
- لم أجبرها على أي شيء .. لقد وافقت بملء إرادتها
نظرت له فيروز بغيظ فلم يهتم لنظراتها وأكمل القراءة فعادت تدور بالغرفة , لم تمر سوى دقيقتين واقتربت منه من جديد قائلة برجاء
- أنا خائفة تميم .. رجاءً قدر حالتي ودعني أصعد لنهال
ضيق عينيه متسائلًا بنفاذ صبر
- لماذا تثرثري دون توقف ؟ .. اسمعي الكلام دون مجادلة
نظرت له بضيق ثم جلست على الأريكة تهز ساقها فعاد يقرأ الكتاب من جديد , ظلت تنظر تجاهه وهو يتجاهلها تمامًا حتى تساءلت بضيق
- هل ستظل تقرأ بهذا الكتاب طيلة اليوم ؟
لم يعلق على حديثها فهتفت باسمه في ضيق ليُغلق الكتاب متسائلًا بضجر
- ماذا !!
فركت يديها قائلة بتوتر
- تحدث معي فأنا مالة ولا أجد ما أفعله .. حتى هاتفي بالغرفة ولم تدعني أُحضره
هتف بهدوء أثار حنقها
- لا يوجد لدي ما أتحدث به .. تحدثي أنتِ إن أردتِ ولكن لا تثرثري كثيرًا
نظرت له بضيق قائلة وهى تشيح بوجهها بعيدًا عنه
- لن أتحدث كي ترتاح
هتف بهدوء وهو ينظر لفعلتها ببرود
- كما تريدي
كاد الغيظ يلتهمها من هدوءه , نظرت له فوجدته يعبث بهاتفه مبتسمًا فتساءلت باهتمام
- ماذا تفعل ؟
هتف بابتسامة وهو ينقر بأصابعه على شاشة الهاتف بسرعة
- أُحادث أحدهم على الواتس أب
رفعت حاجبها قائلة بضيق
- حقًا ؟!
لم يعلق فتساءلت بفضول
- من تُحادث إذن ؟
لم يجيبها مباشرةً , بل ظل صامتًا بضعة ثواني قبل أن يرفع رأسه وينظر لها قائلًا ببرود
- هذا ليس من شأنكِ
لمح الغيظ والغضب يتصارعان فوق ملامحها قبل أن تهتف بغضب
- أنا المخطئة بسؤلك .. لا أريد أن أعرف .. كنت فقط أفتح حوارًا معك لأنني مالة
لم يعلق وعاد ينظر بهاتفه لتظهر الابتسامة على ملامحه من جديد فزاد غضبها , ظلت تهز ساقها بعصبية , كاد فضولها يلتهمها لمعرفة من يُحادث فنهضت فجأة تقترب منه بخطوات متمهلة , حاولت التطلع لشاشة هاتفه فلمح فعلتها ليُغلقه وينظر لها متسائلًا بهدوء
- هل تريدي شيئًا ؟
تساءلت بضيق
- لمَ أغلقت شاشته ؟
اعتدل بجلسته متسائلًا باستغراب
- أنا من يريد أن يعرف لمَ تهتمين بمن أُحادث ؟ .. بل وتنهضي كي ترى بنفسك هذا ؟!
ارتبكت لتهتف بتوتر
- لقد أخبرتك أنني مالة وأنت تمسك بهاتفك وابتسامتك تتسع كل لحظة فنهضت كي أرى من وراء تلك السعادة .. لا لم أقصد رؤية من تُحادث .. كنت ......
صمتت وهى تشعر بالغباء من حديثها , أولته ظهرها في ضيق بعض اللحظات قبل أن تستدير وتنظر له متسائلة بضيق
- تميم لمَ تعاملني بجفاء ؟
ردد كلمتها باستغراب
- جفاء !!
أومأت برأسها قائلة
- بلى .. لا أعلم لمَ تعاملني بتلك الطريقة .. ألم تُخبرني أنك ...........
قطع حديثها طرقات على باب غرفة المكتب فنهض تميم متسائلًا عن هوية القادم لتخبره الخادمة بهدوء أن السيد منتصر قد رحل قبل دقائق ففتح الباب واستدار قائلًا لفيروز
- اخرجي إن أردتي .. لقد أخبرت الخادمة أن تأتي ثلاث أيام بالأسبوع كي ترتب المنزل وتُعد الطعام كما كانت بالسابق قبل زواجنا .. أخبريها بما تحتاجي
على الرغم من هدوء كلماته إلا أنها أحدثت فيضانًا كبيرًا من المشاعر التي ضربتها مرة واحدة وكان أبرز تلك المشاعر هو الخوف.
عاد يجلس كما كان فاقتربت منه لتتساءل بتردد
- لمَ أعدت الخادمة تميم .. ألم تُخبرني أنك تود مني أن أُعد أنا الطعام من قبل .. كنت ترفض إعادتها
نظر لها متسائلًا بتهكم
- وهل أعددتيه كما طلبت منكِ ؟
ظهر الحرج على ملامحها لتهتف بتوتر
- لقد حاولت .. ولكني لم أستطع فأنا لم أعتاد على الأمر .. يمكنك مساعدتي كما كنت تفعل ما رأيك ؟
نظر بعينيها قليلًا قبل أن يهتف بهدوء
- لم أعد أُريد فيروز
شحب وجهها وشعرت وكأن دلوًا باردًا قد انسكب فوقها فجأة لتتساءل بتوتر
- ما الذي لم تعد تُريده ؟ .. ماذا تقصد ؟
شعر بغصة في صدره وهو يجد الخوف مرتسمًا على ملامحها وشحوب وجهها الواضح ولكنه غاضب منها بل ينزف قلبه ألمًا لفعلتها وحديثها الذي لم يتوقف لحظة عن التفكير به , هو يتحدث معها مُجبرًا لأجل تلك الظروف التي أُرغموا على التواجد بها وإلا كان أغلق بابه على نفسه كي يستعيد نفسه التي أهدر كرامتها كثيرًا وقلبه الذي ينزف بلا توقف.
أمسك بكتابه وفتحه قائلًا بهدوء
- اصعدي كي تري نهال .. ربما تحتاج منكِ شيئًا
أدمعت عينيها وهى تشعر بقلبها يؤلمها فهتفت بحزن
- تميم هل ..........
قاطعها قائلًا بهدوء على الرغم من عاصفة الحزن التي تجثم فوق صدره بتلك اللحظة تحديدًا
- اصعدي فيروز
********
من وُصم بالشر لا يُرى سوى بذلك , وهو وُصم بالشر منذ زمن بعيد وما إن أراد أن ينزع عنه رداء الشر ويلبس ثوبًا آخر صفعته الحياة بموتها , وكأن الشر أبى ألا يتركه يهنأ ويكون إنسان آخر!
لقد بات قاتلًا , هو لم يقتلها مباشرةً ولكنه دفعها دفعًا خلف هذا الأمر , كيف له أن يحيا الآن , كلما نظر بعيني عمه شعر أنه على حافة الإنهيار , ليته يستطيع التخلص من هذا العبء.
لقد بات يتصدق عنها كل يوم , وقام بإطعام الكثير آملًا أن يتقبل الله منه.
اعتدل على المقعد ينظر لآدم الذي تساءل بابتسامة
- آمل أن نبدأ اليوم فالمرة السابقة رفضت أن تتحدث بالأمر ورحلت سريعًا
هتف مزمل بوهن
- أنا أخشى الاعتراف بالأمر .. أخشى ألا يسامحني الله .. أخشى إن علم عمي بالأمر أن يصيبه مكروه .. زوجة عمي التي باتت في حالة سيئة منذ رحيل دليلة كيف لي أن أُخبرها أنني المسئول عن وفاة ابنتها
اتسعت عيني آدم قليلًا فهتف مزمل بحزن
- حتى أنت ظهرت الصدمة على ملامحك فماذا سيكون رد فعلهما .. كيف سأخبرهما أنني من قتلت دليلة
تساءل آدم بهدوء
- كيف قتلتها وهى كانت مريضة بالمشفى ؟
نكس مزمل رأسه قائلًا
- لقد انتحرت دليلة .. ألقت بنفسها من الشرفة
تساءل آدم بهدوء
- إذن كيف قتلتها ؟ .. أنت لم تفعل شيئًا مزمل
هز مزمل رأسه يمنة ويسارًا قائلًا وقد اغروت عيناه بالدموع
- أنا السبب بكل شيء حدث لها .. أنا الشيطان الذي دمر حياة فتاة بريئة لم تفعل شيئًا سوى أنها أحبتني ووثقت بي فدفعتها دفعًا نحو الهاوية دون شفقة
رفع رأسه ونظر لآدم متسائلًا بحزن
- هل من هو مثلي يستحق أن يحيا ؟ .. هل من قتل البراءة يستحق فرصة أخرى .. لقد قتلتها بدم بارد ولم أستطع إصلاح ما قمت به .. ما قمت بحياكته مكرًا وخبثًا لسنوات أردت إصلاحه في عدة أشهر ضئيلة ولكني لم أستطع ذلك وجاءت النهاية سريعًا بموتها
نظر له آدم بشفقة ولكنه لا يفهم كيف يُحمل نفسه ذنب موتها , ماذا فعل !!َ
تساءل آدم بهدوء
- لمَ تُحمل نفسك كل هذا الألم مزمل ؟
تساقطت الدموع فوق وجنتيه ليهتف بحزن
- لأنني أستحق هذا وأكثر بكثير .. لقد دفعت دليلة للإدمان وقد حاولت الانتحار بسببي .. لقد أوقعت بينها هى وعمي حتى ساءت الأمور كثيرًا وبعد أن كانت تحتل منصبًا كبيرًا بالشركة طردها عمي شر طردة .. وعلم عمي بأمر إدمانها بعد ذلك ودلفت حينها للمشفى كي تتعالج وظننت أنها مسألة وقت لا أكثر وتُشفى لتخرج وأُعوضها عن كل شيء ولكنها أنهت حياتها من جديد وتلك المرة لم تنجو بل رحلت
صمت لحظات قبل أن يهتف بحزن ومازالت دموعه تتساقط
- أشعر أنني سيئ .. وأن بداخلي شرًا لا نهاية له .. كلما حاولت تنظيف قلبي من هذا الشر يمتلىء به من جديد .. منذ أتت كلثم للشركة وأنا أشعر بأن هناك من سيسلب مني كل شيء مجددًا .. فشعرت بالغضب منها ولكني حاولت أن أُسيطر على هذا الشعور بداخلي .. حاولت ردعه قدر استطاعتي ولكني لم أستطع التخلص منه .. أنا لا أريد أن أحيا بهذا الشر .. أريد أن أكون شخصًا جيدًا .. لا أكره أحد .. أشعر بالغضب الشديد من نفسي ومن عدم قدرتي على التخلص مما بداخلي
هتف آدم بابتسامة هادئة
- كونك معترف بأنك أخطأت أكبر دليل على رغبتك الحقيقية بالتغير .. اعترافك بأن هناك شرًا بداخلك تود الخلاص منه والبدء من جديد دليل على أنك لست سيئًا مزمل .. وليطمئن قلبك قليلًا أنت لم تقتل دليلة كما تظن .. لقد أخطأت خطأ كبيرًا ولكنك لم تقتلها .. لقد ندمت وحاولت إصلاح ما قمت بإفساده وهذا أيضًا دليل على أنك لست سيئًا .. نحتاج لجلسات عديدة ولكني أريد منك أن تستعين بالله أولًا وتتوب إليه توبة صادقة ثم تتحلي بالقوة والشجاعة كي تُكمل لتكون إنسان آخر وأنا سأساعدك بإذن الله
نظر له مزمل بأمل ليتساءل آدم بابتسامة
- هل تعدني أنك ستستمر بالجلسات مزمل ؟
أومأ مزمل قائلًا بصدق
- أعدك
********
لم تستطع النوم طيلة الليل من كثرة التفكير , ظلت تتقلب في الفراش حتى سمعت أذان الفجر فنهضت تُصلي وتبحث عنه فوجدته جالسًا بالشرفة يقرأ بمصحفه فآثرت أن تتركه على راحته فاستدارت متوجهة للغرفة من جديد , ولكنه كان قد انتبه لها.
خلعت اسدالها واستلقت فوق الفراش رغبة في النوم وما هى سوى دقائق وراحت في سبات عميق لم تستيقظ منه سوى على صوت زين الغاضب , فتحت عينيها بصعوبة ولكن مع ارتفاع صوته اعتدلت تنظر باستغراب للخارج حيث يصلها صوته الغاضب , أزاحت الغطاء ونهضت ترتدي خفها المنزلي ثم توجهت حيث صوته لتجده واقفًا بالمطبخ يتحدث بالهاتف غاضبًا , انتبه لها فابتلعت ريقها بتوتر , أنهى المكالمة ووضع الهاتف فوق الطاولة الصغيرة في عصبية , اقتربت منه في تردد قبل أن تتساءل باهتمام
- ألم تغفو ؟
هز رأسه يمنة ويسارًا فتساءلت بتردد
- هل أُعد لك شيئًا تتناوله ؟
هز رأسه من جديد ثم خرج من المطبخ قائلًا
- سأغفو قليلًا
نظرت في أثره بحزن فهو غاضب منها وأيضًا من المكالمة التي أتته ولا تعلم عنها شيء!
لحقت به فوجدته واقفًا أمام نافذة الغرفة يتطلع للشارع فاقتربت منه متسائلة باستغراب
- ألم تقل إنك ستغفو ؟
نظر لها بضيق قائلًا
- هل تراقبيني منال !
شحب وجهها وانتبه هو لخطئه فأغمض عينيه غاضبًا من نفسه ثم ما لبث أن فتحهما قائلًا بأسف
- أعتذر منكِ مزاهر .. أنا لم أقصد .. ولكن تلك المكالمة .......
قطع حديثه وهو يلمح الدموع التي ظهرت بعينيها فهتف بضيق
- مزاهر لا تُكبري الأمور هكذا .. لقد أخطأت فقط بسبب المكالمة .. كان هذا شقيق منال من والدتها ولم يكن يسأل عن منال مطلقًا وكانت أمنية منال أن تنشيء ملجأ للأيتام وقد أخبرت شقيقها بهذا الأمر مسبقًا وعرضت عليه أن أقوم بشراء نصيبه في قطعة الأرض التي ورثاها سويًا ولكنه يرفض رفضًا قاطعًا والآن يُخبرني أنه سيبيع الأرض بثمن كبير .. ثلاثة أضعاف ما أعرضه عليه وتشاجرنا
لم تعلق على حديثه , كل ما كان يدور بعقلها وهى تسمع حديثه هو تفكيره الدائم بمنال وما كانت تتمناه , تساقطت دموعها رغمًا عنها لتهتف بحزن
- كل ما تفكر به هو منال فقط .. ماذا كانت تتمني منال .. ماذا تُحب منال .. زيارة قبر منال .. التصدق عن منال
عقد حاجبيه باستغراب لما تتفوه به لتتساءل بحزن
- أين مزاهر بحياتك زين ؟ .. ألا تُفكر بي ولو مرة واحدة .. ألا تهتم لما أُحبه أنا .. ألا تهتم لمشاعري أنا !
هز رأسه بغير تصديق ليتساءل بصدمة
- هل تغضبين من اهتمامي بمنال !! .. منال التي رحلت عن الحياة !! .. هل تغارين مما أفعله لها وهى غير موجودة .. لا أصدق ما تتفوهين به حقًا مزاهر
صمت ثم تساءل ببعض الغضب
- ألا أهتم بكِ مزاهر ؟ .. ماذا تريديني أن أفعل ولم أفعله !
تساءلت ببكاء
- وهل كنت تسأل منال عما تريد .. أم تفعل ما تعلم أنها تريده .. هل تعرف لمَ ؟
لم يُجيبها ولم تكن تنتظر إجابته , هتفت بقهر
- لأنك كنت تُحبها .. ومن يُحب يعلم ما يسعد حقًا حبيبه .. وأنت لم تُحبني
مرر يده في شعره قبل أن يهتف بانفعال ويبتسم بسخرية من الحديث بأكمله
- لا أصدق ما نتحدث بشأنه .. لا أصدق أننا نتناقش بأمر كهذا
كانت مزاهر تنظر له ودموعها لم تتوقف لحظة عن التساقط , دموعها كانت تُغضبه أكثر فمزاهر مُتغيرة , ألهذا كانت تتشاجر معه ؛ لأنه ذهب للمقابر !!
تساءل بغضب
- هل لأني ذهبت للمقابر أنت مُتغيرة وتتشاجرين معي ؟!
لم تُجيبه فهتف بغضب
- لا أصدق .. ولكن أنت من أخبرتيني برغبتكِ في الذهاب برفقتي .. لم أرغمكِ على الأمر إطلاقًا .. هل تدعين حُبكِ لمنال بينما أنتِ تغارين منها
هتفت ببكاء
- أنت لا تفهم شيئًا زين .. أنا أغار لأنك تهتم بها هى فقط .. حتى وهى غير موجودة تهتم بها .. بينما أنا لا .. أنا لا أكره منال بل أُحبها ولكن ما تفعله أنت يجعلني أغار .. لماذا لا تراني زين ؟ .. ماذا أفعل كي تراني ؟ .. ماذا أفعل كي تُحبني ؟
أنهت حديثها وجلست على المقعد تدفن وجهها بين كفيها وتبكي فنظر لها بملامح زال عنها الغضب ولكنها باتت جامدة , لا يعلم أهو المخطئ أم هى !
********
إن أتتك فرصة عليك استغلالها جيدًا , وهذا ما كانت تفعله دومًا فما إن أتتها فرصة التقرب من معتصم استغلتها وتقربت منه بلا تردد , والآن أتتها فرصة إعادة وصل ما انقطع سابقًا بينها وبين معتصم.
وقفت أمام المرآة تتحسس بطنها والذي لم يتغير به شيئًا ولكنها كانت تتخيل أنه بارز قليلًا فتبتسم بفرحة , هتفت بابتسامة واسعة
- هذا الطفل سيكون هو حلقة الوصل بيني وبين معتصم والتي لن تنقطع أبدًا إن شاء الله .. سيحبني معتصم فأنا من ستنجب له الصبي وستعود العائلة لتكبر من جديد
شردت في أحلامها ولم تنتبه لمعتصم الذي دلف للغرفة , نظر لما تفعله باستغراب ليُغلق الباب متسائلًا
- ماذا تفعلي زينة ؟
نظرت له لتعتدل قائلة بابتسامة
- كنت أنظر لبطني .. هل كبرت قليلًا ؟
هتف بتهكم
- ستكبر وأنتِ بشهركِ الثاني !
اقتربت منه متسائلة بابتسامة
- لم تُخبرني ما هو شعورك وأنت عقب أشهر قليلة ستكون أب ؟
لمعة عينيها وابتسامتها أجبرتاه على إجابتها فهتف بابتسامة هادئة
- أريده أن يأتي سريعًا زينة .. أريد أن تكبر تلك العائلة ويظل اسمها ممتدًا كما أراد جدي
شرد بأحلامه هو وكلثم برؤية أطفالهما يركضان حولهما فهتف بابتسامة عاشقة ظنتها زينة لها فرفرف قلبها
- أريد أن يكون الطفل الأول صبي كي يكبر ويشاركني بالعمل وأعتمد عليه في الكثير من أمور العمل .. والثانية فتاة تشبهكِ
اتسعت ابتسامتها لتتساءل بدهشة
- هل تريدها حقًا تشبهني ؟
نظر لها لترتبك ملامحه وكأن سؤالها أعاده لأرض الواقع التي هرب منها للحظات محلقًا بعيدًا عنها , ابتلع ريقه قائلًا بتوتر
- بلى
نظرت له بشك فابتلع ريقه بتوتر قائلًا
- ولكن لتكون هادئة عنكِ فأنتِ مشاغبة
ابتسمت ثم وضعت يدها على بطنها قائلة
- أشعر بالجوع الشديد .. ما رأيك أن نخرج كي نتناول الطعام بالخارج ؟
أومأ برأسه كي يهرب من حصار عينيها , فالتواجد بالشارع سيكون أهون من تواجدهما بالفيلا ومحاصرتها له بالأسئلة , وربما تنشغل عنه بشيء ما
توجهت كي تبدل ثيابها فأوقفها قائلًا وقد خطرت بباله فكرة تجعلها تنشغل عنه قليلًا وعن محاصرته بالأسئلة والتي يعلم أنها ستُدلف كلثم بداخلها
- سنمر بعد تناول الطعام كي نشتري بعض الأغراض للطفل ما رأيك ؟
اتسعت عينيها فرحة قبل أن تصفق بكلتا يديا قائلة بابتسامة واسعة
- أُحبك معتصم
..
تابعها معتصم وهى تتجول بين ثياب الأطفال المختلفة براحة فالأمر مر بسلام ولم تتشاجر معه , وها هى منشغلة باختيار ثياب الطفل والتي أخبرها أن تختارها مناسبة للجنسين فلا يعلمان حتى الآن جنس الطفل.
اقتربت منه بعد نصف ساعة تحمل حقيبة ممتلئة عن أخرها بالثياب لتتسع عينيه متسائلًا
- هتشتري كل هذا ؟!
هزت رأسها قائلة وهى تُشير خلفها
- هناك أيضًا عربة ومقعد السيارة ومقعد تناول الطعام
اتسعت عينيه ليندم على طلبه منها شراء أغراض للطفل ولكنه هتف باستسلام
- حسنًا زينة .. هلا ذهبنا لدفع ثمن ما اشتريتيه
خرجا متوجهان للسيارة ليتوقفا فجأة ما إن وجدا كلثم أمامهما , التقت أعينهم ولمح معتصم نظرات كلثم لما يحمله , همت كلثم بتخطيهما ولكن أوقفتها زينة متسائلة
- كيف حالكِ كلثم ؟
نظرت لها كلثم ولم تجيبها فاقتربت منها زينة قائلة بابتسامة خبيثة
- تبدين شاحبة قليلًا .. أم أنني أتوهم .. هل تأكلين جيدًا أم تراكِ
ابتسمت كلثم فجأة فقطعت زينة حديثها وقد أثارت ابتسامتها غيظها , هتفت كلثم بابتسامة
- لم أكن أعلم أنكِ تهتمين بي لدرجة أن تسألي عن طعامي .. اطمئني فأنا آكل جيدًا .. فلتهتمي بنفسكِ زينة
ابتسمت زينة بخبث قبل أن تهتف بابتسامة ماكرة
- صدقتِ بقولكِ فيجب أن أهتم حقًا بنفسي فأنا أحمل بداخلي قطعة صغيرة من معتصم إن لم يكن لديكِ علم بهذا الأمر
اتسعت ابتسامة كلثم لتتجاهلها تمامًا وتنظر لمعتصم قائلة
- مبارك معتصم
ابتلع معتصم ريقه بتوتر وتمنى في تلك اللحظة أن تبتلعه الأرض ويختفي عن نظراتها , أما كلثم فتركتهما وغادرت لتنظر زينة في أثرها بغضب , لمحتها تستقل سيارة لا تقل عن سيارتهما فضيقت عينيها ثم اقتربت من معتصم متسائلة بحقد
- من أين لها أن تأتي بسيارة كتلك التي استقلتها ؟ .. هل سحبت أموالًا قبل تنازلها عن كل شيء
نظر لها معتصم بغضب ولكنها لم تنتبه لنظراته وكان كامل اهتمامها على كلثم التي انطلقت بسيارتها بعيدًا عن عينيها.
.........
يتبع
