📁 آخر الروايات

رواية لتسكن الي الفصل الثلاثون 30 بقلم يسمينة مسعود

رواية لتسكن الي الفصل الثلاثون 30 بقلم يسمينة مسعود


~الفصل الثلاثين ~

الفصل غير مدقق لهذا عذرا على أي خطأ موجود ????✋

:
•♡•
:

༺﷽༻‏

???? وٌَنَِحًْنُِ أَقُْرَبًُ إِلََيَْهِّ مًِنِْ حًَبًْلَِ آلَْوٌَرِيَدٍِ ????

:
•♡•
:

إنعقد لسانها لبرهة كأنّ عقلها يحاول فهم الصوت الذي إخترق مسمعها، فإزدرت لعابها تنادي على إبنتها: سحر...صغيرتي هل أنتِ على الخط ؟!


لم يُسمع رد لتسائلها ..فإضطرب قلبها بعنفٍ بين أضلعها و إرتفع الرعب بكيانها، لتعلن دموعها الإنسياب هامسة بصوتٍ هارب: طفلتي..سـحر ..ســحر


جلست على الأرض بعد أن وهنت ساقيها معلنة إنهيار صمودها تبكي بهستيرية إستحوذت على إهتمام الكل، فأسرع لها عصام يجثو على ركبتيه أمامها مستفهمًا بقلق: حبيبتي ما بكِ ؟


إزداد نحيب جوليا تضم الهاتف لصدرها عاجزة عن التفوه بحرف، فإرتفع وجل الكل مكبلين بصمتها ذاك، فكرر أدهم تسائل أبيه: أمي بالله عليكِ ما سبب هذا البكاء كله ؟


إحتار زياد من حال أمه الذي مزق نياط قلبه، فحول بصره لشهد التي كانت دموعها هي أيضاً تتهاطل، فأحس بالوجع ينغل جوفه لمرآها ذاك، يدنو منها مبادرًا بسؤاله: شهد ما بكِ أنتِ أيضًا ؟


وجهت بصرها نحوه مقوسة شفتيها مجيبةً بغصة إستحكمت حنجرتها بعنف: منزلنا السابق يحترق الآن..


توسعت عينيه فَهم بالتحدث غير أنّ صوت أباه قاطعه حين قال بحدة: جوليا أجيبي وكفاكِ بكاءًا ؟


تمسكت المعنية بذراعيه اللتان تحاوطانها مجيبةً بحشرجة: لا أعرف..لا أعرف..كنت ..كنت أحدث سحر كما رأيت، لكن فجأة سمعت صوت إنفجار و إنقطع الخط بغتة..


شحبت وجوه الكل منصدمين لما سمعوا، فإسترسلت جوليا من بين نحيبها: إبنتي يا عصام..أريد إبنتي ..


وضعت شهد كفيها على ثغرها تمنع صدوح شهقاتها، في حين إزدر عصام ريقه مرددًا بصوتٍ مبحوح: حسنًا إهدئي..سوف نكرر الإتصال .


أسرع أدهم بإخراج هاتفه متصلاً بأخته بيد مرتجفة لكن يصله إشعار بأنّ الهاتف مغلق، ففعل زياد المثل و كان الرد مماثل، دنت شهد منهما متسائلة بنشيج: ما الأمر؟


إهتزت مقلتي زياد وقد بدأ الوهن يزحف لأوصاله مصرحًا بخفوت: إنه ..مغلق.


إنفجرت شهد ببكاء مرير واضعة كفيها على وجهها، فهدرت جوليا بلوعة أم: فلنذهب لهما يا عصامي..أطفالي بخطر ..


جاهد المعني رجفة قلبه مستقيمًا محاولاً إيجاد مخرج ما كي يطمئن عليهما فإستفهم بحدة: هل كان رعد معها ؟


نفت الأخيرة مجيبةً بصوتٍ متهدج: لا..قالت أنّ ..أنّ رعد ذهب لمقابلة عملاء.


إزدر أدهم ريقه مرددًا بسرعة: إذًا .. غالبًا هو قد يجيب على الإتصال يا أبي.

أسرع عصام للإتصال محاولاً تهدئة روع نبض أبوته الهادر..يدعو الله بسره بأن يكونوا سالمين.


::


علت تقطيبة خفيفة جبين رعد محولاً بصره لخارج النافذة، فإنزوى حاجبي شريك جلسته الذي ردد بلغته الإنجليزية: يبدو كصوت إنفجار ما قد وقع..ربما منزل أو محل معين..


توجس قلب رعد معقبًا بهدوء: إنه من الناحية الغربية، يبدو قريب جداً من هنا ..


أومئ له العميل متابعًا دراسة الورق الذي بقربه و هو يقول: أجل فهناك فندق و حوله سوق حسب علمي، فأنا لست من سكان هذه المنطقة.


تخشب رعد بمكانه يناظره بصدمة إحتلت ملامحه فجأة، فإبتلع ماء حلقه حين تهادى له رنين هاتفه الذي كان إسم عمه قد تجلى عليه ففتح المكالمة بأفكار مشتتة، مجيبًا: أهلاً عمي.


تنفس عصام الصعداء يجول ببصره بين عائلته الذين كانوا مترقبين بشدة فأشار لهم بأنه أجاب لتسترخي ملامحهم قليلاً، متسائلا بجدية: أين أنت الآن ؟


علت تقطيبة خفيفة جبين رعد مستغرباً من سؤاله فصرح بهدوء: أنا بالمقهى مع العميل ..لماذا ؟


هدر عصام بحدة وقد بدأ صبره ينقشع تدريجيًا: أين هي زوجتك ..كانت تحدثنا لكن إختفى الإتصال بغتةً بعد أن دوى صوت إنفجار.


تصلب بمكانه و قد إنحسرت أنفاسه ليبدأ عقله بربط الخيوط ببعضها البعض، فغر فاهه كي يجيب إلا أنّ الرعب شله حرفيًا مما جعله يبتلع لسانه بعجز، فعاد لواقعه بعد أن كرر عصام ندائه الحاد: رعد ..أين أنت ؟


ثم لم يلبث أن إضطرب قلبه ملتاعًا فإنتفض من مجلسه بسرعة ليسقط الكرسي أرضًا مصدراً صوتاً مزعجًا، راكضًا خارج المقهى و قد تجاهل العميل الذي كان يناديه و هو مستغرب من إنقلاب حاله المفاجئ، فأجاب رعد بأنفاس متلاحقة وجلة: سوف أذهب للتأكد ..سأتصل بكم لاحقاً..


أغلق المكالمة بعدها موقفًا سيارة أجرة كي توصله للموقع، وبعد لحظات ترجل منها بقلبٍ مرتعب.. خائف.. واهن..يتابع بمقلتين وجلتين سيارة الإسعاف و الإطفاء و قدوم رجال الشرطة لعَين المكان.


تقدم من المكان يتأمل الركام و المبنى الشبه مدمر، يستمع لبكاء و صراخ الناس و هناك من يركض بكل إتجاه وقد تصاعد الدخان مسببًا غشاوةً للرؤية، فدنى أكثر بساقين مرتجفتين ليمنعه أحد رجال الشرطة من التقدم و هو يقول: لا تقترب من فضلك نحن بموقع الحادث و ممنوع الدخول.


حول رعد بصره من المشهد الفظيع الذي أمامه للمعني، غير مستوعب لكلامه أصلاً، فتجاهله بعدها متقدمًا أكثر، إلا أنّ الشرطي قبض على ذراعه مرددًا بحدة عملية: قلنا الدخول ممنوع.


هدرت عيناه بعاصفة كاسحة وهو يقول بصرامة مخيفة: زوجتي بالداخل يا هذا ..لن أنتظر تدخلكم ..


ليبعده عنه كي يلج للفندق، غير أنه تذكر أنّ سحر قد غادرته و حامت حوله أين يتواجد السوق، فتراجع بخطواته للخلف، يركض من الناحية الأخرى حيث الطريق الجانبي الصغير، فتصلب بمكانه حين ترائى له حطام مماثل و الفوضى منتشرة و نفس الأصوات من بكاء و عويل و أناس يركضون، فإقترب بخطى مشتتةً وعيون زائغة يدور ببصره بينهم يبحث عنها..هي زوجته..فنادى بأعلى صوته: ســــحر..


ركض به يجول بناظريه هنا و هناك عساه يراها..فقط يراها ..دار حوله نفسه يشعر بهبوط حاد مكررًا صراخه عله يجد صدى ملبيًا لندائه: ســحر.


- رعد..


تصنم بمكانه فجأة يشعر بأنّ هناك سهمًا ما قد إخترق جنبات صدره بعنفٍ رهيب ليستقر بفؤاده، فتسارعت أنفاسه لوهلة أكثر من السابق...هذا صوتها...نعم هي..ذلك الصوت الذي كان يسبب سابقاً صداعًا له...صوت بلوته و كابوسه و لعنته الذي إقتحمت عالمه...لكنه الآن ترنيمته...ونغمته..و سمفونية حياته..


إستدار ببطئ لها فوقعت عيناه عليها ..هي ..بوجهها الشاحب و ملابسها الملوثة بالغبار ..و عيونها اللازوردية التي بثت له ضعفًا غريباً..فدنى منها بخطى بطيئة متمهلة..إلا أنه أسرع بعدها حين تأكد أنها واقع حقيقي و ليست بوهم بفعل رعبه..


ركض نحوها فاتحًا ذراعيه يشدها بعنف كبير لصدره، يحاوطها بأقصى قوته بين ذراعيه كأنه يريد تحطيم أضلعها و دمجها بأضلعه هو فلا يفترقا...رفعها من على الأرض بضع إنشات، دافنًا وجهه بوشاحها يغمض عينيه بقوة مستنشقًا عبيرها الخاص الذي ينتشي منه، يمرر كفيه على ظهرها متلمسًا إياها بلهفة..يريد التأكد..الإطمئنان..الوثوق.. بأنها هي نفسها حية ترزق و تتنفس.. و ليست بخيال متجسد له..


إرتبكت سحر و إهتزت حدقتيها لبرهة غير أنها أحاطت رقبته بذراعيها هي الأخرى تبادله جموح عواطفه اللحظية، تدس رأسها بحنايا عنقه تنهل من فيض أمانه السخي..قابضة بكفٍ مرتجفٍ نازف على نسيج سترته من الخلف، تغرق نفسها بين ثنايا صدره أكثر و أعمق ..عساها تبعد جزع اللحظة و دوي الإنفجار الذي لازال ينبض بمسمعها لحد الآن، فإخترق مسمعها صوته الخائف: رباه..رباه.. أنتِ بخير..هذه أنتِ صح ؟


أنزلها على الأرض مبتعدًا عنها قليلاً يلتهمها بعينين وجلتين يتأكد من سلامتها، يجول ببصره بوجهها و سائر جسدها يبحث عن جرح..عن إصابة...عن خطب ما بها..علّه يتأكد من سلامتها فتعود الروح الهاربة لجسده مرددًا بإرتباك جلي: هل حدث لكِ شيئ ..هل تتألمين ؟


إنسابت دمعة حارقة من مقلتيها فتوسعت عينيه أكثر يمد ذراعيه لعضدها مستفهمًا بقلق أنهكه كلياً: هل تشعرين بوجع ما ؟!


نفت برأسها ترمق وجهه الشاحب المصفر و عيونه المرتعبة الفزعة، فحز في نفسها مرآه هكذا و هو بهذا الضعف الغريب عنه تمامًا، فلطالما كان رعد ..قويًا.. جبارًا ..واثقًا ..لا يرف له طرف و لا يهزه أي شيئ مهما كان، لكن هذا الذي أمامها مخالف كلياً لما عهدته عليه سابقًا، فبدلاً من أن تهدأ نفسها رفعت كفيها له علّها تهدئه هو و تطمئن هواجس كيانه مرددةً بهمس خافت: شششش إهدأ يا رعد ..أنا بخير ..بخير تمامًا لم يصبني شيئ..


إرتجفت لؤلؤتيه السوداوين و تنفسه لازال يتسابق، فتلمست وجنتيه بلطفٍ تمسح لحيته مكررة همسها كي يعود لصوابه: لابأس ..لم يحدث شيئ يا رعد ..


هدأ تدريجيًا فزفر بتعب يخرج مع زفراته تلك رعبًا شل أوصاله، واضعًا جبينه على جبينها بوهن نفسي بعثره تمامًا ..مغمضًا عينيه كي يشحذ نفسه المنفلتة، ليمد ذراعيه نحو خصرها يلصقها به مهمهمًا برجولية أربكت نبضها: أنتِ بخير..الحمد لله ..


قاومت تورد وجنتيها و قد تمرد كفها لشعره تمشطه بحنو و كفها الآخر كوبت به خده معقبةً بدفئ: نعم أنا كذلك..الحمد لله لأنك سليم أيضًا ..


فتح عينيه بهدوء دون أن يزيح موضع جبينه عنها يرمق لازورديها اللتان كانت و رغم رهبة الموقف إلا أنهما تشعان حنانًا بهيًا تسرب لكيانه يبث مفعوله السحري هناك زارعًا الراحة المنشودة، فإنزوى حاجبيه متحدثًا بحيرة: الإنفجار..كيف خرجتِ !!


إشتعلت وجنتيها حياءًا إلا أنها تابعت تمشيط شعره بأناملها مرسلة له ذبذباتٍ لذيذة لكافة أنحاء جسده موضحة بعدها بإرتباك أنثوي: آاآ ..لم أكن بالفندق حينها فقد غادرته كما أعلمتك بالإتصال... وجئت هنا للسوق ..وبعدها شعرت بشيئ قوي قد إنفجر فسقطنا على الأرض فجأة وكأننا قد دفعنا بقوة..


مسح على ظهرها ببطئ تداعت له كل جوارحها كأنه يرسل لها سربًا من الأحاسيس التي تبعد شبح الجزع عنها مقرباً وجهه أكثر من وجهها و أنفه قد داعب أنفها هامسًا بأنفاس ساخنة: مغادرتكِ للفندق هو أكثر شيء إيجابي قمتِ به منذ زواجنا.


لولا غرابة الموقف و الخجل الذي يعتريها لكانت ضحكت حقًا، فمسحت على وجنته برقة و عيناها ترسمان وجهه عن قرب.. مستغربة لماذا أصبح دافئاً هكذا ؟! فبادرت بسؤالها و هي تغرق بعمق لؤلؤتيه السوداوين أكثر فأكثر: كيف ..كيف علمت بالذي حدث ؟


تأملت عيناه ملامحها العذبة عن كثب و قد بدت بناظريه كأنها طفلة صغيرة قد صبغت بالبراءة و مزجت بالنقاوة، فصرح مجيبًا: إتصل بي والدكِ يستفهم عنكِ بسبب الصوت الذي سمعوه عبر الهاتف.


توسعت عينيها بعد أن أدركت شيئًا ما مرددةً بقلق: أكيد هم مرتعبون الآن ..فلنطمئنهم.


عاد رعد لواقعه مبتعدًا عنها قليلاً وكأنّ هناك مس أصابه مخرجًا هاتفه بسرعة يضغط على الإتصال بعمه، فتهادى له بعدها صوت عصام المتلهف: يا ولدي طمئني رجاءًا !!


نغزه ضميره لهنيهة مختلسًا نظرة لسحر التي كانت ترمقه بترقب مرددًا: إطمئن يا عمي هي بخير ما يرام.


أغمض عصام عينيه براحة، جالسًا على الأريكة بساقين واهنتين كلياً بعد أن كاد قلبه يتوقف حرفيًا بسبب الهلع الذي ألَم بهم، فأسرعت جوليا له بوجه تبلل بمدمعه المنساب متسائلة: ماذا حدث ؟!


أشار لها عصام بالهدوء و هو يقول: هما بخير إطمئنوا..كلاهما بخير..


وضعت شهد كفيها على وجهها تبكي بصمتٍ جراء الفزع الذي أصابهم .. صدقًا كانت ستموت دون أختها ..فأشفقت عليها منى ماسحة بخفة على ذراعها هامسة: هي بخير يا شهد الحمد لله تمالكي نفسكِ ..


أثلجت قلوب الباقين خاصة أدهم الذي تمتم بالحمد و زياد الذي شكر الله لأنه كان رحيماً بهم..


فشاركت جوليا جلسة زوجها تبكي فرحًا هامسة بنشيج: الحمد لله..الحمد لله.


فضمها عصام له بحنو متشربًا منها خوفها الأمومي معقبًا بالهاتف: حسنًا عودا فورًا.


هم رعد كي يجيب غير أنّ أحد أفراد الشرطة تحدث بصرامة: تفضلا معنا للتحقيق.


إرتبكت سحر محولة بصرها لرعد الذي أبعد الهاتف عن أذنه مجيبًا بإنجليزية حادة: عفواً يا هذا.. بماذا تفضلت ؟


وضح الشرطي بهدوء: كل الموجودين هنا سوف يوجهون للإدلاء بشهاداتهم و بعض المعلومات..نحن نقدر الوضع الذي أنتما به لكنه إجراء روتيني..كله ربع ساعة فقط.


تهادى له صوت عمه الجاد: رعد ما الخطب يا بني؟


أجابه رعد بهدوء: تريد الشرطة الإستفسار منا عن بعض النقاط يا عمي لا تقلق .


زفر عصام معقبًا على قوله: طبيعي بما أنك قرب موقع الحادث ... حسنًا سوف أوافيكم هناك.


عارضه رعد قائلاً بجدية محضة: لماذا تأتي و هل أنا طفل يا عمي ؟..من فضلك لا تأتي سوف ننهي الإجراءات ونعود لأرض الوطن لا تقلقوا.


مسح عصام صفحة وجههه بعصبية مرددًا: حسنًا بني


بعدها أغلق رعد المحادثة موجها بصره للشرطي الذي كان يترقب جوابه بصبر، مومئًا له إيجاباً مصرحًا بنبرة صقيعية: حسنًا ..


أشار لهما الشرطي بالتقدم حيث المبنى المجاور أين يتواجد طاقم المسعفون و الشرطة و الصحافة...فوجه رعد بصره لسحر حيث إنزوى حاجبيه حين ترائي له كفها النازف، فمد يده لها قابضًا على كفها يناظره بقلق و هو يقول: أنتِ مجروحة ؟


رطبت شفتيها و قد مسها تيار كهربائي مر عبر كافة جسدها مجيبةً بخفوتٍ: أظنّ..حين وقعت على الأرض و بسبب شظايا الزجاج التي كانت منتشرة بفعل الإنفجار ..لم أنتبه لها لهذا إرتكزت بكفي عليها دون أن أحس حين أردت الوقوف.


مسح عليه براحة يده مزيحًا الدم عنه، فأسبلت جفنيها بتورد تشعر بأنّ خديها سينفجران من الحمرة، لتتغضن ملامحها بألم فإستفهم هو بلين: هل يؤلمكِ ؟


إفتر ثغرها عن بسمة طفيفة لكنها كانت مشعة و مربكة له بطريقة لم يعهدها قبلاً هامسة: قليلاً فقط حين أضغط عليه.


لملم شتات نفسه مصرحًا ببحة رجولية: يبدو أنّ هناك قطع زجاج صغيرة بجرحكِ سوف نطلب منهم فحص لكفكِ كي نطمئن.


أومئت له بهدوء تسير بمحاذاته فزادت وتيرة إرتباكها حين أحست بكفه الذي فرده على كتفها مقرباً إياها نحوه كي تلتصق بجانبه كأنه يريد حمايتها و إحتواءها من الأغراب .


::


جال عصام بالمكتب يشعر بالغضب و الخوف يتملكانه بالآن ذاته، فقد مرت ساعتين و كلما إتصل برعد يعلمه أنّ الشرطة ترفض إطلاق سراحهما حتى تنتهي كل الإجراءات و هذا جعله يتوجس ..


زفر جاسم هادرًا بإبنه مواريًا قلقه هو الآخر: عصام كفاك تحركًا يا ولدي ما خطبك ؟..كلها تحقيقات عادية لا تضخم الأمر.


أيده إبنه فؤاده مصرحًا: أجل فهذا إنفجار فندق و هناك العديد من الضحايا..و كل رواده يعتبرون مشتبهين بهم و هم بأول القائمة.


أشفقت مريم على أخيها و زوجته معقبةً بلطف:أخي حبيبي هدأ نفسك رجاءًا ألا يكفي بكاء جوليا.


وضع عصام كفيه على خصره مستعيدًا صبره و متحاملاً على أبوته قدر الإمكان، هو فقط يخشى نقطة ما لا غير..فقط يتمنى أن لا تحدث، فأخذ شهيق ثم زفير متمالكًا ذاته قدر الإمكان.


دنت رقية من جوليا تمسح على عضدها مصرحةً بلطف: كفاكِ بكاءًا يا جوليا بالله عليكِ ..هما بخير و الحمد لله وسوف يعودان قريبًا جدًا.


قبضت شادية على كف جوليا المرتجف ممتصة منها قلقها المتزايد متحدثةً بعتب: جوليا تماسكي الأمر لا يحتاج كل هذا الخوف..لا تصعبي الأمر على زوجكِ و أبناءكِ من فضلكِ.


كفكفت المعنية دموعها منتشلة نفسها من دوامات أفكارها السلبية هامسة بصوتٍ متماسك: حسنًا..كل شيئ سيكون بخير ..بإذن الله.


نطق خالد بجدية: ما دمنا إتصلنا بالسفير فسيتدخل شخصيًا.. إذًا لن يكون الأمر صعباً..فقط تنتهي الإجراءات و يعودون فورًا.


مطت سارة شفتيها واضعة قدمًا فوق أخرى وقد بدأت أعصابها ترهق من هذه المبالغة، فقط لو يعود رعد وتبقى تلك السوقية هناك سيكون خبرًا رائعاً بحق و لصالحها..


::


دنى الرجل الذي بدى عليه الهيبة والوقار من رعد يمد كفه قائلاً بالعربية: السلام عليكم سيد رعد .


صافحه الأخير بجمود مجيبًا إياه: أهلاً سيد محمود...و أخيرا أتيت يا سيادة السفير ؟


أجابه المعني بهدوء موضحًا: حين إتصل بي السيد عصام تحركت فورًا .. و بناءًا على ما توصلت إليه من معلومات وأنا بطريقي لهنا يبدو أنّ التحقيق قد طال على المفترض أن يكون.


إحتل عيني رعد مزاج سوداوي مهسهسًا بحدة: لست غبيا حتى أثق بهم ...هناك خطب ما بالأمر يا محمود لقد حققوا مع نصفهم بدقائق فقط..لكن نحن طلبوا منا البقاء هنا حتى إشعار آخر..أمامهم عشر دقائق إما أن يسألوني ما يريدون أو سوف آخذ زوجتي و أغادر فورًا.


تنهد محمود بخفوت مصرحًا: إهدأ فقط ..سوف أتحرى الخطب و بعدها أوافيك.


أومئ له رعد بجمود ليتحرك الآخر حيث هدفه، ليحول بصره لسحر التي كانت قد إتخذت مجلسًا على كرسي منفرد بعد أن أصر عليها بالراحة، فتهادى له رنين هاتفه إذا به عمه كالعادة الذي كان يتصل به كل عشر دقائق كي يطمئن عليهما..


في حين مسحت سحر بخفة قطرات الدم التي لا تزال تنساب من كفها، فكشرت ملامحها حين ضغطت عليه مما آلمها، حيث شعرت بالملل يتسرب لها فهي جالسة منذ ساعتين هنا و قد بدأت تتعب حقاً، فجالت ببصرها تراقب حركة أفراد الشرطة و المسعفين و أناس آخرين لا تدرك مهامهم، و جفناها يتأرجحان بنظراتٍ خاطفة سريعة لرعد الذي كان يصول و يجول و لم يسكن بمكان واحد نهائيًا، يتحدث بهاتفه بملامح مشدودة صارمة، لتلتقي عيناهما لوهلة مما أربك سحر لهنيهة، فهو كل ثانية يحول بصره لها كأنه يتأكد من سلامتها..فأطرقت رأسها بحياء، لا تعرف لماذا أصبح النظر له يوترها ..حيث خطفت نظرة سريعة نحوه لتراه قد وضع هاتفه بجيب سترته متخذًا بضع خطواتٍ نحوها فجثى قبالتها قابضًا بهدوء على يدها يدقق بجرح كفها هامسًا: يبدو أنه بدأ يلتهب ..


فتشنج فكه مستقيمًا ينادي على أحد المسعفين فتقدم منه أحدهم مستفهمًا بهدوء: تفضل.


هدر رعد بحدة: زوجتي مصابة ..لهذا أريد طبيبة.


حول المسعف بصره لسحر قائلاً: حسنًا دعني أرى إصابتها.


دنى قليلاً إلا أنّ رعد قبض عليه من ياقته هادرًا به بجنون: قلت طبيبة أو مسعفة..يعني أنثى ..و ليس ذكر ..هل سمعت أو أنك أصم ؟


إرتبك الأخير من مبالغته فأسرعت سحر لزوجها كي لا يتفاقم الأمر ماسحة بخفة على ذراعه و هي تقول: رعد أرجوك دعه...هو أجنبي و لا يعرف هذه الأمور.


هدأ المعني تدريجيًا مبعدا الشاب عنه مصرحًا: أطلب لي مسعفة ..هَا أنا ذا أكرر أنثى ..أنثى..


أومئ له الآخر بنعم محتارًا من هذا الغريب المنفعل بهذه الطريقة، فحول رعد بصره لسحر مرددًا بحزم: هذه ثاني مرة تتدخلين حين أكلم رجل ما...لهذا لا تفعلي ذلك مجددًا أحسن.


رفرفت سحر برمشها متسائلة بإستغراب: و متى كانت المرة الأولى أصلاً ؟


إلتفت لها رعد كلياً مجيبًا بهدوء: حين تشاجرت مع ذلك الشاب يوم توقفت سيارتكِ .. كنتِ قد تدخلت و طلبتِ مني عدم الشجار.


إرتخت تقاسيمها تناظره ملأ عينيها مستفهمة برقة: هل تعدد لي أخطائي يا زوجي الكريم ؟!


قرب وجهه من وجهها يميل عليها مجيبًا بخفوت: شيئ من هذا القبيل يا زوجتي.


تبسمت برقة وهي تتفرس ملامحه الرجولية التي تنبض قساوة و حدة غير أنها أيقنت أنّ هذه الصلابة و البرودة كلها ينبثق منها تدفقًا عظيماً من كل معاني الدفئ و الحنان و العطاء الذي لا حدود له.


- هل تريدان طبيبة ؟


حول الإثنان نظرها للشابة التي كانت قد دنت منهما وترتدي مئزرًا أبيضًا يشير أنها طبيبة، حيث أومئ لها رعد مجيبًا بإنجليزية: نعم ..زوجتي لديها جرح بكفها و غالباً هناك قطع زجاج صغيرة به..


أومئت له الأخيرة بعملية تمد كفها لسحر بما معناه هاتِ كفكِ لتفعل الأخيرة ما أرادت، فجالت الطبيبة ببصرها بالجرح مرددةً بعدها: حسنًا إجلسي وسأعاينه.


إتخذت سحر مجلسها الأول فجلست الطبيبة بقربها مباشرة فحص الجرح بتركيز، حيث حول رعد بصره للمنادي عليه والذي كان السفير الذي ردد بجدية محضة: سوف يحققون معكما الآن.


رفع رعد حاجبه مستفهمًا بنبرة خطرة: ماذا تقصد بكلمة " معكما " ؟


صرح محمود بتوضيح: أنت وزوجتك طبعًا ..كلاكما سوف يتم توجيه له بضع أسئلة ؟


طحن رعد ضروسه و سحب الغضب تغشي الرؤية عنده قائلاً: لا أحد ..هَا أنا ذا أكررها لا أحد سيحقق مع زوجتي هل فهمت ؟


هم محمود بالرد غير أنّ رعد قاطعه بغضب قد إندلع به بغتةً: لا تحاول إقناعي يا هذا أفضل(ليقترب منه مهسهسًا بعدها) نصيحة لك نفذ عملك بإتقان أكبر أفضل..فنحن نبذل جهدًا كبيراً كي تكونوا بمثل هذه المناصب العليا بالدولة ..لأنه من العار أن تصلوا لمكانتكم هذه بفضلنا و بعدها تفشلون في حماية جاليتكم بالدول الغربية.


تنهد محمود تنهيدة عميقة معقبًا بهدوء: الأمر ليس مثلما تعتقد ..نحن بدولة غربية يا سيد رعد و لها قوانينها الخاصة و حتى لو كنت سفيرًا لدولتنا هنا فهذا لن يسمح لهم بالتهاون التام ..مهمتي هي تخفيف الإجراءات و متابعة الأمر والتدخل إن تجاوزوا بحقكم ظلمًا ..غير هذا فليس من صلاحياتي .


أومئ له رعد ببطئ و كافة إنفعالاته تتجلى بعينيه مرددًا بهسيس: نحن لست مواطنين عاديين هل فهمت ؟ هل تدرك كم مليون دولار كنا سنستثمره بهذه الدولة الغبية ..و أنا و أنت و حتى هم يدركون جيداً أنّ المصالح المادية تفوق كل إعتبار عندهم لهذا لا داعي لكشف المستور.


بسط محمود شفتيه مختلسًا نظرة لسحر معيدًا بعدها بصره لرعد هامسًا بصوت خافت: أنظر لثياب زوجتك و ستعرف يا سيد رعد.


قبض رعد على تلابيبه مرددًا بفحيح مظلم و ينضح خطراً: ما خطب ثيابها هَا ؟


أمسك المعني كفيه مقدرًا ثورته معقبًا بهدوء: لا أقصد سوءًا طبعًا..لكن هذا الذي وضعكم بشبهة ؟


أزاح رعد يديه عنه وقد بدأ التوجس يخترق قلبه متسائلاً بقلة صبر: إنطق.


دنى منه محمود قائلاً بجدية تامة: زوجتك محجبة و كانت بالسوق قرب الفندق أثناء وقوع الإنفجار..والأهم أنكما مسلمان لهذا هم أخروا التحقيق معكم حتى يحصلوا على المعلومات الكافية عنكم..تدرك جيداً أنّ الغرب كله لديه حساسية من الإسلام لهذا يشكون أنّ لكم يدًا في الإنفجار.


إكفهر وجه رعد ليعمه الذهول بعدها مزمجرًا بجنون: نحن موضع شك !! زوجتي كانت ستموت لولا لطف الله و أنا كنت بمقابلة عمل حين حدث الأمر..و الآن نكون بموضع شبهة...ما هذا الغباء ؟


جادله محمود بصبر: الأمر لا يحتاج لكل هذا الغضب يا سيد رعد..أنت رجل أعمال وأعمالك هنا كلها قانونية و مشروعة و الأهم أنك من عائلة مرموقة لها صيت كبير و كلها نقاط إيجابية لصالحك..و حاليًا هم يتفحصون كل الكاميرات بالفندق و الشوارع التي حوله و من بينهم المقهى الذي إردته، لهذا أكيد ستبرئان تمامًا ..فقط عليك أن تكون متعاونًا.. فهذا تفجير بفندق كبير و مشهور و ليس بحادث بسيط.


كور رعد قبضته مومئا بهدوء مصرحًا: حسنًا لابأس..أنا فقط من سيحقق معه لكن زوجتي لا ..سوف أرسلها لأرض الوطن حالاً ولن تضل هنا لثانية أخرى..فمالذي يضمن لي انهم لن يلفقون تهمًا لها لأنها مسلمة محجبة ؟


بسط محمود شفتيه قائلاً: لكنها هي التي كانت تقريبًا بقلب الحادث.


تشنج فكه غضبًا متقبضًا على جانبه محاولاً تلجيم الوحش بداخله مهسهسًا بعدها: هي ضحية لا غير ..وأنا فقط من سيحقق معه غير هذا فلا ..


هز محمود رأسه على عناده لتقع عيناه على أحد الضباط الذين قد وصلوا و ولجوا للقاعة، فردد بهدوء: حسنًا دقيقة و سوف أوافيك.


ليتحرك بعدها تاركاً رعد الذي فتح المحادثة الواردة مجيبًا: نعم يا عمي.


بالطرف الآخر عقب عصام بحدة: هل من شيئ جديد ؟


وجه رعد بصره لزوجته التي كانت الطبيبة تلف الضمادة حول كفها، في حين قد توشحت تقاسيم سحر بالضجر..فإفتر ثغره عن بسمة خفيفة فرغم الموقف العصيب الذي هما به إلا أنها بدت متماسكة و صلبة بل تقريبًا غير مبالية، لينزوي حاجبيه بحيرة متسائلاً بسره هل ما مرت به سابقاً هو الذي جعلها قوية البنيان هكذا.


- رعد هل لازلت معي بني ؟!


عاد من شروده بها على صوت عمه فتنحنح مرددًا: عذرًا يا عمي..لكن سأعلمك شيئ لكن لا تقلق.


إستقام عصام من مجلسه وقد بدأت الريبة تحتل قلبه متسائلاً بخفوت: خيراً ؟!


أجاب رعد وقد عم ضباب الغضب مرآه: هم يأخرون التحقيق معنا عمدًا لشكهم الأول بنا بإعتبارنا مسلمين.


إحتدت تقاسيم عصام محاولاً لملمة حنقه المتصاعد كي لا يربك باقي الأفراد مجيبًا إياه: هذا الذي كنت أخشاه ...لكن هم ليسوا أغبياء هكذا، فلن يخاطروا بمصالحهم كي يضعوا اللوم عليكما.


خطف رعد نظرة سريعة نحو سحر يتأكد بين الفينة والأخرى سلامتها مصرحًا: لهذا كإحتياط سوف أرسل سحر لأرض الوطن أولاً وإستقبلوها بالمطار.


إنزوى حاجبي عصام يجول ببصره من بعيد بين أفراد الأسرة الذين كانوا يناظرونه بترقب وعدم فهم لفحوى حديثه مستفهمًا بهدوء مختلق: و أنت ؟


دعك رعد ما بين عينيه بإرهاق مرددًا: حاليًا تهمني سلامة زوجتي يا عمي وإبعادها قدر الإمكان عن هنا كي أضمن سلامتها من أي خطر قد يلحق بها ..وأنا سأعود بعدها.. فدليل برائتي موجود غالباً بالكاميرات التي كانت متواجدة بالمقهى و الشوارع لهذا لست قلقاً بتاتًا..


لولا قلقه المتعاظم بقلبه لكان حقاً إبتسم فخراً به، فسار أكثر مبتعدًا عن مجلسهم قائلاً بجدية: إسمع يا بني وجود السفير معكما سيدعم موقفكما خاصة أنه أخبرني أنهم يتأكدون من الكاميرات وبما أنها مدينة العاصمة و سياحية محضة لهذا لن يستغرق العثور على دليل براءة سوى وقتًا بسيطًا.


أومئ رعد موافقاً قوله معقبًا بعدها بشدة: أعلم هذا يا عمي..لكنك بذات الوقت تدرك حقدهم على الإسلام وقد يفضلون وضع كبش فداء أمام شعبهم تحت بند " تم القبض على صاحب تفجير الفندق وهو شخص مسلم إرهابي" حتى ولو كان شخصًا بريئًا..أليس هذا هو منطقهم الحقير ..لهذا لن أبقي سحر هنا حتى و لو إضطررت لتهريبها قسرًا.


فتح عصام أزرار قميصه العلوية بحركة عصبية متحدثًا بصبر: أولاً تمالك صبرك و تعقل ولا داعي كي تفقد حكمتك جراء أي غيرة منفعلة يا بني .. ثانيًا لا أظنّ أنّ هذا سيحدث، فوجود السفير معكما هذا أكبر دليل أنكما مجرد مدنيين عاديين و كذلك أنت رجل أعمال و لك عدة سفريات بذلك البلد على مدار سنوات عدة هي مثبتة عندهم، خاصة أنك من عائلة معروفة و مرموقة..و الأهم أنهم لن يكونوا أغبياء لهذه الدرجة حتى يضعوكم كبش فداء فهذا إعلان صريح و واضح منهم للحرب على جاليتنا هناك و التي أغلبها من عشائرنا و منهم كبار رجال الأعمال الذين لهم إستثمارات ضخمة عندهم..لهذا أرجح أنهم سيحققون معكما بشفافية تامة إطمئن.


تنهد رعد بخفوت كأنه يدرس الأمر بعقله و ينقحه تدريجيًا فهمس بقوله الجاد: لكن دعني أظمن سلامة سحر أولاً.. فهذا الأهم حاليًا وبعدها فليحققوا كما أرادوا.


تبسم عصام بحنو مصرحًا بتفهم أبوي: هذا إن وافقتك هي.


زم رعد شفتيه مجيبًا بجدية: ستوافق رغمًا عنها لسنا بموقف يسمح لها بالعناد .


بعد لحظات أغلق عصام المحادثة يدعو بسره بأن يمر كل شيئ بسهولة دون أي تنغيصات، ليتهادى له صوت جوليا الوجل: عزيزي هل هناك خطب ما ؟


إغتصب عصام بسمة هادئة مجيبًا بمراوغة: أبدًا..كل شيئ بخير ما يرام إطمئنوا..


::


وضع رعد هاتفه بجيب سترته محتارًا من الوضع الراهن، فدنت سحر منه مستفهمة بهدوء: هل كنت تحدث والدي؟


حول رعد بصره لها مجيبًا إياها: أجل.


تصفحت وجهه على مهل مبادرة بتسائلها: بدوت غاضبًا، هل كل شيئ على ما يرام ؟


وجه الأخير بصره لكفها المضمد ليمد يده له ممسكًا إياه برفق يرفعه قليلاً يتأكد من سلامته، فإرتبكت سحر بخجل عاجزة عن إبداء أي رد فعل غير التورد الذي كسى وجنتيها، ليصلها تساؤله: هل عقمته الطبيبة جيدًا ؟


أسبلت جفنيها بحياء أنثوي بهي مهمهمة برقة: أجل..لقد تأكدت من خلوه من أي زجاج و بعدها عقمته و ضمدته.


أومئ لها بهدوء يمسح بإبهامه على ظهر يدها مرسلاً لها ذبذبات مربكة لكافة أنحاء جسدها فعقب بهمس خافت: كفكِ باردة..هل تشعرين بالبرد ؟


أشاحت بوجهها عن مرآه تهز كتفيها تشعر بإنعقاد لسانها جراء تصرفاته الغريبة، فنزع سترته واضعًا إياها حولها بحركة إستساغتها سرًا و داعبت دواخلها ليصلها صوته الأبح: غالبًا ستعودين للوطن كي نبعد عنكِ أي شبهة قد تطولكِ.


رفعت نظرها نحوه بعدم فهم مرددةً بتسائل: تقصد نعود لأرض الوطن معًا ؟


بسط شفتيه يحدق إليها بعينين موضحتين: أولاً سنرى الوضع و إن توجست لوجود أي نية سيئة من قبلهم لإلصاق التهمة بكِ، فسوف نجد سبيلاً لإعادتكِ فورًا للوطن حتى و لو إخترقنا قانونهم.


أومئت له سحر ببطئ تبلور كلماته بعقلها كي تصل لمعناه الأصلي مصرحةً بعدها: تقصد تبعدني عن الساحة وتضل أنت هنا كي تتحمل الأمر برمته صح ؟


تأمل عيناها اللازوردين لوهلة مجيبًا: أجل هو كذلك..


إتخذت خطوة نحوه ترمقه بعيون بدأت تتقد شررًا: إذًا أنا أكون نعجة جبانة و أفر من ميدان معركتي كي أترك زوجي لوحده يجابه المصائب منفرداً صح...هذا هو مقصدك ؟!


رمقها بإستغراب تجلى على محياه و هو يقول: لماذا تنظرين للأمر بهذه السلبية..أنا أريد ضمان سلامتكِ فقط...


قاطعته سحر بنبرة تشع شراسة و جموحًا: سلامتي هَا ؟ و هل سلامتي تكون بناءاً على تضحيتي بزوجي تاركة إياه يواجة دولة بأكملها وأنا أهرب كأميرة مدللة غبية عساها تعود لقصرها المخملي ذاك الذي بوطنها..


تماهت تقاسيمه و لم تنم عن شيئ محدد، يرمق تغيرها و يستعجب تناقضها، فمرة هي زوجة هادئة وديعة و مرة أخرى مخالفة لذلك تماما صعبة و متوحشة، فقرب وجهه منها مرددًا بحدة: لا تجادليني و ستنفذين الأمر دون النبس بحرف واحد..هذا يتعلق بسلامتكِ، إفهمي... لهذا لا تعانديني.


ثارت عيناها وأضرمت نيرانها مرددةً بشموخها الأزلي: إن كانت سلامتي ستكون بناءًا على ترك زوجي بخضم المشكلة فلا أريدها.


إزدادت ظلمة مقلتيه معقبًا بفحيح: كفاكِ تمردًا هذا ليس بوقته إطلاقاً ..هَا أنا ذا أقولها إن شعرت بأنّ نيتهم مريبة فسوف أهربكِ من هنا حالاً.


إفتر ثغرها عن بسمة طفيفة تدنو منه أكثر، تقطع المسافة التي بينهما رافعة كفها تبسطه فوق صدره الذي تصلب فجأة بفعل لمستها، ترمقه بعينين تشعان تحديًا و قوة.. كلبؤة مرفهة و معتزة بنفسها: جئنا معًا و سنعود معًا يا زوجي العزيز ..غير هذا فلن أنفذ حرفًا واحدًا من كلامك..


حدق بعمق هُوتها البشرية والتي تمثلت بعيناها تلك التي حملت بثناياها وهجًا ناريًا طاغيًا، ليواري تشتت أعماقه، قابضًا على ذراعها يجذبها له أكثر هامسًا بخفوت: هل يجب عليكِ أن تغضبيني و نحن بمثل هذا الوضع ؟ لماذا لا تلبين فقط دون صداع رأس.


غاصت بأعماق مقلتاه تلك تائهة بظلامهما والذي رغم حدتهما المخيفة للغير إلا أنها تبثها بذبذباتٍ من الدفئ الغريب لوجدانها فتستوطن هناك، لتجيب بهمس مماثل: لا أريد إغضابك يا رعد ..لكنني لن أتركك بنصف الطريق لوحدك ..ليست سحر من تتخلى عن زوجها بمثل هذا الوضع بحجة أنها كانت زوجة مطيعة و نفذت مطلبه لتعود هي لأرض الوطن و تتنعم بالأمان بينما هو يكافح لوحده..لا تطالبني بما يخالف ضميري و مبادئي من فضلك.


إضطربت حدقتيه لهنيهة وإرتج قلبه بين أضلعه بعنف، فوارى إنفعالاته كلها يهم بالرد غير أنها أسرعت بوضع كفها على شفتيه تمنعه من المعارضة أكثر، فإنحسرت أنفاسه وقد إعترته الصدمة لوهلة عاجزاً عن التفوه بحرف، ليستخري تدريجيًا بعد أن أزاحت كفها عن شفتيه تفرده على وجنته، ماسحة على لحيته بدفئ، تناظره ملأ عينيها و هي تقول: شششش الأمر لا يحتاج لمعركة قد نفتعلها الآن يا رعد..قسمًا بالله لن أخطو خطوة واحدة بدونك ..حتى ولو كان زواجنا صوريًا إلا أنه بمثل هذا الوقت فسأعتبره زواج حقيقي و أمارس دوري كاملاً بأن أشد عضدك و أكون جيشك الباسل..سوف أحمي ظهرك و لن أغادر دونك..إما أن نعود لأرض الوطن معًا أو نسجن معًا ..غير هذا لن أرضى.. لهذا لا تتعب ذاتك بالنقاش معي.


إهتاجت زوبعة المشاعر بكلاهما وتعانقت أعينهما بصمتٍ مربك لهما حتى ولو تظاهرا بالعكس، فتنهد رعد و قد بدأت نسمات دافئة تخترق القفر البارد الذي بصدره تمارس مفعولها السحري هناك دون أن يملك إمكانية منعه من الأساس.


- سيد رعد.


وجه الإثنان بصرهما للضابط الذي كان واقفاً على مقربة منهما رفقة السفير محمود، فطحن رعد ضروسه موجها بصره لسحر رافعا سترته عليها بأكملها يواريها تمامًا، يشدها برفق نحوه يخفيها بصدره، كأنه يسعى بفعلته تلك لحمايتها، مجيبًا ببرود: خيراً.


إشتعلت وجنتي سحر بحياء شديد و هي تشعر بذاتها محشورة و بقوة بصدره العضلي مخفية كليًا عن الأنظار، فقاومت توهجها و قد تملكتها رغبة في الضحك حقاً على تصرفات رعد الغريبة و التي فاجئتها صدقًا ..هل يظن حقا أنها هشة و ضعيفة لهذه الدرجة ؟! ألا يعرف شخصيتها المعتادة التي كان هو شخصياً ضحية لها طوال الأشهر السابقة ؟ فزفرت بخفوت مسايرة حركاته تلك ترفع كفيها محيطة خصره، تمسح على ظهره بخفة عساها تتشرب منه تلك الشرارات السلبية، فأحست بتخشبه بغتةً جراء لمساتها إلا أنه هدأ تدريجيًا و أعلن جسمه الإسترخاء.

حول الضابط بصره لسحر التي كانت مخفية تمامًا بسترة زوجها ليعود ببصره حيث رعد مجيبًا بإنجليزية عملية: عذراً على طول بقائكم هنا لكن كما تعلم هذا طبيعي في ظل هذه الأوضاع.


إرتفعت زاوية شفتاه ببسمة ساخرة معقبًا: لا بأس نستطيع الإنتظار لشهر أو شهرين ..و ربما سنة أو إثنتين فلا هم لنا غير إرضاء سيادتكم.


كتم محمود بسمته مصرحًا بهدوء كي لا يتطور الأمر مع مزاج رعد العكر ذاك: لقد تطلع الضابط على الكاميرات التي أثبتت تواجدك بالمقهى لهذا لا وجود لأي إشكال قد يضعك بموضع إتهام سيد رعد.


صرح الضابط بعده بنبرة جادة: هو تأكدنا من حجة براءته، فقط علينا التأكد من زوجته و بعدها لهم صلاحية المغادرة.


ضمها رعد بقوة لصدره كأنه يسعى لدمجها بين جنبات صدره، حيث إندست هي بحضنه أكثر تشدد على إحاطة خصره بذراعيها تستنشق عطره الرجولي الذي جعلها تستكين بهدوءٍ تام تاركة له المجال كي يتصرف هو بنفسه لثقتها الكاملة بقوته.


ليرتسم على شفتي رعد تعبير مفرط القسوة مهسهسًا بتوحش: إذًا زوجتي بموضع إتهام صح ؟


نفى الضابط بقوله: نحن نقدر إنفعالك و خوفك على زوجتك، لكن كل رواد الفندق و حتى أصحاب المحلات التي بالسوق سوف يخضعون لبضع أسئلة فقط روتينية عساهم يدلون بمعلومات تفيدنا عن صاحب التفجير...الكل هنا بريئ تمامًا ما لم نعثر على دليل إدانة إطمئن.


هدرت عيني رعد بعاصفة كاسحة و هو يقول بصرامة مخيفة: زوجتي كانت تتجول بالسوق حين وقع الإنفجار، و حسب علمي بكل المحلات و الشارع الذي بالسوق يحتوي على عدة كاميرات قد وثقت تواجدها و هذا بحد ذاته دليل براءة قوي...لهذا بدلاً من كل هذا الكلام الذي لا طائل منه إذهب و راجع الكاميرات.


زم محمود شفتيه على مبالغة رعد، حيث عقب الضابط بنبرة حادة نسبيًا: لن ترينا كيف نمارس عملنا سيد رعد ...قلنا لا يوجد إتهام لكما ما لم نجد دليلاً.


هدر رعد به بجنون أربك سحر التي بحضنه: بل سأريكم و أعلمكم كذلك...لوقت طويل و نحن هنا ماذا يقصد به هذا التصرف ؟ هل تعتقد أنني غبي ..إسمع لا تظن لأنني عربي مسلم قد تنطلي علي أي من هذه التصرفات فأنتم خير من يدرك أن هذا ليس لصالحكم بتاتًا..لهذا إما أن تسرعوا بفحص الكاميرات أو دعونا نغادر حالاً.


تدخل محمود مانعاً لأي تجاوزات قد تحدث فتعرقل الأمر برمته: أساساً لقد باشروا منذ دقائق بمراجعة الكاميرات بإذن الله كلها فترة قصيرة و سوف يحل الأمر(فوجه بعدها بصره للضابط الذي كان محياها متجهما متابعا قوله) هلا طلبت منهم السرعة قليلاً ؟


تغضنت تقاسيم المعني مصرحًا بصوتٍ حاد: نحن لا نتصرف بناءًا على أوامركم، دعونا نقوم بعملنا بهدوء.


ليتحرك بعدها لعمله تاركهم إياهم، حيث وجه محمود حديثه لرعد بعتاب: تمالك ذاتك قليلاً، لا داعي لكل هذا التحفز كي لا يماطلوا بالأمر.


مسح رعد بخفة على ظهر سحره مرسلاً شرارة لذيذة لأنحاء جسدها، مجيبًا إياه بنبرة صقيعية: زوجتي خط أحمر، لهذا لا أظن أنهم بذلك الحمق حتى يماطلوا أو يرتكبوا هفوة غبية ضدنا.


أومئ له محمود بهدوء معقبًا بجدية: حسنًا سوف أذهب للتأكد من فحصهم الكاميرات التي بالسوق كي تغادروا بسرعة أفضل.


فتوجه بعدها لهدفه فشيعه رعد بنظراته المبهمة ليعود ببصره لسحر التي كانت مستكينة بحضنه، يبتسم بحنو مزيحًا السترة من فوق رأسها متسائلاً بهدوء: أنتِ بخير ؟!


رفعت المعنية بصرها نحوه تناظره بعينين محتارتين، فرفع هو كفه لذقنها ذو طابع الحسن، يتفرس محياها عن قرب مكررًا تسائله وأنفاسه الساخنة تلفح بشرتها: ما خطبكِ ؟


ظلا يحملقان ببعض و كلاهما يتوه بعيني الآخر، فإزداد إشتعال وجنتيها مرددةً بهمس: لا داعي لأن نصعب الأمر عليهم و علينا يا رعد ..فلنتعاون معهم و لنجب على أسئلتهم لابأس.


صفن بها يتطلع إليها بنظراتٍ مبهمة أربكت نبضها لهنيهات مجيبًا إياها: كل الأدلة أمامهم لكنهم فقط يتحامقون..لهذا لن أسمح لهم بالدنو منكِ أبدًا.


تزينت شفتاها ببسمة مشرقة، فأسبلت جفنيها بخفر جذاب داعب رجوليته قائلة: لا بأس ..فلنتعاون معهم لمصلحتنا فقط كي نغادر من هنا بسرعة ..فلو إعتمدنا عليهم قد يتستغرق وقتًا أكبر.


مسح بخفة على خصرها فتسربت قشعريرة لشرايينها، يمد كفه الآخر لذقنها يرفع وجهها ناحيته فإلتحمت عيناهما بحوار صامت لثواني، حيث جال بصره بمحياها السمح مرددًا ببحة رجولية: هَا أنا ذا سوف أجيب على كل إستفساراتهم.


إرتسمت على شفتيها إبتسامة عذبة على مراوغته تناظره ملأ عينيها و هي تردد: رعد أنت لقد عثروا على دليل برائتك لهذا هم قد يطلبونني أنا و ليس أنت..


مسح بإبهامه على وجنتها المتوردة تلك يبثها زخاتٍ من فيض حنانه الرجولي مقربًا وجهه من وجهها و هو يجيب بهسيس: لن يحدث ذلك ..لن أترككِ بهكذا موقف أبدًا يا حرمي.


ترنح قلبها بين جنبات صدرها ترمق إصراره ذاك و الذي صدقًا تراه مبالغاً في مثل هذا الموضع غير أنها بقرارة نفسها إستحسنته جدًا، حيث لملمت شتات نفسها المرتبكة مصرحةً: الموضوع لا يحتاج كل هذه المبالغة يا رعد بالله عليك.. فأنت هنا أكيد و ستكون معي طوال الوقت..


هم رعد بالإعتراض مجدداً غير أن قدوم السفير حال دون ذلك، فشد سحر مرة أخرى لصدره بقوة محيطًا ظهرها بذراعه، ليباشره محمود قائلاً وقد توشح محياه بالبشاشة: الحمد لله، هناك كاميرات إلتقطت زوجتك وهي تلج للسوق و تتجول به، لهذا فلا شيئ عليكما.

تنهدت سحر براحة تحمد الله بسرها على زوال المشكلة فإستكانت بحضنه بعد أن مسح بكفه على ظهرها كأنه يشاركها زفرة الراحة، فأخفت توهجها المشتعل بصدره الصلب حيث تهادى لها صوته الأجش: و أخيراً أصبح لمحققيهم دور.


زم محمود شفتيه معقبًا على سخريته تلك: هم يبذلون أقصى جهدهم يا سيد رعد.


إرتفعت شفتي الأخير ببسمة متهكمة قائلا: أجل لولا معرفتي بهم لصدقت ..


قبضت سحر على قميصه تشده برفق منادية عليه: رعد.


حول بصره لها يرمقها بمقلتين متسائليتن، فطفت إبتسامة أضائت وجهها الشكور مرددةً: فلنتصل بعائلتنا كي يطمئوا أولاً.


أومئ لها بهدوء وقد زفر بخفوت مخرجًا مع كل زفراته الثقل الذي كان يجثم على صدره يبحث عن هاتفه، فقهقهت سحر برقة مخرجة إياه من جيب سترته التي كانا حول كتفيها هامسة: خذ.


قلبه ضخ صدى ضحكتها ليتسرب لشرايينه دفئًا بهيًا آخذا منها هاتفه متصلاً بهم، فلم يلبث مع أول رنة أن أجابه عصام بلهفة: أجل يا ولدي.


أشفق عليه رعد وقد حز في نفسه كل ذلك الهلع الذي تسببا به لهم فردد بلين: حمد لله لقد حل الأمر و سنعود فورًا يا عمي .


تنهد عصام براحة و أخيراً أثلج صدره و عادت الروح له فهمس: حمدًا لله...حمدًا لله..فلتعودا حالاً يا بني..سوف أكلم السفير كي يسهل عملية سفركما.


أومئ له رعد كأنه يراه معقبًا: بإذن الله..ونعتذر عن الفزع الذي طالكم يا عمي..حقكم علينا والله.


إرتخت تقاسيم عصام مرددًا بحنان أبوي: أبدًا يا ولدي هذا ليس بذنبكم...يكفينا سلامتكم.


بعد هنيهات أغلق عصام المحادثة ملتفتًا للمجمع هاتفًا بمحيى كساه السرور: لقد فرجت ..وسوف يعودون قريباً.


علت همهمات الحمد السعيدة بالقاعة، فمسحت جوليا دمعها مرددةً بحبور: لك الحمد و الشكر يااارب.


كفكفت شهد مدمعها هي الأخرى مستقيمة من مجلسها تدنو من عصام هامسة بنشيج: أبي عصام هل لي بطلب صغير ؟


أشفق عليها الأخير مجيبًا إياها بحنو: أنتِ تأمرين يا بنيتي .


أطرقت رأسها و ذلك الوجع ينغل بجوفها قائلة: بما أنني قد إطمأننت على سحر أختي هل أستطيع الذهاب لبيتنا السابق ..


إنزوى حاجبيه مستفهما بإستغراب: لكن لماذا ستذهبين و بهذا الوقت يا صغيرتي؟


رطبت شفتيها مصرحةً بصوت متهدج: لقد إتصلت بي جارتنا السابقة و أخبرتني أنه قد إحترق.


توسعت عيني عصام هامسا بذهول: إحترق !!


إزدرت ريقها مومئة بنعم، فربت على رأسها مرددًا بنغمة أبوة: لا تحزني يا إبنتي ..يكفي سلامتكم فكل شيئ يعوض إلا أنتن والله.


مسحت دمعها هامسة: ستأتي معي يا أبي عصام أليس كذلك ؟


رق محياه مجيبًا: طبعًا سأفعل.


أشار لها بالتقدم فإستقام زياد هو الآخر بعد أن كان يراقبهما من بعيد قائلاً: إن كنتما سوف تذهبان للمدينة الأخرى سوف آتي معكما.


قطبت مريم جبينها مستفهمة بفضول: لماذا ستذهبون لهنالك ؟


إستفهم أدهم هو كذلك بعدم فهم: هل طرأ شيء ما يا أبي؟


زفر عصام موضحًا: بيتهم القديم قد إحترق.


شقهت جوليا مستقيمة من مجلسها تدنو منهما تضم شهد لصدرها تبثها حنانها الأمومي مقدرة هي لوعتها الداخلية، لينزوي حاجبي فؤاد مستفهمًا: وما سبب الحريق يا ترى؟!


هز عصام كتفيه مجيبًا بإختصار: لا علم لنا سوف نذهب ونتأكد.


رددت جوليا مقبلة رأس شهد التي إندست بحضنها: سوف أذهب معكم.


زم عصام شفتيه مجادلاً بهدوء: لا داعي لحضور أحد يا جوليا كلها ساعة وسنعود.


نفت الأخيرة بقولها: و هل أترك إبنتي في مثل هذا الوضع يا عصام ؟


هز رأسه مشيرًا لهما بالتحرك قائلاً: حسنًا تقدما.


::


بعد وقت توغلت شهد للبيت و الذي كان كله عبارة عن سواد لا غير..فقد إحترق بأكمله ولم يبقى به شيئاً صالحاً للإستعمال، فتدفقت دموعها تشهق بمرارة أنهكت قلبها ذاك ..تجول ببصرها بالأرجاء علّها تلمح ولو غرضًا سليمًا..لكن لا شيئ..البيت كله عبارة عن رماد و ظلام فقط..


مسحت جوليا على ظهرها بدفئ تبثها دعمها و هي تقول: لابأس يا طفلتي ..لابأس..


رددت هدى و هي تناظر شهد التي كانت شاردة و غارقة بالأحزان: سوف يعود كما كان يا شهد لا تقلقي ..كله يعوض بإذن الله.


سارت شهد حيث غرفتها القديمة تلج لها بخطى مبعثرة واهنة تشعر أنّ قلبها يتمزق تمامًا، حيث قبضت هدى على رسغ جوليا مصرحةً: لو نتركها لوحدها أفضل ..ربما تريد الإنفراد قليلاً مع ذاتها.


أومئت لها الأخيرة بصمتٍ موجهة بصرها بالمنزل الصغير تتمشى بين جنباته كأنها تتخيل صور تلك الأسرة السعيدة التي كفلت صغيرتها بينهم و أغدقوا عليها من فيض عواطفهم السخية.


::


بالأسفل إنعقد حاجبي عصام مستفهمًا من علي زوج السيدة هدى: و هل توصلوا لسبب الحريق؟


أومئ له علي إيجاباً مصرحًا: بما أنّ البيت كان مهجور، و بعد تفحصهم للكهرباء تبين أنّ الحريق مفتعل.


عقد أدهم حاجبيه مرددًا بإستغراب: مفتعل !! لكن على أي أساس وضعوا هذه الفرضية ؟


أجابه علي موضحًا: كما قلنا البيت كان فارغ من ساكنيه و الكهرباء و الغاز مغلوقين و لقد عثروا على رائحة بنزين وبعض آثاره ..هذه معلومات بسيطة نبسوا بها.


تقبض زياد موجهاً بصره لأبيه الذي كان محياه واجمًا معقبًا بعدها بحدة: لكن من له مصلحة في إحراق بيت بسيط خالي من أفراده ؟


تغضنت تقاسيم أدهم مردفًا بجدية: هل قد يكون عم شهد ذاك أو إبن عمها بلال !!


طحن زياد ضروسه مهسهسًا بسخط: غالباً هو ذلك الحقير ..سوف أربيه.


زفر عصام بتعب قائلاً بهدوء: لا أظنهم السبب..يدركون جيداً أنهم ليسوا أهلاً لتحدينا من الأساس .


أيده علي بقوله: أوافقك سيد عصام و كذلك هم كانوا يريدون البيت، إذا على أي أساس يحرقونه !!


هز أدهم كتفيه مقرًا قوله: ربما لأنهم لم يحصلوا عليه، يفتعلون حريقاً كنوع من الإنتقام و رد الإعتبار.


تشنج فك زياد متحركًا حيث العمارة والجًا لها حيث البيت عساه يطمئن عليها، فدلف للبيت متوغلاً فيه لتترائى له والدته رفقة تلك الجارة تتبادل الحديث معها، فإبتلع ريقه متسائلاً بهدوء: أين شهد يا أمي؟


حولت جوليا نظرها لإبنها مجيبةً بحسرة: هي بغرفتها..لقد تركناها بمفردها علها تهدأ قليلاً.


أومئ لها زياد يتحرك بالبيت يدور ببصره به فقد كان محترقًا كليًا، فحز في نفسه الذي حدث و آلمه فؤاده عليها ..تلك الفراشة الملونة و غيمته البيضاء..حيث وجه نظره لغرفتهم متخذًا خطواته الحثيثة نحوها..فقط فليراها و يطمئن فؤاده العاشق عليها.


تقدم أكثر واقفا عند عتبة الباب الذي كان قد إحترق أساسًا، فتوغل بخطوة يناظر الغرفة التي كان أثاثها كله قد تحول لرمادٍ فلم يبقى إلا الأطلال منه، وجه بصره لشهد التي كانت قرب النافذة توليه ظهرها و كتفيها يجيشان ببكاءٍ صامت، فغامت عيني زياد شاعرًا بالقهر يلسعه و يمزق نياط قلبه فناداها بلين: شهد.. أنتِ بخير ؟


تجاهلته متابعة نحيبها الباكي ليضطرب قلبه بعنفٍ بين أضلعه فإتخذ بضع خطواتٍ نحوها مرددًا بنبرة حملت بين ثناياها حنان العالم أجمع: لا تبكي يا شهد رجاءًا..و الله لا أتحمل مرآكي هكذا.


إسترسلت الأخيرة ببكاء عاجزة عن النبس ببنت شفة، فإقترب زياد أكثر واقفاً قربها يناظرها بعينين معذبتين هامسّا: رفقاً بنفسكِ و بي يا شهد أرجوكِ..وعد مني خلال يومين فقط و سيعود جديدّا تمامًا كما السابق بل أفضل، و هذا عهد علي ولست أنا من يضيع عهوده.


أبعدت شهد كفيها عن وجهها محولة بصرها نحوه و قد تابعت دموعها الساخنة هطولها هامسة بصوتٍ متحشرج: لا يهمني ذلك..لقد..لقد فقدت كل ذكرياتي يا زياد..ثياب والدَي و مقتنياتهم..رائحتهم فقدتها تمامًا...لم يعد لي أي شيئ منهم..أصبحت يتيمة حقاً الآن.


إنتفض قلبه ملتاعًا لقولها ذاك معقبًا بعتاب حاني: يتيمة !! هل هذا هو ظنكِ بنا ؟ هل نحن غير مرئيين لهذه الدرجة حتى تعتبري نفسكِ يتيمة و دون أهل ..ماذا تعتبريننا بحياتكِ إذا ؟


رفعت بصرها نحوه فتعانقت عيناهما بلحظة أخذت شهد فيها هنيهة تفكير مجيبةً بخفوت: أنتم..رزق الله لي و عائلتي الجديدة التي حباني الله بها.


رسمها بعينيه هامسًا بدفئ تداعت له جوارحها: إذًا لماذا تظنين نفسكِ يتيمة يا شهد..نحن نبذل قصارى جهدنا في تدليل أميرة مثلكِ.. بل ننفذ فورًا إن لمحنا شبه رغبة منكِ ..وهذا كله كي ترضى أميرتنا الصغيرة شهد و بالأخير تعتبريننا غير موجودين ..و تحسين باليتم بيننا ..هكذا كسرت خاطرنا.


أسرعت شهد بدحض إتهامه بقولها: أبدًا والله..منذ أن جئت للقصر وأنتم تعاملونني بإجلال و أغدقتم علي بالعاطفة والإحترام و الدلال..لا أشعر بأي فرق بيني وبين منى وسارة والله يشهد على صدق كلامي.



إفتر ثغره عن بسمة طفيفة يتأمل بهائها المفرط حتى و هالة الحزن تلفها ..بدت خلابة ..جذابة.. مربكة للروح وللفؤاد ..فعقب بدفئ: إذا عن أي يتم تتحدثين إن كان والدي أصلاً يفضلونكِ علي أنا وأدهم ؟!


أطبقت شفتيها عن غصة إستحكمت حنجرتها بعنفٍ مجيبةً إياه بوجع: هما والداي اللذان أنجباني يا زياد وربياني..يضلان إحدى ركائز شهد التي أمامك..والآن كما ترى ضاعت مقتنياتهما وفقدت تلك النسائم البهية التي لطالما كانت تحفنا بهذا البيت.


كور زياد قبضته بقوة يقاوم رغبة عارمة في ضمها لصدره عساه يتشرب منها ما يرهقها و يقض روحها تلك، فإزدر ريقه مبصرًا تلك الدمعة التي تدفقت من عينيها ليقول بلين: لست بحاجة لأي من تلك الأغراض يا شهد ...فهما لو كانا على قيد الحياة أمامكِ لرفضا أن تتمسكي بمقتنياتٍ ستُبلى مع الزمن..فقط إهتمي بأهم ما ورثاه لكِ وهو دينكِ الذي قوماكِ عليه وتلك المبادئ التي زرعاها بكِ ..بالسير على الأخلاق التي أوصوكي بها...بإتباع نصائحها التي كانوا ينبهونكِ عليها..يا صغيرة لن تفيدكِ بضع مقتنيات بشيئ ولن تسعدهم لأنكِ حافظت عليها..هما سيسعدان أكثر لو تمسكت وسرت على الدرب التي ربياكِ عليه..هذا هو ميراثهم الحقيقي عندكِ فحافظي عليه جيدًا ولا تتهاوني به.


إنعقد لسانها تناظره بعينين مضببتين بفعل مدمعها، تشعر بصدق أحرفه و قوة كلامته تلك، زينت شفتاها ببسمة مشرقة مقارعًا إياها بقوله: يكفيهما أن تجعلي كل من يراكي يدعوا بالخير لمن أنجباكِ و ربياكِ يا شهد ...هذا أكثر ما يسعدهما و يفرحا قلبهما وهما بالقبر..


لم تستطع إحجام دمعاتها المنسابة هامسة بصوتٍ متهدج: ربما معك حق.


ناكفها بقوله عساه يزيح ظلمة الحزن عنها: ربما !! هل تقصدين أنني خاطئ ؟


جوابه أتاه على هيئة إبتسامة رقيقة وحزينة تنفي برأسها، فعبس محياه مبرطمًا بتذمر: حتى و أنتِ بمثل هذا الوضع لازلت تستعملين الإشارات يا شهد...أين الكلمات... الكلمات ؟


لمعت دمعة حبيسة بمقلتيها الغزالية مجيبةً ببسمة تشع براءة: أنت لا تخطئ أبدًا ...ولن تخطئ يومًا يا زياد.


تأملت عيناه وجهها الجميل بملامحها السمحة و التي بدت بناظريه كأعجوبة الكون الثامنة فهمس بقولٍ عاشق صادق: والله لن تضركِ الدنيا و أنا هنا يا شهد.


تطلعت إليه بذهول طفيف فإنسابت تلك الدمعة الحبيسة، تشعر بحالها يرتبك و جوارحها تتوهج حياءًا أنثويًا فإزدرت ريقها وقد بدأ التورد يزحف تدريجيًا لوجنتيها تعاني خفقًا متصاعدًا فأخفضت وجهها بخجل لذيذ ترنح له فؤاد الآخر الذي عقب بهمس مماثل: لهذا لا تخشي شيئًا أبدًا ... أبدًا.


دعكت كفيها بإرتباك جلي جعلها تبدو بناظريه ظريفة حقا..شهية جداً ..حيث إستفهمت و مشاعر شتى تجتاحها وتبعثرها: هل...هل أعتبر هذا وعدًا منك ؟


إشتعلت أعصابه مقاومًا سحرها الطاغي وجاذبيتها الفذة مهمهمًا بخفوتٍ أزاح غشاوة الحزن عنها: إرفعي رأسكِ لي و سأجيبكِ.


نبض فؤادها نبضًا متسارعًا فنفت بدلال جعلها تبدو قابلة للأكل حقا بعينيه، فردد برجاء إخترق قلبها الصغير ليستوطن هناك بكل أريحية، فتقبضت على جانبيها ترفع نظرها نحوه ترمقه ملأ عينيها متشربة منه تلك الوسامة الرجولية الخلابة التي لطالما جعلتها هائمة بمداره...هو فقط..


تاه بعيونها البندقية التي إنعكس ضوء القمر عليها فمال عليها بضع إنشات هامسًا بخفوتٍ يعلن سرًا و عهدًا موثوقا بين قلبين عاشقين: هذا عهد علي ..والعهود لا يخلفها إلا الذكور يا صغيرة.


إرتسمت على شفتيها بسمة رقيقة تطالع عينيه التي تبثانها بأجمل المشاعر و أصدق الأحاسيس..محتارة هي بالكم الهائل و الغريب التي تبديه مقلتاه من العواطف الجياشة التي تمنت فقط لو ينبس بها عساها تفهم مراده، فهمت بسؤاله غير أنّ صوت جوليا قاطعهما: هيا فعصام ينادينا للعودة.


أومئ لها زياد بهدوء مشيرًا، لشهد بالتحرك هذه الأخيرة التي جالت ببصرها بين أرجاء الغرفة متحركة ببطئ و عيناها تسرقان بضع صور بقلبها عساها تحفظهم هناك للأبد..فقط سوف تنسى و تحتفظ بأهم ما ورثه لها والديها من دين وأخلاق ومبادئ كما نصحها زياد ..فصدقًا له قول صائب.


:
•♡•
:


أوقف عصام سيارته مترجلاً منها ففعلت جوليا المثل يجولان ببصرهما بين المسافرين عساهما يلمحان رعد وسحر، لتتهلل أسارير جوليا حين لمحتهما مرددةً بفرحة: ها هما قادمان؟


وجه عصام بصره للمكان المقصود فوقعت عيناه عليهما ليرفع كفه لهما يشد إنتباههما إليه، فتقدم نحوها رعد الذي كان قد رآهما منبهًا سحر لهما، هذه الأخيرة التي توشح محياها بالسرور فركضت بسرعة ترمي نفسها بين ذراعي أباها الذي تلقفها بقوة يضمها لصدره عله يحفظها هناك للأبد.


زفر رعد بخفوت متقدمًا نحوهم ففتحت جوليا ذراعيها تناديه لحضنها، لتسترخي معالمه ملبيًا ندائها الأمومي بسخاءه المعتاد، حيث أحاطت رقبته تشده برفق لها تهمس بلين: حمدًا لله..عدتما يا ولدي ..حمد لله يا شبلي .


حاصرها بذراعيه يعانقها ليبتعد عنها بعد هنيهات لاثمًا جبينها مرددًا بهدوء: هذا بفضل رضاك علينا لا غير.


حضنت سحر أمها مندسة بها تتمرغ كقطة صغيرة مغمغمة: إشتقت لكما جدا.


لثمت جوليا رأسها مصرحة: ونحن كذلك يا بنيتي .


فتح عصام ذراعيه لرعد قائلاً: تعال يا بني.


إرتبك رعد لوهلة غير أنه دنى منه يبادله العناق بمحبة صادقة، فقبل عصام كتفه بأبوته المعهودة هامسا له: فخور بك حقا يا ولدي.


تأثر رعد مفضلاً الصمت كعادته، ليبتعد عنه حيث أشار لهم عصام قائلاً: هيا تفضلا للسيارة.


عم العتاب تقاسيم رعد قائلا: لماذا أتعبتما نفسيكما بالحضور يا عمي لو أرسلت السائق أفضل.


تجاهله عصام مرددًا بحزم: قلنا تفضلا.


ليتحرك بعدها بهدوء فإبتسمت جوليا مردفة بحب: قلوبنا كادت تتوقف رعباً عليكما وأنت تعاتب يا بني..هيا تحركا.


أومئت لها سحر رافعة بصرها لرعد الذي مد كفه لها هامسًا: تفضلي.


:
•♡•
:


شتمت منى ذاتها مبرطمة بسخط: الناس يضلون بمنازلهم وأنا أضل كالحمقاء أركض خلف ذلك الأستاذ ..متى تنتهي هذه المذكرة يااارب متى؟


تابعت سيرها حيث يتواجد مكتبه متابعة تذمرها: لو ذهبت مع عمي عصام للمطار لإحضار رعد وسحر لكان أفضل.

زفرت بخفوت تأخذ شهيق ثم زفير تطرق الباب حيث وصلها الإذن بالولوج، لتدير مقبضه فاتحة إياه دالفة له، مصرحةً ببسمة بذلت جهداً عظيما في إختلاقها: هل أدخل يا أستاذ ؟

رفع شهاب بصره لها مرددا بتهكم: لا أظنكِ تحتاجين الإذن، فأنت أساساً دخلت.

جزت على أسنانها هامسة ببراءة: هل أخرج إذا ؟


رمقها ببرود مشيرًا لها للباب: لو تكرمتِ طبعًا.


إعترتها الصدمة لوهلة مستفهمة بإنشداه: يعني أخرج حقا ..خروج يعني مغادرة.

أومئ لها بإبتسامة صفراء مصرحًا: نعم هو بالذات ..حين تتعلمين طلب الإذن بوقتها تتفضلين.


أطبقت شفتيها بقوة تمسك لسانها ذاك فتراجعت للخلف مغادرة بصمتٍ تام مغلقة الباب وراءها ..كورت قبضتيها مرددةً بحنق: حين تتعلمين طلب الإذن ...بوقتها تفضلي..ممل بائس .

فأخذت نفساً عميقًا متمالكة زمام غضبها هامسة بسرها: لابأس يا منى ..تذكري مذكرتكِ فقط و هذا لمصلحتكِ فإصبري و تحمليه لفترة فقط..

فطرقت الباب مجددًا ليتهادى لها صوته السامح لها بالولوج ففتحته بهدوء مطلة عليه تشرأب بعنقها وهي تقول: أستاذ شهاب لو سمحت ..ولو تكرمت ..ولو تفضلت هل تسمح لي سيادتك بالدخول لمكتبك الموقر ..من فضلك و رجاءًا.


كبح بسمته بصعوبة محافظًا على جدية ملامحه مشيرًا لها بالتقدم و هو يجيب: لابأس تفضلي.


طحنت ضروسها تدلف للمكتب متوغلة فيه، فوضع هو ذراعيه على مكتبه مشابكًا أنامله ببعضهما البعض معقبًا: خيراً هل تحتاجين شيئًا ما يا آنسة ؟!


توترت منى بوقفتها أمامه مرددة: حسب علمي فهذه أيام وجودك هنا بالجامعة يا أستاذ .


أومئ لها الأخير معقبًا على قولها بجدية محضة: صحيح..لكنها أيام عملي بمكتبي هنا و ليس للإشراف على الطلاب.

توهجت وجنتي منى حرجًا فبادرت تسائلها: و متى موعد إستقبالك لمن تشرف عليهم يا أستاذ ؟


إتكأ على ظهر كرسيه مجيبًا بهدوء: لو بذلت جهداً في التركيز يا آنسة منى، لكنت أدركت أنني قد حددت أيام الإستقبال بالإعلان الموجود قرب قاعة المحاضرات.

إزدرت ريقها تشعر بأنها كالحمقاء فرددت بسرعة: هل نستطيع المباشرة الآن على الأقل بما أنني حضرت هنا ؟

رفع حاجبه عليها مستفهمًا بحدة: تريدين أن أعمل على مزاجكِ مثلاً يا آنسة منى ؟!

نفت بسرعة مرددةً بعبوس بدت به ظريفة حقاً: لكنني أتيت ..فلماذا يضيع كل هذا التعب دون جدوى.

إبتسم بخفة معقبًا على قولها: تعب !! من يسمعكِ تقولين هذا سيظن أنكِ أتيت زحفًا أو على ظهر حمار ..إلا إذا كان التعب الذي تتحدثين عنه بسبب ركوبكِ للسيارة فهنا حديث آخر ؟

قهقهت برقة واضعة كفها على فمها محاولة كتم ضحكتها بصعوبة تنفي برأسها، فإبتسم تلقائياً معها .. صدقًا هذه الفتاة غريبة ؟ فتنهد قائلاً: حسنًا جهزي لي مقدمة بسيطة مع الإشكالية و أحضريها معكِ بالمرة القادمة.

قطبت حاجبيها مستفهمة بإستغراب: مقدمة !!

أومئ لها مصرحًا: أجل مقدمة ..أو أنكِ تريدين كتابة الخاتمة أفضل ؟!

نفت برأسها مغمغمةً بتسائل: لكن كيف سأكتبها ؟!

رمقها ببرود مجيبًا إياها وهو يساير غرابة أسئلتها: كما يحلو لكِ..إما بالورقة و القلم أو بالحاسوب .


زمت شفتيها جراء سخريته تلك مرددةً بعبوس: أقصد لم أجمع المعلومات بعد يا أستاذ .

تنهد تنهيدة عميقة يناظرها بجدية أربكتها، فعلت تقطيبة خفيفة جبينه فلحد الساعة لا يعرف لون عينيها بالضبط ..فتنحنح معقبًا بهدوء: حسنًا إذا باشري في إستقصاء المعلومات وإبدئي على الأقل في تمهيد بسيط و بعدها نقرر.

إرتسمت على شفتيها بسمة رقيقة قائلة: حسنًا..و ماذا لو أردت الإستفسار عن شيئ ما في الأيام التي لا تكون بها متاحاً للإشراف ؟

أجابها بهدوء: لابأس إتصلي بي فقط و سأجيبكِ عن كل إستفساراتكِ يا آنسة.

رطبت شفتيها بحرج مستفهمة بعدها: لكن..كيف أتصل بك ؟

علت بسمة ساخرة ثغرة مجيبًا إياها: كما يحلو لك أيضًا ..إما بالتخاطر أو عن طريق الحمام الزاجل.

إحمر وجهها وبان إنفعالها في زمة شفتيها مبرطمة: أستاذ أنت تسخر مني .

إفتر ثغره عن إبتسامة طفيفة بدت بنظرها وسيمة حقا، فعقب بقوله: آنسة منى ألا تلاحظين أن لكِ أسئلة غريبة نوعًا ما ؟

هزت كتفيها مدافعة عن نفسها بقولها: قلت لي إتصلي بي ..و أنا فقط إستغربت وسألتك.

تطلع لشفتيها المزمومتين و محياها العابس فإرتخت معالم وجهه مرددًا: نحن في القرن الواحد والعشرون ..إذا ستتصلين بي عبر الهاتف صح ؟

كبحت بسمتها مومئة بنعم هامسة بحرج: أقصد ليس لدي رقم هاتفك؟


مد يدك معقبًا بهدوء: هاتِ هاتفكِ أسجله عندكِ.


أسرعت بإخراج هاتفها من حقيبتها تمده له فأخذه مسجلاً رقمه به منبهًا إياها بحزم: و
ممنوع الإتصال بعد منتصف الليل كما كان يفعل بعض الطلاب سابقا.


إستعادت هاتفها هامسة: شكراً.


أومئ لها بهدوء مستفسرًا: هل هناك طلب آخر ؟


توردت وجنتيها مستفهمة: هل سوف تساعدني بقائمة المصادر ؟

تبسم برجولية بهية معقبًا: بإذن الله ..سوف أساعدكِ ببعضهم لا تقلقي.

أشرق محياها بإمتنان مرددة: شكرا لك...والآن وداعا يا أستاذ .

أومئ لها بهدوء مشيرًا لها بأن تتفضل فتحركت المعنية مغادرة مكتبه هامسة بخفوتٍ ساخر: يبدو أنه يجيد التصرف بلطف أحياناً.


:
•♡•
:

دنى أدهم من أخيه زياد الذي كان بشرفة غرفته المطلة على حديقة القصر الأمامية مستفهمًا منه: لماذا لم ترافق أبي للمطار مع أمي ؟!

إرتشف زياد من مشروبه متابعًا تأمل شهد التي كانت جالسة مع عمته مريم و زوجة عمه شادية قرب المسبح يتسامرون، ليجيب بهدوء: على أساس أنك لا تعلم أنهم منعوننا من الذهاب معهم..

تنهد أدهم متكئًا على الحاجز مصرحًا: لا تخبروا سحر بخصوص إحتراق المنزل ..دعوها ترتاح أولاً.

قلب زياد مقلتيه هامسًا: أبي أمرنا بذلك لهذا كفاك إتقانا لدور الأخ الأكبر..يكفينا رعد و دوره المثالي ذاك.


تجاهل أدهم سخريته موجها نظره للأسفل حيث مجلس النساء مصرحًا: تبدو شهد قد تحسنت أفضل من البارحة.

علت بسمة دافئة ثغر زياد متابعًا إرتشاف مشروبه يتأمل غيمته البيضاء تلك و هي تبتسم برقة، تبدو هادئة مستكينة..هشة كعادتها..وكذلك هناك مزيج من الحلاوة و الشقاوة تلفها كما هي العادة أيضًا.. صدقًا هي فاتنة بكل حالاتها...فأجاب: أجل لقد أيقنت أن التراث المادي لا يهمها فيكفيها أن ترث عن والديها ما هو أفضل بكثير.

أومئ له أدهم فعقد جبينه مستفهمًا بفضول: هل حدثتها ؟!


وضع الآخر فنجانه على الحاجز مجيبًا بإختصار: أجل.


زم أدهم شفتيه منبها إياه: لا تبالغ في تعاملك معها يا زياد ..فأبي لا يرضى مثل هذا الإنفتاح الذي بينكما.


إنزوى حاجبي زياد مديرًا وجهه لأخيه وهو يتسائل: هل هو الذي أعلمك بذلك ؟

نفى أدهم برأسه موضحًا: لا...لكن تدرك جيداً أنه لطالما نصحنا بأن نترك العلاقات رسمية مع الفتيات اللواتي خارج محارمنا مثل سارة و منى و حاليًا تضاف لهم شهد .


زفر زياد مدركًا صحة قول أخيه فهمس: شهد بالذات لا أستطيع معاملتها برسمية يا أخي..علاقتي بها أكبر من أي إستعاب .

علت تقطيبة خفيفة جبين أدهم مستفسرًا بعدم فهم: علاقتكما ؟ شهد عفوية مثلك تماماً لكنها بذات الوقت ذكية ستتفهم الأمر


تقبض زياد مجيبًا إياه بحدة: الأمر ليس بتلك البساطة يا أدهم ..أنا أحبها..أحبها..لا طاقة لي بالبعد عنها الآن.


تنهد أدهم معقبًا بهدوء: نعم كلنا نحبها ..لكن هناك حدود و أيضًا ......


توقف فجأة عن الحديث و قد ران الصمت لهنيهة يتطلع إليه بذهول طفيف ليحول بصره لشهد بالأسفل ثم يعود بنظره لأخيه الصامت، فضيق عينيه متسائلاً بشك: تقصد حب أخوة ..كحبك لمنى و سحر صح ؟!

ناظره زياد ببرود مجيبًا بتأكيد نابع من ثنايا قلبه: بل حب شاب لفتاة..يعني ذكر لأنثى يا أخي.

فغر أدهم فاهه معيدًا بصره لشهد ثم لزياد مستفهما بصدمة حقيقية: تقصد شهد ..شهد بذاتها ..تلك الصغيرة ؟

هدر به زياد بسخط: لماذا ما خطبها، هل لا يناسبها حبي أو ماذا ؟

قبض أدهم على تلابيبه مهسهسًا بحدة: صوتك الغبي هذا لا ترفعه علي كي لا أعيد تربيتك من جديد ..


أبعد زياد كفيه عنه هامسًا بضيق: الحق علي.


زفر أدهم بهدوء فإبتسم لتتحول بسمته لقهقهة خفيفة مكررًا تسائله: جديًا ..هل تحب شهد حقًا ؟

إهتاج زياد مبرطمًا: وأين الإشكال بذلك...فكلكم تستغربون الأمر ؟


ضحك أدهم يهز رأسه على التخيل لوحده مجيبًا بعدها: لا يوجد إشكال يا زياد..فقط إستغربت فقط..شهد رقيقة ولطيفة جداً ..

إحتدت تقاسيم زياد مرددًا بحنق: أخي هل ستمتدحها أمامي ؟


رفع أدهم حاجبه معقبًا بهدوء: لا تبدأ وصلة الغيرة منذ الآن فهي بمقام سحر عندي ..لكن متى وقعت يا أخي الصغير ؟


تحرج زياد يهرش شعره مجيبًا إياه: لا أعرف .


إرتخت تقاسيم أدهم رابتًا على ذراعه بأخوة وهو يقول: مبارك لك إذًا..فشهد مميزة بحق ماشاء الله دين وخلق وأدب وتربية ..مناسبان لبعضكما ححقاً


عم التردد تقاسيم زياد مستفهما بما يقض مضجعة: هل سيوافق أبي لو طلبت يدها أخي ؟

تغضنت تقاسيم أدهم مجيبًا إياه بإنشداه: طبعًا سيفعل يا زياد ما هذا السؤال الغريب ؟ أبي يحب شهد كثيرًا وهي بمقام سحر و أنت إبنه وتربيته ويثق بأنك ستكرمها و تصونها... على أي أساس قد يرفض مثلاً !!

تذمر زياد مبرطمًا بضيق: لا أعرف فهو طوال الوقت يضل يكرر على مسامعي..شهد أختك ..أختك..صرت أخشى رفضه.

بسط أدهم شفتيه مقارعًا إياه بقوله: أكيد سيفعل ذلك كي ينبهك لثقل المسؤولية برعايتها وحمايتها حتى من نفسك، ولست وحدك من ينبهك هكذا فأنا كذلك لطالما كرر علي هذه الكلمة.

توتر زياد محتارًا وخائفًا بالآن ذاته فشجعه أخيه مسترسلاً ببسمة عميقة: أمي ستطير فرحًا حين تعلمها ..فهي تعشق شهد كثيرًا.

عارضه زياد بقوله الجاد: أدهم أنا أخبرتك لأنني أثق بك جداً ولطالما كنت متفهمًا لي وتقف دوماً بظهري لهذا لا تخبر أحداً رجاءًا.

قطب أدهم جبينه متسائلاً بحيرة: لم أفهم ما سبب الكتمان ؟

ردد زياد بعبوس: لأنني لست واثقًا من مشاعرها أصلاً..ماذا لو كانت تراني كأخ أو صديق فقط.


رمش أدهم بأهدابه مستفسرًا بهدوء: لماذا لا تسألها ؟


رمقه زياد بإستهجان مجيبًا: ليس حل نهائياً بل سيعقد الأمر كلياً ..فكر بغيرها.

تنهد أدهم بخفوت متحدثًا: أنتما تبدوان منسجمان جدًا...وأنا لطالما رأيتها بكامل عفويتها معك و أنت أكثر شخص تضحك وتتكلم معه..هذا لوحده دليلاً على راحتها معك.

عقب زياد بتبرم: أريد حبها يا أخي و ليس راحة فقط ..

قهقه أدهم سعادة لأجله أخيه، فرفع حاجبه مستفهمًا بريبة: لهذا سألتني إن كنت أعتبر شهد أختًا لي !! هل ظننت أنني قد أحمل لها مشاعر.

هز زياد كتفيه موضحًا: هاني الحقير هو من زرع الشك بي لإحتمالية أنّ أحدكما معجب بالآخر لهذا سعيت للتأكد فقط و الحمد لله لا يوجد سوى أخوة.

هز الأخير رأسه عليه مطمئناً إياه بقوله: إذًا نم قرير العين فشهد أخت صغيرة لي.

طفت بسمة خبيثة ثغر زياد مرددًا بسخرية: أجل فقلبك ذاك قد أسرته نور.

تخشب أدهم فجأة و قد تصلبت نظرته و جمدت ملامحه موجهًا بصره نحوه مستفهمًا بنبرة خطرة: عفوًا ؟!

ناظره زياد بتسلية مكررًا قوله: كما سمعت ..هيا أخبرني بالضبط متى أحببتها ؟

طحن أدهم ضروسه مقتربًا منه بملامح تنذر شرًا: لا وجود لتلك الخزعبلات التي بدماغك و نصيحة لا تذكرها على لسانك.

تزينت شفتي زياد ببسمة مستفزة معقبًا: حسنًا سوف أتظاهر بالتصديق.

أمسكه أدهم من ياقته هادرًا به: لا وجود لذلك السخف ألا تفهم يا غبي ؟.

قبض زياد على كفيه هامسًا بسخرية مبطنة: حسنًا لقد صدقتك..لو قلت لك أنك تحب سارة لما إنفعلت هكذا !! إهدأ فقط يا أخي.

إبتعد أدهم عن أخيه مبتلعًا ريقه يعاني تشتتًا و ضياعًا فإسترسل زياد قوله: فقط فلندعو أن توافق نور على ذلك العريس فهو فرصة جيدة لها.

هدر أدهم به وقد إنفلتت أعصابه: وما دخلك أنت إن وافقت أو لا ؟

تظاهر زياد بالبراءة مرددًا: هي بمقام منى و سارة يا أدهم و إن كانت الزيجة مناسبة أين الإشكال ؟

كور أدهم قبضته و قد إنحسرت أنفاسه مهسهسًا بحدة: لن تتزوج ..سوف أضمن أن تضل عانسًا طوال عمرها.

علت بسمة ساخرة ثغر زياد مستفهمًا ببرود: على أي أساس ستفعل ذلك يا ترى ؟ إن لم تكن الغيرة هي التي تقودك للجنون هكذا.

إنعقد لسانه لوهلة و كأنّ ثغره قد كبل بإحكام فناظره زياد بقوة هامسًا بجدية محضة: هل تعتقد أنّ جدي و أبي سيوافقون على بقائها دون زواج يا أخي ؟ سوف يسعون كي يزوجونها و يضمنون إستقرارها تحت كنف رجل يستحقها ..وأنت لن تستطيع الوقوف في وجههم مهما فعلت ..لهذا نصيحة إتقي غضبهما أفضل..

علا الإستهجان تقاسيم أدهم مصرحًا بحدة: مستحيل أن أقبل بأن تكون لرجل آخر..مستحيل.

رفع زياد حاجبه عليه مرددًا بإنشداه: سبحان الله ما هذا التناقض الذي فيك يا أخي ..قبل ثواني أنكرت تمامًا أي مشاعر لك تجاهها و الآن أنت تسعى لبقائها عزباء...ما هذه الغرابة التي بك.

إزدر أدهم ريقه يشعر بذاته مكشوفة فهمس بسخط: نعم لا مشاعر لدي تجاهها أعتبرها كأخت فقط..و أكيد لن أرضى بزواجها مستحيل.

كبح زياد ضحكته عليه فيبدو أنّ أخيه يعاني تخلفًا عاطفيًا حقاً، فوضع كفه على كتفه مرددًا بصبر: إسمع يا أخي واضح جداً أنك بريئ و جديد على ساحة الميدان لهذا سوف أساعدك كي تدرك دواخلك المردومة تحت سابع أرض ..إذهب للمرآة و أنظر لها و تذكر بتلك اللحظة نور و إن تغيرت نظراتك لأخرى أكثر عمقاً و بلاهةً و حمقًا حينها مبارك فلقد ولجت لما يسمى الحب ..و كلما كانت نظراتك للمحبوبة تتسم بالبلاهة كلما كانت وقعتك أكبر و أشد.

لملم أدهم بسمته نافيًا برأسه عساه يزيح الفكرة و هو يردد: نور ..هي ..هي.. لا أعرف..بالله عليك يا زياد لقد ربيتها و إعتنيت بها طوال صغرها و مراهقتها ..

ضحك زياد عليه بخفة قائلاً بهدوء: بأعماقك تدرك جيدًا أنك مغرم بها يا أدهم.. صدقًا لا أعرف لماذا تكابر و تعارض هذا الحب...شخصيًا نور أحترمها جداً و الكل هنا يبجلها و يعتبرها فرداً منا..أين وجه الإعتراض إذًا ؟

تذمر أدهم يشعر بنفسه محاصرًا من كل جهة: لا أعلم..هي تستفز دواخلي بقوة..و أنا أفشل بالتعامل معها ..و آخر مرة جرحتها بقولي لها أنني السيد هنا.

توسعت عيني زياد فاغرًا فاهها بصدمة ليغلقه برهة ثم نبس: " سيد "..تمزح أليس كذلك ؟ تقول لك سيد أدهم ؟ جننت أكيد..

هدر به أدهم بسخط: لست بحاجة لتقريعك الآن..لا أجيد التعامل مع النساء بتاتًا..فكل تعاملاتي حتى مع الموظفات بشركتنا كانت عملية بحتة..و طوال عمري أضع حدوداً حتى مع زوجات أعمامي.

زم زياد شفتيه معقبًا بسخط: هذه ليست بحجة إطلاقاً حتى تجرحها هكذا ..بالله عليك حتى جدي و أبي طلبا منها أن لا تناديهما بلفظ السيد ..و أنت بعد كل تلك السنوات التي كنتما مقربان بها لبعض، تأتي وتأمرها بأن تراك من أسياد القصر..ما هذا السخف.

إضطرب قلب أدهم بعنف متقبضًا بقوة يشعر بفداحة خطئه فتحدث بضيق: هَا قد رأيت أنا فاشل معها ..

زفر زياد يهز رأسه عليه فعقب من بعده: معك حق..لهذا سوف تراك كسيد القصر على الدوام حتى ولو كانت مثلاً معجبة بك أو تحبك.. فلقد وضحت لها فرق المقامات لهذا لن تطمح لك نهائياً المسكينة.

ناظره أدهم بسرعة ينفي برأسه كأنه قد تيقن الآن من غباءه فهمس بذهول: مستحيل...هي تدرك جيدًا أنني لست هكذا أبدًا و لا أكترث لهذه السخافات.

بسط زياد شفتيه مصرحًا بهدوء: هي كانت تدرك ذلك سابقاً..لكنكما حسب علمي تحولت علاقتكما للرسمية منذ سنوات عدة ..لهذا قد تعتقد أنك غيرت تفكيرك..فهذا وارد .

إنحسرت أنفاس أدهم يشعر بالإختناق ليشفق زياد عليه مقدرًا ما يعانيه فهو قد جرب قساوة هذه الأحاسيس من قبل، ليتنهد تنهيدة عميقة مصرحًا: فلتصحح قولك بقول آخر ..حدثها ووضح لها وجهة نظرك فهي طبعًا تدرك طيبة معدنك يا أخي.

زفر أدهم بخفوت مرددًا بحيرة: فلنقل أنني فعلتها و ماذا بعد ؟

هز زياد كتفيه قائلاً: بعدها تقدم لها عادي.. أين الإشكال بذلك؟ ..أو تريد أن أخبرك بنفس قولك لي حين حدثتني عن شهد بموافقة أبي و فرحة أمي.

تردد أدهم و حاجباه ينزويان أكثر متسائلاً: ماذا لو لم تبادلني الشعور ؟

أحاط زياد رقبة أخيه متحدثًا بسخرية: حسنًا.. هنا تكون قد ولجت لنفس دوامتي و حيرتي يا أخي الكبير..ولا حل أمامنا غير أن تأتي البنتين للإعتراف بنفسيهما.

تبسم أدهم على قوله يهز رأسه هامسًا بسخط: تبًا للحب ..و لسنين الحب ..

قهقه زياد غامزًا له بشقاوة و هو يقول: متى أحببتها يا أخي إعترف و سرك ببئر عميق ؟

إتقدت عيناه بعاطفة شديدة مجيبًا بتعلثم: لا أعرف..منذ..منذ أن سنين عديدة لا أذكر متى بالضبط..المهم لم يمر علي يوم دون أن أحبها فيه.

صفر زياد بإعجاب مناكفا إياه بقوله: ما هذا يا هذا..مستواك في الحب مرتفع إذًا و أنا الذي ظننتك بريئًا و لا تخالط النساء.

وهج ناري إنبعث من مقلتيه مجيبا بحدة: وهل أنا خالطتها أساسا..لكنها قضت كل طفولتها ملتصقة بي وأنا حسبتها كأخت صغيرة لكن بعدها لا أدرك كي تغير كل شيئ..لم أدري بنفسي إلا و أنا متعلق بها.

تبسم زياد بحبور سعيداً هو لحال أخيه العاشق فربت على عضده بأخوة معقبًا: نور محترمة حقاً تستحق كل خير.

إرتبك أدهم لوهلة ليقطب جبينه حين وقعت عيناه على بوابة القصر التي فتحت آليًا فهمس براحة: هَا قد عادوا و أخيراً.

تهللت أسارير أخيه مغمغمًا ببسمة فرحة: فلننزل فصدقًا إشتقت لتلك القزمة.

:
•♡•
:

تحركت سحر بمطبخ الجناح مرددةً بالهاتف: بالله عليكِ يا سهام للمرة المليون أنا بخير والله.


رددت الأخيرة براحة: حمد لله ..لم نسمع إلا منذ ساعة.. لكنا أتيتنا.

قهقهت سحر برقة واضعة بعض العسل بكوب الماء الدافئ قائلة: ما هذه المبالغة ..لقد تركت هاني ومؤنس ويزن بالأسفل فقد جاؤوا منذ لحظات فقط


ران الصمت بالطرف الآخر، فعقدت سحر حاجبيها تنادي عليها: أنتِ هنا ؟


تنحنحت سهام معتذرة: عذراً لقد سهيت لبرهة.

إرتشفت سحر من مشروبها مرددةً برقة: أكيد سهيت بزفافكِ فلم يتبقى إلا ثلاثة أيام..

إبتلعت سهام غصتها مراوغة: طبعًا فأنا مرتبكة جداً..

تنهدت سحر معقبةً بلين: لا ترهقي تفكيركِ فهاني شاب رائع وصدقًا أنتِ محظوظة به.

لملمت سهام شتات نفسها مرددةً: صحيح هو كذلك..والآن سوف أذهب يا سحر و أتصل بكِ غدًا ..في حفظ الله و حمدًا لله على سلامتكِ.

ودعتها سحر مغادرة المطبخ بيدها مشروبها تدلف لغرفتها، فوقعت عيناها على رعد الذي كان قرب الخزانة عاري الجذع يبحث عن قميصٍ ما، فتنحنحت بحياء تشعر بالخجل الشديد فهذه أول مرة تراه دون قميص، رمقها بنظرة جانبية لثانية ليعود ببصره لأقمصته المعلقة يبحث عن ما يريد.

إرتشفت سحر من مشروبها متجنبة النظر إليه فواضح أنه قد تناسى غرفة تغيير الملابس، فلطالما كان يغير بها، حيث عقدت حاجبيها محولة بصرها نحوه و هو يوليها ظهره..لتوقع عيناها عليه من الخلف أين موضع حرقه..فإبتلعت ريقها تشعر بالألم يصيب قلبها حين لمحت آثار الحرق على كتفه الأيمن ..فإنزوى حاجباها أكثر لرؤيتها لمجموعة جروح بدت قديمة نوعًا ما مدرجة على ظهره، إنحسرت أنفاسها لبرهة واضعة كأسها على الطاولة تدنو منه من الخلف بهدوء، لترفع كفها حيث كتفه متلمسة حرقه ذاك، فتصلب جسده فجأة جراء وقع لمستها، لتردد بإستفهام: هل هذا الحرق بسببي أنا...حين حميتني من وقوع الشواية علي؟

إستدار لها بسرعة قابضًا على رسغها يدفعها للخزانة محاصرًا إياها بجسده يهمس بفحيح: هل عليكِ أن تتدخلي في شؤون الغير يا بلوتي؟

رفعت بصرها نحو عينيه المظلمتين مكررة تسائلها: لم تجبني على سؤالي يا رعد..هل ذلك الحرق بسببي أنا ؟


يرمقها بنظرة غلفها الغموض مجيبًا إياها: فيما سيفيدكِ معرفة ذلك.

إرتسمت على شفتيها بسمة عذبة تناظره ملأ عينيها هامسة بخفوت: ربما علي أن أعتذر لك عن الأمر.

ثارت عيناه السوداوين منحنيًا عليها يتوه بفتنة لازورديها مهمهمًا بخفوت: ذلك مضى منذ سنين طوال يا حرمي ولن يفيدني إعتذاركِ بشيئ.

تعانقت الأعين لهنيهة فإنحنى عليها أكثر هامسًا بأنفاس حارة لفحت بشرتها: ربما هناك ما قمت به سابقًا و أسوء بكثير من هذا الحرق و يجدر بكِ الإعتذار عليه.

إرتبكت نبضاتها مأسورة تحت سطوة عينيه التي لا فكاك منهما مستفهمة بحيرة: لم أفهم..فيما أذيتك من قبل؟

شرد بمحياها السمح ليميل عليها مصرحًا بهدوء: عليكِ أن تدركي ذلك بنفسكِ يا حرمي.

إهتزت مقلتيها بعدم فهم، ليبتعد عنها يأخذ أي قميص عشوائي يرتديه، فبادرت بسؤاله مجددًا: ما سبب تلك الجروح التي التي على ظهرك ؟

أغلق أزراره مجيبًا بجمود: شيئ لا يعنيك.

زمت سحر شفتيها هامسة بتهكم: هَا قد عاد لعجرفته.

فدنت منه تقف أمامه تضغط بسبابتها على صدره فرفعت بصرها نحو محياه المستغرب لتكرر نكزه مجددًا على صدره مبرطمة: حسنًا إعترف فقط أين هو ؟

رفع رعد حاجبه مستفهمًا ببرود: من هذا ؟

عقدت سحر ذراعيها على صدرها مجيبةً بعبوس: رعد زوجي.

إنزوى حاجبيه مرددًا: عفوا ؟!

غمغمت سحر بضيق: أحيانا تكون لطيفاً حنونًا معي وأحيانًا أخرى تكون باردًا متعجرفًا معي ..إسمع أريد النسخة المحدثة حين كنا مسافرين ..ذلك أفضل نسخة.

رفرف بأهدابه بضيق فيبدو أنها تفضل إتباعي لنصيحة العمة جوليا..فزفر مستفهمًا بحدة: هَا أنا ذا أمامكِ ؟

نفت سحر قائلة بإعتراض: لا لست أنت ...فرعد ذاك كان طيبًا جداً عكسك أنت الآن.

رمقها بمقلتين مقلوبتين مغلقًا كمي قميصه وهو يجيب بتهكم: حسنًا لقد مات.

شهقت سحر مرددةً بحزن مفتعل: يا إلهي لقد كان شهمًا معي و في غاية النبل.

زفر بخفوت على حركاتها تلك يهز رأسه عليها فاتحًا الدرج حيث ساعاته مرتديًا ساعته، فعقدت سحر حاجبيها مستفهمة بفضول: لماذا تختار ساعة واحدة ولا تغيرها أبدًا في حين لديك ساعات أخريات ؟

تشنج فكه معقبًا: أنتِ تتحدثين كثيرًا ؟

عبست سحر مبرطمة: أخبرني و سأصمت.

هز كتفيه مجيبًا إياها: بالمرة القادمة سأعلمكِ..لذلك الوقت عاني مع الفضول.

تبرمت سحر بكلماتٍ متذمرة غير مسموعة، في حين قد توجه هو حيث التسريحة يرش من عطره اللاذع الذي داعب حواسها، فشردت على إثره بومضاتٍ من إحتضان حار جرى بينهما حين وقع الإنفجار، فإبتلعت ريقها وقد تسللت الحمرة لوجنتيها، فهذه أول مرة تشعر أنّ عطره قوي و مميز هكذا...لتختلس نظرة نحوه تراه يمشط شعره الأسود ذاك الذي مشطته له بأناملها قبلاً...فرطبت شفتيها تفكر جدياً بذلك الأمر..هل سيوافق مثلاً ؟

وضع رعد المشط بمكانه يرفع بصره نحوها يراها شاردة و محتارة ..فأنزل بصره لفستانها الكموني بحمالاته الرقيقة الذي يصل كالعادة لركبتها ..لتتوه عيناه بشعرها الذي كان منسابًا بدلال على صدرها وظهرها، فتنحنح مزيحًا نظره عن كتلة الإغراء تلك مستفهمًا بهدوء: هل تريدين شيئًا ما ؟

تحرك نحوها بخطى حثيثة لترفع هي بصرها له ترمق محياه الذي توشح بمعالم الإستفهام فرفعت أناملها مزيحة خصلة شعرها خلف أذنها لتتبعها عيناه هامسة بحياء: بخصوص الذي حدث ... صدقًا لا أستطيع أن أتجاهله أو أتناساه فهذا ليس من شيمي.

علت تقطيفة خفيفة جبينه مستفسرًا بجدية: لم أفهم.

تنهدت سحر تنهيدة عميقة وقد تزينت شفتاها ببسمة مشرقة قائلة بصدق: حين وقع الإنفجار وتصرفك النبيل و الشهم معي.. صدقًا أنا ممتنة لك و لعظيم خلقك معي يا رعد ..لقد كنت رجلاً بحق.

إهتزت حدقتاه لوهلة يناظرها بعيون غامضة مبهمة فأجلى صوته قائلاً: أنتِ زوجتي فلا داعي لهذا الشكر..واجبي و قمت به عادي جدا.

طفت بسمة رقيقة على شفتيها معقبةً على قوله: صحيح..لكن ليس كل الأزواج رجالاً يقدرون دورهم الحقيقي.

إضطرب قلبه بعنفٍ بين أضلعه عاجزاً عن النبس بحرفٍ، فمدت هي كفها نحوه هامسة: حسنًا فلنكن أصدقاء لو سمحت، ولنتعامل بناءاً على هذا الأمر.

ضيق عينيه بإستغراب مندهش قائلاً: عفوًا !!

قهقهت سحر بخفة مرددةً بتوضيح: حسنًا أيقنت أنك شخص طيب وشهم ولا أنكر أنني إزددت إحترامًا لك، لهذا بدلاً من أن نكون كالقط والفأر ونفتعل الحروب والشجارات وننكد على بعضنا البعض طوال اليوم..لماذا لا نكون رفقاء و أصدقاء ونتعامل على هذا المنطق.

نفى برأسه مستهجنًا الفكرة: أنا لا أصادق الفتيات.

ضحكت سحر بخفة واضعة كفها على ثغرها مرددةً بلطف: لا بأس إعتبر نفسك زوجي ووافق.

لملم رعد بسمته بصعوبة متظاهراً بالجدية التامة قائلاً: نفس الشيئ حتى ولو زوجتي فلن أصادق الفتيات.

دنت منه سحر غامزة له بجاذبية أربكت نبضه وهي تقول: إما أن نكون أصدقاء أو نتشاجر طوال الوقت و سأجعلك تكره حياتك بأكملها.

تغضنت تقاسيمه مستفهمًا بإنشداه: هل هذا تهديد ؟

تراقصت بسمة شقية على ثغرها مصرحةً: بل تحذير فقط يا زوجي العزيز.

ظلا يحملقان ببعض و كلاهما يشرد بعيني الأخر، حيث إسترسلت سحر بقولها الرقيق: بالله عليك يا رعدوش صدقًا الصداقة معي شيئ نادر وفرصة لا تعوض لهذا تنازل قليلاً من برجك العاجي ووافق يا زوجي اللطيف..هيا ...هيا ..كي تشتري لي البيتزا و المثلجات..

تبسم لوهلة لتختفي بعدها بسرعة مجيبًا ببرود: حسنًا .

ضحكت سحر بخفة تمد كفها نحوه قائلة: إذا أصدقاء.

رمق كفها الممدود له فمد كفه هو الآخر مسايرًا حركاتها الغريبة، فإلتحمت كفيهما لوهلة أرسلت شرارة لذيذة لأنحاء جسدهما، لتهمس سحر ببسمة عذبة: و بناءًا عليه ستلتزم بكل بنود الصداقة المعروفة.

مسح بإبهامه على ظهر كفها مما جعلها تتورد مستفهمًا ببرود: بنود !!

ناظرت محياه بعيون دافئة مصرحةً: ليس كثير إطمئن..كلها مئة بند فقط إطمئن.

أومئ لها غير قادر على إبعاد كفه عن كفها الصغير مجيبًا بجمود: مئة فقط !!

عضت على شفتيها تكبح ضحكتها بصعوبة مومئة بنعم، فجذبها نحوه لترتطم به هامسًا بخفوت حار: لا بأس إجعليهم ألفين لا إشكال عندي يا حرمي.

إبتلعت ريقها تتوه في ظلمة عينيه مستفهمة: متأكد ؟

تفرس في عيونها اللازوردية غارقاً بلونهما الخلاب مؤكدًا بهمس: طبعًا.

إرتبكت جراء هيمنته الرجولية مبتعدة عنه بتورد معقبةً: حسنًا.

ناظرها بعيون مبهمة متحركًا بصمتٍ تام يقاوم مشاعرًا بدأت تتمرد بدواخله..و هذا بالنسبة له خطر.. بل خطر جداً.

:
•♡•
:

ترجل من سيارته يشعر بالنيران تضرم بروحه كلياً، موجهاًا الهاتف لبصره يتأكد من الأمر ..يكذب نفسه مرة و يصدقها عشرة مرات ..رفع كفه لياقته يفتحها بحركة عصبية مرددًا بغضب تملكه: تبًا ...تبًا ..

إرتكز عماد على سيارته مبتلعًا غصة مريرة تحرق أوردته تدريجيًا ..يعاني ضياعًا.. تخبطًا .. تشتتًا ..فإنسابت دمعة حارقة على وجنته..وقد تقبض بقوة حتى إبيضت أنامله يقاوم صراعًا داخلياً بجوارحه، حرباً ضروسًا ما بين ضميره الحي و سواده الداخلي ..لكن كالعادة تغلبت الكفة السوداء فهمس بحدة: تبًا لكم ..فليمت آل سلطان كلهم لن أبالي بهم أبدًا..

فإستقل سيارته يرمي هاتفه بالكرسي الذي قربه منطلقًا بها حيث المجهول، يقبض على المقود بقوة ..لن يترك الفرصة لضميره بالسيطرة عليه نهائياً..فحينها كذلك سيكون وقع المصائب أعظم و أعظم.

:
•♡•
:


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء
تعليقات