اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الثالث 3 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الثالث 3 بقلم رانيا ممدوح



                                              
دخلت فاطمة إلى الغرفة بخطوات هادئة، لكنها محمّلة بثقل الحزن، وعيناها تلمعان بدمعٍ لم ينسكب بعد. كانت هنادي تحمل الرضيع "أمان" بين ذراعيها، وحين وقعت عيناها على فاطمة شعرت بتوترٍ خفيف يسرق منها طمأنينتها، فاعتدلت واقفة، وكأنها تخشى أن يُكتشف ما لا يجب أن يُقال.

+


اقتربت فاطمة من هنادي، تحمل في يدها كوب الماء، ومدّته إليها بنبرة مكسورة ولكن ثابتة، تحمل بداخلها نارًا من الكبرياء والحب:

+


"خدي يا هنادي... اشربي. القائد مات مرفوع الراس، وهو بيدافع عنّا... عن العِزّة والشرف.
سالم كان عارف بيعمل إيه كويس، وبدر... بدر هيقدر يحافظ على وعد أبوه، طول ما هو عايش، مفيش حمداني هيكون ذليل... ولا مهان."

+


ارتعشت يد هنادي قليلًا، وكأن الكلمات كانت سهامًا تسري في دمها. أمسكت بالكوب بأطراف أصابعها، ثم شربت جرعة صغيرة، وأعطت الطفل لفاطمة، لكنها لم تُبعد نظرها عنه.

+


قالت بنبرة دافئة ظاهرًا، لكن البرد يسكُن خلفها:
"طبعًا يا فاطمة... طول عمرك عقل كبير، رغم إن سالم كان حب عمرك، بس ثباتك ده يدل إنك زوجة قائد بحق.
سالم هيفضل في قلوبنا لحد الممات، ومنصبه دلوقتي في يد أمينة لحد ما يبلغ سن القبيلة... ساعتها يقدر يبقى قائد مكان أبوه.
كده كده... ناجي مش نافع."

+


بينما كلماتها تُنطق بالثناء، كانت نظراتها إلى الطفل تفضح غيظًا دفينًا، كأن شيئًا في داخلها يغلي، ولا ينقصه سوى شرارة ليشتعل.

+


فاطمة، التي لم تغب عنها ملامح المكر، رغم حزنها، ردّت بصوت هادئ لكنه قوي، كجذع شجرةٍ ضربتها الريح ولم تنكسر:
"متقوليش كده يا هنادي... ناجي هيقدر، ويمكن الظروف تصنع من الإنسان اللي عمره ما شافه في نفسه."

+


ساد صمتٌ قصير، مشحون، لكنه كان أبلغ من أي كلام.

+


نظرت هنادي إلى فاطمة، وقد فاض صدرها بالكلمات التي حاولت مرارًا أن تحبسها، لكنها لم تعد تقوى على الصمت. تنهدت بعمق، ثم جلست على حافة المقعد، وعيناها تنظران في الفراغ كأنها ترى مستقبلًا لا يُبشِّر بخير.

+


قالت بصوت منخفض، متماسك في ظاهره، لكنه مملوء بالمرارة:

+


"يعني بصراحة يا فاطمة... أنا بحاول أصدق الكلام ده، بحاول أقنع نفسي إن ناجي ممكن يتغير، بس إزاي؟
هو طول عمره طيب... آه، بس الطيبة مش بتكفي...
الخوف ساكن فيه، ووقت الجدّ بينسحب، ودي مش صفات قائد لقبيلة زي الحمدانية."

+


أخفضت صوتها أكثر، كأنها تخشى أن تسمع نفسها:

+


"فاكرة يوم ما مات سالم؟ أنا كنت واقفة، شايفة كل حاجة...
ناجي اتشل، معرفش يعمل حاجة... وأنا اللي كنت بصرّخ وأشد في الناس علشان يتلمّوا على بعضهم.
جوزي جبان يا فاطمة...
وكل يوم بيعدّي، بيثبتلي إنه مش قد الحِمل... ولا قد لقب الحمداني ، ولا قد منصب زي ده."

+



                                      


                
نظرت إلى أمان، الرضيع الذي بين ذراعي فاطمة، ونبرة من التحدي تسلّلت إلى صوتها دون أن تشعر:

+


"الولد ده... هو أمل القبيلة الحقيقي.
بس لسه صغير... ولسه بدري عليه.
واللي بيننا دلوقتي، مؤقت... وممكن ينقلب في لحظة."

+


تأملت فاطمة ملامح هنادي بصمت، ثم ضمّت أمان إلى صدرها كأنها تحميه من ريح آتية، وقالت بهدوء:

+


"اللي جواه نار، بييجي يوم يا تولّع فيه، يا تولعله الطريق.
ويمكن الخوف اللي في ناجي النهارده، هو اللي هيخليه بكرة يقف ويقول لأ.
ويمكن اللي بنفتكره ضعيف، يطلع أقوى مننا كلنا... وقت الجدّ بس يمكن لسه مخدش فرصة ."

+


لكن في عين هنادي… كان اليأس أسبق من الأمل، والنية أخطر من الهمس.

+


لكن ما لم يظهر على وجه هنادي… كانت تخبئه في أعماقها كـ سمّ يسري بهدوء.

+


جلست أمام فاطمة وهي تبتسم ابتسامة باهتة، لا تصل عيناها، وتحاول أن تُظهر تعاطفًا زائفًا، بينما في قلبها نيران تتأجج، وحقد دفين على ذاك الرضيع الذي يحمله الجميع فوق الرؤوس، لأنه يحمل اسم "سالم الحمداني"… ذاك الاسم الذي جعل من زوجها مجرد ظل، ومنها امرأة على هامش المجد.

+


كانت تنظر إلى أمان بعين تحمل خبثًا لا يراه أحد، وتخفي وراء سكونها خطة محكمة.
طفل صغير، لا يدرك العالم بعد، لكنه في نظرها خطر… تهديد حقيقي لزوجها، لمكانتها، لأملها أن يصبح ابنها يومًا قائدًا يُشار له بالقوة و الصلابة.

+


قالت في سرّها وهي تبتسم لفاطمة: "اكبر كده… وخلّي الناس تحطك فوق راسها، بس هتيجي ساعة وتتقلب الموازين… وهتبقى بعيد، بعيد أوي عن الحكم، يا ابن سالم."

+


كانت قد أخفت الحجاب في غرفة الطفل… تمنت أن يفعل فعله، أن يُطفئ النور في عينيه، أن يُبعده عن طريق ابنها القادم، الذي لم يولد بعد، لكنه في عقلها صار سيد القوم وحامل الراية.

+


رفعت بصرها إلى فاطمة وقالت بنبرة رقيقة مصطنعة:
"أنا همشي دلوقتي يا فاطمة… لو احتجتي حاجة، ابعتيلي… وبدر، ربنا يحميه ويكبره قد المقام."

+


وهي تغادر، لم تلتفت. كانت تهمس داخلها:
"بس أنا اللي هكبّرك على طريقتي… وهبعدك عن طريقنا للأبد."

+


خرجت، وخلفها سكون ثقيل… وفاطمة، وإن لم تفهم تمامًا، أحست بقلقٍ يتسلل إلى قلبها، كأن الغدر مرّ لتوّه من أمامها، وترك وراءه رائحة لا تُخطئها الأمهات.

+


في طريقها من بيت فاطمة، كانت هنادي تسير بخطى هادئة، لكنها في داخلها كانت تمور كبركان مكتوم. الشمس توشك على الغروب، والريح تداعب أطراف ثوبها، لكنها لم تكن ترى شيئًا، غارقة في دوامات حقدها، تتحدث مع نفسها بصوت داخلي ساخر، لاذع، كأنها تحاكم كل من حولها.

+


"آه يا بدر... يا وش النحس، يا نقطة السواد اللي وقعت على مستقبلي.
مين كان يتخيل إن رضيع، لسه بيعيط وبيشرب لبن، يقلب الدنيا كده؟
أنا طول عمري شايفة ناجي مش قد القيادة، آه... بس كنت أقول خلاص، القدر قال كلمته، وسالم مات، والناس كلها هتسكت وتقبل الأمر الواقع.
لكن لأ... يطلعلي إنت! ابن سالم!"

+



        

          

                
توقفت للحظة، تنظر أمامها دون تركيز، وتتنهد تنهيدة طويلة، ثم تتابع في ذهنها، بنبرة ممتلئة بالمرارة:

+


"الكل شايفك الأمل، الشمعة اللي هتنور طريق القبيلة... وأنا؟
أنا اللي عايشة مع راجل جبان، بينسحب أول ما يسمع صوت صرخة!
أنا اللي بشيل اسمه، وأنا اللي بشيل ضعفه كمان!
بس أنا مش هسيب حقي…
مش هخلي طفل زيك يا بدر، ييجي بكرا ويحرمني من كل اللي حلمت بيه!"

+


رمشت بعينين تقدحان شررًا، واستأنفت:

+


"أيوه… أنا اللي هأصنع مصيرنا من جديد.
مش هقعد أستنّى لحد ما تكبر، وتاخد مكانك على العرش، وأنا ابني يمكن ما يكونش ليه وجود أصلًا.
لا، ده زمان انتهى.
روحت لرابحة، دفنت الحجاب، ولسه قدامي خطوات… وهخلصها واحدة واحدة.
وكل مرة هبص في عين أمك، هبتسم، وهقولك: ربنا يحميك، يا بدر.
بس الحقيقة؟
أنا بدعي عليك! بدعي عليك في كل ثانية إنك تموت يا بدر تموت واخلص منك.حلمي هيتحقق بموتك بعجزك بضعفك بعارك، لكن أنا مش هقتلك كفاية إنك تكون أخرس."

+


ابتسمت لنفسها بسخرية، وغمغمت:

+


"الحمدانية؟ هيبقى ليهم قائد…
بس هيكون ابني أنا، مش ابن فاطمة.
وساعتها، محدش هيقدر يوقفني…
ولا حتى الدم اللي في عروقك."

2


ثم ارتفعت نبرتها في عقلها، كأنها تعاهد نفسها:

+


"أنا هنادي… مش مجرد زوجة القائد، أنا اللي هكون أم القائد…
وساعتها؟
الكل هيعرف إن اللي يهدد مكاني… مصيره الهلاك، حتى لو كان لسه بيرضع زيك."

+


سارت من جديد، خطواتها أهدأ من ذي قبل… لكن الشر كان قد رسخ في قلبها كجذر لا يُقتلع.

+


عادت هنادي إلى بيتها وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة، مشوّشة، كأنها عادت من معركة صامتة لا يعلم أحد بها غير قلبها. دلفت من الباب بخطى واثقة، تخلع عباءتها برفق، بينما في الداخل، كانت سكينة، خادمتها الوفيّة وكاتمة أسرارها، تنتظرها بقلق ظاهر.

+


اقتربت منها سكينة بسرعة، وعيونها تمتلئ بأسئلة لا تجرؤ على نطقها:

+


سكينة، بخفوت ولهفة:
"رجعتي يا هانم؟ عملتي اللي كنتي رايحة تعمليه؟"

+


هنادي، وهي تفك طرحتها وتضعها على طرف الأريكة:
"رجعت يا سكينة… وشفت اللي كنت عايزة أشوفه."

+


سكينة، تتردد قليلاً، ثم تهمس:
"شفتي الولد؟"

+


هنادي، وهي تنفث غلاً في أنفاسها:
"شفته… و الشيطانة أمه شايلاه كأنه كنز الدنيا، ماسكة فيه كأنها ماسكة الحكم نفسه.
بس ما تعرفش إن كل حاجة حوالين ابنها بتتفتت، وأنا اللي بخطط على مهل…"

+


سكينة، بصوت حذر:
"يا هانم… مش يمكن تكوني بتغلطي؟ ده ابن سالم… والناس كلها شايفاه الأمل…"

+


هنادي، تقاطعها بنظرة حادة:
"أملهم يبقى نهايتي يا سكينة؟!
أنا اللي عشت مع جبان، حلمت بولد يشيل اسمي ويبقى قائد، أجي دلوقتي أتنازل عشان ابن غيري؟
لا يا سكينة… ما حدش هياخد اللي أنا شايفاه من حقي.
الحجاب في مكانه… والنية انعقدت… والباقي على الزمن."

+



        
          

                
سكينة، تتلفت حولها بقلق وتهمس:
"بس لو حد عرف… الدنيا كلها هتولع يا هانم…"

+


هنادي، بنظرة جمر تحت رماد:
"ما حدش هيعرف.
أنا بستناهم يغلطوا غلطة صغيرة… وأنا هكمل عليهم.
بس أهم حاجة دلوقتي… الرضيع يفضل ساكت، الحجاب هيشتغل، وأنا هشتغل أكتر."

+


ثم جلست على المقعد، تنظر إلى الفراغ، تهمس لنفسها:

+


"أنا مش همّني رضا الناس… أنا كل همي السلطان.
والسلطان مش بيتورّث بالدم… بيتاخد بالقلب الحديد، والعقل اللي ما يرحمش."

+


أما سكينة، فوقفت صامتة، تقرأ في وجه سيدتها أكثر مما يقال، وتشعر أن نارًا بدأت تشتعل، وقد لا يُطفئها إلا دم جديد.

+


وقفت سكينة للحظات تحدّق في سيدتها هنادي، وفي عينيها بريق لا يشبه الخوف، بل شيء أعمق… كأنه ولاء مطلق، أو ربما انجراف خلف قدر تعرف أنه مظلم، لكنه قدر سيدتها، وسيدتها فقط.

+


اقتربت منها، جلست على ركبتيها أمامها، وقالت بصوت مفعم بالحسم:

+


"معاكي للآخر يا هانم… مين فيهم يستاهل؟
فاطمة؟ دي قاعدة على عرش الألم بتاعها، ماسكة في عيل لسه بيرضع، و بتفتكر نفسها ملكة؟!
ولا ناجي… اللي لو نملة مشيت قدامه يسيب لها السكة من خوفه وضعفه؟!"

+


رفعت رأسها قليلًا، نبرة صوتها امتلأت بالعزم:

+


"انتي الصح، وانتي الأحق…
أنا شايفة فيكي اللي محدش شايفه،
انتي كنتي دايمًا أقوى من الكل، حتى لما الناس كانت بتقول لأ،
أنا كنت شايفة الـ«آه» جواكي… بتتكوّي وبتستني وقتك."

+


ابتسمت هنادي بخفة، كأن الكلمات لامست وترًا حساسًا في روحها. همست:

+


"يعني إنتي شايفة إني مش ببالغ؟ شايفة ده حقي صح"

+


ردّت سكينة بسرعة، وكأنها كانت تنتظر السؤال:

+


"بالعكس… ده أقل حقك.
ده انتي لو ما عملتيش كده، الزمن هو اللي هيظلمك.
الناس مبتعرفش العدل، الناس بتعرف اللي بيحكم.
واحنا يا هانم، مش جايين نطلب رضاهم، إحنا جايين ناخده بالعافية."

+


أراحت هنادي رأسها للحظة، ثم نظرت في عيني سكينة نظرة اعتراف ضمني، وقالت:

+


"هسند عليكي كتير يا سكينة…
أنا هبدأ حرب من غير سيف، بس نهايتها دم."

+


سكينة، بابتسامة ماكرة:
" مش مهم بس ساعتها… كلهم هيقولوا: ست الستات، أم القائد… هنادي الحمدانية."

+


ساد الصمت للحظات، قبل أن تنفجر الاثنتان في ضحكة خافتة، مليئة بالتواطؤ…
ضحكة لا تسمعها الأرض، لكنها كافية لتزلزل السماء.

+


...
على النطاق الآخر من قبيلة الشرقاوية، حيث تخيّم الغيوم الثقيلة على السماء وتغوص الأرض في صمتٍ دامٍ، كان الحزن لا يزال يجرّ ذيله داخل خيمة القائد جمال، إثر مقتل شقيقه الأصغر صقر.
لم يكن مقتل صقر مجرّد خسارة… بل كان شرارةً أجّجت في قلب جمال نارًا لا تنطفئ، حقدًا عتيقًا على قبيلة الحمدانية، حقدًا لا يُسكته حكم شيخ القبائل، ولا تهدّئه اتفاقات السلام، ولا يُروي إلا بالدم.

+



        
          

                
كان يريد الثأر، لا لصقر فحسب… بل لكرامته الجريحة، ولكبريائه الذي رآه يُسحق تحت أقدام الصغير الذي يُدعى بدر.

+


في ساحة التدريب، كان طفله الأكبر – الذي أسماه "صقر" تخليدًا لاسم عمّه من قبل موته نظرا لحبه و لشجاعته التي لم تكن في غيره– يحاول التدرّب على ركوب الخيل.
لم يكن سوى طفلٍ في السادسة، بجسدٍ نحيل وروحٍ مرتجفة. امتطى صهوة الجواد الكبير، لكنه لم يثبت فوقه طويلًا… تعثّر، ووقع بقوة على الأرض، وارتطم جسده الصغير بالتراب القاسي.

+


هرول جمال نحوه بخطواتٍ غاضبة. ظن الطفل – لوهلة – أن أباه قادم ليرفعه، ليطبطب على ألمه، ليطمئنه بأن السقوط جزء من التعلّم.

+


لكنه لم يكن يعلم… أن القسوة تسكن عيون أبيه أكثر من الشفقة.

+


هوى كفُّ جمال على وجهه الصغير كالسوط.

+


صفعةٌ دوّت في قلب الطفل قبل أن تُدوّي في المكان.

+


تجمدت دموعه في محاجرها، وارتعشت شفتاه، بينما أمسكه والده من كتفيه بشراسة كأنّه ينتزع روحه لا يرفع جسده.

+


قال بصوت غليظ ممزوج بالغضب والعار:
"مش عارف تركب الخيل صُح؟ إنت مش تستاهل اسمك! مش تستاهل تبقى صقر!"

+


اهتز جسد الطفل، وصرخ من شدّة الألم، لا من السقطة، بل من الصدمة… من كسر الأمل في حضنٍ لم يجده.

+


"يا بوي… يدك وجعاني… أنا مش هقدر أتحمل ضربك ليا!"
قالها وهو يحاول التملص من قبضته التي كانت كفكَّ الموت.

+


لكن جمال لم يسمع، أو ربما لم يُرِد أن يسمع.
شدّه بقوة، وصرخ فيه:
"كيف واد خرِع زيّك هيقدر يخلي الأرضين أرض واحدة؟! كيف هيجيبلي رقبة بدر؟!"

+


ثم دفعه بقسوة، فوقع الطفل على الأرض مجددًا، هذه المرة بلا حصان ولا عثرة… فقط قلبه الصغير من تعثر.

+


اقترب منه، وبصوتٍ أشبه باللعنة قال:
"انت اتخلقت لهدف واحد… تسلّمني رقبة بدر، حتى لو بعد ميت سنة… ترجعلي كرامتي، وتخلي الحمدانية تركع تحت رجلينا."

+


كان الطفل لا يفهم كل ما قيل… لكنه شعر أن اللعبة التي كانت تسمى "فرس" أصبحت وحشًا، وأن أبيه الذي كان بطل الحكايات، قد تحوّل لوحش الحكاية ذاته.

+


دمعت عيناه، ليس فقط ألمًا… بل لأنه تمنى لو أن له أبًا… يشبه الآباء.

+


ارتمى الطفل صقر على الأرض، صدره الصغير يعلو ويهبط كأن التراب يسحب منه أنفاسه الأخيرة، والدموع تتزاحم على وجنتيه، لا تعرف إن كانت تسيل من صفعة وجهه… أم من صفعة قلبه.

+


اقترب جمال منه مجددًا، عروقه نابضة بالغضب، نظراته مليئة بالخزي وكأن سقوط الطفل كان سقوطًا لهيبته أمام جنوده.

+


انحنى عليه فجأة، جذبه من تلابيب قميصه الممزق، وقال من بين أسنانه:

+


"قوم! قوم دلوقتي وإلا هتنام في الزريبة زي الكلاب… قوم يا ضعيف ."

+



        
          

                
توسّل صقر بصوت مخنوق:

+


"يا بوي… والله أنا حاولت… الحصان عالي… وأنا خفت… أنا صغير يا بوي…"

+


صفعه مجددًا، بقسوة لم تُراعِ جلده الطري ولا روحه الطفولية:

+


"صغير؟! صغير تقولها لي؟! وانت ابن مين؟! ابن القائد جمال اللي خلّى الرجالة تبكي على صقر لما مات؟! تقولي خفت؟!"

+


ضربه على صدره بكفّه حتى شهق الطفل من الألم:

+


"اللي يخاف ميستاهلش يحمل اسم صقر! أنا كنت في سنّك شايل سيف أكبر مني… كنت بجرّي ورا الخيول وأقاتل الخوف برجلي!"

+


ارتعش صوت الطفل، بالكاد خرجت كلماته:

+


"أنا مش أنت يا بوي… أنا مش عايز أكون حد تاني… أنا…"

+


قاطعه جمال صارخًا:

+


"وهو أنا سألتك تبقى عايز تبقى مين؟! ده مش اختيار! دي لعنة! اتولدت بيها… اتولدت علشان تعيش تقتل بدر! فاهم؟! بدر اللي خد منّا الأرض، خد اسم الحمدانية منا، وانت لازم تاخد روحه وترد كرامة عمّك!"

1


بدأ الطفل يرتجف، لم يفهم معنى الانتقام، لكنه فهم أن قلب أبيه لا يسعه الحب.

+


قال بصوت مبحوح، أشبه بجرحٍ مفتوح:

+


"بس يا بوي… أنا كنت عايزك تحضني لما وقعت… كنت عايزك تطبطب عليا… مش تضربني…"

+


حدّق فيه جمال لحظة، كأن قلبه تجمد للحظة، ثم بصق بجانبه وقال باحتقار:

+


"الحُضن مش للضعاف… الحضن للميت بعد ما يندفن، ساعتها بس تطبطب عليه الأرض."

+


ثم استدار مغادرًا دون أن يلتفت، تاركًا الطفل راقدًا على التراب، بوجهٍ مدمى ودموعٍ تجري بلا توقّف…
وعينين صغيرتين، فهمتا أخيرًا أن الحب في هذه القبيلة… ليس إلا وهمًا يُعلّق على مشانق الدم.

+


ركضت رشيدة، والدة صقر، بعدما سمعت صرخاته تمزق سكون الفجر. كانت خطواتها مسرعة، وثوبها يطير خلفها، لكنها لم تكن تركض بدافع الحنان… بل بدافع حفظ ماء الوجه أمام زوجها جمال.

+


وقفت عند الطفل الملقى على الأرض، تنظر إليه بنظرة جمعت بين الغضب والازدراء. لم تسرع إلى ضمه، بل وقفت فوقه، وقالت بلهجة حادة:

+


"قاعد كده ليه وقعّت نفسك؟! عيب عليك، تفضحنا قدام الناس؟! ابن القائد يصرخ زي البنات؟!"

+


رفع صقر عينيه نحوها، بعينين متورمتين من البكاء:

+


"ماما… الحصان عالي… وأنا وقعت… وبابا ضربني…"

+


قطّبت رشيدة جبينها، وانحنت قليلًا دون أن تلمسه:

+


"و حتى لو ضربك، ما هو عنده حق! فاكر نفسك هتبقى قائد كده وأنت بتعيط من شوية خبطات؟! ده عمّك صقر كان يقطع المسافات على ظهر الجمل وهو في سنّك!"

2



        
          

                
حاول صقر أن يمد يده نحوها متوسلًا:

+


"بس وجعني أوي يا ماما… كنت عايزك تمسكي إيدي…"

+


سحبت يدها بسرعة كأن لمسته تحرقها:

+


" أمسك إيدك؟! ما تبقاش راجل طول ما إيدك ممدودة للشكوى! شد نفسك… قوم دلوقتي… قوم ولا أقول لأبوك إنك عايز تستخبى في حجري زي الصغيرين."

1


أطرق الطفل رأسه، وبدأ ينهض بصعوبة، والألم في ضلوعه، والخوف في قلبه، والخذلان في نظراته.

+


قالت رشيدة بنبرة باردة وهي تدير ظهرها:

+


"الرجالة ما يشتكوش… الرجالة يبلعوا وجعهم ويسكّتو، ولو متّ من وجعك، يبقى ربنا ما خلقك للقيادة من الأول!"

+


ثم مضت عنه… وتركته للمرة الثانية، وحيدًا… بلا حضن، بلا رحمة،
إلا من التراب… الذي وحده تلطّف بألمه وغطى دموعه.

+


ظل صقر يبكي، تتساقط دموعه على وجنتيه الصغيرتين بحرقة، لا يد تمتد لتمسحها، ولا صدر يحتضنه. كان قلبه الطفولي يعصره الألم، ليس من السقطة، بل من السقوط في عين من ظنّهم سندًا.

+


ارتجف جسده الصغير، وارتعشت شفتاه وهو يكتم شهقة موجعة، كأن الدمع بات عيبًا يُحاسَب عليه. حوله سكون موحش، والخيول تتابعه بنظرات ثابتة، كأنها تعلم أن قلب هذا الطفل يتشكل الآن، على نار القسوة.

+


مرت لحظات ثقيلة، ثم تمالك نفسه، وتوقف عن البكاء، ومسح دموعه بكمّ ثوبه الممزق، ورفع رأسه بشموخ وهمي يحاول أن يصنعه.

+


شد عضلاته الضعيفة، وعض على شفتيه حتى سال الدم، ثم وقف.

+


وقف وحده.

+


بلا عون.

+


بلا حضن.

+


لكن بداخله شيء جديد… صلب، صامت، غاضب.

+


همس لنفسه وهو يخطو أولى خطواته بصعوبة:

+


"أنا هبقى أقوى منكم كلكم… وهتشوفوا، يوم ما أقف فوق راس القبيلة، محدش فيكم هيهينني تاني…"

+


وهكذا… بدأ صقر الصغير يُولد من جديد، لا كطفل، بل كسيف يُشحذ على مهل.

+


ظل صقر، الطفل الذي كتم الدمع في قلبه، يحاول بكل ما يملك من جهد أن يسعد والده جمال ووالدته رشيدة.
تعلم أن يركب الخيل رغم خوفه، وحفظ أنساب القبائل عن ظهر قلب، وحمل السيف بيد ترتجف لكنه يخفي ارتجافها بين أصابعه الصغيرة.
كان يعود من التدريب مغطى بالتراب، وقد شُقّت يداه، وتسلّخت قدماه، لكنه لا يشتكي.
يبتسم كلما رأى والده، يظن أن هذا اليوم قد يكون مختلفًا… أن كلمة "أحسنت" ستخرج منه يومًا.

+


لكن جمال لم يرَ فيه إلا شيئًا واحدًا…

+


ثأرًا مؤجلاً.

+


كل مرة ينظر فيها إليه، لا يرى وجه ابنه، بل يرى وجه بدر، الرضيع الذي سيكبر ليأخذ مكان سالم… و أخيه الذي سقط على يده.
لا يرى في عيون صقر البراءة، بل يرى فيها مشروع انتقام… سيفًا يجب أن يشتد ليقطع رقبة الحمدانية يومًا ما.

+



        
          

                
وفي أحد الأيام، بعدما عاد صقر من تدريب شاق، يلهث وقد تغطى بالعرق والدم من خدش في جبينه، اقترب منه وهو يلهث فرحًا:

+


"يا بوي… شُفتني؟ رَكبت الحصان لوحدي… ونطّيت بيه فوق الخندق!"

+


نظر إليه جمال نظرة باردة، ثم قال:

+


"نطّيت؟ والنطة دي جابتلي سالم من تربته؟"

+


تجمد وجه الطفل، وارتجفت شفتاه، لكنه لم يتكلم.

+


أكمل جمال بنبرة غليظة:

+


"لما تقدر ترد كرامتي اللي انداست… وتجيبلي راس ابن سالم، ساعتها بس… تبقى راجل في نظري."

+


ثم مضى وتركه… كما فعلت أمه من قبل.

+


أما صقر، فابتلع كلماته، وطأطأ رأسه، ثم همس لنفسه ببراءة مشروخة:

+


"أنا مش عايز أقتل… أنا بس كنت عايزك تفتخر بيا."

+


لكنه أدرك — وإن كان صغيرًا — أن والده لا يرى فيه إلا سكينًا مؤجلة… لا ابناً.

+


لم يكن في دار قبيلة الشرقاوية موضعٌ يُفرش فيه الحنان لصقر.
ولد في بيتٍ كبير الجدران، لكنه ضيّق القلب.
لم يعرف دفءَ حضن، ولا لذّة كلمة طيبة تُقال له دون شرط، أو دون مقارنة بغيره.

+


أبٌ قاسٍ كالصخر، يرى فيه أداة للانتقام لا روحًا تنبض،
وأمٌّ أشد قسوة، لا ترى فيه إلا ظلًّا باهتًا لرجلٍ كانت تحلم أن تنجبه يُشبه جمالًا، لا صقرًا يرتجف إذا صاح به والده.

+


لم تكن رشيدة تحتضنه حين يخاف، ولا تمسح على شعره حين يبكي، بل كانت تصفعه إن أخطأ، وتُهينه إن فشل.

+


ذات ليلة، بعد أن خسر صقر تمرينًا في القتال أمام أحد أبناء القبيلة، عاد يجرّ قدميه، والغصة تحرق حلقه، وعيناه محمّلتان بدمع لا يجد إذنًا لتساقطه.

+


اقترب من أمه، وهمس بصوتٍ مكسور:

+


"يا أمي… أنا حاولت، بس هو كان أكبر مني…"

+


رمقته بنظرة باردة، وقالت بحدة:

+


"تعبت؟ طب قوم نام على بطنك على البلاط… يمكن برد الأرض يعلمك السخونة في الشجاعة.
أنت عارف أنا مش عايزة ولد جبان."

+


ابتعد صقر، لم يبكِ أمامها.
لكنه جلس في الركن المعتم من الغرفة، وضمّ ركبتيه لصدره، كأنه يحاول أن يختبئ من العالم داخل نفسه.

+


في ذلك البيت،
لم يكن يُقال له "أحسنت"، بل "ما كفّيتش".
لم يكن يُحتَضن، بل يُدفع.
لم يكن يُربّى ليعيش… بل يُجهّز ليقتل.

+


وهكذا…
كان صقر يتكوّن، لا كطفلٍ في السادسة، بل كعاصفة تُخبئها الأيام…
تتغذى على القسوة، وتكبر في الظل… تنتظر ساعة الانفجار.

+


في كل مرة كانت يد والده ترفس وجهه، أو تلوح بنظرة استهانة من أمه، كان صقر يُغمض عينيه متحاملاً على ألمٍ لا يُحتمل. في داخله، كانت نارٌ مشتعلة من الغضب والمرارة، نارٌ تغذيها خيبات الأمل والخذلان.

+



        
          

                
وكان في قلبه ظلٌ واحد لا ينطفئ و هو : بدر. الذي لا يعرف من هو ، بل يرى في قتله ابتسامة والده و تشجيع والدته  ، ربما سيحصل على حبهما إذا فعل ذلك.

+


طفل لا يعرفه وجهًا لوجه، لكنه يدرك تمامًا أنه السبب في كل ما أصابه من ظلمٍ وقسوة. ذلك الوليد الذي خلفه سالم  الذي قتل شقيق والده، والذي حمل إرث القبيلة وذخرها.

+


يهمس صقر في وحدته، بصوتٍ متقطع وقلبٍ مكسور:

+


"يا بدر... انت مش بس وريث اسم، انت كمان سبب وجع قلبي، سبب ضياع حريتي. يوم ما أقابلك، هتتعلم معنى العذاب."

+


كل صفعة، وكل كلمة جارحة، تزيد عهده على نفسه بأن ينتقم، بأن يثبت وجوده بقوة لا تُقهَر، وأن يُعيد لروحه المكسورة بعضًا من كرامتها المسلوبة.

+


وفي صمت الليالي الحالك، يتلو لنفسه قسمًا صامتًا:

+


"هكون أقوى، هردلكم الجميل، وهخليكم تندموا إنكم في يوم ظلمتوني يا قبيلة الحمدانية."

1


.......

+


في ضوء الغرفة الخافت، جلست فاطمة تضم الرضيع "أمان" إلى صدرها، لكن شيئًا ما كان مختلفًا… لم يكن يصدر عنه ذاك الصوت الطفولي الناعم، لا همهمة، ولا بكاء، ولا حتى تنفس مسموع.

+


رفعت فاطمة رأسها بقلق ونادت:

+


"حسناء! تعالي بسرعه!"

+


جاءت الخادمة مهرولة، وهي تمسح يديها في ثوبها:

+


"نعم يا ست فاطمة؟!"

+


نظرت فاطمة إلى وجه الطفل، ثم إلى حسناء بعينين يملؤهما القلق:

+


"الواد أمان… مش بسمع له حس! طول الوقت كنت بسمع صوت نفسه… دلوقتي ساكت خالص!"

+


اقتربت حسناء بسرعة، ومدّت يدها تلمس صدر الطفل بخفة، ثم وضعت أذنها عليه، تبحث عن أنفاسه.

+


"يا ساتر يا رب… هو فعلاً ساكت بس بيتنفس، هدوءه غريب"

+


فاطمة بصوت مرتعش:

+


"هو بيعيط في العادة من أقل حاجة… النهاردة ولا صوت! طب إنتي شايفة بيتنفس؟!"

+


هزّت حسناء رأسها بتوتر:

+


"هو بيتنفس، بس واطي خالص… زي اللي في نوم تقيل، أو يمكن تعبان!"

+


قامت فاطمة وهي تحتضنه بشدة:

+


"مش مرتاحة يا حسناء… مش مرتاحة! الولد اتغير، وبطّل يطلع صوت… هو في حاجة!"

+


حسناء محاولة لطمأنتها:

+


"ممكن يكون تعبان بس، أو الحليب أتعبه… خليني أحضّر له شوية ينسون يمكن يهدي بطنه."

+


فاطمة، وهي تهدهده بعناية، صوتها يختلط بالخوف:

+


"ابني ده… لا هو ابني ولا من لحمي ودمي، بس بقى أغلى من روحي. ما اتحملش يحصل له حاجة، يا حسناء… ده أمان… أماني في الدنيا كلها."

+



        
          

                
سكتت حسناء لحظة، ثم قالت وهي تحاول أن تبتسم:

+


"هيبقى بخير يا ست الكل… بإذن الله هيقوم زي الأول وأحسن. بس لازم نراقبه… ولو زاد تعبه، نودي جلالة تشوفه."

+


هزّت فاطمة رأسها، لكن عيناها بقيتا معلقتين بالرضيع، تراقب صدره يرتفع ويهبط، كأنها تعدّ أنفاسه خشية أن تنفد.

+


سارت فاطمة في الغرفة ذهابًا وإيابًا، تحمل "أمان" بين ذراعيها، وقلبها يخفق بقلقٍ يكاد يخنقها، بينما الصمت الذي غلف الرضيع كان أفظع من أي بكاء.

+


نظرت إلى حسناء وقالت بصوت يرتجف:

+


"لا… مش هينفع كده، الواد ساكت خالص، وأنا قلبي مش مرتاح… روحي بسرعة يا حسناء، هاتيلي جلالة، خليها تيجي تشوفه، يمكن يكون تعبان ولا حاجة خطيرة!"

+


هزّت حسناء رأسها موافقة، وهي تحاول أن تبدو مطمئنة رغم ارتباكها:

+


"حاضر يا ست الكل، أنا رايحة حالًا، دقيقة وهكون عندها… متقلقيش، كله خير إن شاء الله."

+


وأخذت غطائها وخرجت مسرعة من البيت، تخترق الظلام والخوف في آنٍ معًا، بينما خلفها وقفت فاطمة تنظر في وجه "أمان"، تتمتم بدعاء خافت:

+


"يا رب… احفظه ليا، ما اتحملش أفقده هو كمان…"

+


وفي عينيها كانت تشتعل نار أمٍّ فقدت كثيرًا، ولن تتحمل فقدًا جديدًا.

+


بعد دقائق ثقيلة مرّت على فاطمة كأنها ساعات، دخلت جلالة الداية إلى الدار وهي تلهث من التعب، وملامحها يكسوها القلق والتفحص.

+


اقتربت من فاطمة التي كانت تحتضن الطفل ودموعها على خدّها، وقالت وهي تمد يديها:

+


"هاتهولي يا فاطمة، أبص عليه شوية كده."

+


ناولتها فاطمة الطفل وهي تقول بارتباك:

+


"حاساه غريب… ساكت، لا بيعيط ولا بيتنهد، وأنا مش مرتاحة."

+


أخذت جلالة "أمان" بين ذراعيها، تفحصت وجهه، وعينيه، ثم مرّرت يدها على صدره بلطف، وضعت أذنها على قلبه تسمع نبضه، ثم همست:

+


"النبض كويس… والتنفس طبيعي."

+


ثم رفعت رأسها ونظرت إلى فاطمة بعينين فيهما شيء من التردد، وقالت بصوت منخفض:

+


"فاطمة… ابنك سامع… بس مش هينطق."

+


شهقت فاطمة، وغطّت فمها بكفّها، ثم قالت بصوت مرتجف:

+


"يعني إيه؟ يعني مش هيتكلم؟ أبكم؟"

+


هزّت جلالة رأسها بتنهيدة ثقيلة:

+


"أيوه… أبكم. ودنه شغالة وبيفهم، بس لسانه ما بينطقش. ودي حاجة من عند ربنا… ابتلاء، بس هو بخير، سليم، وحيكبر وهيفهم كل حاجة، بس صوته مش هيطلع."

+


أغمضت فاطمة عينيها بقهر، وضمت ابنها إلى صدرها بقوة وهي تهمس:

+


"قدرنا يا أمان… حتى صوتك اتحرمنا منه… بس أوعدك، هتعيش بكرامة، وهتبقى أقوى من صوتك نفسه."

+



        
          

                
وبين حضنها ودمعها، كانت تدفن خوفها وتزرع قوة جديدة… لطفل قُدّر له أن يعيش بلا صوت، لكنه سيهتف بأفعاله يومًا ما.

+


نظرت جلالة إلى فاطمة بعينين فيهما مزيج من الشفقة والحزم، وجلست بجانبها على الفراش ، ومدّت يدها تمسح على كتفها برفق وهي تقول:

+


"يا فاطمة… السكات مش ضعف، واللي بيتكلم مش دايمًا بيكون قوي. أمان ده... يمكن لسانه ساكت، بس قلبه صاحي، وعينيه مليانة فهم. فيه ناس صوتهم في سكوتهم، وهيبقى ليه لازمة، يمكن أكتر من اللي بيهتفوا ويزعقوا طول اليوم."

+


هزّت فاطمة رأسها بألم، ثم همست بصوتٍ منكسر:

+


"بس إزاي… كنت حاسة إن أمان هيبقى سند لبدر… هيحميها ويقف قصاد أي حد يقرّب منها، دلوقتي مش عارفة…"

+


رفعت جلالة رأس فاطمة بلطف، ونظرت في عينيها وهي تقول بثقة:

+


"أمان هيساعدها… مش لازم بالكلام. هيساعدها بعينيه، بإيده، بخطوته اللي وراها طول الطريق. هيفهمها من قبل ما تنطق، وهيفهم الدنيا بطريقته. البنت هتكبر، وأمان هيبقى سايب وراها ظلّها في كل خطوة. ومتستبعديش قدرة ربنا… اللي حرم صوته، يمكن يكون مديله بصيرة تفوق الكلام."

2


سقطت دمعة من عين فاطمة، وهي تحتضن الطفل أكثر وقالت بصوت مليان وجع وأمل:

+


"يا رب… قوّيه… علشان يفضل درع لبدر… ويدافع عنها لو كل الدنيا وقفت ضدها…"

+


واكتفى أمان بالنظر إليها… نظرة بريئة، هادئة… لكنها كانت تقول الكثير.

+


.....

+


في زوايا الغرفة الهادئة، وبين ضوء المصباح الخافت المتسلّل من النافذة الطينية، كانت هنادي تجلس على طرف الفراش، عيناها تتلألأ ببريق غامض لا يشبه الفرح بل أقرب إلى النصر. وضعت يدها على بطنها برفق، كأنها تلامس وعدًا قادمًا لا رجعة فيه.

+


اقتربت منها سكينة بخطى حذرة، وعيناها تدوران بين هنادي وبطنها المستدير، قبل أن تهمس وقد غلبها الفضول:

+


"يا ترى... ده الواد اللي مستنينه؟"

+


لم تلتفت هنادي مباشرة، فقط ابتسمت بتلك الابتسامة المائلة التي كانت دومًا تُخفي أكثر مما تُظهر، ثم رفعت عينيها وقالت بصوتٍ واثق يقطر مكرًا:

+


"أكيد... واد  ما اتولدش زيه حمداني من زمان. ده اللي هيخلي الناس تنسى بدر واسم سالم نفسه."

+


شهقت سكينة بقلق، لكنها ابتلعت صوتها سريعًا، وغمغمت:

+


"بس الناس كلها فاكرة إن بدر هو الوريث… ودم سالم ما يتنافسش عليه!"

+


نهضت هنادي ببطء، وخطت نحو المرآة الصغيرة، نظرت لانعكاسها بنظرة امرأة ترى أكثر من ملامح، ثم تمتمت كأنها تحدّث مصيرها:

+



        
          

                
"بس لو اللي في بطني طلع واد... كل حاجة هتتغير. وأنا هعرف أخلّي كل حاجة تتغير."

+


في تلك اللحظة، لم تكن هنادي فقط امرأة حبلى... بل كانت تزرع فتيل صراع جديد تحت جدران قبيلة لم تُدرك بعد أن نارها توقد من الداخل.

+


وضعت هنادي يدها على بطنها برفق، كأنها تحاول أن تمرّر له من قوتها شيئًا، أو تسقيه من طموحها الغائر في القلب منذ سنين، وهمست بصوتٍ متهدّج، لكنه مملوء بالإصرار والغلّ:

+


"إنت... إنت اللي هتخلي كبرياء أمك يستمر... إنت اللي هتخلّي الناس تفتكرني مش عشان انا مرات ناجي، لكن عشان إني أم القائد الحقيقي."

+


ثم أغمضت عينيها لحظة، وضغطت على بطنها برفق، وتابعت:

+


"مش هتطلع زي أبوك، لأ... إنت هتكون زي ما أنا عايزاك... قوي، وشرس، وما فيش حاجة توقفك. حتى بدر... حتى هو مش هيقدر يقف قصادك، مهما ربّوه على الشجاعة."

+


في تلك اللحظة، بدا السكون حولها كأنّه يُصغي، والهواء يختزن كلماتها... وكأنّ الحياة تستعدّ لتنقلب حين يُولد هذا الطفل.

+


فجأها المخاض كما تفاجئ العاصفة بابًا غير موصد، لم يُمهلها الوقت، ولم يمنحها فرصة للتهيؤ. كانت الليلة هادئة، القمر في السماء ساكن، والهواء ثقيل كأنه يوشك أن يصرخ… وفي تلك اللحظة، شعرت هنادي بطعنة الألم الأولى تمزّق بطنها كالسيف.

+


صرخت بصوتٍ اخترق جدران البيت، فهرعت سكينة مفزوعة:

+


"يا نهار أبيض! ده الطلق جه بدري! استني، هاجيب الداية!"

+


وفي دقائق، كانت جلالة الداية تقف فوق رأسها، ترتّب فراشها بسرعة، وتعدّ ما يلزمها بيد خبيرة، بينما كانت هنادي تصرخ وتقاوم الألم بشراسة، كأنها تلد نصرًا لا مولودًا.

+


الأنفاس تتسارع، والدموع تسيل، والشموع تهتز، كأنّ البيت كله يشهد مخاضًا لا يُشبه أيّ مخاض.

+


وبعد ساعةٍ من الصراع، وصرخةٍ أخيرة من هنادي، ارتفع صوت بكاء… لكنه لم يكن الصوت الذي تمنّته هنادي.

+


أمسكت جلالة بالمولود، نظرت إليها بارتباك، ثم تمتمت وهي تقطع الحبل السري:

+


"بِنت!"

+


تجمّدت هنادي في مكانها، نظرت إليها بعينين مشوشّتَين، تحدّق بجسدها المنهك كأنها تطلب منه تفسيرًا.

+


"بِنت؟!" قالتها بصوت خافت، كأنها لا تريد تصديقها.

+


أومأت جلالة برأسها، وقالت وهي تنظّف الصغيرة وتلفّها في قماشة:

+


"آه يا هانم… بنت، بس ما شاء الله عليها، شبهك كده… عيونها واسعة، ووشها فيه نُور."

+


لكن النور لم يصل إلى قلب هنادي.

+


كانت الصدمة تحفر في ملامحها، وكأن كل أحلامها، كل خططها، كل خبثها، انهار في لحظة…

+


وضعت رأسها على الوسادة، ودمعة ثقيلة هبطت على خدها بصمت.

+



        
          

                
"بنت…" تمتمت مرة أخرى، وهذه المرة لم يكن فيها غضب، بل وجع… وجع امرأة لم يربكها ألم الولادة، بل كسرها جنس المولود.

+


كان الغضب يسيطر على ملامح هنادي، نظراتها ملتهبة، تكاد تحرق من تقع عليه. ارتفعت أصوات خطوات الداية والخادمة داخل الغرفة، لكن صوت هنادي طغى على كل شيء:

+


"اطلعوا براااااااااااااااا!! كلكم! دلوقتي حالًا!!"

+


نظرت جلالة إليها وقد ارتبك صوتها وهي تقول:

+


"بس يا هانم… البنت محتاجة رضاعة ودفا، لسه طالعالنا من الدنيا!"

+


صرخت هنادي بحدة، وهي تشير نحو الباب بعصبية تكاد تمزق الهواء:

+


"قلتلك برا! مش عايزة أشوف وش حد!"

+


اقتربت سكينة منها، تحاول تهدئتها، وقالت بصوتٍ خافت:

+


"طب أهي الطفلة محتاجك يا هانم… ربنا رزقك بيها ، ليه الزعل؟ علشان الولد ، لسه فيه فرصة"

+


لكن رد هنادي جاء كصفعة:

+


"قومي من وشي يا سكينة! خيبتي أملي! بنت؟! بعد كل اللي عملته؟!"

+


حاولت جلالة التخفيف، فوضعت الطفلة على طرف السرير وقالت:

+


"البنات رزق برضو، ومين عارف الخير فين؟"

+


لم تلتفت هنادي حتى، بل رمقتها بنظرة نارية، وصاحت:

+


"اطلعيييييييييييييي!!! كلكم براااااااااا!!!"

+


خرج الجميع في صمت ثقيل، والباب أغلق خلفهم، تاركين هنادي في الغرفة، والنار تأكل قلبها.

+


جلست هنادي على طرف الفراش، وعينيها لا تفارق الطفلة التي تبكي في ركن الغرفة… لكن لم تكن الطفلة وحدها من تبكي تلك الليلة.

+


كان الهدوء المشوب بالترقّب يخيّم على الخارج. وقفت دليلة، شامخة كالعادة رغم السنين، وعيناها لا تفارقان باب الغرفة المغلق، بينما جلس ناجي على مقعد خشبي قريب، يعصر أطراف ثوبه بقلق ظاهر.

+


قالت دليلة، بصوت هادئ لكنه حاد:

+


"الولادة طولت... دي أول مرة ليها تبقى كده."

+


رد ناجي وهو يمسح عرقه بكفّه المرتجف:

+


"ربنا يستر... قلبي مش مطمّن، يا أمي."

+


نظرت إليه دليلة بنصف عين، وغمغمت بسخرية:

+


"قلبي مش مطمّن من يوم ما بقيت إنت القائد."

+


أطرق رأسه، ولم يرد. لحظة صمت مرّت كأنها دهر، حتى سُمع صوت صراخ هنادي الغاضب يعلو من خلف الباب:

+


"اطلعوا برااااااا!! مش عايزة أشوف وش حد!!"

+


تبادلت دليلة وناجي النظرات، وقبل أن يتكلّم، قالت دليلة بصوت منخفض يشبه الزئير:

+



        
          

                
"ده مش صوت ست لسه والدة… ده صوت واحدة كانت مستنيّة حاجة وما جتش."

+


ثم حدّقت في الباب المغلق، وقالت وهي تضم كفّيها خلف ظهرها:

+


"يا ترى جالها ولد… ولا البنت كسرت حلمها؟"

+


دقّت دليلة الباب بخفة ثم فتحتهما، دخل ناجي ودليلة الغرفة ببطء، وأصبحا أمام هنادي التي كانت تتنفس بصعوبة، وبجوارها طفلة صغيرة ملفوفة بقطعة قماش ناعمة.

+


نظرت دليلة إلى الطفلة بابتسامة عريضة وقالت: "الحمد لله على السلامة، ربنا رزقنا بيها."

+


رفع ناجي رأسه ونظر إلى الطفلة بعينين تلمعان بالفرح، ثم قال: "يا رب تكون سالمة وتكبر وسطنا بالخير. هنسميها سارية… اسم يشبه الشمس اللي بتنور دربنا."

+


اقترب من الطفلة، مسح جبينها بلطف، وابتسم بحنان عميق، بينما هنادي نظرت إليهما بعينين ملؤهما الارتياح والدهشة.

+


قال ناجي وهو يرفع رأسه إلى دليلة: "أم سالم، والله ما توقعت إن فرحتي هتكون بولادة بنت... بس دي هي الحقيقة اللي ربنا كتبها لنا."

+


همست دليلة وهي تمسك يد هنادي: "الحمد لله، دي بداية جديدة للقبيلة، وربنا يقويكي يا بنتي."

+


اقترب ناجي من هنادي وهو يحمل الطفلة بين يديه بحنان، وقال بصوت يملؤه الفرح:

+


"بصي يا هنادي، دي بنت عمرها دقايق بس، شوفيها قمر ازاي... حاسس براحة غريبة لما لمستها."

+


لكن هنادي لوّت عنقها ببرود إلى الجهة الأخرى، كأنها ترفض تلك اللحظة.

+


نظرت دليلة إليها بابتسامة مطمئنة وقالت بهدوء:

+


"البنات خير يا هنادي، ولو ما جاش الولد المرة دي، المرة الجاية هيجي. إنتِ لسه شابة والعمر قدامك."

+


همست هنادي في خاطرها بنفَسٍ مُعتم:

+


"آه... عايزة ابن سالم هو اللي يمسك القبيلة. عمر ما كان ناجي في حسابك، أبداً يا دليلة. خاب ظني المرة دي... بس أنا مش يئست.ولازم أجيب الواد مهما حصل"

+


حملت الرضيعة بحذر، تحسبًا لغضب دليلة أو استهزاءها، لكن الرضيعة ابتسمت لها فجأة.

+


نظرت إليها بعينين شاردتين وقالت بمرارة في نفسها: "بتضحكي على إيه؟ عارفة حزني وبتتريقي عليا، ليه جيتي بنت؟ وأنا كنت عايزاكي ولد يرسم الضحكة على وشي..."

+


مع مرور السنوات، وتكرار الحمل كل عامين، وجدت هنادي نفسها تضع مولودة تلو الأخرى.

+


بعد سارية، جاءت نسيم، ثم بتول، وأخيرًا العنود…
ست فتيات صغار، لكل واحدة منهن ملامح مختلفة، وطباع متباينة، لكن شيئًا واحدًا جمعهن:
أنهن لم يكنّ ما أرادته هنادي.

+


في ركن الدار، كانت تنظر إليهن أحيانًا بصمت طويل، وتردد بينها وبين نفسها:

+


"سهام وورد وسارية ونسيم وبتول والعنود...
كل واحدة منهم حلوة بطريقتها، بس أنا ما كنتش عايزة بنات…
كنت عايزة واحد بس… ولد يشيل اسم أبوه… يرفع راسي… يدخل المجلس وأنا مرفوعة الجبين…"

+


رغم ابتسامتها في وجوههن، ورغم محاولاتها لتكون أمًا مثالية أمام الناس،
إلا أن الحنين للولد الذي لم يأتِ، كان لا يزال يسكن قلبها كغصّة…
خاصةً وهي ترى "بدر" يكبر يومًا بعد يوم… تحت أنظار فاطمة…
ويأخذ مكانًا يزداد ثباتًا في قلوب أهل القبيلة.

+


"اااخ ، ست بنات… ستة! وكل مرة أقول يمكن المرة دي ييجي، يمكن ربنا يكرمني بولد… بس مفيش فايدة… زي ما يكون الدعوة مقفولة قدامي."

+


"ودليلة؟ آه يا دليلة… كل ما أولد بنت، تطبطب عليا كأنها بتعزيني مش بتهنيني… وتقول البنات خير، وهي قلبها بيضحك إن مافيش ولد ياخد مكان ابن ابنها سالم !"

+


"وبدر؟ بدر اللي مخبياه فاطمة في حضنها كأنه كنز… بيمشي بين الناس مرفوع، وكل العيون بتبص له كأنه القائد الجاي! وأنا بنتي الكبيرة لسه بتتعلم تسرح شعرها"

+


"أنا ما خلفتش عيال علشان يتقال عليّا أم البنات وبس… كنت عايزة ولد… يبقى لي سند، أربيه على عيني، وأخليه ياخد مكانه في القبيلة قبل بدر."

+


"بس لا… لسه مخلصتش… أنا مش هسكت، وعمري ما هرضى إن ابن فاطمة هو اللي يقود… هنلاقي له طريق… وهنادي عمرها ما كانت بتستسلم."

+


شدّت عباءتها بتوتر، ووقفت فجأة كأن فكرة نضجت في عقلها للتو… نظرتها ازدادت حدة، والهواء من حولها صار أثقل…

+


"لازم أتحرك قبل ما يفوت الأوان… بدر ماينفعش يسبقني… وساعتها اللي فاتني مش هيتعوض."

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close