اخر الروايات

رواية اسيرة الغريم الفصل الثاني 2 بقلم ولاء رفعت علي

رواية اسيرة الغريم الفصل الثاني 2 بقلم ولاء رفعت علي


تسللت إلى الداخل في حذر، أوصدت الباب خلفها في صمت مُطبق، أخذت تتجول في أرجاء الجناح حتى انتهى بها المطاف إلى غرفة الثياب، وهناك، فتحت الخزانة الخاصة بثياب زوج شقيقتها!

التقطت قميص معلق على المِشجب، ورغم أنه قد مر بمراحل الغسل والكي، إلا أنّ أريج عطره النفاذ كان لا يزال عالقاً بذرات نسيجه، استنشقت عطره بعمق يملأ رئتيها، وهي تحتضن القميص بين ذراعيها، أغمضت عينيها لتُطلق العنان لمخيلتها، متوهمة أن مَنْ تغمره بعناقها ليس بجماد، بل هو صاحب القميص ذاته!

—فايا!
انتفضت بذعر شديد كأنما صُعقت من وجوده في هذا التوقيت، والتفتت نحوه وهي تحاول بيأس أن تخبئ القميص خلف ظهرها.
ابتلعت ريقها بتوتر جارف، وجاهدت لتخلق عذراً يبرر وجودها المريب في هذا المكان، وهي تبتهل في سرها ألا يكون قد أبصر ما كانت فيه من غفلة و وجد.

—أبيه هشام.. أنا.. أنا.. أنا كنت جاية أخد شنطة من عند أسما، أنا افتكرتك روحت الشركة مع أبيه صفوان.

–أنا روحت ورجعت عشان أخد أوراق مهمة جداً، بس مكنش يخطر علي بالي ألاقي حاجة أهم من الأوراق.
ألقي كلماته بمكر ، فوقعت عليها كوقع دلو الماء أعلي رأسها، فها هو يتحرك نحوها بخطوات واثقة، بينما كانت عيناه تحدقان في عينيها ببريق يملؤه الخبث والدهاء، سألها بنبرة هادئة لا تخلو من الاستدراج:
—طب هي فين الشنطة؟

تتراجع خطوة تلو الأخرى، وخفقات قلبها تُقرع في صدرها كطبول الحرب، حتى ارتطم ظهرها بصلابةِ الحائطِ، فغدت أسيرة بينه وبين جبروت حضوره.
في تلك اللحظة العصيبة، تمنت لو انشقت الأرض وابتلعتها في غياهب العدم؛ فراراً من نظراته التي كانت تخترق سكونها كأنها تُعلن كشف ما تكنه له من مشاعر دفينة منذ سنين.
لطالما كان يظن أنّ ما يراه في عينيها منذ سنوات ليس سوى نزوات مراهقة غضة ستذروها الرياح مع مرور الأيام، ولا سيما بعد أن غدا زوج شقيقتها، يبدو أنه استشعر نضوج تلك المشاعر واشتعال جذوتها؛ فها هي قد بلغت الثانية والعشرين من عمرها وما برح طيفه يسكن وجدانها، يكفي أن عينيها حين كلما تصطدمان بعينيه كما هو الحال الآن، كلما تنضحان بكل ما يجيش به فؤادها من مشاعر حب مكلومة.

وبحركة فجائية خاطفة، دنا منها وبسط يده خلف ظهرها لينتزع القميص من قبضةِ يدها، ثم أطلق ضحكة هادئة جعلت الدماء تحتدم في وجهها خجل وحرج شديد.
تسارعت نبضات قلبها حتى كادت تخرج من بين ضلوعها، فلم تجد أمامها سوى مرافئ الفرار سبيلاً، ولكن ما إن همت بالانطلاق حتى قبض على ساعدها بحزم، سألها بهدوء وثبات بينما كانت هي تُشيح ببصرها نحو الأرض خشية مواجهةِ بريق عينيه:
—أنا أبقى مين يا فايا؟

أدركت بحدسِها مأرب سؤالِه ومغزاه، فابتلعت غصتها المُرة، وأجابت بشق الأنفس وصوت متهدج بالارتباكِ وهي لا تزال غارقة في النظر لأسفل:
—أبيه هشام.

دنا من أذنها حتى لامست أنفاسه خصلات شعرها، مما بث في جسدها قشعريرة امتزج فيها الخوف بالوجل، وسألها مجدداً:
—وأبيه هشام يقربلك إيه؟
أغمضت عينيها في استسلام، وأجابت وجسدها ينتفض برجفة عنيفة لم تخف عليه، إذا به يشعر بتلك الرجفة التي تضرب كيانها بلا رحمة:
—تبقى ابن عمي.

—وإيه كمان؟

ابتلعت ريقها مرة أخرى، ونطقت بكلماتٍد تخرج مع أنفاس متهالكة:
—وجوز أسما.

فعقب بنبرة حازمة حملت طابع التذكير والزجر الضمني:
—أنا هشام، ابن عمك، و جوز أسما أختك.. فهمتي يا فايا؟
ــــــــــــــــــــــ



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-