اخر الروايات

رواية هكذا أحبته الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم رنا نوار

رواية هكذا أحبته الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم رنا نوار


الحلقة التاسعة و العشرون -

في الصباح التالي، توجه أكرم إلى الشركة، دخل مكتبه، و ظل ناظرًا إلى الباب المغلق الملحق بمكتبه، يتساءل هل هي هنا أم لا؟ لقد افتقدها، بالرغم من أن آخر محادثة بينهما كانت غير محببة لنفسه.
لم يستغرق كثيرًا في التفكير، فما لبث أن سمع طرقات على ذاك الباب؛ ليدق قلبه، وينطق لسانه أن ادخل ..
دلفت حنين إلى المكتب، عيناها واضحة جلية للقارئ، تنطق بالاشتياق، و حمرة الخجل تتوج وجنتيها، أو هذا على الأقل ما قرأه أكرم.
حنين: صباح الخير.
أكرم: صباح النور.
حنين: أنا آسفة.
أكرم: ؟؟؟؟؟
لم يفهم على ماذا تتأسف هي؟!
حنين ببعض التردد: أنا آسفة، إني دايقت حضرتك يوم الخميس.
فهم أكرم ما كانت تقصده، واستعجب له، هل هي بهذه الحساسية؟!
أكرم، ببساطة: لا أبدًا، أنا اللي انفعلت بزيادة، حصل خير..
ابتسمت، تلك الابتسامة التي تقلب وجدانه، قلما يراها تبتسمها. في الواقع هو قلما يراها تبتسم، هو رآها حزينة، منكمشة إلى حد ما، بدأت تتفتح خلال الفترة التي قضتها هنا، رغم قصرها، لم يعرف أكرم، هل كان سبب انكماشها هو توتر البداية؟ أم أن هذه طبيعتها؟!
أكرم: ممكن اسألك سؤال؟
تنبهت حنين، و ارتفع حاجباها دهشة: أيوه أكيد.
أكرم: إنتي لما بدأتي شغل هنا، كنتي قافلة على نفسك، ولّا ده بسبب إنه أول مرة تشتغلي؟
حنين، بابتسامة بسيطة ممزوجة بالشجن: الشغل غيرني.
و لم يحتج أكرم لأكثر من تلك الجملة البسيطة؛ ليحصل على إجابته.
أكرم مغيرًا دفة الحديث: بكرا -إن شاء الله- نتقابل برضه عند القسم..
وضحك.. لم تفهم حنين ما المضحك! هي افترضت أنهما سيذهبان إلى خالد..
أكرم مفسرًا: المرتين اللي شوفتك، أو هاشوفك في واحدة منهم برا الشغل، كانوا عند القسم..
حنين، بتسرع لم تفكر: و محل اللعب؟
صمت أكرم، و صمتت هي خجلًا..
نظر لها أكرم مفكرًا "كان يومًا غريبًا و حافلًا"، بينما فكرت هي "غبية، إيه الإحراج ده.. من حلاوة اللي حصل يعني بتفكريه بيه؟"، اعتذرت له.. للمرة الثانية خلال ربع ساعة .. كاد يضحك مجددًا، هو يشعر أن قلبه ينبض فرحًا اليوم، لا يدري لمَ؟
أكرم: ماحصلش حاجة.
حنين لم تدرِ ما تقول: طيب ... عن إذن حضرتك.
أكرم، بهدوء: اتفضلي.
غادرت المكتب لا تدري، لِمَ تشعر أنها حزينة، ودّت لو تجلس معه فترة أخرى، و لكن لأي غرض؟
أما هو، فكان شعوره مختلفًا قليلًا، أحس أنه يريد سماع صوتها بلا انقطاع، و النظر إلى وجنتيها المتوردتين خجلًا. ما أروعها !
*****
جلست حنين إلى مكتبها، تفكر" إنتي لما بدأتي شغل هنا كنتي قافلة على نفسك، ولا ده بسبب إنه أول مرة تشتغلي؟
و إجابتها أن الشغل هو اللي غيرني.." ابتسمت، هي لم تعرف بمَ تجيبه، فأجابته بأن العمل هو الذي أدى لتغييرها، هذا حقيقي، و لكنها تعتقد أن أكرم هو السبب الرئيسي لتغييرها، ما تتعلمه منه يوميًّا، و هدوؤه، و تفكيره، و اتزانه يجعلها في حالة من الاتزان، و الهدوء هي الأخرى، كما أنها تعتقد أنها تميل إلى أكرم، فكلما تحدثت سعاد عن حسن معها، (و سعاد بالفعل، قد أصابتها بالصداع بالأمس من كثرة تحدثها عنه)، لكن حنين، كلما ذكرت سعاد إحدى صفات حسن، تعود بالذاكرة لموقف ما، يظهر هذه الصفة لدى أكرم. في آخر محادثتهما بالأمس، شعرت حنين بالحنين لأكرم، و عندما أتت اليوم إلى العمل، لم تفكر إلا أنها متلهفة لرؤيته، و الاعتذار منه بالطبع، لكن الأهم رؤيته..
عند هذا الحد من التفكير، خافت حنين، هل يا تُرى هي في طريقها لحب أكرم؟ أم أنه مجرد إعجاب؟ هي لا تعلم، فهي لم تمر أبدًا بهذا الشعور الذي بدأ يتسلل ببطء إلى قلبها، وأحاسيسها..
*****
أما أكرم، فقد كان يفكر بسلمى!
فكر أن سلمى كانت للعيان واضحة الكذب والخداع، لم يحبها أحد في الشركة عندما أتت للعمل كسكرتيرته الخاصة، لم يستسغها حازم، ولم تظهر لها منى عاطفتها الحنون التي يعرفها، و تجنبها الباقون، فلم يُعِرْهم وقتها اهتمامه، فلا يتعين على الجميع حب شخص ما، لكنه لم يعِ أن الآخرين يرون شيئًا خاطئًا بها، و هذا ما اكتشفه لاحقًا.. هو قد افتتن بها، وهذا ما جعله غير قادر على رؤية طبيعتها المتلونة، فوجئ أنه عند تفكيره بسلمى، لم يشعر بالخيانة كعادته، و لكنه كان غاضبًا من نفسه؛ لأنه كان مغفلًا..
انتقل فكره إلى حنين، هو اعتقد في بادئ الأمر أنها كسلمى متلونة.. لكنه رأى تعاطفها مع سارة و خالد، و رأى حنانها مع تلك الفتاة الصغيرة في متجر الألعاب، رأى دموعها و خوفها كما الأطفال، رأى فرحتها الصادقة عندما يثني عليها، فتتلألأ عيناها فرحًا كضوء الشموع في ليلة ظلماء، رأى خجلها الذي ينعكس بضوئه الوردي على وجنتيها، رأى اهتمام منى بها عندما سألته عنها مرارًا و تكرارًا في حفلة عيد الميلاد، كيف سألته عنها بكل هذا الحنان، و كيف تدخل حازم ممازحًا إياها إن كانت ابنتها، و هي تخفي عنهم الموضوع، فأجابته بدمع عينيها أنها إن كان الله قد منّ عليها، و على زوجها المرحوم بنعمة الأطفال، لكانت تمنت أن تكون ابنتها بنفس رقة و حنان حنين، فسألها أكرم، كيف تتأكدين أن حنين بتلك الرقة، و الحنان اللتين تحكين عنهما؟! فأجابت ببساطة أن حنين من ذاك النوع من البشر الذي تحبه، و ترتاح له فور رؤيته..
ثم أتته منى يوم الخميس الماضي لتقول له ببساطة، لقد كنت محقة في رأيي، و إحساسي بحنين، فسألها أن كيف ذلك؟ فأجابت أن حنين قد صادفتها عند المصعد في اليوم الثاني من عملها، فتجاذبت معها منى أطراف الحديث، و أخبرتها أن زوجها قد توفي، و أن ليس لديها أطفال، أخبرته منى أن حنين لحظتها ترقرق الدمع في عينيها؛ لتخبرها هي الأخرى أن والدها ووالدتها قد توفيا منذ طفولتها، و أن عمتها و زوجها الراحل هما من توليا رعايتها و تربيتها، فطلبت منى منها أن تعتبرها كأم لها، و أن منى تعتبرها كابنتها التي لم تنجبها، أخبرته منى كيف أن حنين استجابت لطلبها بمنتهى البساطة والفرح، و كيف أن حنين طوال الأسبوع لم يمر يوم، دون أن تمر على منى في مكتبها؛ لتتمنى لها صباحًا سعيدًا، و لا تمر ليلة إلا و تحادثها حنين؛ لتخبرها باختصار ما مرّ معها طوال النهار، و تستمع من منى ما تود إخبارها به، و تتمنى لها أحلامًا سعيدة، فاجأته منى بكلامها، و لكنها كانت في غاية السعادة و هي تبشره بأن حنين، هي فعلًا الابنة التي لم تنلها منى، و أن الله بعد كل هذه الأعوام قد منَّ عليها بنعمة الأطفال متمثلة في شخص حنين..
أفاقت دقات الباب أكرم من تفكيره، و أخافت السحابة التي كانت تستعد لإهطال مطرها الخفيف في عينيه..
اتزن أكرم في مجلسه، و حاول أن يهيئ نفسه لأرض الواقع..
أكرم: ادخل.
حازم: صباح الخير يا أستاذ أكرم.
أكرم فوجئ، فلم يتعود حازم على طرق الباب للدخول، ولم يتعود على مناداته بأستاذ..
حازم، موجهًا حديثه لأكرم: أنا قولت من الأول إن انتوا مش أشكال حد يحترمها و الله ..
ضحك أكرم من قلبه، و علا صوته الذي مسّ قلب حنين، التي وصلتها ضحكاته فابتسمت..
أكرم: عايز ايه ع الصبح؟
حازم: بص يا أكرم يا ابني .. لا لا، ابني إيه يا اخويا قال ابني قال.. أنا أجيبك ازاي يعني؟
أكرم استمر بالضحك، لكن هذه المرة بخفوت..
أكرم: خير يا ابني إنت، خليني أنا الكبير.
حازم: أيوووه اسم الله عليك، هو ده تحديدًا اللي أنا عايزه، تخليك الكبير..
أكرم، ولم يفهم شيئًا: خير؟!
حازم: أنا نويت أكمل نص ديني.
أكرم: لا يا راجل! منى؟
حازم، و قد فوجئ: إنت عرفت منين؟
أكرم: مممممم آه إنت لسا مش قولت مين.. مين صحيح؟
حازم: لا والله؟! عرفت منين؟!
أكرم: يا ابني ده تلاقي الشركة كلها عارفة أصلًا.
حازم: نعم؟
أكرم: آه والله بس انت اتأخرت شوية بتاع 20 سنة كده ولّا حاجة ..
حازم: ................
أكرم و هو يمثل الواقعية: إيه ده إنت متعرفش إن العالم كله عارف إنك بتحبها من قبل ما تتجوز هي، و بتحبها من بعد ما جوزها مات؟.. الله يرحمه..
حازم: .............
أكرم مكملاً: بس والله كويس إنك أخيرًا قررت تفصح و تَبِن..
حازم: ............. هي عارفة؟
أكرم، و قد بدأ يفقد رباطة جأشه، و يميل للضحك: لا، والله هو ربنا ما جمع إلا اما وفق..
حازم، و قد استشاط غيظًا: ياد انت هتضرب.
أكرم: اتضرب مين ياعم! الحق عليا اني بنورك.
حازم: طيب ايه؟
أكرم: ايه تحب أسألك عنها؟ هههههههه.
حازم: أنا استاهل ضرب الجزم إني بكلمك، غور من قدامي
أكرم: إنت في مكتبي على فكرة.
حازم: هغور انا.
و نهض تاركًا أكرم، و لكن أكرم ما لبث أن نهض بسرعة ممسكًا به..
أكرم: اهدى طيب.. انت فاتحتها في الموضوع؟
حازم: أمال محامي، و نبيه و شاطر، و ذكي و بتاع، و انت ولا بتفهم أصلًا احنا مشغلينك محامي بالغلط، إنت آخرك حرامي و حرامي غسيل كمان ..
أكرم: الله ليه بس كده؟
حازم: بقولك خليك الكبير، و هو ده اللي انا عايزه، و انت بتقولي فاتحتها في الموضوع، إنا لو فاتحتها هاحتاج واحد زيك في إيه؟!
أكرم: هههههههه. الله يسامحك.. ماشي يا عم، يبقى أول حاجة نجس نبضها..
حازم: ماشي يا دكتور.
أكرم: وربنا اشيل إيدي م الموضوع، و شوف بقى حد تاني يظبطك..
حازم: لا حد تاني مين، عبير الحولة مثلًا؟ الله يكرمك يا عم خلصني..
أكرم: بغض النظر إني هاقول لعبير، إنت قولت عليها إيه بس؟ ماشي سيب الموضوع ده عليا انا..
حازم: هتعمل إيه؟
أكرم: مش هقولك.
حازم: أبو رخامتك غور، مالها الحولة ضفرها برقبتك أبو شكلك.
و خرج من المكتب صافقًا الباب خلفه، وتاركًا أكرم في موجة من الضحك دمعت لها عيناه.. و طربت لها أذنا حنين..
**


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close