اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم سهي الشريف


29 | و ألتقىّ القلبُ بِنبضاتُه


                                              

إلهي رجعتُ بذلِّ افتقاري
بخوفي ، بضعفي ، بدمع انكساري
رجعتُ أبوء إليك بسرّي
وأنت العليمُ بكل السِّرارِ
رجعتُ لأشكو ذنوبَ الليالي
وأشكو إليك ذنوبَ النهارِ

+


ومن لي سواك ليغفرَ ذنبي
ويقبلَ يارب مني اعتذاري ؟
ومن لي سواك يُقوّمُ دربي
يُسدّد خلف الرسولِ مَساري؟

+


« عبدالمعطي الدالاتي »

+


_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات. 

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_التاسع_والعشرون
#سهى_الشريف 

+


_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .

+


« قراءة مُمتعة »

+


───────────────
───────────────

+



ساد الصمت لوهلة، وارتسمت على الأوجه مزيج من الذهول والترقب، وكأن الزمن قد توقف للحظة قبل أن تنطلق الحكاية الحقيقية التي ستقلب كل شيء رأسًا على عقب.

+


وفجأة، اخترق المشهد صوت "جواد" الجهوري، كالسيف يشقّ سكون الموقف، ناطقًا بما سيخلّد اللحظة:

+


- لـيلىٰ .. ليـلى رجعت. 

+


عبارة واحدة كانت كفيلة بأن تُزلزل أركان المكان، فارتسمت على الوجوه علامات متباينة من الصدمة، لكن الحقيقة أن كلمة "ذهول" نفسها بدت هزيلة أمام رهبة اللحظة.

1


حلّ السكون كغلالة ثقيلة، حتى خُيّل أن الكون ابتلع أنفاسهم دفعة واحدة، وتركهم أفواهًا مفتوحة لا تجد إلى النطق سبيلًا.

+


هناك، في قلب الدائرة المذهولة، وقفت هي بعد أن أزاح "جواد" جسده جانبًا، لتصبح المواجهة حتمًا بينها وبين تلك الوجوه الغريبة عنها..

+


كانت أفكارها مُشتتة حد التصدّع؛ تهمس لنفسها أن السقوط في تلك اللحظة قد يكون المفرّ الوحيد، الحلّ الأسلم لتُفلت من ارتجافٍ يوشك أن يحطمها من الداخل.

+


لقد تمنت تلك منذ سنواتٍ طويلة ، مالها الآن تقف مرتجفة تهوى السقوط للهروب من تلك المواجهة ؟!

+


وإذا بصوتٍ ملهوف ينتشلها آخيرة من عواصف عقلها يمنحها سكونًا رتيبًا بعدما سمعت عبارة من أحد الجوانب :

+


- ليـلى بـنـتي !!

2


ألتفت " ليلى " نحو مصدر الصوت كما ألتفتت الأعيُن عليهم ، كانت "حنان" رفعت عينيها ببطء نحو الفتاة الواقفة عند الباب ، وكأن الزمن توقف للحظة تتأمل خلالها الملامح، تحاول قراءة الروح قبل الشكل. 

+


كانت ترى شابة في ريعان العمر، ذات ملامح مألوفة على نحو موجِع، قامة معتدلة، عيون زائغة، لكن شيئًا في قسمات وجهها أضاء شعلة قديمة داخل قلب "حنان"... شعلة لم تنطفئ رغم غُبار السنوات ووجع الفقد.

+



                                      


                
نهضت من مكانها حينما سمعت عبارة " جواد" .. تبعتها كلمة " عادت "
ومالها هي في مطالب الأزمان رجاء سوى عودة فلذة كبدها الغائبة .. كلمة طالما انتظرت اقترانها باسم ابنتها ، فهل ما سمعته صحيح أم إنها من خرف العُمرِ باتت تتخيل ؟!

+


كانت تتخبط أنفاسها في صدرها كما تتخبط الطيور حين يُفتح لها القفص فجأة، وداهمتها دوخة الوجدان، كأن عقلها يعاند قلبها في التصديق ، خطت نحوها خطوات مترددة، كأن الأرض ليست ثابتة تحت قدميها، والدموع تتزاحم في عينيها تطلب الإذن بالانهيار.

+


أحقًا تعود الدماء لجذرها بعد الغياب؟
أحقًا يلتقي القلب بنبضاته بعد عمرٍ من الركود ؟
أيخفى على قلب أمٍّ وجدان جنين عانق أحشاءها تسعة أشهر؟

+


و أيُخفى على ابنةٍ دفءَ حضنٍ رعَاها يومًا، وأيقظها من كوابيس الطفولة بلمسة حنونة ؟

1


اقتربت أكثر، وكأنها تقاتل وهمًا جديدًا يخشى قلبها أن يصحو منه ، أمسكت بذراعي "ليلى" بقوة، تتلمسها وكأنها تريد التثبت من كونها لحمًا ودمًا لا سرابًا جديدًا من سراب الغياب.

+


أما "ليلى"فكانت عيناها معلقتين بتلك السيدة التي تقف أمامها ، لم ترَ فيها مجرد امرأة في منتصف العمر، بل أمًّا انحنى ظهرها تحت ثقل الفقدان، وارتسمت على وجهها خريطة من التجاعيد المحفورة بسنوات الانتظار الطويلة.

+


يا ترى، أهذه أنتِ يا أماه؟
أ هذا وجهكِ الذي غاب عني، وقد غزاه الحزن حتى ابتلع ملامح الصبا؟
أ هذا قلبك الذي نخره الوجع حتى سلبكِ رونق العمر في ريعانه؟
أ يُحزنكِ الفقد حتى هذا الحد، ليترك خطوط قاسية على وجهكِ، وتُطفئ في عينيكِ بريق الشباب؟

+


كم قصُر الطريق بيننا، لكن كم طال الغياب يا أماه !
أ سرق منكِ الدهرُ ربيعكِ كما سرقني من أحضانكِ؟

+


كانت "ليلى" تحدّق فيها بدهشة ممزوجة بوجعٍ صامت، كأنها ترى في وجه أمها مرآةً حيّةً لما اقترفه الفقد ، وكأن والدتها حملت ألم الفقدان لكليهمَا ، وتركت لها رصيد صفرٍ من الوجع ..

+


نغزة حادّة اخترقت صدرها، كأن قلبها صرخ في لحظة إدراك مريرة ما آل إليه حال والدتها ، وما هو إلا عذابٌ دفعته ثمنًا لغيابها، غيابٌ هشم الروح وأضاع من الأم أعوامًا لم تعشها إلا على صدى البكاء.

+


وعلاما ذلك يا أماه ؟ 
بأي جُرمٍ اقترفتي لتهدكِ الأيام هدًا ؟!

+


قالت " حنان " بنبرة خرجت من فمها مترددة، ومن قلبها صارخة:

+


- لـ... لـيلى؟ بنتي... ليلى؟

+


أ ذلك صوتٌ أم إعلان سلام ؟
أ ذلك سؤال أم طوق نجاة ؟

+


ابتلعت " ليلى " غصة أليمة نهشت حلقها وكتمت شهقاتها بصعوبة وأومأت برأسها عدة مرات ،وارتجف جسدها وشهقت بهدوء تلاها انسياب دموعها على خديها بلا مقاومة:

+



        

          

                
- ما... ماما...

+


ثم هوت برأسها بدون مقاومة على كتف والدتها وأطلقت موجة بكاء حارقة أدمعت أعيُن المُحيطين وجعًا .

+


ألتقطتها والدتها بين ذراعيها تضمها لها بقوة ولا يختلف نواحها على صوت ابنتها ، وكأن البكاء كان يُبكيهما في تلك اللحظة وأعلن تمردًا على السكون ليخرج مُلتاعًا حارقًا .

+


لم يستطع الجميع - مع ذهولهم - منع دموعهم من التلألأ في أعيُنهم ، خاصةً " جواد" أكثرهم صلابة أشاح ببصره لكي يُخفي إدماع مُقلتيه بحدقتيّن شديدة الإحمرار .

+


أما باقي الخدم والذي لم يخفى عليهم قصة ابنة " حنان" المفقودة تأثرو حزنًا على مشهد لقائهم ، كان الجميع واقفًا في حالة دهشة وذهول، وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة.

+


كان "جليل" يحدّق بملامح مشدوهة، وعيناه تلمعان بانفعال خافت أما "فاتن" لم تصمد، فتساقطت دموعها رغم صمتها ووقارها ، وعند "مراد" أكثرهم حساسيةً فكانت عيناه تبرقان بدموع تأبى السقوط، وهالة حمراء تحيط بنظراته، تُخفي وراءها آلاف الأسئلة... آلاف المشاعر التي لا يمكن للغة أن تصفها.

+


وفي لحظة خاطفة خذلت الصدمة جسد "حنان" المُنهك، لم تعد قدماها تقويان على الوقوف ، فترنحت ثم هوت إلى الأرض، بينما لا تزال تحاوط "ليلى" بين ذراعيها، تأبى أن تتركها ولو للحظة ، شهقاتهم كانت عالية، مؤلمة .

+


رفعت "حنان" يدها ببطء، كأنها تلامس حلمًا تخاف أن يتبدد، ولمست وجنة ابنتها بحنان يقطر وجعًا ملكومًا :

+


- ضنايا... ليلى... ليلى بنتي... مش كده؟ قوليلي إنك ليلى... قوليلي إني مش بحلم .

+


نظرت "ليلى" إليها بعينين تغصّان بالحيرة والحنين، ثم أومأت برأسها بخفة وزاد بكاؤها المكتوم ، لم تحتمل "حنان" أكثر، فشدتها لعناقها كأنها تعوّض سنوات من الفقد بضغطة صدر واحدة.

1


تعالت شهقاتها، وهي تردد بانهيار لا يليق إلا بمن عانق الموتَ طويلًا:

+


- ليلى... ضنايا يامه... ليلى بنتي... رجعتيلي يامه... ربنا رجعك لحضني تاني...

+


ضمتها بقوة كأنها تخاف أن تُنتزع منها من جديد، بينما "ليلى" دفنت وجهها في عنق والدتها ، تحاول كتم شهقاتها، لكن جسدها المرتعش فضح كل ما خاضه من ألم.

+


ظلّت "حنان" جاثية على الأرض، تحتضن "ليلى" كأنها تحاول زرعها في صدرها، وكأنها تخشى أن يسلبها القدر من جديد ، شهقاتها ما زالت تمزّق سكون اللحظة، ونشيجها المكلوم يفضح كمّ السنين التي قضتها على أمل هشّ، تحاول تصديقه كلما رأت طيفًا يشبهها.

+


أما "ليلى" فكانت ترتجف بين ذراعيً والدتها الواهن ، كطفلة ضائعة وجدت دفئها بعد طول تيه، تهمس بين شهقاتها:

+


- سامحيني يا ماما... أنا ما كنتش أعرف... أنا كنت بدوّر عليكي من غير ما أعرف إنك لسه بتدوّري عليا...

+



        
          

                
لم تكن الكلمات واضحة، لكن " حنان " مسحت الدموع من على وجنتيّ ابنتها بحنان منقطع النظير تهدهدها بقولها :

+


- هششش ، خلاص يا قلب ماما ، كفاية رجعتيلي يا ليلى ، كفاية رديتي روحي يا ماما.

+


فسالت موجة آخرى من الدموع لتضمها " حنان " لصدرها مُجددًا تروي بها ظمأها طويل الصيام ، تستنشق أول أنفاس الحرية بعد دهرٍ من السجن ، شهيق ينافس نسمات الربيع توردًا على الروح .

+


الآن فقط ..
آن للقلب أن يلتقي بانبضاته الضائعة .

+


وفي تلك الأثناء كانت "يمنى" تصعد درجات السلم الداخلي بسرعة، أنفاسها متقطعة، ودموعها تنساب من طرفي عينيها دون إذن .

+


كانت قد سمعت همسات متفرقة  "جات بنتها... حنان لقت بنتها!" ولم يحتمل قلبها أن يبقى خلف كل هذا الانفجار الشعوري... كانت تركض، وقلبها يركض قبلها . 

+


وحين اقتربت من مدخل الصالة، توقفت فجأة...
رأتها.

+


رأت "حنان" التي لم ترها بهذا الضعف من قبل، تحتضن فتاةً أخرى بقوة وحرقة ، رأت دموع الجميع، رأت الوجوه التي التهبت بالمشاعر، رأت  ..."ليلى".

+


سال دمعها بغزارة واقتربت ببطء، وكأن قدميها تتوجعان من رهبة المشهد، ثم همست بصوت مخنوق، صوت يحمل رجفة الحقيقة التي انتظرتها سنينًا:

+


- ماما...!

+


ثم توقفت قليلًا، كأن الكلمات علقت في صدرها، ثم أكملت والدموع تكاد تخنقها:

+


- دي... ليلى؟ ... ليلى أختي؟

6


رفعت "حنان" رأسها ببطء، عيناها غارقتان بالدموع، لكن ابتسامة مرتجفة تسللت إلى شفتيها، بينما جسدها لا يزال يرتعش ، نظرت إلى "يمنى" وكأنها تحاول أن تفتح لها ذراعيها وهي لا تزال تحتضن "ليلى"، وقالت بصوت مبحوح:

+


- أيوه... أيوه يا يمنى... دي ليلى... أختك يا بنتي... رجعت

+


رفعت " ليلى " عيناها وحدّقت بدهشة في الفتاة الواقفة أمامها..

+


أما سمعتهُ صحيح !
أ تلك الفتاة شقيقتها !
لكن كيف ؟ ماذا يحدث هنا !!!!

+


آلاف الأسئلة كانت بداخلها لكن تلك الفتاة تشبهها في ملامح كثيرة، في العينين، في شكل الأنف، حتى نبرة الصوت كان بها شيء مألوف وبنفس الرجفة، همست:

+


- أنا ليا أخت ؟

+


خطت "يمنى" خطوة أخرى للأمام، ثم سقطت على ركبتيها بجوارهم، ويدها امتدت ببطء، لمست كتف "ليلى" برقة وخوف وقالت والدموع تنساب كالنهر:

+


- طول عمري بدعيلك ، كنت بتخيّلك كل ليلة ، وبحلم بلحظة أشوفك فيها أوي ، أكتر من أي حاجة في حياتي ، مش مصدقة إن أختي رجعت وبشوفها دلوقتي قدامي ، طلعتي أحلى من كل أحلامي.

+


نظرت لها "ليلى" بدموع لا تقل وجعًا، ثم مدت يدها واحتضنتها .

+


ثلاثة قلوب،
ثلاث نبضات ،
التقوا في لحظة واحدة...
لحظة اختلطت فيها الدموع بالأنفاس، 
والدمُ بالروح ، والماضي بالحاضر. 

+



        
          

                
ولم يجرؤ أحد على مقاطعتهم، كأن القدر منحهم دقائق مستقطعة من العالم، ليعيشوا فيها شعورًا خالصًا من كل شيء إلا الحب.

+


ظلّت اللحظة متجمدة، وكأن الزمن نفسه احتار في كيفية المرور من بين هذا البحر من الدموع والصدمة والفرح ، كل وجه في الصالة كان مسرحًا لشعور مختلف؛ الامتنان، التعاطف، والدهشة التي لم تترك أحدًا بمعزل عن السحر الغامض الذي أحاط بالمكان.

+


ارتفعت همسات خافتة بين الحضور، تحاول التعبير عن دهشة وبهجة لا توصف، بينما "حنان" لم تفارق "ليلى" طرفة عين، تحس بكل ارتجاف في جسدها وكأنها تعوّض عن سنوات فقدتها كلها دفعة واحدة.

+


نظرت "ليلى" إلى "يمنى"  وأحست بشيء من الدهشة والارتباك في نفس الوقت ، فهمست بصوت متهدج:

+


- أقسم بالله كنت بدعي ربنا بس يرجعني لماما ، والله ما تخيلت كرمه عليا .. و.. وإن يطلع ليا أخت بعد السنين دي كلها .

+


ابتسمت "يمنى" بعينين تلمعان بالدموع، وأمسكت يد أختها برقة ونبست بنبرة أتت متذبذة من بين شهقاتها :

+


- أنا ماما حكتلي عنك حكايات كتير ، حبيتك وأنا عمري ما أقابلتك ، كان نفسي أقابلك أوي وأشوفك .. أ أنا مبسوطة جدًا والله .

+


أما "جواد" الذي ظل صامتًا طوال اللحظة، فقط اقترب قليلًا، وعيناه تلمعان بعاطفة لم يجرؤ على البوح بها من قبل ، نظر إلى "حنان" وابتسم ابتسامة حزينة، وكأن قلبه يشاركها ألم الفقد وفرحة العودة في نفس الوقت.

+


بعد لحظات، ارتفع صوت "حنان" مجددًا، هذه المرة بثقةٍ متجددة، تتحدث إلى الجميع متفاخرة :

+


- شوفوا… دول بناتي… ليلى ويمنى… بقوا معايا … بعد كل ده… قلب أم رجع له نصو ، ربنا رجّعلي ضنايا… رجّع لي روحي…

+


انتشرت الدموع بين الحاضرين، وبعضهم اقترب ليشاركهم العناق، وبعضهم اكتفى بالنظر بصمت، مدركًا أن المشهد يتجاوز أي كلمة أو وصف.

+


تبادلت " ليلى" السلامات مع الجميع ، رحب بها " جليل " باحتفاء يُذكرها بمواقف الصبا لتنتشر ضحكاتها الخجولة ، ثم أقترب " مراد " الذي أخذ يمازحها بعد أن اندهشت بطوله وما آل إليه مظهره .. ثم أقترب منها " فاتن " على مضدد .

+


كانت ابتسامة " ليلى" الحانية تلك الممزوجة بالدموع لا تبهت عن وجهها حتى حينما رمقتها " فاتن " بنظرات باردة لم تعتاد أن تلمحها منها يومًا .

+


فأخذت " ليلى " هي الخطوة واقتربت منها بشوق تضم ذراعيها حول جسدها هاتفه:

+


- وحشتيني يا طنط فاتن.

+


بينما الآخرى قد تيبست في مكانها من الذهول ، لم تعتقد أن تراكم سنواتٍ من الحقد يمكن أن يضمحل بعناق دافىء كخاصتها .. فلم تبادلها العناق لكن هوت دموعها بلا هوادة أو إذن تعبيرًا عن شيئٍ صادقٍ بالداخل اشتاق لتلك الصغيرة .

+



        
          

                
لتبتعد " ليلى " عنها تترك مكانها خاويًا تتأمل دموع " فاتن " وعيناها الحالمتان تبُثان لها العديد من الكلمات التي لم يقوى لسانها على النطق بها .

+


وبعد دقائق من المشاعر المتشابكة والدموع التي أخضعت حتى أقسى القلوب، بدأ السكون يستقر ببطء في أرجاء الصالة ، صدح صوت " جواد " الجهوري مجددًا :

+


- هنضطر نقطع الـ evening اللطيف دا ونسيب العيلة مع بعضها تاخد راحتها أو هيناموا زي ما يحبوا .

+


رفعت "حنان" رأسها نحو "ليلى" وأمسكت بيد و باليد الآخرى " يمنى " ثم اتجهت بهم نحو منزلهم الخارجي منه لغرفة " حنان" واستلقت "ليلى" على الفراش بعد أن أزاحت حجابها لتتأملها والدتها بأعيُن متأملة ، تتأمل حُسن ابنتها بعد أن غدت شابة يافعها ، فاقتربت منها واحتضنتها والدتها بحنان،ولأول مرة منذ زمنٍ بعيد، أغلقت عينيها وهي تبتسم، بلا دموع، بلا خوف، فقط شعور صادق بالأمان والعودة إلى البيت الحقيقي.

1


قبلت "حنان" جبينها برفق، وهمست :

+


- نامي يا ضنايا… نامي… أنا معاكِ دلوقتي…

+


وبينما ارتخى جسد "ليلى" في حضن والدتها تأكدت أنها ما عادت تحتاج لطبيب ،كل ما تحتاجه هو عناق والدتها لترمم شروخ روحها .

+


« كانت أُمي تُرمم جِراحي جيدًا رغم أنها ليست بطبيبة ؛ فعجبًا لها .»

+


───────────────
───────────────

+


قد نغترّ بأفكارنا حتى نظنّ أن الطريق الذي اخترناه - مهما كان مُظلمًا - هو الممرّ الوحيد إلى النور ، نُزيّن لأنفسنا قراراتٍ نعرف في أعماقنا الغائرة أنها تحمل بذور الشر، فنراها خيرًا مُستترًا خلف ملامح مخادعة. 

+


نُدير ظهورنا لأصوات التحذير، كأننا نخشى أن تُفسد علينا نشوة الوهم، ونُغلق أعيننا عن علامات النجاة التي تمرّ بنا في هيئة صدفة أو كلمة أو قلبٍ يمُدّ يده ، حتى إذا استيقظنا، كان الوقت قد مضى، والبوابة التي كانت مفتوحة أمامنا قد أوصدت، ووجدنا أنفسنا نقف أمام الحقيقة عُزلاً .

+


في صالة المنزل، كانت "مريهان" تدور بصمت ذهابًا وإيابًا، خطواتها المتوترة أربكت الجميع ، ظلّت على حالتها دقائق طويلة، حتى قطع "ممدوح" الصمت بنبرة حانقة:

+


- يا مريهان أقعدي ، يعني لفك كده هيحل حاجة ؟!

+


همّت بالرد بحزم ارتسم في شرر عينيها، لكن صوت جرس الباب قاطع الموقف، فالتفتت الأنظار نحو الطارق ، لم تلبث أن تجلّت "يـارا" على عتبة الباب بعد أن فتحته إحدى العاملات.

+


تقدّمت بخطواتٍ متزنة تحمل في ثقلها قدرًا من التعالي المألوف، لتستقر نظرات والدتها عليها بحدة، بينما هي تجول بعينيها بين أفراد العائلة، تقرأ الوجوه التي خيّم عليها الوجوم.

+



        
          

                
اقتربت أكثر، وتوقفت نظراتها القلقة في مواجهة نظرات والدتها الغاضبة، قبل أن تنطق أولًا على مضض بصوت منخفض:

+


- في إيه يا مامي ؟

+


ردّت "مريهان" بحدّة لم تخفَ على أحد:

+


- في ايه ؟ إنتِ فين يا أستاذة من الصبح ؟

+


ارتبكت "يـارا" من نبرة والدتها، والتفتت نحو شقيقتيها تستشف منهما الأمر، لكن عينيها عادت سريعًا لتواجه الصرامة في نظرات أمها و سألت بقلق:

+


- في إيه يا مامي مالك ؟

+


احتدت ملامح " مريهان " ونبست بنبرة صارمة :

+


- موبايلك مقفول ليه ؟! دا وقته يعني ! خرجتي من البيت ولا كأن ليكي حد كبير مسؤول عن تحركاتك ؟

+


ابتلعت "يـارا" ريقها بصمت، جفنها يرتجف من الدهشة، بينما والدتها تتابع بنفس النبرة الحادة:

+


- ما صدقنا خلصنا من موضوع عماد الزفت دا ، نطلنا الشركة وكان خاطف أختك وبيهددها وربنا وحده كان يعلم ناوي يعمل ايه تاني .

+


التفتت "يـارا" نحو "وردة" بعيون متسعة من الصدمة، قبل أن تتراجع خطوة للخلف بلا وعي، وأذنها لا تزال تلتقط صوت أمها الجهوري الذي اختنق ببحة:

+


- وابوهم ، سيادة المستشار .. كنت راح تناسبلي مجرم وتقولي هيحافظ عليها يا مريهان هتعيش حياة مرفهة ! الله يقطع الفلوس الي لاحست دماغكم .. أنت دماغك ناشفه وعنيدة وبنتك طلعالك ، وبنتك التانية متاخده في الرجلين .. 

+


سكنت "مريهان" لبرهة، كأن أنفاسها تبحث عن مخرج، ثم انفجرت من جديد بانهيار:

+


- أنـتـو عـاوزيـن تجـننـوني ؟!!! كـل واحـد فيـكم مـاشي عـلى حِـل شعـره وبيـفكر في نـفـسه وبـس .. غـلطان او معـاه الحـق بتعـاندوا قصـاد بعـض بـرضو .. وانا ألـف وراكـم أصـلح .. أنًتـو ناويـيـن تمـوتـونـي بـدري عـاوزيـن تجـنـنونـي !!!

+


اقتربت "يـارا" بخطوة حذرة، وضعت يدها على كتف والدتها محاولة تهدئتها:

+


- اهدي يا مامي بس ..

+


لكن "مريهان" أشاحت بيدها بعنف وأردفت :

+


- مـتقـوليـش اهـدي ومـتقـوليـش مـامـي.. مـحدش يكلمـني ، أنا تـعبت من مـشاكـلكم وعنـادكم محـدش فيـكم عاوز يكـبر ويعـقل ويريحـني شـوية ! اخـد بالي من اخـواتك الصغيرين ولا ألـف وراكـي أعقـلك ولا اوقـف مع أبوكـم ضـده الي بيعـمله ؟؟

1


ثم التفتت نحو "ممدوح" بوجه يكسوه الأسى، وصوتها يختلط بالغضب:

+


- عاجـبك حـالتك .. تخـليني اتكـلم قـصاد العيال وأقول فيك !! عاجبـك الحالة الي وصلتنا ليها ؟؟؟ محـدش فيـكم بيـريحـني لـيـه ؟ 

+


لم يرد "ممدوح" اكتفى بإشاحة نظره بعيدًا، وظل يعقد كفيه مستندًا بمرفقيه على ركبتيه، ينتظر أن تهدأ العاصفة ، لكن "مريهان" لم تهدأ، بل أطلقت آخر كلماتها بنبرة حاسمة، وهي ترفع إصبعها في وجههم جميعًا:

+



        
          

                
- من اليـوم ورايـح مـش مـدخـلالكم في حـاجة يكـش تولـ ـعوا في بـعض تعـيشوا زي ما عـاوزين تعـيشوا .. طـالما مفيـش حـد فـيكم عـارف يـشـيل مسـؤولية نـفسه ميجـيش يكـلمني .. بـشـتغل وبيطلع عـيني وشايلـة بيـت وشـيالكم ومـقصـرتش مع حد .. بـس طـمـر ؟؟

+


ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة، لم يُسمع خلالها سوى أنفاس "مريهان" المتقطعة، وكأنها تُصارع الغصّة في حلقها ، كانت "وردة" جالسة على طرف المقعد، تشد أصابعها بعضها ببعض، تجلس بجوارها " ليان" مائلة برأسها عليها ، وعينيها تتنقل بين والدتها و"يـارا" بتوجس ، أما الأخيرة فظلت مُتيبّسة في مكانها، تحدّق في الأرض بتيه .

+


و "ممدوح" ظلّ كما هو، ملامحه جامدة، لكن بريق عينيه كان يفضحه، يخفي خلفه غضبًا مكتومًا ، مرّر يده على وجهه ببطء، ثم نهض من مقعده دون أن ينبس بكلمة، واتجه نحو الباب الخارجي.

+


تبعته نظرات "مريهان" الحادة، لكنها لم تمنعه ، بل اكتفت بأن تجلس على الأريكة بتعب ظاهر، تسند مرفقها على ذراعها وتضع يدها على جبينها.

+


اقتربت " يـارا " من "وردة" على مضض، وانحنت قليلًا تسأل بصوت منخفض:

+


- إنتِ كويسة؟

+


أومأت "وردة" برأسها بصمت، دون أن تنبس بكلمة ، فرفعت "مريهان" رأسها من بين كفيها، ووجهها يكسوه الإرهاق، قبل أن تقول بصرامة باهتة:

+


- يلا على فوق... يلا انتوا التلاتة، مش عاوزة أشوف حد.

+


تبادلت "يـارا" نظرة قصيرة مع شقيقتيها، ثم مدت يدها لتأخذ بمعصميهما ، وصعدن السلم ببطء، بينما ظلّت "مريهان" جالسة مكانها، تنظر إلى الفراغ، والبيت يلفّه سكون ثقيل .

+


───────────────
───────────────

+


حلّ الصباح التالي، يحمل معه هدوءًا مختلفًا عن فوضى الأمس، كأن الليل قد ابتلع بعضًا من الضجيج وترك خلفه صمتًا مترسّبًا في الأجواء.

+


كانت " ميار " انهت حصتها على تمام الساعة العاشرة ،تسير في الطرقات الهادئة نسبيًا سوى من أصوات متداخلة للطلاب داخل الفصول ، تتفحص بعيناها حولها باهتمام لالتقاط أي سلوك غير منتظم لتقوّمه ،لكن كان كل شىء في موضعه حتى ألتقطت بعيناها في آخر الرواق مُعلمة تقف خارج الفصل برفقة طالبة .

+


كان كل شىء جيد حـ... مهلًا لقد صفعتها !

1


هوت المُعلمة بكفها الثقيل على وَجنة الفتاة بعُنف جعل وجه الصغيرة يستدير للجهة الآخير والدموع نتجمع داخل مُقلتيّها .. و.. لقد كررت صفعتها لها لكن بشكل اعنف.

+


مشهد أجفل قلب " ميار " التي اسرعت بخطواتها نحوهم بوجه مُقتحن وتوقفت بجانب المُعلمة التي كانت تُخرج سموم كلماتها على الصغيرة التي يسيل دموعها على وجنتيّها المتوردتان من آثر الصفعة  .

+



        
          

                
- حضرتك بتضربي البنت كده ليه ؟

+


نبست " ميار " عبارتها باستنكار حاد للمعلمة التي تفوقها بعدة أعوام لتستدير الآخيرة لها تُجيبها بنبرة مشدوهة :

+


- دي بنت قليلة الأدب ومش نافع معاها الكلام ، وأنا هنزلها للمديرة دلوقتي.

1


قالت نصف عبارتها الأخير بتوعد نحو الصغيرة التي لم تتوقف دموعها بلا هوادة ، وقبل أن تجرها خلفها توقفت " ميار " في وجهها تمنع خطواتها وكانت في أحد حالاتها القليلة التي تنزع وجه اللين وتتعامل بشدة :

+


- بس ممكن أعرف البنت غلطت في إيه عشان تضربيها الضرب إلي أنا شفته دا ، مامتها لو عرفت مش هتسيب حق بنتها.

+


- لما تبقى تربي بنتها تبقى تدور على حق .

+


نبست بها المعلمة باحتقار وجرت الفتاة خلفها تتجه بها نحو مكتب المديرة ، لكن " ميار " لم تمنع نفسها من الحذو خلفها وقد آثار حنقها وبشدة سلوك تلك المعلمة .

+


طرقت المعلمة غرفة المديرة طرقة واحدة لم تنتظر بعدها الإذن وجرت الفتاة المتوسلة خلفها بعُنف للداخل مما استعدى استنكار ساخر من " ميار " التي تابعت المشهد واستدركتهم سريعًا لتطرق بخفة على الباب المفتوح بالفعل في إذن للدخول.

+


دلفت لتقف بجانب المعلمة التي أخذت تشتكي من الطالبة أمام المديرة، وكادت أن تقاطعها بما رأته بأم عينها، لولا أن مشهدًا آخر أوقف الكلمات على هاوية ثغرها.

+


كان "آسر" هنا...
يجلس أمام مكتب المديرة.

+


تلاقت العيون في لحظة تفاجؤ صامت، أقسمت داخليًا أنها شعرت بأن عينيه تبتسمان لها، وكأن ملامحه انشرحت بمجرد أن وقعت عينيه عليها.

2


أما هي، فقد كان الذهول من نصيبها، لم تستطع التعبير سوى بالخجل الذي جعلها تُشيح وجهها سريعًا نحو المعلمة الشاكية، لتتذكر سبب قدومها الذي خطفه منها حضوره الآسر.

+


تدخلت "ميار" بعد أن ضاقت ذرعًا من الحجج الواهية لتلك المعلمة، فقالت بصوتٍ مشدوه لكنه حازم:

+


- يا أستاذة يسرى اسمحيلي على التدخل، بس مس ميرڤت كانت بتضرب البنت بطريقة صعبة ،مينفعش معلم يمد إيده على طالب أصلًا.

+


التفتت إليها المعلمة الأخرى وقد بدا الغيظ في نظراتها، وهتفت بحدة:

+


- يا مس لو سمحتي! إنتِ متعرفيش البنت دي... دي قليلة الأدب.

+


لم تتراجع "ميار" بل ازداد صوتها ثباتًا وهي تقول:

+


- حتى لو! أنا شفتك بتضربيها على وشها ودماغها ، دي عيلة حضرتك عندها عشر سنين، أعلى حاجة ممكن تكون عملتها إيه يعني؟!

+


قالتها بانفعال صادق، ملامحها تحولت إلى مزيج من الغضب والغيرة على الصغيرة.

+


في تلك اللحظة، كان "آسر" يراقبها في صمت مختلف؛ أسند مرفقه على المكتب، ورفع كفه برفق حتى لامست أنامله طرف ثغره المبتسم، وقد بدا في عينيه بريق ممتع.

2



        
          

                
ربما كان يعيش إحدى لحظاته الأكثر سعادة، إذ يشهد تصرفاتها عن قُرب...

+


يرى كيف تتبدل ملامحها الناعمة إلى قسمات أكثر حدّة، وكيف يذوب هدوؤها في كلمات قوية راسخة.

+


كانت بالنسبة له لوحة تتحرك أمامه، لا مجرد مشهد عابر ، ربما لم يكن الموقف يستدعي ابتسامة،فللمرة الأولى يشهد عن قرب هذا الجانب فيها… الجانب الذي لا يعرف المجاملة، ولا يتراجع أمام الظلم.

+


تجهم وجهة المديرة ونبست بحدة:

+


- حضرتك عارفة مينفعش أي أستاذ يمد إيده على طالب ويهينه بالشكل دا !!

+


كادت تُجيبها المعلمة الأخرى ، لكن المديرة ألتفت نحو " ميار " ونبست بعبارات مقتضبة :

+


- تقدري تتفضلي يا مس ميار دلوقتي.

+


أومأت " ميار " رأسها بحاجب مرفوع من انفعالها ، وخرجت لتعتذر المديرة من " آسر " حتى حل تلك المشكلة .

+


وفور أن خرجت " ميار " من الغرفة بملامح واجمة لتقابلها " مريم " بملامح ساكنة تحولت لتعجُب من ملامح الآخرى فنبست بتسائل :

+


- إنتِ كويسة ؟

+


أومأت " ميار " بصمت وأشاحت بنظرها بعيدًا لكن الآخرى لم تقتنع حتى أبصرت خروج " آسر " من المكتب الذي تلفت حوله لتقع عيناه على موقعهما ثم جلس على الكرسي المعدني بجانب الغرفة بعدما تحامل على عكازه بما يكفي .

+


اقتربت " مريم " منها أكثر وتسائلت بترقُب هامس :

+


- هو في حاجة حصلت معاه ؟

+


تعقدت حاجبيّ " ميار " بجهل ثم فهمت فأومأت برأسها برفض واهن واجابت :

+


- لا لا ، دا حصلت مشكلة تانية فدخلت لمس يسرى وهو كان جوا محصلش حاجة بينا .

+


ألتفت " مريم " أمامها وابصرته بنظرة جانبية لتجده يوجه بصره نحوهم أو تحديدًا نحوها لتعود بالنظر لرفيقتها وتهمس :

+


- أومال قاعد يبصلك ليه ؟

+


وكادت " ميار " أن تلتفت نحوه حتى شدت " مريم " كتفيها لتشل حركتها ونبست باستنكار :

1


- بتلفي تبصي على إيه ؟

+


- ااه مخدتش بالي .

+


نبست بها " ميار " تلعن غبائها بابتسامة خجولة ، لكن نظرات " مريم " الضيقة لم تحيد عنه ، لتُمسك بمعصم رفيقتها وتجعلها تستدير نحوه بعد أن كان في ظهرها ، ثم توقفتا أمامه ليرفع نظره نحوهم بتفاجؤ قبل أن تتدفع " مريم " قائلة :

+


- بتحبها ؟

2


اتسعت مُلقتايّ " ميار " بإجفال ونهرت صديقتها بخفوت :

+


- مـريـم !!

+


لكن الآخرى لم تتوقف بل تابعت بنفس النبرة الحازمة :

+


- لو بتحبها فـ هيا ليها بيت محترم طالعة منه ،وعندها أب بيكرم ضيوفه وأخوات رجالة يرحبوا بيك .. فلما تبصلها أعرف إنها مش حلالك وأسعى عشان تكسبها .

+



        
          

                
فتدخلت " ميار " بحدة أكثر ونبرة مشدوهة : 

+


- مـريم كـفاية !

+


لكن " مريم " ألقت عليه نظرة صارمة وشدت معصم رفيقتها ونبست بحزم:

+


- يلا يا ميار .

+


لكن توقفت خطواتهن فجأة حينما انتصب واقفًا :

+


- لحظة بس ..

+


ألتفت الفتاتان نحوه ، الأولى بنظرة خاوية والآخرى بتوتر لتسمعانه يوجه عبارته بصوته الأجش :

+


- مقدر إندفاعك يا آنسه صاحبتها ، ومشاعري تجاهها ربنا وحده إلي عالم بيها ، و أهلها ناس صحاب كرم وواجب أنا عارف ، وأنا بحترم صاحبتك وبحترم بيتها وأهلها زي ما اتمنى تحترموا أنتم كرامتي ونوايايا.

3


سكن لوهلة ثم تابع بذات النبرة الرتيبة المنمقة :

+


- و ردًا على نظراتي ليها فإن كان من باب أولى طبعًا أغض بصري، فده أمر بيني وبين ربنا، وهعمله عن قناعة مش مجاملة ،أنا شايفها إنسانة مُحترمة، وده بيخليني أقدّرها وأحترمها أكتر، ولو وجودي أو نظراتي ضايقتكم، فأنا بعتذر لأني ما أقبلش أكون سبب ضيق لحد .

+


ثم ألتفت نحو " ميار " وبنظرات هادئة حالمة نبس :

+


- ولو في نصيب، هعرف أجي البيت من بابه زي ما تربيت وهي تستحق .

+


ثم غادر من أمامهُن لتتسع عينايّ الفتاتان بذهول قبل أن تنبس " مريم " بنبرة مشدوهة :

+


- بيحرجني بذوقه .. بيحرجني بذوقه ، أنا كمريم معرفتش أقول ايه ؟ كاتب كلامه بالمسطرة ؟!!!

2


بينما اتسعت ابتسامة " ميار " بخفة قبل أن تتلاشى سريعًا حينما أردفت " مريم " بإعجاب :

+


- يعني ما شاء الله business man وذوق وبيعرف يتكلم ، حلو دا يمشي معاكي .

+


فتحت " ميار " فاههها بجهل ثم أجابت :

+


- هو طلع business man بجد ! أنا ولا مرة فكرت في السؤال دا .

+


انكمشت ملامح " مريم " وأردفت باستنكار :

+


- بتهرجي صح ؟ هو مش دا يا بنتي إلي حكيتلك عنه أول السنة والسوشايل كان مقلوب عن رجل الأعمال المصري إلي أنقذ الطيارة !

+


- تصدقي صح .. معرفش صدقيني اتلبخنا في حبه ودينه وبتاع ..

+


أومأت " مريم " رأسها بتفهُم يائس فاقتربت " ميار " منها ونبست بتسلية :

+


- حلو دا مش عاوزة عيونه خضرا المهم فلوسه خضرا .

1


لتُردف " مريم " بمُكر بدون تفكير :

+


- مينفعش الاتنين ؟

+


رفعت الآخرى إحدى حاجبيّها وتسائلت بنبرة ماكرة:

+


- عندك ؟!

+


تداركت " مريم " نفسها وأردفت بنبرة قاطعة :

+


- لا معنديش .

+



        
          

                
أمسكت " ميار " ذراعها وأدارت جسدها قبالتها وهتفت :

+


- بت بصيلي ..

+


- إيه !

+


- إيه الي في عينك دا ؟

+


أجفلت " مريم" نظراتها وتسائلت بتوتر :

+


- في إيه ؟! مالها !!

+


لتتسع ابتسامه " ميار " العابثة وتتسائل بتسلية :

+


- في حد في حياتك ؟

+


انكمشت ملامح الآخرى وهتفت باستنكار :

+


- وبذمتك دي حياة حد يدخلها ؟ لو أطول اطلع منها كنت طلعت .

+


- يا بت يا سوسة .

+


توترت " مريم " من نبرتها واجابت بدفاع:

+


- ايه يا ميار عاوزة ايه ؟

+


لتنبس الآخرى بنبرة مشاكسة :

+


- ماله قمر الكسوف مش على بعضه ؟

+


ولأن الصراحة طبعها، فلا تعرف إلى المراوغة سبيلًا نبست بنفاد صبر:

+


- بصي

+


اتسعت ابتسامة الآخرى وأخذت بيدها يتحركان عبر الرواق :

+


- ايوه تعاليلي .

+


بللت " مريم " ريقها بتردد ثم أردفت :

+


- فاكرة الشاب الي كان خد كارت الجمعية لما وقع في المطعم ؟

+


أومأت " ميار " برأسها بترقُب بصمت لتستطرد الآخرى بانسيابية :

+


- الشاب دا جالي الجمعية وقعد يقول آسف ومش آسف وبتاع فإديته كلمتين في جنابه زي ما قلتلك ، واتنرفز وسابني لقيته جاي بعدها بإسبوع بـ سِت غلبانه جايبها الجمعية ، وكل ما يجي يزورها يُنطلي في وشي ، اقابلت اخته وطلع عنده اخت مش كداب ، وأمه كمان مرة جت ، وكل ما اشوفه ندب في بعض وربك وحده الي بيخلص ليلتنا على خير بدل ما حرب عالمية تقوم .

+


اتسعت ابتسامة " ميار " وهتفت بانبهار عفوي :

+


- دا وااو .. تحفة يا مريم حب من أول خناقة بجد بحب القصص دي !

+


امتغصت ملامح " مريم " وهتفت بسخرية :

+


- قصص إيه يا باربي إنتِ !! هو دا منظر واحد ابقى معاه في قصة أصلا ؟

+


لكن " ميار " أكملت ربيعهم الوردي في مُخيلتها وهتفت :

+


- هو دا الي هتلبسي فيه في الآخر ، عامةً ما حُب الي بعد عدواة .

+


لكن لمخيلة الآخرى التي كانت قائمةً على أرض الواقع الأليم نبست بجفاء :

+


- لا العداوة دي آخرها أقسام ومحاضر ، أبويا قايلي ، بسمع من دا كتير  ..

1


لكزتها " ميار " في كتفها بعند لرفضها تحقيق حلمها الوردي ساخرةً منها بسوادية الواقع المحيط ، لتردف بتسلية :

+



        
          

                
- يا بايخه في إيه اما تحققيلي حلمي واشوف ناس بتدب في بعض وفي الآخر يشوح كده يقول إنتِ ملكيش غيري يابت ! 

+


ألتفت نحوها الآخرى بملامح ممتغصة وأردفت باستنكار :

+


- يعع بس ايه النشاز دا !! دا إنتِ باربي موت ، تصدقي لايقة على المحاسب الي هناك دا ..

+


- أومال هتعنسي يا مريم ؟!

+


- ايه اعنس دي يابت !! ليه يعني قربت على الأربعين ؟

+


اتسعت ابتسامة "ميار " الرقيقة وأردفت :

+


- مريم حبيبتي إنتِ مش مستوعبة ليه إننا كبرنا بالفعل وعندنا 25 سنة ! أنا لو قدامي حد كويس أنا اتجوز الصبح مش هعرف أقعد أكتر من كده .

2


فأجابتها الآخرى بنبرة مقتضبة :

+


- متقعديش أنا قاعدة .

+


تأملت " ميار " ملامح رفيقتها المُحتقنة لتنبس بصوتها الهادئ ونبرتها الرتيبة :

+


- هو عموما الجواز فطرة فينا مش عيب ولا حرام ، عارفه إن في نماذج معاقة بنشوفها حوالينا بس لو الجواز وحش كده مكنش ربنا حلله صح ؟ هو ربنا هيكتب علينا حاجة سيئة ! حاشا طبعًا .. هو الجواز اختيار إحنا مسؤولين عنه زي أي اختيار في حياتنا يا نختار صح ونعيش في نعيم الجواز يا نختار غلط وتقلب جحيم .

+


توقفت خطوات الفتاتان أمام أحد الشُرف المُطلة على ساحة المدرسة الخارجية لتتأمل " مريم " المشهد أمامها بأعيُن خاوية وترتخي ملامحها مُردده ما تحشرج في حلقها في لحظه نادرة الصدق :

+


- إنتِ تعرفي يا ميار إيه أسوء فكرة بخصوص الجواز عندي ؟

+


ألتفت نحوها الآخرى وطالعتها بأعيُن مُترقبة مُهتمه في إذن صامت للمتابعة فأردفت " مريم " بنبرة رخيمة :

+


- إنك مش عارفة هل الشخص دا هو المناسب بجد ولا نتعشم ويطلع مش هو ونتخذل ونرجع نندم اننا فتحنا قلبنا !

+


- يبقى إنتِ خايفه من الخذلان بقا ؟

+


ابتلعت " مريم " ريقها بصعوبة وكأن تخيل الأمر ألمٌ آخر لتنبس باختصار صريح :

+


- أكتر من أي حاجة في حياتي .

+


زمت " ميار " شفتيّها بآسى على تفكير رفيقتها القاسي والذي كان دائمًا عدوها الأول لتسمعها تُردف بعد أن ألتفت نحوها :

+


- إنتِ كبرتي معايا يا ميار وعرفاني ، أنا مش وحشة ولا بياعة أنا بس خايفه طول الوقت ، علطول خايفه وساكته وعمري ما هشكي ومستعده اعيش كده ، بس متمناش ابدًا ابدًا افتح قلبي واتخذل ، ساعتها هتشوفي نسخه مشوهة مني .. نسخه ميته محدش هيعرف يروِيها تاني .

+


اقتربت " ميار " منها ومسدت على كتفها بحنو ونبست بصوتها الشجي:

+


- بسم الله على قلبك يا حبيبتي ، لا عاش ولا كان ولا يتهنى لحظة إلي يفكر يإذي قمر الكسوف ، ربنا يصرف عنك الناس دي .

+



        
          

                
طالعت " مريم " في عيناها التي تجلى القلق في مقليّتيها بوضوح وأردفت :

+


- صدقيني يا ميار أنا بعمل كده عشان قلبي لسه معايا لو حد خده مني وخذلني هبقى من غير روحي .

+


ابتسمت " ميار " بخفوت وتمتمت بمواساة لطيفة :

+


- سلامة روحك من أواجعها ، استعيذك بالله من الخذلان والكسرة يا عيوني .

+


ثم بللت شفتيّها وتسللت ملامح المشاكسة على وجهها لتنبس بتسلية :

+


- يعني في حد خده ؟

+


دارت " مريم " بعينيّها بحنق وهتفت :

+


- لأ

+


- يا بت !!

+


أشاحت " مريم" بنظراتها بمراوغة وأخذت تعدو بعيدًا عنها :

+


- سيبي كل حاجة بظروفها ..

+


اطلقت " ميار " ضحكة قصيرة بذهول وأخذت تتبع خطواتها :

+


- يابت وقفي استني ، مش هعرف أجري وراكي بريستيچي .

+


───────────────
───────────────

+



أما ذاك البيت الذي كان يومًا جنةً غنّاء تزهو بثلاث وردات، فقد خبا بريقه وذبلت أوراقه مع قسوة الأيام التي عصفت بأهله.

+


وها هي "وردة"
أكثرهن إشراقًا وأشدهن بهجة، تحمل اسمها ومعناه، لكنها اليوم أبهت الورود وأشدها ذبولًا.

+


تمد جسدها المتعب على فراشها الوثير، فيما عيناها معلقتان بالسقف بخواءٍ قاتل ، وكل دقيقة تمر تُثقل صدرها أكثر، وتُعمّق في روحها شعور الوهن والخوف .

+


ذاكرتها لا ترحمها؛ كالسوط تلهبها بمشهد الأمس، تُعيده على ناظريها مرارًا ، وما إن تحاول المقاومة حتى تجرّها موجة أخرى من الدموع .

+


ظلت على حالتها الساكنة بخلاف المُعتاد دقيقة وراء الآخرى ، حتى انبعث رنين هاتفها شق الأجواء القاتمة ،لتسكن " وردة " لوهلة ثم تنهض تتناول هاتفها من أعلى الكومود ترمُق الرقم المجهول الذي برز على أعلى الشاشة .

+


ترردت في الإجابة وأجفل قلبها بتوتر أن يكون " عماد" لكنها ابتلعت ريقها بصعوبة ومسحت بأناملها الرقيقة مدامعها ورفعت السماعة على أذنها في ترقب صامت وأعيُن زائغة .

+


- آلو ، أزيك يا وردة ؟

+


إنه صوت .. فتاة .
وبتميزها للصوت هدأت طبول اضطرباتها جوفًا وإن كانت تجهل هوية المُتصل بعد ، لتُباعد بين شفتيها وتردد بصوتها الناعم :

+


- الحمد لله ، مين ؟

+


- أنا رشـا .

+


أجابت الآخرى ببساطة فابتسمت " وردة " بارتياح حينما تذكرت " رشا " تلك المهندسة الظريفة التي تقاطعت طرقهم سابقًا في الشركة عدة مرة ، فأزاحت برفق خصلة شعرها القصير خلف أذنها في حركة خجولة معتادة وأجابت :

1



        
          

                
- آيوه أزيك يا رشا ؟

+


تسائلت" رشا " بنبرة مُهتمة دافئة :

+


- أنا بخير يا عمري طمنيني عنك عاملة ايه ؟

+


- الحمد لله أحسن .

+


- بقيتي أحسن النهاردة ؟

+


- آيوه fine .

+


- طيب خلي بالك من نفسك كده عايزينك ترجعي تنوري الشركة تاني

+


أطرقت " وردة " رأسها لأسفل ونبست بنبرة رقيقة :

+


- ء okey .

+


- طيب خدي باشمهندس مؤمن عاوز يطمن عليكِ .

2


ن

+


بست بها " رشا " ببساطة للواقف بجانبها بصمت مُترفع عن الاهتمام الظاهر ،بينما اتسعت عيناي "مؤمن" بتفاجؤ وكاد أن يرفض لولا أن نهرتهُ "رشا " بعيناها وناولته الهاتف لتضعه في الأمر الواقع ، وهو للحق لم يُرد ذلك يكفيه اطمئنانه عليها من مكالمة "رشا " التي اقترح عليها هو ذلك .. 

1


بالطبع هو لا يقصد شيئًا آخر فقط يطمئن عليها لا أكثر  .

+


أعني .. لقد شهد على خطفها و ما إلى ذلك بالطبع سيريد الإطمئنان عليها وهي هشة كالبسكويت و..

2


- آلو

+


نبست بها " وردة " التي انفرجت اساريرها منذ أن علمت برغبته في الحديث معها ، وربما جعلها تتناسى حزنها الدفين ، تستقطع وقتًا غير محسوب على إيقاع نبرته الرخيمة والتي تسللت لجوفها بمهارة حينما قال :

+


- السلام عليكم .

+


نبس بها " مؤمن" وهو يتوعد " رشا " بنظرات حادة قابلته بملامح ساخرة تكتم ضحكاتها بصعوبة ، ليسمع الآخرى عبر الهاتف تُجيبه بنبرتها الرقيقة :

+


- وعليكم السلام .

+


مسح على وجهه بتصبُر وشعر أن العبارات تطايرت من عقله فتردد لثواني ثم تسائل :

+


- أخبارك ؟

+


توردت وجنتاي الآخرى بلا إدراك على سؤاله البسيط في الحقيقة لكن وقعه عليها ربما كان كبيرًا رُغمًا عنها ، لتُجيبه بخجل ونبرة خافته تكاد تصل له :

+


- الحمد لله كويسة .

+


- أحسن النهاردة؟

+


- ايوه أحسن .

+


أجابتها بتلقائية لا تعنيها في المُجمل لكن ربما تشعر بها الآن طالما صوته يجاورها .. لتسمع تدخل " رشا " في المكالمة تهتف بحماس :

+


- هتيجي إمتى الشركة إنتِ وحشانا أوي ؟

+


رفعت "وردة " عيناها للأمام والتمعت ببريق خافت ثم أجابت بشرود :

+



        
          

                
- مش عارفه ،  لما أكلم مامي الأول .

+


توعدها " مؤمن " بنظراتها الحازمة مرة آخرى وابتعد عدة خطوات وتناسى كونه يختلي بها ثم نبس بأول العبارات التي انبثقت أمامه دون ترتيب :

1


- طيب خلي بالك من نفسك واسمعي كلام مامتك ، ومتروحيش في حتة لوحدك .

+


استمعت " وردة " لعبارته المُهتمة والابتسامة تشق وجهها نصفين جعلها تنهار لتعود للخلف تلقي بجسدها على الفراش وتشعر بالفراشات تتطاير حولها لتنبس بخجل :

+


- حاضر 

+


أومأ هو بمهنية ، جاهل ما تشعر به الآخرى من العالم الوردي التي باتت تطوف فيه ، لتنتشلها شقيقتها من ذلك العالم بتقدمها لغرفتها فجأة ، لتتسع عينايّ " وردة " بتفاجئ وتتوقف " يـارا " أمامها مرفوعة الحاجب من حالة شقيقتها .

+


- هتعوزي حاجة ؟ 

+


تسائل " مؤمن " باهتمام لكن غطت " وردة " سماعة الهاتف وأشاحت بأناملها لشقيقتها في حركة للخروج لكن اتسعت ابتسامة " يـارا " المُتسلية وقررت العناد ومعرفة سر شقيقتها 

+


لم يستقبل " مؤمن" أي إجابة ،فعقد حاجبيه بتعجُب ، لينبس بتردد :

+


- إنتِ معايا !

+


- معاك .

+


أجابت بها " وردة " حينما أعادت السماعة على أذنها ،ليومأ باطمئنان وينبس تمهيدًا للختام :

+


- طيب هقفل دلوقتي .. مع السلامة .

+


- باي .

+


نبست بها ردًا على عبارته ليُغلق " مؤمن " الهاتف وتتجهم ملامحه حينما ألتفت نحو " رشا " التي تراقبه بنظرة مشاكسة ، قبل أن يقترب منها يسألها بنبرة حادة لكن رزينة :

+


- ايه إلي إنتِ عملتيه دا ؟!

+


تناولت " رشا " منه الهاتف ونبست بنبرة عبثية :

+


- الحق عليا يا بشمهندس ! أنا قلت أحرك المايه شوية 

+


تعجب " مؤمن" حديثها وإلى ماذا ترمي ، ربما لجهله بأساليب الفتيات وكيدهنَّ والذي لا يعرف منهُن أحدًا سوى والدته فقط .

+


- ماية ايه ونار ايه رشا !! دا مش أسلوب ، مينفعش تحطيني معاها في موقف زي كده .

+


- أنا قلت إنت مهتم بس مكسوف.

+


نبست بها " رشا " بتسلية ، لكنه رفع حاجبيه بدهشة ونبس باعتراض مُـتهكم :

+


- مكسوف ! مكسوف ليه يعني ؟ وبعدين أنا مش مهتم ولا حاجة كلنا شفنا الي حصل إمبارح طبيعي يعني الكل هيبقى عاوز يطمن عليها .

+



        
          

                
أومأت " رشا " باقتناع زائف وأردفت بمُكر :

+


- صح معاك حق الكل فعلا .. طيب هروح اطمن صلاح عشان كان عاوز يطمن برضو أصل هو من الكل يعني .

1


تقوس حاجبيه بدهشة ورفرف بجفونه واستوقفها قائلًا :

+


- لا لحظة !

+


ألتفت نحوه بملامحه مشاغبة متسلية لتراه يتردد قائلًا :

+


- هو صلاح ماله يعني .. قلقان.. ليه ؟

+


لجمت ابتسامة متسلية كادت تفر من ثغرها وأجابت بانسيابية زائفة :

+


- عادي يعني الكل كان قلقان يا بشمهندس مجتش عليه ، عن إذنك .

+


ثم ذهبَت من أمامه على عُجاله ولم يستطع أن يمنعها، بل الأدهى أنه لم يفهم سبب رغبته المفاجئة في منعها.

+


ذلك المهندس الذي مضت سنون عمره بين جدران الوحدة، وحيدًا لا يأنس إلا بصوت والديه، ثم في أروقة الجامعة حيث التحق بتخصص قاسٍ بطبعه .

+


كرّس حياته للعمل والانضباط والاجتهاد، حتى بلغ مرحلة لم يعد يُغريه شيء من الملهيات التي يركض خلفها غيره ، كأن قلبه قد تحوّل إلى قلعة محصّنة، أحاطها بأسوارٍ من حديد، لا تسمح بالاقتراب ولا تخترقها المغريات.

+


هادئ 
رزين
رتيب
ومنظم .

+


هو ليس جلدًا أو قاسيًا هو فقط جاهل بالمشاعر ..
لا يعرفها ، 
لا يفهمها ،
أو حتى يستطيع إدراكها كما يفعل بأمور حياته .

+


وأمام المشاعر الخاصة به، يقف خاوي الجوف، متخبطًا لا يدري كيف يتعامل معها .

+


ولأن لأي مرة أول مرة ..
فكانت تلك اللحظة منذ زمن بعيد، يباغته شعور لم يستطع أن يُسكته بالمنطق ، ولم يكن يتوقع أن يُربكه صوتها عبر الهاتف، أو أن يَعلق في ذهنه مشهدها الآخير  ، وكأنها وجدت منفذًا بين أسوار قلبه المهجور .

+


جلس على طرف مكتبه، يمرر يده على جبينه بتوترٍ لم يألفه، وظلّت تسكنه رعشة صغيرة كلما تذكّر تلك اللحظة .. حين باغتته بعناقها .

+


لكن عقله كما اعتاد دائمًا، انتفض ليُسكت صوته الداخلي:

+


- دا مجرد اهتمام عشان إلي حصل معاها ، في الأخر الي حصل معاها مش قليل .

+


نعم لأجل هذا فقط ..
لا أكثر.

+


───────────────
───────────────

+



ترجل " آسر " من سيارته الخاصة في باحة المنزل بعد أن تقدم أحد المرافقين بفتح الباب له بالإضافة لآخر تولى أمر القيادة .

+



        
          

                
تحمل على عكازه حتى وصل لباب الڤيلا الداخلي ، ليدق الجرس في الأركان ليجد من يستجيب ليندفع الباب أمامه مفتوحًا على وسعه ليتقدم خطوة لداخل بوجه مقتضب قبل يرتخي فور أن وقعت عيناه على لؤلؤة صغيرة يتسع ثغرها بابتسامة بريئة رقيقة مُرحبة به ، وتندفع نحوه تُعانق ساقه وترفع رأسها لأقصاه متسائلة بنبرة طفولية :

+


- كنت فين الصبح ؟

+


اتسعت ابتسامة " آسر " بوسع وانحنى بجزعه لها قليلًا مُقبلًا وجنتها بلُطف ليسمعها تتسائل مرة أخرى بنبرة متغنجة :

+


- ليه مخدتش مليكة معاك ؟!

+


مسد " آسر " على خصلاتها البُندقية الطويلة نسبيًا ونبس بنبرة رخيمة :

+


- أنا كنت في المدرسة بتاعتك بعملك شوية حاجات .

+


- بتعملك شوية حاجات إيه ؟

+


اطلق " آسر " ضحكة قصيرة على نُطقها الخاطئ ثم أردف :

+


- كنت بسجلك عشان الـ exams قربت .

+


وكانوا سيُتبعان حديثهم السُكري لولا انتصاب " آسر " بتروي وارتخاء ملامحه لآخرى أكثر صلابة حينما اتجاه صوت انثوي من خلفه :

+


- آسر !

+


ألتفت " آسر " نحو صاحبة الصوت المتوقع وكان بالطبع .. " نورين " ولتو أدرك أنه مازال يقف أمام الباب ولم يغلقه ، لكنه رمق الآخرى بخواء ليسمعها تتسائل بنبرة مشدوهة مشيرة نحو ساقه :

1


- آسر إيه إلي حصل ؟

+


تهكم " آسر " من تسائلها المُزيف ، ليُردف بسخرية :

+


- لا يا شيخة ! دا على إساس مكنتيش تعرفي الضربة قبل ما توصلي !

+


تجاهلت " نورين " السؤال وانشغلت عمدًا باحدى خصلات شعرها ، ليزفر الآخر نفسًا بتصبُر وتسائل :

+


- عاوزة إيه ؟

+


تصنعت الآخرى الثبات أمام نظراته الحادة التي تشعرك برغبة في الأعتراف بكل شىء حتى ولو لم تفعل شىء ، لكنها تحاملت ونبست بنبرة مترددة :

+


- جاية.. جاية اشوف مليكة.

+


ألتوى ثغره بتهكُم واعترض قائلًا :

+


- هه.. من إمتى!!

+


رفعت إحدى حاجبيها بقوة خاوية وأردفت :

+


- من النهاردة ، ومتنساش إن ليا حق فيها ، چيهان كانت هتزعل لو عرفت أهل جوزها مسألوش على بنتها وتفكرنا قلالة الأصل .

+


ضيق عيناه باهتمام لتفاصيلها المُزيفة في كل حركة ، ليُجابهها بثبات منقطع النظير وكأنه يعلم سلفًا أعذارها ونبرة رتيبة حادة :

+



        
          

                
- دا على إساس أهل جوزها مكانوش قلالة الأصل لما رموا بنتهم ورفضوا حضانتها وخدناها إحنا ! ما تقولي كلام يدخل العقل !

+


- طيب خلاص أنا معدش فارق معايا غيرها ، وعاوزة اشوفها ..

+


أومأ برأسه بخفة وملامحه جامدة ونبس :

+


- وماله شوفيها ، عمتها برضو .. بس متخديش على كده كتير ها ؟

+


عقدت حاجبيّها بعدم فِهم وتسائلت :

+


- تقصد إيه ؟

+


أخفض اهدابه بتصبُر ثم فتحها بعد أن زفر نفسًا وأجاب باقتضاب ونبرة مهددة حازمة :

+


- إبقي وصلي للربطة الجرجير إلي وراكي إن مش آسر الرفاعي إلي يقع ، وبعزة جلالة الله يا نورين لإسمك أول حد يكون في قضية الظبط والإحضار ، ولو كنتوا في سابع أرض لجايبكم .

+


اقتربت منه أكثر ورفعت عيناها نحو خاصته الباردة ، تمرر عيناها على ملامحها الجذابة لكنه بقي شامخًا كعادته، نظراته مسلّطة عليها كخنجر بارد، لا يهتز ولا يلين لتحاول المجابهة بكل قوتها:

+


- وليه التهديد ما أنا قدامك اهو ، بلغ عني وخلص .

+


تلك الغبية..
تظن أن الشرطة لا تعلم مكانها .. وأن حريتها الآن فقط هو كارت الوصول لطرف الخيط .

+


تدارك " آسر " غبائها فلم يشأ تنبيهها على الأمر ، وارتسمت على ثغره ابتسامة باهتة، لا تحمل أي أثر للسخرية هذه المرة، فقط برود قاتل يبعث الرعب أكثر من أي تهديد مباشر ، ابتعد عنها خطوة للخلف وصوته انخفض كأنه يبوح بسر خطير، لكن نبرته كانت قاطعة كحد السيف:

+


- أنا لو ناوي أبلغ… كنتي دلوقتي بتتكلمي من الحبس ، بس أنا بحب أدوّر على الوجع اللي يليق بكل واحد فيكم ، فخافوا من إلي بيجيب حقه بدماغه قبل دراعه عشان دا لو لعبها صح ، مش هتعرفوا الضربة جيالكم منين.

1


ارتجفت "نورين" رغمًا عنها، لكنها تماسكت سريعًا ورفعت ذقنها بتحدٍ زائف:

+


- إنت فاكرني خايفة منك يا آسر؟ إنت نسيت أنا مين!

+


أطلق ضحكة قصيرة بلا فرح، عيناه تلمعان بخطورة وهو يرد:

+


- وإنتِ معاكي حق ، شكلي نسيت بالفعل إنتِ مين بالظبط ، إنتِ الست اللي باعت صاحبة عمرها لناس مالهمش أمان، واللي فضّلت تنقذ نفسها وتسيبها تموت لوحدها.

+


شهقت "نورين" بعنف، وارتسمت الدموع في عينيها وهي ترد بانفعال:

+


- أنت بتقول إيه ! الوضع مكنش كده نهائي ، بس أنت ولا مرة كنت مهتم تسمع مني .. أنا… كنت مضغوطة، كانوا مهدديني… لو كنت اتكلمت، كانوا هينتهوا مني أنا كمان!

+



        
          

                
أردف مقاطعًا بحدة وهو يرفع إصبعه أمام وجهها :

+


- سيبيك من لعب العيال دا ! چيهان ماتت بعد ما خرجت من عندك، واتخانقت معاكي بسبب إنك كنتِ بتلعبي بالنار… واللي حصل مش صدفة! 

1


تراجعت "نورين" نصف خطوة للخلف، وكأنها تتلقى طعنات من كلماته، لكنها صرخت بمرارة محاولة الدفاع:

+


- ما أنا قلتلك! أنا في وسَط حاجة أكبر مني، وأنا ضحية زيها!

+


تقدّم منها "آسر" فجأة حتى صارت المسافة بينهما ضيقة، وصوته غلّف الغرفة كلها بالرهبة:

1


- لأ يا نورين… إنتِ مش ضحية، إنتِ مفتاح ، واللي مستخدمك فاكر إنك هتخبي سره ، بس والله لتكوني أوّل واحدة تقع ، وساعتها مش هيبقى في لا دموع ولا أعذار هتنفع.

+


ساد صمت ثقيل للحظة، لا يُسمع فيه إلا أنفاسها المتقطعة، بينما هو يظل واقفًا شامخًا، عينيه معلّقتان بعينيها بلا أي رحمة.

+


تراجعت " نورين " خطوة ونظراتها تهتز :

+


- مش من حقك تكلمني كدا...

+


كاد أن يستدير لكنه اجابها بنبرة رخيمة لكنه صارمة:

+


-  لا يا نورين، مش من حقك إنتِ تكوني هنا من أصله ..مليكة دي إنتِ اللي جريتي تدفنيها في أوراق التنازل .. ومع إن الندم مش بيرجع إلي فات بس من كتر قهري منك هفضل شايفك أكبر غلطة عملتها چيهان إنها دخلتك حياتها ، هتفضلي بصمة سودا في تاريخها وإن محدش دمرها غيرك بعد ما كانت طالعة بيكِ السما .

+


ثم غادر من أمامها وسحب " مليكة " خلفه ...

+


لقد كانت كلماته أقسى من أي تهديد أو وعيد، لأن الحقيقة دائمًا أوجع من السـ  ـلاح ، كان يعرف جيدًا أن الخيانة لا تأتي من بعيد، بل من أقرب الناس الذين فتحنا لهم أبواب قلوبنا بلا حساب. 

+


ذلك الصديق الذي نمنحه أسرارنا هو أول من يعرف موضع الطعنة، وأكثر من يُتقن غرسها بعمق.

1


ولذلك لم يكن انفعاله على "نورين" مجرد غضب لحظي، بل كان نزيفًا قديمًا يتجدد كلما تذكر أن "چيهان" وضعت حياتها بين يدي إنسانة لم تعرف يومًا معنى الوفاء.

+


وأثناء ارتقائه لأعلى تذكر تلك العبارة التي نقشتها في أحد مذكراتها .. عبارة واحدة ثقيلة وضعتها في منتصف صفحة فارغة من سواها :

+


« مددتُ يديّ يومًا أُلملم جراحها، 
فإذا بها أوّل من غرس خنجره في ظهري  »

+


───────────────
───────────────

+


انهت " يـارا " محاضرتها بتحامُل واهن ، بعد أن حضرت للجامعة وهي تبحث عن هواء يخفف عن صدرها أنفاس البيت التي صارت مؤخرًا ثقيلة وخانقة .

+


فـ يا لها من مُفارقة ؛ أن يكون كنف الراحة في المنزل أشد خنقًا من أي مكان آخر.

+



        
          

                
كانت تسير برفقة " سارة " بملامح هادئة ، شاحبة ، بعد أن آثرت أن تخرج بلا أي مستحضرات تجميل ، تترك بروز جمالها في عيناها الزُمردية وشعرها البندقي المُسترسل على ظهرها والبعض على جانبها الأيمن .

+


كان الإرهاق والتعب يبدو جليًا على قسمات وجهها ، تتأمل حولها بلا اهتمام قبل أن تقع عيناها على " حبيبة " التي تجلس في مقعدها المُعتاد لتهتف نحو رفيقتها التي كانت توزع السلامات تارة والابتسامات تارة آخرى :

+


- بصي أنا هروح أقعد مع حبيبة شوية .

+


ألتفت الآخرى نحوها باستنكار قائلة :

+


- عاوزة تقعدي مع المعقدة دي ليه ؟!

1


ولأن " يـارا " أبعد الأشخاص الذين يهتمون بتقييم الآخرين لأفعالهم وضعت رغبتها قيد التنفيذ ونبست باختصار :

+


- عوزاها في موضوع private كده ، لما تخلصي call me بقا .

+


ثم لوحت لها الآخرى بأعين مُتسعة من تصرفاتها الغريبة في آخر اسبوعين منذ معرفتها بتلك الفتاة .. التي لا تُريحها أبدًا ،لكنها آثرت الا مبالاة في الآخير .

+


تقدمت " يـارا " نحو " حبيبة " تشد من الشال الأسود حول جسدها وتزيح بكلتا يديها خصلاتها الأمامية خلف أذنها على شكل قوس رقيق ،بعدها تنحنت قائلة :

+


- فاضية أخد من وقتك five minutes ؟

+


رفعت " حبيبة" عيناها واتسعت ابتسامتها بلُطف مُرحبة :

+


- أكيد اتفضلي .

+


جلست " يـارا " بجانبها بزاوية مائلة ، وزمت شفتيّها بتردد طفيف لا تعلم كيف تسترسل لتُشجعها " حبيبة " بعبارة حنونة :

+


- قولي متتكسفيش أنا معاكِ .

+


بللت " يـارا " شفتيّها المُكترزتيّن ثم أخذت تستطرد بتشتت :

+


- إلي حصل إن في حاجة كبيرة حصلت معايا ، ظروف عائلية وكده.. وقتها .. يعني how I can say that ! حسيت .. إن ربنا عمل كده عشان أنا وحشة .. I mean إني قعدت أعيط وأقول أكيد دا عشان شكلي ومبادئي لما افتكرت كلامك وكده ، فيعني أكيد استحق ودا عقاب من ربنا .. بس لما رجعت البيت رجعت أعمل الحاجات الغلط دي تاني.. هو كده أنا ابقى منافقة ؟

+


نبست سؤالها الآخير على مضض خوفًا من الاصطدام بحقيقة مُريعة ترفض ان تنتمي لها ، وللحق تريثت "حبيبة" حينما سمعت كلماتها العشوائية ،ثم ارتخت ملامحها وأجابت بتوضيح :

+


- بصي يا يـارا ، في حديث عن سيدنا النبي ﷺ بيقول في آخره « ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » .. يعني  إيه الكلام دا ؟ الأصل إن لو صلح القلب صلح الإيه ؟ صلحت اعمال الجوارح .. يعني إلي ظاهر أعماله صالحة فقلبه فعلًا صالح ، و العكس غير صحيح ، بمعنى إن النفاق دا إيه ؟ إن الظاهر صالح بس القلب أصلًا فاسد ودا بيبقى لنيه سواء رياء أو طلب شهرة أو أو.. ودا حالة شاذة للعلم وربنا وحده يعلم النوايا فإحنا مش هنحكم على حد بس نقدر نحكم على نفسنا و نوايانا .

+



        
          

                
أومأت " يـارا " بخفة لتسمعها تُكمل برتابة :

+


- هل ينفع في الطبيعي كده من غير نوايا فاسدة إن القلب يكون صالح والعمل فاسد ؟ لا يمكن ... ايوه زي ما سمعتي ، و sorry لو بدمرلك فكرة إن إلي يقولك الإيمان في القلب بس وهي أعمالها فاسدة ، لأ لو إيمانك بحق وحقيقي في القلب هيظهر على أعمالك ، لازم يظهر على أعمالك .. فهمتي الحتة دي ؟

+


أومأت الآخرى مجددًا وتابعت بانتباه حينما أسطردت :

+


- نيجي لسؤالك بقا أو الاعتراف الي إنتِ اعترفتيه وقت انهيارك.. لو بتعملي عمل نسبة صلاحه أو نسبة موافقته لدين ٥٠% يبقى قلبك في الحتة دي ٥٠% .. يعني إيه برضو ؟! يعني اعترافك إن ربنا مش هيوفقك عشان ذنب عندك بس إنت بتعمليه ومش عارفة تبطليه دا مش معناه نفاق دا إعتراف منك بنسبة إيمانك في قلبك .. لو اعترافك كان بنسبة ٧٠% إن دا بسبب ذنوبك يبقى إنكار قلبك على ذنوبك ومدى صلاح قلبك هيكون بنسبة ٧٠% .. أومال الباقي دا راح فين ؟ الباقي دا نفسك الآمارة بالسوء هتدفعك مرة تعترفي بذنبك لما تقل ، ولما تزيد هتخليكي تعملي الذنب من غير تفكير .

+


كانت " يـارا " تحاول جاهدة فِهم كل تلك المصطلحات الدينية تومأ برأسها على قدر إستعابها للأمر ، لتسترسل " حبيبة " من جديد تحاول إيصال فكرتها بأبسط طريقة :

+


- لو هطبق على نفسي .. لقتني مرة بصلي كويس اوي وبخشوع وترتيل، يعني صلاة كويسة الحمد الله هنا أعرف أن قلبي صالح بنسبة عالية أوي.. فلما ألاقي في تقصير في الصلاة مقولش مش مشكلة اهم حاجة إيماني في قلبي كبير ، لأ هنا أعمل stop واعرف أن إيماني قل ولازم أراجع نفسي .

+


ثم مالت عليها قليلًا ونبست بنبرة تحذيرية :

+


- فمينفعش الشيطان يخدعك ويقولك إنتِ خرباها وبتعملي وبتعملي بس قلبك سليم .. الكلام دا مستحيل .. لإن لابد القلب فيه قليل من الفساد وهو سبب فساد العمل دا .. وكل إناء بما فيه ينضح ، فبصي ركزي على صلاح قلبك وأعمال الجوارح هتظبط من نفسها .

+


بللت " يـارا " شفتيّها لتخفيف التوتر ثم تسائلت من حيرتها التي لم تجد انفكاك عِقدها :

+


- طيب بس يعني ليه ساعتها حسيت بالشعور دا ؟ ليه أول مرة احس اني فعلا مش لاقية حاجة كويسة ، يعني دا إعتراف مني على غلط مع إني ولا مرة فكرت كده ..

+


- ببساطة عشان مفيش شر مطلق .. هو مش إنتِ مسلمة ؟ بتعملي حاجات غلط وحاجات صح وارد جدًا ، وعلى فكرة إعترافك إن ربنا هو إلي بيدفع الضر ومش بإيد حد غيره دليل صلاح جواكي بس بنسبة معينة .

+


أومأت برأسها عدة مرات بتفهُم ثم تسائلت بارتباك :

+


- آيوه فاهمة بس ليه قعدت ابص على نفسي وشكلي ومعتقداتي وحسيت حياتي غلط في غلط ؟! بس لو قلتيلي إنتِ اعترفتي اتغيري بقا مش هعرف .

+



        
          

                
تأملتها " حبيبة " لوهلة ثم ابتسمت بخفة ونبست :

+


- إنتِ تأثرتي بحاجة ..

+


تعقدت حاجبيّها بحيرة وتسائلت :

+


- يعني ايه ؟

+


- كلامك كان نابع من تأثُرك بحاجة بس انتي مواجهتيش نفسك بيها .

+


نبست بها " حبيبة " لتجد الحيرة ترتسم على ملامحها ،لتتابع موضحة :

+


- يعني فكري مع نفسك إيه إلي ممكن يخليكي في لحظة زي كده تفكري في مساوؤك بدل ما تحطي لومك على احد ؟

+


فكرت " يـارا " لعدة ثوان بأعيُن زائغة ولم تصل لمرساها فأجابت :

+


- ما أنا مش عارفة حقيقي .

+


ارتسمت ملامح الشك على قسمات الآخرى وأردفت :

+


- هي بتبقى تراكمات على فكرة .. اتأثرتي مرة بكلمة في يوم وبفعل في يوم تاني هكذا يعني، غير كده الإنسان ملوش غير ربه طبيعي هترجعيله لما تضيق بيكي ، أصل إحنا مش في الحياة دي كده سداح مداح ، إنتِ مؤمنة فيه ربنا وعارفه هو بستجيب لينا وهو الي بندعيه .. إنتِ ليه مستغربة إنك لجأتي لربنا؟

+


- مش مستغربة بس ..

+


- هقولك على حاجة تانية ، في قصص اتذكرت في القرآن عن مشركين مع الله ، تعالى الله عما يشركون ، كان لما ربنا يعذبهم بقلة مطر أو أي ابتلاء صعب على نفسهم كانو تعرفي بيروحوا يعملوا ايه ؟

+


تسائلت " يـارا " بترقُب وذهن منتبه:

+


- إيه؟

+


- مثل ما قال الله عز وجل في كتابه ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ .. وهما في السفينة اعترفوا بذنوبهم ووحدوا الله من غير شرك عشان ينجيهم من الغرق ولما استجاب ووصلو للبر رجعوا اشركوا تاني ..

+


قطبت " يـارا " حاجبيّها بعدم فهم واعتلت ملامحها الاستنكار ونبست :

+


- يعني أنا مشركة؟

+


ابتسمت "حبيبة" بلطف ووضعت يدها على ذراع "يـارا" محاولة تهدئتها:

+


- يا بنتي لأ إنتِ مش مشركة.. بس اللي حصل معاكي طبيعي جدًا ، كلنا بنغلط، وكلنا ساعات بننسى ربنا لما الأمور تمشي معانا، أو بنلوم نفسنا زيادة لما تحصل مصيبة ، المهم متقتليش الجزء دا جواكي بكتر التجاهل لعله باب الخير ليكِ .

+


أومأت "يـارا" برأسها بتفهُم لترى الآخرى تنهض من موضعها وتختم وجودها:

+


- عن إذنك هقوم ألحق العصر قبل المحاضرة .

+



        
          

                
ثم تركتها وغادرت لتتبعها "يـارا" بعيناها حتى أختفت من أمامها رفعت رأسها وحدقتها في السماء الواسعة، متمنية أن يجد قلبها - رغم كل الصراعات - نصيبًا من ذلك السلام الذي يملأها .

+


───────────────
───────────────

+


وبينما يزهر الكونُ على جانبٍ بلقاء قلبٍ عثر أخيرًا على نبضاته،  تُرسم على الجانب الآخر حكاية أخرى، أكثر وجعًا، لقلٍ قُطعت أوتاره وفقد نبضاته إلى الأبد.

+


فإن كانت "ليلى" قد عادت لتُرمم صدر أمها الممزق، فإن "ميرال" ما زالت تبحث في الفراغ عن صدى عائلةٍ لن تعود، وعن حضنٍ ابتلعه المـ ـوت دون أن يترك لها سوى أنين الذكرى.

+


جلسَت "ميرال" على الأريكة المواجهة لكرسي الأخصائية، جسدها مشدود، وكأن الهواء من حولها أثقل من أن يُستنشق ،عيناها تائهتين بين السقف والأرض .

+


ابتسمت الأخصائية ابتسامة هادئة وقالت بصوت رقيق مُثبت:

+


- أهلاً بكِ ميرال.. أن أسمي رغد ، وسأرافقك في رحلتك القادمة .

+


سكنت لوهلة ثم تابعت بنبرة موزنة :

+


- أعلم أن هذه الجلسة الأولى لكِ معي ، لكن صدقيني  وجودي اليوم معك هو أول خطوة حقيقية نحو النجاة.

+


تحركت شفتا "ميرال" ببطء، وكأن الكلمات تستعصي عليها:

+


- النجاة؟

+


- نعم.. النجاة من الألم الذي يثقل صدركِ ، أريدك أن تنفسي بعمق أولًا.. خذي شهيقًا، ثم أطلقيه ببطء.

+


فعلت " ميرال " بالمثل فهمست " رغد " بهدوء :

+


- أحسنتِ.

+


- هل تودين أن نبدأ بالحديث عمّا يثقل قلبكِ الآن؟

+


أطرقت "ميرال" قليلًا، وشعرت بارتباكٍ يُسقط الكلمات من ذهنها ،ثم قالت بصوت متردد:

+


- أنا.. أرى وجوهًا تتكرر.. صرخات.. وضوضاء.. لكن لا أستطيع أن أمد يدي لأمسك شيئًا.. كل شيء يتبخر قبل أن ألمسه.

+


أومأت " رغد " تُسجل بعينيها أكثر مما تسجل بقلمها، ثم مالت للأمام قليلًا وسألت:

+


- وماذا عن عائلتكِ يا ميرال؟ هل تستطيعين أن تستحضري صورةً ما؟ وجهًا؟ لمسة؟

+


ارتجفت أنفاس "ميرال" وعيناها أخذتا تترقرقان، ثم همست بصوت مختنق كأنها تصف وضعًا تراه الآن :

+


- أحاول.. أحاول أن أراهم.. لا أعلم من هم .. لكن كلما اقتربت أجد شيئًا أسودً يسدّ طريقي.. لا أسمع سوى صوت ارتطام.. ورائحة دم.. ثم.. فراغ.

+


صمتت " رغد" لحظة، ثم سألت بهدوء حذر:

+


- هل تؤمنين أنهم ما زالوا على قيد الحياة؟

+


تجمدت "ميرال" نظرتها تهرب إلى احد الأركان ، كتفاها يهتزان بعدم معرفة فأومات " رغد " بتفهُم ثم تسائلت بنبرة هادئة عميقة:

+



        
          

                
- أخبريني.. ما آخر صورة تتذكرينها بوضوح؟

+


أردفت " ميرال" بعد لحظة صمت:

+


- أشياء متكسّرة .. نعم.. و صراخ.. لا أرى وجوهًا واضحة.. كل شيء ضباب.

+


- هل هذه الوجوه مألوفة؟ هل تستطيعين تمييزها؟

+


تشنّجت أصابع "ميرال" فوق حجرها، والحيرة والتردد يعصفان بها داخليًا لكنها أجابت بصوت متهدج :

+


- ملامح.. قريبة.. لكن ضباب.. كل شيء ضباب ، أحيانًا.. امرأة.. دافئة.. صوتها يهمس باسمي. ثم.. يختفي.

+


فتريثت " رغد " قبل أن تسترسل بنبرة صوتها الدافئة :

+


- تلك المرأة، هل تشعرين أنها قد تكون والدتك ؟

+


اغرورقت عينا "ميرال" وارتجف صوتها:

+


- ربما.. لكن لماذا لا تبقى؟ لماذا يختفون كلهم؟

+


تقدّمت " رغد " قليلًا للأمام، بنبرة مهنية لكنها مفعمة بالرفق:

+


- لأن ذاكرتكِ تقاوم الحقيقة يا ميرال ، لأن عقلكِ يُحاول حمايتك من صدمة لم تستطيعي تحمّلها.

+


ارتبكت "ميرال" زفرت بعصبية، ثم رفعت عينيها فجأة:

+


- لا.. الحقيقة.. ريان.

+


هتفت " رغد " بنبرة مُتعجبة ليس بالنسبة لها لكن لتؤثر نفسيًا على رد فعلها :

+


- ريان !

+


لكنها كانت ثابته واجابت بنبرة متحشرجة :

+


- نعم.. هو الوحيد.. الثابت.. لا يختفي .. لا يذوب في الضباب مثلهم ، أراه.. أقرب من أيّ شيء.

1


سجلت " رغد " انفعلاتها بتركيز ثم تسائلت بذات النبرة الرخيمة مع إعطائها متسع كافي من الوقت لتجميع اجابتها :

+


- لكن ريان ليس ماضيكِ يا ميرال ، ماذا عن حياتكِ قبل الحادث؟ أصدقاؤكِ؟ منزلكِ؟

+


تلعثمت الكلمات على لسانها، كأنها تصطدم بجدارٍ داخلها:

+


- منزل.. فيه ألوان.. موسيقى.. أصوات.. ثم.. لا.. لا أرى شيئًا.. يختفي..

+


- ماذا يختفي ؟

+


- كلهم.. إن حاولت أن أمسكهم يذوبون.

+


- ميرال عزيزتي التعلّق بشخص واحد وحدهُ ليس خلاصًا، بل قيودًا جديدة.

+


اغمضت " ميرال " عينيها ثم فتحتهُما لتبرز مُقلتيّها الزرقاوين وتُجيبها بصوت محتقن :

+


- لكنه ليس مثلهم! هو هنا.. لم يتركني .. لو ابتعد.. سأضيع.. أتفهمين؟ سأضيع!

+


كانت " رغد " تراقب "ميرال " بعينين تحملان مزيجًا من الشفقة والحرص ، كل كلمةٍ خرجت من فم الفتاة كشفت عن خيوطٍ ممزقة لذاكرتها، كل محاولة لتذكر ماضيها تنتهي بارتباك وانسحاق تحت ثقل الغياب ، وما إن ذكرت "ريان" حتى بدا وكأنها أمسكت بطوق نجاة وحيد في بحرٍ غادر.

+


في تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء ودخل "ريان" بخطوات مترددة ، كان قصده الاطمئنان، مجرد نظرة ليعرف حالتها ، غير أن وجوده فجأة كان كإشعال نارٍ في هشيم عاطفتها المضطربة.

+


- ريان..!

+


ركضت نحوه بعفوية مذعورة، تشبثت بذراعيه بقوةٍ مبالغ فيها، وعيناها تفيض دموعًا لم تحتملها أكثر:

+


- لماذا لا تفهمني؟! أنت وحدك.. أنت وحدك الحقيقة وسط كل هذا الضباب! اخبرها بذلك ..

5


ارتبك " ريان" ورفع يديه بخجلٍ ليخفف من قبضتها، لكن صوتها اندفع كالسيل:

+


- هم اختفوا جميعًا.. ذابوا.. لكنك أنت.. لا! أنت لا تختفي!

+


حاول أن يتحدث بصوت مهدّئ مهني :

+


- ميرال.. إهدئي، أنت تحتاجين أن تكوني أقوى من ذلك.

+


هزّت رأسها بعنف، شهقت بحدة، ثم قالت بصوتٍ منكسر :

+


- لا تقل لي أن أكون قوية! لقد كنتُ قوية بما يكفي وأنا أُفقد كل شيء! بما يكفي وأنا أصرخ ولا يسمعني أحد! بما يكفي وأنا أقاتل وحدي..!

+


تسمرت نظراته عليها بدهشةٍ مشوبة بارتباك، وكأنه يرى أمامه "ميرال" أخرى لم يعرفها من قبل .." ميرال" تُخرج من أعماقها صوتًا دفينًا لم يجرؤ يومًا على الظهور .

+


تساءل في صمتٍ مذهول ؛
من أين جاءت هذه الكلمات؟
ومن أي جرحٍ سال هذا الاعتراف؟

+


ارتعش صوته حين همس:

+


- ميرال..

+


لكنها قطعت كلماته، وضعت رأسها على صدره، وارتجف جسدها بين ذراعيه:

7


- لماذا لا تفهمني؟ لا أريد قوة.. لا أريد صبرًا.. أريدك أنت!

+


تجمدت أنفاس "ريان" للحظة، كأن قلبه وُضع بين كفتي ميزان قاسٍ؛ من جهة صرخات الاستغاثة العالقة في صوتها، ومن جهة أخرى شرف القسم الذي يحمله على كتفيه.

+


لكن هنا كان ختام صبره ؛
شدّ كتفيها وأبعدها عنه باندفاعٍ قوي غير عنيف، احتدت نظراته نحوها، لمعة غضبٍ ووجعٍ يختلطان في عينيه، ثم رفع إبهامه نحوها، وصوته يخرج متصلبًا كل كلمة فيه تحمل وزر صراعٍ مرير:

+


- يكفي ميرال ، لا تعلقي حياتك بي وكأنني آخر قشة في بحر غرقك ، أنا لستُ المنقذ الذي تبحثين عنه ، إن سمحت لكِ أن تقتربي أكثر، فلن أبقى طبيبًا، ولن أبقى رجلًا، سأتحول إلى خطيئة تمشي على قدمين .. أأنتِ حقًا مستعدة أن تكوني خطيئتي؟

6


ثم أدار ظهره مغادرًا بخطواتٍ متثاقلة،  أما "ميرال" فبقيت متسمّرة في مكانها، جسدها مرتعش، عيناها تلاحقانه بخواءٍ دامع ، فـانفرطت دمعة حارة على وجنتها، تبعتها أخرى، قبل أن تنبِس بصوتٍ مبحوحٍ متهدج :

+


- أ… أنا خطيئته؟

+


ٰ

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


_ إذن .. ما توقعاتكم للقادم ؟

+


_ اعتذار عن التأخير هذه المرة ، عشان بدأت أشتغل والدنيا مكنتش متظبطة أول أسبوع لكن على عهدنا إن شاء الله فصلين كل أسبوع ، أسأل الله التسهيل .

+


ومن هنا حتى الفصل القادم ..

+


شكرًا لحُسن قرائتكم لا تنسوني من دعائكم ، و السلام على قلوبكم يا كِرام .. 

+


|| سُهى الشريف ||

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close