اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل الثلاثون 30 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل الثلاثون 30 بقلم سهي الشريف


30 | بين نـجاةٍ وذاكـرةٍ وسر


                                              
إلهي ..
سُدّت الأبواب إلا بابَك ..
فكمْ مرّة ضاقت علي الأرض ،
حتى ظننتُ أنك ساخطٌ علي ..
ثم لاحت منكَ بشائر النّعميات ..
فهوى على أرض الشكر جبيني .

+


إلهي ..
أنتَ وحدَك مَن أريد ..
فاهدني .. و زدني ..
فلن أشبعَ مِنْ برَكة المَزيد .

+


«عبدالمعطي الدالاتي »

+


_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات. 

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الثلاثون
#سهى_الشريف 

+


_ الفصل إهداء لقارئتي « يسرا ياسر » وارجوا لها توفيقًا وسدادًا ابد الدهر .

2


_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .

+


« قراءة مُمتعة »

+


───────────────
───────────────

+


ما أقسى أن يتحول الإنسان في عيون من يحتاجه إلى جدارٍ صلدٍ لا يلين ، لكنه بداخل يتشقق ألف مرة .

+


ثمة لحظات يلتقي فيها القلب بالذنب، فيصبح الحب وجهًا آخر للخطيئة .. وما أوجع أن تُسمى " خطيئة" حين تقترن بأنبل الصفات؛ إذ تهوي من عرش الفضيلة إلى قاع الظُلمة .

+


ونتسائل ...
هل نحن حقًا أحرار حين نُحب؟ 
أم أن الحب يقودنا إلى مصائر لم نخترها ! نصبح فيها أسرى، بين ذنبٍ نخشى أن نحمله، وغفرانٍ لم يأتِ بعد !

+


لكن أتعلم ماذا ؟
لعل أقسى امتحان يواجه القلب أن يُجبر على إنكار ما يخفق به، فقط كي يحمي صاحبه من نفسه .

+


نعم ، الإنكار ..
الجميع في مرحلة الإنكار الآن ، والقلوب ترفع دروعها أمام أسهُم الحُب السرمديّ .. وقليلٌ فقط من اسقط درعه وأعلن استسلامه بصدرٍ رحب .

+


أما هو ، فدرعُه فلاذي .. كل ما ارتعشت قبضتاه شد عليها في المرة التالية أشد وطأً وبئسًا ، لكن يبقى السؤال إلى متى وأنت غريقٌ .. غريق ؟!

1


غادر " ريان "  .. و ارتجف جسد "ميرال" أكثر، وكأن الكلمات التي أطلقها لم تُبعدها عنه فقط، بل نزعت منها آخر خيط أمان كانت تتشبث به.

+


ظلّت واقفة مكانها للحظات، كأن قدميها التصقتا بالأرض، ثم هوَت على الأريكة بعجز، وضمت كفيها إلى صدرها، تتنفس بحدة متقطعة.

+


أنا خطيئته؟

+


الجملة أخذت تتردد في رأسها كالجرس المعلّق، كلما حاولت أن تُسكِت نفسها ارتطم صداها أقوى ..
أ أنا عبء؟
أ أنا السبب في كل هذا؟
هل كان عليّ أن أظل صامتة؟

+


انكمشت أكثر، رفعت ركبتيها حتى التصقت بصدرها، وأحاطتهما بذراعيها كما تفعل الطفلة الضائعة في ليلٍ بلا نجوم ، لم تعُد تسمع صوت "رغد" وهي تحاول تهدئتها، ولا حتى وقع الخطوات في الخارج، كل ما تملكه الآن هو الفراغ، ذلك الفراغ الذي يبتلعها كلما حاولت مد يدها نحو شيء ثابت.

1



                                      

                
بدأت عيناها تدوران في الغرفة بارتباك، تبحث بلا وعي عنه ..
عن "ريان" ...

+


وكأن وجوده أو حتى ظله هو ما يؤكد أنها لم تتلاشَ تمامًا ،لتهمس لنفسها بارتجاف:

+


- لكنه.. هو الوحيد.. لا يذوب.. لا يختفي.. لماذا يريد أن يختفي؟

+


غطت وجهها بكفيها، واهتز جسدها في نوبة بكاء مكتوم، أقرب للعويل المكتظ في صدرها ، فأتى مشهدها كـ جدارٍ مُهدّم، تحاول أن تسند بقاياه على فراغ.

+


اقتربت "رغد" ببطء إلى جوارها دون أن تلمسها، بصوت خافت حذر:

+


- ميرال.. اسمعيني، ما تشعرين به الآن مفهوم.. لكن لا تجعلي نفسكِ سجينة لخيال واحد ! ريان إنسان لكنه ليس ذاكرتك كلها.

+


رفعت "ميرال" رأسها بعينين غارقتين بالدموع، وصوتها يخرج متقطعًا بين شهقات:

+


- لا.. هو الحقيقة الوحيدة.. الكل يذوب.. الكل يختفي.. حتى أمي.. حتى أبي.. لا يبقون.. لا أراهم.. إلا هو..

+


ثم تضرب صدرها بقبضتها المرتجفة وتتابع بنبرة مبحوحة :

+


- لو رحل.. سأختفي أنا أيضًا! .. لما لا تفهمين ! لــمـا ؟!!

+


تأملت "رغد" كلماتها بصمت ثقيل، فكل ما قالته كان تشخيصًا ناطقًا لحالتها .. ذاكرة مشروخة، تعلق قسري، قلب يلهث وراء طوق نجاة واحد، ولو كان وهمًا.

+


و في الخارج كان "ريان" يستند إلى الحائط، كأنه يحاول استجماع أنفاسه بعد المواجهة لكن كل صرخةٍ خرجت منها ما زالت تتردد في أذنه، تضرب صدره بشدة.

+


شدّ قبضته حتى ابيضّت مفاصله، وصوته الداخلي يجلده؛ لقد كسرتها أكثر..
هربتَ بدل أن تُنقذها.

+


غير أنه كان يعلم، لو عاد الآن، لن يكون طبيبًا.. سيكون شيئًا آخر، لا يملك أن يواجهه بعد.

+


وبالعودة للداخل ، اقتربت "رغد" و نبرتها هادئة متماسكة، لكنها تحمل حرصًا واضحًا:

+


- ميرال.. استمعي إليّ، ما قاله ريان ليس تعريفكِ ولا يعكس حقيقتكِ.

+


لكن "ميرال" لم تسمع سوى الصدى الأخير من كلماته " خطيئة.. خطيئة تمشي على قدمين "

+


وضعت يديها على أذنيها، هزّت رأسها بعنف وكأنها تطرد شبحًا:

+


- لا.. لستُ خطيئة! أنا فقط أردت.. أردت أن أعيش.. أردت أن لا أبقى وحدي..

+


ارتجف صوتها حتى انكسر، وسقطت دموعها بلا مقاومة ،
و "رغد" لم تحاول مقاطعتها، فتنفست "ميرال" بصعوبة، ثم تمتمت وكأنها تحدث نفسها:

+


- لماذا أنا وحدي ! لا أرى حد .. لا أحد بجانبي ... لماذا دائمًا يتركوني؟! أهلي.. والآن هو! لماذا لا أملك حقًا صغيرًا .. في أن أُمسك بأحد؟ ... لماذا؟

+


كانت تسائل بنبرة مبحوحة التوسل ودموعها تتساقط بلا هوادة ، فوضعت "رغد" يدها بلطف على كتفها، وقالت بنبرة هادئة :

+



        

          

                
- لا أحد يترككِ لأنكِ "خطيئة" ميرال.. الناس يبتعدون أحيانًا لأن جروحنا أكبر من قدرتهم على الاحتمال، لكن هذا لا يعني أنكِ ذنب.. أنتِ ضحية وجعٍ لا ذنب لكِ فيه.

+


ارتعشت "ميرال" كأنها سمعت الكلمة لأول مرة "ضحية" ،ورفعت عينيها المرتبكتين نحو "رغد" متسائلة بصوتٍ مبحوح:

+


- ضحية؟ لكن.. لماذا أشعر وكأنني أنا السبب؟ لو كنتُ معهم.. لو أنني.. فعلت شيئًا.. ربما ما كانوا.. ما كانوا اختفوا..

+


تنهدت "رغد" بعمق، ثم ردّت بثبات:

+


- هذا صوت الذنب الكاذب ميرال ، الناجون غالبًا يُحمّلون أنفسهم ما لا طاقة لهم به.. لكن النجاة لم تكن اختياركِ، بل قَدَرًا كُتب لكِ.

+


سقطت الكلمات على أذن "ميرال" كصدمة جديدة، فأغمضت عينيها، وتمتمت كأنها تناجي روحًا غائبة:

+


- لو كانوا هنا.. كانوا سيقولون إنني السبب.. أليس كذلك؟

+


أجابت "رغد" بنبرة حاسمة هذه المرة:

+


- لا ميرال ، لو كانوا هنا، كانوا سيقولون "عِشِي لأجلنا"

+


ارتجفت شفتا "ميرال" على حافة بكاءٍ آخر، اتسعت حدقتاها بذهولٍ متشبثٍ بالخوف، وكأنها على وشك أن تُفتح على حقيقة لا تريدها ، فتنفست "رغد" بعمق، حدقت في عينيها مباشرة، وصوتها خرج ثابتًا، لكنه ينزف ألمًا صادقًا:

+


- ميرال.. لا أستطيع أن أترككِ أسيرة ضبابك أكثر.. عائلتكِ.. رحلوا للأبد .

+


تجمد الهواء في صدر "ميرال" عيناها اتسعتا حد الانكسار، ارتجف جسدها كما لو ضُرب بتيارٍ كهربائي، وجحظت ملامحها تبحث عن ثغرة في كلمات "رغد"، عن أي استثناء يُبقي لهم أثرًا.

+


لكن "رغد" تابعت بنبرة متكسّرة رغم قوتها:

+


- أنا آسفة يا ميرال.. هذا قدركِ الأثقل.. لكن ما كان لكِ ذنبٌ فيه.

+


تساقطت الكلمات على مسامع "ميرال" كحجارة تسحق انفاسها وارتجف صوتها وهي تهمس:

+


- ر .. رحلوا؟! جـ .. جميعًا؟

+


أومأت "رغد" بحزن، عيناها تغرورقان وهي تقول بصدقٍ يقطع أوصال السكون:

+


- نعم.. رحلوا جميعًا .... تعازيّ لكِ عزيزتي .

+


زاغت نظرات "ميرال" أكثر ،و أخذت تهز رأسها بعنفٍ نافٍ، وكأنها تحاول ردّ الحقيقة بعيدًا، لكن الصمت طال عليها حتى بدا كالكابوس المُتصلب .. لكن لم يدوم طويلًا ثم انفجر منها صراخٌ مبحوح، صراخٌ لم يشبه أي صوت بشري، زلزل جدران المستشفى وأيقظ كل وجعٍ دفين في جوفها .

+


كانت " آه " فقط ، كلمة صغيرة حملت أطنانًا من الوجع ، شهقتها أشبه بانفجار روح، ودموعها تتساقط بحرقةٍ كأنها دماء مغلية ؛
بحثًا عن 
يدٍ 
غابت 
للأبد.

+


جلست "رغد" بهدوء، لم تتحرك، فقط وضعت يدها برفق على كتف "ميرال"، كأنها تثبتها في العالم الواقعي حين تهتز كل الأرض تحت قدميها.

+



        
          

                
ارتجفت "ميرال" على الأريكة، لا تزال صرخاتها تهتز في الغرفة، لكنها بدأت تتوقف تدريجيًا بين أحضان " رغد " الدافئة ،فبدأت أصابعها تلتصق بكتفيّ"رغد" كما لو أنها تمسك بآخر شيء ثابت في حياتها.

+


- أريدهم.. أريدهم هنا.. أريد أن أرى وجوههم مرة واحدة.. أريد..

+


- أعلم يا عزيزتي.. أعلم..

+


قاطعتها "رغد" من بين دموعها بنبرة رقيقة وحازمة في الوقت ذاته:

+


- لكن لا يمكننا إعادة الماضي ميرال.. الماضي انتهى، والآن علينا أن نعيش هنا مع ما تبقى لنا.

+


- وما تبقى لي؟ أنا لا أملك شيئًا .. سوى .. الفراغ.. والذكريات.. والدموع..

+


- ليس كل ما تبقى فراغًا ميرال ، هناك قلبك، هناك وعيُك، هناك نفسك.. وهؤلاء ما زالوا قادرين على الحياة معكِ، على الأقل أنتِ ما زلتِ هنا.. ما زلتِ قادرة على البدء مجددًا.

+


لكن يا مكلوم.. ما الحيلة الخرساء التي ستقدمها لفاقد عائلته؟ لا عبارات عزاء تُجدي، ولا وعود غفران تُشفي.

+


مدّت "رغد" يدها، لم تنبس بكلمة، فقط ضمّت "ميرال" إلى صدرها، وكان عناقها هو الردّ الوحيد الممكن.. عناق صامت، لكنه أبلغ من ألف خطبة مواساة.

+


مرّت دقائق طويلة، كأن الزمن توقف بينهما، والدموع تكتب ما لا تستطيع الشفاه أن تُفصح عنه.

+


وبين شهقة وأخرى، خرجت الكلمات من "ميرال" كأنها اعترافٌ من قلبٍ منكسر:

+


- لماذا أنا؟ لماذا تُركت وحدي؟! لم أطلب الكثير.. فقط أن أبقى معهم!

+


أغلقت "رغد" عينيها، وبصوتٍ منخفضٍ أقرب للهمس:

+


- لا جواب يكفي يا ميرال.. ربما الآن ترين كل شيء سوادًا.. لكن الأيام ستكشف لكِ أن هذا الفراغ ليس نهاية، بل بداية لطريقٍ آخر ، هناك عوض.. عوضٌ ربانيّ .

+


ارتجفت "ميرال" في حضنها وشهقاتها تتقطع مع كل كلمة خرجت مبحوحة، ثم قالت بانهيار:

+


- فليأخذ الرب روحي.. لم أعُد أريد البقاء.. كل شيء ينهار من حولي، وأنا.. لا أملك شيئًا أتمسك به!

+


وانفجرت دموعها كمن يُسلّم رايته الأخيرة ، تلك الراية المهترأة دليل صدق على معركة ضارية خاضتها حتى الخلاص ..

+


أو كمن أعلن هزيمته أمام الحياة شتى .. 

+


وعندها شدّت "رغد" عليها أكثر، صوتها هادئ لكنه يحمل يقينًا ثابتًا:

+


- لا تقولي ذلك يا ميرال.. ربكِ لم يترككِ حيّة عبثًا، لو أراد لرحلتِ معهم، لكنكِ هنا .. وهذا يعني أن لكِ دورًا، وأن ما ينتظركِ ليس فراغًا بل حكمة مخبوءة.

+


توقفت لحظة، تنظر إليها بعطفٍ ممزوج بالثبات:

+


- لو أخذ ؛ فـ لأجل أن يمنح.. ولو ابتلاكِ بهذا الألم، فلأنه يُخبّئ لكِ عوضًا يليق بصبرك ، صدّقيني الأيام ستكشف أن هذا الانهيار سيقودكِ إلى بداية أخرى، بداية بها نور ورحمة.. 

+



        
          

                
تسارعت أنفاس "ميرال" كأن الكلمات تتأرجح داخلها بين التصديق والرفض، شهقت شهقة طويلة مؤلمة، ثم همست بصوتٍ متلاشي من وسط دموعها وآخر ذراتها الواعية:

+


- وهل.. لمثلي.. نجاة؟

+


وما إن لفظت الجملة حتى ثقل رأسها على صدر "رغد" ،وجسدها استرخى تمامًا وكأن الروح غادرت لحظة الوعي الأخير ، ارتبكت الأخيرة وفحّصت نبضها سريعًا، فوجدته ضعيفًا ومتقطعًا، قلبها انقبض بقلق وهي تهمس:

+


- يا الله.. ميرال!

+


لم تتردد لحظة، ضغطت بقوة على زر الطوارئ بجانب السرير، والذعر يتسلل في عينيها وهي تتابع شهقاتها المنخفضة .

+


ركضت الممرضة بعد ثوانٍ، فيما بقيت "رغد" ممسكة بيد "ميرال" لا تفعل شيئًا سوى أن تهمس برجاء .

+


وبعد دقائق طويلة من توصيل الأجهزة على جسدها النحيل، وتثبيت قناع التنفس فوق وجهها، بدا أن حالتها استقرت نسبيًا رغم أن شاشة المراقبة ما زالت تعرض معدل ضربات قلبٍ منخفض يبعث على القلق.

+


تنفست "رغد" بارتجاف وهي تراقب الصعود والهبوط البطيء على المؤشر الأخضر، كل ومضة على الشاشة تُشبه نبضة أمل، لكنها في الوقت نفسه تهدد بالانطفاء في أية لحظة.

+


لكن "رغد" اجفلت فجأة حين لاحظت ارتجافة سريعة في أصابع "ميرال"، رعشة خفيفة تكررت كأن جسدها يقاوم شيئًا كبيرًا ، فقبضت على يدها المرتعشة بكل ما تملك من ثبات، وهمست بلهفة:

+


- اهدئي يا حبيبتي.. أنا هنا، لن أتركك.

+


غير أن التشنجات الصغيرة لم تتوقف، كانت تأتي على هيئة رجفة قصيرة في اليد ثم تنتقل إلى كتفها، لتزيد من رعب "رغد" التي تابعت الممرضة بقلق:

+


- هي بترتعش ، دا طبيعي ؟

+


بادلتها الممرضة نظرة حذرة، ثم أسرعت تضبط بعض المؤشرات على الجهاز، وردّت بجدية:

+


- هو دا نتيجة صدمة عصبية ، جسمها في حالة استنفار داخلي .. أنا هنادي دكتور .

+


وحين خرجت ، أقتربت "رغد" أكثر وهي ترى تلك الأصابع الضعيفة تنقبض ثم تنبسط بشكل متقطع ، ووضعت يدها على يدها المرتجفة وضغطت برفق تراقب ملامحها الباهتة خلف قناع التنفس، ثم انحنت تهمس عند أذنها، بنبرة رجاءٍ مُفعمة باليقين:

+


- اسمعيني يا ميرال.. هذه ليست نهايتكِ ، ربكِ عادل، ولو أخذ منكِ كل شيء.. فـ لأجل أن يمنحكِ بداية أخرى ، ستجدين عوضكِ، ستجدين معنى لحياتكِ.. قد لا ترينه الآن، لكنه موجود.

+


وضغطت على يدها برفق وتابعت بصوتٍ متكسّر لكن متفائل:

+


- ستنجين عزيزتي .. لأن الله لم يُبقكِ حيّة عبثًا.

+


وبعد دقائق عديدة ،وبعد ان استقرت حالتها ، رتبت " رغد " أغراضها وألقت نظرة صغيرة على المُمدة على الفراش باستسلام ،ثم ألتفت نحو الباب .

+



        
          

                
قبضت على مقبض الباب وسحبته نحوها، لكن اندفاع جسدٍ آخر من الخارج دفعها للتراجع خطوة، ليتفاديا التصادم بتأوه خافت ارتسم على شفتيها فقال الراجل سريعًا، بنبرة مرتبكة:

+


- أنا آسف جدًا.

+


ترددت "رغد" لحظة قبل أن تجيبه بخفوت مماثل:

+


- أنا آسفة.

+


ابتعد قليلًا عن الباب مفسحًا لها المجال، ففتحت وخرجت بخطوات متأنية، لكن صوته لحقها وهو يرمي نظرة فاحصة للغرفة خلفها:

+


- هو دكتور ريان موجود جوا؟

+


رفعت الأوراق المستندة إلى ساعدها وعدّلت من وضعها، لتجيبه بنبرة رتيبة تخلو من الانفعال:

+


- لا، حضرتك... هو كان موجود من شوية بس مشي.

+


أومأ "مروان" بتفهّم، ثم التفت نحوها بنظرة سريعة قبل أن يسأل، بشك واضح في صوته:

+


- هو حضرتك...

+


قاطعتْه بجدية هادئة، كأنها تُعرّف بنفسها رسميًا:

+


- أيوه، الأخصائية النفسية اللي هتتابع حالة ميرال لحد ما توصل للشفا بإذن الله.

+


- يبقى أكيد حضرتك دكتور رغد!

+


ارتسمت على شفتيها ابتسامة مهنية هادئة، وأجابت بنبرة ثابتة:

+


- أيوه، صحيح.

+


قال بابتسامة ودودة وهو يشير بيده:

+


-أصل المكتب بتاع حضرتك بيتجهز جنب مكتبي من يومين، فالكل كان مُنتظرك.

+


اتسعت ابتسامتها بخجل خفيف، وأجابت بلباقة:

+


- هو ليا مكتب كمان! أنا كنت فاكرة إني بس هتابع الحالة مش أكتر.

+


تردد "مروان" لوهلة، ثم أوضح بصوت جاد:

+


- هو أكيد حضرتك عرفتي اللي حصل... دكتور مدحت اتحول للتحقيق واتسحب منه كارنيه النقابة، فمكانه بقى فاضي ، لكن بما إنه كان من أكبر الأستشاريين النفسيين عندنا، فالموضوع حساس جدًا ، بس حضرتك حالة استثنائية بسبب ميرال، وأكيد فاهمة قصدي.

1


أومأت "رغد" بتفهّم، لكن ملامحها ارتسم عليها العبوس ما إن ذُكرت "ميرال" بللت شفتيها لتستعيد توازنها، ثم سألت بارتباك لطيف:

+


- طب هو ممكن أوصل للمكتب إزاي؟ أصل دا أول يوم ليا، وأنا دخلت على طول لرئيس القسم وبعدها أوضة ميرال، فماعرفتش الطرق.

+


ابتسم "مروان" بخفة وعدل من وضع نظارته وأشار لها:

+


- أنا كنت رايح هناك أصلًا، مكتبي في نفس المكان ،لو تحبي تيجي معايا.

+


ردت بابتسامة متحفظة، تتسلل إليها نبرة خجل:

+


- متشكرة جدًا.

+


تقدم بخطوات واثقة، بينما لحقت به "رغد" متأملة أركان الممرّ بانبهار خفي ، وكان بين الحين والآخر يلقي عليها جُملة تعريفية عن المكان أو يشرح تفصيلة صغيرة، فتومئ له باختصار مُتفهم.

+



        
          

                
حتى توقف أمام باب أبيض، فالتفت نحوها، وأشار بيده للطريق:

+


- وده مكتب حضرتك ، ولو مشيتي آخر الطُرقة ودخلتي يمين هتلاقي البوابة الخارجية.

+


تابعت بعينيها إشارات يده لتُثبّت الاتجاه في ذهنها، قبل أن يُشير نحو الباب الآخر الذي يقبع على بُعد عدة مترات قليلة مردفًا:

+


- دا مكتبي، لو احتاجتي أي حاجة .

+


وقبل ان يبتعد عنها نحو مكتبه بخطوات موزونة أوقفته " رغد " بقولها بتردد :

+


- يا دكتور.. 

+


ألتفت نحوها " مروان" بصمت وعدل من وضع نظارته مرة آخرى في انصات لكلماتها :

+


- دكتور ريان .. يعني .. اتمنى لو تشوف حالته ، لإن في تطور في علاقته بميرال للآسف منتهاش على خير .

+


- ريان !

+


ألقاها " مروان" مُتعجبًا مما يُمكن أن يُنتجهُ صديقه الحكيم يجعل الأمور تسوء كما تُشير له الأخصائية بقولها ، فأومأ بهدوء مُتفهُم وبال شارد :

+


- طيب أنا هنتصرف .. عن إذنك

+


ثم اختفى من أمامها فورًا تاركًا وراءه هدوء الممر، فيما اقتربت هي بخطوتين من مكتبه، تقرأ اللوحة الجانبية وتتمتم:

+


- د. مروان الهلالي .. اخصائي باطنة.

+


ثم التفتت نحو مكتبها المجاور، وعيناها تقعان على اللوحة المنقوش عليها 

+


" رغد الهاشمي - أخصائية نفسية "

+


اتسعت ابتسامتها برضا، وتقدمت بخطوات ثابتة إلى الداخل.

+


تفحصت المكتب وتنظيمه والذي كان مزيجًا بين العصرية والرُقي ، لتتقدم خلف المكتب وتستكين عليه بابتسامة ودودة قبل أن تُخرج من جيب حقيبتها الخلفي صورة ، لتسند ساعديها على المكتب الزجاجي الممهد أمامها وتتأمل الصورة بنظرات حالمة هامسه :

+


- وأديني رجعت يا ماما لمكان طفولتك ، وهنفذ وصيتك وهلقاه .

4


ثم تركت قُبلة ناعمة على الصورة ونظرات دامعة دليل صدق على وصية قديمة آثرت إلا أن تُنفذها فقط لتنعم والدتها في تُربتها هانئة .

+


───────────────
───────────────

+


استيقظت "ليلى" من أكثر الليالي طُمأنينة في حياتها، تتنفس بعمق وكأن روحها لأول مرة لا تُثقلها الأحزان ، فـ رفعت جفونها بتردد، لتجد أن والدتها نائمة إلى جوارها، تحيطها بذراعيها بإحكام كمن يخشى أن تُفلت منها مرة أخرى، بينما من الجهة الأخرى كانت "يمنى" غافية، تدفن رأسها في ذراع "ليلى".

+


ابتسمت "ليلى" بدموع امتنان صغيرة، وكأن قلبها لا يزال يخشى أن يكون كل ما حدث مجرد حلم ، رفعت يدها ببطء، تتحسس خصلات شعر "يمنى" ثم لامست أصابع والدتها بحذر، لتتأكد أنها بينهما حقًا، وأن القدر لم يسلبها دفء اللحظة بعد.

+



        
          

                
همست لنفسها بارتجاف:

+


- يا رب... ما تصحّنيش من الحلم ده تاني.

+


تحركت "حنان" قليلًا وفتحت عينيها بصعوبة، ولما رأت ابنتها مُستيقظة، شدّت ذراعيها أكثر حولها وهمست بصوت مبحوح من أثر النوم والدموع:

+


- صباح الخير يا روحي... صباح الخير يا ليلى.

+


شهقت "ليلى" بخفة وهي تبتسم:

+


- صباح النور يا ماما.

+


أما "يمنى" فقد تحركت بدورها، رفعت رأسها بتثاقل وعيناها نصف مغمضتين، وحين لمحت ملامح أختها أمامها مباشرة، فتحت عينيها على اتساعها، ثم ابتسمت ابتسامة عفوية ممزوجة بالدموع:

+


- إيه ده؟ أنا هصحى ألاقيكِ هنا بجد علطول مش حلم؟

+


ضحكت "ليلى" بخفة وسط دموعها وقالت وهي تمسح على شعرها:

+


- لا يا حبيبتي... مش حلم إحنا مع بعض بجد.

+


في تلك اللحظة، شعر الثلاثة أن الزمن توقّف مجددًا، لكن ليس من صدمة الفقد هذه المرة، بل من الفرح النقي، من المعجزة الصغيرة التي منحتهم الحياة من جديد.

+


دقائق عديدة مرت بين الأحضان والابتسامات والضحكات ، حتى وصل لمسامعهم طرقات خفيفة على الباب، لتتسائل " حنان " :

+


- مين ؟

+


- أنا جواد  .

+


تبادل الثلاثة النظرات بينهم ونهضنّ كل منهم تبحث عن حجابها وتغسلنّ وجوههنّ قبل أن تتقدم " يمنى " أولًا تفتح الباب على مصراعيه ليتجلى أمام بصرها " جواد " وبجانبه والده وشقيقه .

+


وبعد الاستئذان دلف الثلاثة لداخل ليجدوا " حنان " جالسة برفقة " ليلى " والابتسامة تشق محياها فرحًا وبهجة .

+


استقر ثلاثتهم على الأريكة في مقابل " حنان " وبناتها واعتلت نظرات الريبة النساء بينما نظرات التردد لوحت على وجوه الرجال قبل أن ينبس " جليل " في المقدمة :

+


- حمد لله على سلامتك تاني يا ليلى .. أنا عارف إنها سنين طويلة من بعد الغياب وإنك حابة تقضي وقت مع مامتك ، بس إنتِ عارفة إننا اعتبرناكي طول عمرنا بنتنا ووحدة مننا .

+


أومأت " ليلى " برأسها بخفة فابتسمت " حنان " بامتنان ليُتابع " جليل " :

+


- كنت عاوز .. أو كلنا عاوزين نعرف منك إلي حصل يومها ، وبعدها بقيتي فين وكنتِ عايشة إزاي وفين سامي دلوقتي ؟

+


أطرقت "ليلى" رأسها للحظة، ضغطت على قبضتها تستجمع بقايا قوتها، تحاول أن تنتزع من ذاكرتها المشروخة ما كتمته سنين طويلة ، هذه المرة قررت أن تُخرج كل شيء... ربما للمرّة الأخيرة.

+



        
          

                
سحبت أنفاسًا عميقة، شرود عينيها هبط نحو الأرض، ثم بدأت الحكاية من بدايتها... من تلك الليلة التي لم تُحرق جدران الفيلا وحدها، بل أحرقت طفولتها معها.

+


ليلة جرّها والدها من معصمها الصغير، ينهال عليها بشتائم جارحة، غير مُكترث لدموعها المنهمرة، ولا لنواح الطفلة التي تُنتزع قسرًا من دفء أمها.

+


ثم سردت كيف توقف فجأة وأدارها بعنف نحو ألسنة اللهب المتصاعدة من الڤيلا، يُجبر عينيها البريئتين أن تبتلعا المشهد، ليزرع في أعماقها ندبة عاف الزمان أن يُرممها .

+


ارتعشت أنفاسها وهي تتابع، تصف الجحيم الذي تلا تلك الليلة... حرمان لا ينتهي، ضرب متكرر، عقاب بالحبس، وإعادة لا نهائية لشريط تعذيب استمر خمسة عشر عامًا، بلا رحمة ولا شفقة.

+


كانت كلماتها تتساقط كسهام، وكل سهم يشق قلب مستمعيها ، فدموع "حنان" انهمرت بحرقة و"يمنى" شاركتها البكاء مع كل مشهد قاسٍ كأنها تعيشه معها الآن.

+


حتى الرجال لم يسلموا من الصدمة؛ "مراد" اغرورقت عيناه دون مقاومة، بينما ثبت "جليل" بصره عليها بذهول وشرود، كأنه يقرأ تفاصيل الجريمة لأول مرة ، أما "جواد" فقد أطرق رأسه، وأحكم قبضتيه حتى ابيضّت مفاصله، وشرر الغضب يتأجج في عينيه، كافٍ ليُحرق بلادًا بقانطيها لأجلها.

+


ارتجفت أنفاس "ليلى" وهي تمسح دموعها بكفّ مرتجف، كأن كل كلمة تقتطع من روحها جزءًا ، تسرد آخر ما وصل من معاناتها وبحثها عن عمل ليصل بها الحال للمكوث في المشفى حتى لقائها بجواد ، وفترة العلاج النفسي القصيرة التي بدأتها منذ قريب .

+


فأغمضت " ليلى " عينيها لبرهة، استحضرت صورة والدها وهو يقتحم غرفتها وأردفت بصوت خافت لكن مسموم بالألم:

+


- أبويا عمره ما حبني ، طول عمره بيعاملني كأني كلبة من الشارع مش بنته ، بشوف في عنيه غل قادر يولع فيا وأنا حية ، حتى .. حتى .. إني كنت بقفل الباب عليا بالليل عشان مرة حاول يعتدي عليا بس حد من صحابه جه ولحقني .

+


وعند تلك النقطة ارتعشت "حنان" أكثر، غطّت فمها بكفها تكتم شهقة موجوعة، بينما انخرطت "يمنى" في البكاء الشديد ، ومسح " جواد" على وجهه بتصبُر وقد برزت عروقه بشكل واضح واحتدت نظراته الجحيمية ، واغمض " جليل " نظراته بقوة لم يتوقع أن يصل لتلك النقطة وهو من حاول من أول اللقاء أن يُبعد تلك الخواطر عن عقله وأن الأمور لن تصل لذلك الحد ، لكن للآسف لقد وصلت ، ولا سبيل للعجب في الحقيقة.

+


وقبل ان تستطرد المزيد نهض " جواد " من مكانه وهتف بصوت جهوري مُحتد :

+


- كفاية يا ليلى ..كفاية إلي سمعناه لحد دلوقتي وإلي قادر يخليني أجيب سامي دا تحت رجلي ومش راحم روحه لو بتطلع بين إيديا .

+



        
          

                
انتصب " جليل " واقفًا بالمثل يحاول تهدئة ولده الثائر :

+


- إهدى يا جواد ، عاوز تلبس نفسك مصيبة عشان واحد حقير زيه !

+


تطلع " جواد" في والده بنظرات خاوية شديدة الإلتهاب ثم غادر الغرفة التي باتت تخنق على ما تبقى من انفاسه ، ليجلس " جليل " من جديد يسمع شهقاتها التي تخرج ببحة متألمة لتزيغ نظراته على الأرض قبل أن ينبس بحيرة :

+


- سامي دا أنا أعرفه من فترة شبابنا ، كنا سوا مع بعض ، حتى فكرة المطعم كانت فكرتنا سوا وإحنا إلي اشتغلنا عليها سوى ، كان ذكي ولماح وبيسلك في أي شغلانة .. عمري ما اتخيلت إني اسمع عنه كلام زي كده ، وكأني عمري ما عرفته.

+


ثم تابع بنبرة حسرة :

+


- وأنا فعلًا طلعت عمري ما عرفته .. مكتفاش أنه دمر حياته ، كمان دمر حياتي أنا وبسببه دخلت في حالة أكتئاب لفترة طويلة ، ولما عرفت إنه هو ومراته متبهدلين وبنته إلي في الحضانة بين الحياة والموت جه يترجاني ورفضته أول مرة ، بس جه تاني وتالت لحد ما وافقت عشان بنته ومراته .

+


أخذ نفسًا عميقًا وشرد مستطردًا :

+


- بس لسه الغل جوايا عليه مطفاش وحبيت أذله ، كنت اكرم مراته وبنته وكنت اضغط عليه هو في الشغل وأجي عليه عشان يدوق مرارة الخداع والكدب إلي عمله فيا زمان ، بعد ما اتفقت معاه إنه هيجي يشتغل تحت إيدي والصحوبية إلي بينا انتهت وملوش عندي كرامة .

+


بلل شفتيّه واستنشق نفسًا عميقًا وتابع :

+


- والظاهر إن دا كان آخر موقف عِدل يعمله في حياته قبل ما يسلم نفسه لشيطانه ويخليه يمحي كل ذرة إنسانية جواه ويعمل كل إلي عمله فيكِ وفي مامتك وأختك .

+


ساد الصمت لبرهة، كأن أنفاس الجميع قد تجمّدت في الهواء ، والتفت " ليلى " لوالدتها تسألها باهتمام وترقُب طالما أرق فِكرها :

+


- وانتِ عملتي ايه بعد ما مشيت يا ماما ؟

+


كادت "حنان" أن تُجيب، لكن صوتًا أجش اقتحم السكون ؛ كان "جواد" الذي بدا أنه لم يغادر ، وقد ارتكن بجزعه على إطار الباب :

+


- مامتك بعد الحادثة دي أختفت ، وعرفنا من الخدم إنها كانت حامل ، وكانت قيلالهم أنها رايحه تدور عليكِ ومش هترجع غير بيكِ ، بس أحنا كان همنا ترجع عشان حملها وقعدنا ندور عليها كتير بس ملقنهاش واتلبخنا في الحريقة ومحاضر و أوراق نقل لبيت تاني .

+


ارتدت نظرات "ليلى" إلى والدتها من جديد، حين تابعت "حنان" بصوت مبحوح، تحاول كتمان ارتجافة حنجرتها:

+



        
          

                
- دورت عليكِ في كل مكان يا حبة عيني ، سألت عنك كل الناس ونمت في الشوارع وتحت السلالم بعد ما طردتتي أختي ، وإلي كنت بعرف منهم أخبارك بس كدبوا عليا ومقالوش الحقيقة بعد إلي سمعته منك .

+


مسحت "حنان" دموعها بطرف حجابها، لكن ملامحها انكمشت من القهر وتابعت :

+


- جالي طلق الولادة وأنا كنت نايمه في أوض عاملينها ناس كتر خيرهم للي مش لاقي مكان يبات فيه ، اوضة كان يجي فيها 12ست .. ولدت يمنى والحمد لله ولادتها متعبتنيش زي ما كنت خايفة ، بعدها كنت اسيبها عندهم واطلع أدور على شغل .

+


تداخل صوت "جواد" من جديد، وقد شبك ذراعيه أمام صدره وعيناه تتأملان الفراغ :

+


- لحد ما عدى خمس سنين ، وكنت في العربية راجع من الكلية ومعدي تحت كوبري وألقى ست جمبها بنت صغيرة وقاعدة فارشة بتبيع حاجات وملامحها مش غريبة عليا .

+


شهقت "ليلى" بدهشة، بينما هو تنهد كمن يستحضر لحظة فارقة:

+


- رُحتلها وسلمت عليها وافتكرتني وأصريت إني ارجعها معايا بعد ما عرفت إنها ملقتش ليلى ، وجيت كلمت أبويا عنها .

+


أومأ "جليل" برأسه، وقد أطرقها إلى الأسفل، واستند بكوعيه على ركبتيه وهو يستعيد المشهد :

+


- فاكر اليوم دا ، دخل عليا وقالي إنه لقى أم ليلى وحكالي إلي شافه وهو بنفسه إلي اتعاهد قدامي إنه هو يرجعها معانا تاني ومش هيسبها تمشي لحد ما يرجعلها بنتها.

+


عادت "حنان" لتستطرد آخر خيوط القصة بنبرة يغمرها امتنان عميق :

+


- وجه جواد وخدني ، كنت عارفه إني مش هرجع ألاقي النفوس زي ما كانت بس هو قلي إنتِ في حمايتي وأنا مُلزم بيكِ لحد ما ترجعي تشوفي بنتك ، وكان قد كلمته .

+


رفعت عينيها نحوه بابتسامة حانية دافئة، فبادلها "جواد" ذات الابتسامة، قبل أن يخفض بصره أرضًا احترامًا لها.

+


كان جوًا مليئًا بالشجن والمشاعر العاطفية الغامرة لكن كان ليستمر على حاله لولا تدخل صوت لم يعرف للانظباط طريقًا ، فهتف " مراد " بنبرة متسلية بينما يمسح دموعه :

+


- أنتو خلصتوا دموعي عليكم ، حكاية تقطع القلب ولا حكاوي المسلسلات ، المهم بتحبوا البيتزا خضار ولا chicken ؟

2


كان نصف العبارة الاولى طبيعيًا حتى نطق بالنصف الآخر لتتركز الأعيُن عليه باندهاش ، ليترجاع للخلف بلا إرادة هاتفًا بدفاع :

+


- إيـه ! هعزمكم على حسابي والله .. الفرحة دي محتاجة أكلة .

+


تسائل " جواد " بنبرة رخيمة:

+



        
          

                
- وهو لازم نتجمع على أكل يعني ؟

+


ليلتفت نحوه بنظرات صادقة ويُجيبه ببساطة :

+


- أومال هنتجمع عشان إيه ؟!

1


أومأ " جواد" بيأس وابتسامة خافته ، لتتسع ابتسامات الجميع بمرح .

+


───────────────
───────────────

+



بعد عدة ساعات ..

+


واحد، اثنان، ثلاثة... عشرة رفاق يجلسون بمحاذاة بعضهم في مقهى الجامعة، وجه كل منهم يحمل آثار الوجوم والاستسلام.

+


خمس فتيان وخمس فتيات، جمعهم قدر جامعي ليعملوا معًا على مشروع تخرجهم من كلية الصيدلة ، لكن هذه هي المرة الثالثة على التوالي التي يُرفض فيها مقترح مشروعهم من قِبل ذلك الأستاذ الجامعي العنيد.

+


جلس "مراد" بينهم، تتأمل عيناه وجوه رفاقه المستسلمة، ثم كسر صمت المكان بنبرة مرحة:

+


- ليه النكد! طالما في coffee في العالم يبقى العالم بخير.

1


رد أحد الشباب بنبرة مغتاظة:

+


- إنت إزاي قادر تكون بارد كده والدكتور بيوقف الـ projects بالعند فيك؟

+


ابتسم "مراد" بخفة، محافظًا على هدوئه رغم استفزاز العبارة:

+


- لو إنت متضرر في الـ graduation project ، فأنا متضرر زيك وكمان مشيلني مادته من السنة إلي فاتت مع إني حالل كويس فيه، بس مش عارف حاطط عقله بعقلي ليه!

+


تدخلت إحدى الفتيات وهمست:

+


- هو بيغير منك من وقت ما عرف إنك ابن جليل الرفاعي.

+


لترد آخرى بضجر:

+


- أوف يعني هنعمل إيه دلوقتي؟! There's no time left نضيعه بجد.

+


أضاف أحد الشباب بحيرة :

+


- المشكلة إن الدكتور دا ليه سلطة كبيرة في الجامعة.

+


اتسعت ابتسامة "مراد" بعبث مُتهكم:

+


- وأنا أخويا مانعني أدخل أبويا في الحوار عشان ميفرمنيش.

+


تساءلت الفتاة الأولى بقلق:

+


- طيب هنعمل إيه يا مراد؟

+


عقد "مراد" قبضتيه على الطاولة، غارقًا في التفكير ثم انفجر بحزم:

+


- هنروح لدكتور عبدالوهاب يقترح علينا مشروع ويمسك المتابعة.

+


- عبدالوهاب ! لا دي مشاريعه صعبة .

+


- ء. No away

+


- لا إنت كده بتهرج .

+


عبارات عشوائية خرجت بالرفض والاعتراض من كل جانب، لكن "مراد" نهض من مقعده عازمًا:

+


- يبقى اتفقنا، يلا لنلحق الدكتور قبل ما يمشي.

+


تقدمهم أولًا بابتسامة عبثية، ليجد الجميع أنفسهم يرفعون رايات الدهشة، ثم نهضوا متأففين واحدًا تلو الآخر يتبعونه .

+



        
          

                
فكان "مراد" يتقدّمهم بخطى واثقة كأنما يمشي فوق سجاد أحمر، والابتسامة العبثية لم تفارق محيّاه ،ليهمس أحد الشباب لصديقه بجانبه:

+


- دا فاكر نفسه بطل فيلم أكشن.

+


فرد الآخر وهو يكتم ضحكته:

+


- لأ، دا داخل الـ Impossible Mission [ المهمة المستحيلة ] .

+


التفتت إحدى الفتيات إليهم بحدة:

+


- خلاص بقى كفاية هزار! مش ناقصين مشاكل.

+


لكن "مراد" لم يلتفت، بل رفع صوته بابتسامة واسعة:

+


- ما هيا يا قفلة سعيدة… يا إعادة أكيدة .

+


فابتسم الجميع على عبارته الساخرة واقتربوا من مبنى الكلية، وصوت خطواتهم يختلط بضجيج الطلاب الخارجين من المحاضرات .

+


وعند باب مكتب "د. عبدالوهاب" وقفوا جميعًا كأنهم فرقة عسكرية ،و تردّدوا للحظة متبادلين النظرات المذعورة، بينما رفع "مراد" يده ليطرق الباب بثقة قبل أن يصل لهم صوت الإذن من الداخل .

+


بعد عدة دقائق طويلة رفع الأستاذ الجامعي رأسه من على مكتبه وأردف بإجابته الاخيرة بعد سيل طويلة من الاستجوبات والتحليلات :

+


- في مشروع اتعمل من خمس سنين أخد مركز على مستوى الجامعة ، بل وتبنته جمعيات اجنبية بالخارج وقاموا بالفعل بتنفيذ نتائج المشروع دا .

+


اتسعت اذهان الجميع وقد حفز خلاياهم بتلك المقدمة المُثيرة ، ليستطرد تباعًا إجمالًا :

+


- المشروع قائم على تجربة اجتماعية ميدانيه .

+


انكمشت الملامح جمعيها قولًا واحدًا ليُتابع بعدها كلماته تفصيلًا :

+


- يعني حضراتكم هتنزلوا أرض الواقع تعملوا دراسة شاملة لأحد المناطق الفقيرة طبيًا ، وتدرسوا الأمراض الي بتتفشى في العشوائيات وإيه اسبابها وأعراضها ومضاعفاتها ومدى كفاءة الأدوية في السوق لعلاج تلك المضاعفات ..

+


اتسعت الأعيُن بذهول ، وأخذوا يتبادلوا النظرات الحائرة بينهم بشعور عميق ممزوج بعاتق تلك المسؤولية ليلتقط علامات الاستفهام الطائرة على ادمغتهم ليُردف في محاولة آخيرة لتبسيط الأمر لا تضخيمه :

+


- يا شباب ، تاني .. المشروع هيكون ميداني… هتنزلوا تدرسوا إحدى المناطق العشوائية اللي فيها مشاكل صحية منتشرة، وليكن مثلاً انتشار الأنيميا عند الأطفال أو أمراض الجهاز التنفسي ، إلي مطلوب منكم هتعملوا استبيانات، تجمعوا بيانات، وتربطوا ده بكفاءة الأدوية المتوفرة في السوق وأسعارها مقارنة بقدرة الناس هناك ، فالمطلوب مش بس تشخيص المشكلة، لكن كمان تقترحوا حلول واقعية ، أدوية بديلة، برامج توعية، أو حتى توصيات لوزارة الصحة.

+


ثم مرر بصره عليهم جميعًا وهتف:

+


- مفهوم كده ؟ ولا عندكم مشاكل كده ؟!

+



        
          

                
كانت الاستفسارات بداخلهم تتنوع ؛
منهم من يرى ثِقل المسؤولية ، آخرين استنكروا التواجد في تلك الأماكن ، والبعض شَعر أنه دون المستوى لأداء تلك المُهمة وإن كانت تُعجبه في المقام الأول ، ليأتي " مراد " ويُلقي بكل هلاوسهم عرض الحائط هاتفًا :

+


- تمام يا دكتور إن شاء الله معاك .

+


أومأ الأستاذ الجامعي بابتسامة ودودة لينهض " مراد " أولًا لتُخيم الصدمة والذهول على ملامحهم يلاحقونه بأعيُنهم قبل أن ينهضوا مُتسربين خلفه .

+


توقفوا في منتصف الساحة الخارجية يرمقونه جميعًا بنظرات مستنكرة وآخرى منزعجة ليهتف أحد الشباب :

+


- ممكن تعرفني إيه الهباب إلي نيلته جوه دا ؟

+


لتتدخل فتاة آخرى بحنق :

+


- إنت إزاي مترجعلناش ولا تاخد رأينا هو أنت مفكر نفسك لوحدك في الـ team ولا إيه ؟

+


وأضاف شاب آخر بسخرية :

+


- هو إنتِ كنتِ مستنية منه يعبرنا بجد ! دا وافق ولا كأنه ضامن المشروع في جيبه.

+


كان " مراد " يسمع عبارتهم واحد تلو الآخر ينقل بصره بين المتحدثين تباعًا ببرود وصمت بدا مستفزًا لبعضهم قبل أن تقطع اصوات الجدال بينهم إحداهن :

+


- ممكن توقفوا please ونفهم مراد بيفكر في إيه ؟

+


اتسعت ابتسامة " مراد " وبلل شفتيّه ثم أجاب برتابة ونبرة واثقة لم تخلو من التسلية :

+


- شكرًا يا نيچار ، تاني حاجة بقا يالا منك ليه مش مراد الرفاعي إلي يقول كلمة مش قدها.

+


- وهتعمل إيه بقا يا ترعة النباهه !

+


نبس بها أحد الشباب بحنق ليلتفت له " مراد" بنظرات باردة مُجيبًا ببساطة :

+


- هعتبره مدح لحد ما نروح الحِتة الشعبي وأشوف الترعة عشان لو طلعت عِكرة هحدفك فيها .

1


أدار الشاب عيناه بحنق كالذي يغشاه المـ ـوت قبل أن يسمع صوت " مراد " مُتابعًا :

+


- اسمعوني بقا ، المشروع حاجة ولا ياولا خالص ، بس هنحتاج نجمد قلبنا يرجالة .. ويا بنات برضو ، عشان الدكتور إياه يعرف إنه مش بس إلي بيعمل مشاريع ناجحه ، إحنا كمان نقدر ومن غيره .

+


بلل شفتيّه وتنهد بخفة قبل أن يستطرد  :

+


- من ضمن مشاوير أخويا إلي مبتخلصش ، خلاني مرة أروح حتة من المناطق دي عشان حوار كده ، فيُعتبر أنا اتصاحبت عليهم مع إنها كانت مرتين تلاتة بس خلاص بينا عيش وتونة و..

+


تدخلت " نيچار " من بين ضحكاتها مُصححه :

+


- قصدك عيش وملح!

+


- لا وتونة هو مأكد عليا دي تونة وعاصر فيها لمون ومقطع فلفل عليها .

+



        
          

                
لتزداد ضحكات " نيچار " اتساعًا بينما يرمُقها بصمت قبل أن يتابع :

+


- طيب نكمل على ما تخلص ضحك .

+


وأخذ يستطرد لهم مغامراته ويُقدم أدلة تُثبت مدى جداراتهم لتنفيذ ذلك المشروع .

+


وبعد عدة دقائق اقتنع الجميع بنسبة خمسين بالمئة رُبما قبل أن يُصفق بكلتا يديه يشحذ انتباههم هاتفًا بحماس :

+


- يلا كل واحد يدور على عربية تشيله عشان عندنا طلعة .

+


تبادلوا الجميع النظرات بحيرة مشدوهة قبل أن يتسائل أحدهم يحاول استشفاف إجابة تناقض ما وصل لهم :

+


- إحنا طالعين على فين ؟

+


- هو إنتوا لسه هتسألوا ! بقولكم مش باقي غير تلات شهور ونناقش المشروع ، الـ Teams التانين سابقينا بشهرين فاتو ، يعني إحنا بنلعب في الوقت البدل ضايع أصلًا .

+


لكن مازال الذهول على ملامحهم لا يحركون ساكنًا ، ليضيق ذرعًا من تيبُسهم ليهتف بضيق وجدية رغم هزلية العبارة :

+


- بقولكم إيه ! أنا واحد عاوز يخلص مشروع التخرج عشان يفضى لمشروع جوازه ، لو فضلتوا بالشكل دا هتقعدوا وهتقعدوني معاكم وأنا مش هصبر أكتر من كده ، فاتجدعنوا معايا عشان أعشيكم في فرحي مرتين .

+


هتفت " نيچار " بسعادة ونبست :

+


- وأنا موافقة عامةً ، ابقى افتح بوفيه سي فوود بقا .

+


- سي فوود و سي جمبري وكل حاجة بس الله يوسع عليكم انجزوني بقا .

+


ثم استدار وتقدمهم بالفعل نحو الخارج ليتحركوا تباعًا خلفه يضربون كفوهم بحيرة لكن لا خيار آخر أمامهم .

+


───────────────
───────────────

+



وعلى بُعد عدة بنايات جامعية تحديدًا داخل كلية " تكنولوجيا حيوية" وبعد تجاوز عدة حجرات دراسية وصعودًا لطابق الثالث المُخصص للمعامل ، تجلس الفرقة الثالثة مُتفرقين على مقاعد المعمل بينما يتوسطهم " يوسف " ذهابًا وإيابًا يندمج في الشرح ببدلته ذات اللون الرمادي يبرز تحتها قميص أبيض و بنطال انيق من خامة الجينز القاتم وساعة معصمه الأيمن تتألق بوضوح بعد أن رفع الأكمام قليلاً لأعلى في حركة زادت جاذبيته .

+


لكن " يـارا " كانت جالسة بنصف ذهن مُنتبه بسبب انفلونزا البرد التي أصابتها مؤخرًا بعد خروجها الأخير لساحة ذلك المُتسابق .

+


كان كلما دوّن زملائها أمرًا كانت هي ترفع كاميرا هاتفها تلتقط الصور سريعًا مُتعللة بعدم قدرتها على الفعل بالمِثل .

+


وبعد مرور دقائق طويلة ، توقف " يوسف " في المنتصف وارتسمت على ملامحه الجدية وهتف :

+


- طبعا انتم عارفين إن الـ final باقي عليه اسبوعين ! ياريت نذاكر يا سنة ثالثة كويس عشان مش عاوزين حد يشرفنا السنة الجاية معاه المادة..

+



        
          

                
هتف أحد الطلاب بنبرة شاكية :

+


- ما المادة صعبة يا دكتور !

+


ألتفت " يوسف " نحوه وأومأ برأسه بموافقه ثم عقد ساعديه أمام صدره واستند على حواف المكتب وأجابه :

+


- أنا عارف يا مازن ، عشان كده بقولك ذاكروا من دلوقتي وقسموا المادة عشان متزنقوش على نفسكم قبل يوم الإمتحان .

+


ليتدخل طالب آخر بغرض تخفيف الأجواء وزيادة القُرب :

+


- طيب يا دكتور إنت لما خدت المادة عملت فيها إيه ؟

+


اتسعت ابتسامة " يوسف " بهدوء وتريُث وأجاب :

+


- إيه الأسئلة دي بقا !؟

+


ثم ضحك بخفة لتزداد اتساع ابتسامته وتبرز تجاعيد خده تُزيد وسامتة رجولة قبل أن يُردف : 

+


- والله يا شباب الحمد لله ، عملت إلي قلتلكم عليه ونجحت .. فالمادة دي بالذات مينفعش معاها الكروتة، ركزوا .. ونتقابل المرة الجاية إن شاء الله .

+


ثم ألتفت للمكتب خلفه وأخذ يُرتب أغراضه قبل أن يرفع عيناه تجاه الباب فجأة هاتفًا :

+


- يـارا استني متطلعيش .

+


توقفت خطوات " يـارا " التي بالفعل كادت تخرج ، لتعود بخطواتها للخلف وتجلس على أقرب كُرسي أمام المنضدة الطويلة تستكين ريثما يخرج الجميع ويُنهي نقاشاته مع جائه يبتغي منه جوابًا .

+


فور أن خرج الجميع وانتهى ، ألتفت لها ثم أقترب عدة خطوات أمام المنضدة نابسًا بصوته الأجش:

+


- غيابك يا يـارا زاد آخر فترة سواء في السيكشن أو البروجيكت ومينفعش كده نهائي .

+


كادت تجيبه لكنها عطست فشمتها ثم أجابت : 

+


- عارفة يا دكتور غصب عني بس ظروف عائلية وكده .

+


أومأ بخفة ثم تابع بحرص ونبرة جادة:

+


- ماشي بس لازم تركزي الفترة دي أكتر عشان الـ final ، أنا مش عارف اديكي تقييم عالي للأسف وإنتِ أقل وحدة من زمايلك ، مع إني شفت درجاتك السنتين إلي فاتوا كانو مرتفعين. 

+


أومأت برأسها بالإيجاب وأردفت بصوتها المبحوح :

+


- عارفة يا دكتور بس حقيقي غصب عني ، نفسيتي كانت وحشة ومكنتش قادرة أخرج. 

+


أومأ برأسه عدة مرات بخفة ثم اختتم قائلًا بنبرة تحمل مغزى في جوفه :

+


- طيب ، اتمنى تركزي الفترة الجاية على مذاكرتك وبس. 

+


سكن لوهلة ثم أردف :

+


- وتاخدي دوا للبرد .

+


اتسعت ابتسامة " يـارا " بخجل رغم الجمود الظاهري عليها مؤخرًا وعلى الدوام حقيقيةً ،مُردفة :

+


- باخد يا دكتور بس قعدت في الهوا كتير وخدت برد .

+


لكنه اجابها بعبارة رتيبة دافئة :

+



        
          

                
- يبقى لفي الشال حواليكي كويس .

2


- ها ؟

+


وفور أن رفعت عيناها له تستنكر عبارته الأخيرة حتى باغتتها عطسة ثم آخرى و آخرى فأدت الأخيرة لسقوط هاتفها ارضًا بغير قصد ، لتنحني فورًا تلتقطه ليرفع كفه الايسر يُحيط زاوية المنضدة المدببة ، لترفع رأسها بلا انتباه وتصدم بظهر كفه الذي خفف من وطأة ارتطامها به ، لتتعجب حركته بذهول ، وترفع رأسها لأعلى نحو عيّنيه التي كان يركزهُما على كفه ، ثم وجههم صوب خاصتها ببرود ، قبل أن يُشيح بصره ويبتعد نحو مكتبه يحمل اغراضه على كتفه ويوجه كلماته الآخيره لها :

4


- ألف سلامة عليكِ .

1


نبس بها بنبرة بدت ذات مهنية وخرج بكل ثبات ، ليترُكها مُعلقة الأعين عليه حتى تلاشى ، تحاول ادراك ما الذي جرى منذ ثواني معدودة .

+


سرعان ما أعاد عقلها عليها سيناريو مُشابه، لكنّها نفضته عن ذهنها سريعًا، ساخرةً من تسرّب تلك الفكرة إليها .

+


───────────────
───────────────

+



- يعني إيه يا حبيبتي حلمتِ بيه بيخونك في الحلم ؟

+


هتفت بها " مريم" باستنكار للمتحدث عبر الهاتف ولم تكُن  سوى " ميار " التي تابعت بدفاع :

+


- اهو شفته في الحلم بقا .. ماما لقيتها مش عاملة الغدا قلت أريح حبتين فحلمت إنه خاني بقا .

+


- ياريتك ما ريحتي يا شيخة .

+


نبست بها " مريم" بتصبُر لتُجيبها " ميار "بحسرة :

+


- وتخيلي لما صحيت لقيت ماما عاملة سبانخ ! سبانخ يا مريم أنا مش بحب السبانخ.. بقا متنكد عليا واقع وحلم .

+


- كان الله في عونه.. اقفلي كده عندي شغل دلوقتي اكلمك بالله إنتِ وأحلامك .

+


وبعد عبارتها أغلقت المكالمة ونبست بانفعال مُحدثة نفسها :

+


- البت مش مشروب عليها شاي حتى وحلمت بالراجل بيخونها وهتنكد عليه ، مش حال رافضينه 4 مرات ومستحملكم  !!

1


وتتقدم بخطواتها تحطم الأرض تحتها نحو مبنى دار المُسنين قبل أن تقطع طريقها أحد زميلاتها تسألها على أمر ما ، وقبل أن تُغادر وتتركها اتسعت ابتسامتها بإعجاب وأشارت بعينيّها تجاه أحد الزوايا :

+


- بصي كده على إلي داخل هناك دا ؟

+


قطبت " مريم " حاجبيّها قبل أن تلتفت ليقع بصرها على " وائل " بملابسه الأنيقة شديدة السواد ، وطوله اليافع الذي زاده فخامة لتسمع عبارة الفتاة بجانبها حينما عَبر من جانبهم بعدة خطوات لكن لم ينتبه لها :

+


- ولا غلطة حرفيا.. اسود في اسود .. شيك أوي .. ريحة البرفان وصلت بيتنا، كله على بعض كاريزما ولا غلطة .

1



        
          

                
و " مريم " زمت شفتيّها بضيق ثم أدارت وجهها نحو القابعة أمامها وطالعتها بنظرات خاوية مُردفة :

+


- على فكرة هو عادي يعني ..

+


اتسعت عينايّ الفتاة بدهشة وأجاب مُستنكره بذهول :

+


- عادي ايه بنتي هو انتِ ما بتشوفيش !! أنا خايفة احسده اقسم بالله. 

+


أدارت " مريم " عيناها بحنق ثم هتفت باستياء مُزيف :

+


- خلاص خلاص فكك منه بقا .

+


وتقدمت أولًا لتلحقها الثانية نحو مطبخ صغير في أحد الزوايا تقف به عامله بسيطة لتُردف " مريم " بعد السلام :

+


- اعمليلنا كوبيتين قهوة يا طنط نجاة لو سمحتي .

+


أومأت السيدة " نجاة " وسط انشغالها وأجابت :

+


- حاضر ، اصبروا عليا أعمل القهوة عشان المدير عنده ضيف .

+


فهزت رأسها بتفهُم واستند بكفيّها على المنضدة خلفها ، لتلتفت فجأة السيدة " نجاة" وتتحدث بابتسامة ودودة:

+


- دا سي وائل يا مريم .

+


فتسائلت الفتاة الآخرى بفضول:

+


- وائل مين ؟

+


لتتدخل " مريم " بالإجابة باقتضاب :

+


- الراجل الي شفتيه وهو داخل ياختي .

+


فالتمعت عينايّ الفتاة واقتربت نحو " نجاة" تحت نظرات " مريم" المُستنكرة لتسمعها تتسائل بنبرة تغنج :

+


- ودا قهوته إيه طنط نجاة ؟

+


- مظبوطة 

+


اتسعت ابتسامتها وهتفت بهيام وأردفت :

+


- مظبوط ! زيه بالظبط ..

3


- هو اللهم بارك عليه ، ذوق أوي .

+


وعند نبس الفتاة بعبارتها حتى شعرت " مريم " بألسنة النار في جوفها تنافس تلك التي تحت الركوة النحاسية ،لتزفر نفسًا بنفاد صبر وتجر قدميّها للخارج وسط هتفات الآخرتين بإسمها .

+


لتتقدم " مريم" داخل المبنى وتتمتم بهمس حانق:

+


- بلا مريم بلا زفت ، سبتو رجالة الدنيا وبصيتوا لده !!

+


كادت تصدم بأحدهم من شرودها لولا صوته الأجش الذي اقتحم خلوتها كم اقتحم حياتها سابقًا ونبس بتسلية :

+


- مين المنحوس دا إلي خد نصيبه من طلعتلك عليه النهاردة ؟!

+


توقفت " مريم" على بُعد خطوات قليلة منه ورفعت عيناها لمدى بصره ثم هتفت باستنكار ووجه مُتجهم :

+


- انت بتطلعي منين ؟

+


اتسعت ابتسامته رويدًا وهو يصُب تركيزه على ملامحها ، لترمش بأهدابها عدة مرات بتوتر وتتسائل بتهكُم :

+


-  ايه بتبصلي كده ليه ؟

+


ويا لك من مسكين يا " وائل" إن فكرت أنها لحظة شاعرية قبل أن تأتي هي بلسانها الاذع تلقيك في غيابة الضياع .

+



        
          

                
ليتنهد بقلة حيلة نابسًا بنبرة رخيمة:

+


- ببص على لحظة الندامة .

+


رفعت إحدى حاجبيّها بعدم تصديق وتسائلت بسخرية :

+


- والي بيبص على حاجة ندمان عليها بيبصلها كده ؟

+


اتسعت ابتسامته المشاغبة وتسائل بدوره بنبرة تلاعبيه:

+


- كده إزاي بقا ؟

+


خجلت " مريم" من نظراته المُثبته عليها بلا نزوح لتهتف تحاول المواربة على أفعاله التي اربكت دواخلها :

+


- إنت انسان sweet talker جدًا وانا مش هعرف أخلص معاك مع احترامي طبعا ، عن إذنك عندي شغل.

+


وقبل أن تتخطاه بخطوة تقدم ذات الخطوة يمنعها من التقدم ونبس :

+


- لا لحظة بس .

+


توقفت ورفعت عيناها نحوه بنظرات باردة مُترقبة لتسمعه يهمس:

+


- كنت عاوز أتأكد منك على حاجة  !

+


رمشت بأهدابها وسكنت في إعلان صامت له لمُتابعة الحديث ليستطرد :

+


- هو إنتِ بنت مدير آمن القاهرة بجد ؟

+


لوح شبح ابتسامة على طرف ثغرها وأجابت :

+


- على حسب بتسأل عشان إيه !

+


- عشان عاوز أعرفك .

+


نبس بها ببساطة لتعود وترفع حاجبها الأيمن باستنكار دون أن يحول الرد ليبتسم بارتباك مُردفًا :

+


- بتبصيلي كده ليه ، خلي بالك بخاف من نظراتك دي .

+


- آيوه أنا بنته ، عاوز إيه بقا ؟

+


اجابته بنبرة مقتضبة ليتنهد ثم يُجيبها بنبرة رتيبة :

+


- مش عاوز بس كنت مستغرب .

+


لتتسائل بنبرة مُترقبة بعد أن اخفضت حدة كلماتها كأنها تود استكشاف نظرة عميقة عنها بداخله :

+


- مش مقامي؟

+


أومأ برفض واسلوب مهني رفيع وأجابها بانسيابية :

+


- لا خالص مش كده ، تصرفاتك عمرها ما حسستني بتكبر منك .

+


ارتخت ملامحها على نحو واضح وهي تتابع كلماته التي يـُلقيها بصوت الرجولي الأجش :

+


- آه لسانك شديد حبة.. حبة اتنين تلاثة بصراحة  ، ولما تشوفيني بحسك قنبلة هتفرع في وشي ، بس يبان عليكِ بنت بسيطة ، بتحاول تلبس وش جامد لسبب أنا مش عارفه 

+


- و ...

+


لتتوقف الكلمات على طرف لسانه ،يرفع عيناه في امتداد بصره يحاول تجميع كلماته ، أمّا هي، فلأول مرة وجدت نفسها تتأمل خُضرة عينيه، تتجوّل في ملامحه التي لم يخطر ببالها يومًا أن تنشغل بها. 

1


أبصرت وجهًا ناعمًا يخلو من اللحية، وشعرًا أسود كثيفًا مُصففًا إلى الوراء، وتجاعيد طفيفة تحيط بفمه لا تزداد وضوحًا إلا حين ابتسم وهو يلمح شرودها فيه ، وقال بنبرة خفيفة:

+



        
          

                
- نلنا الشرف.

+


رمشت "مريم" بسرعة وكأنها عادت من غفلة، ارتبكت وتراجعت خطوة للوراء وهي تهتف:

+


- إيه!

+


ضحك بخفة، يزداد وعيه بارتباكها كل لحظة، ورد بهدوء لا يخلو من العبث:

+


- نلنا شرف إن عيونك تتأملني ..

2


شهقت بإنكار، تلوّح بيدها بعصبية:

+


- إيه!! لا .. دا...

+


قاطعها وهو يرفع حاجبيه في تحدٍّ:

+


- اعترفي بس بلاش تقل.

+


اشتدّت نبرتها وقد احمرّ وجهها من الغيظ:

+


- أعترف بإيه؟ ما تحترم نفسك!

+


ضحك مجددًا، كأنه يستمتع باستفزازها، وأجاب متصنعًا البراءة:

+


- احترم نفسي، احترم نفسي.. شيفاني بعمل فيكِ إيه! هو أنا قادر أعمل فيكِ حاجة؟

+


شدّت ذراعيها على صدرها بعناد وهتفت:

+


- ولو حاولت مش هتقدر!

+


مال للأمام، يضيّق عينيه كمن يختبرها:

+


- بذمتك؟

+


زفرت بعصبية وأجابت بقوة:

+


- دي بديهيات.

+


اقترب أكثر قليلًا، يبتسم ببطء كأنه يتلذذ بالتحدي:

+


- ولو حاولت؟!

+


ارتبكت من نظراته الثقيلة التي التصقت بها، فصرخت بانفعال:

+


- بتبص كده ليه! إيه قلة الأدب دي!

1


أخذ يضحك بخفوت ورفع كلا حاجبية باستنكار ساخر :

+


- دا قلة أدب؟

+


- آيوه!

+


فعدل وقفته فجأة، وتأملها من أعلاه يُغكر لبضع ثوان ثم نبس بنبرة جادة لكن ساخرة:

+


- طيب .. مش إنتِ مس رياضة صح؟

+


أجابته وهي تعقد حاجبيها بتوجس:

+


- أيوه.

+


رفع إصبعه كمن يعلن قرارًا حاسمًا:

+


- طيب أنا عاوز أسس!

+


فتحت عينيها بتعجُب وتسائلت :

+


- والطالب إلي هتجيبه عنده كام سنة؟

+


تظاهر بالتفكير وهو يحك ذقنه:

+


- تسك..

+


ثم تنحنح قليلًا قبل أن يثبت عينيه على خاصتها ويقول:

+


- أنا عاوز أسس بيت صالح.. عاوز رقم باباكي.

2


اتسعت عينا "مريم" كأن صاعقة سقطت أمامها، فتراجعت خطوة بلا وعي، وريقها يجف في حلقها ، بالإضافة لشعور دوار مُباغت ضرب رأسها، فيما ارتسمت على شفتيه ابتسامة أكثر اتساعًا، وكأنه يستمتع بارتباكها ، فـ دس قبضتيه في جيبي سترته الصوفية، وأمال رأسه قليلًا مرددًا بصوته الأجش:

+



        
          

                
- مش ناوية تدهوني؟

+


ظلت هي في صمت ثقيل، رمشت بعينيها سريعًا تحاول ابتلاع الصدمة التي باغتها بها جرأة ذلك المتهور.. البغيض.. الـ ... وقبل أن تكمل سيل شتائمها داخليًا، قاطعها بنبرة خفيفة متسليّة:

+


- مش مشكلة دا رقم مدير الأمن هنعرف نوصله بضغطة زرار .

+


وكأنها تحدّته، فأجاب تحدّيها بجرأة مُستفزّة، جملة خرجت من فمه وكأنها إعلان رجولة في ساحة معركة .

+


وارتسمت ابتسامة واثقة على وجهه، متلذّذًا بوقع كلماته عليها، ثم استدار بخطوات بطيئة كمن يُثبت أنه انتصر في المبارزة، بلا حاجة حتى أن ينظر للوراء.

+


أما "مريم" فقد تجمّدت للحظة، وكأن الصدمة كبّلتها ، عيناها اتسعتا بذهول، وريقها جفّ فجأة، لكنها عضّت على شفتها محاولة أن تستجمع لسانها السليط .. أرادت أن تطلق عليه سيلًا من كلماتها اللاذعة، لكن الكلمات خانتها.

+


وبعد لحظات من تصنّمها، اقترب منها مدير الجمعية، صوته يحمل اهتمامًا حقيقيًا:

+


- آنسة مريم، شفتي أستاذ وائل؟

+


ارتبكت وغصّت الكلمات في حلقها ثم خرجت متقطعة:

+


- لسه.. سه.. ماشي دلوقتي.

+


ثم حاولت تجميع شتاتها وتسائلت :

+


خير، في حاجة يا مستر جابر؟

+


ابتسم الرجل وهو يُعدل من نظارته:

+


- أستاذ وائل عرض عليّا إنه يساهم في الجمعية دي بحساب من شركته ، فأنا قلتله هعمل شوية مكالمات وهرد عليك ،هو مشي وقالي أبلغه لو في جديد، وأنا كنت دلوقتي عاوزه أراجع معاه كذا نقطة.

+


اتسعت عيناها عند كلمة واحدة شحذت تفكيرها وتسائلت باستنكار :

+


- شركته؟!

+


- أيوه.

+


- شركته اسمها إيه؟

+


أجاب بثقة كأنه يذكر أمرًا بديهيًا:

+


- دا وائل الرفاعي يا مريم، نائب الرئيس التنفيذي في شركة الرفاعي للتطوير العقاري.

+


شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها، شهقت بذهول:

+


- وائل... يبقى من عيلة الرفاعي؟!!!

+


- ابن رياض بيه، وحفيد مؤسس الشركة.

+


نبس بها الرجل ثم ابتسم بخفة واستدرك بنبرة فضولية:

+


- إنتِ أول مرة تعرفي الكلام دا؟

+


ارتبكت أكثر، تتلعثم وهي تبتلع ريقها:

+


- أول مرة... آه.

+


أشاحت بوجهها سريعًا، تخفي ارتباكها تحت قناع الجدية، وأردفت:

+


- طيب، عن إذنك.

+


وغادرت بخطوات متسارعة، قلبها يضجّ بعاصفة من الأسئلة التي لم تجد لها جوابًا.

+



        
          

                
───────────────
───────────────

+



هبطت الشمس قليلًا، تسكب ألوان الغروب على صفحة السماء، بينما ارتكز "آسر" على عكازه يغرسه في الرمال الذهبية بخطوات متثاقلة نحو أمواج البحر المضطربة، تلك التي عكست في هيجانها ما يضطرم في جوفه.

+


داعبت نسمات البحر خصلاته السوداء المتمردة، وذبذبت رموشه الكثيفة، لتتسع ابتسامته التي أضفاها حضور لحيته الكثيفة نسبيًا، حينما غلفته تلك النسمات الساحرة في حضن الغروب .

+


وأمام ذلك الجمال الغريد، تهادى إلى خاطره جمال آخر لا شبيه له ولا مثيل... جمال لم تصنعه ألوان الغروب ولا نسائم البحر، بل يسكن صدره منذ أن وقعت عيناه على صاحبة الخمار. جمال تلك المشاعر العفيفة، النقية، التي ما برحت تنبض في قلبه كلما استعاد صورتها.

+


ثم اختلجت المشاعر الفيّاضة في صدر العاشق المكتوم، حتى كادت تُفجّر صمته ، فأغمض "آسر" عينيه قليلًا، وترك نسمات البحر تحاصر روحه، فيما كان هدير الأمواج يتصاعد كأنه موسيقى خلفية خُلقت لأجله وحده.

+


وبدأ صوته ينساب كأنّه وترٌ منسجم مع الكون كله، يتمتم بإنشادٍ عذب:

+


فَتَّشتُ عَلَيْكَ
بكلِّ سماء
بحرارةِ صيفٍ، بردِ شتاء
ناديتُ بألفِ الأسماء
لعلّي أراك...

+


ثم ارتفعت نبرة صوته الشجية شيئًا فشيئًا، وقد غلبه التأثّر، فترتّلت على لسانه أعذب الأناشيد، مُتابعًا :

+


ناجيتُكَ في موجِ البحر،
ونظرتُ بهاءَكَ في البدر،
راقبتُ قدومَكَ في صبري،
والكَوْنُ يدور...

+


وبينما يُعانق صوته ارتطام الأمواج بالصخور، أخذت نبرته تهدأ تدريجيًا كأن أنفاسه قد ذابت في زَخمِ المشاعر، وتلألأت الدموع في عينيه، تعكس شعاع الغروب في لمعان مقلتيه البُنية .

+


وفي اللحظة ذاتها التي كان فيها "آسر" يبوح بعشقه السرمديّ لها للبحر دونًا عن كل نساء العالمين، كانت سارقة الفؤاد مستلقية على فراشها، حدّقت بعينين جامدتين إلى سقف الغرفة، كأنها تبحث فيه عن جوابٍ يطمئنها ، زفرت أنفاسًا حائرة ووسوس قلبها القَلِق :

+


- هو يارب ممكن يكون بيخوني دلوقتي ؟!

5


مالت على جانبها الأيمن، ضمّت كفها إلى صدرها وزمّت شفتيها بارتباكٍ مرتجف:

+


- هو صبر سنين كتيرة يارب ، مش يمكن لقى بديل خلاص بعد ما زهق !!

+


أفكارها راحت تعصف بها يمينًا ويسارًا، ولم تكن تعلم أنها ليست سوى وساوس شيطان يتسلّل إلى قلوب المؤمنين؛ يزرع الريبة في دروبهم، لينغّص عيشهم، ويصدّهم عن إقامة بيتٍ مسلمٍ مطمئن .

+


───────────────
───────────────

+


توقفت السيارات الفارهة عند مدخل إحدى الحارات الشعبية الضيقة، تلك التي تتشابك بيوتها المتلاصقة ، وامتزجت الروائح في الهواء؛ بخار زيت القلي من أحد المحلات الصغيرة، عوادم الدراجات، وعبق الخبز الطازج من فرن على ناصية الشارع.

+



        
          

                
ترجّل الفريق ببطء كل رفقة من سيارة مُختلفة ، يتلفّتون يمينًا ويسارًا بعينين مُتوجستيّن، فقال أحد الشباب هامسًا:

+


- دي أول مرة في حياتي أدخل مكان زي دا… الجو غريب أوي .

+


لترد فتاة وهي ترفع حقيبتها بقلق:

+


- أنا أصلاً مش متطمنة… هو فين الـ  security هنا ؟

+


توقفت إحدى الفتيات، وملامحها تنكمش مُستنكرة :

+


- هو إحنا هنقابل مين بالظبط في مكان بيئة زي كده ؟

+


أستمع " مراد " لعبارتهم المُستنكرة والتي لم يتعجبها فهو مازال يُكن بعض المشاعر المذبذبة تجاه هذه الأماكن لكن آبى إلى أن يُعاند ذلك الأستاذ الجامعي ويلقنهُ درسًا لكن بطريقته الخاصة .. النجاح .

+


تقدمهم يسير بخطوات واثقة نسبيًا يحاول تذكر أين يقبع ذلك المحـ ... وها هو وجده .

+


ليقترب سريعًا قبل أن يقف عند المحل الصغير الذي يبيع المواد الغذائية وهتف بصوت عالٍ:

+


- السلام عليكم.

+


أجابه " عم سعيد " بابتسامة ودودة ونقل بصره خلفه ليُبصر رفاقه الذي ظهر جليًا على مظهرهم الترف ،فتسائل :

+


- اهلًا يا ابني اساعدك إزاي ؟

+


وقبل أن يُجيبه " مراد" بعد أن أسند ساعديه على الكونتوار سمعوا من خلف صوت انثوي بانبهار :

+


- أنتو بتبيعوا دي بكام يا uncle ؟

+


ألتفت الأعيُن نحو " نيچار " التي كانت تُمسك بأحد الزجاجات الغازية ليُجيبها " عم سعيد " :

+


- دي عاملة 45 جنيه .

+


- ء,wow بتهزر يا uncle !! دي إحنا في التجمع بنجيبها بـ 150 .

+


ابتسم " عم سعيد " بوِد وأجاب باحترام :

+


- لا هنا الناس غلابة زي ما بننزلها من التاجر بنبيعها بما يُرضي الله .

+


اقتربت " نيچار " منه وضمت الزجاجة لها وهتفت :

+


- اوكي هاخدها بس بالـ visa عشان مش معايا فكة ؟

+


ابتسم " عم سعيد " بخجل فالتقط " مراد " تعابير وجهه ليمُد يده نحو محفظته يُخرج منه المبلغ المُحدد ويضعه أمامه هاتفًا :

+


- اتفضل يا عم سعيد هناخد الإزازة دي .

+


ثم أعاد محفظته لجيبه الخلفي بينما أخذ " عم سعيد" يضع الزجاجة في حقيبة مشتريات لينبس " مراد " :

+


- طيب يا عم سعيد كنت عاوز أعرف أوصل لبيت الحاج منصور منين ؟

+


وبعد عدة دقائق آخرى ، تخللها السير الطويل على الأقدام حتى توقفوا أمام مبنى سكني مُرتفع تكدست فوقه مليار الذرات من الأتربة .

+


لم تخلو الرحلة من استعجاب واستنكار ونفور على صعيد آخر من جميع النفوس حتى توقفت الأعيُن أمام المبنى لتختلف النظرات بين كل واحد على حدى .

+



        
          

                
وقف " مراد" بضع لحظات يُفكر في خطواته القادمة بعد أن تركهم الصبي الذي اوصلهم للمبنى ، لتخرج سيدة بسيطة تعبر البوابة المعدنية للخارج برفقة ابنتها ، مُتعجبة الوجوه المُستحدثه متسائلة بارتياب :

+


- خير يا ابني بتدوروا على حد ؟

+


ليلتفت " مراد " نحو السيدة لكن سرعان ما حادت عيناه صوب تلك الفتاة الواقفة بجانبها تتأمل تجمُعهم بتعجب لتتسع ابتسامته المتسلية أكثر ..

+


ويا لهُ من مشاغب ؛ سنعاني نحن وتلك المسكينة في تهذيبه .

1


───────────────
───────────────

+



وعلى بُعد عدّة شوارع من تلك المنطقة كان "كريم" يسير في الطرقات متّجهًا إلى منزل والدته، يتصفّح هاتفه بمللٍ قاتل فقط ليسرّع الوقت. 

+


توقّف فجأة حين اعترض طريقه جسدٌ هزيل وهيئة رثّة تكاد لا تميّز ملامحها، أقرب ما يكون لمتسولٍ تاهت عنه الحياة.

+


لم يُلقِ "كريم" بالًا في بادئ الأمر، وقرّر متابعة طريقه بلا اكتراث، لكن حين ركّز النظر في الملامح تحت الشعر الأشعث والملابس البالية، تجمّدت قدماه، وتشنّجت ملامحه وهو يهتف بذهولٍ:

+


- عم سامي ؟!!

+


رفع الرجل رأسه ببطء، عيناه غائرتان متعبتان، وصوته واهن خشن كأنه يخرج من بئرٍ عميق :

+


- ليلى فين ؟

+


لكن " كريم " كل سؤاله الشاغل ما العاصفة التي عصفت بحياة الرجل لتجعل منه رث الهيئة أشعث أغبر كالمتسولين ، ليتسائل بذات النبرة المشدوهة :

+


- أنت مالك متبهدل كده ؟ 

+


ابتلع "كريم" ريقه، لكنه لم يمنع نفسه من إلقاء نظراتٍ فاحصة حول المكان، ليلمح فراشًا باليًا ملقى بين بنايتين ضيقتين، علامة واضحة على أن الرجل يعيش هنا في الشارع ، فصرخ بنبرة صادمة لا تخلو من السخرية:

+


- أنت بتنام في الشارع ؟؟!!!!

+


لم يُجبه "سامي" واكتفى بنظراتٍ سوداوية حانقة جعلت ابتسامة "كريم" الساخرة تتسع وهو يغمغم باستهزاء:

+


- ااه فهمت.. ليلى خلعت فإنت بقيت عواطلي واطردت من البيت صح ؟

+


أطلق ضحكة قصيرة ثم أضاف ببرود:

+


- حكاية عِبرة بصحيح.

+


لكن "سامي" نطق أخيرًا، صوته غليظ مبحوح :

+


- ايه هتعمل نفسك قلبك عليها دلوقتي ؟ وانا شايفك بعنيا بتحضن ست تانية.

+


اتسعت عينايّ " كريم " بلا تصديق وتسائل :

+


- أنت شفت الكلام دا امتى ؟

+


- ليه مفكرني نايم على وداني يا حيلتها ؟!

+


اجابه " سامي " بتهكُم ،فارتسمت ابتسامة شغب على شفتي "كريم"وهتف باستخفاف وهو يرفع يديه كمن يكشف ورقة رابحة:

+


- بما إن اللعب بقا على المكشوف فأيوه أنا ولا مرة حبيت ليلى وعملت التمثيلية دي عشان أئذيها  .. بس بيني وبينك صعبت عليا من الي بتعمله فيها وقلنا نتسلى .. هي تحبني بجد ، اعملها شوية مشاكل ، أنت تطربق الدنيا على دماغها ، واهي الدنيا مصالح .

1


كان يسرد خطته بمنتهى السخرية والتلاعب السخيف ليتسائل " سامي" بأعيُن صيقة:

+


- وايه الي كنت هتخده من ورا ده !!

+


صمت لحظة قبل أن يتابع ببرودٍ أشدّ:

+


- اهو نار بتطفى جوا قلب أمي من عمايل امها السودا زمان

+


ارتفعت زاوية فم "سامي" بابتسامة استفزازية، وغمغم ساخرًا :

+


- غلبان أوي يا ابن أمينة .. طلعت أمينة مفهماك كده ؟! 

+


ارتبك "كريم"، حاجباه انعقدا بشكّ غاضب:

+


- تقصد إيه؟

+


اقترب "سامي" خطوة، وصار صار أخفض وأشدّ غموضًا:

+


- ويا ترى مفهّماك كمان إن أبوك ميت، صح؟

+


ارتفع صوت "كريم" بانفعال، كأنه يدفع عنه شبحًا يخشاه:

+


- أنا أبويا ميت فعلًا! وأنا اللي حاطط عليه التراب بإيديا دول!

+


ضحك "سامي" ضحكة جافة ساخرة، جعلت الغضب يتفجّر في ملامح "كريم"، فصاح بحدّة:

+


- إنت الظاهر كبرت وخرفت، وبقيت تخبط في الحلل! ولا قاعدة الشحاتين دي هببت دماغك!

+


لكن "سامي" لم يُعلّق، واكتفى بالابتعاد نحو فراشه الرديء الذي لا يقي من حرّ الصيف ولا من سقيع الشتاء، استكان عليه، قبل أن يرمي جملته الأخيرة بصوتٍ غامضٍ عالق في الأفق:

+


- مِـصيـر الحـي يـتـلاقـى ..

+


توقّف "كريم" في مكانه لحظة، وشحظ بنظراته كأن صدى العبارة اخترق جدار أذنه ليستقر في صدره بثِقَل.

+


أي حي ؟ 
ومن هو ذلك ؟؟؟

+


أ يُعقل ؟!!

1


ٰ

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


_ إذن .. ما توقعاتكم للقادم ؟

+


_ وقبل أن يتسلل الإحباط لجوفك قارئي الكريم وترسم علامات استفهام حول ما مدى أهمية معرفتك بحقيقة والد كريم ، فأُحب أن أكشف لك شيئًا رمزيًا وأُخبرك ألا شىء يُكتب عبثًا ، بل امتداد ذروة هذا المشهد واحد من ثلاثة مشاهد اعتبرهم أقوى ثلاثة حقائق على مدار الرواية ككل.

+


_ وكما نوهت قديمًا قبل بداية دخولك لهذا العالم أنك قد تظن بأنك على دراية بالاحداث شاملةً حتى تُقلب الصفحات لتكشف لك الرواية خبايا أكثر تعقيدًا لم تحسب لها حسابًا .

+


ومن هنا حتى الفصل القادم ..

+


شكرًا لحُسن قرائتكم لا تنسوني من دعائكم ، و السلام على قلوبكم يا كِرام .. 

+


|| سُهى الشريف ||

+


الحادي والثلاثون من هنا 
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close