رواية نفوس قاسية الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم مني احمد حافظ
لثامنة والعشرون.
وليست كل النوايا طيبة.
---------------------------------
حبيبتي ملاك بريء ستتسبب في فقداني لعقلي قريبا فهي تبهرني كل لحظة بشيء جديد أعرفه عنها فـأراها كأنني أراها للمرة الأولى، وها هي تدفعني للغرق ونحن وسط بركة السباحة لأول مرة بعدما ألقيت بها، لأتفاجىء بها تتشبث بي تخشى الغرق فدفعتني أسفل الماء بمحاولة منها لإنقاذ نفسها في بركة عمقها لا يتعدى المتر ونصف، ووسط دهشتي تسألني وأنا أسعل لالتقاط أنفاسي إن كانت داليا قد استقرت في وظيفتها الجديدة التي أصرت على أن أقدمها لها، أخذ آدم يحاول تنظيم أنفاسه وهدوءه وهو يحدق بملامح سهر التي ابتعدت عنه، بعدما صاح بها أنها لن تغرق بل هو الذي قد ابتلع نصف البركة بوقوفها فوقه، فاقترب منها ببطء فنظرت له سهر كالأرنب المذعور وقالت:
- أهدى يا آدم أنا مكنتش أعرف إنها يادوب على طولي، بس أعمل أيه غصب عني أنت السبب حد قالك ترميني فيها وأنا مبعرفش أعوم، ملاقتش غيرك أدامي بس بصراحة يا دومي منظرك كان تحفة وأنت بتغرق.
أخذت سهر تضحك ونسيت اقتراب آدم منها، فحاوطها آدم بذراعيه على جانب المسبح ومال بوجهه إليها وقال:
- يعني تنقذي نفسك تقعدي فوق مني يا سهر، ومش عجبك كمان إني بشيلك بعيد عني، تقولي لي متتحركش أحسن أغرق وأنا تحت بشرب فالمية بسببك.
لم تستطع سهر تمالك نفسها فاستمرت في ضحكاتها، فأبتسم آدم على ملامحها الطفولية التي تملكت منها منذ وصلوا أنقرة، فقد تغيرت سهر بالكامل أصبحت فتاة منطلقة جذابة، فتنهد آدم وهو يحدق بعينيها وهمس بعتاب:
- مش ناوية تسمعي الكلام وتتحجبى بقى.
مدت سهر ذراعيها وأحاطت عنق آدم وقالت بمرح:
- أكيد هسمع الكلام بس شوية ومافيش داعي للمحاضرة بتاعت الأيام اللي فاتت، بغير عليكي والناس بتاكلك بعنيها وإنك ماسك نفسك بالعافية، حبيبي أهدى شوية أنت جايبني هنا ننسى الدنيا كلها واحنا من يوم ما وصلنا للنهاردة مخرجناش ومحدش شافني.
صمتت سهر وقبلته وقالت وهي تراه ما زال محدقا بها بعينين مأسورتين لدى عينيها:
- حبيبي مجاوبتنيش اطمنت أن داليا مرتاحة فالشغل وعملت إيه فموضوع الشقة اللي هتقعد فيها و.
ابتعد آدم عنها وزفر بضيق وقال:
- سهر مش كل شوية تسألي السؤال نفسه، أنا أول مرة أعمل حاجة فعلًا مش موافق عليها ورافضها بالكامل، ودا علشان خاطرك فارجوكِ بلاش تجيبي سيرة داليا نهائي لحد ما نبقى نرجع مصر ممكن.
أنهى آدم حديثه وغادر البركة يشعر بالضيق فهو ما زال غير مقتنع كليا بكل ما حدث، إنما تقبل الأمر رغما عنه من أجل سهر فقط، اتجه آدم إلى مرحاض غرفته ووقف أسفل رذاذ الماء محاولًا تهدئة أعصابه، فلدى سهر القدرة على بعثرة كيانه ومشاعره، وإشعال رغبته بها في ثانية واحدة لتحويلها إلى غضب في الثانية التالية.
فأغمض عينيه متذكرًا ذاك اليوم منذ أسبوع، حينما فتح باب فيلته ليجد داليا أمامه تبكي بشدة، ولم يدر لحظتها لما شعر بالخوف منها، كاد أن يستدعي أحد رجال الحراسة ليخرجها، ولكن مجيء سهر أفسد أمر إبعاده إياها، فهي ما أن رأتها تبكي حتى جذبتها إلى الداخل لترتمي داليا بين ذراعيها تبكي بشدة أكبر، فوقف آدم مندهشا من ردة فعل زوجته التي أشارات له أن يدعها بمفردها مع داليا، ولكنه توجس خيفة من وجود داليا فتوارى عن نظرهما ووقف يستمع إليهما، فسمع سهر تقول:
- أهدي يا داليا.
نظرت داليا إليها بعنيين باكيتين وقالت:
- أنا مكنتش متخيلة إنك هتقابليني بالشكل دا بجد أنتِ قلبك طيب أوي يا سهر رغم اللي عملته معاكِ زمان.
نظرت سهر إليها وقالت:
- زمان فات خلاص يا داليا وكلنا بنغلط والناس بتوع زمان كلهم اتغيروا، أنسى بقى وقوليلي مالك بتعيطي ليه كده.
أجابتها داليا بصوت باك:
- بعيط من ضيقتي الأبواب كلها اتقفلت فوشي يا سهر وملاقتش شغل محترم بعد ما سبت الفندق، كل ما بلاقي شغل بيقى صاحب الشغل فاكر إن علشان بنت وحدانية وماليش حد، خلاص سهل بقى أفرط فنفسي، أنا تعبت يا سهر أوي واتبهدلت كتير، وبصراحة لما شوفت أخبارك على النت قلت أجيلك، لأني عارفة قلبك وطيبتك وأكيد هتحسي بيا وبظروفي، وممكن تساعديني ألاقي أي شغل محترم.
ابتسمت سهر لداليا وربتت على يدها وقالت:
- أنتِ جيتي المكان الصح يا داليا متشغليش بالك من بكرة هتنزلي شغل كويس وفمكان محترم، أنا لا يمكن أسيبك تتبهدلي ولا حد يستغلك أبدًا، بصي أنا هقوم أعملك عصير وأحضر الفطار تفطري معانا، وبعد كده هكلم آدم وإن شاء الله تخرجي من هنا ومكانك فالشغل محفوظ.
حدقت داليا بوجه سهر وقالت بارتباك:
- أنتِ بتتكلمي جد يا سهر يعني أنتِ هتساعديني ألاقي شغل أنا مش عارفة أشكرك أزاي بجد.
احتضنتها سهر وقالت:
- قومي تعالي اغسلي وشك وارتاحي شوية على ما أحضر الفطار.
ما أن أغلقت داليا باب المرحاض خلفها حتى جذب آدم سهر إليه بقوة، وتوجه معها إلى غرفتهم وأغلق الباب بحدة ونظر لها يكاد يفتك بها على ما قالته، فنظرت إليه سهر بعتاب ودمعت عيناها، فتغيرت ملامح وجه آدم في لحظات قلقًا من حزنها فسمعها تقول:
- شوفت يا آدم داليا و.
وضع آدم يده على فم سهر يمنعها من الحديث وقال:
- سمعت ومش مقتنع بحاجة تسمحي بقى تفهميني حضرتك هتشغليها فين.
مالت سهر فجأة على آدم ومدت أصابعها تلامس صدره وقالت:
- فالشركة عندك أكيد يا حبيبي.
حدق آدم بها غير مصدق لما قالته فسب فضربته سهر على كتفه وقالت:
- لسانك الجميل دا ميقولش الكلام الوحش دا، وبعدين مالك متنح لي ليه كده هو أنت مش قلت أن شركتك دي هي شركتي ولا رجعت فكلامك.
ابتعد عنها آدم ليتمالك أعصابه وقال:
- شركتك مقولتش حاجة بس داليا لاء يا سهر.
زفرت سهر بضيق وقالت:
- وبعدين يا آدم مرة هايدي لاء ومرة داليا لاء، في أية ما تنسى اللي فات بقى.
عقد آدم حاجبيه وقال بضيق:
- أنسى الناس اللي اتسببت فأذيتك أزاي أنا لا يمكن أنسى أبدًا، وبعدين بلاش تتعاملي مع الناس بطيبة أوي كده وتخليهم يستغلوكِ.
لوت سهر فمها وقالت:
- يعني إيه يا آدم مش هتشغل داليا زي ما أنا وعدتها.
مرر آدم يده بين شعره ونظر بحده إلى وجه سهر وقال:
- لاء أنا أسف داليا لا يمكن تشتغل عندي ومش هشوف لها أي شغل فأي مكان، خليها تبعد بعيد عننا ودا اللي عندي.
بكت سهر فجأة وهي تنظر لوجه آدم وقالت بصوت متألم:
- خلاص يا آدم سيبها تروح تشتغل عند حد معندوش ضمير ويكون زي فؤاد وتتكرر حكايتي مع داليا، ما لو كل واحد خلى الماضي يتحكم فيه ومرضاش يسامح الناس، يبقى مش هنعرف نعيش وأنت بترمي داليا بأيدك، أنا مكنتش أتخيل أن قلبك جامد كده يا آدم.
اقترب منها آدم ولكنها ابتعدت عن ذراعه وقالت:
- متجيش جانبي وعمومًا أنا هتصرف وهساعد داليا تلاقي شغل، وشكرا ليك أوي خلي شركتك لنفسك، أنا هطلب من محمود أو من هاني يشوفوا لها شغل، ومتزعلش نفسك ومتورطش نفسك معاها.
شعر آدم بنيران غيرته تتأجج ما أن نطقت سهر بإسم محمود، فهو حتى الآن لم يتقبل وجوده في حياتهم رغم مساندته له فالازمة السابقة فجذبها إليه وقال:
- مليون مرة أقولك مهما كان الخلاف بينا متبعديش عن حضني صح ولا لاء.
لفت سهر يداها حول خصر آدم ووضعت رأسها على صدره وقالت:
- متزعلش مني يا آدم مش قصدي أبعد عنك وبعدين فين البعد دا أساسًا وأنا بيني وبينك نص متر.
همس آدم وهو يقبل رأسها:
- حتى ولو ملي واحد وأنتِ زعلانة بحسه أمتار، أرجوكِ يا سهر بلاش ترفضي حضني ليكِ بجد بتقتليني بتصرفك دا.
وقفت سهر على أطراف أصابعها وقبلت ذقن آدم وقالت:
- طيب متزعلش ممكن بقى تسبني أروح احضر الفطار وبعدين احنا سايبين داليا برا لوحدها وكده ميصحش.
لما يبتعد عنها آدم إنما خرج معها وهو يضع يده فوق كتفها، فوجد داليا تجلس على الاريكة وتغمض عيناها فهمست سهر بهدوء:
- شكلها تعبان أوي تعالى نحضر الفطار، وبعدين ابقى أكلم محمود وهاني و.
صمتت سهر وأنت حينما ضغط آدم على كتفها بقوة فنظرت له وقالت:
- آدم وجعتني في أيه.
زفر آدم بحدة وقال معاتبا لها:
- تاني مرة تنطقى اسمه يا سهر بجد أنتِ لو قاصدة تشليني مش هتعملي كده وبعدين أنا مينفعش بعد ما مراتي تدي كلمة اصغرها أدام أي حد حتى ولو كنت رافض وجود الحد دا، أنا هنفذ لك طلبك وهشغل داليا فالشركة زي ما أنتِ عايزة بس إياكِ يا سهر إياكِ تجيبي اسم محمود على لسانك تاني، وقتها بجد معرفش هيبقى رد فعلي أيه معاكِ وهزعلك بجد فهماني.
قبلته سهر من وجنته وقالت بابتسامة خلبت لبه:
- فاهمة يا قلب سهر وعيون سهر وحياة سهر.
أحس آدم أن سهر تلاعبت به بملء أرادته فتنهد وقال بصوت خفيض:
- طيب ما تيجي تعترفي كده تاني أني قلبك وعيونك وحياتك جوا، أصل أنا مش بسمع كويس وعايز اعترافك مسجل وموقع كمان.
ابتعدت عنه سهر هاربة إلى المطبخ وهي تضحك وتقول:
- آدم أنت لو فضلت على الحال دا لا هيبقى في شركة ولا شغل ولا أي حاجة و.
قاطعها آدم مقبلا إياها بقوة وتملك وقال وهو يضمها إلى جسده:
- ما أنتِ لو حاسة باللي بتعمليه فيا كنتِ عذرتيني يا سهر، بس هقولك أيه يكفي بس أنك تعرفي أن لما بتبصي لي وعيونك بتلمع ببقى عايز اخطفك، ولما بتتكلمي وشفايفك ترتعش عقلي بيطير مني أنتِ ملكتيني يا سهر و.
توقف آدم عن إكمال اعترافه وابتعد عن سهر وقال فجأة وقد أحس بضعفه أمامها يتملكه بالكامل:
- أنا هروح أخذ شاور على ما تجهزي الفطار وهكلم الشركة وداليا تروح تستلم شغلها هناك ونحضر نفسنا علشان نسافر.
اوقفته سهر قبل أن يذهب وقالت:
- هتشغلها فين فالشركة يا آدم.
زفر آدم بحدة وحدق بسهر وقال:
- في الأرشيف يا سهر ولا أنتِ ليكِ رأي تاني.
ابتسمت سهر وقالت:
- وتشتغل في الارشيف ليه ما أنت بعد جواز منال هتحتاج سكرتيرة، شغلها مكان منال لأن أنا عارفة ومتأكدة أن هاني مش هيرضى يخلي منال تشتغل.
هز آدم رأسه بغير رضى وغادر قبل أن يتسبب في اغضابها مرة أخرى.
انتفض آدم حينما أحس بيد تلمس جسد، ففتح عيناه سريعا ليحدق بسهر بصدمة وهمس بصوت أجش:
- أنتِ أيه اللي دخلك الحمام و.
جذبته سهر إليها فتوقف آدم عن الحديث ليسمعها تهمس:
- حسيت أنك اضايقت مني فقلت اصالحك.
وقف آدم متجمدًا بين يدى سهر وحاول أن بتمالك رابط نفسه ولكنه لم يستطع، فأغلق صنبور المياه ومد يده جاذبًا المنشفة ليحيط بها خصره، وحمل سهر بعيدًا عن الماء وهو ينظر لجسدها وقد أطاحت سهر بكل ذرة تعقل لديه وقال:
- أنتِ لبستي المايوة دا امته يا سهر.
أجابته سهر بصوت ضعيف وقد تعالت ضربات قلبها أمام نظرات آدم فتشبثت بعنقه:
- لسه دلوقتي قلت طالما دخلنا جوا ومافيش عيون ألبسه وأشوف شكلي فيه، أصل أنا عمري ما لبست مايوة قبل كده و.
ابتلع آدم كلماتها وهو يقبلها بعد تمدد معاها فوق الفراش وقال وهو يمطرها بقبلاته:
- وآخر مرة يا قلب آدم تلبسيه لأن لو حد لمحك بيه هقتله وهقتلك وهقتل نفسي وهتبقى مجزرة بسبب المايوة.
ضحكت سهر بدلال وقالت وهي تنظر له بسعادة:
- وعلى أيه قلبك طيب بس معنى كده أن حتى وأنا معاك لا بردوا.
تنهد آدم وهو يندفن وجهه في عنقها وقال:
- والله وعرفتي تلعبي بيا يا بنت عم رشدي بس أنا بردوا آدم.
همست سهر بعشق:
- وأنا ملك آدم عمران و.
بقيت كلمات سهر معلقه بعدما حملها آدم على جناح عشقه لها ليغيبها عن الواقع ويذكرها فقط بحبه لها.
------------
ارتدى هاني ملابسه ووقف أمام مرآته ينظر إلى وجه منال المنعكس عليها بحب وقال:
- حبيبي سرحان فأيه.
انتبهت منال له فحاولت إخفاء انشغالها باسرتها وقالت:
- مافيش يا قلب منال.
التفت لها هاني واقترب منها وجلس بجانبها وقال:
- لا في وحاجة شغلاكِ أوي كمان منال متخبيش عليا أنا جوزك على فكرة وأنتِ لحد دلوقتي عاملة فرق بينا مش عارف ليه؟
ابعدت منال عيناها وهي تشعر بالدموع تحرقها وقالت:
- بصراحة يا هاني أنا مشغولة على ماما وأخواتي.
ربت هاني على يدها ورفعها ليقبلها وقال:
- منال تحبي تلبسي واوديكي تقعدي معاهم لحد ما اخلص شغلي واجيلك نروح سوا.
ابتسمت منال بفرح وقالت:
- بجد يا هاني يعني مش هتضايق لو روحت لهم.
ضمها هاني وقال:
- اضايق ايه بس يا منال دول اهلك ومينفعش امنعك عنهم أبدًا، على فكرة أنا مش وحش للدرجة دي أنا يمكن غيرتي عليكِ كبيرة أوي، بس مش لدرجة أمنعك عن أخواتك ووالدتك، وبعدين طالما هتلبسي النقاب خلاص هبقى مطمن عليكِ.
حدقت منال به بدهشة وسألته بحيره:
- نقاب أيه يا هاني أنا كنت فكراك بتهزر طيب، قول اتحجب إنما البس نقاب على طول.
وقف هاني ونظر إليها وقال بلهجة من اتخذ القرار:
- أنا مش بهزر ولو ملبستيش النقاب يا منال مافيش نزول من البيت، ولو على اخواتك ووالدتك هجيبهم هنا دا قرار مافيش رجوع عنه.
سألته منال بقلق:
- يعني أيه يا هاني الكلام دا وهو أنا هينفع أنزل شغلي وأنا لابسه النقاب هبقى سكرتيرة بالنقاب أزاي.
كادت نظرات هاني أن تشعل منال فشعرت بالخوف من تحديقه بها وهي ترى تبدل ملامحه للغضب فعقد هاني حاجبيه وقال:
- عيدي تاني كلامك وسمعيني حضرتك بتقولي أيه تنزلي فين يا منال.
همست منال بتلعثم وهي تزدرد لعابها:
- ا ل ش غ ل.
صاح هاني بغضب فارتجفت منال خوفًا وقال:
- الشغل دا من عاشر المستحيلات أن مراتي أنا تشتغل، أنتِ مجنونة أنا بغير عليكِ من أخواتك تقولى لي أنزل شغل، أنسي يا منال خلاص أساسًا أنتِ مش محتاجة للشغل وأنا أقدر اكفيكِ بأي طلبات تطلبيها.
تحركت منال ووقفت أمام هاني وقالت:
- بس احنا متفقناش على كده يا هاني أنا عايزة أنزل أشتغل، أنا موافقة البس النقاب بس سبني أنزل أشتغل أنا مينفعش مشتغلش.
شعر هاني أن زمام الامور يفلت منه وقد تملكه الغضب من كلمات منال فقال محاولا إنهاء الحوار:
- منال أنا اللي عندي قولته شغل مافيش تلبسي النقاب هوديكىِ لاخواتك مش هتلبسيه هيجولك هما، إنما نزول للشارع ومن غيري لأ ودا اللي عندي، عن أذنك أنا اتأخرت على شغلي وهبقى اتصل بوالدتك واقولها تيجي باخواتك تقضي اليوم هنا معاكىِ فالبيت.
غادر هاني شقته وهو يشعر بالضيق لفرضه كلامه بتلك الطريقة على منال، فهو شعر بحزنها لكلماته ولكنه لا يستطيع أن يدعها تغيب عن نظره، فمنذ زواجهم وهو لا يستطيع الابتعاد عنها ولا مفارقتها، خاصة بعدما سمع تعليقات البعض في حفل زفافهم عن مدى جمالها ورقتها وروعة جسدها، فأصبح يخشى عليها من أن يضايقها أحد أو تطمع بها عين.
جلست منال وسط أخوتها تشعر بالذنب تجاههم، فعملها كان يساعد كثيرًا وقد شعرت بضيق والدتها، ولكنها خافت أن تسألها حتى لا تجرحها، خاصة وقد أعلمتها شقيقتها أن عمهم لم يرسل أي نقود منذ تزوجت هي.
وقفت منال تعد طعام الغذاء وهي تبكي ضيق الحال الذي طال أسرتها وشعرت بازدياد غضبها وكراهيتها تجاه عمها لطمعه وبخله عليهم بهذا الشكل، فانتفضت تمسح دموعها حينما ولجت شقيقتها فتنهدت براحة فسألتها هناء وقالت:
- مالك يا منال أنتِ بتعيطي.
دمعت عين منال أكثر وقالت بصوت خفيض:
- وطي صوتك علشان ماما متسمعش، أنا مضايقة بسبب عمك اللي معندوش دم دا، مش كفايا سارق حقنا كمان بخلان يبعت الفلوس اللي عنده، أنا مش عارفة هنفضل تحت رحمته لامته.
أجابتها هناء وقالت:
- لحد ما أخواتك يتموا سن الرشد يا فالحة ويقدروا ياخدو حقهم منه.
زفرت منال بألم وقالت:
- وأنتو هتفضلوا تحت رحمته كل السنين دي، بعدين ماما هتعمل أيه وهتصرفوا منين خصوصًا أن هاني رافض أني ارجع شغلي تاني وأنا كنت حاطة أمل على شغلي أنكم تاخدوا المرتب عادي، أنا حاسة أني السبب باللي بيحصل دا، ياريتني ما كنت اتجوزت وكنت فضلت معاكم، مكنتش شوفت نظرة الحزن اللي فعيون ماما بالشكل دا.
احتضنتها هناء وقالت:
- بطلي أحسن لو ماما سمعتك ولا جوزك هتبقى مصيبة.
ارتجفت منال وقالت بقلق:
- هو هاني جه ومقولتيش ليه بس يا هناء.
أجابتها هناء وقالت:
- ما أنا كنت جاية أقولك بس الكلام أخدنا عمومًا أطلعي أنتِ وأنا هخلص باقي الاكل متخافيش ماما معلماني زيك بالظبط مش هبوظ حاجة.
خرجت منال من المطبخ وهي تشعر بالتوتر والاضطراب، فبحثت بعيناها عن هاني ولم تجده فدلفت إلى غرفة المعيشة وابتسمت لوالدتها وقالت:
- أيه يا ست الكل العيال دول اخدوا منك الريموت بردوا.
ضحكت فوزية وقالت:
- سيبيهم براحتهم المهم أنتِ عاملة أيه يا بنتي قوليلي أنتِ مبسوطة.
جلست منال بجانب فوزية وقالت:
- أنا فنعمة والله يا ماما هاني إنسان طيب أوي وبيحبني وأنا كمان بحبه ربنا يخليه ليا بس المهم طمنيني أنتِ عليكم أنا شايفة عيونك دبلانة ومش زي الأول.
رسمت فوزية ابتسامة لم تصل إلى عيناها وقالت:
- دا بس علشان حته من قلبي سابت البيت فأنا حسيت بوجع غيابها.
احتضنت منال والدتها وقالت:
- ربنا يخليكِ ليا يا أمي.
وابتعدت منال واكملت:
- أنا هروح اشوف هاني واجى نحضر الغدا ماشي يا قلبي.
خرجت منال مسرعة قبل أن تبكي مرة أخرى ودخلت إلى غرفة نومها، فوجدت هاني يقف في الشرفة وقد ابدل ملابسه، فاقتربت منه وأحاطته بيدها فالتفت لها بحدة وقال:
- ادخلي جوا يا منال أنتِ طالعة البلكونة بشعرك وكمان بتحضنيني، أنتِ مش شايفة الناس اللي حوالينا.
حدقت منال بوجه هاني بغضب وقالت بانفعال واضح:
- لا دا بالشكل دا مش هتبقى عيشة أنت ناقص تحطني جوا صندوق وتقفل عليا، حتى البلكونة ممنوع اطلعها في أيه يا هاني الغيرة متبقاش بالشكل دا.
جذبها هاني بحده من يدها وقربها من وجهه وقال:
- صوتك عالي يا منال ودي أول وأخر مرة ترفعي صوتك عليا، وبعدين أنا مقولتش متطلعيش البلكونة بس غطي شعرك ومافيش داعي للاحضان والكلام دا، احنا فالبلكونة وفي مليون عين باصة علينا، لينا شقة مقفولة علينا اعملي فيها إلى أنتِ عوزاها إنما برا بلاش الحركات دي اللي ممكن كل واحد يقعد يتخيل نفسه مكاني جوا حضنك وأنا مقبلش بدا أبدًا.
هزت منال رأسها بدهشة وقالت:
- أنت مكبرها أوي كأن الرجالة مستنيه يطلع البلكونة، هاني أنا خايفة منك بجد أنت شكلك محتاج تروح لدكتور نفساني، أنت مش ملاحظ انفعالك وطريقتك.
تنهدت منال وصمتت وهي تنظر إليه وقالت:
- عمومًا حقك عليا أنا اسفة شوف اللي أنت عايزه وأنا هعمله أنا مقدرش اخليك متعصب بالشكل دا بسببي ولو على النقاب حاضر هلبسه وأمرى لله.
ابتسم هاني واحتضنها وقبل جبينها وابتعد عنها ليخرج حقيبة هدايا من خزانة الملابس وقدمها إلى منال وقال:
- بما أنك قولتي الكلام دا فأقبلي مني الهدية دي.
فتحت منال الحقيبة واخرجت منها نقاب أسود وآخر كحلى اللون فابتسمت وقالت:
- هدية مقبولة يا هاني.
وضعت منال الحقيبة على الفراش وقالت:
- أنا هروح احضر الغدا يلا ببقى شكلنا كده وحش وماما قاعدة لوحدها كل الوقت دا.
جذبها هاني إلى احضانه وقال:
- طيب مش هتلبسي واحد منهم دلوقتي.
دفعته منال عنها غير مصدقة وقالت:
- أنا فالبيت واللي برا دول اخواتي يا هاني لتكون ناسي اخواتي من بابا مش من حد غريب عن إذنك.
جلس هاني على طرف الفراش وجذب شعره يشده بقوة وقال:
- اخواتي ولا حتى عمك ولا ابوكي نفسه اهم كلهم رجالة ما تفهمي بقى يعني إيه غيرة.
عادت منال إليه لتفاجأه قائلة:
- أفهم أنت معنى الحب والغيرة الأول يا هاني لأن اللي أنت فيه دا هوس، ولو فضلت بالشكل دا يبقى هتصعب الحياة مابينا، لأنك كل يوم هتبقى أصعب من اليوم اللي قبله ويلا عيب أوي تفضل قاعد هنا وماما واخواتي برا، هناء حضرت السفرة ولا مش ناوي تتغدى معانا.
تحرك هاني باتجاها وقال:
- خلاص قايم معاكِ.
--------------------
جلست داليا تتابع عملها في مكتب آدم محاولة كسب ثقة مازن الذي لم يتقبل وجودها حتى الآن، ولكنها تعاملت معه بحذر خوفًا من أن يتسبب في طردها من العمل، فجلست تنظر إلى الملفات وتدون ما بها في ورق خارجي ولم تلحظ مازن الواقف عند باب المكتب يتابع ما تفعل، واقترب منها فجأة ومسك يدها بقوة وهو يصيح:
- أنتِ بتعملي أيه وبتسجلي المعلومات دي فالورق ليه، ما هي متثبته على الكمبيوتر.
حدقت به داليا وقد شحب وجهها وقالت:
- أنا أنا أصل أنا بعمل لهم كود واهو اتفضل شوف بنفسك، أصل فكرت انظمهم بأكواد في الملفات برا وعلى الكمبيوتر، علشان لو أي ملف اطلب يبقى سهل نلاقيه وبعدين أنا معملتش حاجة غلط.
حدق بها مازن غير مصدق وقال:
- رغم أن مش مقتنع بس ماشي أما نشوف أخرتها معاكِ، هانت كلها أسبوع وآدم يرجع ونشوف سبب مجيك هنا الحقيقي إيه عن إذنك وياريت متشرفنيش بطلتك فمكتبي.
ما أن غادر مازن حتى تنفست داليا الصعداء وهي تهمس:
- اوف مكنتش عاملة حسابك خالص بس مش مهم هعرف بردوا انفذ اللي أنا عايزاه ولا أنت ولا أي حد هيقدر يمنعني يا مازن بيه.
ما أن وصل مازن إلى مكتبه حتى سمع رنين هاتفه فنظر إلى رقم هايدي وأجاب سريعا فوصل لأذنه صياحها وهي تقول:
- كنت فين يا مازن ليا نص ساعة بتصل بيك أول مرة يعني متردش على طول.
أجابها مازن وهو يحاول تهدئتها وقال:
- مافيش كنت فمكتب آدم بشوف السكرتيرة الجديدة اللي بعتها.
صاحت هايدي بصوت صاخب:
- نعم بتشوف مين السكرتيرة الجديدة وأنت تشوفها بصفتك أيه يا مازن جرا أيه يا مازن أنت بتلعب بديلك من ورايا.
أسرع مازن يحاول إصلاح الأمر وقال:
- أبدًا صدقيني وحياتك عندي ما بلعب بديلي أنا أصلًا معنديش ديل ألعب بيه، كل ما هنالك أنا روحت أشوفها بتعمل أيه فالشغل أنا أساسًا مش مرتاح لها ومش عارف آدم مصمم يشغلها مكان منال ليه وموصى عليها جامد أوي، دا غير أني سمعت أنه جاب لها شقة تقعد فيها.
هتفت هايدي بعدم تصديق:
- أيه الكلام اللي بتقوله دا يا مازن مستحيل آدم يعمل كده يجيب لمين شقة أنت فاهم كلامك دا معناه إيه دا لو سهر عرفت هتولع الدنيا حواليه.
زفر مازن بضيق وقال:
- هانت أهو قرب يجي ونبقى نفهم منه المهم أنتِ كنتي بتتصلي ليه.
أجابته هايدي وقالت:
- لا مافيش أنا كنت بطمن عليك أنا هقفل بقى أحسن آدم بيعيط سلام.
نظر مازن إلى هاتفه متعجبًا وقال لنفسه:
- عايش مع واحدة مجنونة بحالات أنا مش عارف هلاقيها منين ولا منين.
انهت هايدي حديثها مع مازن لتنظر إلى وجه ابنها وقالت:
- الموضوع دا مش مطمني ابوك شكله كده بيفكر يخوني أنا لازم اشوف السكرتيرة دي ودلوقتي.
وصلت هايدي إلى شركة آدم وحاولت تمالك أعصابها وما أن وصلت إلى مكتبه آدم حتى دفعت الباب بحدة، وحدقت بوجه تلك الجالسة على المكتب وصاحت بصوت رافض وجودها:
- داليا أنتِ أيه اللي جابك هنا.
ارتبكت داليا ونظرت باتجاه هايدي وعبست وزفرت بحدة وقالت:
- مش هنخلص بقى من الموضوع دا.
صاحت بها هايدي وقالت بغضب:
- أنتِ بتقولي أيه ما تسمعيني صوتك.
أجابتها داليا ببرود:
- مقولتش حاجة بقول أن ادم جابني اشتغل فالمكتب بدل منال عادي يعني زي ما سمعت أنك اتجوزتي مازن عادي بردوا.
اقتربت هايدي منها بغضب وقالت:
- وزي ما هطردك من هنا عادي بردوا يا داليا لأنك استحالة تقعدي فالشركة دي ساعة واحدة زيادة عن كده اتفضلي لمي حاجتك واطلعي برا.
أشاحت داليا بوجهها عن هايدي وقالت:
- حضرتك ملكيش أي صفة هنا علشان تطرديني أنا هنا بأمر من صاحب الشركة نفسه فلو سمحتي هو مانع حد غريب يدخل المكتب فغيابه هبقا اخدلك ميعاد منه لما يجي الأسبوع الجاي.
ضربت هايدي الأرض بقدمها وهي تغلي غضبا وغادرت تطاردها الشياطين فاقتحمت مكتب مازن تصيح بصوت هادر:
- الحيوانة اللي فمكتب آدم دي مستحيل تقعد فالشركة دي، الهانم بتقولي أن ماليش أي صفة علشان اقولها تمشي وبتتحداني يا مازن.
حدق مازن بهايدي وقال:
- أنا عارف إن الموضوع دا مش هيمر بخير أنتِ أيه اللي جابك يا هايدي.
وقفت هايدي وهي تضع يداها على خصرها وقالت:
- جيت أشوف الهانم اللي سيادتك سبت مكتبك وموبايلك وروحت عندها تطلع مين، يا مازن البت دي خطر والله دي بتكره سهر أوي دي هي اللي قالت لي موضوع تصوير سهر مع آدم ونفضحها مينفعش تفضل هنا، أكيد وجودها فالشركة وراه حاجة أنا مش مطمنة.
وقفت داليا تراقب المكتب من الخارج وحينما اطمئت اغلقت الباب خلفها وأخرجت هاتفها وأجرت اتصالها وقالت:
- أيوة أنا فالمكتب ومعايا كل البيانات بس حصلت حاجة هتبوظ عليا وجودي هنا هايدي جت ومصممة أنها تمشيني من الشركة وأنا مش عارفة لما آدم يرجع هيعمل أيه.
صمتت داليا قليلا تستمع للطرف الأخر ثم أجابت:
- لا معرفتش أدخل مكتبه قافله برمز حماية غير المفتاح لازم أفضل حتى ولو يوم بعد ما يجي علشان أقدر أجيب الملفات اللي جوا، اتصرف أنت بقى فموضوع هايدي ومازن وألا ماليش دعوة أنت قولت وجودي مفيهوش أي خطر عليا، إنما بعد اللي هايدي عملته والحالة اللي كانت عليها أنا فعلًا خايفة منها.
استمعت داليا لما يقال لها فقالت:
- ماشي خلاص طالما هتتصرف أنت سلام بقى قبل ما حد يجي ومتنساش المبلغ يوصل لي كامل وألا أنت عارف داليا لو قلبت هتقلبها على الكل سلام.
وليست كل النوايا طيبة.
---------------------------------
حبيبتي ملاك بريء ستتسبب في فقداني لعقلي قريبا فهي تبهرني كل لحظة بشيء جديد أعرفه عنها فـأراها كأنني أراها للمرة الأولى، وها هي تدفعني للغرق ونحن وسط بركة السباحة لأول مرة بعدما ألقيت بها، لأتفاجىء بها تتشبث بي تخشى الغرق فدفعتني أسفل الماء بمحاولة منها لإنقاذ نفسها في بركة عمقها لا يتعدى المتر ونصف، ووسط دهشتي تسألني وأنا أسعل لالتقاط أنفاسي إن كانت داليا قد استقرت في وظيفتها الجديدة التي أصرت على أن أقدمها لها، أخذ آدم يحاول تنظيم أنفاسه وهدوءه وهو يحدق بملامح سهر التي ابتعدت عنه، بعدما صاح بها أنها لن تغرق بل هو الذي قد ابتلع نصف البركة بوقوفها فوقه، فاقترب منها ببطء فنظرت له سهر كالأرنب المذعور وقالت:
- أهدى يا آدم أنا مكنتش أعرف إنها يادوب على طولي، بس أعمل أيه غصب عني أنت السبب حد قالك ترميني فيها وأنا مبعرفش أعوم، ملاقتش غيرك أدامي بس بصراحة يا دومي منظرك كان تحفة وأنت بتغرق.
أخذت سهر تضحك ونسيت اقتراب آدم منها، فحاوطها آدم بذراعيه على جانب المسبح ومال بوجهه إليها وقال:
- يعني تنقذي نفسك تقعدي فوق مني يا سهر، ومش عجبك كمان إني بشيلك بعيد عني، تقولي لي متتحركش أحسن أغرق وأنا تحت بشرب فالمية بسببك.
لم تستطع سهر تمالك نفسها فاستمرت في ضحكاتها، فأبتسم آدم على ملامحها الطفولية التي تملكت منها منذ وصلوا أنقرة، فقد تغيرت سهر بالكامل أصبحت فتاة منطلقة جذابة، فتنهد آدم وهو يحدق بعينيها وهمس بعتاب:
- مش ناوية تسمعي الكلام وتتحجبى بقى.
مدت سهر ذراعيها وأحاطت عنق آدم وقالت بمرح:
- أكيد هسمع الكلام بس شوية ومافيش داعي للمحاضرة بتاعت الأيام اللي فاتت، بغير عليكي والناس بتاكلك بعنيها وإنك ماسك نفسك بالعافية، حبيبي أهدى شوية أنت جايبني هنا ننسى الدنيا كلها واحنا من يوم ما وصلنا للنهاردة مخرجناش ومحدش شافني.
صمتت سهر وقبلته وقالت وهي تراه ما زال محدقا بها بعينين مأسورتين لدى عينيها:
- حبيبي مجاوبتنيش اطمنت أن داليا مرتاحة فالشغل وعملت إيه فموضوع الشقة اللي هتقعد فيها و.
ابتعد آدم عنها وزفر بضيق وقال:
- سهر مش كل شوية تسألي السؤال نفسه، أنا أول مرة أعمل حاجة فعلًا مش موافق عليها ورافضها بالكامل، ودا علشان خاطرك فارجوكِ بلاش تجيبي سيرة داليا نهائي لحد ما نبقى نرجع مصر ممكن.
أنهى آدم حديثه وغادر البركة يشعر بالضيق فهو ما زال غير مقتنع كليا بكل ما حدث، إنما تقبل الأمر رغما عنه من أجل سهر فقط، اتجه آدم إلى مرحاض غرفته ووقف أسفل رذاذ الماء محاولًا تهدئة أعصابه، فلدى سهر القدرة على بعثرة كيانه ومشاعره، وإشعال رغبته بها في ثانية واحدة لتحويلها إلى غضب في الثانية التالية.
فأغمض عينيه متذكرًا ذاك اليوم منذ أسبوع، حينما فتح باب فيلته ليجد داليا أمامه تبكي بشدة، ولم يدر لحظتها لما شعر بالخوف منها، كاد أن يستدعي أحد رجال الحراسة ليخرجها، ولكن مجيء سهر أفسد أمر إبعاده إياها، فهي ما أن رأتها تبكي حتى جذبتها إلى الداخل لترتمي داليا بين ذراعيها تبكي بشدة أكبر، فوقف آدم مندهشا من ردة فعل زوجته التي أشارات له أن يدعها بمفردها مع داليا، ولكنه توجس خيفة من وجود داليا فتوارى عن نظرهما ووقف يستمع إليهما، فسمع سهر تقول:
- أهدي يا داليا.
نظرت داليا إليها بعنيين باكيتين وقالت:
- أنا مكنتش متخيلة إنك هتقابليني بالشكل دا بجد أنتِ قلبك طيب أوي يا سهر رغم اللي عملته معاكِ زمان.
نظرت سهر إليها وقالت:
- زمان فات خلاص يا داليا وكلنا بنغلط والناس بتوع زمان كلهم اتغيروا، أنسى بقى وقوليلي مالك بتعيطي ليه كده.
أجابتها داليا بصوت باك:
- بعيط من ضيقتي الأبواب كلها اتقفلت فوشي يا سهر وملاقتش شغل محترم بعد ما سبت الفندق، كل ما بلاقي شغل بيقى صاحب الشغل فاكر إن علشان بنت وحدانية وماليش حد، خلاص سهل بقى أفرط فنفسي، أنا تعبت يا سهر أوي واتبهدلت كتير، وبصراحة لما شوفت أخبارك على النت قلت أجيلك، لأني عارفة قلبك وطيبتك وأكيد هتحسي بيا وبظروفي، وممكن تساعديني ألاقي أي شغل محترم.
ابتسمت سهر لداليا وربتت على يدها وقالت:
- أنتِ جيتي المكان الصح يا داليا متشغليش بالك من بكرة هتنزلي شغل كويس وفمكان محترم، أنا لا يمكن أسيبك تتبهدلي ولا حد يستغلك أبدًا، بصي أنا هقوم أعملك عصير وأحضر الفطار تفطري معانا، وبعد كده هكلم آدم وإن شاء الله تخرجي من هنا ومكانك فالشغل محفوظ.
حدقت داليا بوجه سهر وقالت بارتباك:
- أنتِ بتتكلمي جد يا سهر يعني أنتِ هتساعديني ألاقي شغل أنا مش عارفة أشكرك أزاي بجد.
احتضنتها سهر وقالت:
- قومي تعالي اغسلي وشك وارتاحي شوية على ما أحضر الفطار.
ما أن أغلقت داليا باب المرحاض خلفها حتى جذب آدم سهر إليه بقوة، وتوجه معها إلى غرفتهم وأغلق الباب بحدة ونظر لها يكاد يفتك بها على ما قالته، فنظرت إليه سهر بعتاب ودمعت عيناها، فتغيرت ملامح وجه آدم في لحظات قلقًا من حزنها فسمعها تقول:
- شوفت يا آدم داليا و.
وضع آدم يده على فم سهر يمنعها من الحديث وقال:
- سمعت ومش مقتنع بحاجة تسمحي بقى تفهميني حضرتك هتشغليها فين.
مالت سهر فجأة على آدم ومدت أصابعها تلامس صدره وقالت:
- فالشركة عندك أكيد يا حبيبي.
حدق آدم بها غير مصدق لما قالته فسب فضربته سهر على كتفه وقالت:
- لسانك الجميل دا ميقولش الكلام الوحش دا، وبعدين مالك متنح لي ليه كده هو أنت مش قلت أن شركتك دي هي شركتي ولا رجعت فكلامك.
ابتعد عنها آدم ليتمالك أعصابه وقال:
- شركتك مقولتش حاجة بس داليا لاء يا سهر.
زفرت سهر بضيق وقالت:
- وبعدين يا آدم مرة هايدي لاء ومرة داليا لاء، في أية ما تنسى اللي فات بقى.
عقد آدم حاجبيه وقال بضيق:
- أنسى الناس اللي اتسببت فأذيتك أزاي أنا لا يمكن أنسى أبدًا، وبعدين بلاش تتعاملي مع الناس بطيبة أوي كده وتخليهم يستغلوكِ.
لوت سهر فمها وقالت:
- يعني إيه يا آدم مش هتشغل داليا زي ما أنا وعدتها.
مرر آدم يده بين شعره ونظر بحده إلى وجه سهر وقال:
- لاء أنا أسف داليا لا يمكن تشتغل عندي ومش هشوف لها أي شغل فأي مكان، خليها تبعد بعيد عننا ودا اللي عندي.
بكت سهر فجأة وهي تنظر لوجه آدم وقالت بصوت متألم:
- خلاص يا آدم سيبها تروح تشتغل عند حد معندوش ضمير ويكون زي فؤاد وتتكرر حكايتي مع داليا، ما لو كل واحد خلى الماضي يتحكم فيه ومرضاش يسامح الناس، يبقى مش هنعرف نعيش وأنت بترمي داليا بأيدك، أنا مكنتش أتخيل أن قلبك جامد كده يا آدم.
اقترب منها آدم ولكنها ابتعدت عن ذراعه وقالت:
- متجيش جانبي وعمومًا أنا هتصرف وهساعد داليا تلاقي شغل، وشكرا ليك أوي خلي شركتك لنفسك، أنا هطلب من محمود أو من هاني يشوفوا لها شغل، ومتزعلش نفسك ومتورطش نفسك معاها.
شعر آدم بنيران غيرته تتأجج ما أن نطقت سهر بإسم محمود، فهو حتى الآن لم يتقبل وجوده في حياتهم رغم مساندته له فالازمة السابقة فجذبها إليه وقال:
- مليون مرة أقولك مهما كان الخلاف بينا متبعديش عن حضني صح ولا لاء.
لفت سهر يداها حول خصر آدم ووضعت رأسها على صدره وقالت:
- متزعلش مني يا آدم مش قصدي أبعد عنك وبعدين فين البعد دا أساسًا وأنا بيني وبينك نص متر.
همس آدم وهو يقبل رأسها:
- حتى ولو ملي واحد وأنتِ زعلانة بحسه أمتار، أرجوكِ يا سهر بلاش ترفضي حضني ليكِ بجد بتقتليني بتصرفك دا.
وقفت سهر على أطراف أصابعها وقبلت ذقن آدم وقالت:
- طيب متزعلش ممكن بقى تسبني أروح احضر الفطار وبعدين احنا سايبين داليا برا لوحدها وكده ميصحش.
لما يبتعد عنها آدم إنما خرج معها وهو يضع يده فوق كتفها، فوجد داليا تجلس على الاريكة وتغمض عيناها فهمست سهر بهدوء:
- شكلها تعبان أوي تعالى نحضر الفطار، وبعدين ابقى أكلم محمود وهاني و.
صمتت سهر وأنت حينما ضغط آدم على كتفها بقوة فنظرت له وقالت:
- آدم وجعتني في أيه.
زفر آدم بحدة وقال معاتبا لها:
- تاني مرة تنطقى اسمه يا سهر بجد أنتِ لو قاصدة تشليني مش هتعملي كده وبعدين أنا مينفعش بعد ما مراتي تدي كلمة اصغرها أدام أي حد حتى ولو كنت رافض وجود الحد دا، أنا هنفذ لك طلبك وهشغل داليا فالشركة زي ما أنتِ عايزة بس إياكِ يا سهر إياكِ تجيبي اسم محمود على لسانك تاني، وقتها بجد معرفش هيبقى رد فعلي أيه معاكِ وهزعلك بجد فهماني.
قبلته سهر من وجنته وقالت بابتسامة خلبت لبه:
- فاهمة يا قلب سهر وعيون سهر وحياة سهر.
أحس آدم أن سهر تلاعبت به بملء أرادته فتنهد وقال بصوت خفيض:
- طيب ما تيجي تعترفي كده تاني أني قلبك وعيونك وحياتك جوا، أصل أنا مش بسمع كويس وعايز اعترافك مسجل وموقع كمان.
ابتعدت عنه سهر هاربة إلى المطبخ وهي تضحك وتقول:
- آدم أنت لو فضلت على الحال دا لا هيبقى في شركة ولا شغل ولا أي حاجة و.
قاطعها آدم مقبلا إياها بقوة وتملك وقال وهو يضمها إلى جسده:
- ما أنتِ لو حاسة باللي بتعمليه فيا كنتِ عذرتيني يا سهر، بس هقولك أيه يكفي بس أنك تعرفي أن لما بتبصي لي وعيونك بتلمع ببقى عايز اخطفك، ولما بتتكلمي وشفايفك ترتعش عقلي بيطير مني أنتِ ملكتيني يا سهر و.
توقف آدم عن إكمال اعترافه وابتعد عن سهر وقال فجأة وقد أحس بضعفه أمامها يتملكه بالكامل:
- أنا هروح أخذ شاور على ما تجهزي الفطار وهكلم الشركة وداليا تروح تستلم شغلها هناك ونحضر نفسنا علشان نسافر.
اوقفته سهر قبل أن يذهب وقالت:
- هتشغلها فين فالشركة يا آدم.
زفر آدم بحدة وحدق بسهر وقال:
- في الأرشيف يا سهر ولا أنتِ ليكِ رأي تاني.
ابتسمت سهر وقالت:
- وتشتغل في الارشيف ليه ما أنت بعد جواز منال هتحتاج سكرتيرة، شغلها مكان منال لأن أنا عارفة ومتأكدة أن هاني مش هيرضى يخلي منال تشتغل.
هز آدم رأسه بغير رضى وغادر قبل أن يتسبب في اغضابها مرة أخرى.
انتفض آدم حينما أحس بيد تلمس جسد، ففتح عيناه سريعا ليحدق بسهر بصدمة وهمس بصوت أجش:
- أنتِ أيه اللي دخلك الحمام و.
جذبته سهر إليها فتوقف آدم عن الحديث ليسمعها تهمس:
- حسيت أنك اضايقت مني فقلت اصالحك.
وقف آدم متجمدًا بين يدى سهر وحاول أن بتمالك رابط نفسه ولكنه لم يستطع، فأغلق صنبور المياه ومد يده جاذبًا المنشفة ليحيط بها خصره، وحمل سهر بعيدًا عن الماء وهو ينظر لجسدها وقد أطاحت سهر بكل ذرة تعقل لديه وقال:
- أنتِ لبستي المايوة دا امته يا سهر.
أجابته سهر بصوت ضعيف وقد تعالت ضربات قلبها أمام نظرات آدم فتشبثت بعنقه:
- لسه دلوقتي قلت طالما دخلنا جوا ومافيش عيون ألبسه وأشوف شكلي فيه، أصل أنا عمري ما لبست مايوة قبل كده و.
ابتلع آدم كلماتها وهو يقبلها بعد تمدد معاها فوق الفراش وقال وهو يمطرها بقبلاته:
- وآخر مرة يا قلب آدم تلبسيه لأن لو حد لمحك بيه هقتله وهقتلك وهقتل نفسي وهتبقى مجزرة بسبب المايوة.
ضحكت سهر بدلال وقالت وهي تنظر له بسعادة:
- وعلى أيه قلبك طيب بس معنى كده أن حتى وأنا معاك لا بردوا.
تنهد آدم وهو يندفن وجهه في عنقها وقال:
- والله وعرفتي تلعبي بيا يا بنت عم رشدي بس أنا بردوا آدم.
همست سهر بعشق:
- وأنا ملك آدم عمران و.
بقيت كلمات سهر معلقه بعدما حملها آدم على جناح عشقه لها ليغيبها عن الواقع ويذكرها فقط بحبه لها.
------------
ارتدى هاني ملابسه ووقف أمام مرآته ينظر إلى وجه منال المنعكس عليها بحب وقال:
- حبيبي سرحان فأيه.
انتبهت منال له فحاولت إخفاء انشغالها باسرتها وقالت:
- مافيش يا قلب منال.
التفت لها هاني واقترب منها وجلس بجانبها وقال:
- لا في وحاجة شغلاكِ أوي كمان منال متخبيش عليا أنا جوزك على فكرة وأنتِ لحد دلوقتي عاملة فرق بينا مش عارف ليه؟
ابعدت منال عيناها وهي تشعر بالدموع تحرقها وقالت:
- بصراحة يا هاني أنا مشغولة على ماما وأخواتي.
ربت هاني على يدها ورفعها ليقبلها وقال:
- منال تحبي تلبسي واوديكي تقعدي معاهم لحد ما اخلص شغلي واجيلك نروح سوا.
ابتسمت منال بفرح وقالت:
- بجد يا هاني يعني مش هتضايق لو روحت لهم.
ضمها هاني وقال:
- اضايق ايه بس يا منال دول اهلك ومينفعش امنعك عنهم أبدًا، على فكرة أنا مش وحش للدرجة دي أنا يمكن غيرتي عليكِ كبيرة أوي، بس مش لدرجة أمنعك عن أخواتك ووالدتك، وبعدين طالما هتلبسي النقاب خلاص هبقى مطمن عليكِ.
حدقت منال به بدهشة وسألته بحيره:
- نقاب أيه يا هاني أنا كنت فكراك بتهزر طيب، قول اتحجب إنما البس نقاب على طول.
وقف هاني ونظر إليها وقال بلهجة من اتخذ القرار:
- أنا مش بهزر ولو ملبستيش النقاب يا منال مافيش نزول من البيت، ولو على اخواتك ووالدتك هجيبهم هنا دا قرار مافيش رجوع عنه.
سألته منال بقلق:
- يعني أيه يا هاني الكلام دا وهو أنا هينفع أنزل شغلي وأنا لابسه النقاب هبقى سكرتيرة بالنقاب أزاي.
كادت نظرات هاني أن تشعل منال فشعرت بالخوف من تحديقه بها وهي ترى تبدل ملامحه للغضب فعقد هاني حاجبيه وقال:
- عيدي تاني كلامك وسمعيني حضرتك بتقولي أيه تنزلي فين يا منال.
همست منال بتلعثم وهي تزدرد لعابها:
- ا ل ش غ ل.
صاح هاني بغضب فارتجفت منال خوفًا وقال:
- الشغل دا من عاشر المستحيلات أن مراتي أنا تشتغل، أنتِ مجنونة أنا بغير عليكِ من أخواتك تقولى لي أنزل شغل، أنسي يا منال خلاص أساسًا أنتِ مش محتاجة للشغل وأنا أقدر اكفيكِ بأي طلبات تطلبيها.
تحركت منال ووقفت أمام هاني وقالت:
- بس احنا متفقناش على كده يا هاني أنا عايزة أنزل أشتغل، أنا موافقة البس النقاب بس سبني أنزل أشتغل أنا مينفعش مشتغلش.
شعر هاني أن زمام الامور يفلت منه وقد تملكه الغضب من كلمات منال فقال محاولا إنهاء الحوار:
- منال أنا اللي عندي قولته شغل مافيش تلبسي النقاب هوديكىِ لاخواتك مش هتلبسيه هيجولك هما، إنما نزول للشارع ومن غيري لأ ودا اللي عندي، عن أذنك أنا اتأخرت على شغلي وهبقى اتصل بوالدتك واقولها تيجي باخواتك تقضي اليوم هنا معاكىِ فالبيت.
غادر هاني شقته وهو يشعر بالضيق لفرضه كلامه بتلك الطريقة على منال، فهو شعر بحزنها لكلماته ولكنه لا يستطيع أن يدعها تغيب عن نظره، فمنذ زواجهم وهو لا يستطيع الابتعاد عنها ولا مفارقتها، خاصة بعدما سمع تعليقات البعض في حفل زفافهم عن مدى جمالها ورقتها وروعة جسدها، فأصبح يخشى عليها من أن يضايقها أحد أو تطمع بها عين.
جلست منال وسط أخوتها تشعر بالذنب تجاههم، فعملها كان يساعد كثيرًا وقد شعرت بضيق والدتها، ولكنها خافت أن تسألها حتى لا تجرحها، خاصة وقد أعلمتها شقيقتها أن عمهم لم يرسل أي نقود منذ تزوجت هي.
وقفت منال تعد طعام الغذاء وهي تبكي ضيق الحال الذي طال أسرتها وشعرت بازدياد غضبها وكراهيتها تجاه عمها لطمعه وبخله عليهم بهذا الشكل، فانتفضت تمسح دموعها حينما ولجت شقيقتها فتنهدت براحة فسألتها هناء وقالت:
- مالك يا منال أنتِ بتعيطي.
دمعت عين منال أكثر وقالت بصوت خفيض:
- وطي صوتك علشان ماما متسمعش، أنا مضايقة بسبب عمك اللي معندوش دم دا، مش كفايا سارق حقنا كمان بخلان يبعت الفلوس اللي عنده، أنا مش عارفة هنفضل تحت رحمته لامته.
أجابتها هناء وقالت:
- لحد ما أخواتك يتموا سن الرشد يا فالحة ويقدروا ياخدو حقهم منه.
زفرت منال بألم وقالت:
- وأنتو هتفضلوا تحت رحمته كل السنين دي، بعدين ماما هتعمل أيه وهتصرفوا منين خصوصًا أن هاني رافض أني ارجع شغلي تاني وأنا كنت حاطة أمل على شغلي أنكم تاخدوا المرتب عادي، أنا حاسة أني السبب باللي بيحصل دا، ياريتني ما كنت اتجوزت وكنت فضلت معاكم، مكنتش شوفت نظرة الحزن اللي فعيون ماما بالشكل دا.
احتضنتها هناء وقالت:
- بطلي أحسن لو ماما سمعتك ولا جوزك هتبقى مصيبة.
ارتجفت منال وقالت بقلق:
- هو هاني جه ومقولتيش ليه بس يا هناء.
أجابتها هناء وقالت:
- ما أنا كنت جاية أقولك بس الكلام أخدنا عمومًا أطلعي أنتِ وأنا هخلص باقي الاكل متخافيش ماما معلماني زيك بالظبط مش هبوظ حاجة.
خرجت منال من المطبخ وهي تشعر بالتوتر والاضطراب، فبحثت بعيناها عن هاني ولم تجده فدلفت إلى غرفة المعيشة وابتسمت لوالدتها وقالت:
- أيه يا ست الكل العيال دول اخدوا منك الريموت بردوا.
ضحكت فوزية وقالت:
- سيبيهم براحتهم المهم أنتِ عاملة أيه يا بنتي قوليلي أنتِ مبسوطة.
جلست منال بجانب فوزية وقالت:
- أنا فنعمة والله يا ماما هاني إنسان طيب أوي وبيحبني وأنا كمان بحبه ربنا يخليه ليا بس المهم طمنيني أنتِ عليكم أنا شايفة عيونك دبلانة ومش زي الأول.
رسمت فوزية ابتسامة لم تصل إلى عيناها وقالت:
- دا بس علشان حته من قلبي سابت البيت فأنا حسيت بوجع غيابها.
احتضنت منال والدتها وقالت:
- ربنا يخليكِ ليا يا أمي.
وابتعدت منال واكملت:
- أنا هروح اشوف هاني واجى نحضر الغدا ماشي يا قلبي.
خرجت منال مسرعة قبل أن تبكي مرة أخرى ودخلت إلى غرفة نومها، فوجدت هاني يقف في الشرفة وقد ابدل ملابسه، فاقتربت منه وأحاطته بيدها فالتفت لها بحدة وقال:
- ادخلي جوا يا منال أنتِ طالعة البلكونة بشعرك وكمان بتحضنيني، أنتِ مش شايفة الناس اللي حوالينا.
حدقت منال بوجه هاني بغضب وقالت بانفعال واضح:
- لا دا بالشكل دا مش هتبقى عيشة أنت ناقص تحطني جوا صندوق وتقفل عليا، حتى البلكونة ممنوع اطلعها في أيه يا هاني الغيرة متبقاش بالشكل دا.
جذبها هاني بحده من يدها وقربها من وجهه وقال:
- صوتك عالي يا منال ودي أول وأخر مرة ترفعي صوتك عليا، وبعدين أنا مقولتش متطلعيش البلكونة بس غطي شعرك ومافيش داعي للاحضان والكلام دا، احنا فالبلكونة وفي مليون عين باصة علينا، لينا شقة مقفولة علينا اعملي فيها إلى أنتِ عوزاها إنما برا بلاش الحركات دي اللي ممكن كل واحد يقعد يتخيل نفسه مكاني جوا حضنك وأنا مقبلش بدا أبدًا.
هزت منال رأسها بدهشة وقالت:
- أنت مكبرها أوي كأن الرجالة مستنيه يطلع البلكونة، هاني أنا خايفة منك بجد أنت شكلك محتاج تروح لدكتور نفساني، أنت مش ملاحظ انفعالك وطريقتك.
تنهدت منال وصمتت وهي تنظر إليه وقالت:
- عمومًا حقك عليا أنا اسفة شوف اللي أنت عايزه وأنا هعمله أنا مقدرش اخليك متعصب بالشكل دا بسببي ولو على النقاب حاضر هلبسه وأمرى لله.
ابتسم هاني واحتضنها وقبل جبينها وابتعد عنها ليخرج حقيبة هدايا من خزانة الملابس وقدمها إلى منال وقال:
- بما أنك قولتي الكلام دا فأقبلي مني الهدية دي.
فتحت منال الحقيبة واخرجت منها نقاب أسود وآخر كحلى اللون فابتسمت وقالت:
- هدية مقبولة يا هاني.
وضعت منال الحقيبة على الفراش وقالت:
- أنا هروح احضر الغدا يلا ببقى شكلنا كده وحش وماما قاعدة لوحدها كل الوقت دا.
جذبها هاني إلى احضانه وقال:
- طيب مش هتلبسي واحد منهم دلوقتي.
دفعته منال عنها غير مصدقة وقالت:
- أنا فالبيت واللي برا دول اخواتي يا هاني لتكون ناسي اخواتي من بابا مش من حد غريب عن إذنك.
جلس هاني على طرف الفراش وجذب شعره يشده بقوة وقال:
- اخواتي ولا حتى عمك ولا ابوكي نفسه اهم كلهم رجالة ما تفهمي بقى يعني إيه غيرة.
عادت منال إليه لتفاجأه قائلة:
- أفهم أنت معنى الحب والغيرة الأول يا هاني لأن اللي أنت فيه دا هوس، ولو فضلت بالشكل دا يبقى هتصعب الحياة مابينا، لأنك كل يوم هتبقى أصعب من اليوم اللي قبله ويلا عيب أوي تفضل قاعد هنا وماما واخواتي برا، هناء حضرت السفرة ولا مش ناوي تتغدى معانا.
تحرك هاني باتجاها وقال:
- خلاص قايم معاكِ.
--------------------
جلست داليا تتابع عملها في مكتب آدم محاولة كسب ثقة مازن الذي لم يتقبل وجودها حتى الآن، ولكنها تعاملت معه بحذر خوفًا من أن يتسبب في طردها من العمل، فجلست تنظر إلى الملفات وتدون ما بها في ورق خارجي ولم تلحظ مازن الواقف عند باب المكتب يتابع ما تفعل، واقترب منها فجأة ومسك يدها بقوة وهو يصيح:
- أنتِ بتعملي أيه وبتسجلي المعلومات دي فالورق ليه، ما هي متثبته على الكمبيوتر.
حدقت به داليا وقد شحب وجهها وقالت:
- أنا أنا أصل أنا بعمل لهم كود واهو اتفضل شوف بنفسك، أصل فكرت انظمهم بأكواد في الملفات برا وعلى الكمبيوتر، علشان لو أي ملف اطلب يبقى سهل نلاقيه وبعدين أنا معملتش حاجة غلط.
حدق بها مازن غير مصدق وقال:
- رغم أن مش مقتنع بس ماشي أما نشوف أخرتها معاكِ، هانت كلها أسبوع وآدم يرجع ونشوف سبب مجيك هنا الحقيقي إيه عن إذنك وياريت متشرفنيش بطلتك فمكتبي.
ما أن غادر مازن حتى تنفست داليا الصعداء وهي تهمس:
- اوف مكنتش عاملة حسابك خالص بس مش مهم هعرف بردوا انفذ اللي أنا عايزاه ولا أنت ولا أي حد هيقدر يمنعني يا مازن بيه.
ما أن وصل مازن إلى مكتبه حتى سمع رنين هاتفه فنظر إلى رقم هايدي وأجاب سريعا فوصل لأذنه صياحها وهي تقول:
- كنت فين يا مازن ليا نص ساعة بتصل بيك أول مرة يعني متردش على طول.
أجابها مازن وهو يحاول تهدئتها وقال:
- مافيش كنت فمكتب آدم بشوف السكرتيرة الجديدة اللي بعتها.
صاحت هايدي بصوت صاخب:
- نعم بتشوف مين السكرتيرة الجديدة وأنت تشوفها بصفتك أيه يا مازن جرا أيه يا مازن أنت بتلعب بديلك من ورايا.
أسرع مازن يحاول إصلاح الأمر وقال:
- أبدًا صدقيني وحياتك عندي ما بلعب بديلي أنا أصلًا معنديش ديل ألعب بيه، كل ما هنالك أنا روحت أشوفها بتعمل أيه فالشغل أنا أساسًا مش مرتاح لها ومش عارف آدم مصمم يشغلها مكان منال ليه وموصى عليها جامد أوي، دا غير أني سمعت أنه جاب لها شقة تقعد فيها.
هتفت هايدي بعدم تصديق:
- أيه الكلام اللي بتقوله دا يا مازن مستحيل آدم يعمل كده يجيب لمين شقة أنت فاهم كلامك دا معناه إيه دا لو سهر عرفت هتولع الدنيا حواليه.
زفر مازن بضيق وقال:
- هانت أهو قرب يجي ونبقى نفهم منه المهم أنتِ كنتي بتتصلي ليه.
أجابته هايدي وقالت:
- لا مافيش أنا كنت بطمن عليك أنا هقفل بقى أحسن آدم بيعيط سلام.
نظر مازن إلى هاتفه متعجبًا وقال لنفسه:
- عايش مع واحدة مجنونة بحالات أنا مش عارف هلاقيها منين ولا منين.
انهت هايدي حديثها مع مازن لتنظر إلى وجه ابنها وقالت:
- الموضوع دا مش مطمني ابوك شكله كده بيفكر يخوني أنا لازم اشوف السكرتيرة دي ودلوقتي.
وصلت هايدي إلى شركة آدم وحاولت تمالك أعصابها وما أن وصلت إلى مكتبه آدم حتى دفعت الباب بحدة، وحدقت بوجه تلك الجالسة على المكتب وصاحت بصوت رافض وجودها:
- داليا أنتِ أيه اللي جابك هنا.
ارتبكت داليا ونظرت باتجاه هايدي وعبست وزفرت بحدة وقالت:
- مش هنخلص بقى من الموضوع دا.
صاحت بها هايدي وقالت بغضب:
- أنتِ بتقولي أيه ما تسمعيني صوتك.
أجابتها داليا ببرود:
- مقولتش حاجة بقول أن ادم جابني اشتغل فالمكتب بدل منال عادي يعني زي ما سمعت أنك اتجوزتي مازن عادي بردوا.
اقتربت هايدي منها بغضب وقالت:
- وزي ما هطردك من هنا عادي بردوا يا داليا لأنك استحالة تقعدي فالشركة دي ساعة واحدة زيادة عن كده اتفضلي لمي حاجتك واطلعي برا.
أشاحت داليا بوجهها عن هايدي وقالت:
- حضرتك ملكيش أي صفة هنا علشان تطرديني أنا هنا بأمر من صاحب الشركة نفسه فلو سمحتي هو مانع حد غريب يدخل المكتب فغيابه هبقا اخدلك ميعاد منه لما يجي الأسبوع الجاي.
ضربت هايدي الأرض بقدمها وهي تغلي غضبا وغادرت تطاردها الشياطين فاقتحمت مكتب مازن تصيح بصوت هادر:
- الحيوانة اللي فمكتب آدم دي مستحيل تقعد فالشركة دي، الهانم بتقولي أن ماليش أي صفة علشان اقولها تمشي وبتتحداني يا مازن.
حدق مازن بهايدي وقال:
- أنا عارف إن الموضوع دا مش هيمر بخير أنتِ أيه اللي جابك يا هايدي.
وقفت هايدي وهي تضع يداها على خصرها وقالت:
- جيت أشوف الهانم اللي سيادتك سبت مكتبك وموبايلك وروحت عندها تطلع مين، يا مازن البت دي خطر والله دي بتكره سهر أوي دي هي اللي قالت لي موضوع تصوير سهر مع آدم ونفضحها مينفعش تفضل هنا، أكيد وجودها فالشركة وراه حاجة أنا مش مطمنة.
وقفت داليا تراقب المكتب من الخارج وحينما اطمئت اغلقت الباب خلفها وأخرجت هاتفها وأجرت اتصالها وقالت:
- أيوة أنا فالمكتب ومعايا كل البيانات بس حصلت حاجة هتبوظ عليا وجودي هنا هايدي جت ومصممة أنها تمشيني من الشركة وأنا مش عارفة لما آدم يرجع هيعمل أيه.
صمتت داليا قليلا تستمع للطرف الأخر ثم أجابت:
- لا معرفتش أدخل مكتبه قافله برمز حماية غير المفتاح لازم أفضل حتى ولو يوم بعد ما يجي علشان أقدر أجيب الملفات اللي جوا، اتصرف أنت بقى فموضوع هايدي ومازن وألا ماليش دعوة أنت قولت وجودي مفيهوش أي خطر عليا، إنما بعد اللي هايدي عملته والحالة اللي كانت عليها أنا فعلًا خايفة منها.
استمعت داليا لما يقال لها فقالت:
- ماشي خلاص طالما هتتصرف أنت سلام بقى قبل ما حد يجي ومتنساش المبلغ يوصل لي كامل وألا أنت عارف داليا لو قلبت هتقلبها على الكل سلام.
