اخر الروايات

رواية هكذا أحبته الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم رنا نوار

رواية هكذا أحبته الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم رنا نوار


الحلقة التامنة و العشرون -

14- نور في ظلام الحزن
مضى ما بقي من اليوم بهدوء، و عندما عادت حنين إلى المنزل، أخبرت عمتها بوضوح عن ميعاد خطوبة سعاد، و أنها ربما ستداوم على زيارتها للمساعدة، فلم تعترض العمة و لم توافق، بل واظبت على إخبارها مرارًا و تكرارًا أنها غبية، و أنها أضاعت فرصة عمرها مع طاهر، و ها هي سعاد التي تنقصها جمالًا بكثير ستُخطب، و تتزوج، و ستظل حنين في مكانها، لا تتحرك؛ لأنها تبطرت على النعمة، و لم يكن طاهر في الواقع أكثر من جبار عتيّ، لكن لا بأس. فلعمتها وجهة نظر مختلفة..
*****
وهناك في مكان، لا أدري صراحة ما كنهه، هل هو مقبرة أم مستودع؟ ولكنه بالتاكيد بارد، مظلم، وموحش، يثير في النفس الغثيان.. كان يجلس ذاك الرجل، ذو البطن المتهدلة أمامه، ورأسه التي انتشر بها الكِبَر، فابيضَّ شعره، و تساقط هنا وهناك، ووجهه الذي لدمامته، لا يعنيك هل هو شاب أم كهل؟ ممسكًا بليّ شيشته، واضعًا إياها بين شفتيه؛ لتكركر بصوت لهدوء المكان، تحسب أن له صدى، ثم ينفث الدخان في الهواء بعصبية مفكرًا بصوت عالٍ..
أبو طه: عرفنا عنوان بيته، و بيت اخته، و بيت البت اللي ماشي معاها يعني.
المعلم: أيوه يا حاج.
أبو طه: و إيه تاني؟
المعلم: عارفين مواعيد المدارس بتاعة ولاد اخته، و تحركاته، وتحركات البت بتاعته.
أبو طه: معرفتوش مكان الورق إيه؟
المعلم: لا يا حاج، بس تلاقيها معاه في الشنطة اللي رايح جاي بيها دي..
أبو طه: أما نشوف، عايزين نتحرك بسرعة، الجلسة كلها تلات أسابيع، مش عايز الورق ده يطلع في المحكمه.. ولاد الكلب محاوطيني، ولا عارف اروح ولا اجي، و الزفت المحامي بيقول لو الورق ما طلعش، هاطلع أنا منها زي الشعرة م العجينة عشان ...
رجل ما: ماعندهومش دليل ضدك..
انبسطت أسارير أبو طه عندما رأى المتحدث، ترك شيشته التي لا تفارقه؛ ليمد يده علامة الاحتضان لذاك الرجل، الذي هرع إليه مقبلًا إياه و مسلمًا عليه..
أبو طه: وحشتني يا ابن الكلب.
الرجل: وانت كمان يابا وحشتني.
نظر أبو طه للمعلم، و ذي الندبة، و بعض الرجال المحيطين به، أبو طه: ابني طه يا عيال اهو..
خرجت أصواتهم محيين له، ومبدين سعادتهم لرجوعه بالسلامة، بعد أن كانت المفاجأة تلجم ألسنتهم.
طه، هو الابن الأوحد للحاج محمد -إذا كان يجوز لنا إطلاق هذا اللقب عليه- هو متعلم، و مثقف، يعمل محاسبًا في شركة أجهزة كهربائية في السويس، و هذا بالطبع حقيقي، وأمام جميع الناس، و كما الحال مع معظم الطبقة المتوسطة، والفقيرة في المجتمع، فهو يحاول رفع دخله بامتهان عمل آخر بعد الظهر، فعمل بإدخال البضاعة غير المرخصة من الجمارك بمقابل مادي من الشركات صاحبة الشأن، و هذا لا بأس به، لولا أن تلك البضائع قد تحوي أغذية فاسدة، أو صفقات أدوية مشبوهة، لكن ماله بها؟ هو لا يبيعها للناس، هو فقط يساعد بإدخالها حتى أن الأدوية ليست منتهية الصلاحية، هي فقط على الجدول، والأغذية الفاسدة لما الناس تاكلها فليرموها و يبلغوا عنها! ..
أبو طه: إيه اللي رجعك بدري كده يا ابني؟ لسا قدامك شهرين ع الاجازة..
طه: عايزني أعرف اللي فيه يابا ولا ارجعش..
أبو طه: و شغلك و حالك ومحتالك و مراتك ياد؟
طه: كلهم فداك يا حاج، سبت البت مراعية الشغل، فيه بضاعة واقفة في الجمارك، و هي هتعرف تسلكها بمعرفتها..
أبو طه وقد فهم مقصده: ههههههههههههه و لو اتقفشت؟
طه: في داهية، أقطع الورقة اللي بينا زي اللي قبلها..
أبو طه: ابن ابوك ياد، مش حامل؟
طه: حامل من مين يابا صلي ع النبي، اللي زي دي أشرفلها تفضل كده، لا عيل ولا تيل.. ثم أنا وقت ما احب أخلف، أروح أخلف من واحدة بنت بنوت، شريفة و عفيفة.. مش واحدة عافف عليها الدبان..
*****
توجه أكرم في نهاية اليوم إلى منزل شقيقته، هو اعتاد أن يقضي ما بقي من الخميس، و يوم الجمعة لديها، و برفقة أولادها، و زوجها الذي يعتبره هو الآخر بمثابة أخ له، مضى المساء بهدوء بين اللعب، ودراسة، و تحضير أوراق قضيته الأم، كان هناك ما يؤرقه، لا يدري ما هو، لكنه يشعر أن شيئًا ما سيحدث، و هو عادة يؤمن بحدسه.
*****
أبو طه: فهمت بقى عايزين إيه؟
طه: تمام يا حاج، الورق اللي معاه..
أبو طه: هنجيبه ازاي ده؟
طه: ما تقلقش يا حاج هاجيبه..
أبو طه: هتعمل ايه؟
طه، وابتسامة خبيثة تنجلي على وجهه: هاتصرف،حط في بطنك بطيخة صيفي..
فابتسم والده مطمئنًا، بالرغم من أنه لا يدري ما يجول في فِكر ولده، ولكنه يثق به، فهو أولًا و أخيرًا من صلبه..
*****

مساء الجمعة، و هو يتسامر مع شقيقته، وأولادها لا ينفكون عن صريخهم؛ لجذب انتباه خالهم، و أكرم لا ينفك عن الضحك.
هو لا يشعر أبدًا بهذه السعادة الدافئة، إلا وهو بين أحضان عفاريته الصغيرة و شقيقته.
حسام، وهو يدلف من باب المنزل: ازيك يا عم أكرم؟
أكرم: أهلًا يا دكتور، اتفضل يا راجل البيت بيتك.
حسام: عارف عارف هههههههههه.
أكرم: هههههههههه.
حسام موجهًا حديثه إلى مروة: قولتيله؟
مروة: حصل يا باشا.
أكرم: باشا؟ أمال كلام الأفلام فين؟ وحبيبي و بيبي، و يجنن يا أبيه و ...
حسام، وهو يمثل البكاء: خلاص يا أكرم ما تقلبش عليا المواجع.
أكرم: اخصصصصص هههههه.
مروة: ههههه والله انتوا الاتنين رخمين ها بقى.
حسام: هههههههه. خلاص يا ست الكل ما تزعليش.
ابتسمت مروة سعيدة، و وجنتاها تتوهجان فرحًا، عندما نظر أكرم لأخته تذكر حنين، عندما تخجل، خجلها لذيذ، يثير بداخله الكثير من الارتباك و لكنه .....
حسام: روحت فين يا عم؟
أفاق أكرم لكلام حسام: قولت إيه؟
حسام: بتبص لمراتي كده ليه؟
أكرم: مراتك دي كنت باغيرلها هدومها وهي صغيرة، اركن على جمب بقى.
تركتهما مروة يتناقران، لتحضر هي العشاء..
**


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close