رواية اصداء القلوب الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم سهي الشريف
28 | مُنازلة الهَـوىٰ والمنطِق
أوصيكم بفلسطين،
دُرة تاج المُسلمين،
ونبض قلب كلّ حُرٍ في هذا العالم!
+
« أنس الشريف - رحمه الله »
+
_ لا تنسوا إخوانكم في غـ*زة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات.
+
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الثامن_والعشرون
#سهى_الشريف
+
_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .
+
« قراءة مُمتعة »
+
───────────────
+
بعد أن أختفى " عماد " برفقة " وردة " من الرواق ..
+
عاد "مؤمن" إلى مكتبه بعد عدة دقائق يحمل كوب قهوته الساخنة، لكن خطواته تباطأت حين أبصر "مريهان" واقفة خارج مكتبها، تتحدث بجدية مع رجلين من الأمن.
+
اقترب منها بنظرة متسائلة، وما إن أنهت حديثها حتى بادرها بصوتٍ رتيب:
+
- خير يا باشمهندس مريهان في حاجة؟
+
لكن ملامحها القلقة، وعينيها المتوترة منذ الصباح، جعلت قلبه ينقبض قبل أن تجيب:
+
- وردة بعتتلي massege إنها هنا... ودلوقتي موبايلها مقفول، ولما راجعت الكاميرات، شوفتها واقفة مع عماد وبعدها مش لاقينها وبندوّر عليهم في الشركة كلها .
+
تجمد مكانه للحظة، قبل أن يقطب حاجبيه بشدة:
+
- هو مين عماد ده؟!
1
قالت وهي تخفض صوتها، وكأن ذكر اسمه وحده كافٍ لإشعال القلق:
+
- دا موظف جديد في قسم المشروعات كان عايز يتجوز أختها عشان صفقة تجارية وإحنا رفضنا، بس واضح إنهم مش هيسيبوا الموضوع ، ووردة... غلبانة.
4
انقبض فك "مؤمن" بقوة،
ولم تظهر أمامه سوى صورة ذلك الرجل الذي استفز خلياه منذ لقائهم الأول .
+
لم يُريحه نظراته ولا وجوده ..
وفكرة أنهم بمفردهم الآن مُتخفين .. تُثير حنقة بشدة.
+
انحدرت أنظاره نحو الممر أمامه، قبل أن يهمس بنبرة مشحونة بالعزم:
+
- هنلقاهم إن شاء الله متقلقيش حضرتك.
+
دلف "مؤمن" مكتبه سريعًا ، وضع الكوب على المكتب ولم يشأ إلقائه ، ثم تقدم خلف مكتبه لأحد الأدراج السُفلية ليجُره أمامه فيتجلى جهاز إتصال لاسيلكي ،ليتقطه فورًا ويخرج بخطوات متسارعة،ليتحرك بين ممرات الشركة الواسعة ،وعيونه لا تكاد يُغلقها من شدة التركيز والقلق ، كأن كل جزء في جسده يصرخ بالحاجة لإيجادها بأسرع وقت.
1
تحرك بين ممرات الشركة الواسعة، ولا يترك أي مكان غير مفحوص، يدور في الممرات بسرعة، عينيه تبحثان عن أي أثر لهم ، يحاول أن يبقى هادئًا لكن الغضب والخوف عليها يتسربان في صوته الداخلي، ويُشعرانه بثقل اللحظة.
+
بينما الأجواء حوله بدأت متوترة جدًا، المكاتب التي كانت هادئة وأنيقة اصبحت تعج بالضجيج .
+
وفي أثناء بحثه توقف بغته حينما تطلع عبر أحد النوافذ على الساحة الخارجية ، ليجد سيارات الأمن متوقفة بالأسفل عند المداخل، وفرق من الحرس الخاص تنتشر في محيط المبنى .. وهنا تأكد ..
+
أن الخبر وصل للإدارة العُليا ...
+
تحرك بعد ذلك للبحث مُجددًا ، عيناه تطوفان بلا كلل في كل الزوايا ..
+
لكن خطواته توقف فجأة عن العدو واستقطع وقت من الزمن وسط حالة الفوضى ، توقف ليُجمع أفكاره بذكاء وليس بتهور .
+
دار في المكان حوله ، عيناه تلتقطان كل الزوايا والتي تبدو من جهته لن تحوي مراده .
+
فَكر ..
هو لن يستطيع استخدام المصعد الكهربائي لإن به كاميرات تحدد مكانه ..ولن يستطيع الابتعاد كثيرًا ، إذن هو مازال في الطابق الهندسي ، لكن كل المكاتب تعج بالأشخاص .
3
وفجأة ألتمعت داخل رأسه فكرة واحدة بقوة .
+
تحركت أقدامه سريعًا نحو الجهة الخلفية للطابق ؛ تحديدًا عند بوابات الطوارئ ، نعم ..
+
تلك الجهة بعيدة عن المكاتب ، لن تصل لها بعض زوايا الكاميرات .. أو ..
+
هناك صوت همهمات قريبة !
+
اقترب " مؤمن " بخطوات حذرة ، نحو باب معدني موارب قليلًا .. إنها غرفة أدوات التنظيف ، بالطبع .
+
أرتفعت دقات قلبه وحاول السيطرة على انفاسه الاهثة
فجأة .. فتح الباب على اتساع لتتسع عيناه بقوة تباعًا
+
"وردة " هنا ..
مُقيدة اليدين للأمام ،
مكممة الفاهة ، ووجهها مُحتقن ، ودموع تسيل بلا هوادة ، بينما تحاول أن تتنفس بصعوبة ..
كانت تُكافح ضد قبضته القوية، عينيّها مليئتان بالخوف ،وفور أن رأيته أرتفعت همهماتها المكتومة ودموعها تسيل بحرارة.
+
وخلفها ؛ بجسده العريض مقارنةً بجسدها الضئيل ، كان يحاوط برقبتها بقوة، ويده الأخرى تُلوّح بحقنة مُهددة.
3
توقف "مؤمن " فجأة وعيناه تشتعلان غضبًا، وصوته يرتجف من التوتر:
+
- إنـت بـتـعـمـل إيـه ؟!!!
+
ابتسم "عماد" ابتسامة مُنفرة، وصوته يقطر تهديدًا وهو يشد على رقبتها :
1
- كل خطوة منك بتقرب من موتها خطوة .
+
نظر "مؤمن" إلى "وردة" التي كانت ضعيفة ومقيدة بين يدي "عماد" فشعر بثقل ألمها يخترق كيانه، ثم تراجع قائلاً بلهفة:
+
- خلاص خلاص .. مش هقرب بس سيبها هي ملهاش ذنب .
+
تجهم "عماد" ورد بحقدٍ قـ. ـاتل:
+
- ذنبها إنها من عيلة الرفاعي.
+
رد "مؤمن" بهدوء رتيب لكنه حازم:
+
- لو ليك مشكلة مع عيلتها حلها معاهم هي هتفيدك بإيه ؟
+
ازدادت ملامح "عماد" قسوةً وغِلًا:
+
- هتوجعهم .. وأنا عاوز أي حاجة توجعهم .
+
صرخ "مؤمن" باستياء شرزًا ونفورًا :
+
- إنت إنسان مريض !
1
أجابه بغضب يملؤه الانتقام:
+
- مش عاوز كلام يحرق دمي عشان أنا لما بيتحرق دمي بعمل الغلط ومبسميش .
+
ثم شد قبضته على رقبة "وردة" بشدة، فعلا صوت شهقاتها التي تملأ المكان، ثم قال بحنق :
+
- وأسـأل أخـتـها .
+
تفجر غضب "مؤمن" حين رأى الألم يعتصرها:
+
- قـلـت سـيـبـها !
+
فتقدم "عماد" مهددًا بيده بهياج :
+
- حسابي معاهم مخلصش .. ابـعـد عـن الـباب !
+
اقترب أكثر وهو يقود "وردة" أمامه كدرعٍ بشري، وقال وهو يبعد "مؤمن" بصوت حازم مُهدد :
+
- ابعد لورا.. لو قربت هغرزه فيها .
+
تراجع "مؤمن" مُكرهًا، بينما تقدم "عماد" بخطوات بطيئة نحو الخارج، ممسكًا بالحقنة مهددًا، ويراقب حوله بدقة ..
+
ثم فجأة، دفع "وردة" بعنف نحو "مؤمن"، فالتقطتها سريعًا على مضض فسقطت بلا توازن بين ذراعيه .
+
رفع "مؤمن" عينيه إليه بغضب يراه يركض مُبتعددًا ،
والحنق يعلي في دمه يود أن يلحق به ..و و
+
لكنه سرعان ما قطع وصلة وعيده ارتعاشه مرت عبر جسده انتقلت من تلك الضعيفة بين يده ..ليُخفض بصره ينظر لها ويسمع شهقاتها الضعيفة ويرى يديها المكبلتين، فتراخت أنفاسه قليلًا وأمسك بها بلطف وهو يهمس مطمئنًا:
1
- بس بس خلاص خلاص .. إنتِ كويسة .
1
فك الشريط الذي يربط يديها، ونزع المُكممة عن فمها، لترفع وجهها أمام مرآى بصره ليرى عرق شعرها المتلألئ ووجها المحتقن بالبكاء والدموع، وقال لها:
+
- عاوزك تساعديني يا وردة.. قومي كده معايا .
+
كانت تحاول النهوض بصعوبة، لكنها وجدت في "مؤمن" السند فاستعانت بقوتها، وتماسكها بصعوبة حتى انتصبت.
+
كان يتقدم بها ،يرى تشبثها بذراعه ، كانت لحظة عنيفة عليه ، تلك اللمسات والقُرب الملحوظ الذي يُجفل أوصاله ، لكنه تحامل لأجل وضعها وحالتها .. فقط لأجل ذلك ولا يُريد تكرار ذلك مُجددًا .
1
دخل بها غرفة التنظيف ثانيةً، ثم حرر ذراعه من بين يديها الرقيقتين ووقف عند العتبة، يحدق في عينيها بحزم وجدية:
+
- خليكي هنا .. وإياكِ .. إيــاكِ تخرجي لو حصل إيه لحد ما أجيلك أنا ، مفهوم ؟
+
أومأت برأسها بخوف، وارتجف صوت شهقاتها الباكية وهي تهمس:
+
- متتأخرش عليا .
+
رمقها "مؤمن" بنظرة دافئة مليئة بالشفقة، وأغلق الباب بهدوء خلفه، تاركًا إياها في الظلام والانتظار.
+
توقف أمام الباب للحظات ، عيناه اتقدت بحنق بليغ ..
انفاسه تعلو وتنخفض بسرعة ، والأجواء الآن قد احتدمت .
+
ومن هنا بدأت المطاردة .
+
أما داخل الغُرفة المظلمة - سوى من أضواء تسللت بخجل من حواف الباب - شعرت " وردة " بالدوار والارتباك الشديد، وكل صوت خطوات كانت تسمعه بالقرب ، كان يُقلقها ويزيد من رعشتها ..
4
للحق أعذروها ، إن كان غيرها بموضعها ما هدأت اضطرباته ، فكيف بتلك الوردة رقيقة البتلات ؟
+
مرت الدقائق تلو الآخرى ، والجميع بات على أعصابه ، الكل يراقب من موضعه ، وانتقلت الأخبار كالنار في الهشيم بين الطوابق الخمسة عشر .
+
تتصاعد الهمسات في الأرجاء، تتناثر كأصداء متقطعة تحمل التساؤلات بلا أجوبة واضحة..
أين هو؟
هل عثروا عليه؟
+
لكن الزمن يمر بلا رحمة، وكل لحظة تنقضي تثبت حقيقة مُرة تُثقل القلوب ..
+
لقد هرب.
+
كيف حدث ذلك؟
وأين اختفى؟
+
لا جواب يُروّض ذلك الغموض، ولا تفسير يُنير الظلام الذي حلّ على الجميع.
+
أ يُعقل أن شركة بهذا الحجم، وبتلك الفرق الأمنية المُدججة، عاجزة عن الإمساك بذلك اللقيط ؟!
+
الغضب يتصاعد،
والشكوك تتكاثر .
+
لكن لتهدأ موجات الأعتراض والاستنكار ، ولترتفع رايات آخرى أكثر ذكاء وحنكة ..
+
لم يهرب.. بل هناك خائن.
1
مع مرور الوقت، بدأ الوضوح يطفو على السطح، وأثبتت كل التحقيقات أن "عماد" قد تلاشى فعلاً من بين أصابع الجميع وكأن الأرض ابتلعته.
+
تلبدت أجواء الشركة بالقلق والتوتر، وتعالت الهمسات وسط الموظفين، فسارعت الإدارة لتفعيل خطة الطوارئ، ومضاعفة التواجد الأمني عند المداخل والمخارج، بالإضافة لمراجعة سجلات الدخول والخروج بدقة.
+
مرت ساعة منذ أن تركها بالغرفة خائفة تصارع كوابيسها الحية مُرتجفة .. كانت جلست ارضًا وضمت ساقيها نحو جسدها وحاصرت ذراعيها حولهم وضمت رأسها الصغير لهم .
+
فجأة انتفض جسدها بإجفال حينما سمعت تحرك مزلاج القفل ، فانتفضت بفزع وامسكت عصا تنظيف كانت بالقرب منها وحاولت السيطرة على شهقاتها في تأهب واهن لمُجابهة القادم .. و ..و
+
وقد كان .. " مؤمن" .
+
فتح " مؤمن " الباب لتتسع عيناه حينما وجدها في وضع هجوم بعصا خشبية .. كاد أن يُطلق ضحكة مذهولة لكنها لُجمت باندفاع جسدها نحوه بعنف وشدها لذراعيها في عناقه .
+
دفنت وجهها داخل صدره الصلب و تشبثت بقميصه من الخلف ، بينما هو فقط اتسع الذهول على ملامحه وذراعيه ممدان بعيدًا عن جسدها ..
+
لم يستطع أن يتحكم في تنهيدة عميقة خرجت من جوفه بارتياح ، رغم تعالي صافرات الإنذار داخل عقله.
+
- ورد!
+
نبَست بها "مريهان" بنبرة مُلتاعة، فتوقفت خطواتها فجأة أمام المشهد ..
+
ورغم الصدمة التي اجتاحتها، لم تتردد، بل اقتربت منهما بخطوات واثقة، وأمسكت بذراع ابنتها المرتجف، تجذبها نحو صدرها الحاني، لتحتضنها بشدة ، وترفع نظراتها نحو " مؤمن " الذي كان يتأملهم بصمت ..
+
وعلى عكس المتوقع ، أرسلت له نظرات حانية ..
كانت نظرة امتنان .
2
───────────────
───────────────
+
خطا " جليل " بخطوات ثقيلة ثابتة على أرض ڤيلته الرُخامية حتى وصل للمطبخ ، وما أن وصل حتى توقفت خطواته فجأة واتسعت عيناه حينما أوشك على الاصطدام بحنان لكنها عادت بخفة للوراء باحترام.
1
تلبك قليلًا كذلك هي حتى تنحنح وتسائل بنبرة رخيمة مُدعي عدم الاهتمام :
+
- هي يمنى فين ؟
+
اجابته " حنان" بانسيابية وهدوء :
+
- يمنى طلعت مدرسة ، إنت عاوز حاجة ؟
+
تأملها للحظات في سكون ولانت نبرته مُردفًا :
+
- اعمليلي قهوة وجبهالي المكتب بعد إذنك .
+
أومأت " حنان " باحترام دون النظر له وألتفت تُشرع في تحضير القهوة :
+
- حاضر.
+
رمقها " جليل " للحظات ثم تنهد وغادر لتزفر " حنان " نفسًا فور إحساسها بمغادرته لكنه كان نفسًا يحمل مشاعر عديدة تلخصت رُبما في .. حسرة .
2
تقدمت بعد عدة لحظات للمطبخ " فاتن " بخطوات حذرة لتفيق " حنان" من شرودها على صوتها الرخيم:
+
- جليل طلب ايه ؟
+
ألتفت لها لتجد ملامح الاقتضاب تعتلي وجهها بتجهُم لتنبس ببساطة :
+
- قهوة.
+
اقتربت منها " فاتن " بحنق جليّ وانزلت الركوة النحاسية من على النار وهتفت بحدة :
+
- طيب خلي .. أنا هعملها .
+
تنحّت "حنان" جانبًا، تاركة لـ"فاتن" زمام القيادة دون أدنى مقاومة؛ فلا طاقة لها لمنافسةٍ تُقحمها فيها تلك المرأة دائمًا، فآثرت أن تترك لها الميدان بما فيه، بعدما فقدت الرغبة في القتال بعد ما اختارته قديمًا، ولن تعود لتحارب لأجله مرة أخرى... حتى وهي تدرك بيقينٍ لا لبس فيه، أن هناك من لا يزال يذكرها.
1
انهت " فاتن " من صنع القهوة بصمت تام من الجهتيّن حتى أخذت قدح القهوة وخرجت ، ليدلف تباعًا " جواد " يرمق والدته بعدم فِهم وقطب حاجبيه فور أن دخل المطبخ ليجد " حنان " تضع الركوة النحاسية مجددًا على النار ليهتف بخفوت :
+
- هي أمي قالت حاجة ؟
+
لم ترفع " حنان " وجهها له وصبت تركيزها على تحريك البُن بخفة واجابت بخواء:
+
- أمك بقا .
+
أومأ " جواد " برأسه بهدوء ثم اتسعت ابتسامته بمُكر ونبست :
+
- عامل ايه يا حنون ؟
+
ابتسمت الآخرى بدفء واجابت :
+
- الحمد لله يا حبيبي
+
- صحتك كويسة يعني ؟
+
- بخير نحمد الله ونشكره .
+
لتتسع ابتسامته مجددًا بتسلية ونبس برتابة وهو يضع كامل تركيزه على تعبيراتها :
+
- طيب عندي ليكِ خبر بالليل ولا مليون جنيه ..
+
ألتفت له " حنان " واتسعت ابتسامتها برفق وأردفت بوقار :
+
- اللهم صلِ على سيدنا النبي ، بشرني يا ابني .
+
أومأ برأسه برفض وأردف بابتسامة مشاغبة :
+
- لا أنا مش هقول ، إنتِ هتشوفيها ، فجهزيلي نفسك كده عشان المفاجأة الحلوة .
+
اتسعت ابتسامتها الودودة وأخذت تتدعو له :
+
- ربنا يحلي أيامك يا ابني .
+
───────────────
───────────────
+
- أنا مش مهم زي باقي العيال ليه يا مس ؟
+
همس بها ذلك الطفل الصغير ذو الأعوام الأربعة، منكمشًا على نفسه في زاوية معتمة من غرفة النوم الجماعية، يضم ركبتيه إلى صدره وكأن العالم كله يضيق عليه ، فانحنت "مريم" إلى مستواه، تلتقط بعينيها انكسار نظرته، ثم مدّت يدها تُمسّد وجنته بلمسة دافئة، وابتسامة حانية تذيب جليد الحزن:
+
- بالعكس يا آدهم، إنت مهم أوي عندنا كلنا... العيال دول بس هزارهم تقيل شوية، وحقك عليّا، وأنا هجيب لك حقك منهم بس أوعى أشوفك زعلان كده تاني، مفهوم؟
+
ارتسمت على ملامح الصغير بسمة خجولة تحمل شيئًا من السعادة، فأومأ برأسه، لتربّت هي على كتفه برفق ثم تجذبه إلى حضنها في عناق يفيض بالمحبة، خاصةً وأنه اليتيم الذي فقد الأبوين مبكرًا.
+
- يلا يا حبيبي، روح كمل لعب.
+
قالتها بابتسامة مشجّعة، فنهض مسرعًا نحو الخارج، خطواته الصغيرة تعكس شوقه للاندماج من جديد ،لكن ما إن التفتت "مريم" وراءه حتى تجمّدت ابتسامتها ببطء... إذ رأت "وائل" مسندًا كتفه على إطار الباب، يتأمل المشهد بابتسامة عبثية تتراقص على ملامحه.
1
لم تمنحه أكثر من نظرة عابرة، ثم انحنت تتابع ترتيب الأسرة وتنظيم الأغراض، وكأن وجوده لا يعني شيئًا، متعمّدةً تجاهله بكل هدوء.
+
استغرق هو طوال الطريق تفكيره في كيفية شحذ انتباهها لتندمج معه بالحديث مجددًا ، لقد كان به من الفطنة التي تجعله يُدرك إن إعتذارًا جافًا لن يُعيد أي شىء .. خاصةً مع شخصية مثلها .
+
لذا ضم ذراعيه أمام صدره ومازالت الابتسامة على محياه يُراقبها باهتمام قبل أن يُردف :
+
- عاوز أقول حاجة.
+
انتبهت لعبارته اثناء اندماجها الظاهري بالترتيب - رغم أنه ليس من تخصصها - لكنها آثرت ذلك على إظهار إهتمام ولو بسيط بسبب قدومه ..
+
فور أن نبس بعبارته بدأت تنسج بداخلها العبارة القادمة وكأنها تتوقع محور حديثه لذلك فضلت الصمت لتُنصت لعبارته التي ادهشتها للوهلة الأولى بحق إذ نبس بتسلية :
+
- تعرفي إني العلماء بيقولوا لو في خمس حاجات مشتركة بينك وبين حد يبقوا إنتم مناسبين لبعض ؟
+
من دهشتها لعبارته الغير متوقعة استطاع جذب انتباهها بسهولة وتخلت عن تجهمها واجابت بسخرية دون النظر له :
+
- هه لا أنا مبصدقش الكلام ده .
+
لكنه تابع عبارته بابتسامة ساخرة :
+
- ولا أنا ، حلو كده يبقى باقي أربعة .
5
توقفت عن صنيعها ،ألتفت له بدهشة هادئة قبل أن تنبس بحنق:
+
- هو ليه حضرتك مُصر إنك تخليني اضايق منك ؟!
+
رفع حاجبه بتهكُم واعترض بتسلية :
+
- هو أنا قلت حاجة غلط دلوقتي يا آنسه ؟
+
زمت شفتيّها بضيق ثم أردفت بصرامة:
+
- كلك.. كل حاجة بتقولها غلط وبتعصبني ، أنا في طريق وانت في طريق وارجوك بقا بلاش الأسلوب دا .
+
اقترب لداخل أكثر وجلس على أحد الآسرة بحُلته السوداء المُهيبة ليُردف باستياء :
+
- أنا عمري ما شفت حد دماغه مقفلة زيك كده !
+
رفعت " مريم " عيناها المُشبعة بلون القهوة وحدقتيّها الكحيلتيّن التي تفعل به الأعاجب فقط بنظرة عابرة ،لكنها أردفت بصرامة حادة:
+
- ولما دماغي مقفلة عاوز مني ايه !؟ أنا كده بقا ، العالم برا مليان بنات دماغها متفتحه روح نقي منهم الي يعجبك ولا هو البعيد أعمى؟
4
رفع كلا حاجبيه بدهشة ونبس بتهكُم :
+
- أنا بعيد ؟
+
- و أعمى .
+
كان الرد من نصيبها تباعًا بتجهُم ، ليبلل شفتاه ويرفرف بأهدابه بهدوء يحاول معرفة سبب أسلوب السليط ،لتضيق ملامحه شرزًا مُردفًا :
+
- هو إنت ليه بتتعاملي بالأسلوب دا ! ليه شديدة كده؟ مين ضحك عليكِ وقالك دي قوة! مين مفهمك إن الأسلوب الناشف والرد الميري دا هيحميكي من الأذى ؟
4
لم ترفع نظرها له لكن أجابت باقتضاب ونبرة هادئة لا تقبل النقاش :
+
- هو دا أنا لو كان عاجب ..
+
مال قليلًا للأمام ورمقها بمُقلتيه الخضروان بنبرة عميقة عملية كأنه يُحدث أحد العملاء:
+
- هتتحججي بإيه ! هتقوليلي دين وحدود صح ؟ .. أصل دا الي فهمته من لُبنى ، بس أنا بسألك ليه ؟ هو الدين قالك اتعاملي بقسوة ولسان شديد كدة ؟ ولا هي البعيدة عامية؟
1
رفعت عيناها نحوه بشرار مقتضب ليلوي ثغرة تهكُمًا من تجهُم ملامحها ويُردف :
+
- شفتي ! شفتي المعاملة بأسلوبك بتوجع إزاي !
+
وعندما نبس بعبارته رفرفت برموشها بعيدًا عن مُلتقى عيناه في محاولة لاستيعاب وقعها، وتراخت ملامحها للحظات كأن صلابتها انشقت فجأة وكشفت عن جرح قديم.
+
لم يكن يتوقع أن كلماته - خصوصًا حين لامس جانب الدين وأسلوبها - ستصيب قلبها بتلك الدقة الموجعة، لكنها فعلت... كأنها ارتطمت مباشرة بالطبقة التي تخفيها حتى عن نفسها.
+
شعرت باضطراب مفاجئ يتصاعد في صدرها، وابتلعت غصّة أليمة خشية أن تفيض على ملامحها، ذلك الخليط المربك بين الدفاع عن نفسها والخوف من أن يكون على حق.
+
كانت تكره أن يكشفها أحد بهذا الشكل، تكره أن يتسلل أحد خلف الجدران المُحكمة التي بنتها على مدار سنوات، لكن الأمر قد حدث... وها هو يقف أمامها يراها بلا درع.
+
تشتت بصرها وكأنها تُعيد إغلاق الباب الذي انفتح بغير إذن، ثم تمتمت بصوت هادئ يكاد يخلو من نبرتها المعتادة:
+
- أنا آسفة ، متخدش كلامي بشكل شخصي .
+
تفاجأ بقولها وكأنها أطفأت جدالًا كان على وشك أن يشتعل، فتبدّل شيء في ملامحه، وخفَّ البريق الحاد في عينيه ليحلّ مكانه دفء غير متوقَّع ثم قال بنبرة هادئة، وكأنها نتيجة استيعاب صادق:
+
- وأنا آسف.
+
رفعت بصرها نحوه بذهول، لم تتوقع أن يردّ الاعتذار باعتذار، فتابع ببساطة موضحًا :
+
- عشان لو كان أسلوبي بيطلع منك النسخة الوحشة.
+
توقفت يدها التي كانت تعبث بطرف معصمها، وتعلقت عيناها به، بينما حاجباها ينحنيان قليلًا في إنصات مشوب بالحيطة ،ليُتابع بنبرة تحمل مزيجًا من الخبرة والفطنة :
+
- كل واحد جواه نسخة وحشة... تعامُل الشخص اللي قدامه أحيانًا بيفرض عليه يطلّعها غصب عنه ، بس أنا عارف إنك مش كده، لكن بتصدّري للغلبان ده الأسوأ... وأنا عارف إنها قشرة من برّا، وجواكي أحسن بكتير.
+
ارتسم سؤال حذر على ملامحها، فخرج صوتها منخفضًا:
+
- إيه اللي يخليك واثق؟
+
ابتسم بهدوء، ابتسامة بعيدة عن السخرية المعتادة، وقال:
+
- بصّي حواليكي مثلًا... إيه اللي يخلي حد من غير ضغط ييجي جمعية خيرية، يراعي فيها أيتام وكبار سن بمنتهى الصبر والمحبة، وهو مش جواه الجزء ده؟
+
انعكست مسحة من الحزن في عينيها وهي تردّ دون أن تغيّر نبرة صوتها:
+
- عشان فاقد الشيء أكتر حد يعطيه.
+
صمت للحظة، ثم تساءل بنبرة أخف لكنها لا تخلو من الفضول:
+
- وإنتِ فاقدة إيه؟
+
خفضت بصرها نحو الأرض، وتركَت الصمت يملأ المسافة بينهما، وكأن الإجابة أثقل من أن تُقال ،فأردف محاولًا أن يخفف وطأة تدخّله:
+
- اسمحيلي بدخل منطقتك... بس أنا عاوز أفهمك.
+
رفعت رأسها ببطء، وملامحها تعود لتتصلب من جديد وهي تقول بإصرار جاف:
+
- وأنا مش عاوزة حد يفهمني ولا يقرب مني ،أنا مرتاحة من غير وجود حد يحلل تصرفاتي ويقيمها.
1
صحّح لها بهدوء، مع مسحة خفيفة من الدعابة التي كسر بها حدة الجو:
+
- يقوِّمها.
+
انعقد حاجباها بدهشة طفيفة:
+
- إسمها يقوّمها مش يقيمها؟
+
ابتسم ابتسامة جانبية، وقال وكأنه يشاركها سرًّا:
+
- أصل البعيد كان بيدرس في مدارس أجنبي، بس كنت مهتم بالعربي برضه ،ما هو لكل واحد لغته في الحياة، وأنا مش طول الوقت بتعامل مع عملا أجانب، فلازم أبقى مصحصح لكل اللي حواليا وعارف لغته... عشان أعرف أدخله.
+
كادت تُجيبه لكنه قطع الأجواء المشحونة بينهم إحدى العاملات التي هتفت نحو " مريم " :
+
- مريم .. والدك هنا وطالب يشوفك.
+
اتسعت ابتسامتها بلهفة مُحكمة واستقامت هاتفه:
+
- بابا هنا !
+
أومأت لها الفتاة فتقدمت " مريم " نحوها حتى خرجتا من الغرفة سويًا وسط نظرات " وائل " المندهشة .
1
مرت عدة دقائق آخرى أنهى فيها " وائل " زيارته للسيدة " إحسان " وفي أثناء سيره في ساحة الجمعية تجاه البوابة توقف خطواته على نداء حنون :
+
- ياواد يا حليوة !
1
ألتفت للخلف ويُزيح نظارته الشمسية وتتسع ابتسامته حينما أبصر " سمسم " على كرسيها تقوده نحوه بهدوء ليطوي المسافات بينهم أسرع ويقترب منها نابسًا بمرح:
+
- محدش حليوة غير عيونك يا سمسم والله .
+
- ياولا أنا كبرت على المشاكسة دي .
+
قهقه " وائل " بضحكات رتيبة وخجل طفيف ثم تسائل :
+
- إيه بتعملي إيه في الوقت دا ؟ عاوزة تروحي في حتة ؟
+
لكنها لم تُجبه إذ شحذ انتباهها أمرٌ آخر، فالتفت نحو الجهة التي علّقت بصرها بها، ليُبصر على بُعد عدة أمتار "مريم" واقفة بجوار رجل متقدّم في السن، ملامحه صارمة تشي بسنوات من الخبرة والانضباط، وقد اكتسى جسده ببدلة عسكرية أنيقة تتلألأ على كتفيه النياشين، تحيط به هالة وقار والجميع يتبادلون معه السلامات باحترام كبير .
+
بينما " وائل " وقف بعيدًا يراقبها باهتمام وكأن ليس في الوجود سواها.
+
انتبهت " سمسم " على نظراته لتتسع ابتسامته بتسلية وتتسائل :
+
- ها، تعرف مريم؟
+
ألتفت " وائل " نحوها بدهشة وتعجب من كونها تسأله ذلك السؤال لكن ملامحها لم تكن بالمزيفة فتدارك نفسه سريعًا بفهم وأجابها ببساطة يُجاريها :
+
- أيوه، شغالة هنا في الجمعية.
+
مالت " سمسم " قليلًا نحوه وهمست بقولها وكأنه سر خطير :
+
- بس دي مش أي مريم... دي بنت إبراهيم العمري!
+
بهتت ابتسامة "وائل" المُتسلية هنا وتجمد في مكانه وتوسعت عيناه بدهشة، وتسائل بنبرة مشدوهة:
+
- بـنـت مـيـن؟!
+
لم تُجيبه " سمسم " واتسعت ابتسامتها بمشاكسة كالأطفال ، ليتفت " وائل " نحوها مُجددًا ليُبصر كف الرجل ذو الزيّ العسكري يلتف حول ظهرها باهتمام ،ليتلبك ويُردف بذهول بنبرة يائسة :
+
- بـنـت مُـدير أمـن القـاهرة !!!!
2
اتسعت ابتسامة " سمسم " ومالت عليه مُجددًا ونبست بخفة :
+
- عارف الغلطة معاها بإيه ؟
+
رفع " وائل " كفه نحو رقبته من الخلف وتحسسها برفق بينما عيناه مصوبها نحوها وهتف بارتباك:
+
- برقبتي .. ياباشا .
1
───────────────
───────────────
+
سارت "ميار" و"مريم" جنبًا إلى جنب في أروقة المستشفى الطويلة، وذراعاهما متشابكتان، يتبادلان التسائلات حول الجهات واعيُنهم تطوف في كل الجهات باهتمام ، حتى لمحت " ميار " رقم الغرفة المنشودة فاتسعت ابتسامتها وجرت " مريم " خلفها نحوه الباب وطرقته بخفة لتسمع الإذن من الجهة الآخرى .
+
كانت " ليلى" جالسة على طرف الفراش وأمامها " هَـنا " يتبادلان النظرات بترقُب للزائر قبل أن تتسع أسارير " ليلى " فور أن ابصرتهم ،لتتقدم " ميار" أولًا مُردفة :
+
- ليلو.. وحشاني حمد لله على سلامتك .
+
ثم تقدمت نحوها يتبادلان العناق الدافىء لتُجيبها " ليلى " بلُطف :
+
- الله يسلمك يارب تسلميلي .
+
ثم ابتعدت لتقترب "مريم " تبادلها العناق مُردفه بمحبة :
+
- حمد لله على سلامتك يا حبيبتي .
+
مسدت " ليلى" على ظهرها برفق وأجابت بامتنان حين ابتعدت :
+
- الله يسلمكم يارب ليا ، تسلمولي على مجيتكم ومتعبين نفسكم .
+
اجابتها " مريم " بابتسامة هادئة:
+
- لا تعب ولا حاجة ، حمد لله على سلامتك وتقومي بالسلامة يارب .
+
لتتابع " ميار " بتعذُر :
+
- معلش بقا أتأخرنا على مجينا ، اعذرينا.
+
لتتدخل " مريم " مُردفه تباعًا بشغب :
+
- أصلها كانت بتتعرف على حبيبها السري .
+
اتسعت عينايّ " ميار " بدهشة ونغزتها في كتفها برفق لتكتم " مريم " ضحكاتها وتتسع ابتسامة " هَـنا " بخجل ، بينما اتسعت ابتسامة ماكرة على ثغر " ليلى " مُردفة :
+
- ايه دا هو أنا فاتني كتير كده ؟
1
زفرت " ميار" نفسًا باقتضاب وأردفت مُنكرة :
+
- لا مفيش حاجة مريم بتهزر ..
+
اتسعت ابتسامة " ليلى " أكثر بفِهم ، ثم وجهت بصرها نحو " هَـنا " الواقفة على جنب بسكون :
+
- طيب أعرفكم .. هَـنا ممرضتي وصاحبتي كمان ، مريم و ميار صحابي وزمايلي في المدرسة .
1
بادلتها " ميار " السلام أولًا بابتسامة سَمِحة ونبست :
+
- أهلًا وسهلًا .. اتشرفت
+
تابعتها " مريم " بمودة :
+
- اتشرفت .
+
اتسعت ابتسامة "هَـنا" لتملأ وجهها دفئًا، فغابت عيناها قليلاً داخل محجريها وأردفت بلُطف :
+
- ليا الشرف والله ، يعني أنتو صناع المستقبل ، ربنا يوفقكم يارب.
+
اجابتها " ميار " بنبرة رتيبة :
+
- حبيبتي تسلميلي ،و يُحسن ما بين يديكِ يارب .
+
ثم أردفت " مريم " متسائلة باهتمام:
+
- هتطلعي إمتى ؟
+
- النهاردة بالليل إن شاء الله.
+
- إن شاء الله يا حبيبتي.
+
───────────────
───────────────
+
كان "آسر" منهمكًا في العمل على جهازه اللوحي، عاقد الجبين وتركيزه منصب على ما أمامه، بعد أن عاد للعمل من منزله.
+
مرت ساعات طويلة ثقيلة متتالية دون انقطاع، لا يتخللها إلا دقائق معدودة ينهض فيها للصلاة، يدفع نفسه إليها رغم كل ممانعة قلبه، لكنه عازم بشدة أن لا يتركها مرة آخرى مهما كان حال قلبه .
3
كان عبءً كبيرًا عليه أن يقطع عمله بعد انغماسه فيه، ومع ذلك كان يتحامل على نفسه، غير مدرك من أين تستمد تلك الإرادة الصلبة، مكتفيًا بأن يهمس "يارب" ويكررها في صمتٍ، قبل أن ينهض للصلاة بعد معركة داخلية طويلة مع نفسه التي تأمره بالسوء .
+
أرخى كتفيه مستندًا إلى ظهر الكرسي، بعدما أنهى ما عليه، ورفَع عينيه نحو الساعة ليدرك أن الوقت لا يزال يسعه قبل أذان المغرب.
+
ثبت مكانه ينظر إلى المكتب المبعثر، ثم مد يده يسحب ورقة بيضاء عشوائية من بين الأوراق، واعتدل في جلسته.
+
وضع ذراعيه على المكتب، أمسك بالقلم ببطء، وطالع الورقة البيضاء بتردد عميق، ثم بدأ الحبر الأحمر ينساب على السطح ناقشًا ما تردد في جوفه بخط مُنمق رتيب ...
+
- " إنها ليست الرسالة الأولى من قلبي لكِ، لكنها الأولى التي أخطها على ورق، وهذا يُخبرك أن ما عاد قلبي يختزن حبك ، ففاض به على الورق عله يجد متنفسًا ولو بجملٍ بسيطة.
3
لقد أحببتك منذ زمن، قبل أن تعرفي، قبل أن أقول لكِ كلمة، وحتى قبل أن أجرؤ على التفكير في قُربك .. كان حبي لك صامتًا، لا يملأ الدنيا صخبًا، بل يسكب نوره على زوايا روحي بهدوء ..أعلم أن بيننا الكثير من المسافات، أحيانًا كانت حواجز، لكن رغم كل ذلك لم يزل حُبكِ في قلبي، كالنار التي لا تنطفئ، بل تزداد اشتعالًا كلما ابتعدتِ.
+
أنا لا أكتب لك هذه الرسالة لأُطالبك بشيءٍ، ولا لأشكو من الفراق، بل لأخبرك بحقيقة لا أستطيع إنكارها ، أنتِ من تدفعيني لتغير حياتي، وأنتِ من بها أتعلم معنى الصبر ولهفة اللقاء .
+
كم تمنيتُ أن أكون قريبًا منكِ، أن أسمع صوتكِ على الدوام حين تضحكين، أن أشارككِ لحظاتك البسيطة والصعبة، لكن يبدو أن القدر الله لم يأذن بالقُرب بعد "
+
بلل شفتيّه واستنشقًا نفسًا عميقًا زرفه بهدوء وتابع :
+
- " لا أعدك بأشياء عظيمة، ولا أرفع شعارات لا أستطيع الوفاء بها، كل ما أريده هو أن تعرفي أن هناك قلبًا يحبك بصدق، قلبًا لن ينساكِ أبدًا مهما طال الزمان ،فرُبما كان حبي من طرف واحد، ورُبما تعتقدينه جنونًا إذ لم أحد يُحب لتلك الدرجة ،ونعم معكِ حق فهو جنون بالنسبة لي أيضًا أن أختزن تلك المشاعر لكِ وحدك .. لكن أنتِ تجهلين مدى تأثيرك علي حتى في غيابك ، فـ لكي كل التخيُل ماذا يفعل حضورك بي .
+
لا أستطيع انتشال عينايّ عنكِ مُرغمًا قسمًا ..
احببت الشعر والنثر واللغة لأجل وصفك ، وها أنا حائر مسكين أغرق بين الحروف ولا أجد خلاصًا فيهم ينتشلني من حُبك .
+
لقد علمتٌ مؤخرًا من أخيكِ أن علي أن لا أقدم حُب فوق حبي لربي ، ورُبما لذلك اتعذب في حُبك .. فهذا اعترافي الأول بإن حُبكِ لن يزول لكن لأضع الله قبلك فلا قِبلَ لي بعذاب الفؤاد فيكِ ..
+
ولتجري أقدار الله كما أراد الله .. ولكن هذه المرة أرجو أن توافق أقداره إرادتي . "
+
أنهى "آسر" كتابة الرسالة، ثم وقف ببطء وهو يشعر بثقل المشاعر يثقل صدره، لكنه كان يدرك أن التعبير كان بعض ما يخفف عن روحه.
+
توجه نحو الشرفة، ففتح النافذة على اتساعها، ليستقبل نسيم الغروب الذي حمل ألوان السماء الدافئة على أجنحته، وقفت عيناه تنظران إلى الأفق وكأنها تعكس حالة الشرود التي تلبسته.
+
بعد لحظات، أغمض عينيه، ثم أدار ظهره وارتكز على عكازه بخطوات ثقيلة إلى الخارج وتأمل هدوء الرواق، يتردد فيه بين الحيرة والأمل .
+
تقدم نحو غرفةٍ مغلقةٍ في نهاية الممر، تلك التي كانت لرفيقته التي رحلت، شقيقته التي تركت فراغًا لا يملؤه شيء، ووقف أمام الباب، يده ترتجف قليلاً قبل أن يمدها نحو المقبض.
+
الغرفة كانت ساكنة، وهدوءها يضغط على صدر "آسر" مع كل نفس .. فتح الباب ببطء وشعر وكأن الزمن تراجع للخلف .
+
خطا نحو خزانتها، وأصابعه مرت على المقبض المعدني البارد، فتحها ليجد ملابسها معلقة بنفس الترتيب الذي كانت تحبه .
+
عيناه سقطتا على صندوق معدني صغير على الرف العلوي، فمد يده وأمسكه ثم فتحه ببطء، ليجد داخله أساور ملونة كانت تحب ارتداءها في البيت، وبعض التذاكر القديمة لرحلاتهم معًا، وحتى ورقة عليها خط يده "أحسن أخت في الدنيا" تلك التي كتبها لها في عيد ميلادها قبل سنوات.
+
ابتسم بحزن وهو يغمض عينيه، وفجأة تدفق مشهد قديم في ذاكرته...
+
كانت "جيهان" في نفس هذه الغرفة، جالسة على الأرض وسط أكوام من الفساتين، تحتار أيهم ترتدي فدخل "آسر" وقتها وهو يضحك:
+
- إيه ده؟ حرب عالمية في الدولاب؟
+
رفعت رأسها مبتسمة:
+
- يا عم ساعدني، مش عارفة ألبس إيه النهاردة.
+
اقترب وجلس على الأرض بجوارها، يلتقط فستانًا أزرق اللون:
+
- أهو ده ، بيليق عليكي وبيفتّح وشك.
+
أخذته منه وهي تهز رأسها:
+
- أنت كده بتختار بسرعة، أكيد عشان تخلص من قرفي.
+
ضحك بخفة ولم يُجيبها ، فنهضت من الأرض وأخذت الفستان ووقفت أمام المرآه ووضعته عليها بتفكير ، ثم نبست بتردد :
+
- بس كده لون الطرحة ...
+
وقاطع عبارتها جسده في المرآه يشير لها بكلا يديه على لون حجابيّن أحدهما سماوي والآخر فضي ،ونبس بحيرة :
+
- تلبسي أنهي ؟
+
اتسعت ابتسامتها بذهول وظلت تنظر إليه بامتنان صامت، ثم أجابت :
+
- هلبس الـ gray ، جبهولي .
+
وضعت الفستان جانبًا وتقدمت نحو السراحة تفتح صندوقًا معدني تعبث بأساوره قليلًا ثم أعادت إغلاقه وأعطته له ونبست بابتسامة هادئة:
+
- ودي أمانة عندك، لحد ما أطلبها تاني.
+
ثم ألتفت سريعًا نحو " مليكة " التي دخلت غرفتها تبكي بنواح لتلتقطها بين ذراعيّها تهددها .
+
أما عند " آسر " أخذها منها وهو يبتسم، لكنه لم يكن يعلم أنه لن يرُدها أبدًا.
+
عادت الذاكرة لتتلاشى وعاد هو للغرفة الخالية ، عيناه علقتا على الفستان الأزرق نفسه، مُعلّق بانتظام في دولابها كما تركته.
+
اقترب ولمسه بأطراف أصابعه، وكأنها واقفة أمامه به الآن ، لكنه لم يحتمل ،والدموع غامت عينيه ..
+
رفع انامله نحو الصندوق مُجددًا وألتقط أساورها يضغط عليها في كفه وكأنها يدها ،ثم انحنى برأسه و أخذت الدموع تتساقط على الأرض بصمت كنزيف بلا هوادة .
+
عاد للخلف ببُطء وجلس على طرف السرير، يغمض عينيه محاولًا أن يسمع صوتها وسط الصمت الثقيل ، لكن كل ما وجده هو خنقة في صدره ..
+
يتأمل حوله برجاء ، يحاول أن يُخرجها من أحد الزوايا عنوةً ، كل أغراضها حوله..
+
يُدقق في كل تفصيلة في الغرفة يتذكر حماسها لوضع كل قطعة في مكانها الآن ، ليبتلع غصة أليمة ، ويظل تطوف عيناه حوله يحاول أن يستعيد جزءًا من حسها الغائب ..
+
لكن لم يهاجمه سوى إحساس مؤلم قاسي ..
بأن الغرفة رغم امتلائها بأشيائها...
أصبحت خاوية تمامًا.
+
انبثق فجأة صوت رنين هاتفه من جيبه ، فتنهد ببطء وحاول الخروج من حالة الرثاء التي هو بها ، رفع الهاتف أمام مدى بصره ليتجلى أمامه أسم " الرائد خالد " ..
+
شرطة
عصابة
شقيقته ..
+
كل الأحداث تعود نحوها مُجددًا ..
طالع في الأسم بخواء وجاهد للتوقف دموعه الحارة ، فلقد بات يتأك أنهُ يحتاج أعوام وأعوام ليذكر سيرتها دون أن يذرف لها الدموع كبدًا وشوقًا .
1
ورفع سماعة الهاتف على أذنه .
+
───────────────
───────────────
+
مالت أشعة الشمس في نهايات النهار ، تنثر خيوطها الذهبية على أرجاء الكون، لتغمُر المدينة بوهج دافئ يلمع فوق الأرصفة والحجارة.
+
في تلك اللحظة، كانت "يـارا" تهبط من سيارتها بخفة، وخصلات شعرها الحرة تتراقص مع نسمات الهواء في انسجام رقيق ثم أغلقت الباب خلفها، لتفصح حضورًا يخطف الأنفاس بمجرد ظهورها.
+
خطت نحو أحد الأزقة، وخطواتها متعرجة قليلًا بفعل الأرض غير المستوية، حتى بلغت وجهتها في الساحة الفسيحة و عندها ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها ذات ملمع الشفاه الأحمر، في تناغم لافت مع جاكت جلدي قصير يصل إلى خصرها من نفس اللون، وبنطال جينز يبرز قوامها ،واكتملت إطلالتها بحذاء طويل العنق حتى الركبة، يحمل اللون الأحمر نفسه، وكأنها تعلن بجرأة حضورها الآسر وفتنتها المتحررة.
1
بالإضافة لتلك الحقيبة الصغيرة التي لفتها بين كتفيها لتعُلق بها شال أسود ويتدلي طرفيه على ساقها الأيمن .
+
ألتفت حولها وأبصرت ثلاث رجال بدرجاتهم النارية يقفون بتوازي في انصات لرجل آخر كان يعطيها ظهره بكتفيه العريضيّن وتسريحة شعره المنمقة .
+
هو ؟
رُبما .
+
كانت تعاند فضولها للذهاب وكشف هويته ، لكنها توقفت في اندماج مع حركاته وتعليماته التي كان يُلقيها في الهواء بحرفيّة واضحة ، ألتوى ثغرها القُرمزي بإعجاب خفي ، ووضعت أطراف إبهاميّها داخل جيب بنطالها الصغير ووقفت بحركة استعراضية تنتظر أن ينتهوا لينتبه لها .
+
وجدتهم جميعًا بعدها ارتدوا خوذهم وكأنهم على استعداد للانطلاق ، لكن لمحها أحدهم قبل أن يرتدي خوذته لترتفع ابتسامته ونبس بصوت جهوري فجأة :
+
- بتعملي إيه عندك ؟
+
وكان أول من استدار ..
هو .
+
لسوء حظها ألتفت لها جميع الرجال وقد ارتدوا خوذهم لكنه كان أول من ألتفت لتصُب كل تركيزها نحوه بنظراتها .. الآخاذة رُبما ..
+
لوح لها الرجال - دونه - بإشارة بكفوفهم بترحيب خفي ، لكنه لازم الصمت والحركة ، وفقط استدار نحو دراجته واستند عليها وعقد ذراعيه أمام صدره بصمت .
+
عقدت حاجبيّها بعدم فِهم لتصرفه ، ولِما هو الذي لا تستطيع توقع أو فهم تصرفاته ؟!
ناهيك عن عبارته المقتضبة العميقة.
+
أقترب منها نفس الشاب الذي انتبه لها أولًا مرة ، وكان يبدو في ربيع شبابه ،ويظهر عليه صِغره سنه ، لتتسع ابتسامته بعفوية ونبس :
1
- بشوفك بتيجي هنا كتير ، إنتِ تعرفينا ؟
+
طالعت فيه للحظات ثم ألتفت بطرف عيناها نحو الغامض الجامد على دراجته من بعيد ،وعادت طالعت امامها وجاملت ابتسامتها مجيبة بمغزى :
+
- ء، No ، أنا بس معجبة بيكم.
+
مسح الشاب على عنقه بإحراج ونبس :
+
- يبقى جيتي في وقتك ، كنا لسه هنعمل race - سباق - دلوقتي.
+
ارتفع حاجبيها وكأنه تسأله " أحقًا ؟" ، ثم عاودت نظراتها الخاطفة نحو ذلك الغامض لتجده يتبادل الحديث مع آخر ،وكأنه يدعي عدم الاهتمام بوجودها ، مما جعلها تضيق بنظراتها ثم ألتفت نحو الشاب أمامها بنظرات حادة وعرضت :
+
- عاوزة أركب ..
+
اتسعت نظرات الشاب وعجز عن الرد ثم ألتفت نحو ذلك الغامض - بالنسبة لها - ونبس بنبرة مرتفعة مرحة :
+
- ينفع ناخد يا چو وقت مستقطع ؟
+
ألتفتت له ، ليلمع بداخلها لقلبه لكنها إدعت عدم الإكتراث ولم تنظر نحوه ، لتجد الشاب يتنحى جانبًا ونبس بخفة :
+
- اتفضلي لو عرفتي .
+
اتسعت نظراتها نحوه بعدم تصديق والملامح العبثية تتراقص على وجهها ،تليها ابتسامة ثغرها بشغف ، لتقترب من الدراجة وأطراف أصابعها لامست قبضة القيادة برفق .
+
رفعت " يـارا " قدمها لتستقر على الدراجة ثم مالت للأمام قليلًا تضم قبضتيّها على مقبضيّ القيادة بإحكام وعيناها تلتمع بشغف وسعادة بليغة بانت في تلألؤ اسنانها .
+
كان شعورها بالانتشاء غامرًا ودقات قلبها صاخبة في جوفها ، وباتت تشعر أنها تلمس أطراف الحرية وتتخيل نفسها تقود باحترافيه مُجابهةً تيار الرياح بعنفوان ليتخلل بين خصلاتها ويُعانق فؤادها السحاب.
+
لكن انتشلها من أحلامها الربيعية صوته الحازم حينما نبس بقربها :
+
- انزلي ..كفاية كدة .
+
رفعت عيناها نحوه بنظرات صامته قوية وكانت متفاجئة قليلًا متى تقدم نحوها ، لكنها شدت على مقبضيّ القيادة في تمرُد غير منطوق لتسمعه يستطرد:
+
- إنتِ مش بتعرفي تركبيها ، وأكيد مش هتتحركي بيها ، فانزلي عشان هُما عاوزين المكنة.
+
ألتفتت للأمام وزفرت نفسًا بضجر ، وحين حاولت الهبوط لاحظت أن طرف الشال تعلق بشىء بجانب العجلة الأمامية ، فاخفضت جسدها بخفة وأخذت تفصل خيوط الشال عن القطعة المعدنية التي ألتف حولها بعناد .
+
انتبه هو لحركتها المائلة للأمام ورأسها المتدلي لأسفل ، تحديدًا تحت مقبض القيادة المعدني ، وبحركة خفيفة مد كفه الأيسر أسفل المقبض كدرع لحماية رأسها أن يرتطم بعُنف بالمقبض .
2
رفعت رأسها بعد أن فكت الخيوط العالقة لكنها كانت من الانتباه لتُعيد رأسها للخلف في محاولة لتفادي التصادم مع المقبض ، وفور أن رفعت رأسها حتى وقعت عيناها على حركة يده التي أزاحها بخفة بعد أن استندت جالسة .
+
عادت ببصرها نحو المقبض ثم نحوه مجددًا في تحليل خفي لتصرفه الذي لم يكن متوقعًا ، لكنها اعادت خصلات شعرها المتمردة خلف اذنيها بخفة وهبطت من على الدراجة .
+
رأت كيف أقترب الشاب وأخذ يقود دراجته بعيدًا عنهم حتى لحق برفاقه الذين أشعلوا محركاتهم وارتفعت اصوات هتافاتهم الحماسية .
+
ابتسمت "يـارا " بعدم إدراك على حماسهم ، ليتقدم أمامها جسد عريض المنكبين يُخفي عنها الرؤية.
+
رفعت عيناها نحوه وبهتت ابتسامتها رويدًا ، لتلحظ فرق الطول بينهم واللذي لم يكن بالقليل لكنها تجاهلت كل ذلك وأخفضت بصرها نحو الشال ترفعه من على حزام حقيبتها وتمد يدها به نحوه بحركات صامتة .
+
رفعت عيناها نحوه باستفهام تراهُ أشاح ببصره عنها ، فور أن نبس بعبارته باقتضاب :
+
- لفيه حواليكي.
+
لم تفهم مغزى تصرُفه لكنها أخفضت بصرها نحو جسدها بتفكير للحظات، ولمعت في رأسها فكرة وحيدة .
+
أنهُ يطلب بطريقة ملتوية أن تُخفي جسدها.. أهو مكشوف إلى ذلك الحد ؟!
+
رفعت عينيها نحوه مجددًا، عازمة على الاعتراض، لكن صلابة جسده الظاهرة في وقفته، ونظراته المخبأة خلف زجاج الخوذة وهي تتنقل في كل اتجاه عداها، أوقفت كلماتها قبل أن تنطق ، وارتسمت على شفتيها حركة انقباض مُتفكرة، ثم مدت يدها إلى الشال، لفته حول خصرها بإحكام، وعقدته من الأمام بحركة حاسمة .
+
عقدت ذراعيّها أمام صدرها بحزم وألتوى ثغرها بمُكر ونبست :
+
- يعني مش هتعلمني ؟
+
ألتفت صوبها و هو يرمقها بنظرات علوية ثم أومأ برأسه برفض صامت ، لتُردف تسائل آخر بإصرار :
+
- ولا هتخليني اشوف شكلك ؟
1
لازم الصمت وأومأ بالرفض مرة آخرى ، لتعض على شفتيّها بضيق طفيف وتُردف :
+
- حضرة المتسابق أنت مبتعملش خير ..
+
أجابها باقتضاب :
+
- في مين ؟
+
- فيا .
+
نبست بها فورًا وعيناها موجهة نحوه بثبات ، لتميل برأسها بخفة وتتسائل بفضول ساخر :
+
- مش هتخليني اشوف عيونك حتى ولا بتخاف عليهم ؟
+
أجابها بنبرة تشوبها السخرية :
+
- يمكن خايف عليكِ .
1
تأوهت بعدم تصديق ونبست بنبرة عبثية :
+
- ء aww .. دي ثقة كبيرة أوي .
+
أجابها بذات النبرة العميقة بثبات منقطع النظير :
+
- على حسب إنتِ فهمتي ايه .
+
أجابته بنبرة مشاغبة :
+
- عيونك فورتيكه وكده .
1
أطلق ضحكة قصيرة احست بها في انتفاضة جسده لوهله ، لترفع أناملها بغرور نحو خصلة شعرها تُزيحها خلف أذنيها ونبست بتعالي ساخر :
+
- من باب العلم بالشىء .. مش هيبقوا أحلى من عيوني .
+
ظهرت نبرته المرحة بشىء من السخرية حين نبس :
+
- دي ثقة كبيرة أوي .
+
رفعت إحدى حاجبيها بغرور وأردفت :
+
- اثبتلي عكس كده .
+
سكن لوهلة دون إجابة ، وألتفت حوله للحظات ثم أجاب برتابة :
+
- هتشوفيني ..بس في الوقت المناسب .
+
- وهستنى لحد امتى ؟
+
تسائلت بفضول ليُجيب بثبات :
+
- لحد ما ابقى جاهز أقابلك .
+
ضيقت عيناها بشك ثم نبست بترقُب :
+
- هو أنت تعرفني قبل كده ؟
+
طالع فيها للحظات دون رد ، ليُثير شكوكها أكثر والذي أجفلها نوعًا ما لتتسائل بحدة:
+
- مش بترد ليه ؟
+
- متستعجليش .. كل شىء في أوانه حلو .
+
أردف كلماته بانسيابية أرضى جزءًا بداخلها لكنها عادت لنبرتها المُتسلية وأردفت ؟
+
- امم ، ثقة كبيرة دي.. مش يمكن لما أشوفك مبقاش عاوزة أعرفك ؟!
+
مال برأسه قليلًا وتسائل بشك :
+
- فضولك هينتهي لما تعرفيني يعني ؟
+
- عاوز الكدب ولا الحقيقة ؟
+
- الحقيقة .
+
تراخت ملامحها بوضوح وزمت شفتيّها بارتباك قبل أن تُجيب :
+
- يمكن .. يمكن فضولي مينتهيش أبدًا .
+
نبست بعبارتها وعلقت نظراتها نحوه بشرود في مكان عيناها ، يدفعها الفضول لنزع تلك الخوذة بعُنف ليتسنى لها النظر له ، وفي تلك اللحظة لا يشغلها أي شىء عن هويته ، فقط تُريد النظر لعيناه .
+
ابتسم " يوسف " من أسفل الخوذة بسخرية وأجابها :
+
- ودا على حسب إيه ؟
+
رفرفت برموشها وابتلعت ريقها في محاولة للإفاقة من حالة الشرود التي تصيبها في لحظات تأمُلها له ، لتعود لعادتها تُجيبة بفلسفة :
+
- على حسب ما هعرف شخصيتك الحقيقية من غير تزييف ، من غير اقنعة أو غلاف.. الحقيقة وبس
+
- تهمك أوي ؟
+
أجابت بإصرار :
+
- أوي أوي
+
ليُردف بنبرة رخيمة :
+
- يمكن الحقيقة متفدكيش في حاجة .
+
- أنا بطلت أؤمن بالكلام ، مبقتش اصدق غير الحقايق ، والي عيوني تمسكه على الشخص مستحيل يتغير
+
ساد صمت قصير يختزن شيئًا أثقل من الكلمات ،ثم ريح خفيفة مرّت بينهما، حرّكت أطراف الشال حول خصرها، وكأنها تذكّرها بأن المسافة بينهما -رغم قربها الظاهري- ما زالت أكبر مما تتخيل.
+
أما "يوسف" من خلف زجاج الخوذة المعتم، كان يراها بوضوح أكثر مما تريد أن تُظهره لنفسها... يرى الحدة في عينيها التي تحاول أن تُخفي وراءها ارتباكًا، ويرى الفضول الذي يلتهمها ببطء.
+
هو يعرف هذا النوع من الفضول... لأنه شعر به يومًا، لكنه يعرف أيضًا كم يمكن أن يكون الفضول مؤلمًا عندما تكشف الحقيقة.
+
أمال رأسه قليلًا للأمام، حتى بدا صوته أعمق :
+
- مش كل حقيقة تستاهل إنها تتقال... أو تتحمّل.
+
رفعت ذقنها ببطء، في تحدٍ صامت، وعيناها تلتمعان:
+
- أنا أقدر أتحمّل.
+
ضحك بخفة قصيرة، ليست سخرية كاملة، لكنها أقرب لابتسامة لرجل يعرف أن هذا التحدي قد ينكسر بسهولة:
+
-لحد دلوقتي... إنتِ بس فاكرة كده.
+
تقدّمت منه خطوة،وكأنها ترسم بينهما خطًا جديدًا:
+
- جربني.
+
لكنه لم يتحرك، لكن كتفيه العريضين بدا وكأنهما سدا الطريق، وصوته جاء بطيئًا محسوبًا:
+
- في حاجات... لما تعرفيها، بتغير كل حاجة جواكي وبتغير نظرتك للي قدامك ... تفتكري، لو أنا طلعِت مش زي ما عقلك رسم... هتكمّلي نفس النظرة دي؟
+
ترددت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة مائلة فيها مزيج من العناد والمرح:
+
- يمكن... بس يمكن كمان أندهش أكتر ، سيبني أقرر .
+
هو لم يبتسم، لكن داخله كان يعلم أن هذا الجواب أقرب ما يكون للحقيقة ، ثم أخفض رأسه قليلًا، وكأنه يعترف بجرأة لم يقلها لفظًا:
+
- خليكي فاكرة... مش كل حاجة بتلمع دهب ، ولا كل فضول آخره حلو .
+
- طب ما تسيبني أخد أول خطوة ، وأسألك عن أسم البرفان بتاعك ؟
+
عاد برأسه للوراء بخفة وعلت ضحكاته بصخب ، لتقطب حاجبيّها بعدم فِهم لتجده ينبس من بين ضحكاته الهادئة :
+
- دا فضول آخره ريحة حلوة فعلًا .
+
أردفت بتغنج وثقة :
+
- مش قلتلك !
+
أومأ برأسه باستسلام وأجابها ببساطة :
+
- إسمه " خمرة " .
+
تشنج وجهها للحظات وتسائلت بارتياب :
+
- متأكد من النوع من دا ؟
+
ضحك بخفة على مغزى سؤالها ليومأ برأسه مُجيبًا بسخرية :
+
- برفان كويس مفيش فيه حاجة ، ما إنتِ شمتيه مسحركيش ولا حاجة .
+
أطلقت "يـارا" ضحكة قصيرة، وأمالت رأسها بخفة وهي تردّ بسخرية دافئة:
+
- مسحّرنيش... بس خلّى ريحته تِفضل في دماغي.
+
رفع "يوسف" كتفه قليلًا في لامبالاة محسوبة، وكأن ردّه لا يهمه بقدر ما يهمه وقع كلماته عليها:
+
- أهو ده معناه إنه برفان حلو.
+
خطت خطوة أقرب، حتى صارت المسافة بينهما تُقاس بالأنفاس، ورفعت نظراتها نحوه من تحت رموشها في تحدٍ أنثوي هادئ:
+
- أو يمكن معناه... إن اللي حاطه عنده ذوق حلو.
+
ابتسم "يوسف" بخفة لم تكتمل من وراء الخوذة ، ثم مال بجسده مبتعدًا بخطوة صغيرة، وأخفض رأسه ليخفي بقايا ضحكة حاول كتمها ، وفي داخله كان يقرّ بأن هذه الفتاة تملك جرأة ليست مألوفة... وشيئًا فيه كان يجد الأمر أكثر إثارة مما ينبغي.
+
رفع "يوسف" رأسه من جديد، وعاد يواجهها بنظرات ثابتة، وترك مسافة تكفي ليتحكم في مجرى الحوار، لكنه لم يقطع الخيط الخفي بينهما :
+
- كل حاجة حلوة... بتفضل كده طول ما هي بعيدة ، بس أول ما تقربي...
+
صمت لحظة، وبنبرة منخفضة تابع :
+
- بتصدمي.
+
رفعت حاجبها ببطء، محاولة قراءة مغزى كلماته، ونبست بلا مبالاة مشبعة بجرعة غرور أنيق :
+
- ء، Never mind .. أنا حلوة في كل الأحوال
+
لمعت عينيه خلف زجاج الخوذة للحظة قصيرة، لكنه أخفاها بإدارة رأسه نحو دراجته، فيما ظلت هي واقفة، تتأمل تفاصيله التي تحجبها الخوذة لكنها لا تحجب تأثيره.
+
رفع يده بخفة، إيماءة بالكاد تُرى، ثم أدار المحرك، فارتج المكان باهتزاز قوي، واختلطت رائحة الوقود بالحرارة المتصاعدة من العادم، ومع أول ضغط على دواسة الوقود، انطلق مبتعدًا دون أن يلتفت، تاركًا خلفه دوامة من الهواء الساخن ، بينما قلبها يخفق بإيقاع لم تعتد عليه.
+
ضغطت " يـارا " على شفتيّها السفلية بحماس ثم اتسعت ابتسامتها المُتفاخرة ، لترمُق الشال حول خصره وتنبس بمُكر :
+
- شكل موضوعنا مطول .. يا حضرة المُتسابق.
+
ثم عادت أدراجها مُجددًا ، وفور أن وصلت الشارع العام وقبل ان تقترب من سيارتها المصفوفة جنب الطريق ، أنفجرت أصوات أشعار متعددة من هاتفها ، لتقطب حاجبيّها بعدم فِهم وتُخرج هاتفها من جيبها لتُدرك إن الإشارة كانت مقطوعة عليه وقبل أن تكتشف سبب تلك الموجة انبثق في وجهها واجهة اتصال بإسم والدتها لتُجيب على مضدد :
+
- مامي ؟
+
- أنا بخير الحمد لله.
+
- آيوه بخير .. sorry كنت في منطقة مفيش فيها شبكة .
+
- في إيه ! إيه إلي حصل ؟
+
- طيب أنا جاية ..
+
───────────────
───────────────
+
دلف "آسر" إلى المسجد متكئًا على عكازه، يخطو بخفة رغم ألم ساقه ، توقف ثم ألتفت خلفه ليجد رجلان الحراسة يقفان بعيدًا ، وما أن انتبهوا على نظراته أشاروا له بحركة معينة كان قد أخبره بها " خالد " أنها إشارة الثقة ، فأومأ برأسه وتابع سيره .
+
كان المكان شبه ممتلئ بالمصلين، والهدوء يلف الأجواء إلا من صوت "ريان" في المقدمة، يلقي كلماته بثبات أمام الرجال.
+
تسلل في صمت بين الصفوف حتى بلغ أحد الأعمدة العريضة، فاستند إليها مستريحًا، وعيناه تتجهان نحو رفيقه وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة حين سمعه يسكب حديثه في آذان الحاضرين بتأثر :
+
- ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴾
+
- الآيه دي يا أخوة يقولها أصحاب النار في النار وهم مُقِرِّين بذنوبهم في وقت لا ينفع إقرارهم ولا توبتهم .. بيقولوا ايه بقا ؟ بيقولوا ربنا أمتّنا مرتين يعني كنا عدم فأنت أوجدتنا ثم أمَتَّنا بعد ذلك الإيجاد، وأحييتنا مرتين انك أوجدتنا من العدم وبإحيائنا للبعث ، فاعترفنا بذنوبنا التي اكتسبناها، فهل من طريق نسلكه إلى خروج من النار فنعود إلى الحياة لنصلح أعمالنا فترضى عنا؟! تخيلو دا كلام أهل النار يوم القيامة ونسأل الله الا يجعلنا وإياكم منها .
+
ردد الحاضرين بنبرة خافته رتيبة " آمين " ليستطرد " ريان " وهو يعتدل قليلًا ويُرسل بنظره إلى الصفوف، يلقي كلماته المجلجلة بالحق، فتسري في القلوب كأنها تيقظها من غفوتها:
+
- دا كلام أهل النار في النار .. بس أنا وأنت وكلنا ما تيجو نطبق الآيه دي علينا واحنا في الدنيا .. نعترف بذنوبنا بقا ، تعترف بفضل الله علينا ، ندعوه ونرتجيه ونقوله " هل من خروج إلى سبيل ؟!" هل في طريق نسلكه يارب عشان ننجو من نفسنا وذنوبنا ومعاصينا ؟!
+
كان "آسر" يتابع كلمات رفيقه وكأنه يتلقى درسًا شخصيًا له وحده، حين تابع "ريان" صوته بانخفاض حنون ولكن بثباتٍ لا يلين:
+
- لسه الباب مفتوح، ولسه الروح في الجسد، ولسه القلب بينبض ولسه فيه فرصة ، الفرق بيننا وبينهم إنهم بيقولوا الكلمة دي في وقت انقطعت فيه كل السبل، لكن إحنا ! إحنا دلوقتي السبيل لسه قدامنا ... طب ليه نستنى لحد ما يبقى مفيش رجوع؟ ليه من النهارده ما نرفعش نفس الدعوة، بس وإحنا واقفين على باب الرحمة مش باب النار؟ نقولها وإحنا على الأرض وإحنا ساجدين، وإحنا مكسورين بين يديه سبحانه " يا رب... هل من خروج إلى سبيل؟ هل من طريق تسوقنا بيه لرضاك؟ هل من خطوة واحدة تقرّبنا منك وتبعدنا عن غضبك؟ "
+
شعر "آسر" بأن صدى العبارات يتردد في صدره أكثر من أرجاء المسجد، يضغط على قلبه فيوقظه من سباته، فيما أكمل "ريان" وهو يفتح كفيه للسماء برجاء :
+
- يمكن الطريق مش سهل ايوه ويمكن النفس تحاربنا، لكن كل مرة نقع ونقوم وفي كل دمعة ندم، وكل لحظة توبة... هي دي اللي هتكون الفرق بيننا وبين المشهد الرهيب اللي وصفته الآية ... فـيا رب... أحي قلوبنا قبل ما تُموت، وأنر بصائرنا قبل ما تُظلِم، وألحقنا بركب التائبين قبل أن يُغلق الباب.. آمين يارب ... أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ،قوموا لصلاة العشاء يرحمكم الله .
1
ختم " ريان " قوله ونهض وتحرك إلى موضع الإمام ليصدح نداء الإقامة في المحيط كافة ، فبدأت الصفوف تنتظم ببطء، أصوات تحريك الأقدام على سجاد المسجد الخشن تداخلت مع همسات خافتة .
+
رفع " ريان " تكبيرة الإقامة بصوت رخيم فخبا كل صوت سواها، ووقف الرجال متجاورين، رؤوسهم منحنية، وعيونهم معلقة بالأرض، وكأن كل واحد منهم جاء إلى الصلاة حاملاً عبئه، راجيًا أن يخف عنه ثقله بالركعة الأولى.
+
أما "آسر" فظل جالسًا في مكانه للحظات، يراقب الوجوه الخاشعة، قبل أن يخطو إلى الصف،ويضع كرسي ليجلس عليه وينضم للصلاة وقلبه يردد الدعاء الذي هزّه "يا رب... هل من خروج إلى سبيل؟".
+
انتهت صلاة العشاء وأخذ المصلون يتبادلون السلامات مع " ريان " في جو مليىء بالمحبة والسلام ،وكان يبادلهم بابتسامة دافئة ودعوات خفية.
+
- جزاك الله خير يا شيخنا .
+
نبس بها " آسر " من خلفه اقتداء بغيره من عبارات الرجال وابتسامة حانية على وجهه ،ليتفت " ريان " سريعًا ليُجيبه لكنه قطع عبارته حينما ابصره يقف أمامه ، فاتسعت ابتسامته السمحة أكثر واقترب منه يضمُه له قائلًا بمحبة :
+
- أهلًا بالغالي والله ، جيت إمتى؟ .
+
بادله " آسر " العناق بيد واحدة بمودة ومسح على ظهره بامتنان وحينما تباعدا نبس " آسر " بتسلية:
+
- أنا هنا من قبل الصلاة وحضرت أخر جزء من الدرس ، كنت جميل أوي .. بتعملها إزاي ؟
+
مسد " ريان " على كتفه وابتسامة دافئة يُلخص فيها شكره بخجل ليُجيبه :
+
- الله يجمل أيامك يا غالي .. تقصد الدروس ؟
+
أومأ له " آسر " برأسه ليُردف الآخر بحنين:
+
- دي حكاية طويلة ، أبويا خدني مرة من إيدي وأنا عندي 22 سنة وقالي جهز درس عشان هتطلع تقوله إنت بدالي ، منكرش كنت خايف وقلقان جدًا الله وكيلك بس كنت كل مرة بتعلم وبكتسب خبرة وثبات ، ومن يومها بقا مرة أنا مرة هو لحد ما بقيت أغلب الوقت أنا بفضل الله .
+
- ما شاء الله.
+
نبس بها " آسر " بأعيُن مُلتمعة ليُلقي " ريان " بصره على ساقه وتسائل باهتمام :
+
- المهم إنت عامل ايه دلوقتي ، بخير ؟
+
ابتسم "آسر" ابتسامة قصيرة تحمل في طياتها شيئًا من الإنهاك ومن الاطمئنان، ثم مالت رأسه قليلًا في إيماءة مطمئنة ، وأخذهم الحوار بعدها في مسار دافئ، يتنقل بين سؤال وذكرى، وبين مزاح خفيف .
+
جلسا متقابلين على سجادة المسجد في صمت بعد العديد من الدقائق التي لم تخلو من أحاديثهم المتنوعة ، وفجأة أخذ " آسر " بكف " ريان " على حين غرة ووضعها على معصمه ليتظاهر بأنه يقيس نبضاته ، بينما " ريان " مُجفل من تصرفه ليسمع الآخر ينبس بفصاحة :
+
- أخذ الطبيب بمعصمي مُتحسسًا نبضات قلبي ثم قال غريبُ ..
+
اتسعت ابتسامة بلهاء على ملامح " ريان " في رؤيته لهذا المشهد قبل يستطرد " آسر " بذات النبرة :
+
- لا نبض عندكَ أين قلبُكَ يا فتى ؟ فأجبتُ قد أخذ الفؤادَ حبيبُ .
+
ختم عبارته بابتسامة حانية بينما أجفلت ملامح " ريان " وأبعد يده عن معصمه ونبس بحدة طفيفة :
+
- ما بس قلة أدب بقا ، بس خِـف شوية !!
4
اتسعت ابتسامة " آسر " بمشاكسة وتابع :
+
- عقبال ما اتجوزها واقولها كده .
2
رفع " ريان " إحدى حاجبيه وأردف بتحذير :
+
- كلمة كمان وهزعلك !
+
اتسعت ابتسامة " آسر " على ملامحه المقتضبة ونبس بعبثية :
+
- خلاص حصل خير متتعصبش عشان تلحق تشوف عيالنا .
2
اغمض " ريان " عيناه بقوة ومسح على وجهه ثم فتحهُما وأردف بشدة :
+
- اللهم طولك يروح ، آسر كفاية بقا واعرف إن الي بتتكلم عنها دي أختي وهي ومتحلش ليك دلوقتي ، فلم نفسك بقا ، عشان إنت لو حد تاني كنت ربيته .
1
بلل " آسر" شفتيّه وعاد لعادته الرزينه ونبس :
+
- خلاص خلاص آسف بجد ، بحب أشوفك غيران أوي ، عقبال ما اشوف غيرتك على مراتك .
+
بينما " ريان " اكتفى أن رمقه بنظرات مقتضبة وأشاح ببصره عنه ، ليدخل " آسر " في موجة ضحك على ملامحه شاركه " ريان " بابتسامة تلوح على ثغرة بخفة .
1
───────────────
───────────────
+
توقفت سيارة " جواد " أمام بوابة الڤيلا المعدنية بالخارج ، رفعت " ليلى " عيناها آخيرًا عن أناملها المتشابكة بارتباك وتوتر بليغ .
+
حتى " جواد" انتقل له توترها فتردد بداخله للحظات متفرقة وأخذوا طريق المستشفى معظمهُ بصمت .
+
حينما رفعت بصرها لترمُق ذلك المبنى المرتفع أثناء مرور السيارة عبر البوابة نحو باحة المنزل ، كانت عيناها تتجول باهتمام لتفاصيل المِعمار ولم تنتبه على اصطفافه لسيارة إلا بعد عدة ثوان حين ألتفت على حين غرة ونبست بنبرة مشدوهة :
+
- دي غير إلي كنا فيها وإحنا صغيرين صح ؟
+
طالع فيها بصمت وأومأ بالإيجاب وأجاب بنبرة رخيمة :
+
- الڤيلا القديمة بعد ما ولعت ماما رفضت تعيش فيها وانتقلنا لهنا.
+
أومأ بفِهم وأخذت تدور بعيناها بفضول صامت على التفاصيل قبل أن تسمع نبرته :
+
- جاهزة ؟
+
ألتفت نحوه وزمت شفتيّها بارتباك واضح ، بينما تلبكت أمعائها وشعرت بصخب نبضات قلبها..
+
ألتفت مجددًا نحو الباب الداخلي وكان جُل تفكيرها أن والدتها على بُعد مترات من هنا ، وهذا الأمر سبب في رعشة خفيفة هاجمت جسدها فجأة .
+
الآن أنزوت المسافات وتقلصت
وانطوى العُمرُ والسنوات
وأذن الله بإجابة دعائها اللحوح كل صلاة
هي الآن هنا .. وأمها بالداخل ..
لقد توقف العد ، واندثرت المسافة وبات اللقاء محض واقع لا يفصل عن تحقيقه سوى بضع خطوات .
+
كأنك كنت تقف على هاوية سحيقة لسنوات في محاولة فاشلة لطيران وها أنت تُعانق السحاب بأناملك .
+
كان صخب عقلها يشوش على تركيزها ، إذ وقفت أرضًا وتعلقت عيناها على المبنى بإجفال ، وتلألأت عَبارَاتها الدمعية لتُخشي حدقتيّها البُنية .
+
شعرت بحرارة جسده بجانبها ، إذ وقف بسكون يتأمل ملامحها الساكنة عكس ضجيج عقلها الصاخب ، كان يقف بصمت يُعطها كافة الوقت لاستعداد .
+
رفعت عينيها نحو خاصته، ودموعها لم تمنع ابتسامتها الضعيفة، فبادله هو بآخرى، ابتسامة هادئة تنبض بالأمان.
+
- عشت طول عمري بتمنى اللحظة دي.. دا طلع الإحساس أحلى من أحلامي ..
+
نبست بها بنبرة حالمة عاطفية ، فرد بصوت عميق دافئ، يخترق زحمة الأفكار داخلها:
+
- الإحلام بتتحقق عشان إحنا عاوزينها تتحقق ، وإنتِ حلمك بقا بين إيدك يا ليلى خلاص.
+
امتزجت دموعها الحارة في تلك اللحظة مع ابتسامتها الغامرة ،لتشهق بخفة وتجده يخطوا أمامها بخطوات بطيئة يحُثها على التقدم خلفه .
+
وبالفعل ؛ رفعت " ليلى " قدميها الواهنتيّن عن الأرض بصعوبة تجرُهُما أرضًا في محاولة يائسة للسيطرة على إنهيار يأتي من خذلانهم لها .
+
وباتت أمام الباب الخشبي..
شعرت بطرقات " جواد " على الباب برتابة أنها تردد على قلبها ، إنها تشعر بالتوتر يكاد يوقف نبضاتها ..
+
وعلى إجفال دون المراعاة لثباتها الهاوي فتحت إحدى عاملات المنزل الباب ليصل أولًا عبق رائحة عتيقة لأنفها وكأنه مُخدر مؤقت لأوصالها المشدودة.
+
تقدم "جواد" بثقة متزنة داخل البيت، لكن بإشارة كفه الخفيفة طلب من "ليلى" أن تبقى مكانها، كأنه يريد أن يتحكم في مجريات اللحظة.
+
اقترب من الصالة حيث كان والديه يستقران بهدوء، فلفّ بصره في المكان بحذر ثم خاطب إحدى العاملات بصوت جهوري واضح المعالم:
+
- عوزاكي تجمعيلي كل إلي في البيت في ظرف دقيقة هنا.
+
لفت كلامه الانتباه، حيث ارتسمت علامات الاستغراب على وجه والديه، فتقاطبت حاجبا "فاتن" بحيرة وتسألت بقلق:
+
- في إيه يا جواد؟
+
رد هو بابتسامة تغلفها الغموض:
+
- هتعرفي دلوقتي يا ماما.
+
وبالفعل، خلال دقيقتين فقط، تجمع الجميع في الصالة، وارتسمت على وجوههم علامات الحيرة والتوتر بوضوح ،ولم يتمالك "جليل" نفسه، فلوّح بيده لابنه بتلهف وصبر قليل:
+
- ما تقولنا يا ابني في إيه؟
+
لكن "جواد" اكتفى بابتسامة عابثة، وتراجع إلى الخلف خطوة بخطوة، مقتربًا من الباب الموارب، حيث وجه إليهم نظره الحاد وقال بنبرة متلاعبة على أعصابهم :
+
- تقدري تتفضلي.
+
ومع انفتاح الباب ببطء، تقدم ذلك الظل المتحرك نحو الداخل، فتعالت النظرات الفضولية والمتوجسة، لتقع أعين الجميع على شابة متوسطة القامة، ترتدي بنطالًا واسعًا أبيض، وقميصًا قطنيًا فضفاضًا مزيجًا بين الأسود والأبيض، وحجابًا أنيقًا أسود يلتف حول وجهها الناعم المشرق بملامح هادئة تحمل بين طياتها قصصًا كثيرة.
+
ساد الصمت لوهلة، وارتسمت على الأوجه مزيج من الذهول والترقب، وكأن الزمن قد توقف للحظة قبل أن تنطلق الحكاية الحقيقية التي ستقلب كل شيء رأسًا على عقب.
+
وفجأة، اخترق المشهد صوت "جواد" الجهوري، كالسيف يشقّ سكون الموقف، ناطقًا بما سيخلّد اللحظة:
+
- لـيلىٰ .. ليـلى رجعت.
2
ارتجّت القلوب قبل الجدران، وكأن كلماته أطلقت شرارة كتبت بداية فصل جديد في حياة الجميع، فصل لا يعلم أحد كيف ستُقلب فيه الأقدار، ولا أي العواصف تنتظرهم في الأفق...
+
لكن المؤكد أن ليلى... قد عادت الآن ، وهي بداية ذلك الفصل .
+
ٰ
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
1
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
_ إذن .. ما توقعاتكم للقادم ؟
+
_ تنويه بسيط .. حسابي على الفيس بوك اُغلق مؤقتًا وأنا ببذل مجهود لإعادته نسأل الله أن يعود قريبًا ، وبه انقطع سبيلي لتواصل معكم ولم يبقى سوى كومنتات الواتباد .. لذا انتظر أرائكم بشغف .
1
_ أمر آخر ؛ تسائلت من إحداكم ، كم تبقى على نهاية الرواية ؟
حسنًا ، لا تقلقوا مازالت الرواية مستمرة معنا بضعًا من الوقت ، فكما ترون الأحداث تسير برتابة مُنتظمه بدون تسريع أو تبطىء لكن مازال هناك عديد من الحقائق لم تُكشف بعد ، بالإضافة أن كثير منكم يُحب رؤية تفاصيل كل ثنائي متفردًا حتى نصل بهم لبر الأمان دون تعجُل أي منحنى ،ولكم هذا .. فأنا بالفعل لم أخطط لتعجُل لأي ثنائي لأني أعلم أن لكل زوج منهم فئة مهتمة به على حدى فلكم كامل التفاصيل دون مبالغة أو ملل ..
+
وأيضًا ؛ لا الرواية لن تنتهي عند الفصل الأربعون ، لكن إن كان بالعمر مُـتسع فهناك على مقدمة العام الجديد حتى نحسم أمورنا بجدية ونضع نقاط الختام .
+
ومن هنا حتى الفصل القادم ..
+
شكرًا لحُسن قرائتكم لا تنسوني من دعائكم ، واذكروا أمي بالدعاء بالشفاء و السلام على قلوبكم يا كِرام ..
+
|| سُهى الشريف ||
+