اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم رانيا ممدوح



                                              
اقترب يزيد خطوة، نبرة صوته متوترة، يختلط فيها الغضب بالخذلان:
"كده أنا وفيت بوعدي… إنت كمان أوفي بوعدك."

+


رفع صقر عينيه نحوه ببطء، وكأنه كان يود لو يتجاهل كلماته، وصوتُه هادئ، لكن فيه نغمة حذر:
"إيه؟"

+


انحنى يزيد للأمام، وعيناه تضيقان كمن يحاصر فريسته:
"تعمل لي طلبي بقى."

+


ارتجف حاجبا صقر للحظة، ثم سأل بنبرة مترددة، وكأنه يخشى ما سيسمعه:
"أي هو طلبك؟"

+


ابتسم يزيد ابتسامة باهتة، لكنها مشوبة بالمرارة، وقال بصوت يقطر عتابًا:
"كل مرة كنت بكتشف حاجة، كنت بستنى… بستنى إنت اللي تقول بنفسك. عشان كده، كنت بعمل نفسي أهبل… غبي… يمكن تتكلم، يمكن تفتح قلبك لي.
لكن كل مرة… كل مرة، بتسكت! وبتصدق إن تمثيلي اللي بيبان عليّ.
أنا النهارده… مش هسكت. عايز أعرف إيه اللي وراك… وإيه اللي مغيرك كده!"

1


ارتعشت أصابع صقر وهو يشد على مقبض الكرسي، ثم قال بصوت مبحوح، يكاد يختنق بالكتمان:
"مفيش حاجة."

+


لكن يزيد لم يترك له فرصة للتملص، بل صاح بانفعال، ووجهه يتورد غضبًا، وعروقه تنتفض على عنقه:
"لأ! في.
إنت جبت خنجر بدر منين؟!
وروحت فين بليل؟!
أنا صحيت وما لقيتكش، ولما رجعت… عملت نفسي نايم عشان أحميك!
وحاولت أخفي الموضوع… ما عملتش بلبلة في القصر كله عشان محدش يدري!"

1


ارتبك صقر، نظراته تهرب في كل اتجاه، وصدره يعلو ويهبط كبحر هائج. قال بصوت واهن، يكاد يخفت وسط هدير الغضب المحيط:
"اللي عايز أقوله… ما ينفعش أقوله. حتى لو وعدتك أنفذ لك طلبك."

+


اقترب يزيد أكثر، حتى صار وجهه على بعد أنفاس منه، وعيناه تلمعان بدموع محبوسة، صوته يتصدع كقلب منكسر:
"ليه يا صقر؟!
ده أنا صاحب عمرك! طول عمري في ضهرك… شايل سرك… وبخبّيه مهما كان!
وبيحصل كوارث!
وانت واقف، وأنا اللي بشيل وراك… وساكت!
إنت متخيل إيه؟!"

+


أغمض صقر عينيه، كأنه يتمنى لو يختفي عن هذا العالم، ثم تمتم بصوت متهدج:
"مقدرش… اطلب أي حاجة تانية غير ده، يا يزيد."

+


ارتسمت على ملامح يزيد صدمة عميقة، اتسعت عيناه، وتراجع خطوة إلى الوراء كمن تلقى طعنة غير مرئية.
" خلاص يا صقر هو ده كان طلبي ، و هحترم رغبتك طالما مش عايز تتكلم"
وقف هناك، يتنفس بصعوبة، كأنه يحاول استيعاب أن أقرب الناس إليه يختار أن يتركه في الظلام، بينما هو يحترق بأسئلة لا تنتهي.
وفي تلك اللحظة، كان القصر كله صامتًا، إلا من همسات الريح التي مرت بين المشاعل، وكأنها تواسي قلبين انكسرا في صمت.

1


كان الليل قد أسدل ستاره على أرض الحمدانية، لكن القلوب لم تعرف السكون.
تجمّع الرجال في الساحة الكبيرة، وجوههم شاحبة تحت ضوء النار المشتعلة في المشاعل، وعيونهم متقدة بالغضب والخوف. الهواء كان ثقيلاً، يختلط فيه رائحة الرماد برائحة الموت التي خلفها البئر المسموم.
وفي وسط ذلك المشهد القاتم، كان سعدون يقف، كتفاه العريضتان مشدودتان، وعيناه تقدحان شررًا، وكأنه شيطان خرج من باطن الأرض لينفث سمومه في عقول هؤلاء البؤساء.

+



                                      


                
رفع سعدون ذراعيه في الهواء، وصاح بصوت هز أركان الساحة، حتى ارتجفت القلوب من هيبته:

+


"هتستنوا إيه أكتر من كده يا حمدانية؟!"

1


ارتفعت الهمهمات بين الرجال، بينما اقترب بعضهم بخطوات مترددة، وملامحهم تتقلب بين الحيرة والخوف، وكأنهم لا يصدقون ما يسمعونه.

+


ضرب سعدون الأرض بعصاه الخشبية، فارتد الصدى في أرجاء المكان، ثم تابع، وصوته يمتزج بالغضب والحقد:

+


"كل الكوارث دي ولسه واثقين في ابن الحمدانية؟! مستنيين نموت من الجوع والعطش؟! مستنيين تشوفوا عيالكم ورجالكم بيموتوا قدام عنيكم؟! عايزين كلنا ننتهي؟!"

1


ارتفع صراخ النساء البعيدات في أرجاء القرية، وكأنه صدى لكلماته، فأصاب الرجال رعب صامت. تقدم رجل نحيل، وجهه محفور بالتجاعيد، وعينيه دامعتين من الفقد، وهو يصرخ بعجز:

+


"هنعمل إيه يعني يا سعدون؟! قولنا، دلنا، إحنا خلاص تعبنا! و الموت بيحاصرنا من كل الجهات"

+


ابتسم سعدون ابتسامة ماكرة، كشفت عن حقد دفين، ثم لوّح بيده وكأنه يرسم مصير القبيلة بأصابعه:

+


"هتعملوا كتير! مش هنقعد نتفرج على الخراب اللي بدر و أهله بيجيبوه علينا. لا عايزين حكم بدر… ولا أي حد من الحمدانية! لازم نطلب حد تاني يحكمنا… حد يحافظ علينا، يحافظ على أرضنا وعِرضنا!"

+


انتفض رجل آخر، قوي البنية، صوته أجشّ، وعينيه متقدتان كشرر النار:
"زي مين؟ مين يحكمنا غيرهم؟"

+


رمقه سعدون بنظرة واثقة، ثم اقترب بخطوات بطيئة، كذئب يتسلل نحو فريسته، وقال بصوت خافت لكنه نافذ:
"وقتها نشوف… دلوقتي كل همنا نطير ابن الحمدانية من مكانه. نخلّص القبيلة من قبضتهم قبل ما يقضوا علينا واحد واحد."

+


ارتفعت الأصوات بين الرجال، بعضهم يتردد، والبعض الآخر يتأثر بكلماته كالسحر.
ثم صاح أحدهم وقد احمر وجهه بالغضب:

+


"طب ونعمل إيه؟ إزاي نطيرهم؟"

+


عندها، علت ضحكة سعدون، ضحكة شريرة كأنها تخرج من أعماق الظلام، ثم رفع عصاه عاليًا ولوّح بها فوق رؤوسهم، وصاح بصوت يزلزل الأرض تحت أقدامهم:
"هنولّع فيهم! هنولّع في البلد كلها! هنخلي الأرض تصرخ من نار غضبنا!"

+


ترددت كلماته في الساحة كالرعد، ومعها اشتعلت نار الغضب في قلوب الحاضرين، حتى إن بعض الرجال رفعوا سيوفهم في الهواء، وعيونهم تحولت إلى جمرات حمراء.
في تلك اللحظة، لم يعد المكان مجرد ساحة، بل صار بركانًا على وشك الانفجار، وبرأسه يقف سعدون، يبتسم كملك على عرش الخراب، منتظرًا اللحظة التي ينهار فيها كل شيء، ليعيد بناءه على مقاس طموحه المظلم.

+


كانت سارية جالسة في غرفتها، عيناها زائغتان تحدقان في لا شيء، بينما قلبها يخفق كطبل حرب. كان الليل ثقيلاً، والسكون يلف المكان، لكن بداخلها كانت العاصفة تعصف بلا هوادة. تذكرت لحظة موافقتها على الزواج، لحظة لم تفكر فيها إلا لتُرضي والدتها وتهرب من واقعها، لكنها الآن، بعد أن هدأت، شعرت كأنها وقعت في فخ لم يُخلق منه مخرج.

+



        

          

                
رفعت يديها المرتجفتين إلى وجهها، وشهقت بصوت متهدج:

+


"أنا إزاي عملت كده؟!… إزاي وافقت؟!"

+


نهضت واقفة، تتجول في الغرفة كأنها أسيرة بين جدرانها، ثم توقفت فجأة أمام المرآة. رأت انعكاس وجهها، فبدت لها غريبة، كأنها لا تعرف نفسها.

+


سارية، بصوت متهدج: 

+


"كان لازم أفكر كويس قبل ما أعمل حاجة زي كده… العريس ده… إزاي هتجوزه وأنا معرفهوش؟! لا… لا، مش ممكن! لازم أهرب، لازم أهرب بعيد، بعيد عنهم كلهم… بعيد عن القيود دي!"

+


اشتعلت عيناها ببريق يائس، بريق شخص قرر أن يواجه العالم وحده. دون تردد، اندفعت نحو ركن الغرفة، حيث وضعت بهجة صغيرة قديمة الطراز، فتحتها بسرعة، وأخذت تلقي فيها بعض الملابس على عجل.
كانت يداها ترتجفان وهي تطوي ثوبًا هنا، وتلقي بوشاح هناك، وكل حركة تصدر عنها كانت تحمل رائحة التهور والخوف.

+


نظرت إلى الباب لحظة، ثم إلى النافذة، كان الباب رمزًا للقيود، للقرار الذي أُجبرت عليه، بينما كانت النافذة الحرية التي تنتظرها.
همست بصوت خافت كأنها تخشى أن تسمع نفسها:

+


"الحرية… لازم أختارها النهاردة، دلوقتي… قبل ما يفوت الأوان."

+


تسللت بهدوء إلى النافذة، وقلبها يكاد ينفجر بين ضلوعها. دفعت خشبها القديم، فانفتح محدثًا صريرًا خافتًا جعلها تتجمد في مكانها للحظة، تسمع وقع أنفاسها وتراقب إن كان أحد قد استيقظ. لكن البيت ظل ساكنًا، غارقًا في نوم ثقيل.

+


مدّت قدمها إلى الخارج، ثم الثانية، وبدون أي تردد قفزت من النافذة، لتسقط على الأرض الرطبة تحت ضوء القمر الباهت. شعرت بألم بسيط في كاحلها لكنها تجاهلته، ثم أمسكت حقيبتها الصغيرة، وركضت بكل ما أوتيت من قوة.

+


كان الليل يبتلعها في أعماقه، والريح تداعب شعرها وهي تركض، كأنها تهمس لها: 
"اجري… ماتبصيش وراكي."
ورغم أن الخوف كان يلاحقها، إلا أن قلبها لأول مرة منذ زمن طويل شعر بنبض الحرية، ولو للحظة عابرة.

+


لم تكن سارية تدري أن خطوتها المتهورة تلك ستنقذ بقية عائلتها من مصير أسود.
بينما كانت قد قطعت شوطًا في الهروب، كانت هنادي وبناتها داخل القصر يتلألأن تحت ضوء المصابيح الزيتية، وهنّ يتزينّ بأثمن الحلي والمجوهرات، يتباهين أمام بعضهن البعض استعدادًا لاستقبال العريس الثري القادم في الغد.
كانت الغرفة تعجّ برائحة العطور الثقيلة، وضحكات الفتيات تتعالى، بينما هنادي تجلس أمام المرآة الكبيرة، تضع قرطها الذهبي الأخير وتبتسم برضا وكأنها على وشك أن تحصد ثمار طموحها المادي.

+


لكن فجأة، انشقّت اللحظة البهيجة بصوت صرخة عالية شقت أرجاء المنزل.
صرخة نسيم، وهي تركض إلى غرفة سارية وقد بدت على وجهها علامات الذهول والهلع.
صرخت بصوت مرتجف، عيناها تتسعان من الفزع:

+



        
          

                
"ماما! تعالي بسرعة! سارية مش هنا!"

+


تسمرت هنادي في مكانها، وارتجفت يدها حتى سقط القرط من أصابعها على الأرض.
هرع ناجي من الخارج، وجهه متجهم وعروقه بارزة من شدة الانفعال:

+


"إزاي؟! راحت فين؟!"

+


اندفعت هنادي نحوه وهي تضع يدها على قلبها، وكأنها تخشى أن يتوقف من الخوف:

+


"بنتي... هو حد زعلها؟! ده العريس جاي بكرة! إزاي تعمل فينا كده؟! يا مرك يا هنادي يا مرك"

+


وقفت العنود، عيناها تتقدان قلقًا، وملامحها مشدودة:
"يلا نخرج ندور عليها بسرعة! يمكن لسه قريبة من هنا!"

+


لحقت بهما بتول، وهي تمسك بيد شقيقتها الصغيرة، أنفاسها متلاحقة من الرعب:

+


"أيوه! هتكون راحت هنا... ولا يمكن راحت هناك بعد البيت بشوية! يلا بسرعة قبل ما تبعد أكتر!"

+


وانطلقت العائلة كلها كالعاصفة، تركض في أرجاء المكان، تفتش بين الأزقة والممرات، أصواتهم تتعالى بالنداء على اسم سارية، والليل يلف القرية بستاره الداكن، يخفي عنهم سرًّا كبيرًا سيكشفه القدر قريبًا.

+


بينما هم يبحثون، كانت سارية تركض في الظلام، تحمل بهجتها الصغيرة، لا تعلم أن هروبها لم يكن مجرد رفض لعريس مجهول، بل كان بداية خيط النجاة الذي سيحمي عائلتها من كارثة كانت تتربص بهم.

+


وما إن خرجت هنادي وبناتها مع ناجي يبحثون عن سارية في جنون، يلهثون بين الأزقة والطرقات، حتى خيّم هدوء مخيف على المنزل الكبير.
لم تمر سوى بضع دقائق، والليل ما زال يلف القرية بردائه المظلم، حتى تسللت خطوات غادرة تحمل معها رائحة الدم والحقد.
كان سعدون يتقدم رجاله، عيناه تقدحان شررًا، وملامحه مشدودة بعنفوان شيطاني، يحيط به مجموعة من الرجال يحملون مشاعل نارية تتراقص ألسنتها كوحوش جائعة تنتظر الانقضاض.

+


وقف سعدون أمام بوابة المنزل، يزفر بغضب، وصوته يخترق السكون كسوطٍ ملتهب:

+


"ده بيت ناجي ابن الحمدانية... بيت الخيانة والذل! الليلة ننهيه ونمسح أثرهم من الأرض!"

+


ردّ أحد أتباعه، عيونه تلمع بحقد:

+


"جاهزين يا سعدون، أعطِينا الإشارة بس!"

+


رفع سعدون يده عاليًا، والنار من المشاعل تلقي بظلالٍ مرعبة على وجهه، ثم هبطت يده فجأة في إشارة حاسمة، فاندفع الرجال كالعواصف.
بدأوا يرشقون المشاعل على سقف البيت وجدرانه الخشبية، ومع أول لمسة اشتعل اللهيب في كل زاوية، كأنه وحش ضارٍ يلتهم المنزل.

+


تعلت أصوات النار وهي تصرخ بصوتٍ مخيف، والدخان الأسود ارتفع كثيفًا، يلوح في السماء كعلامة خراب.
ضحك سعدون ضحكةً شيطانية، وصوته يرتجف من النشوة:

+


"ولّعوا أكتر! خليها نار تأكلهم وتأكل كل أثر ليهم! اللي يقف في وشي أنا، نهايته هتكون كده!"

+



        
          

                
اندفع رجاله يكسرون النوافذ، يرمون الأخشاب داخل البيت لتتغذى النار وتزداد شراسة، بينما سعدون يقف كقائد حرب، يتأمل المشهد بعينين متوحشتين، كأنه يرى حلمه يتحقق أمامه.

+


في هذه اللحظة، كانت هنادي وبقية العائلة على بعد مسافة قصيرة، يبحثون في الظلام عن سارية، ليلمحوا فجأة وهجًا مرعبًا يتصاعد في السماء.
توقفت هنادي، قلبها كاد يتوقف، شهقت شهقة حادة وهي تصرخ بأعلى صوتها:

+


"النار! ده بيتنا! بيتنا بيتحرق!"

+


التفت ناجي مذهولًا، وعيناه تتسعان بالرعب، بينما الدخان يزحف نحوهم كوحش أسود، ليخبرهم أن الكارثة قد وقعت، وأن كل شيء على وشك أن ينهار.

+


أمسك ناجي بذراع هنادي بقوة، وصوته يرتجف ما بين الخوف والحزم، بينما النار خلفهم تلتهم المنزل كوحشٍ لا يرحم:

+


"استني هنا! متقربيش... النار هتاكلك زي ما أكلت البيت!"

+


شدّهن إلى الخلف وهو يلتفت سريعًا نحو بناته الثلاث، نسيم والعنود وبتول، ثم انحنى ليحتضنهن جميعًا بين ذراعيه وكأنه يحاول أن يخلق حولهن حصنًا يحميهن من هذا الجنون الدائر. كانت أنفاسهن تتلاحق، وعيونهن تلمع تحت ضوء النار والدموع تختلط على وجوههن.

+


ناجي بصوت يقطر قهرًا:

+


"متخافوش يا حبايبي... الحمد لله إننا خرجنا في الوقت المناسب قبل ما يولعوا بينا."

+


لكن وجوه الفتيات كانت مرسومة بالرعب؛ بتول تبكي بصوت مكتوم، والعنود تحدق في النار بعينين زائغتين، بينما نسيم تحاول أن تبدو شجاعة رغم ارتجاف شفتيها.
رفع ناجي رأسه، وعيناه تلمعان تحت الظلام، ثم قال بحزم وهو يحاول أن يسيطر على الموقف:
ناجي: "خلونا هنا في الضلمة... لحد ما نعرف هنعمل إيه بعد المصيبة دي."

+


التفت نحو هنادي، التي كانت تمسح دموعها بأنامل مرتعشة، ووجهها شاحب كأن الدم انسحب منه:

+


"تعالي يا هنادي... كويس إنكم لابسين زينتكم. لو حصل أي حاجة تقدروا تهربوا ومعاكم اللي ينفعكم."

+


في تلك اللحظة، تقدمت نسيم، ورغم صغر سنها، كان في صوتها صلابة لم يعتدها أحد:

+


"يلا نروح نحذر بدر! لو بيتنا اتحرق النهارده... بكرا هيكون الدور على بدر !"

+


تجمد ناجي في مكانه، الخوف يعتصر قلبه، وملامحه تفصح عن آلاف المخاوف المكبوتة، ثم هز رأسه بعنف، محاولًا منعها:

+


"خلينا هنا! لو خرجنا دلوقتي، هنكون لقمة سهلة ليهم... اسكتي يا نسيم، متتهوريش!"

+


لكن نسيم خطت خطوة للأمام، وعيناها تتأججان كالجمر، روح التحدي تغلب خوفها:

+


"لا يا بابا! طالما بدأوا بينا، يبقى أكيد الدور عليه. لازم نبلّغ بدر قبل ما النار توصل ليهم! لو سكتنا النهارده، بكرا مش هيتبقى حد في القبيلة!"

+



        
          

                
ساد صمت ثقيل للحظات، لا يُسمع فيه سوى صراخ النار في بيتهم المحترق، بينما ناجي يقف ممزقًا بين خوفه على عائلته، وغضبه مما يحدث، وحيرة القرار الذي قد يغير مصيرهم جميعًا.

+


وقف ناجي وسط عائلته، والدخان يتصاعد خلفهم من منزلهم الذي صار كومة رماد. كان وجهه مغطى بغبار الطريق ورماد الحريق، وعيناه تقدحان بالتصميم، رغم رعشة خفيفة حاول أن يخفيها. رفع يده بحركة حاسمة، وصوته يعلو وسط شهقات زوجته وبكاء بناته:

+


"خليكوا هنا... محدش يتحرك! أنا هروح وأرجع تاني."

+


صرخت العنود وهي تتشبث بثوبه، ودموعها تنهمر بغزارة، حتى أن صوتها اختنق من كثرة البكاء:

+


"بابا! أنا خايفة عليك... خليك جنبنا، بالله عليك متسيبناش!"

+


اقتربت بتول هي الأخرى، وعانقته فجأة بذراعيها الصغيرتين، وكأنها تحاول أن تمنعه من الرحيل بجسدها الهزيل:
"آه... متسيبناش يا بابا، لو مشيت... مش هنشوفك تاني!"

+


جثا ناجي قليلًا ليكون بمستواهما، وضمّهما إلى صدره بكل ما أوتي من قوة، قلبه يتمزق مع صرخاتهما، لكنه حاول أن يرسم على وجهه ابتسامة واهنة ليزرع في قلوبهن الطمأنينة

+


"ماتخافوش... أبوكم راجل، وهرجع لكم سالم. والله ما هسيبكم لوحدكم أبداً."

+


لكن هنادي، زوجته، كانت واقفة خلفه، يديها ترتجفان، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما من الرعب، فاندفعت نحوه، تمسك بذراعه بشدة، وكأنها تخشى أن يسلبه القدر منها:

+


"لا... لا يا ناجي! خليك معانا، بالله عليك، أنا خايفة عليك أنا كمان. ماتسيبناش... لو جرالك حاجة، إحنا هنضيع بعدك!"

+


التفت إليها ناجي، وفي عينيه بريق حزن وحب، ثم رفع يده برفق ليمسح دموعها:

+


"ماتخافوش... أنا هرجع، وأقسم بالله هرجع. بس بدر... بدر برضه ابن أخويا، يعني حتة مني، ولازم أحذره وأطمن إنه بخير."

+


ثم وقف بقامته المهيبة، يثبت نظراته في أعينهم، كأنه يريد أن يحفر ملامحه في قلوبهم قبل أن يرحل، ثم أدار ظهره ومضى بخطوات سريعة، تاركًا خلفه زوجته وبناته في ظلام الليل، وأصوات بكائهن تتلاشى بين أنفاس الريح، بينما النار المشتعلة تضيء السماء كأنها تنذر بحرب لا هوادة فيها.

+


كان ناجي يركض بأقصى ما لديه من قوة، والعرق يتصبب من جبينه رغم برودة الليل. قلبه يخفق بعنف، ليس فقط خوفًا على نفسه، بل على بدر، ابن أخيه، وعلى بناته وزوجته اللواتي تركهن يرتجفن من الرعب في الظلام. كان الدخان لا يزال يملأ الأفق، ورائحة الحريق تلسع أنفه، بينما ألسنة اللهب خلفه تتراقص كوحوش جائعة تلتهم كل ما يقف في طريقها.

+


وصل إلى منزل بدر وهو يلهث، فرفع صوته بأقصى ما يملك، وصوته يحمل رعبًا ونداء استغاثة:

+


"بدر! يا بدر! افتح... يا بدر!"

+



        
          

                
فتحت بدر الباب بخطوات سريعة، وجهها متجهم، وعيناها تضجان بالقلق، فخرجت مسرعة، وهي تضع يدها على قلبها الذي كاد ينخلع من الخوف:

+


"نعم يا عمي... في إيه؟ إيه اللي حصل؟"

+


أمسك ناجي بكتفيها، وكأنه يتشبث بها خوفًا من أن ينهار:

+


"الحق... يا بدر... القبيلة بتولع فينا! ولعوا داري... واللي عملوه معايا، الدور عليك بعدي!"

+


اتسعت عينا بدر بصدمة هزت كيانها، وأحست للحظة أن الأرض قد انشقت تحت قدميها، ثم سألت بصوت مرتجف، يكاد يختنق بين الغضب والخوف:

+


"إيه يا عمي! وبناتك فين؟ هنادي فين؟"

+


لوّح ناجي بيده سريعًا ليطمئنها، وإن كان قلبه لا يزال يرتجف:

+


"ماتخافش عليهم، هما بخير... سيبتهم في مكان آمن لحد دلوقتي، بس المهم دلوقتي إحنا هنعمل إيه؟"
ثم انكسر صوته وهو يواصل، بعينين دامعتين:

+


"دول كتير يا ولدي... كتير قوي! وأنا خايف عليك... خايف يطولك أذى، زي ما حصل معايا!"

+


قبل أن تتمكن بدر من الإجابة، ارتفع من بعيد صخب مرعب، أصوات هتاف غاضبة، ووقع أقدام كثيفة، تقترب شيئًا فشيئًا، كهدير طوفان لا يرحم. شعرت بدر بأن الوقت ينفلت من بين يديها، وعقلها يعمل بسرعة البرق.

+


بدر بحزم، وهي تدفع ناجي في اتجاه الباب:
"ارجع إنت لبناتك، واحفظ سلامتهم يا عمي... روح المكان اللي إنت عارفه... المكان اللي كان بيحبه أبويا."

+


رمقها ناجي بنظرة مليئة بالدهشة، ثم الفهم، فقد كان سالم، والد بدر، قد أعد مكانًا سريًا لا يعرفه أحد إلا أفراد العائلة الموثوق بهم.
ابتسم ناجي رغم التوتر، وهز رأسه موافقًا دون أن يسأل أو ينطق بالاسم، ثم قال بصوت خافت لكنه مملوء بالامتنان:

+


"فهمت قصدك يا بدر... ربنا يحفظك يا ولدي."

+


ثم استدار وركض بكل ما تبقى لديه من طاقة، عائدًا إلى عائلته، بينما وقفت بدر في مكانها، يداها ترتجفان، وعيناها تراقبان الظلام القادم الذي يبتلع كل شيء.

+


في تلك اللحظة، لم تكن مجرد امرأة تتنكر في هيئة رجل، بل كانت أسدًا يقف وحيدًا أمام قطيع من الذئاب الجائعة، عاقدة العزم على أن تدافع عن أرضها وشرفها، مهما كان الثمن.

+


كانت البحيرة المهجورة هادئة على غير عادتها، يكسوها ضباب كثيف، وكأنها تخفي أسرارًا لا يجرؤ أحد على كشفها. جلست سارية على صخرة قريبة من الماء، بهيئتها المبعثرة، ودموعها تنهمر بلا توقف، ترتجف من شدة البرد ومن الاضطراب الذي ينهش قلبها. كانت تتنفس بصعوبة، كأن الهواء ثقيل على صدرها، وعقلها يصرخ بأسئلة لا تملك لها جوابًا.

+


سارية وهي تحدث نفسها بصوت متحشرج، غارق في الانكسار:
"أنا عملت إيه؟ هربت... سيبت البيت وكل حاجة... طب بعد كده؟ هروح فين؟ أرجع؟ ولا أكمل وأختفي؟ يا رب ساعدني... أنا تايهة ومش عارفة الصح من الغلط..."

+



        
          

                
ارتعشت فجأة عندما سمعت أصوات خطوات قادمة من بين الأشجار، فمسحت دموعها بعجلة، وعيناها تتسعان بالرعب، ثم التفتت، لتجد هنادي أمها، وخلفها ناجي وأختها نسيم، يتقدمون نحوها.

+


كانت هنادي تغلي من الغضب، وجهها متجهم، وعيناها تقدحان شررًا، فصرخت بصوت عالٍ وهي تقترب، وكأن كل قهرها ينفجر في هذه اللحظة:

+


"إنتي هنا؟! يا قليلة العقل! عايزة تجبيلنا العار يا سارية؟ تهربي وتسيبي البيت يوم ما العريس جاي؟!"

+


ارتجفت سارية من حدة كلامها، وانكمشت في مكانها، بينما قلبها يدق كطبل غاضب، وحاولت أن ترد لكن صوتها كان ضعيفًا متقطعًا.
وقبل أن تنطق، مد ناجي يده ليوقف زوجته، وقد بدا على وجهه مزيج من التعب والخوف، وقال بصوت خافت لكنه حازم:

+


"خلاص يا هنادي... الحمد لله إننا لقيناها بخير. ماتكبريش الموضوع دلوقتي."

+


ثم التفت إلى ابنته، وهو يقترب منها بخطوات حذرة، وكأنه يقترب من غزال مذعور قد يفر هاربًا في أي لحظة.
نسيم، التي كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، ركضت نحو أختها وصرخت بلهجة مختلطة بين الخوف والغضب:

+


"ليه عملتي كده يا سارية؟ هربتي ليه؟ كنا بندور عليكي زي المجانين! قوليلي إيه اللي حصل!"

+


رفعت سارية وجهها إليهم، دموعها لم تتوقف، وعيناها محمرتان من البكاء، ثم قالت بصوت متقطع، وهي تزداد ألمًا كلما نطقت كلمة:

+


"عرفتوا... إني هنا... إزاي؟"

+


تنهد ناجي بعمق، وكأنه يحمل جبلًا فوق كتفيه، ثم جلس بجانبها ووضع يده على كتفها ليطمئنها، وقال بصوت متهدج يختلط فيه الحزن بالامتنان:

+


"الغجر يا بنتي... الغجر ولعوا في بيتنا... كل حاجة راحت في لحظة. هربنا كلنا، ولو ماكنّاش خرجنا في الوقت ده... كان زمانا دلوقتي متنا كلنا محروقين."
ثم ابتسم رغم ألمه، ومسح دموعها برفق وهو يواصل:

+


"ولولا هروبك إنتِ، ماكنّاش هننجو... هروبك خلى الكل يطلع وراك، وده اللي أنقذنا. يعني يا سارية، انتي ساعدتينا... من غير ما تاخدي بالك."

+


انهارت سارية بالبكاء، وقد اختلطت مشاعرها بين الذنب والراحة، بينما نظرت هنادي إليها بدهشة، وعيناها تهتزّان بدموع حاولت إخفاءها، أما نسيم فاحتضنت شقيقتها بقوة، وكأنها تخشى أن تفلت منها مرة أخرى.

+


في تلك اللحظة، أدركت سارية أن قرارها، الذي ظنته هروبًا وجبنًا، كان رحمة ساقها القدر لإنقاذ عائلتها، لكنها في أعماقها كانت تعلم أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد.

+


تقدمت هنادي بخطوات مترددة، وملامح القلق تعصف بوجهها، عيناها تبرقان بالخوف كشمعتين على وشك أن تنطفئا، ثم همست بصوت مبحوح، وكأن الكلمات تثقل لسانها:
"هنعمل إيه يا ناجي؟"

+



        
          

                
رفع ناجي رأسه نحوها، وقد ارتسمت على وجهه خطوط الإرهاق والصلابة، عيناه متوترتان كوتر قوسٍ مشدود، لكنه حاول أن يبدو متماسكًا أمامها وأمام بناته. أجاب بصوت خافت ولكنه حازم، وكأنه يزرع الطمأنينة في قلوبهن، بينما قلبه يضج بالرعب:

+


"العمل عمل ربنا… هنقعد هنا لحد ما نشوف الليلة دي هترسى على إيه."

+


لكن صوت العنود، ابنته الوسطى، شقّ السكون المرتجف، وهي تضم ذراعيها إلى صدرها، وكأنها تحاول حماية نفسها من الظلام المحيط بهم:

+


"هنقعد هنا؟! ده المكان… مخيف."
كان وجهها شاحبًا، وشفتيها ترتجفان، وعيناها تتنقلان بين أشجار الغابة الداكنة كأنها ترى أشباحًا خفية تتحرك بينها.

+


وقبل أن يزداد الخوف بينهم، تقدمت سارية، الفتاة التي كانت تبكي منذ قليل، وقد بدا في صوتها شيء من الحنين، وهي تقول محاولة إخفاء ارتجاف قلبها:

+


"لا… ده جميل… بس لو قيدنا المشاعل، هيعجبكم."

+


التفتت إليها هنادي بسرعة، والريبة تلوح في نظراتها، حاجباها انعقدا فوق عينيها في دهشة وقلق:

+


"عرفتي منين؟"

+


وفور أن انطلقت كلمات أمها، ارتجفت سارية، وشحب وجهها، وكأنها كُشفت أمامهم جميعًا. خفضت رأسها خجلًا، وعضّت شفتها السفلى بقوة حتى كادت تجرحها، فهي بالطبع لن تجرؤ على أن تخبرهم بأنها اعتادت لقاء زين هنا في الخفاء. بدا صمتها كاعتراف، لكنها تمسكت به، متمنية أن يتجاوزوا السؤال.

+


حينها تدخلت نسيم، أكبر البنات، وهي تحاول إنقاذ الموقف، فصوتها بدا قويًا، وإن كان قلبها يخفق باضطراب:

+


"خلاص، خلونا ندور إزاي ننور المشاعل دي."

+


تحرك ناجي في صمت، وعيناه تقيسان المكان بحذر، ثم أخرج عود ثقاب كان يحتفظ به. في لحظة، اشتعل أول مشعل، فانطلقت شرارة صغيرة في الظلام، سرعان ما اتسعت لتضيء أرجاء البحيرة المهجورة. توالت المشاعل في الاشتعال، فانتشر ضوء دافئ متراقص، يطرد شيئًا من وحشة المكان، كأنه روحٌ أُيقظت من سباتها.

+


جلسوا جميعًا بالقرب من النار، وجوههم مضيئة بألسنة اللهب، والأطياف ترقص خلفهم على الصخور وكأنها أشباح الماضي. كانوا يتبادلون بعض الكلمات الخافتة، يستمدون من وهج النار قليلًا من الشجاعة، ويتشبثون بوجود ناجي بينهم كمن يتشبث بخشبة نجاة في بحر هائج.

+


في تلك اللحظة، ولأول مرة في حياته، شعر ناجي بخوف حقيقي يعتصر قلبه. لم يكن خوفًا على نفسه، بل على بناته الثلاث وزوجته… لم يعد لهم حامٍ سواه. نظر إليهن نظرة الأب الذي يحمل العالم كله على كتفيه، بينما داخله يموج بالاضطراب. قبض على عصاه الخشبية بكل قوته، وكأنه يتأهب لمواجهة المجهول، وكل حاسة في جسده مستنفرة لحمايتهن.

+



        
          

                
بمرور الوقت، أثقل التعب جفون الفتيات، فاستسلمن للنوم واحدة تلو الأخرى، وقد تمددن قرب النار، ووجوههن هادئة رغم الخوف الكامن في صدورهن. حتى هنادي، بعد مقاومة طويلة، غلبها النعاس، فاستلقت بجوار بناتها وهي تضم إحداهن إلى صدرها.

+


أما ناجي، فظل ساهرًا، يراقب الظلام بعينين متقدتين، لا يغفل ولا يطمئن. جلس متربعًا أمام النار، ووجهه يضيئه وهجها الذهبي، بينما الظلال الملتفة حوله تجعله يبدو كفارسٍ وحيدٍ في معركة لا يُعرف عدوها. بين الحين والآخر، كان يرفع رأسه إلى السماء، يتمتم بدعاءٍ متضرع، صوته لا يكاد يُسمع، لكنه يملؤه يقينٌ ورجاء:
"يا رب… احفظهم ليا… أنا ماليش غيرك."

+


في تلك الليلة، كان ناجي حاميًا، وأبًا، وجدارًا أخيرًا يفصل عائلته عن الفناء، بينما النار تتراقص أمامه، كأنها تذكّره أن النور مهما خبا… لا بد أن يغلب الظلام يومًا.

+


فور أن غادر ناجي منزله مسرعًا، خيّم الصمت على المكان، لكن قلب بدر كان يخفق بعنف، إحساس غامض بالخطر ينهش روحها، وكأن الظلام المحيط يوشك أن يبتلعهم جميعًا. شعرت بارتجاف في أطرافها، ثم اندفعت تنادي بصوت مرتعش:

+


"ماما!"

+


ظهرت فاطمة من الغرفة المجاورة، وعلى وجهها علامات قلق وارتباك، وقالت بخوف وهي تمسح يديها في ثوبها:

+


"نعم، يا بدر، في إيه؟"

+


اقتربت بدر منها بخطوات سريعة، عيناها متسعتان كأنهما مرآتان تعكسان الفزع الذي بداخلها، وأمسكت بذراعي أمها بقوة وهي تلهث:

+


"بسرعة! لمي هدومك… وهدومي… ويلا امشي من هنا فورًا!"

+


ارتبكت فاطمة، وعقدت حاجبيها في حيرة، محاوِلة فهم ما يجري:

+


"ليه؟ إيه اللي حصل؟"

+


زفرت بدر بعصبية، وصوتها يزداد توترًا:

+


"بيت عمي ناجي اتحرق، ومفيش وقت! الدور علينا دلوقتي! لازم أتأكد إنك بخير قبل ما يوصلوا هنا. خدي حاجتك من غير ما حد يحس… وامشي على طول على البحيرة المهجورة. هتلاقيهم هناك… اقعدي معاهم."

+


وضعت فاطمة يدها على فمها غير مصدقة، ثم همست بخوف:

+


"يا ساتر يا رب… طب أروح لوحدي كده؟"

+


هزت بدر رأسها بسرعة، وكأنها تحاول ترتيب أفكارها وسط الفوضى التي تدور في عقلها:

+


"لأ! خدي أمان معاكي… هو هيحرسكم وياخد باله منكم. اسمعيني كويس، لمي أي مجوهرات… فلوس… أي حاجة غالية. مش مهم هدوم ولا حاجات تانية، المهم الحاجات اللي تنفعنا بعدين."

+


لكن فاطمة لم تستطع كبح قلقها، فرفعت صوتها قليلًا:

+


"طب وحسناء وليلى وعبد ربه؟! نسيبهم؟"

+


أمسكت بدر بكتفي أمها بقوة أكبر، ووجهها يتلوى بين الخوف والعجلة:

+


"كده العدد هيكبر، والناس هتشُكّ فينا! اعملي نفسك رايحة لأمان عادي… وبمجرد ما توصلي له، خديه وروحي بسرعة، ما تبصيش وراكي."

+



        
          

                
دموع فاطمة تجمعت في عينيها، وشفتيها ترتجفان:

+


"طب… وأنتِ يا بدر؟ هتروحي فين؟"

+


ابتسمت بدر ابتسامة شاحبة، محاولة طمأنتها رغم ارتجاف قلبها، وصوتها خرج حازمًا لكنه مبحوح:

+


"ماتخافيش عليا… أنا هبقى بخير. المهم دلوقتي أنتِ. روحي… بسرعة… قبل ما يوصلوا."

+


بدأت فاطمة تتحرك، دموعها تنساب على وجنتيها وهي تهمس:

+


"حاضر… حاضر، يا بنتي."

+


وقفت بدر مكانها، تراقب والدتها وهي تجمع ما تستطيع من مجوهرات وذهب في قطعة قماش صغيرة، ثم تنظر من النافذة بحذر قبل أن تغادر، بينما في قلبها شعور خانق بأن هذا قد يكون آخر لقاء بينهما.

+


توجهت فاطمة بخطوات سريعة مرتجفة نحو غرفة أمان، قلبها يخبط في صدرها كطبول الحرب، وجسدها يرتجف من شدة الخوف. كان الظلام يلف المكان، وصوت الصمت يثقل الأجواء، إلا من أنفاسها المتقطعة. دفعت باب الغرفة بقوة، فصرَّ الباب صريرًا حادًا كأنه يعلن الخطر القادم.

+


كان أمان مستلقيًا على الفراش، يتنفس بهدوء، غارقًا في نوم عميق لا يدري بما يجري في الخارج. انحنت فاطمة فوقه، وهزته بعصبية وهي تهمس بصوت مرتفع خنقته الدموع:

+


"اصحى يا أمان!… اصحى يا ولدي، بسرعة!"

+


فتح أمان عينيه ببطء، متجهّم الملامح، وصوته غليظ يملؤه النعاس:

+


"في إيه؟… إيه اللي حصل؟"

+


نظرت إليه فاطمة بعينين تلمعان رعبًا، وكأنها تخشى أن تنهار قبل أن تكمل كلماتها. أمسكت بذراعه، تشد عليه بقوة، وكأنها تستمد منه بعض الطمأنينة:

+


"مافيش وقت، يا أمان! قوم بسرعة، البس هدومك، وخد سلاحك… يلا نمشي حالًا!"

+


جلس أمان على الفراش متوترًا، يحاول أن يلتقط أنفاسه ويفهم ما يجري، ملامحه مشدودة وقلقه يزداد:
"نمشي؟! نمشي فين يا أمي؟! إيه اللي بيحصل؟"

+


أشارت له بعصبية نحو الباب، وعيناها تتفحصان الغرفة كأنها تتوقع أن يهجم أحد في أي لحظة:

+


"أنا هقولك كل حاجة في الطريق، بس دلوقتي قوم… بسرعة قبل ما يوصلوا هنا! حياتنا كلنا في خطر!"

+


ارتجف أمان للحظة، فأدرك أن الأمر جلل، إذ لم يرَ والدته بتلك الحالة من قبل. اندفع واقفًا، يمد يده لسلاحه، وعيناه تلمعان بعزم وخوف، بينما قلبه يتسارع مع وقع خطواتهما وهما يستعدان للهروب في ظلام الليل.

+


كانت بدر تقف أمام نافذة غرفتها، عيناها تترقبان ظلمة الليل، ونسيم بارد يعبث بوشاحها الأسود المتسللة من تحت عمامتها. قلبها يخفق بقوة، والقلق ينهش صدرها، لكنها تحاول أن تبدو ثابتة أمام رجالها، فلا وقت لإظهار الخوف.

+



        
          

                
في الخارج، انتشر الجنود حول المنزل كما تنتشر النجوم في السماء، كل واحد منهم يمسك سلاحه متأهّبًا، أعينهم تتفحص الظلام الحالك الذي يحيط بهم. كانت خطواتهم على الرمال هادئة لكنها تحمل صدى التوتر في هذا الليل المشحون.

+


تقدّم عبد ربه بخطوات ثابتة، ملامحه مشدودة، وصوته عميق يحمل مزيجًا من الولاء والجدية.
بدر، بصوت قوي رغم ارتجاف قلبها:

+


"خلي بالك يا عبد ربه… وخليك صاحي الليلة. مفيش مكان للغفلة، سعدون مش هييجي بهدوء، هييجي زي النار ياكل الأخضر واليابس."

+


انحنى عبد ربه قليلًا احترامًا، وعيناه تلمعان بعزيمة لا تهتز:

+


"أمرك، يا ست بدر. ولا تشيلي هم، طول ما أنا موجود محدش هيقرب من الدار غير على جثتي."

+


رمقته بدر بنظرة فخر ممزوجة بحذر، ثم أدارت وجهها نحو الأفق المظلم، حيث تخيلت قوافل سعدون تقترب في الظلام. همست لنفسها، كأنها تقسم في سرّها:

+


"الليلة دي هتحدد مصير الحمدانية كلها… يا نعيش مرفوعين الراس، يا نموت واقفين."

+


ثم رفعت صوتها وهي تتجه نحو الجنود، تصدر أوامرها بحزم:
"كل واحد ياخد مكانه! العيون مفتوحة، والأيادي على السلاح… الليلة مش ليلة عادية!"

+


فارتفعت هتافات الرجال بصوت واحد، يملؤه الإصرار، فاهتزّ صمت الليل وكأن الأرض ذاتها استعدّت لمعركة لا تُنسى.

+


في قلب مجلس قبيلة الشرقاوية، كان السكون يخيم على المكان، والوجوه متجهمة تحت ضوء المشاعل التي تلقي بظلال متراقصة على الجدران. فجأة، اندفع أحد الجنود إلى الداخل، أنفاسه متلاحقة، ووجهه شاحب من هول ما رآه.

+


قال بصوت مرتجف، كأنه يحمل النار في كلماته:

+


"سي جمال… سعدون بيحرق الحمدانية! بيولّع في البيوت، وعايز البلد كلها تخرب… وبيقول إنه هيحرق ابن الحمدانية بنفسه!"

+


رفع جمال رأسه ببرود، وعيناه تلمعان بدهاء، ثم أشار للجندي أن يصمت. قال بنبرة باردة، وكأنه يتحدث عن أمر بعيد لا يعنيه:

+


"احنا مالنا… القبيلة ليها شيخ، يتصرف هو مع اللي بيحصل جواها."

+


لكن في ركن المجلس، كان صقر يقف متشنجًا، يداه مقبوضتان، والغضب يتفجر في عينيه. إلى جواره، بدا زين متوترًا، يحدق في والده غير مصدق.
خطا صقر خطوة للأمام، صوته يهتز بالغضب:

+


"أبويا! ازاي نسيبهم كده؟! دول جيراننا، وأهلهم في رقبتنا!"

+


لم يلتفت جمال لابنه، بل ظل ينظر إلى المشعل أمامه، يعبث بلحيته وهو يزن الأمور في عقله.

+


" و هو ده المطلوب هيقعوا لوحدهم من غير ما نوسخ أيدينا"

+


تدخل زين، محاولًا السيطرة على الموقف، صوته حازم رغم اضطرابه:

+



        
          

                
"بس يا بوي… لو الغجر فازوا، هياخدوا الأرض منك بسهولة! ساعتها مش هيسيبولك حاجة، لا أرض ولا نفوذ."

+


تغيرت ملامح جمال فجأة، وارتسمت ابتسامة ماكرة على وجهه، كمن التقط خيطًا لمؤامرة أكبر.

+


"اه… صح. يبقى لازم نتدخل قبل ما الكفة تميل ليهم."

+


تنفس صقر بارتياح للحظة، معتقدًا أن والده اقتنع، لكن سرعان ما تحولت أنفاسه إلى جمر مشتعِل حين تابع والده ببرود قاتل:

+


"صح… ونتدخل مش عشان ننقذهم، لا… عشان نقتل ابن الحمدانية ونخلص منه."

+


اتسعت عينا صقر في صدمة، وصوته انفجر كالرعد:

+


"و… وليه نقتله؟! بدر مش عدو لينا، ده بيحاول يحافظ على أرضه وأهله!"

+


لكن جمال اعتدل في جلسته، صوته صار قاسيًا كحد السيف، كاشفًا عن نواياه المظلمة:

+


"اومال هنروح هناك نعمل ايه يا صقر؟! هنقتل بدر، وناجي، وكل العيلة دي… ونمسح الحمدانية من على وش الأرض."

+


شهق زين، ملامحه مشدودة، والغضب يتصاعد داخله:
"لا! تقتل ناجي وباقي العيلة ليه؟! ده ظلم يا بوي، ده مالوش علاقة باللي بيحصل."

+


لوّح جمال بيده بعنف، مقاطعًا اعتراضهم، صوته هادر كالإعصار:

+


"مالكم كده؟! في إيه؟! نفذوا اللي بقولكم عليه وخلاص! روحوا جهزوا نفسكم… هنروح هناك دلوقتي، واللي هيقف في طريقنا هينتهي!"

2


ساد صمت ثقيل، لم يجرؤ أحد على الرد، لكن في عيون صقر وزين كان الغضب يشتعل، وكأن عاصفة داخلية توشك أن تنفجر، لا ضد سعدون… بل ضد والدهم نفسه.

+


اقترب سعدون من منزل بدر، عيناه تلمعان بتحدٍّ واضح، والشر يتطاير منهما.
صرخت بدر بصوتٍ عالٍ، يملؤه الغضب والذعر:

+


"اقبضوا عليهم كلهم! دلوقتي!"

+


لكن ما رآه الجميع كان صادمًا، إذ ظل الجنود واقفين في أماكنهم دون أي حركة، وكأنهم تماثيل من حجر.

+


ضحك سعدون ضحكة ساخرة، صداها ارتدّ في أرجاء المكان:

+


"فاكر يا بدر إنك إنت المسيطر هنا؟ هههه… كل الرجالة دول تحت أمري وخدمتي، وكل حاجة هنا تحت سيطرتي أنا… مش إنت."

+


تجمدت ملامح بدر، وعينيها تدور في وجوه الجنود في محاولة يائسة لالتقاط بصيص أمل، ثم نظرت بسرعة إلى عبد ربه، صرخت بغضب:

+


"عبد ربه! اعمل حاجة! ولا إنت كمان معاهم؟!"

+


ابتسم سعدون ابتسامة خبيثة، ورفع يده مشيرًا إلى عبد ربه وكأنه يكشف ورقة رابحة:

+


"رد عليها يا خالي… يمكن يعرف الحقيقة."

2


استدارت بدر بسرعة نحو عبد ربه، والذهول يكسو وجهها، صرخت بصوت مختنق:

+



        
          

                
"خااااااله؟!… إنت خاله يا عبد ربه؟!"

2


صرخت بدر بصوتٍ مبحوح، وقد امتزج في نبرتها الغضب بالخذلان:
"انطق يا عبد ربه! ليه ساكت؟!"
كانت تحدق فيه بعينيها الواسعتين، تحاول أن تقرأ ما يخفيه، بينما قلبها يتخبط داخل صدرها كطيرٍ مذعور.
"يمكن… كنت شاكة فيك الفترة الأخيرة، بس قلبي ماكنش راضي يصدق… ماكنتش متخيلة إنك ممكن تخوني!"

+


تقدمت نحوه بخطوات ثقيلة، حتى كادت أن تمسك بثوبه، ثم أشارت إليه بإصبع مرتجف، وقالت بصوتٍ اختنق بالعَبرة:
"إنت يا عبد ربه… إنت الخاين والجاسوس اللي كنت بدور عليه طول الأيام اللي فاتت!"

+


دوّى ضحك سعدون فجأة، ضحكة شريرة كسرت جدار الصمت بينهما، فتجمدت بدر في مكانها.
اقترب سعدون منها، وابتسامة ماكرة ترتسم على وجهه، وقال وهو يلتفت إلى عبد ربه باستخفاف:

+


"لأ يا خالي… مش جاسوس. خالي أكبر من كده بكتير."

1


اتسعت عينا بدر دهشةً، وارتجف قلبها حين سمعت كلمة خالي.
رمقها سعدون بنظرة نصر، ثم أضاف بنبرة باردة، كمن يكشف السر القاتل:

+


"الجاسوس بيكون تحت أمر حد، لكن خالي… هو اللي بيأمر.
هو العقل المدبر لكل حاجة حصلت هنا… وأنا؟"

2


اقترب منها أكثر حتى شعرت بأنفاسه على وجهها، وهمس كأنه يطعنها بخنجر:

+


"أنا مجرد السيف اللي بينفذ كلامه."

+


سقطت الكلمات على بدر كالصاعقة، وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها، فارتدت للخلف، بينما عقلها يرفض تصديق ما سمعته.

+


رفعت بدر رأسها بكبرياء، تمسح دموع الغدر سريعًا قبل أن يراها، ونظرت إلى سعدون نظرة متحدية، والشرر يتطاير من عينيها. كان جسدها يرتجف، لكن وقفتها كانت شامخة كجبل، وصوتها انطلق قويًا رغم اختناق صدرها بالغضب:

+


"لو كلهم وقفوا معاك يا سعدون… لسه أنا هنا!"
تقدمت خطوة للأمام، حتى أصبحت المواجهة بينهما وجهاً لوجه، ثم تابعت بعناد يشبه صلابة الفولاذ:

+


"لسه أقدر أقف قدامك… وأثبتلك إنك ماكسرتنيش، ولا هتكسرني أبدًا!"

+


ابتسم سعدون ابتسامة ساخرة، وكأن كلماتها لم تحرك فيه إلا استمتاعًا باللعبة التي يسيطر عليها، ثم عقد ذراعيه على صدره وقال بنبرة هادئة تحمل تهديدًا مبطنًا:

+


"وأنا راجل… وما أقبلش أستغل وحدتك."
تقدم خطوة نحوها، وظلال المشاعل ترتسم على وجهه، مبرزة قسوة ملامحه، قبل أن يكمل بصوتٍ غليظ كأنه يعلن تحديًا دامياً:

+


"وعشان كده… موافق ننزل راجل لراجل."

1


ساد الصمت لوهلة، لم يُسمع خلالها إلا صوت لهاثها المتسارع، بينما قلوب من كانوا يشاهدون الموقف تخفق بعنف، إذ أدرك الجميع أن المواجهة بين بدر وسعدون لم تعد مجرد صراع عائلات، بل حرب كرامة لا عودة منها.

+



        
          

                
كانت الليلة هادئة إلا من صوت حفيف الأشجار وصرير الحشرات، والقمر ينعكس على سطح البحيرة المهجورة، ليزيد المكان رهبة وغموضًا. جلس ناجي أمام المشاعل التي أوقدها قبل ساعات، متيقظًا، يراقب الظلام المحيط بهم بعين حادة، بينما نامت هنادي وبناتها متقاربين تحت غطاء خفيف، وكأن قربهم من بعض يمنحهم أمانًا مفقودًا.

+


فجأة، دوى صوت خطوات مسرعة تكسر صمت الليل، فانتفض ناجي واقفًا، يده تقبض بعصبية على عصاه الخشبية. استيقظت الفتيات منزعجات، قلوبهن تخفق برعب، والتصقن بأمهن.

+


هنادي بخوف وهي تحتضن سارية:
"مين… مين هناك؟!"

+


ناجي بصوت حازم وهو يتقدم للأمام:
"اثبتي يا هنادي، ما تخافيش… أنا هعرف مين اللي جاي."

+


ظهر خيال فاطمة وهي تلهث، وخلفها أمان يركض محاولًا مجاراتها، فصاح ناجي بحدة:
"اقفوا مكانكم! مين أنتم؟"

+


رفعت فاطمة يديها سريعًا وهي تلهث:
"أنا… أنا فاطمة! لا تضربني يا ناجي!"

+


ناجي وقد ارتخت ملامحه قليلًا بدهشة:
"فاطمة؟! إيه اللي جابك هنا في نص الليل؟"

+


اقتربت هنادي وهي تضم بناتها خلفها، وعيناها متسعتان بخوف:
"يا ساتر يا رب… إيه اللي حاصل؟ ليه وشك شاحب كده؟"

+


فاطمة بصوت مرتجف، تنظر حولها كأنها تخشى أن يكون أحدهم تبعها:
"بيتكم… بيتكم اتحرق يا ناجي! سعدون وناسُه جايين يولّعوا البلد كلها!"

+


صرخت سارية برعب وهي تتشبث بأمها:
"اتحرق خلاص فعلا؟! يا ماما، يعني مش هانرجع بيتنا تاني؟"

+


هنادي بصوت مرتجف وهي تحاول تهدئة بناتها:
"اهدوا يا بنات، اهدوا بالله عليكم!"

+


ناجي تقدم خطوتين نحو فاطمة، وصوته يمزج بين الصدمة والغضب:
"و بيتكم عامل إزاي؟! وبدر… بدر فين؟"

+


أمان، الذي كان يلهث من الركض، تدخل سريعًا:
"بدر لسه هناك، قال لنا نهرب بسرعة ونقعد معاكم ونحميكم… وهو هيفضل يوقف قدام سعدون بنفسه."

1


هنادي وضعت يدها على فمها وهي تهمس بخوف:
"يا ربي سترك… دي الليلة سودة!"

+


ناجي قبض يده بعنف، والغضب يتصاعد في عروقه:
"لازم أرجع… مش هسيب بدر لوحده في وش الوحوش دول."

1


فاطمة أمسكته من ذراعه بقوة، عيناها تدمعان:
"لأ يا ناجي! لو رجعت هتموت، سعدون عايزكم كلكم… لو وقعت إنت، هنضيع إحنا والبنات."

+


نظر ناجي إلى وجوه بناته المرتجفة، ثم إلى النار المشتعلة في قلبه، وعرف أن قراره الآن سيحدد مصيرهم جميعًا.

+


هبطت بدر بخطوات ثابتة، وصوت وقع قدميها يتردد في ساحة المواجهة كطبول حرب تُعلن عن معركة مصيرية. كان القمر في كبد السماء، يرسل خيوط ضوء باهتة تتخلل الظلام، فتنعكس على حد السيف اللامع الذي قبضت عليه بدر بكل ما أوتيت من قوة.

+



        
          

                
وقفت أمام سعدون، تفصل بينهما مسافة قصيرة، لكن نار الحقد بينهما كانت كفيلة بحرق الأرض من تحتهما. عيناها تقدحان شررًا، وجهها يكسوه تصميم صارم يخفي خلفه خوفًا دفينًا، بينما أنفاسها تتسارع، لكنها لم تسمح لها بأن تفضح ارتجاف قلبها.

+


سعدون، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة، أمال رأسه قليلًا، يرمقها بعينيه المليئتين بالمكر:

+


"هو ده… بدر اللي فاكر نفسه بطل القبيلة؟ هه… الليلة دي هتنتهي أسطورة الحمدانية و تروح في خبر كان."

+


بدر رفعت السيف أمام وجهها، وصوتها يجلجل بثبات أرادت أن تهز به قلوب الرجال حولهم:

+


"الليلة دي مش هتنتهي غير بدمك يا سعدون… دمك إنت، مش دمي ولا دم أهلي."

+


في الخلف، كان عبد ربه يقف صامتًا، ملامحه جامدة كالصخر، لا يُظهر أي انفعال، وكأنه حجر بلا روح. عينيه تتابعان كل حركة، لكن وجهه لا يكشف عن أي نية، مما جعل المشهد أكثر توترًا. بدر لم تلتفت إليه، لكنها شعرت بخيانته كطعنة في ظهرها، بينما سعدون نظر إليه بخبث، ثم ضحك بصوت عالٍ أجج نار العداوة في قلبها.

+


سعدون بخطوات واثقة، يقترب منها قليلًا، وصوته مملوء بالغرور:

+


"تعرفي يا بدر… حتى لو مسكت سيفك كويس، انتي لسه مجرد واحد واقف لوحده قدام رجالتي… وأنا راجل، وما بقبلش أستغل وحدتك، عشان كده…"
توقف لحظة، عيناه تلمعان بتحدٍ، ثم صرخ:
"هننزلها راجل لراجل و نشوف مين هيغلب!"

1


رفعت بدر رأسها عاليا، عينيها متقدتان كالنار، وأحكمت قبضتها على السيف، وهي تستجمع كل قوتها. في تلك اللحظة، عمَّ الصمت المكان، لم يُسمع سوى خفقات القلوب، كأن الزمن نفسه توقف في انتظار الضربة الأولى.

+


في لحظة خاطفة، اخترق صوت صليل السيوف سكون الليل، معلنًا بداية المعركة.
انقضّ سعدون على بدر كذئب جائع، سيفه يلمع تحت ضوء القمر، وضربته الأولى كادت أن تشطرها نصفين، لكنها انحنت برشاقة مفاجئة، فمر السيف فوق رأسها بلمح البصر.

+


صرير الحديد على الحديد دوى في الساحة، وشرر يتطاير مع كل ضربة، بينما كان الرجال يقفون في صمت مشدوه، يراقبون القتال بعيون متسعة وقلوب معلقة. حتى عبد ربه، بملامحه الجامدة، بدا وكأنه تمثال لا حياة فيه، عيناه تتبعان كل حركة دون أن يمد يدًا أو ينطق بكلمة.

+


بدر، رغم قوتها، كانت أنفاسها تتلاحق، لكن نظرتها لم تفقد ثباتها لحظة. بخطوة خاطفة، دارت حول سعدون وضربته بقوة، فصدّ الضربة بذراع كالصخر، ثم دفعها للخلف فترنحت، كادت تسقط، لكن قدميها استقرتا في اللحظة الأخيرة.

+


ضحك سعدون بصوت عالٍ، كأنه يستمتع بما يحدث:

+


"ههه! ده كل اللي عندك يا بدر؟! أنا هعلّمك يعني إيه تواجه راجل!"

+


مسحت بدر العرق المتصبب من جبينها، عيناها تلمعان بنار الغضب، وردّت بصوت كالرعد:
"أنا مش واقف هنا بس عشان نفسي… واقفة هنا عشان أهلي… عشان دم أبوي… عشان كل حد ظلمته يا سعدون!"

+


وانقضت عليه بكل ما أوتيت من قوة، سيفها يهوي كالشهاب، وضرباتها متتالية وسريعة كأنها إعصار. اضطر سعدون للتراجع خطوة بعد أخرى، تلاشت ابتسامته تدريجيًا، وحل محلها الغضب.

+


في الخلف، تململ بعض الرجال، أحدهم همس بخوف:
" تفتكروا ابن الحمدانية ممكن يكسب ."

+


لكن فجأة، بخدعة ماكرة، انحنى سعدون ثم اندفع من الجانب، وضرب بدر في كتفها. صرخة ألم اخترقت الليل، وسقطت على ركبتها، والدم يتساقط على التراب.
ابتسم سعدون بنصر مؤقت، ورفع سيفه عاليًا ليجهز عليها، وهو يصرخ:

+


"النهاية هنا يا بدر!"

+


لكن بدر، بعينين تتقدان بالإصرار، همست بصوت خافت يكاد لا يُسمع:
"لسه… ما انتهتش."

+


وفي ومضة، قفزت للأعلى، دارت بجسدها، وسيفها شق الهواء كلمع البرق، ليصطدم بسيف سعدون بقوة هائلة، جعلته يتراجع مترًا للخلف، يتأوه من قوة الضربة، بينما انطلقت صيحات الذهول من أفواه الرجال المحيطين.

+


المعركة لم تنتهِ بعد… لكنها كانت على وشك أن تصل إلى لحظة الحسم.

+


ارتفع صوت صليل السيوف في أرجاء المكان، يتردد صداه بين جدران المنازل المحترقة، والشرر يتطاير مع كل ضربة قوية. كان عرق بدر يتصبب على وجهها، وجسدها يئن من التعب، لكنها قاومت بكل ما تبقى لها من قوة. كانت نظراتها كالنار، لا ترى أمامها سوى سعدون، الرجل الذي أراد أن يبتلع القبيلة كلها في جشعه وحقده.

+


سعدون، بملامحه القاسية وجسده المنيع، أخذ يضحك ضحكة عالية تتخللها نبرة جنون:

+


"ههههه! خلاص يا بدر، قوتك انتهت، وهنا نهايتك!"

+


بدر، وهي تتنفس بصعوبة، رفعت سيفها رغم اهتزاز يديها، وصاحت بصوت مبحوح:

+


"طالما أنا واقف، عمرك ما هتلمس الحمدانية!"

+


اندفع سعدون نحوها كوحش كاسر، وقفز عاليًا في الهواء، وسيفه يلمع تحت ضوء النار المحترقة، كأنه شهاب هابط لينقض عليها. بدر رفعت سيفها محاولة صد الهجوم، لكن قوتها خانتها، فارتطم سيفها بالأرض، وسقطت على ظهرها، يعلو صدرها لهاث متقطع.

+


وقف سعدون فوقها، ظله يغطيها كأنه الموت ذاته، وابتسامة نصر متوحشة تعلو وجهه. رفع سيفه عاليًا، وعيناه تلمعان بدموية:
"دلوقتي… هقضي على نسل الحمدانية للأبد!"

+


وفي تلك اللحظة، دوى صوت عميق، مبحوح، مزق السكون، كأنه سهم يخترق القلوب:

+


"لااا يا سعدون! دي أختك!"

2


تجمد جسد بدر في مكانه، وعيناها اتسعتا بالصدمة، بينما انكمش قلبها بين ضلوعها.
حتى سعدون، الذي كان مستعدًا لتوجيه الضربة القاضية، توقفت يداه فجأة، وارتعشت أصابعه على مقبض السيف. التفت ببطء، والذهول يملأ وجهه، ليجد عبد ربه يقترب بخطوات ثقيلة، صوته يختنق من شدة الانفعال، وعيناه دامعتان.

+


...

+



        
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close