اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل التاسع والعشرين 29 والاخير بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل التاسع والعشرين 29 والاخير بقلم رانيا ممدوح



                                        

                                              
كانت ساحة المعركة تشتعل بأنفاسٍ متلاحقة، وأصوات السيوف المتشابكة تصدح في أرجاء الفناء كصرخاتٍ حادة تخترق أعماق الروح. الأرض تحت أقدامهم قد ارتوت بعرقهم ودمائهم، والهواء مشحون برائحة الحديد والرماد. بدر، بعينيها الملتهبتين غضبًا، وقفت أمام سعدون وقد غرست قدميها في الأرض كجذور شجرة عتيقة، تمسك بسيفها كأنما يتمسك قلبها بالحياة.

+


لكن قوة سعدون كانت كطوفانٍ هادر، اجتاحها في لحظة، فدفعها أرضًا، ثم قفز فوقها ليجهز عليها بضربةٍ واحدة. في تلك اللحظة، دوّى صوتٌ جليل ومزلزل كالرعد، شقّ صمت الساحة.

+


عبد ربه، بصوت متهدّج من الألم والرجاء:

+


"لا يا سعدون! دي أختك!"

+


تجمّد جسد سعدون، وتوقف سيفه على بُعد أنملة من وجه بدر، بينما عيناها اتسعتا كمن رأت شبحًا يخرج من بين دخان الحرب. سقط الصمت كستارةٍ ثقيلة على المكان، والكل من حولهم وقفوا مذهولين، كأنهم تحوّلوا إلى تماثيل، تتقاذفهم الحيرة والذهول.

+


بدر، بصوتٍ يختلط فيه الغضب بالخوف:
"بتقول إيه؟!"

+


سعدون، يلتفت إلى خاله بعينين يملؤهما الاضطراب:
"إيه اللي بتقوله ده يا خالي؟!"

+


لكن عبد ربه، وقد بدا عليه مزيجٌ من الألم والحزن العميق، رفع يده يأمر الجميع بالابتعاد، صوته كان حازمًا لا يقبل الجدل:
"كلكم ارجعوا… دلوقتي مش عايز حد غير بدر وسعدون."

+


ابتعد المحاربون ببطء، وكأن الأرض تسحبهم للخلف، وبقي الثلاثة في مواجهةٍ مصيرية، ترفرف أرواحهم فيها على حافة الهاوية.

+


سعدون، يتقدم بخطوة ثقيلة، وصوته يتهشم تحت وطأة الارتباك:
"فهمني… إيه اللي بتقوله ده؟!"

+


عبد ربه، يحدق فيهما بعينين دامعتين، قبل أن يطلق الحقيقة كطعناتٍ تمزق السكون:

+


"أبوكم سالم ... أنتم الاتنين أخوات…سالم ماكنش بريء زي ما الكل فاكر. كان شخصية قذرة… بس شاطر يخفي قذارته تحت قناع الرجل الطيب والخدوم و الجدع اللي الكل عارفة. لازم تفهمي ده يا بدر."

+


سعدون، يصرخ غاضبًا وقد احتقن وجهه:

+


"إنت بتكلمه على إنه ست ليه؟! أخت مين؟! وفيه إيه؟! أنا مش فاهم حاجة!"

2


بدر، بصوتٍ ينفجر كبركان:

+


"اخرس يا كدّاب أبويا كان أنضف الناس!"

+


لكن عبد ربه لم يعبأ بصراخهما، بل تابع بنبرةٍ تحمل مرارة السنين:

+


"ما سألتِيش نفسك، يا بدر، أبوكي كان بيروح البحيرة المهجورة ليه؟!
إحنا الغجر… حقنا دايمًا متروك، والكل يستبيح أي حاجة فينا وكأننا مش بشر من لحم و دم! بس دي الحقيقة"

+


تسمرت عينا بدر، وبدأ قلبها يخفق بعنف وهي تترقب ما سيأتي، بينما بدت الأرض وكأنها تتهاوى تحت قدميها.

+



                                      


                
بدر، تتلعثم:

+


"عايز تقول… إن الغجري ده… أخويا؟!"

+


عبد ربه، يهز رأسه ببطء، ثم يطلق كلماته كسيفٍ حاسم يشق قلوبهم:

+


"مش هو اللي غجري، يا بدر… إنتِ اللي غجرية."

3


الصدمة دوّت في المكان كقنبلة.
سعدون، مبهوتًا:

+


"إيه؟!"

+


بدر، بصوتٍ واهن يكاد يختفي:
"إيه؟!"

+


اقترب عبد ربه منهما، وجهه متجعد من الألم، وكأنه يحمل على كاهله خطايا أجيال:

+


"إنتِ… مش بنت فاطمة. سعدون… هو اللي ابن فاطمة الحقيقي!"

1


سقطت الكلمات على مسامع بدر كسقوط صاعقة. شعرت بكيانها كله يتفتت، وارتجف جسدها كغصنٍ يتلاعب به إعصار، فلم تستطع أن تنطق بحرف.

+


عبد ربه، وقد بدأ صوته يتهدج وهو يسرد الحكاية الدامية:

+


"أنا اتجوزت فيروزة… وعرفت بعدها إنها كانت مرات جمال.
طلقتها بالتهديد… سيبتها  وهربت، لأني كنت عارف إن جمال ظالم، وممكن يقتلني لو عرف الحقيقة.وقلت لنفسي… حقي هأخده بعدين ، و خفت على أختي من جمال و رجالته.

+


سيبت أختي هناك، وبقيت  بعيد. ولما رجعت عشان آخدها… لقيت الكارثة!
قالت لي إن سالم… لما كان بيروح البحيرة المهجورة، كان يخطف له بنت من بنات الغجر، زي ما يستبيح أرواح الناس.
وكان نصيب أختي المسكينة إنها تبقى واحدة من ضحاياه.

+


أبوكي… السفّاح المجرم… هو اللي اعتدى عليها!
وحملت… وجابتك إنتِ يا بدر!
لكنها… ماقدرتش تتحمل العار.
اختارت الموت… وانتحرت! بعد ما ولدتك رمت نفسها من فوق التل"

2


اهتزّت شفتا بدر وهي تتراجع إلى الوراء، الدموع تملأ عينيها، بينما صدى كلمات عبد ربه ينهش روحها.

+


عبد ربه، صوته يزداد قوة وحزمًا، كأنه يطلق حكمًا نهائيًا:
"جيت هنا ، و يومها كانت فاطمة بتولد و معروف إن اولادها بيموتوا و حسناء و سكينة عارفين قذارة أبوكي و ساعدوني بطريقتهم ، لما روحنا الحرب… أنا اللي قتلت سالم بيدي!
وخدت بتار أختي منه… بيدي اللي شايفينها دلوقتي.

1


أما فاطمة… ولدت ولد، مش بنت! و افتكرته هيموت 
وجلالة وحسناء وسكينة… كلهم يعرفوا أمك، ويعرفوا الحكاية دي من أولها لآخرها.
خدنا سعدون… وحطيناكي مكانه، على أساس إن القبيلة تتفكك وتنهار… وننهي الذل اللي عشنا فيه.
لكن ربنا… بعت لنا واد من السما، غير خطتنا كلها، كل ده كان عشانك… عشان تعيشي غصب عن أبوكي الوغد الحقير! تعيشي في مكان تستاهليه"

+


بدر، وهي تصرخ كالمجنونة، الدموع تنحدر على خديها:
"أنا… غجرية؟!
أنا بنت غجرية؟!
وأبويا… كان كده؟!
لااااا!
إنت بتكدب!"

1


عبد ربه، يقترب منها بخطوة حاسمة، ينظر في عينيها مباشرة، صوته كالصخرة:
"اسألي سكينة… وجلالة… وحسناء.
اسأليهم كلهم، يا بدر.
الحقايق ما بتتخبّاش للأبد!"

+



        

          

                
سقط السيف من يد بدر على الأرض، صوته ارتطم بالتراب كأنه ختم النهاية.
جسدها اهتز، وقلبها تمزق بين الحقيقة التي ترفضها، والماضي الذي طاردها دون أن تعلم.
أما سعدون، فظل واقفًا، عيناه غارقتان في العتمة، غير قادر على استيعاب أنه ابن فاطمة، وأن من كان يظنها شقيقته… ما هي إلا شبح من ماضٍ قذر حاولوا دفنه.

+


كانت الليلة أشبه بمذبحة، لا بالسيوف، بل بالحقائق القاسية التي تسيل كدماء في قلوبهم.

+


في تلك الليلة الثقيلة، كان الهواء يشتعل بالغضب المكبوت، والدخان يتصاعد من نار الحقيقة التي اشتعلت فجأة، لتكشف كل ما حاول الزمن إخفاءه.
سعدون كان واقفًا أمام عبد ربه، عيناه متقدتان كجمرتين، وجهه مشدود تغمره صدمة ممتزجة بمرارة لم يعرف لها مثيل.
أما عبد ربه فكان ثابتًا، لكن عينيه كانتا تفضحان أعباء السنين التي حملها على كتفيه، وندوبًا لا يراها أحد إلا من ينظر في أعماقه.

+


سعدون، بصوتٍ متهدّج يقطر ألمًا، وقد شد قبضته حتى أبيضّت مفاصله:
"طب… وأنا ذنبي إيه؟!
تخليني أعيش عيشة زي دي… بين ناس مش أهلي، وأنا مش منهم؟!"

+


قالها وكأنه يقتلع قلبه من صدره، فترددت الكلمات في أرجاء المكان كصرخة روح ممزقة.

+


عبد ربه، يتنفس بعمق، كمن يحاول أن يلملم شتات نفسه قبل أن يتكلم، صوته هادئ لكن يحمل غصة غائرة:
"عشان تقعد مع الغجر… وتفهم معاناتهم.
وتحس بالظلم اللي عايشينه يوم بعد يوم.
وكده كده… كنت ناوي أرجع لك حكمك بعد ما آخد بتاري… وبعد ما أنفّذ انتقامي."

+


اقترب سعدون بخطوة غاضبة، عروقه نافرة، وصوته يعلو كالرعد:
"إنت مين عشان تقرّر لي حياتي؟!
تختار لي أعيش إزاي… وأعمل إيه؟!"

+


كانت عيناه تبرقان غضبًا، وكأن شرارة لو اشتعلت لأحرقت المكان بمن فيه.
عبد ربه لم يتراجع، بل ثبّت نظره في عيني سعدون، وقال ببرودٍ قاتل:
"كنت فاكرك هتموت… زي اللي قبلك."

+


ارتجف قلب سعدون، وفي لحظة امتلأ وجهه بالصدمة، وكأن الأرض انشقت تحته، ثم اندفع صوته متهدجًا بالغضب:
"عملت كل ده ليه؟!
كرهتني في بدر… وكرهتني في قبيلة الحمدانية كلها ليه؟!
طالما دي أرضي… وده حكمي!"

+


هنا، لمعت عينا عبد ربه بدموعٍ لم يسمح لها بالسقوط، وكأنها نار تحرقه من الداخل، صوته انفجر حادًا، ممتلئًا بالكراهية القديمة:
"كنت بنتقم منهم!
عشان شافوا بنات الغجر… عارفين اللي بيجرالهم، واحدة ورا التانية، وساكتين!
ولا كلمة…
لأنهم شايفين الغجر ولاد غجر…
ولحمهم رخيص… زي بضاعة مرمية في السوق!"

1


كانت كلماته كالسياط، تضرب قلب سعدون بقسوة، لكن لم تهدئ غضبه، بل زادته اشتعالًا.
صرخ، وعينيه تلمعان بدموع قهر:
"أنا مالي بكل ده يا عبد ربه؟!
إنت غلطت… غلطت لما حرمتني من عيشة هي عيشتي، وحطتني في عيشة… مش عيشتي!"

+



        
          

                
اقترب عبد ربه بخطوة، ظلّه يبتلع ظل سعدون، وقال بنبرة حادة تحمل شبح اعتذار لم يكتمل:
"هي مش خطتنا… نخلي بدر تفشل في حكمها… عشان تاخده إنت في الآخر؟!"

+


سعدون أطلق ضحكة قصيرة، لكنها أشبه ببكاء رجل مكسور، ثم صرخ بوجهه:
"ما هو ده كان ليا من الأول!
ليه اللف والدوران؟!
ليه كل الطرق الملتوية دي؟!"

+


عبد ربه أشاح بوجهه، كأنه يخجل من النظر في عينيه، ثم قال بصوتٍ متهدج، يشبه رجلًا يتجرع السم:
"أنا… كنت فاكر… لما بدر تقعد برا…
هتحب العيشة هناك، وتنسى القبيلة، وتتخلى عن حكمها بإرادتها.
لكنها رجعت… رجعت وكبرت وسطهم، وصار ليها مكان بينهم.
وكنت عارف… إن لو الناس عرفوا إنها بنت…
كان ممكن يقبلوها، ويسمحوا ليها تفضل حاكمة."

+


ساد الصمت بعدها، كأن العالم كله توقف عن التنفس.
سعدون كان يقف هناك، عينيه تغليان بخليطٍ من القهر، والغضب، والحزن، بينما ملامحه تحولت إلى لوحة لرجل سُرق عمره.
أما عبد ربه، فقد بدا كجبلٍ ينهار ببطء، يعرف أن كلماته لم تعد تملك قوة إصلاح ما تهدم.

+


في تلك اللحظة، لم يكن بينهما سوى الحقيقة العارية، تقف كوحشٍ ضارٍ، يبتسم في ظلام الليل، متغذيًا على ماضٍ ملطخ بالدماء والخيانة.

+


كان الليل يثقل بظلامه، لكن ما كان يدور بينهم كان أظلم من أي ليل.
سعدون كان واقفًا وسط ساحة الخراب، جسده مشدود كوتر قوس، أنفاسه متلاحقة، ووجهه غاضب، يغلي كبركان على وشك الانفجار.
عيناه كانتا تتنقلان بين عبد ربه، الذي يقف بثبات كأنه جبل لا تهزه الرياح، وبين بدر، التي جلست أرضًا كدمية مكسورة، وكأن كل ما يحيط بها صار غريبًا عنها.

+


سعدون، بصوتٍ ممتزج بالقهر والغضب، كمن يصرخ في وجه القدر:
"دلوقتي… هنعمل إيه بقى؟!
خطتك دي… حطّت على راسنا كلنا!
لو كنت عرفت الحقيقة من الأول…
كان جايز عرفت أحكم القبيلة… وأثبت وجودي زي ما يليق بيا!"

+


رمى كلماته كحجارة ثقيلة، تتناثر حول المكان، فتجعل الصمت أكثر قسوة.
في تلك اللحظة، كانت بدر جالسة على الأرض، عيناها شاردتان في الفراغ، وجهها شاحب كوجه ميت، وشفتيها ترتجفان بلا صوت.
بدت كمن تلقى ضربة على رأسه أفقدته القدرة على التفكير، تتأرجح بين التصديق والتكذيب، بين الغضب والانهيار.
كانت أنفاسها متقطعة، وقلبها يصرخ دون أن يخرج صوت.

+


عبد ربه، وقد أدار وجهه نحو سعدون، صوته بارد لكنه يحمل سُمًّا خفيًا:
"إنت اللي خرجت عن طوعي… وعملت بمزاجك.
أنا ماقولتش ليك احرق القبيلة…
قلتلك استنى مني إشارة!"
ثم لوّح بيده في الهواء، كمن يطرد شبحًا، وعيناه تلمعان غضبًا مكتومًا:
"لكن أقول إيه…
زيك زي أبوك، كل همك الخراب…
ولا عمرك فكرت إلا في نار تولع، وجثث تتساقط قدامك!"

+


تصلبت عضلات سعدون، واقترب خطوة، حتى كاد أن يلامس وجه عبد ربه، وصوته خرج كالزئير:
"ماتنساش نفسك يا عبد ربه!
أنا كنت تحت طوعك…
لأني كنت فاكر آسية أمي، وكنت شايف فيك كبيري و سندي."
رفع يده وأشار إلى صدره، قلبه يكاد ينفجر من الألم:
"لكن دلوقتي؟!
دلوقتي مفيش أي رابط بينا!
وأقدر أعمل فيك… اللي أنا عايزه!"

+



        
          

                
كلمات سعدون كانت كسكين مسموم، لكنها لم تترك أثرًا على عبد ربه، الذي ظل واقفًا بثقة شيطانية، عيناه تتلألآن ببرود قاتل، وكأن كل شيء تحت سيطرته.
ابتسم نصف ابتسامة، ابتسامة رجل يعرف أن خصمه مهما علا صوته، فخياره الوحيد ما زال بيده.
"لا يا سعدون… فوق شوية."
اقترب منه خطوة، وجعل صوته ينخفض كهمس خبيث، لكنه تسلل إلى قلب سعدون كسم بطيء:
"كل دول… تحت أمري أنا.
جنودك… قبيلتك… حتى الأرض اللي تحت رجلك."
رفع حاجبه بتحدٍ، ثم أردف:
"فمن مصلحتك… تكون معايا،
مش ضدي."

+


ساد الصمت للحظة، كأنه سكون ما قبل العاصفة.
أما بدر، فقد رفعت رأسها ببطء، ودموعها تلمع تحت ضوء المشاعل، قلبها يتفتت وهي تستمع إلى الصراع الذي كشف لها كم كانت لعبة بين أيديهم.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن كل شيء قد انتهى…
لكن النار الحقيقية، لم تكن قد اشتعلت بعد.

+


قطع حديثهم هجوم الشرقاوية، يتقدمهم جمال وصقر وزين، وقد عرفوا بوجودهم من صرخات الجنود وصياحهم المستغيثين. ركض سعدون لمواجهتهم، بينما بقيت بدر غائبة عن هذا العالم، فقد كانت الحقيقة مؤلمة لدرجة أنها أفقدتها كل أحاسيسها، وكأنها تحولت إلى جسد بلا روح.

+


لكن صقر جاء إليها بعد أن تمّت السيطرة على الجنود، وكان عبد ربه قد هرب وسط الفوضى. ركض صقر نحو بدر، عينيه متسعتين من الصدمة، ثم انحنى بجانبها يهز كتفيها برفق.

+


صقر بصوت مرتجف: 

+


"بدر… بدر!"

+


لكنها لم تحرك ساكنًا، وجهها شاحب وعيناها فارغتان، وكأنها فقدت القدرة على الإحساس.

+


في تلك اللحظة، جاء والده من خلفه، والغضب يتطاير من عينيه، سيفه مرفوع، عزم على قتلها دون تردد.

+


صقر وهو يصرخ بأعلى صوته، يمد ذراعيه ليحميها: "دي بنت يا بوي… دي بنت!"

1


توقف والده للحظة، والذهول يرتسم على ملامحه، بينما بقيت بدر كالصنم، لا تنطق ولا تتحرك، وكأن روحها غادرت جسدها.

+


لكن جمال لم يكن يملك وقتًا ليستوعب صرخة صقر، فقد كان الموت يترصده في تلك اللحظة. كان يقف مذهولًا، عينيه متسعتين، بينما صدى كلمات ابنه عن كون بدر فتاة ما زال يتردد في أذنه، حين شعر ببرودة معدنية تخترق ظهره، تلاها ألم لاذع شق جسده نصفين. اتسعت عيناه أكثر، وتجمّد جسده للحظة قبل أن يترنح، ثم سمع ضحكة خبيثة من خلفه.

+


التفت جمال بصعوبة، ليجد عبد ربه واقفًا خلفه، وجهه مشوّه بالغضب والانتقام، عيناه تقدحان شررًا، وسيفه مغروس في جسده حتى قبضته. بدا المشهد وكأن الدماء التي سالت حولهما لوحة من الجحيم، بينما صوت عبد ربه يعلو كالرعد، يقطّع الهواء من شدة الحقد.

2


عبد ربه بصوت يموج بالكراهية والدموع تحرق عينيه:
"ده تـار فيروزة… فاكرها؟! فرّقت بينا، وكنا أسعد اتنين! حرّقت خيمتي، وهددتني، واستغليت قوتك عليّا! وعدتك يومها، وعدت نفسي، إني أقتلك بإيدي يا جمال… وها أنا أوفي بوعدي!"

+



        
          

                
ارتعشت أنفاس جمال، وأصاب صقر الذهول، فتجمد مكانه. لكن ما إن سمع اسم فيروزة، اسم والدته، حتى انقطع صوته، وكأن الكلمات علقت في حلقه، عيناه اتسعتا حتى كادتا تخرج من محجريهما، وجسده ارتجف.
ذلك الاسم الذي لم يسمعه منذ سنين، عاد فجأة ليحطم عالمه، وكأن الزمن قد توقف، وكل الأصوات من حوله خمدت، عدا صدى ذلك الاسم المشؤوم.

1


عبد ربه استغل لحظة الصدمة، وبسرعة وحشية مد يده وأمسك بدر من ذراعها، وجهه متصلب لا يظهر فيه سوى العزم على الفرار، بينما بدر بقيت كدمية بين يديه، عينيها زائغتين، لا تقاوم ولا تصرخ، فقد سلبتها الحقيقة كل قوة. ركض بها بعيدًا، وقد اختفى صوتهما بين صرخات المعركة وهدير النار.

+


في هذه اللحظة هرع زين، يلهث من شدة الجري، والذعر يعلو وجهه وهو يرى جسد والده يتهاوى.
زين بصوت ممزق بين البكاء والغضب:
"أبوي!… مين عمل فيك كده؟!"

+


جمال، وهو يتنفس بصعوبة، شفتاه ترتجفان، والدم يتسرب من فمه، رفع نظره إلى ابنه نظرة مليئة بالحزن والوصية الأخيرة، ثم همس بالكلمة التي كانت كالخنجر في قلب ابنه:
"عبد… ربه…"

+


وما إن لفظ اسمه حتى سقط رأسه على الأرض، وفارق الحياة، تاركًا خلفه فراغًا هائلًا وصوت دموع ابنه يمزق السماء.

+


أما عبد ربه، فكان يركض ببدر بين ذراعيه، أنفاسه تتلاحق، وعيناه ممتلئتان بعزم غريب ممزوج بالخوف. نظر إليها للحظة، وصوته يتهدج وهو يقول:
"بدر… أنا وعدت إني أحميكي… لآخر لحظة في عمري… ووفّيت."

+


لكن صوته اختنق فجأة، وجسده ارتعش.
في نفس اللحظة، كان سهم زين يخترق ظهره بقوة، ليخرج من صدره مخضبًا بالدماء. تجمد عبد ربه في مكانه، عيناه اتسعتا بصدمة لا تصدق، بينما قطرات الدم تناثرت على وجه بدر الشاحب. سقط على ركبتيه، ثم هوى أرضًا بثقل صخرة، ويده ما زالت ممسكة بيدها كأنه يرفض أن يتركها حتى في الموت.

+


ومع سقوطه، كان القدر يكتب نهاية مأساوية؛ فقد رحل آخر فرد من عائلتها التي تعرفهم، تاركًا بدر وحيدة، محاصرة بصدمة الحقيقة، والدماء من حولها تشهد على معركة لم تنتهِ بعد.
صمت المكان لبرهة، وكأن العالم كله وقف ينعى الأرواح التي رحلت، قبل أن يعلو صوت أنين بدر، خافتًا، يذوب بين ألسنة النار والدموع.

+


ساد الصمت أرجاء ساحة الاجتماع الكبيرة، كأن الأرض ذاتها تحبس أنفاسها. كانت السماء الرمادية تخيم على المكان، وكأنها تشهد على لحظة فاصلة في تاريخ القبائل. ألسنة النار المشتعلة في المشاعل تتراقص مع الريح، تلقي بظلال طويلة على وجوه الحاضرين، بينما يقف الجنود من كل القبائل في صفوف مشدودة، والدماء لم تجف بعد من آثار المعركة التي أنهت ليالي من الرعب.

+


في قلب الساحة، كانت بدر ممددة على الأرض، فاقدة الوعي، ملامحها شاحبة كزهرة ذابلة، بينما يقف صقر الشرقاوي إلى جوارها، عيناه مليئتان بقلق عميق، ويده ترتجف وهو يحاول إنعاشها. كان صدره يعلو ويهبط بعنف، ليس فقط من المعركة، بل من هول الحقيقة التي لا تزال تتكشف أمامه.

+



        
          

                
أما سعدون، فكان يقف شامخًا وسط الجمع، سيفه ملطخ بالدماء، ووجهه متجهمًا تتخلله نظرات غضب وثقة. صوته علا بقوة، يخترق جدار الصمت، وهو يعلن أمام الجميع:
"أنا ابن سالم وفاطمة الحقيقي… مش بدر!"

1


همهمة عارمة اجتاحت الساحة، وارتفعت أصوات الهمس كأمواج هادرة. التفتت الوجوه نحو سعدون بصدمة وعدم تصديق، بينما صقر اتسعت عيناه بدهشة، وكاد صوته يختنق قبل أن ينطق.

+


عرفان، شيخ القبائل، الذي كان يجلس على كرسي الحكم، نهض واقفًا، هيبته تشق المكان، ولحيته البيضاء تهتز مع كل كلمة وهو يقول بصرامة:
"إزاي ده يحصل؟… اتكلم يا سعدون، وفهّمنا!"

+


ابتسم سعدون بسخرية ممزوجة بالمرارة، ثم أشار بيده نحو جمع الغجر الواقفين على أطراف الساحة، وقال بصوت يجلجل:
"اسألوا جلالة… وحسناء… وسكينة! اسألوا الغجر… هما اللي يعرفوا أنا ابن مين!"

+


صمت المكان مرة أخرى، والوجوه التفتت نحو النسوة الثلاث اللواتي تم استدعاؤهن وسط حراسة مشددة. كنّ يتقدمن بخطوات متثاقلة، وجوههن متوترة، وعيونهن تفيض بمزيج من الخوف والندم. كانت حسناء أول من نطق، صوتها يرتجف، ودموعها تتلألأ تحت ضوء النار:
"الشهادة لله… الست فاطمة، كل ما كانت تولد… كانت تولد ولد ميت. وكل مرة… كانوا ذكور، ما عاش منهم ولا واحد."

+


ارتفعت شهقات بين الحضور، بينما وقفت جلالة، المرأة ذات الكبرياء التي تحمل في ملامحها سنوات من الأسرار الثقيلة. رفعت رأسها، وعينيها تحدقان في الفراغ، وكأنها تستحضر الماضي، ثم قالت بصوت عميق:
"افتكرناه هيموت زي اللي قبله… لكن اللي حصل… حطينا مكانه بدر… بنت آسية الغجرية، اللي سالم…"
تلعثمت الكلمات على لسانها، وتوقف صوتها فجأة، كأن الحروف نفسها خانتها، وانهمرت دموعها بصمت.

+


هنا، قطعت سكينة الصمت، وصوتها يخرج محمّلًا بالألم والغضب، حتى ارتعشت أوصال الجمع:
"اللي سالم… اعتدى عليها! زي ما عمل كده مع غيرها من الغجر. كانت لسه بنت… ستاشر سنة!"

2


ارتفعت أصوات احتجاج مكتومة، وبعض الرجال قبضوا على سيوفهم بشدة، بينما وجه عرفان اشتعل غضبًا، وعينيه تقدحان شررًا.
تابعت حسناء، وهي تبكي بحرقة:
"عبد ربه جالي… طلب مساعدتي. حكالي إن أخته حامل، وكان خايف عليها من الفضيحة، ومن بطش سالم."

+


تقدمت جلالة خطوة، وأضافت بصوت متحشرج:
"وبالصدفة، الست فاطمة كانت حامل هي كمان. يومها… كان لازم نقرر. بدلنا البنت مكان سعدون… عشان تعيش العيشة اللي تستحقها، مش عيشة الغجر المهانين."

+


أغمضت سكينة عينيها بقوة، ثم صرخت بصوت يملؤه القهر:
"لكن الواد… كبر وعاش! مش بس كده، ده بقى زعيم الغجر… زي أبوه! واخد كل طباعه الوحشة… والطمع والجشع. كان بياخد من قوتنا ويخزّن، وإحنا نجوع ونعرى!"

1



        
          

                
رفعت يدها نحو بدر، التي كانت لا تزال فاقدة الوعي، وقالت بصوت متهدج:
"بدر مش شبهه… قلبها مش زيه! هي اللي همها القبيلة، هي اللي رجّعت فلوسنا اللي سرقها. حاربت عشاننا… عشان الحق!"

+


ساد صمت ثقيل بعد اعترافهن، وكان كل وجه في الساحة مدهوشًا، بين من يدمع عينيه ومن يشد قبضته. تقدم عرفان خطوة للأمام، صوته عميق، كأنه يصدر حكم السماء:
"أنتم عارفين عقاب اللي عملتوه إيه؟"

+


رفعت جلالة رأسها بكبرياء، ومسحت دموعها، وقالت بصوت ثابت رغم ارتجافه:
"مش مهم العقاب. المهم… إننا عملنا اللي في ضميرنا. يمكن آسية… تسامحنا على سكوتنا، وعبد ربه… يرتاح بعد موته."

+


أغمض عرفان عينيه لحظة، ثم فتحهما، ووجهه صار كالجبل، لا يلين. صوته دوّى في الساحة، فارتعدت له القلوب:
"الحكم… بالموت شنقًا! لكل من جلالة، وحسناء، وسكينة!"

+


شهقت النسوة، وارتفعت أصوات النساء بالبكاء، بينما وجوه الرجال تحولت إلى صخور صامتة. لكن جلالة لم تدمع عينها، بل ابتسمت ابتسامة حزينة، كمن وجد خلاصه أخيرًا.

+


رفع عرفان يده مرة أخرى، معلنًا:
"وتعود قبيلة الحمدانية… إلى حكم ابنها الحقيقي، سعدون!"
ثم التفت نحو صقر، الذي كان وجهه ممتلئًا بالذهول والحزن، وأكمل:
"ويتولى صقر الشرقاوي… حكم الشرقاوية بعد موت جمال!"

1


أخذ الحضور يتنفسون بصعوبة، وقد شعروا أن العداوة بين القبيلتين بلغت نهايتها، لكن عرفان لم ينتهِ بعد.
أشار إلى بدر، التي بدأت تستعيد وعيها، ودموعها تلمع تحت النار، ثم قال بصوت قوي، وكأنه يخاطب القدر نفسه:
"وتبقى بدر… هي بنت سالم، سواء كانت من فاطمة… أو آسية! حتى ننهي هذه العداوة التي سفكت دماءنا… يتزوج صقر من بدر… بحفل زفاف عظيم، يجمع الطرفين في رابطة لا تُكسر!"

1


ارتفعت أصوات الحضور بين دهشة وبكاء وتهليل، بينما ظلت بدر تحدق في صقر، عينيها ترتجفان بين حب قديم وجرح حديث، وصقر يبادلها النظرة، قلبه مثقل بما لا يقال.
في تلك اللحظة، شعرت القبائل أن عهدًا جديدًا يولد، فوق رماد المعارك، بينما أرواح الموتى ترفرف فوقهم، شاهدة على النهاية… وبداية قصة جديدة.

+


بعد أن هدأت الساحة واستقرت الأمور نسبيًا، كان الليل قد أسدل ستاره على الأرض، والقمر يطل خجولًا من بين الغيوم، كأنه يتلصص على ما يجري. ارتفعت ألسنة النار في المشاعل العالية، تلقي بظلال متراقصة على وجوه متعبة، وجراح ما زالت تنزف، سواء من السيوف أو من الحقائق التي تمزق القلوب.

+


في تلك اللحظة، شق ناجي وعائلته صفوف الجنود القادمين من البحيرة المهجورة، يتقدمهم بخطوات متسارعة، وعلى وجهه علامات القلق والحيرة. خلفه كانت هنادي زوجته، تتلفت يمنة ويسرة برعب، وبجواره بتول والعنود وسارية، بينما نسيم كانت تمشي بخطوات ثابتة، وكأنها تعلم شيئًا لم يدركه الآخرون بعد.

+



        
          

                
وقف ناجي في منتصف الساحة، وصوته يجلجل بين الجميع وهو يقول بصدمة لا تصدق:
"معقول؟!… بدر… بنت؟!"

+


ساد الصمت لثوانٍ، كأن الهواء نفسه قد انحبس في صدور الجميع.
صرخت هنادي، وقد وضعت يديها على رأسها في ذهول:
"يا لهوييي! ده أنا كنت عايزة سارية تتجوزه!"
ثم التفتت نحو ابنتها، وعينيها متسعتان كأنها رأت شبحًا.

1


صرخت بتول وهي تضرب على صدرها:
"يا خبر يا ولاد! ده قلب الدنيا اتقلب!"

+


أما العنود، فكانت فاغرة الفم، عينيها تجول بين الوجوه غير مصدقة، فتمتمت بذهول:
"مستحييييل!"

+


بينما سارية وضعت يديها على وجهها، ثم هزت رأسها بحسرة، قائلة بصوت متهكم ممزوج بالغضب:
"يا ليلة بيضاااااا!… أتاري ولا كأنه بيأثر في حاجة!"

+


هنا، تقدمت نسيم بخطوات هادئة، نظرة عميقة في عينيها، وقالت بصوت منخفض، لكنه اخترق صخب المكان:
"أنا… كنت عارفة ده من زمان."
التفت الجميع نحوها بصدمة، لكنهم لم يسألوها، فقد كان وقع المفاجأة أكبر من قدرتهم على استيعاب المزيد.

+


وسط هذه الفوضى، كانت فاطمة، زوجة سالم، تقف متجمدة، عيناها متسعتان، ووجهها شاحب كالجدار. كانت الكلمات التي سمعتها قبل لحظات تدوي في رأسها كصواعق لا تهدأ.
رفعت يديها المرتجفتين إلى صدرها، وصوتها يخرج محمّلًا بمرارة لا حدود لها:
"معقول… سالم؟ يطلع منه كل ده؟"
ثم شهقت شهقة قوية، وانهمرت دموعها، وهي تضرب على صدرها:
"معقووول؟! مش مصدقة… يا وجع قلبي منك يا سالم! كسرتني… غدرت بيا… وأنت اللي كنت سندي في الدنيا!"

+


اقترب منها سعدون، وعينيه دامعتان، قلبه يتأرجح بين الفرح بمعرفة أصله وبين الحزن لما جرى، فمد يده نحوها قائلاً برجاء يقطّع القلوب:
"أنا ولدك يا أمي… محتاجك، محتاج تعوضيني عن كل أيامي اللي راحت! عن كل لحظة ظلم، وعن كل لحظة ضياع!"

+


لكن فاطمة لم تنظر إليه، بل ظلت تحدق في الفراغ، كأنها لا تراه ولا تسمعه، ثم صرخت بحرقة، صوتها يتشقق من شدة الألم:
"وأنااااا مين يعوضني؟! مين يعوضني عن كسرة قلبي وصدمتي في أبوك؟! طول عمري كنت فاكرة إنه راجل شريف… طلع وحش… وحش بشري!"

+


كانت قدماها ترتجفان، وجسدها يتهاوى تحت ثقل الحقيقة الموجعة، وفجأة انحنت إلى الأمام، وكأن قواها قد فارقتها تمامًا، وسقطت على الأرض فاقدة الوعي.
صرخ سعدون بصوت يمزق السكون:
"أمممممممميييييييي!"

1


هرع الجميع نحوها، وركضت هنادي والعنود وسارية للمساعدة، بينما سعدون حملها بين ذراعيه كطفلة صغيرة، ودموعه تنهمر على وجهها.
كانت النار تتأرجح خلفهم، وكأنها تشهد على انهيار قلب امرأة كانت تظن أنها تعرف زوجها… حتى كشفت الحقيقة وجهه القبيح، فانهارت معه دنياها بأكملها.

+


بعد أن وُوري جسد جمال الثرى، عادت القبيلة في موكب ثقيل، مثقل بالدموع والخيبة، والغيوم السوداء تملأ السماء وكأنها تعكس ما في قلوبهم من ظلام. كان صقر يسير في المقدمة، وجهه جامد لا يشي بشيء، لا حزن ولا غضب، كأن كل مشاعره قد تحجرت في صدره، حتى عيناه كانتا بارداًتين، كجمرٍ خبا ناره وبقي رماده.
لم يلتفت لأحد، ولم ينبس بكلمة، وكأنه يسير بخطوات آلية نحو قصره، حيث ينتظره مصير جديد كزعيم للشرقاوية.

+



        
          

                
دخل القصر فاستقبلته رشيدة، زوجة والده، بثياب الحداد السوداء، وعيناها تلمعان بدموع كاذبة لا تحمل سوى الحقد. وقفت أمامه بجرأة، وكأنها تتحدى صمته، وقالت بصوت حاد، نبرته تختلط بين الغضب والاتهام:
"إنت هتتجوز بنت الحمدانية بجد؟ بعد ما قتلوا أبوك؟!… العار ورانا ورانا يا صقر!"

+


توقف صقر لحظة، أدار رأسه نحوها ببطء، حدّق فيها بعينين فارغتين، ثم قال بصوت منخفض لكنه كالسيف حين يُسحب من غمده:
"أومال عايزا إيه؟ بحر الدم يفضل مفتوح؟ عايزة القتل ما يخلصش؟"

+


تقدمت رشيدة نحوه، وملامح وجهها مشتعلة كالنار، وقالت بازدراء، وهي تضرب كفًا بكف:
"إنت زي أبوك… سهل تدخل بيتنا أي واحدة والسلام! وزي ما طفّشت فيروزة، برضو دي هتطفّش منك. محدش بيحبكم، محدش بيطيقكم يا صقر! ياريت كان ولاءكم لبنات قبيلتكم، مش للغريبة اللي جاية من برا!"

+


كان ذكر اسم فيروزة كطعنة في صدره، لكنه لم يُظهر شيئًا. بل اقترب منها بخطوات بطيئة، كوحش يوشك على الانقضاض، حتى صار بينهما شبر واحد. رفع رأسه قليلاً، صوته هادئ لكنه يحمل عاصفة تهديد خلف كلماته:
"كفاية كده يا رشيدة… أنا مش ناقص. ومش ناوي أصبر على كلامك زي ما كان أبوي بيصبر."

+


ثم أشاح بيده إشارة حادة، وأضاف بصوت يجلجل في أرجاء القصر:
"من النهارده… أنا كبيرك. وكلمتي… سيف على رقبتك."

+


ارتجف قلب رشيدة، لكن كبرياءها دفعها للتحدي، غير أن عينيه أجبراها على الصمت. اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الحارة على وجهها، وقال ببطء شديد، كمن يزرع الرعب في أعماقها:
"قدّميلي حدود الخضوع والطاعة… وإلا قطعت راسك قدام ولادك، ومحدش فيهم يقدر يقف ضدي. وعلى الله… لو سمعت إنك بتخططي، أو لسانك السم ده يوصلني عنه كلام… هقطع لك لسانك فورًا."

+


ساد الصمت، حتى أنفاس القصر بدت محبوسة، ورشيدة تشعر كأن الأرض تحتها تميد. رمشت بعينيها مرتين، وكأنها تحاول استيعاب الصدمة، لكن لم يكن أمامها خيار.
أخفضت رأسها ببطء، وجسدها يرتعش من مزيج الخوف والغضب، وقالت بصوت خافت يكاد لا يُسمع:
"سمعًا وطاعة… يا كبير القبيلة."

+


ارتسمت على شفتي صقر ابتسامة باهتة، لكنها لم تصل إلى عينيه. استدار عنها دون أن ينظر إليها، تاركًا خلفه امرأة مهزومة، تحترق في صمت، بينما القصر يزداد برودة وكأن موت جمال قد أفرغ جدرانه من الروح.
رشيدة ظلت واقفة مكانها، تحدق في ظهره، وداخلها عاصفة من الكراهية، لكنها تعلم أن أي كلمة زائدة… قد تكون الأخيرة في حياتها.

+


ما إن لمح يزيد صقر من بعيد، حتى انطلقت قدماه كالسهم، يركض نحوه بكل ما أوتي من سرعة، وعيناه متسعتان بالدهشة، وأنفاسه متلاحقة كأن قلبه لا يصدق ما سمعه. وحين وقف أمامه، كان وجهه يشتعل بأسئلة لا حصر لها، وشفته ترتجف وكأنه يخشى أن ينطق بالكلمات.

+



        
          

                
يزيد، بصوت مضطرب يكاد يخرج من صدره همسًا:
"صقر... صحيح اللي سمعته؟ بدر... طلعت بنت؟! وإنت... إنت هتتجوزها؟"

+


التفت إليه صقر ببطء، ووجهه هادئ كالصخر، بلا أثر لانفعال، وعيناه تحملان صرامة جعلت يزيد يتراجع خطوة إلى الوراء. رد بكلمة واحدة، حاسمة، كحد السيف:
"آه."

+


تجمد يزيد في مكانه، وكأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميه. وضع يده على رأسه مذهولًا، وصاح بصوت متقطع:
"مـ... معقول؟! إيه اللي بيحصل ده؟!"

+


اقترب صقر منه خطوة، وأمسك بكتفه بقوة جعلته يفيق من ذهوله، ثم مال برأسه قليلًا وهمس بصوت عميق يحمل أمرًا لا يقبل الجدال:
"شششش... كفاية كلام. روح جهز معاهم الفرح... الليلة."

2


ابتلع يزيد ريقه، وأومأ برأسه بسرعة، بينما قلبه يخفق بعنف. لم يجرؤ على طرح المزيد من الأسئلة، فقد قرأ في عيني صقر أن لا وقت للحديث، وأن الليلة ستكون مفصلية، تحمل من الأحداث ما لا يمكن توقعه.

+


عاد أمان إلى غرفته مترنحًا، خطواته ثقيلة كأنها تُساق رغمًا عنه، وعيناه غارقتان في ضباب من الحيرة والخذلان. كل شيء انتهى فجأة، المعارك، الدماء، الأسرار، وحتى مكانه في هذا العالم لم يعد موجودًا. أغلق الباب خلفه ببطء، ثم أسند ظهره إليه، يزفر تنهيدة عميقة، شعر معها وكأن صدره سينفجر من الألم.

1


رمى جسده المنهك على الفراش، وأمسك رأسه بكلتا يديه، يحاول استيعاب ما جرى، لكن عقله كان كالساحة المزدحمة، مليءً بالصرخات والأسئلة التي لا إجابة لها. بينما كان يحدق في السقف بعينين زجاجيتين، لفت نظره ورقة مطوية بعناية موضوعة فوق منضدة خشبية بجوار النافذة.

+


اقترب بخطوات حذرة، قلبه يخفق بشدة، مد يده المرتجفة والتقط الورقة. ما إن فتحها حتى تعرّف إلى الخط فورًا... خط عبد ربه. ارتعشت أصابعه، وامتلأت عيناه بالدموع، ثم بدأ يقرأ بصوت خافت متقطع:

+


"أمان يا ولدي العزيز...
حرصت إنك تتعلم كل شيء زي ولاد الذوات، عشان تكون يومًا ذو شأن عظيم. أنا أبوك، وخبيت عليك الحقيقة طول السنين دي، لكن كنت دايمًا حوطك بحنيتي، وأراقبك بعيني، ونفسي أشوفك في أمان."

+


توقف أمان لحظة، شهق شهقة قصيرة، ثم أكمل، ودموعه تنهمر على الورقة:

+


"لو كنت عرفت، كانوا استغلوا نقطة ضعفي... إنت مش ابن حرام ولا لقيط، إنت ابني أنا وفيروزة.
وأخوك صقر من أمك، روح له، هو كان بيدور عليك ونفسه يلاقيك."

+


ابتلع أمان غصته بصعوبة، وواصل القراءة رغم اهتزاز صوته:

+


"عشان لما يعرفوا إن بدر بنت، أكيد هيجوزوها لصقر... تكون معاها وجنبها، عشان تحمي بنت عمتك آسية.
أكيد لما تقرأ الرسالة دي، هتكون عرفت كل الحقيقة، زي ما عيشت عمري كله أخبيها."

+


اهتزت يداه، وكادت الورقة تسقط منه وهو يقرأ السطور الأخيرة:

+


"احمي بدر... إنت كمان لازم تحميها، وماتغبش عنها.
عشان الذنب ما يلاحقكش طول عمرك زي ما لاحقني أنا، وما تعيش عمرك كله عاجز عن الغفران... زيي."

+



        
          

                
انهار أمان على ركبتيه، ضامًّا الورقة إلى صدره كأنها آخر ما تبقى له من العالم. كان قلبه يغلي بالمشاعر؛ صدمة، غضب، ألم، وحب مكتوم لم يعرفه إلا الآن.

+


همس بصوت متحشرج وهو يحدق في الفراغ:
"يا بوي... يا عبد ربه... ليه دلوقتي؟ ليه بعد ما كل حاجة خلصت؟"

1


ارتفعت أنفاسه سريعًا، ثم مسح دموعه بعنف، وعيناه تلمعان بعزم جديد. رفع الورقة عاليًا وقال بصوت يقطر ألمًا ووعودًا:
"وعد... وعد مني ليك يا بوي... هحمي بدر، وهفضل جنبها... ومش هسيب الذنب يلاحقني زي ما لاحقك."

+


بدأت القبائل تتحرك كخلية نحل لا تهدأ، كل فرد فيها منشغل بإعداد ما يستطيع تقديمه لهذا الحدث العظيم. زفاف قبلي أسطوري، لم تشهد السهول ولا الصحارى ولا القرى المجاورة مثيلًا له من قبل.
الخيام الضخمة نُصبت بألوان زاهية تتراقص مع نسيم المساء، والرايات التي تحمل شعارات القبيلتين ارتفعت عالية كأنها تتحدى السماء، بينما انتشر الفرسان على ظهور خيولهم يطلقون الصيحات التي دوّت في الأرجاء، مُعلنين انتهاء زمن الدم والعداوة، وبداية عهد جديد يجمع الحمدانية والشرقاوية.

1


صوت الطبول ارتفع كنبض قلب الأرض، والدفوف تُقرع بإيقاع حماسي، والنيران اشتعلت في مواقد ضخمة تُعد عليها الولائم التي تفوح رائحتها في كل مكان. النساء يجهزن الحلي والثياب الموشّاة بخيوط الذهب، والأطفال يركضون بين الأقدام، يضحكون ببراءة، غير مدركين أن هذه الليلة لم تكن مجرد زفاف، بل اتفاق مصيري سيحدد مستقبلهم جميعًا.

+


لكن، وسط هذه الأجواء المبهرة، كانت بدر تائهة، كروح ضائعة بين صخب العالم.
جلست في خيمتها، تحدق في قطعة قماش بيضاء بين يديها، عيناها شاردتان كأنهما لا تبصران شيئًا. وجهها شاحب، ملامحها جامدة، وفي داخلها بحر هائج من المشاعر. كانت تسمع أصوات الضحكات والاحتفالات من بعيد، لكن في قلبها لم يكن هناك سوى صمت خانق.

1


كل ما مرّت به منذ اكتشاف حقيقتها يتدافع في عقلها كالأمواج، صورة عبد ربه وهو يختطفها، صرخة صقر حين علم أنها فتاة، طعنة جمال، وانهيار والدتها فاطمة عندما سقطت على الأرض مغمىً عليها. كانت الأحداث تتشابك في عقلها حتى شعرت برأسها يكاد ينفجر.

+


رفعت رأسها نحو مرآة صغيرة، فرأت انعكاس وجهها المرهق.
همست بمرارة:
"أنا مين؟ بنت فاطمة... ولا بنت آسية؟ أنا ضحية ولا خائنة؟"

+


انهمرت دموعها بصمت، ثم مسحتها بسرعة، وكأنها تخشى أن يراها أحد فيضعف قلبها أكثر.
تذكرت وعد عبد ربه لها يومًا حين قال: 
"هحميكي يا بدر لآخر لحظة في عمري."
لكن عبد ربه رحل، ومعه رحل كل أمان شعرت به يومًا.

+


في الخارج، كان صقر يراقب الخيمة من بعيد، وجهه متجهم، ملامحه حادة كالسيف. يعلم أن هذه الليلة هي البداية لنهاية الصراعات، لكنه لم يكن متأكدًا إن كانت بدر ستقف إلى جانبه برضاها أم بقلبها المكبّل.

+



        
          

                
في تلك اللحظة، دوّى صوت الطبول أعلى من قبل، إيذانًا باقتراب ساعة الزفاف، بينما كانت بدر تنهض ببطء، تمسح دموعها، وتخطو نحو مصيرها الذي لا تعرف هل سيكون نهاية حكاية دم... أم بداية مأساة جديدة.

1


بدأ صقر يتجهز لليلة التي ستُغير مصير القبيلتين إلى الأبد.
وقف في قلب خيمته الفسيحة، تتراقص ألسنة النيران في المشاعل الموزعة على أركانها، فتنعكس ظلاله على جدران القماش وكأنه أكثر من رجل واحد، وكأن أرواح أجداده تحيط به، تراقبه وتنتظر منه أن يثبت أنه أهلٌ لزعامة الشرقاوية.

+


امتدت يده إلى عباءة رمادية ثقيلة مطرزة بخيوط فضية، فارتداها ببطء، بينما كانت أنفاسه متوترة، وصدره يعلو ويهبط كأنه يستعد لمعركة لا لمهرجان.
شد حزامه حول خصره بقوة، ثم التفت نحو العمامة الموضوعة بعناية على وسادة من المخمل الأسود. أمسكها بكل هدوء، وكأنها تاج، ثم لفها حول رأسه بحركات ثابتة، لتمنحه هيبة القادة وسحر الملوك.

+


انعكس وجهه في مرآة صغيرة، فبدت عيناه بلون الرماد، تشتعلان بعاصفة مكتومة.

+


في خيمة واسعة تتوسطها أعمدة خشبية متينة، تشتعل حولها المشاعل فتلقي ظلالًا راقصة على الجدران، جلست بدر وسط مجموعة من النسوة اللاتي اجتمعن لتجهيزها لليلة زفافها.
كانت أصواتهن متداخلة، بين أوامر هامسة وضحكات خافتة، وهن يسرّحن شعرها الطويل، ويزينّ عنقها وذراعيها بالحلي الذهبية الثقيلة التي تعكس وهج النيران، فتبدو كأنها شمسٌ أسيرة.

+


لكن بدر... لم تكن هناك حقًا.
جسدها حاضر، يتحرك بين أيديهن، أما روحها فكانت تائهة في مكان آخر، معلقة بين صدمة الأمس وغموض الغد.
كانت عيناها زائغتين، تحدقان في الفراغ بلا هدف، لا يطرف لهما جفن، وكأنها تمثال نُحت من الحجر.
تجلس صامتة، بينما النسوة يبدلن ملابسها، يضعن المساحيق على وجهها، ويرتبن طرحتها البيضاء المطرزة بخيوط الفضة، وهي لا تعي ما يُفعل بها، لا ترفض ولا تقبل، فقط تتحرك كدمية باردة بين أيديهن.

1


قالت إحداهن بصوت متحمس:
"يا عيني يا بدر، الليلة دي هتكون ليلة لا مثيل لها، هتشوفي بعينك!"

+


ضحكت أخرى وهي تُثبت الحُلي على معصمها:
"العريس فارس ما فيش زيه، والقبائل كلها هتتكلم عن جمالك وعن الليلة دي سنين طويلة!"

+


لكن بدر لم تُصدر أي رد فعل، لا ابتسامة، لا كلمة، حتى رمشة عين.
مرت النسوة بنظرات قلق خفية، لكنهن واصلن عملهن، يحاولن إخفاء توترهن خلف قناع الفرح.

+


في داخلها، كان صخبٌ هائل يهدد بتمزيق صدرها.
كلمات عبد ربه عن نسبها ما زالت ترن في أذنها، وصوت سعدون المصدوم، وصرخة صقر وهو يقول أمام الجميع: "دي بنت يا بوي!"
كل ذلك اختلط في رأسها، حتى لم تعد تميز الحقيقة من الوهم.
كانت تشعر وكأنها تُقاد إلى مصير لم تختره، إلى حياة لم تطلبها، وكأنها أسيرة تُساق إلى محراب الحكم والزواج دون أن يُسمح لها بالكلام.

1



        
          

                
بينما النسوة يُكملن تجهيزها، انسلت دمعة صامتة من عين بدر، وسقطت على الرداء الأبيض، كأنها نقطة حبر سوداء على صفحة ناصعة، لا يراها أحد... إلا قلبها الذي يتفتت في صمت.

+


في قلب الخيمة، وسط وهج المشاعل ورائحة العود التي ملأت الأجواء، كانت بدر واقفة كظلٍ صامت، تحيط بها النسوة وهن يجهزنها.
ارتدت فستانًا أحمر قانيًا، ضيقًا عند خصرها ثم يتسع بانسيابٍ فخم، مطرزًا بخيوط ذهبية تلمع كلما انعكست عليها ألسنة النيران، وكأنه ثوب نسجته الأساطير.
وفوق رأسها، وُضعت طرحة شفافة حمراء، رمزًا لليلة العرس في تقاليد القبيلة، تنسدل بخفة على وجهها، فتغطي ملامحها وتترك ظلًا غامضًا على عينيها الحزينتين.

+


كانت النسوة من حولها يتهامسن بإعجاب، بينما أياديهن تتحرك بخبرة، تُعدل الطرحة، وتثبت الحُلي الثقيلة على معصميها وكاحليها، وتضع الخواتم في أصابعها النحيلة.
إحداهن تمتمت وهي تنظر إليها بانبهار:
"سبحان الخالق، جمالها نار من جوه ومن بره… الليلة هتولع القلوب ولع."

1


ضحكت أخرى وهي تُزين شعر بدر بدبابيس ذهبية:
"والله يا بدر، من النهاردة هتبقي حديث كل القبائل، مفيش واحدة هتوصل لمقامك ولا مكانتك."

+


لكن بدر لم تُجب.
كانت واقفة بلا حراك، يديها متدليتين على جانبيها، كأنها تمثال من حجر.
لم يظهر من ملامحها شيء سوى عينيها خلف الطرحة الحمراء، عينان تسبحان في بحر من الصدمة والتيه، تحاولان التشبث بآخر خيط من الواقع، لكن الخيوط تتفلت منها واحدًا تلو الآخر.

+


في داخلها، كانت صرخات تتردد بلا صوت:
"أنا مين … كان نفسي ألبس فستان أحمر بس مش كده"
لكن لسانها بقي صامتًا، عاجزًا عن التعبير.
كانت تتحرك بخفة كلما دفعتها النسوة، تُغير وضعيّتها، ترفع ذراعها، تدير رأسها، لا إرادة لها فيما يحدث، مثل دمية تُلبس وتُزين لمسرحية كبرى.

+


حين فرغن من تجهيزها، وقفت بدر في منتصف الخيمة، والفستان الأحمر يتلألأ كجمرة متقدة، والطرحة الحمراء تنسدل بخفة فوقها.
في الخارج، كانت أصوات الطبول ترتفع، والهتافات تتعالى، إيذانًا ببدء الاحتفال، بينما في داخلها… كان صمتًا ثقيلًا يوشك أن يخنقها.

+


اجتمع وجهاء القبائل في ساحة واسعة تتوسطها منصة مرتفعة، تزينها المشاعل المشتعلة التي تلقي بظلال متراقصة على الوجوه المتحفزة. كان الليل ساكنًا، لكن القلوب تضج بالترقب، والهمسات تنتشر كالنار في الهشيم بين الرجال والنساء الذين التفوا حول الساحة، ينتظرون لحظة تُكتب في تاريخ القبائل.

+


جلس عرفان شيخ الشيوخ في صدر المجلس، هيبته تملأ المكان، وقد وضع أمامه مصحفًا يتلألأ تحت نور المشاعل.
إلى جانبه جلس صقر، مرتديًا عباءة رمادية فاخرة وعمامة تليق بمقام زعيم قبيلة الشرقاوية، ملامحه صلبة لا يظهر عليها أي أثر من مشاعره الداخلية، عيناه جامدتان كأنهما صخرتان، إلا أن بريقًا خفيًا فيهما يوحي بعاصفة مكبوتة.

+



        
          

                
وعلى الجانب الآخر جلس ناجي، عمّ بدر، الرجل الذي حمل همّ العائلة بعد احتراق بيتهم، وقد بدا عليه الإرهاق، لكن صوته كان ثابتًا وهو يتأهب لقول كلمة الفصل في زواج ابنة أخيه.
أما بدر، فكانت تجلس خلف ستار حريري أحمر، بين النسوة، لا يظهر منها سوى ظل خافت، كتمثال حزين ينتظر مصيره، والفستان الأحمر القاني ينسدل حولها، يذكرها بأنها عروس الليلة رغم كل ما تموج به روحها من صراعات.

+


رفع عرفان يده، فعمّ الصمت المكان، ولم يُسمع سوى صوت الطبول البعيد، ثم قال بصوت جهوري يحمل وقار السنين:
"بسم الله الرحمن الرحيم… اليوم نجتمع لنُصلح بين قبيلتين عريقتين، الحمدانية والشرقاوية، ونطوي صفحة الدم، برباط المودة والرحمة."

+


ثم التفت إلى ناجي:
"يا ناجي بن سالم، هل تقبل أن تزوج بدر بنت أخيك… إلى صقر بن جمال، على مهرٍ مسمى بينكما، ليكون هذا الزواج عهد سلام ووحدة بين القبيلتين؟"

1


أخذ ناجي نفسًا عميقًا، وكأن قلبه يختنق بمرارة الموقف، ثم قال بصوتٍ مسموع للجميع:
"نعم… قبلت تزويج بدر بنت أخي إلى صقر بن جمال، على بركة الله، حقنًا للدماء، وصونًا لشرف القبيلة."

+


تحركت همهمة بين الحضور، والعيون تتجه نحو صقر، الذي ظل صامتًا لبرهة، ثم نطق ببطء وثبات، وصوته كهدير نهرٍ جارف:
"وأنا، صقر بن جمال، قبلت الزواج من بدر بنت سالم، وأشهد الله وأشهدكم جميعًا أني سأحفظها في داري، وأصون عهد هذا الزواج كما أصون دمي وروحي."

+


ارتفعت أصوات التكبير والهتاف، وقرع الطبول بشدة، فيما تقدم عرفان ليضع يديه فوق يدي الرجلين، مرددًا عبارات العقد الشرعي، معلنًا أن بدر أصبحت رسمياً زوجة لصقر.

+


في تلك اللحظة، خلف الستار، شعرت بدر وكأن الأرض تدور تحت قدميها، وجسدها يرتجف تحت الفستان الأحمر.
همست في أعماقها، بصوت لا يسمعه أحد:
"زفاف… أم سجن؟ هل هو خلاص… أم بداية نهايتي؟"

1


أما صقر، فظل واقفًا شامخًا، لا تظهر عليه مشاعره، لكن قلبه كان يموج بعواصف، فقد دفن أباه بالأمس، وها هو اليوم يدخل عهدًا جديدًا مع ابنة عدوه القديم، ليصبح الزواج قيدًا وسياسة، أكثر منه حبًا أو رغبة.

+


ارتفعت الزغاريد بين النساء، بينما سكنت روح بدر في أعماقها، معلنةً أن القدر كتب فصلًا جديدًا من الحكاية، لا يعلم أحد ما يخبئه الغد فيه.

+


في تلك الليلة، كان القصر الكبير لعائلة الشرقاوية يتلألأ بالأضواء، والزهور تملأ أركانه حتى فاح عطرها في الجو، معلنًا عن زفاف طال انتظاره. كانت ليلة استثنائية، لم تشهد القبيلة مثلها من قبل، لكن قلب بدر لم يعرف الفرح، بل كان تائهًا كقارب ضائع في بحر هائج.

+


حين دخلت الغرفة الفخمة، كانت محاطة بزينة مبهرة وقطع أثاث فاخرة، كل شيء فيها يوحي بالعظمة والهيبة. وقفت وسط المكان كتمثال جامد، ترتدي فستانًا أحمر قانيًا، تعلوه طرحة شفافة من نفس اللون، كما هي عاداتهم في الاحتفالات القبلية.

+



        
          

                
بعد لحظات، انفتح الباب ببطء، ودخل صقر بخطوات واثقة. كان يرتدي عباءة رمادية داكنة وعمامة أنيقة، مظهره يليق بزعيم عائلة كبيرة. نظر إليها نظرة عميقة، وكأنه يراها لأول مرة، بهيئتها الأنثوية المكتملة، بعد سنوات من التوتر والصراع بينهما.

+


اقترب منها حتى باتت المسافة بينهما لا تكاد تُذكر، ثم تحدث بصوت هادئ يحمل مزيجًا من القوة والرجاء:
"بدر، الليلة... بقينا زوج وزوجة. رغم كل العداوة اللي بينّا، ممكن نفتح صفحة جديدة، أنا وأنتِ. ننسى كل الماضي... قرفه ومرارته. نعيش حاضرنا ومستقبلنا سوا، من غير ما يكون فيه غيرنا."

+


لكن بدر لم تُجب. كان صمتها أثقل من أي كلمة، وعينيها تائهتين لا تستقران عليه.

+


تنهد صقر، محاولًا كسر الجدار بينهما، وقال:
"نتجوز ونخلف، ونعيش سعداء... ليه لأ؟"

+


رفعت بدر عينيها نحوه، وفيهما بريق جرح دفين:
"وهتقبل تتجوز غجرية يا صقر؟"

+


شدّ حاجبيه، ثم أجاب بحزم:
"أنتِ بنت سالم الحمداني، ده نسبك اللي الكل عارفه."

+


هزّت رأسها ببطء، وابتسامة مرة ترتسم على شفتيها:
"لأ... ما يشرفنيش أكون على اسمه. أنا بنت آسية الغجرية... وبس."

+


ساد الصمت للحظات، قبل أن يتنفس صقر بعمق، محاولًا التمسك بخيط الأمل الأخير:
"مش مهم تبقي بنت مين، المهم مستقبلنا. إحنا نقدر نعيشه من غير مشاكل، ولا صراع، ولا دوشة... مجرد هدوء وسعادة."

+


ضحكت بدر بسخرية قصيرة، وقالت:
"بسهولة كده يا صقر؟"

+


ابتسم ابتسامة دافئة، رغم نبرة التحدي في صوتها:
"أيوة، كل حاجة سهلة وأنا معاك."

+


ثم مد يده ببطء، ورفع طرحة الزفاف عن وجهها، كاشفًا ملامحها التي ازدادت جمالًا تحت ضوء الشموع. قال بصوت خافت يحمل مزيجًا من الحنان والفخر:
"أنا حققتلك أمنيتك يا بدر... لبستك فستان أحمر وكردان دهب، زي ما كنتي بتحلمي زمان."

+


أغمضت عينيها للحظة، كأنها تستحضر ذكرى قديمة، ثم همست بصوت متحشرج:
"ده كان زمان، دلوقتي... انتهت كل الأماني."

+


ابتسم صقر بثقة، واقترب منها أكثر، كأنه يتحدى حزنها:
"لأ،يا بدر... دي لسه بتبتدي."

+


بعد أيام  من الزفاف، تغيّر كل شيء في القصر الكبير.
أصبحت بدر السيدة الأولى، تتهافت الخدم لخدمتها، وتنفَّذ أوامرها قبل أن تنطق بها. كل الأبواب تُفتح أمامها، وكل الأنظار تلاحقها بإجلال، وكأنها ملكة متوجة.

+


لكن هذا المشهد لم يكن ليمر دون أن يُشعل نيران الغيرة في قلب رشيدة.
كانت تقف على شرفة غرفتها، تراقب بدر وهي تمر بين الخدم الذين ينحنون أمامها، فزمّت شفتيها غيظًا وقالت لنفسها بحدة:
"نفسي أعرف... بيعملولهم إيه الغجر عشان يخلوهم فوق راسهم كده، ويخلوا كل حاجة تحت رجلهم!"

+



        
          

                
في تلك اللحظة، كان باب القصر يفتح ليدخل رجل غريب الملامح، ملامحه تحمل قوة وصلابة، لكن في عينيه دفء واشتياق. كان أمان، وقد عاد بعد رحلة طويلة، يطلب لقاء صقر على وجه السرعة.
حين وقف أمامه، قال بصوت عميق:
"أنا ابن فيروزة... أخوك يا صقر."

+


لم يتمالك صقر نفسه، فتقدم نحوه واحتضنه بحرارة، كمن وجد قطعة مفقودة من قلبه:
"أخويا! كنت مستني اليوم ده من زمان، عشان أشوفك بعيني!"

+


ابتسم أمان رغم التأثر الذي غلّف ملامحه، ثم أضاف بهدوء:
"أنا مش بس أخوك... أنا كمان أخو بدر في الرضاعة."

+


ضحك صقر وهو يتذكر الحكايات القديمة، وقال بنبرة مرحة:
"يعني إنت اللي كنت بتنزل القتال بدلها زمان!"

+


وبينما كانا يتحدثان، التقطت بدر كلمات الخدم عن قدوم أمان، فما إن سمعت باسمه حتى اندفعت تركض كالعاصفة عبر ممرات القصر، طرحتها تتطاير خلفها، وقلبها يخفق بشدة.
وحين رأته أمامها، لم تتمالك نفسها، فألقت بنفسها بين ذراعيه وهي تبكي بحرقة، كطفلة وجدت مأمنها بعد خوف طويل.

+


انسحب صقر بهدوء، تاركًا المجال لهما ليعيشا لحظة اللقاء التي انتظراها طويلاً.

+


مسح أمان دموعها بيده وهو يبتسم بحنان:
"أنا قلت مايبقاش قليل الذوق... وأستنى أسبوعين تلاتة بعد الفرح، وبعدين أجي أشوف العرسان."

+


صفعته بدر بخفة على كتفه وهي تبتسم وسط دموعها:
"أخص عليك يا أمان... أنا افتكرت خلاص، مابقاش ليا حد في الدنيا."

+


ضمها أمان بقوة، وعيناه تلمعان بالعزم:
"لا يا بدر... أنا هفضل جنبك على طول. هحرسك، وأخد بالي منك، وأحميك من أي حاجة."

+


رفعت رأسها تنظر إليه بفرحة طفلة، وعينيها تمتلئان بالأمل:
"بجد؟ صحيح؟"

+


ابتسم بثقة، ثم أضاف وكأنه يحمل مفاجأة:
"ومش بس كده... أنا كمان جبتلك ليلى. محدش هثق فيه يخدمك غيرها."

+


اتسعت عينا بدر دهشة وسعادة:
"أمان... أنا فعلاً كنت محتاجاها، شكراً!"

+


وفي تلك اللحظة، دلفت فتاة شابة ذات ملامح رقيقة وثقة واضحة في حركتها، وانحنت قليلًا أمام بدر قائلة بصوت رقيق:
"تحت أمرك يا ست بدر."

+


ابتسمت بدر أخيرًا، ولأول مرة منذ زواجها، شعرت بأن شيئًا من الطمأنينة بدأ يعود إلى قلبها.

+


لم تكن بدر تشعر بالراحة، رغم فخامة القصر والهيبة التي حازت عليها بعد زواجها من صقر.
الجدران المزيّنة بالذهب، والشموع التي تضيء القاعات، لم تستطع أن تُخفي ثِقل القيود التي كبلت روحها.
كانت تشعر كأنها طائر حُبس في قفص مذهب، لا يراه الآخرون إلا جمالًا، بينما يراه قلبها سجنًا.

+


في تلك الليلة، جلست بدر في غرفتها الكبيرة، والقلق يتلاطم في صدرها مثل أمواج هائجة.
كانت ليلى، خادمتها التي تثق بها، تقف بجانبها، تراقبها بصمت مترقب.
التفتت بدر إليها فجأة، وعيناها تلمعان بعزم حارق:

+



        
          

                
"ليلى، أنا عايزاكي في حاجة مهمة."

+


انحنت ليلى قليلًا، بنبرة خضوع ممزوجة بالقلق:
"أمرك يا ست بدر."

+


اقتربت بدر منها، خافضة صوتها كمن يبوح بسر خطير:

+


"عايزة تهربيني من هنا... روحي لـ يامن، وقوليله يجهز كل حاجة.
بس قبل أي حاجة، عايزة منوم قوي، من النوع اللي يوقع الحجر في الأرض، مش يقوم منه."

1


تسارعت أنفاس ليلى، فالأمر محفوف بالمخاطر، لكنها لم تجرؤ على الاعتراض.
قالت بثباتٍ متردد:

+


"حاضر، زي ما تأمري."

+


غادرت الغرفة بسرعة، وركضت عبر ممرات القصر حتى خرجت متسللة إلى حيث يختبئ يامن، الرجل الوحيد الذي تثق به بدر خارج هذا الجحيم.
حين سمع طلبها، ارتسمت على وجهه ابتسامة مزيج بين التحدي والحنان:

+


"قولي لها ما تقلقش. الليلة هنهربها.
أنا عارف طرق محدش من غير ولاد الحمدانية يعرفها."

+


وفي أثناء ذلك، كان صقر ينهى أعماله استعدادًا للعودة إلى زوجته.
كان قلبه خفيفًا كطفل يركض نحو حبيبته، يحمل معها أحلام المستقبل.

+


دخل غرفته فوجد بدر تنتظره، وقد أعدت مائدة فاخرة تزدان بألوان الطعام ورائحته الشهية.
ابتسم بعشق وهو يتقدم نحوها، صوته مفعم بالود:

+


"ياه... النهارده كان طويل، ورجوعي ليكي بيريح قلبي."

+


رفعت بدر الغطاء عن الأطباق، وكتمت ارتجاف يديها بابتسامة مصطنعة.
"كل ده عشاني؟" قالها صقر بدهشة وسعادة.

+


ابتسمت بدر بخفة، وإصرار يشتعل في داخلها:
"آه، مفيش حاجة تغلى عليك. بالهنا والشفا، يا صقر."

+


جلسا معًا، بينما هي تراقب كل تفصيلة في وجهه، كأنها تحاول حفظ ملامحه لآخر مرة.
وبهدوء متقن، سكبت العصير الذي خبأت فيه المنوم القوي، قلبها يخفق بقوة، وكأن كل دقة قد تفضحها.

+


حين همّ صقر برفع الكأس، سألها وهو يبتسم:
"مش هتاكلي معايا؟"

+


ردت بدر بصوت مرتعش تحاول إخفاءه:
"طبعًا، أنا كمان هاكل معاك."

+


تناولا الطعام سويًا، حتى جاء وقت العصير.
قدّمته له بيديها، وكتمت أنفاسها وهي تراه يشربه دفعة واحدة، دون أن يشك لحظة فيما تخفيه.

+


بعد دقائق، بدأ صقر يشعر بثقل جفونه، جسده يتراخى، وصوته يخفت.
حاول أن ينطق باسمها، لكن كلماته تلاشت، ثم هوى في نوم عميق، كأنه غارق في بحر بلا قاع.

+


وقفت بدر تنظر إليه، دموعها تتلألأ تحت ضوء المشاعل، وقلبها يتفتت كزجاج محطم.
اقتربت منه، وضعت يدها على جبينه برفق، ثم همست بصوت متهدج:
"سامحني يا صقر... بس أنا مستحيل أعيش في مكان كل لحظة فيه بتفكرني بالماضي، وبالجرح اللي عمري ما هعرف أنساه."

2


لم تمس مجوهراته ولا هداياه الثمينة، بل تركتها كلها كما هي، كأنها لا تريد أن تربطها به أي خيوط مادية.
على الطاولة، وضعت رسالة قصيرة بخط مرتجف، كلماتها كالسهم النافذ إلى القلب:

+


"مستحيل أعيش بدون الماضي...
وفي مكان كل الماضي بيتكرر قدام عيني كل لحظة."

2


ثم أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت للمرة الأخيرة إلى الرجل الذي أحبها بطريقته، وخرجت عبر الممرات المظلمة، حيث كان يامن ينتظرها بخطة هروب لا يعرفها إلا القليل من أبناء الحمدانية.

+


وهكذا، اختفت بدر في ظلام الليل، تاركة خلفها قلبًا غارقًا في سباته، وقصرًا سيستيقظ على فاجعة لم يتخيلها أحد.

+


.......

+


تمت بحمد الله،
ونسأل الله أن يكون هذا العمل قد نال إعجابكم، وأن تكون رحلتكم بين صفحاته ممتعة مثلما كانت رحلتي في كتابته.
كل كلمة كتبتها كانت من القلب، وكل شخصية صنعتها عاشت داخلي قبل أن تراها أعينكم.

+


إلى كل قارئ وصل إلى هذه السطور الأخيرة: شكرًا لأنك منحتني وقتك ومشاعرك، فأنتم سر استمرار الحكايات ووقود الإبداع.
وإلى بدر وصقر وبقية الأبطال… قد تنتهي صفحات الرواية، لكنهم سيظلون أحياء في مخيلتنا، نعود إليهم كلما اشتقنا لعالمهم.

+


وختامًا…
"ليس كل نهاية حزن، فبعض النهايات ما هي إلا بداية لحكاية جديدة." 🌴🌴
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close