اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل السابع والعشرين 27 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل السابع والعشرين 27 بقلم سهي الشريف


27 | نَـجاة القلب وابتـلاؤُه


                                              
يا من يرَى ما في الضميرِ ويسمعُ 
أنتَ المُعَدُّ لكلِّ ما يُتوقَعُ
يا مَن يُرجَّى للشدائدِ كلِّها 
يا مَنْ إليه المُشتَكَى والمَفْزَعُ
ما لي سِوَى قَرْعِي لبابِك حيلةٌ 
فلئِن رُددتُ فأيَّ بابٍ أقرعُ.

+


« ديوان الإمام الشافعي »

+


_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات. 

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_السابع_والعشرون
#سهى_الشريف 

+


_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .

+


« قراءة مُمتعة »

+


_ الفصل إهداء لقارئتي العزيزة « مرام » بمناسبة نجاحها ، أسال المولى لها التوفيق والسداد .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


لم يكن الفارق بين الطبيبَين في الدرجة العلمية، ولا في عدد السنوات التي قضاها كلٌّ منهما في كلية الطب وتدريباته وخبراته ، بل في جوهر النفس ونوايا القلب حين يتعامل مع هشاشة الآخرين.

+


فترى أن منظور أحدهم لم يرَ في ألمها  سوى ثغرة لنوياه الدنيئة ، فلم يحتَرم تمزّقها، ولم يُقدّر التباس مشاعرها ولا اضطراب إدراكها ، كان ينظر إلى وحدتها كمجرد فرصة، كأنها صيدٌ وقع في الشبكة بلا مقاومة.

+


وفي عالمها الموحش الخاوي ،لا يحتاج الذئب إلى عواء كي يُرعب الفريسة، يكفيه أن يُشبه المنقذ..

+


هذا هو الفارق الجوهري بين الطبيب والآخر، 
بين الإنسان النبيل والانتهازي ..
هي تلك "المسافة الأخلاقية" التي يُصرّ الأول على إبقائها، مهما بدا القُرب مشروعًا أو مرغوبًا.

+


الفرق ليس في قُربهم منها ..
بل في نيتهم حين اقتربوا.

+


فعلى الرغم من علم " ريان" بتعلّقها المضطرب بكامل وعيه، وعلى الرغم من إدراكه أنه بات جزءًا من خريطتها النفسية المشوشة ..
لم يطمع في استغلالها ولم يسمح لنفسه أن يعبث بما هو مقدّس في مهنته. 

+


وضع بينهم ألف حاجز وحاجز ، وسعى جاهدًا لأن يُفهمها أنّ طريق الشفاء لا يمرّ عبر التعلّق بأحد .

+


لكن ما سمعه منها الآن... زعزع ثوابت تصوّراته، كأنه فقد القدرة على تصديق ما يُقال.

+


ولسوء حظه.. في تلك الأثناء التي نبست بها " ميرال " بكلماتها المُجفلة كان تقدم للداخل استشاري الطب النفسي العام أي رئيس القسم وتليه استشاري الطب الباطني العصبي وأخيرًا الطبيب " مروان" الذي قادهم لغرفتها بعد استفسارات بسيطة منهم معه .

+


كان تعاون الطاقم الطبي من كافة أقسام المستشفى هو عامل الثبات والدقة والتي تتمتع به أجواء العمل والراحة المُقدمة لكل مريض .

+
    

                
تمامًا...
تلك العبارة التي خرجت من فمها كانت كقنبلة مشؤومة، هوت وسط العقول بلا تشويش ولا تأويل، واضحة حد الألم.

+


كانت نظراتها الفزعة مشدودة إليه وحده ..
اضطراب جسدها، رعشة أطرافها، اختناق تنفّسها.. 
لم تكن تخفى على أحد.

+


تدخل هنا رئيس القسم وهتف بصوت جهوري :

+


- إيه إلي بيحصل هنا ؟

+


ارتبكت الأنظار، سوى عينيه لم تُفلتها ..
كأن سحابة سوداء حجبت كل شيء إلا ملامحها المذعورة ،لم يستطع " ريان " أن يزيح بصره عنها... 

+


عينيه تائهتان فوق جسدها تحت الغطاء، 
كأنه يبحث عن دليل يُكذّب ما سمع... 
لكن، لا شيء يفعل.

+


أما " مدحت " فكان جامدًا ، باردًا يصارع ثبات مُزيف لينبس برتابة مُصطنعه :

+


- مش عارف يا دكتور بتقول إيه ، هي شكل ذكرياتها دخلت في بعضها صورت ليها حاجات غير حقيقية.

3


لكن ماذا إذ الحقيقة هي من اعترفت بنفسها..رغم ضعفها، ورغم تداخل الوعي في ذهنها شعرت باحتقار عارم ينبثق من صدرها نحو صوته رغم انها لم تفهم مضمون كلماته ، ولسوء حظه وحسنه بالنسبة لها ،ماحدث أعاد لها جزء من وعيها الغائب ، ومن ثباتها الواهي .

+


وفجأة...
تصاعد الدم في وجهها غضبًا، وصرخت بنبرة تهكّمية مرتجفة:

+


- أنت اقتربت بشكل سىء .. وعندما .. وعندما حاولت منعك منعتني .. حتى .. حتى..

5


ثم انهارت 
دفنت وجهها بين كفيها، وبكاءها المنهك بدأ يخنق الغرفة،فأسرعت الممرضة ناحيتها تضم رأسها إلى صدرها بحنان، تُتمتم بعبارات مطمئنة، تبث لها قليلًا من الأمان وسط هذا الانكشاف القاسي.

+


أما "ريان" فرفع كفيه يمسح وجهه في ذهول
زميله... صديقه... شريكه في علاجها؟ متهم بـ ...
هو حتى لا يستطيع لفظها أو التفكير بها بينه وبين نفسه 

+


رباه ... أي ثِقلٍ هذا على كاهل الروح؟!

+


وفي لحظة واحدة، استدارت كل العيون إلى "مدحت" ،ورئيس القسم لم يحتج إلى أكثر من نظرة واحدة ليهتف بصرامة:

+


- دكتور مدحت ، اتفضل معانا برا ..

2


فخرج هو أولًا تبعه " مدحت " بسكون مُريب من ثم " مروان" والأخصائية النفسية .

+


لم يبقى سوى " ريان " والممرضة التي تحاول جاهدة تهدئة "ميرال" المنهارة .

+


لم يتحامل " ريان " فجلس على الكرسي بوهن واخفض رأسه بين كفيّه في عجز لحظي.. فما يعيشه الآن كارثة بكل المقاييس .

+


نفسية فتاة لا أهل لها ،
سمعة طبيب بُنيت بعد عناء الدراسة و الخبرة ،
سمعة المستشفى تشيّدت منذ سنوات ،
كلها مُسميات تدمرت في لحظه نزوة لعينة .

+


كان يصل لها صوت شهقاتها التي لا تهدأ ، فقط تستمر وكأنها خناجر مُسممة تُمزق حجاب ثباته .

+



        

          

                
سكون تام من جهته ونواح ينزف من جهتها ، استمر لدقائق طويلة قبل أن يدخل رئيس القسم بملامح صارمة حادة ليُلقى أوامر بحزم :

+


- من النهاردة ورايح الدكتور مدحت غير مسؤول عن متابعة حالة المريضة وهيتابع معاها حد تـ ...

+


وقبل أن يُكمل عبارته نهض " ريان " من مقعده وبملامح محتقنه جامدة نبس بصوت خاوي :

+


- دكتورة .. لو أي حد عاوز يتعامل معاها بعد كده يادكتور هتكون دكتورة .

3


وفقط ، نبس عبارته ولم ينتظر ردًا وخرج من الغرفة بتجهم سريعًا .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


رفعت "يـارا" قارورة الماء إلى شفتيها، ترتشف منها ما يروي ظمأها الطويل، كانت قد أخضعت جسدها لتمارين قاسية، في محاولة يائسة لتشتيت عقلها الذي ظلّ يدور في دائرة مغلقة من الحيرة والشتات ، حتى باتت حياتها على حافة الانهيار، على الحافة تمامًا... ولا شيء يمسك بها.

+


وضعت القارورة جانبها على المقعد وتنفّست بعمق، ثم دفنت رأسها بين كفيها.

+


بدأ جسدها يرتعش بخفة... لكنها كانت كافية لتُفجّر ما حاولت كبته طويلًا شيئًا فشيئًا، فقدت قدرتها على السيطرة، فانهار جسدها في صمت... لا صوت، لا دموع مُعلنة، فقط رعشة من الداخل تمزّقها بلا صوت .

+


ها هي لحظات الانهيار تأخذ حصّتها كاملة... 
فـمتى تحين لحظات السعادة ؟

+


اقتربت منها فتاة شابة، وبدت ملامح القلق على وجهها، سألت بصوت منخفض:

+


- إنتِ كويسة؟

+


حاولت "يـارا" أن تبتلع شهقاتها، ولم تُجب للحظات ، فقط ظلت ساكنة على موضعها، تحمل على كتفيها العالم بأكمله.

+


رفعت رأسها ببطء ووجه محتقن، عينان متورمتان، دموع لم تجد طريقًا للنزول... ثم نهضت "يـارا" حملت حقيبتها وأغراضها، وانسحبت للخارج دون أن تنبس بكلمة أو توضيح .

+


فقط هكذا ببساطة دون إبداء أي توضيح ، لتترك انطباعًا بالغرور والتعالي في وِجدان الفتاة ، لكن لا يُهم ؛ هذا ما يُنسب لها طوال الوقت ، لا يُشكل فارقًا إضافة شخص جديد .

+


فور أن خرجت من أسوار النادي الرياضي، مسحت دموعها بحركة لا مبالية، كأنها لم تكن وأشارت لسائق أجرة متوقّف.

+


فتحت باب السيارة وجلست، أغلقت الباب بهدوء، ثم أسندت كوعها إلى الزجاج البارد، وغطّت عينيها بكفها في صمت.

+


قطع السائق السكون بصوته:

+


- على فين يا آنسة؟

+


سكنت "يـارا"، ولم تُجب.

+


نعم إلى أين؟ 
أين تذهب من فقدت اتجاهها في حياة بلا معالم؟
إلى أين يهرب من لم يعُد له ملاذ؟
لم يكن ثمة عنوان، لا وجهة...
فقط رغبة واحدة ؛
أن تبتعد... عن كل شيء
عن كل ماضٍ وكل اسم وكل نظرة وكل توقع.

+



        
          

                
عن الهوية، وعن الأسئلة، وحتى عن .. " إنتِ كويسة ؟ "

+


فهي أبعد ما تكون عن الإجابة النموذجية ..

+


فقط تريد مكانًا لا يعرفها فيه أحد، لا يُسأل فيه عن تفاصيل، فقط مكان تُرثي به ما آل إليهِ حالها ..

+


فقط بعد ثوانٍ طويلة نبست بصوت خافت بالكاد يُسمع بعبارة واحدة بصوتٍ واهن دون أن تتحرك ولا إنش ، فقط نبست بها ببساطة ليومأ السائق ويذهب حيث اخبرته .

+


دقيقة تجر قرينتها حتى أقتربت الدقيقة من كمالها الستون لم ترفع حينها " يـارا " رأسها بتاتًا ، كانت كجثة هامدة ، ولم تراعي أي معاير لسلامة والأحتياط ، فلا حياة بالخارج تستحق لتحارب لأجلها .

+


توقفت السيارة في مكانٍ شبه ناءٍ ، رفع السائق رأسه نحو المرآه العلوية ونبس بتردد :

+


- وصلنا يا آنسه .

+


لم تتحرك " يـارا " بتاتًا حتى ظن السائق أنها فارقت الحياة ربما ، لكن قبل أن يتخذ أي إجراء لاختبار عكس ذلك كانت قبضت على باب السيارة وخرجت ، أغلقت الباب خلفها وناولت السائق ورقتان نقديتان من فئة المئتان وغادرت دون الألتفات أو أخذ باقي مُستحقها .

+


تسيرُ ذات العيون الزيتونيه البلورية أسفل أضواء القمر فضي هائمةً على وجهها .

+


تداعب نسمات ديسمبر الباردة خصلات شعرها البندقي، تلك التي تمرّدت على كعكة شعرها المشدودة، فتراقصت بخفّة على وجنتيها ، تساند روح تلك المعاندة بداخلها .

1


إنها هنا... مجددًا.
من بين ألف مكان ومكان، تتنوع بين البذخ والبساطة، اختارت هذه الساحة المهجورة، الخالية من كل مظاهر الحياة ،ساحة لا يسكنها سوى الصمت، ولا يزورها أحدٌ سواها .. رُبما .

+


واصلت السير بلا وجهة، تحمل من بين حُسن ملامحها غيومًا من الحزن ..وفي ليلة ظلماء كانت تبحث عن نفسها الضائعة.

+


لكن...
كان لديها رفقة .

+


لمحت صخرة كبيرة نسبيًا تقدّمت نحوها، تفحّصتها أولًا ثم جلست، توجهت بنظرها صوب نقطة بعينها، حيث أضواء خافتة تنبثق من بعيد...
أضواء ساطعة تعود لمجموعة من سائقي الدراجات النارية.

+


وضعت قبضة يدها أسفل ذقنها، وثبّتت نظرها عليهم ، تصلها أصوات المحركات وهي تعلو وتنخفض في تناغم، ويتصاعد الدخان إلى السماء وسط حركات استعراضية صاخبة، تتخللها ضحكات بعيدة مُتقطعة، كأنها سرابٌ تائه في العدم.

+


وبعد مايزيد عن نصف ساعة .. لمحته .
سائق الدرجات خاصتها .. 

3


حسنًا ؛ هي ليست في مزاجٍ لتبرير ملكيتها له ، لكن ما كان في لُب عقلها أنها ظنت أنها ستجهله بينهم ، لكن كيف وحضوره خاطف للأنفاس وإن كان بعيدًا ؟

+


هو نعم ..
براعته ، أدائه ، تشجيع من حوله وانبهارهم به في الوقت ذاته .. هو ذلك الملثم بخوذته مجهول الهوية ، لكنه الوحيد الذي استطاع جذب انتباهها وهي التي لا يجذبها شىء .

+



        
          

                
ازداد سقيع تلك الليلة برودة ، احتضنت ذراعيها برفق وهي من خرجت من منزلها بلا أي احتياطات آخرى .. هو حسنًا لم تحظى بخروجٍ طبيعي لكنها الآن في أشد لحظاتها ندمًا .

+


و يا لهذا اللُطف الكبير من خالقها ..

+


أقترب أحد الشُبان الذين يركبون تلك الدرجات منها ،ونبس بنبرة عبثية :

+


- إنتِ تايهه يا عسل ؟

2


أشاحت " يـارا " بنظرها بعيدًا ولم تُجيبه ، وفي تلك الأثناء أقترب آخرون ...

+


حينما أقترب الجمع منها متضامنين مع رفيقهم حينما تأكدت شكوكهم في إرساله أنها فتاة ، بات الجميع يطرح أسئلة متفرقة عليها لم ترُد على أحدٍ منهم وأخفضت نظراتها أرضًا.. حتى نبس هو بصوت جهوري :

+


- يا رجالة ، هنكمل بكرا إن شاء الله ، لو تمسحولي مع الآنسه لحظات .

+


تردد الجميع فيما بينهم ، لكن نظرات " يـارا " لهُ تحديدًا حينما تحدث اخمدت نيران شكوك عديدة لكن ايقظت آخرى .

+


لم تمر سوى لحظات وآخذ الجميع يتفرق مبتعدًا كلًا أعلى درجاته حتى خلا المكان سوى من كلاهُما .

+


أشاحت " يـارا " بنظراتها بعيدة تعمدت الا مبالاة حتى سمعت صوته من أسفل الخوذة بنبرة عميقة:

+


- اتفضلي دي عشان البرد .

+


ألتفت " يـارا " سريعًا نحو يده الممتدة نحوه ، لتجد شال أسود قطني ، لكنها حافظت على ضم ذراعيها أمام صدرها برفض صامت لتجده يُردف :

+


- أنا مش بعرض إنك تخديها علطول إبقي رجعهالي وقت تاني .

+


وكأنه - دون أن يدري - يعطيها سببًا غير مباشر لتأتي لرؤيته مُجددًا ،ويا لسعادة ذلك الجزء اللعين في أعماقها ..

+


لكنها دثرتها فورًا وبملامح جامدة نبست :

+


- مش محتاجة أنا كويسة كد...

+


وقبل أن تُكمل جُملتها سعُلت بشدة لتسمعه يقول ببساطة تاليًا :

+


- لا أنا متأكد إنك محتجاه ، عشان لو خدتي دور برد مش معايا علاج للبرد أنا المرادي.

+


ولم تدرِ كيف فعلها .. لكنها ابتسمت ،
وجدت شيئًا بحق جعل أزهار الربيع تتورد على شفتيّها وسط عواصف الجليد التي هاجمت أرضها مؤخرًا .

+


مدت يدها تأخذ الشال منه تلُفه حول جسدها ، وقد كان بـ الفضفاض ليحتويها بداخله ويُدثرها جيدًا لترتخي عضلاتها المشدودة .

+


- هو إنتِ مش عارفه إن ممنوع تبقي هنا ؟

+


فجأة نطق بسؤاله بصيغة ظهرت حادة بالنسبة لها ، لكنها ليست بالهينة لتهتز لنبرته ، فبذات البرود - حد الغرور - الذي تتحلى به أجابته بانسيابية :

+


- ممنوع ليه ! هي الأرض بإسمكم ؟

+


أجاب بنبرة عميقة مُستندًا على درجاته عاقد ذراعيه أمام صدره بثقة :

+



        
          

                
- مش بإسمنا بس منطقتنا ،والي زي ما إنتِ شايفه كلها شباب ، فبطلي يا آنسه تيجي هنا عشان سُمعتك .

+


ابتسمت بتهكُم واجابت بثقة وثبات:

+


- سُمعتي مفيش حد هيجي جمبها ، محدش ليه عندي حاجة ، أظن أنا واعية بما فيه الكفاية إني اخذ قراراتي بنفسي واختار عاوزة ابقى فين .

+


شعرت بنبرة ساخرة في كلماته حينما أردف تباعًا :

+


- يعني اخترتي تيجي هنا على تواجدك في مكان تاني صح ؟ لو دا اختيارك فـ للاسف هقولك دا مش قرار واعي .

+


غامت عيناها بعد عبارته ،فكان معه الحق في هذا الاعتقاد لكنه وبالطبع لا يعلم شيئًا ، آثارت إرتداء قناع القوة و الإصرار وأجابت :

+


- بالنسبالي هو أصح قرار أخده .

+


- عندك دوافع !

+


تسائل مُتعجبًا بثقة لترفع حاجبها باغترار حقيقي لا يليق سوى بها :

+


- أنا مش بمشي غير بالدوافع ، أنا مش واحدة هاوية يا حضرة المتسابق .

1


أخرج ضحكة قصيرة ألتقطتها في هزة جسده للحظة قبل أن يُردف برتابة :

+


- كلام يُحترم .. بس نصيحة ، بلاش دوافعك تجرجرك للمكان دا تاني ، مش ليكِ ولا يناسبك ، فكريها تاني وارجعي بيتك .

+


أجابته تاليًا بإصرار وشدة :

+


- مستحيل ، لإن من بين كل الأماكن والي أولهم بيتي ، دا أكتر مكان أنا مرتاحه فيه حاليا .

+


- السبب ؟

+


- الحرية يا حضرة المتسابق..

+


نبست بها فورًا ردًا عليه وقد لمعت عبارَات لؤلؤية المظهر داخل مُقلتيها الزيتونية من انعكاس كشاف دراجته على محيطهم ، ليُنصت هو تباعًا دون رد متجاهلًا اللقب الذي نبست به ليسمعها تستطرد وقد شعر برخاء في نبرة صوتها المشدوه :

+


- انتم راكبين motorcycles ورامين هموم ومسؤوليات ورا ضهركم ، وانا هنا بحاول أعمل كده  ، انتم غاويين و أنا هنا ياما نفسي .

+


مال برأسه قائلًا ثم أجابها بجدية:

+


- وقوفك وتأمُلك للحظات تحرُر غيرك مش هيشفي وجعك ، متفضليش واقفة في منطقة التمني إنتِ تقدري تحققي .

+


ارتسمت ابتسامة ساخرة على طرف شفتيّها دعمتها عبارتها اليائسة :

+


- مش كل إلي نتمناه ننوله ، مش هما بيقولوا كده ؟

+


- و انتِ هتخلي رأيهم يمشي عليكِ ؟ .. مظنش 

+


اتسعت ابتسامتها مُجددًا إثر عبارته الأخيرة ، للحق كانت مُندهشة ، لم يمُر وقت على لقائها به لكنه ألقى حقيقة ربما لم يدركها من ألفها لسنوات ، بللت شفتياها في محاولة لتلاشي توترها قبل أن تنبس :

+



        
          

                
- إنت بتعلي فضولي ناحيتك يا حضرة المتسابق خلي في علمك ..

+


لازم الصمت لعدة ثواني حتى تلاشت ابتسامتها رويدًا ظنًا منها أنه لم يسمعها أو فهم على نحوٍ خاطىء ، وقبل ان ينفجر عقلها في العديد من السيناريوهات انتشلها بقوله بجمود :

+


- متشغليش بالك بهويتي ، المهم إنتِ يا آنسة .. إشغلي نفسك في إنك تدوري على سلامك النفسي .

+


رفعت أناملها تزيح خصلة متمردة عن وجهها وأجابت بنبرة دافئة صادقة :

+


- هتبقى حاجة weird عارفه بس هي true ، بقا بيعجبني وجودي هنا .

+


لكنه عاد لعادته مُجددًا ولبث الصمت ولم يُجيب حتى أنه لا يتحرك ، فقط جامد من كل شىء ، لتسأل مُترددة :

+


- مش هتقول حاجة ؟

+


- ارجعي يا آنسة بيتك ، وقوفنا ووجودك هنا غلط .

+


فقط .. هذا فقط ما خرج منه بعد كل تلك الثوان العديدة في انتظار شىء شيق ، ولكن آهٍ لو يعلم كم تختزن تلك العبارة من غيظ وضيق يعلو في جوفها لتتجهم ملامحها ويلتوي ثغرها بسخرية في محاولة يائسة للسيطرة على نبرتها التي بدأت أكثر حدة:

+


- صدقني مش اكتر من الغلط الي هيحصل معايا لو روحت البيت ..

+


ثم سكنت لوهلة وتابعت بصوت جهوري ينزف ألمًا وتختنق الكلمات في حلقها :

+


- لأن في الدقائق الي انت واقف تكلمني فيها بابي بيكتب كتابي غصب عني .

4


نبست بها ، هكذا بهذه البساطة ..
دون تفكير أو تأني ، 

+


وللعجب تحفزت كامل خلياه نحو عبارتها الصادمة ليسأل مُتعجبًا :

+


- غصب عنك إزاي !

+


ابتلعت ريقها بتصبُر واجابت بتهكُم :

+


- زي ما سمعت .. غصب عني من غير اهتمام برأيي ولا حتى اهتمام باعتراضي على الشخص إلي بيبعني ليه بأرخص طريقة .

+


- ومين قالك جوازك منه صحيح أو هيتم اصلًا ؟

+


رمقته بدهشة لعبارته الأخيره وكم زرع بداخلها الأمل في تربة عقلها القاحلة ، لتنبس بلهفة خافته :

+


- مش فاهمة .

+


ليأتيها رده تباعًا بنبرة عميقة جادة في كل حرف ينطق به جعلها مشدوهة النظر نحوه :

+


- شرعًا ؛ رأي والدك في الجواز مهم ورأيك إنتِ بنفس الأهمية ، بس إكراهك عليه يخلي العقد باطل من أساسه.

+


انفجرت اساريرها داخليًا بكلماته للحق ،لكن ذلك الجزء العاقل حد اللعنة بداخلها لم يترك لمشاعرها المرهفة عنان التحرر فنبست بقلة حيلة:

+


- هو بابي يعرف شرع أو عُرف حتى ! دا بايعني بـصفقة  عشرين مليون جنية هيمسكهم في ايده قبل ما يسلمني ليهم بإيدي التانية .

+



        
          

                
نبست بها واشاحت ببصرها بعيدًا ترفض أن يشهد انهيار تمنعه بشدة أن يخونها ، رغبة عارمة في البُكاء قهرًا..

+


قهر يعصر قلبها ، ويفقدها ذراتها الأخيرة من العقلانية لمجابهة أمور حياتها المُختلة  ، فقط لو كانت في مكان آخر ، لصرخت وهاجت وتركت العنان لدموعها المُتحجرة بالانسياب .

+


وكأن القرار الآن نبع من عقلها وليس قلبها ، ليُعطي إذنه بالأنفجار ، هنا والآن ضاربًا بكل ما حوله عرض الحائط .

+


فهذا هو تكلفة الكتمان ،
أن يخرج في المكان واللحظة الخاطئة دون إرادة منا .

+


سالت دموعها بحرارة على وجنتيها المُتوردة من برودة الليل ، وهاجت مشاعرها واضطربت انفاسها وخرج صوتها متحشرجًا  :

+


- بس تعرف ! معاه حق أنا استاهل ، ربنا أكيد بيعاقبني، دا اكيد عقاب مفيش غير كده .. منا استاهل برضو ..

+


سكنت لوهلة في محاولة لسحب الهواء داخل رئتيها المُختنقة وغمغمت :

+


- بصي عليا .. بص شعري دا ، طب بص على لبسي ، كلامي ، معتقداتي ، حياتي كلها غلط في غلط ، مفيش فيا حاجة صح وحدة تشفع ليا عند ربنا ومش دي الي هتيجي على هوايا ..

+


اختنق صوتها بفعل دموعها التي تنساب بلا هوادة وشهقاتها العنيفة التي تُردعها بصعوبة لتقول بيأس :

+


- حتى حلمي الغبي وعُقدي في الرجالة ورفضي لقربهم مني ونفوري منهم على أمل جوا جوايا أن ألقى واحد يدمر دا ويعاكس توقعاتي اختفى خلاص .. دا مصيري وقدري ..

1


ثم نظرت نحوه بقوة وهتفت بصوت متهدج :

+


- عرفت ليه بهرب من البيت ؟! مليش مكان اروحه ، مفيش لروحي مكان في العالم على وِسعه ده ، الدنيا ضاقت بيا وانا الي كانت الدنيا كلها كانت تحت رجلي وبطوعي .

+


ونبرة مُنكسرة أشد آلمًا نبست بخفوت:

+


- دا اعوذ بالله من ذُلي دلوقتي.. أنا تعبت .. تعبت من كل حاجة .

1


سمع كل حرف قيل ، وشَهِد على كل حركة صنعتها ، لكنه لازم الصمت المُطبق ، صمت طال من جهته حتى بعد انتهاء انهيارها ، ليراها فقط تردع شهقاتها بصعوبة وتُخفي وجهها داخل شاله الأسود .

+


كانت انفاسه تخرج بانتظام رتيب ، وحركة جسده ساكنه بشكل نسبي حتى أنك تظن أنه تصنم ، لكن كل ما كان يدور بداخله ؛ هي تجهله تمامًا ..

+


وبعد دقائق عديدة لم ينبس سوى بعدة كلمات رتيبة :

+


- قدرك متشال، وربك ارحم بيكي من أي حد ، ودا نصيبنا المُتعب من الدنيا كلنا هنعيشه..

+


طالعت فيه بوهن وتسائلت برجاء يائس :

+


- طب قولي أعمل إيه؟

+


- قولي توكلت على الله وروحي البيت .

+



        
          

                
نبس بعبارته بجدية وتحفز جسده على الدراجة وكأنه يستعد للرحيل لتنبس باعتراض :

+


- بقولك ...

+


قاطعها سريعًا وأردف بصوتٍ عميق ، صادق :

+


- اشش، اسمعي مني ، مش هغشك، قولي توكلت على الله من قلبك وروحي البيت .

+


سكنت شهقاتها بصورة ملحوظة رغم آثار الدموع على وجنتيها ووجها المُحتقن ، لكنها رمقته بصمت مندهشة ، هي عاجزة بحق عن الرد عليه .. كيف بعد كل ما قالته مازال يُصر عليها أن تعود لمنزلها!

+


هو لا يفهمها ..
لا يفهم شيئًا البتة .

+


شعر بحيرتها في نظراتها وخيبة الأمل التي تعتلي محياها لينبس بنبرة دافئة :

+


- متبصليش كتير ، واجههي يا يـارا .. إنتِ أقوى من كده ، صدقيني ..

+


أومأت برفض يائس في لحظه تُخلد في سجلها أنها لم تسقط أو تنهار أمام أحد قط كما فعلت أمامه واضعة كل تعاليها وعزة نفسها جانبًا بلا شعور وهمست بوهن:

+


-بس .. أنا مش قادرة أصدق نفسي .

+


أدار محرك دراجته واستعد للانطلاق، وقبل أن يرحل قال بصدق:

+


- بس أنا مصدق فيكِ ..  والحاجة الأكيدة إنّ الله على كل شيء قدير ، يعني لو وقف الكون كله واستحالت المُسبّبات هو قادر يغير كل حاجة عشان دعائك وما سكنَ قلبك .

+


ثم مال برأسه بخفة ونبس أخيرًا :

+


- سلام يا صاحبة العيون الزُمُردية .

6


وانطلق...

+


ولم يترك لها مجالًا للإدراك، فقط انسحب كأنّه يهرب من وقع كلماته قبل أن تُلحق به ردّة فعلها.

+


أما هي، فقد ظلت في مكانها ، وعيناها تلاحقانه بدهشة متوترة، تشعر بأن قلبها يلهث داخل صدرها، وبأن تلك الكلمات القليلة نبشت داخلها مشاعرًا لم تجرؤ يومًا على الايمان بها مجددًا .

+


استدارت حولها، فإذا بالساحة وقد عمّها الصمت، صمتٌ مهيب يُجفل الأنفاس، شعرت بوخزٍ خفيف يسري في أطرافها، فشدّت الشال على جسدها بحركة لا واعية، ثم اندفعت تخترق الطرقات الخالية حتى بلغت الشارع العام، والساعة تُقارب العاشرة مساءً.

+


بعد دقائق من السير اللاهي وجدت سيارة أجرة تمر، فأوقفتها بلا تردد وولجت داخلها تُتمتم بعنوان المنزل.

+


أسندت ظهرها للمقعد، وما زالت أصابعها مُتشبثة بالشال الملفوف حولها بإحكام ..

+


و..
إنه العطر ذاته.. نعم، ذاك العطر، نفس النفحة الخافتة التي علقت بالسلسال الذهبي حين وضعه بين يديها من قبل.

+


هي الآن تتجه نحو بيتها، جسدًا فقط، أما روحها فـ... تائهة ،لا تدري ما الذي ستقوله، أو كيف ستواجهه .

+



        
          

                
كل ما تعرفه أنها مشوشة بطريقة لم تألفها ،
وأن كلماته الأخيرة ما زالت تدور داخلها كجرسٍ خافت، كهمسة لا تريد أن تنساها.

+


ولعلّها للمرة الأولى... تخشى هذا التأثير.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


| قبل ساعتين |

+


دخلت " مريهان " الڤيلا بعد أن فتحت لها ربة المنزل ،لتتوقف خطواتها بدهشة حينما تشهد عمال يقومون بتزيين الصالة ، فاقتربت منهم على مضض لتُبصر عبر زجاج الشرفة المطلة على الحديقة الخلفية تجهيزات وطاولات واستعدادات آخرى فعلمت أن ما سمعته هو واقع حقيقي .

+


ألتفت نحو العاملين وهاجت بصوت متهدج :

+


- الكل يوقف..  محدش يكمل شغله.

+


فرد أحد العاملين باحترام :

+


- بس دي أوامر ممدوح بيه يا هانم.

1


تتهدج " مريهان " بصرامة منقطعة النظير:

+


- وأنا قـلت الكـل يوقف ومـش عًاوزة أشًوف واحد بس بيشـتغل في حـاجة .. كـل حـاجـة تـقـف بـقـول !!

+


كان صوتها جهوريًا ،قويًا صارمًا ، لم يستطع أحد مجابهة أوامرها بعد ذلك فتوقف الجميع ونظرات الحيرة تنتشر بينهم.. لا أحد يعلم ماذا يجري .

+


رمقتهم " مريهان " بنظرة أخيرة حازمة ثم ألتفت لتجد " وردة " خلفها وعلمات الفزع تنتشر على محياها لتقترب منها وتضمها بين ذراعيها برفق وتقول من بين أنفاسها المتحشرجة:

+


- متقلقيش يا حبيبتي كل حاجة هتبقى تمام .

+


أومأت " وردة " بصمت لكنها لم تمنع دموعها من الانسياب لتقول :

+


- أنا خايفة أوي يامامي .

+


مسدت " مريهان " على ظهرها برفق ثم أردفت بنبرة مقتضبة :

+


- باباكي فين ؟

1


- في مكتبه.

+


أومأت ثم حررت " وردة " من بين ذراعيّها و اتجهت نحو مكتبه في آخر الرواق .. وهي تصمم بداخلها أن هذه المرة أو فلا .

+


دخلت المكتب دون استئذان، تدفع الباب أمامها بعنف، وأغلقته خلفها بصفقة حادة ارتد صداها في أرجاء الغرفة ،وخطت بخطوات ثابتة نحو مكتبه، لتقف في مواجهته مباشرة، نبرتها حادة كالسيف وهي تقول:

+


- أنت برضو عملت الي في دماغك ؟

+


رفع "ممدوح" عينيه عن الأوراق بين يديه ببطء، ورمقها بنظرة باردة ورد بصوت خافت لكنه مشبع بالتهديد:

+


- وقتي صوتك

1


لكنها لم تهتز، بل تقدمت خطوة أخرى نحو مكتبه، انحنت بجذعها للأمام، ونطقت باحتداد:

+


- لا مش هوطي صوتي يا ممدوح وأنا جيالك دلوقتي عشان أنت هتسمعني وبس .

+


كانت تتكئ عليه المكتب بصرامة، ونبرة كلماتها لا تقبل المساومة:

+



        
          

                
- أنا قلتلك على رقبتي جوازة يـارا من الراجل ، والجوازة دي مش هتم برضاك او غصب عنك.

+


لوى فمه بابتسامة ساخرة، وأمال رأسه قليلًا في تحدٍ متعمد:

+


- قراراتي مش بناقش حد فيها .

+


- قراراتك دي يا حبيبي هناك في شركتك مع موظفينك مش في حياة بناتي !

2


أخذ يدير قلمه بين أصابعه بلا اكتراث، وصوته يقطر برودًا واستعلاء:

+


- طيب ما جواز يـارا عشان شغل فعلًا يبقى أنا إلي أقرر فيها .

2


رفعت حاجبيها بدهشة مستنكرة، وأردفت بنبرة متصاعدة:

+


- شغل !! بتقولها عادي كده ؟ مش مكسوف من نفسك ولا شايف تصرفاتك بقت بايخه آخر فترة إزاي ؟

+


ضاق فكه، وعيناه اشتعلتا بوميض تحذيري، وانخفض صوته كالفحيح :

+


- احترمي حدودك ومقامك يا مريهان أنا مش عاوزة أغلط فيكِ .

1


قهقهت بسخرية قصيرة، ثم مالت للأمام أكثر، كأنها تخترق المسافة بينهما بقوة حضورها :

+


- لا أغلط.. أغلط يا ممدوح ووريني أخرك إيه ؟! أنا وقفالك في الجوازة دي ومش هتم يعني مش هتم.

+


مسح بيده على وجهه بتصبُر، وزفر ببطء ثم قال بنبرة رتيبة لكنها تحمل تهديدًا مكتومًا:

+


- آخري يا بنت الحلال مش هيعجبك ، تلاشي من قدامي يا مريهان عشان متبقاش بزعلة .

+


رفعت سبابتها أمام وجهه في تحدٍ صريح، عيناها تتقدان ونبست :

+


- أنا قلتهالك يا ممدوح بدل المرة مية مرة وبقولها للمية واحد.. بناتي خط أحمر وإلي يقرب ليهم او يعترض طريقهم بطريقة مش عجباني همسحه من قدامي حتى لو كان أبوهم نفسه .. وأنت عارف كويس أعرف أوجعك في بناتك إزاي .

+


ارتفع صوته فجأة، مشحونًا باندفاع لم يعهده منها:

+


- وإنتِ فاكرة إني هسيبك تحددي مصيرهم؟ إنتِ شايفة الدنيا بعين أم، لكن أنا شايفها بعين واحد شاف الخيانة والانكسار… مش هسمح لـيارا تكرر غلطتها تاني، ولا أسيبها تختار حد يكسرها زي قبل كده.

1


- وأنا بقولها لآخر مرة في عمري ، لآخر مرة يا ممدوح عشان قسما بالله بعد المرة دي إنت عمرك ما هتسمع مني كلام وهتشوف فعل بجد لو صممت تعمل إلي في دماغك.

+


انتفض من مقعده فجأة، واستند بكفيه على سطح المكتب ومال بجسده للأمام، وعيناه تثبتانها في مكانها:

+


- وأنا معنديش كلام أغيره يا مريهان هانم ، كلمتي طلعت للرجالة والأمر بقا واقع ، فخفي دور الفرخة المنفوشة ودوري على بنتك وعقليها ترجع بدل ما أوصلها أنا بطُرقي ووقتها هتشوفي العمايل بجد .

1


تراجعت " مريهان" خطوة صغيرة، ليس خوفًا بل امتصاصًا لصدمة الكلمات ، ارتسمت على وجهها ملامح خذلان عميق وعَبارَات تتهاوى على جفونها وهي تقول:

+



        
          

                
- إنت مستحيل تكون أبوها مستحيل .. إنت سامع نفسك ، سـامـع بـودانك بتـقـول ايـه ؟! إنت مدرك إن الي بتبيع وتشتري فيها دي تبقي حتة منك !!! تبقى أول فرحتك وأول حد تسمع منه بابا .. إنت بتدمر حياة بنتك إلي هي كانت شيفاك كل الحياة..  يا ممدوح فــوق بقا فــوق .

+


لكن صوته جاء ثابتًا كالجدار، يحجب أي محاولة لاختراقه لكن رأت فيها قشرته الصلبة تترنح أمامها ، كان يحمل في عيناه مالم يستطع عقله نسجه بصورة عاطفية فأتى قاسيًا خاويًا :

+


- أنا مدمرتش حياتها، أنا بأمنلها حياة هي ما تحلمش بيها… هيبقى عندها نصيب من الشركة، وفلوس، وبيت، وكل حاجة متوفرة… ونص الأملاك باسمها، ومحدش كاسر عينها ولا متمرمطة.

1


ابتسمت بمرارة، وأشاحت بوجهها لوهلة ثم عادت تحدق فيه بإصرار واستطردت  :

+


- بذمتك ؟ لا بس يعني بذمتك إنت شايف كده بتأمنلها حياتها ولا بتسلمها لحياة السجان! هي الدنيا بقت كلها فلوس في حياتك مفيش معايير تانية بنبصلها ؟ مش فاكرة نفسك من ثلاثين سنة لما مكنش حيلتك حاجة وبتبني شركتك من الصفر بعد ما أبوك مات وفلستم ؟ كنت مستور وبتحاول وتنحت في الصخر وبتشقى عشان تجيب فلوس حلال.. كنت رغم إني عايشة مرفهه بس شفت فيك الراجل إلي قد المسؤولية إلي عارف قيمة القرش ومش عاوز يعتمد على حد في سبيل يبقى راجل وينصب طوله من غير إيد حد عليه ! راحت فين كل الشهامة دي وانت بتخلي لحد إيد عليك مقابل تبيعله بنتك ؟؟!! راحت فين أخلاقك وإنت بتوافق عليه وهو بيراهنك بـ بنتك مقابل صفقة في شركته ؟؟ منحتش في الصخر ليه تاني ورفضت ووقفت في وشهم عشان بنتك ؟ بقيت مستسخر تقف في وش الدنيا عشان بنتك دلوقتي ؟

+


ختمت حديثها والدماء تفور في وجهها وانفاسها مضطربة بعد ذلك الانفجار الذي أيقظ كل شىء بداخله ، حتى أنه لم يستطع أن يبادلها النظرات فألتفت يدور بالغرفة ليسمعها تستطرد بذات اللهجة الصارمة وبقولها الصادم:

+


- عاوز فلوس يا ممدوح صح ؟ عاوز فلوس مش كده ؟ أنا من الصبح عندي استعداد أقعد مع اخواتي واطالبهم بورثي كامل ، مستعدة اتنازلك عن أملاكي كلها من اخواتي بس ترجع عن الي في دماغك ومتعملش في يـارا كده.

+


ألتفت لها سريعًا بوجوم ليجد أن دمعة فرت منها خلسةً ورأى الإصرار والصدق في حديثها يظهر علنًا له ، ليجدها تقترب منه بنظرات متوسلة دامعة :

+


- دي يـارا يا ممدوح ، يـارا بنتك الكبيرة.. أول زهرة في حياتك ، نسيت حبك ليها ؟ نسيت لما اتولدت والكل كان عاوزها تبقى ولد عشان يشيل شغلك وإنت تقولهم أنا فرحانه بيها وهكتب كل حاجة باسمها حتى لو معملتيش حاجة ؟ أرجوك بقا ارجع عن الي في دماغك يا ممدوح ، هديك الفلوس إلي عاوزها ، اخواتي مش هيقصروا ومستعدين يدفعوا .. بس أرجوك دور جواك عن حبك ليها ، دور عن البنت الصغيرة الي كانت بتلف وراك في كل حتة ومش عاوزة تفارقك ..

1



        
          

                
لم يتحمل " ممدوح " نظرات الرجاء والتشبث من عيناها التي طالما كانتا ملجأً لآلامه ووحدته فأشاح ببصره بعيدًا عنها ومسح على وجهه وقد شعر أن تلك الذكريات ما هي سوى وليدة الأمس ، لكنه رغم ذلك أخرج بجبروته كلمات حازمة لم يقوى على بثها أمام عيناها :

+


- أنا أديت كلمة للناس معرفش أرجع فيها محدش هيهينها هي هتعيش حياة أحسن من هنا وأكتر .

5


ألتفت له " مريهان " لتواجه عيناه ، التي العيون التي رأت فيهم حزن دفين تجهل سببه لكنها تعلم أنه يتأثر بداخله بشكل أو آخر رغم بروده ، ووجوم ملامحه ، ونظراته الخاوية أردفت باعتراض لكن بنبرة أشد لين:

+


- يعني إنت شايف من الرجولة مترجعش في كلمتك مع الرجالة بس إنك تقف قدام الدنيا عشان خاطر زعل بنتك دا مش رجولة  ؟؟ هتكسب ايه من وراهم ؟؟ محدش شايفك راجل لعلمك وهما شايفينك بتبيع بنتك ومش مهتم ليها ، يبقى هما الي هيهتموا بيها ؟

+


شعرت بنظراته المُتعجبه لتومأ برأسها وتمنع شهقاتها وتُردف بإصرار :

+


- ايوه متبصليش كده ، أقل حاجة يقولوها بيها ، إنتِ بنت أبوها سابها نمسك فيكي ليه! دي أقل حاجة تتقال .

+


لكنه أشاح مجددًا بصره عنها عبر زجاج الشرفة المطلة على الحديقة لتلمح رخاء في عيناه ، ترى فيه آلمًا لا يستطيع كبحه وربما مشاعر لا يعترف بها ، لتقترب منه أكثر تتأمله طويلًا، تبحث في ملامحه عن الرجل الذي أحبته، ولم تجده ، فخرجت نبرتها هذه المرة منكسرَة:

+


- أنا معدتش عرفاك يا ممدوح ، بدور فيك على زميلي في الكلية الي حبيته وحارب ظروفه وحياته عشاني مش لقياه ، مش لاقية فيك لا حبيب ولا زوج ولا أب .. أرجع من الي إنت فيه ، وإلا أنا وبناتك هنخرج من حياتك ومش هتلمحنا تاني بحياتك .

+


ثم  أدارت ظهرها وتركت الغرفة، تاركة وراءها صمتًا ثقيلًا يتدلى من سقف المكتب كحبل مشدود يلتف حول قلبه.

+


أحس فجأة أن مكتبه الواسع أضيق من زنزانة، وأنه رغم كل ما يملكه يقف على حافة خسارة لا تعوّض.

+


لكن كبرياءه وعناده رفعا جدارًا صلبًا داخل روحه، ليكتم أي بوح أو تراجع، فيكتفي بتثبيت نظره على الفراغ أمامه، وكتفيه مثقلين كمن يحمل جبلًا، وقلبه يدق بإيقاع يخبره أنه ربما… خسر أكثر مما كسب.

1


خرجت " مريهان " من غرفته بأعصاب منفلته ،تسير خطواتها بوهنٍ تتحامل على جسدها للوصول للأريكة ، وفور أن جلست دفنت رأسها بين كفيها.

+


جلست " وردة " و " ليان" على جنبيها يميلون على كتفها كأنما يستمدون منها القوة ، لتمُر نصف ساعة آخرى على هذه الحالة قبل يصل لهم صوت جرس الباب ليفزع الفتاتان ويتبادلان النظرات بارتباك ،لكن وصل لهم صوت رجولي يعرفونه حقًا :

+


- مــريـهان !! ورد!!

+


- دا خـالـو .

+


نبست بها " وردة " فور أن سمعت صوته لتنهض من مجلسها نحو الباب لتفتحه ، في تلك الأثناء رفعت " مريهان " رأسها بتيهه تحاول التوازن لترى شقيقها يقترب منها وخلفه أولاده وزوجته .

+



        
          

                
- مـريهـان ! إنتِ كويسة ؟

+


نبس بها " جليل " فور أن تقدم للداخل وابصر شقيقته جالسة في حالة ضياع ، لتومأ برأسها بخفة وتراه يلتفت حوله يجد جميع التجهيزات قد توقفت ، ليتسائل بحزم :

+


- إلي سمعته دا صحيح ! ممدوح هيجوز يـارا غصب عنها ؟

+


فور أن نبس بعبارته حتى انهارت " مريهان " وسقط شموخها ،دفنت وجهها بين كفيها وأخذت دموعها تسيل بلا هوادة ، فاقترب منها ومسد على كتفها برفق ، وألتفت لوردة متسائلًا :

+


- ممدوح فين ؟

+


- في مكتبه.

+


أومأ لها وتهجمت ملامحه بإصرار واتجه نحو المكتب ، بينما جلست زوجته " فاتن " بجانب " مريهان " تواسيها وتضمها لها تُرثي حالتها ، و " جواد " و " مراد " فقط تتبادلان النظرات بحيرة وعدم تصديق مما آلت إليه الأحداث .

+


دلف " جليل " المكتب بعد أن طرق الباب مرة واحدة لم ينتظر من ورائها ردًا ، ليجد " ممدوح " واقفًا أمام الشرفة ضامًا قبتضاه داخل جيوبه بصمت ، ليتقرب " جليل " من خلفه وحاول التحكُم في نبرته لكنها أتت شديدة :

+


- الجوازة دي هتقف يا ممدوح .. جواز ايه الي تغصبه على بنتك في الزمن ده؟!

+


لم يلتفت " ممدوح " بل آرخى جفونه بتصبُر ليسمعه يهدهد:

+


- دي بنتك دي تقعد حاطة رجل على رجل تنقي العريس إلي يعجبها وتشاور عليه ، بس تشاور ويكون يتمنالها الرضا ترضى ، إنما بيع وشرا سوق الجمعة دا كان ماضي وانتهى .

+


رفع جفونه مُجددًا وعلى ذات الحال الجامد لم يدافع او ينفعل ،فقط لازم الصمت المُطبق ليستطرد الآخير بصرامة :

+


- قبل ما نسلمك أختنا كلنا كنا بنشوفك اخونا الرابع وابويا كان بيتعتبرك ابنه ، كنا شايفينك راجل وقد كلمتك وعشان كده أنا عامل حساب للعشرة والأيام إلي بينا ، عشان إنت مش عارف فاروق و رياض لو عرفوا هيعملوا ايه ، فرن عليهم ووقف كل حاجة وأقول محصلش نصيب ،عادي بتحصل وأنا هعوضك بلي عاوزه .

+


قطع الحوار بينهم صوت طرقات على الباب ليتجلى " جواد " أمامهم بوجه متجهم وينبس :

+


- عيلة الزيني وصلت.

+


ألتفت الإثنان في ذات اللحظة ، أحدهم يعتلي نظراته الحيرة والآخير يعتلي نظرته البرود والجفاء ، ليتفت " جليل " نحوه ويُردف بنبرة رتيبة :

+


- ممدوح ، آخر كلام عندي الجوازة دي ملغية وبكل ذوق هنقول محصلش نصيب .

+


تنهد " ممدوح" بعُمق ونبس بنبرة رخيمة:

+


- بس كنا هنمضي على شراكة وعيلة الزيني مش سهلة ومش هترضى بالرفض .

+


أقترب " جواد " في تلك اللحظة منهم ونبس بنبرة عميقة صارمة:

+


- اعذرني بس يا عمي ، هي عيلة الزيني دي تيجي جمب عيلة الرفاعي ايه واحنا واخدين مركز تالت في الشرق الأوسط في مجال التطوير العقاري ؟! ، سلطة إيه الي يمتلكوها مش عندنا او منعرفش نصدهم بيها بعد فضل ربنا طبعًا ! حضرتك ياعمي نسيت إنت مِناسب مين ؟ عيلة الرفاعي مبتسبش إلي منها والي يجي على الي يخصها بيتوجع وبالجامد .

1



        
          

                
كان " جليل " يُتابع كلمات ولده الحازمة والتي آثرت مفعولها بشكل أو بآخر داخل دوافع " ممدوح " الذي تذبذبت جفونه ليسمعه يستطرد بإصرار :

+


- ويارا دي أختي وأنا الي يهددني في أختي أبيده ، إحنا محدش يلوي دراعنا ، إحنا بنراعي ربنا في شغلنا ، والنصب والاحتيال مش هيعمروا لحد دنيته يا عمي .

+


أقترب " جليل " ولده الذي احتدت اوصاله ليضع كفه على كتفه وبنبرة رخيمة نبس :

+


- أطلع إنت يا جواد هتكلم معاه ونيجي وراك ، سد إنت .

+


- متقلقش يا بابا .

+


أومأ " جواد " برأسه إحترامًا وخرج من المكتب .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


- استني يا مريم متخليهاش تحكي حاجة لحد ما أجي .

+


نبست بها " رقية "  - ابنة عم ميار - وهي تنهض من على كرسيها في تجمعهم بشرفة غرفة " ميار " ، لتهتف " مريم " عبر الهاتف الذي كان على خاصية المُكبر :

+


- أنا قلتلك الموضوع شكله مش بسيط من الأول .

+


رفعت " ميار" بصرها نحو شقيقتها الجالسة بقربها بسكون:

+


- البركة في أستاذة ريم كانت عارفة ومخبية .

+


ثم ألتفت نحو " زينب " - ابنة عمتها - ورمقتها بغيظ لتنتفض الأخيرة في كرسيها بفزع قائلة :

+


- متبصليش كده أنا معرفش والله ..

+


تدخلت " ريم " تهتف ببرود :

+


- عادي يعني يا ميرو كلنا كنا مخبيين .

+


رمقتها " ميار " بتوعد ونبست :

+


- ما أنتو حسابكم معايا تقيل.

+


- هتعملي إيه؟

+


نبست " زينب " بترقُب لتُردف " ميار " بجدية مصطنعة :

+


- مش هروح معاهم بعد الفرح .

+


ارتفعت ضحكات الجميع فجأة لتنبس " مريم " بسخرية :

+


- ييه على العقاب القاسي بقا ، مكنش يصح يا ريم برضو.

+


أطلقت " ريم" ضحكة قصيرة واترشفت من كوب الشاي بالنعناع خاصتها لتُردف " ميار " بتهكُم لرفيقتها :

+


- وإنتِ كمان يوم فرحي مش هاخدك معايا واسيبك زي المعازيم العاديين تستنيني .

+


دلفت " رقية " للغرفة مجددًا تحمل طبق مقرمشات ووضعتها على الطاولة وهتفت بحماس :

+


- أنا جيت ، قولتوا ايه من غيري ؟

+


نبست " ميار " بضيق مصطنع بينما ترتشف كوب الشاي خاصتها :

+


- كنت بطردهم من فرحي .

+


جلست " رقية " بينهم وهتفت بحماس:

+


- طيب كملي لما جالك عند المدرسة قال إيه ؟

+



        
          

                
- بصي وقف قدامي وقال ...

+


ثم أخذت " ميار" تستطرد ما حدث لها في انصات من ثلاثتهم ، لتُردف بعدها " ريم " :

+


- حكاية جميلة جدًا ، بس إحنا مش عاوزين نتعشم زي ما قلتلك العشم وحش.

+


أومأت " ميار " برأسها وقد اتسعت ابتسامتها بتأمُل:

+


- بس هو إحساس حلو تحس إنك محبوب .

+


مالت " ريم " للأمام قليلًا، ورفعت حاجبها وهتفت :

+


- ريان يعرف بالكلام ؟

2


اتسعت عيناها بدهشة، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة متوترة تحاول إخفاء ارتباكها :

+


- ومين هيعرف ريان ؟!

+


ابتسمت " ريم" بمكر وهي تميل للخلف على الكرسي :

+


- وقعتك عسلي يا عسل لو عرف بالكلام دا والله 

+


زفرت " ميار " بحدة ، وهتفت بدفاع :

+


- ما أنا مقلتش حاجة غلط ، هو أنا كنت أعرف إنه هيقول كده ؟

+


أصبحت ملامح " ريم " أكثر صرامة، وكأنها تمنحها درسًا لا يحتمل المزاح :

+


- بس إنتِ عارفة حدودك يا ميار بذات إنه مش جاي يتكلم بحدود دا جاي يكلمك عن حبه ..

+


أطرقت برأسها لثوان ،قبل أن ترفع بصرها وتتمتم بضعف :

+


- ما أنا مكنتش أعرف ..

+


تدخلت " مريم " في النقاش بنبرة صارمة :

+


- مكنتيش تعرفي يبقى توقفيه عند حده مش تفضلي واقفة تخليه يتمادى في كلامه معاكي زيادة ..

+


وارتفع صوت " ميار " قليلًا وهي تحاول تبرير موقفها :

+


- طب إنتِ فاكرة الموقف كان سهل ؟! أنا اتجمدت مكاني، ومش عارفة أرد ولا أعمل إيه.

+


هزت " زينب " برأسها ببطء وعيناها تحمِلان مزيجًا من العتاب والتحذير :

+


- أهو دا اللي اسمه ضعف يا ميار، والضعف ده بيكبر في عين اللي قدامك ويخليه يفتكر إنك موافقة.

+


مدت " ميار " كفيها للأمام في حركة تبريرية، وصوتها خرج بنبرة دفاعية يائسة :

+


- لأ والله، أنا مش موافقة ولا حتى بفكر في كده!

+


أشارت " زينب " نحوها برأسها، ونبرتها حاسمة ناصحة :

+


- أهو علشان كده لازم تبينهاله مش بالكلام بس، بتصرفك ونظراتك وطريقة وقفتك.

+


استندت " ميار "للخلف ، وزفرت ببطء وكأنها تعترف بالهزيمة المؤقتة ونبست :

+


- طيب يا ستي منك ليها، أعمل إيه دلوقتي؟ الموقف خلص خلاص.

+


أومأت " ريم " برأسها برفض وقالت بنبرة لينة ناصحه :

+


- لو شفتيه تاني لازم توريه إنك مش من النوع اللي بيستنى الكلام ده، وتكسبي احترامه قبل أي حاجة.

+



        
          

                
ابتسمت " ميار " بعاطفية ونبرتها تحمل مزيجًا من التردد والفضول :

+


- طيب ما يمكن يكون قصده كويس؟

+


أتاها الرد من " مريم " بحدة خافته :

+


- يا ميار حتى لو قصده كويس، كل حاجة ليها وقتها، وهو اختار الوقت الغلط والمكان الغلط، وإنتِ كان لازم تحطي النقطة من أول السطر.

+


عقدت " ميار " ذراعيها أمام صدرها وقالت باستسلام:

+


- تمام… هتصرف المرة الجاية.

+


نغزتها " رقية " بكوعها وعيناها تلمعان بمكر واضح :

+


- بس أوعى يا ولا يا ميرو يا جامد هتاخد راجل اعمال قد الدنيا .

+


تنهدت " ميار " بعمق، وابتسمت بخجل ثم سرعان ما تلاشت وعادت لجديتها وتحدثت بنبرة صادقة، وعيناها تتسعان وهي تكشف ما في قلبها :

+


- أنا حقيقي مش فارق معايا فلوسه ولا شكله والله ، أنا عاوزة ابقى مطمنة ، مطمنة من الغدر او الخيانة ، مطمنة هيبقى جمبي يسندني ، مطمنة إني اسيب الدنيا واهله عشان قربه .. يارب يكون بيعرف يطمني وبس ،أنا عايزة حد لو اتلخبطت أوي في حياتي، يمسكني قبل ما أقع و ما يتخلاش عني في أول مطب وما يبيعنيش وقت الجد ، يمكن شكله يتغير، فلوسه تزيد أو تقل، الدنيا تلف بينا… بس إحساسي بالأمان معاه هو الحاجة الوحيدة اللي مش هينفع تتبدل أو تتشترى.

1


اتسعت ابتسامات الجميع حولها بتأثُر ، لتتبسم بخفة وتتابع :

+


- بعدين البنت فينا لا عاوزة ڤيلا ولا فلوس ولا عرييات إحنا بنبقى عاوزين حب وحنية وأمان .

2


تدخلت " مريم " تباعًا ونبست بنبرة مرحة:

+


- لا اتكلمي عن نفسك يا ست ميار أنا عايزة ڤيلا وعربية وحب وحنية .

+


وفور أن نبست بعبارتها حتى دخل الجميع في موجة ضحك جماعية وأكواب الشاي بالنعناع الموضوعة أمامهن تبعث رائحة مُهدئة، بينما الهواء المسائي يعبث بخصلاتهن المُتناثرة.

+


لم يقطع ذلك الإندماج سوى حينما وصل للجميع صوت جرس الباب ونبست " ريم" :

+


- ريان رجع .

+


وفورًا وضعت الفتيات حجابهن استعدادًا للمغادرة.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


جلس "حسن الزيني" بثبات، بجانبه المأذون لإتمام عقد القِرآن وبجانبه "عماد" الذي بدا مرتاحًا على غير العادة وعلى طرفه زوجته التي تبدو ملامحها متنغصة بوضوح .

+


على الجهة المقابلة كان "جواد" يجلس بكتفين مشدودتين ونظرة حادة تراقب كل حركة في المجلس، وإلى جواره "مراد" .

+


الهدوء المطبق كان يخيّم على الجلسة، ذلك النوع من الصمت الذي يجعل أي طُرفة أو تعليق تنفجر مضاعفة في وقعها ، وبالفعل أحس " مراد" بأنها اللحظة مثالية لشيء من المزاح، فارتجف كتفاه بخفة في محاولة لكتم ضحكة كادت تفلت، لكن عين "جواد" الحادة التفتت نحوه فجأة تحمل تهديدًا صريحًا لا يحتاج إلى كلام. 

+



        
          

                
ابتلع "مراد" ضحكته في الحال، بينما "جواد" تنهد بقلة حيلة، وكأن ضبط أخيه مهمة إضافية فوق ما يحتمله الموقف.

+


وفي المقابلة ، كان "عماد "جالسًا بثقة متعمدة، وابتسامة ساخرة لا تفارق وجهه منذ بداية الجلسة ، وعيناه تتحركان بين الأخوين، فيما يميل ثغره ببطء في تهكّم صريح، وأما عند "جواد" الذي لمح تلك الابتسامة وتجاهلها بوعي، ليس لأن وقعها لا يُصيبه، ولكن لأن النهوض وكسر جمجمته - كما خطر بباله - لن يليق بالموقف ولا بالمكان.

+


خرج بعدها " جليل " من المكتب وتبعُه " ممدوح " منتكس التعابير ، ليقتربوا من الجمع ليهتف " حسن " بحدة :

+


- إيه يا ممدوح بيه ، هي فين التجهيزات وفين العروسة أنا مش شايف أي حاجة !؟

+


جلس " جليل " أولًا ثم بجانبه " ممدوح " الذي هندم بدلته وسكن ليُجيب " جليل " بنبرة وقورة:

+


- في الحقيقة ممدوح جاي يقولك بنفسه الموضوع ده

+


ألتفت " جليل " نحوه بإشارة للبوح ،فيما تقرب الجمع كلماته من بينهم " مريهان " وبنتيّها و " فاتن " ، لتخرج نبرة" ممدوح " جافة قاطعة :

+


- كل شىء قسمة ونصيب يا حسن بيه .

1


اتسعت ابتسامة " عماد " بسخرية وكأن الأمر لا يعنيه أو .. متوقعًا ليسمع والده يهتز بجانبه بصوت جهوري رافض :

+


- بتهرج معايا إنت ! دا إحنا مأكدين ومتفقين مع بعض إيه إلي جد ؟

+


ألتفت " ممدوح " نحوه ونظر في عينه بقوة ونبس بثبات :

+


- إلي جد إن بنتي مش للبيع يا فندم .

+


اتسعت عينايّ " مريهان " بقوة ولهفة ،لترى " حسن " ينتصب في مكانه هاتفًا بتهكُم وانفعال :

+


- بيع ؟ هو أنت مفهمهم إن موافقتنا على بنتك إنك بتبيعها لينا ؟

+


رفع " ممدوح " نظراته لأعلى نحوه ببرود واستعلاء حد الاستفزار:

+


- هي تبقى ايه غير كده ؟! لما طلبتك تساهم في شركتي وقلت بشرط إبنك ياخد بنتي .

+


- فيها ايه يعني ؟! بنعمق العلاقات بينا ..

+


- خلاص وانا مش عاوز حاجة .

+


نبس بها " ممدوح " ببساطة وبرود وكأن من كان قبل ساعة تم استبداله ، ليُصرح " حسن " بآخر استنجداته للعودة :

+


- افهم إنك اتراجعت عن الصفقة ؟

+


طالع فيه " ممدوح" بقوة ونبس بملىء فمه :

+


- آيوه .

+


أومأ " حسن " بضيق وهتف بتوعد :

+


- ماشي .. ماشي يا ممدوح بيه بس أنا مش هنسى الي عملته دا ..

1


انتصب " عماد " بجانب والده واقترب منه يهسهس :

+


- يلا يا بابا

+



        
          

                
وأخذ يسحب والده بجانبه ببساطة لكن " حسن " لم يهدأ انفعاله وأخذ يتوعد بإصرار :

+


- هدفعك تمنه غالي..

+


نبس " عماد " يشجع والده :

+


- يلا يا بابا متضيعش وقتك .

2


وسحبه حتى الباب، بينما "حسن" ما زال يفرغ غضبه في سيلٍ من التهديدات والوعود القاطعة وكأنها أوامر مُقدّسة ستُنفذ لا محالة ،لكن "عماد" لم يبدُ عليه التأثر ولو للحظة، بل اكتفى بإمالة رأسه قليلًا ولوي ثغره بابتسامة ساخرة باردة، تحمل من اللامبالاة ما يكفي لإشعال نيران الطرف الآخر. 

+


تلك النظرة التقطها "جواد" على الفور، ليضيق عيناه بحدة، وكأنه يقرأ ما بين خطوط جسده وحركاته البطيئة المُتعمدة التي تُوحي باستفزازٍ مُخطط له بعناية.

+


وما إن خرجت العائلة من المكان، أشار "جواد" بسبابته نحو الباب، ونطق برتابةٍ لا تخلو من الحذر:

+


- أنا الراجل ده مش مستريحله… نظراته مش مريحاني، وباين عليه ناوي نية وحشة أوي.

+


ارتفعت حوله نظرات الاستفهام، فبادلهم بنظرةٍ أعمق وكأنه يزن كلماته جيدًا، ثم أردف بثقةٍ هادئة:

+


- عماد دا .. إنتم شايفين ابوه ؟! بيتعصب ويزعق ويهدد دا حد واضح عارفين آخره ، هيعمل شوشرة ، القلق من إلي خانس جواه ده .

+


بعد عبارته الأخيرة، خيّم صمت ثقيل على الصالة ، وتنهد الجميع براحة أولًا لعدم اتمام الأمر لكن مازال تحذير " جواد" يحمل طابعًا جادةً داخلهم .

+


بعد مرور نصف ساعة آخرى على تلك الموجة ..

+


هبطت " يـارا " من سيارة الأجرة وعيونها مُعلقة بالڤيلا تحاول رؤية شىء غير مألوف ، فاقترب أكثر حتى تخطت البوابة لكن لا شىء سوى الصمت المُجفل .

+


توقفت أمام البوابة الداخلية وزفرت نفسًا بعُمق وضغطت بتردد على زر الجرس لتسمع رنينه يرن في كافة المنزل بوضوح وكأنها مهجورة ، لتكون الصدمة حينما فتح " مراد " الباب فجأة لتتسع عيناها بفزع أولًا ثم بحيرة حينما بادلها ذات النظرات المتفاجئة .

+


لكنها أبصرت بيده طبق عليه قطعة من الكيك الفاخر ، لتتسع ابتسامته العبثية ، لتتسائل " يـارا " بارتباك وهي تحاول تملُص النظرات للداخل بخوف :

+


- ايه الي حصل هنا ؟

+


رمقها " مراد " لوهلة ونبس بنبرة مرحة:

+


- مبروك كتب كتابك اتفشكل .

1


تعقدت حاجباها ونبست بتعجُب :

+


- إيه !

+


لكنه قابلها ببرود ونبرة عبثية مرحة يمد يده التي تحمل طبق الكيك ونبس :

+


- تاخدي جاتوه؟

2


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


صباح اليوم التالي ..

+



        
          

                
انقشعت غيَمات الحزن الثقيلة التي خيّمت على الأجواء ليلة الأمس، لكن أثرها لم يزل عالقًا في النفوس بثقيل مُقيت .

+


استقر "يوسف" على مقعده داخل معمل الكلية، بوقاره المعتاد وهيئته الرسمية بعض الشيء،  فتح سجل الطلاب، وبدأ ينادي الأسماء بصوت ثابت، يُدون بجانب كل اسم العلامة التي يستحقها وفق الحضور والغياب، دون أن يرفع عينيه عن الورق إلا لمامًا.

+


كان الإيقاع روتينيًا؛ اسمٌ يُنادى، صوتٌ يجيب، علامة تُسجَّل
حتى… وصل إلى اسمها.

+


"يـارا الشافعي؟"

+


هنا تغيّر المشهد قليلًا
رفع "يوسف" نظره عن السجل، وعيناه تتنقل بين الوجوه، وكأن الحضور لا يكتمل بمجرد سماع صوتها، بل لا بد أن يراها بنفسه ، فبحث بعينيه عنها بتمعّن، وكأن شيئًا داخله يريد الاطمئنان عليها، بعيدًا عن القوانين الجامدة للحضور والغياب.

1


لكن الصمت الذي تبع نطقه لاسمها محا هذا الشعور دفعة واحدة، قبل أن تقطعه رفيقتها معلنة غيابها ،ورغم ذلك أجرى "يوسف" نظرة فاحصة سريعة نحو مقاعد الطالبات ليتأكد بنفسه من صحة ما قيل.

+


في الجهة الأخرى كانت "سارة" قد لاحظت ذلك الخيط الرفيع من الاهتمام الذي عبر في ملامحه، اهتمام لم يرافق أي اسم آخر وضيّقت عينيها قليلًا، وعلامات الفضول تومض في ملامحها.

+


وحينما التفتت نحو الوجوه المحيطة، لم تجد أي أثر للدهشة أو الريبة…

+


أيعقل أنها وحدها من التقطت هذا التفصيل؟
وللحق أرثى ذلك بداخلها شعورًا غير صافيًا بتاتًا .

2


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


وقفت " وردة " أمام المرآة تُهندم هيئتها الرقيقة ، وتمسد على خصلات شعرها البندقية القصيرة الناعمة برقة ، بعدها زمت شفتيّها بارتباك ومُكر ، ومدت يدها ببطء نحو درج الأرواچ لتسمع صوت اجفلها وأوقفها عن المتابعة:

+


- سيبي الـ Lip Gloss بتاعي ومتحطيش منه .

+


ألتفت " وردة " نحو " يـارا " التي كانت مُندثرة أسفل غطائها وكأنها في بيات شتوي ، لتنبس " وردة " بحرج:

1


- إنت صاحية؟

+


لم تُجب الآخرى لتهتف " وردة " برجاء طفولي :

+


- يا يـارا سبيني احط منه هيدي glow لشفايفي .

+


آتى صوت " يـارا " من تحت الغطاء صارمة مختنقًا بعض الشىء :

+


- لا إنتِ مش محتاجة .

+


- بس إنتِ بتحطي ، وايـ...

+


هتفت بها " وردة " باحتجاج ليُقاطعها صوت شقيقتها مُجددًا :

+


- إنتِ لسه صغيرة يا ورد ..

+


وضعت " وردة " قبضتيّها على خصرها ونبست باعتراض:

+



        
          

                
- أنا عندي ١٨ سنة ، يرضيكي أروح الشركة شكلي مش حلو ويقولوا عليا مهندسة مش متهندمة ؟

+


لم تنبس الآخرى برد فتابعت " وردة " سريعًا بشىء من الفخر وقد تبدلت ملامحها في لحظة :

+


- إي رأيك في "متهندمة" ؟ ، لقطتها من قطعة العربي في الكلاس امبارح .

1


تملمت " يـارا " على الفراش ونبست ببرود :

+


- حلوة يا حبيبتي، اطلعي بقا واقفلي الباب وراكي .

1


اقتربت منها الآخرى وتسائلت باهتمام بانكماش ملامحها الرقيقة :

+


- إنتِ مش هتصحي تروحي الـ College ؟

+


- لا ، أنا out of mood النهاردة ( مليش مزاج ) .

+


زمت " وردة " شفتيّها بتعاطف كبير ومسدت على كتف شقيقتها واقتربت من أذنها وهمست بمحبة كبيرة :

+


- okay, you know I love you to the moon and back,  right ? ( بحبك من هنا للقمر والرجوع )

1


ابتسمت " يـارا " بخفة من أسفل الغطاء ونبست :

+


- I love you more .

+


طبعت " وردة " قُبلة صغيرة على رأسها وابتسمت بلُطف ونبست :

+


- ء. Bey رايحه الشركة .. هبقى مهندسة و ابهرك ..

+


ثم خرجت من الغرفة للأسفل ، ومنها استقلت سيارة نحو الشركة بعد أن غادر والديها باكرًا .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


وقفت " وردة " في منتصف الشركة وعيناها تلمع بنظرة إنبهار وسعادة وباتت تتخيل حياتها بعد عدة أعوام وهذا المكان هو بيئة عملها ، ووسط اتساع ابتسامتها الحالمة وغيابها في عالم الأحلام أقترب منها صوت نابسًا :

+


- وأنا أقول الشركة فيها ريحة ورد على الصبح ليه؟

+


التفتت نحوه بخفة، وابتسامة طفولية تزين ملامحها:

+


- وائل!

+


قطّب حاجبيه قليلًا وهو يتوقف أمامها يُهندل زر بدلته :

+


- بتعملي إيه؟

+


أجابت الآخرى وهي تزيح خصلة شعر عن وجهها:

+


- جاية عشان أشوف مامي وأخد درس هندسة.

+


أمال رأسه بفضول وقد ضم أحد يداه داخل جيبه والآخرى تُمسك حقيبتة الجلدية السوداء كسواد حُلته :

+


- هي فصولك انتقلت الشركة ولا إيه؟

+


هزّت رأسها بالنفي وأطلقت ضحكة قصيرة، قائلة بمزاح:

+


- ء.No، أنا هبقى مهندسة إن شاء الله، فباجي كل فترة آخد درس هندسي كده على السريع.

+


أومأ بتفهم وضيق عينيه بنظرة فاحصة:

+


- ومين بيدهولك؟

+


- باشمهندس مؤمن.

+


أومأ ببطء وهو يتمتم:

+



        
          

                
- آه…

1


ثم رفع بصره إليها مجددًا متسائلًا بنبرة يغلبها الاستفهام:

+


- ومؤمن موافق على الكلام دا؟

+


ابتسمت ببراءة، مائلة برأسها قليلًا:

+


- أنا موافقة.

1


أومأ برأسه برفض للتوضيح بنبرة شبه جادة:

+


- أنا فاهم إنك موافقة، بس يعني شغله وكده تقيل.

+


أجابت وهي ترفع كتفيها وتخفضهم بدون تأكيد:

+


- ما مامي كلمته وهو موافق وبيعلمني.

+


رفع " وائل " حاجبه باندهاش و استفسر ببطء، وكأنه يفتش في المعنى:

+


- بيعلمك… وإيه كمان؟

+


أجابت بثقة وعينيها تلمعان:

+


- بيعلمني ويصبر عليا ويفهمني… ويخاف عليا برضو.

+


اتسعت ابتسامته بخفة، وهتف بنبرة مزيج بين الدهشة والتهكم:

+


- مؤمن بيخاف عليكِ!

1


أومأت بحماس، وارتسمت على شفتيها بسمة هادئة:

+


- أها.

+


تنفس " وائل " ببطء وهو يشيح بوجهه جانبًا:

+


- طيب هاعتبر كلامك صح، يلا اطلعي على فوق.

+


رمقته بإصرار طفولي، قائلة وهي ترفع ذقنها:

+


- لا، هو كلامي صح على فكرة.

+


أشار " وائل " برأسه في إيماءة استسلامية وهو يبتسم ابتسامة جانبية:

+


- آيوه آيوه، اطلعي يلا عشان ميصحش مؤمن يقلق عليكِ كده.

+


ولم يُعطيها وقتًا للأعتراض مجددًا وغادر من أمامها ببسمة غير مُصدقة ، لتزم " وردة " شفتيّها بضيق وتتجه نحو المصعد .

+


صعدت "وردة" بخطوات سريعة داخل المصعد، قلبها يخفق على إيقاع الحماس ولهفتها المخبأة، وعيناها تشعان بتوقعات طفولية عن اللحظة التي ستلتقي فيها بـ"مؤمن" .

+


لكن حينما وقفت أمام مكتبه، طرقت الباب بخفة ولم تمض ثوانٍ حتى جاءها صوته الهادئ:

+


- اتفضل.

+


دفعت الباب ودخلت… لتتجمد خطواتها عند المشهد أمامها..

+


كان "مؤمن" يجلس خلف مكتبه، يميل قليلًا نحو فتاة شابة تجلس مقابله، وأصابعه تشير إلى مخطط هندسي أمامهما، بينما هو كأنه يشرح لها .

+


وقفت "وردة" في مكانها، عيناها تنتقلان بين تعبيراته الهادئة وتلك الفتاة التي كانت تومئ برأسها بتركيز وألتفت لها بابتسامة باهتة في نظرها ، ولم تعلم لما لكنها شعرت وكأن الهواء ثَقُل في صدرها، وأخذت تحدق في ملامح الأخرى .

+


ولتركيزها الشديد مع الآخرى لم تلمح ذلك الوميض الذي ظهر في عين "مؤمن" فور أن وقعت عيناه عليها،  كل ما وصَلها هو مشهد ثابت ؛ هو هناك… معها، وكأنها محور اهتمامه الآن لكنه قال بصوتٍ اعتبرته طـ*ـعنة صغيرة:

4



        
          

                
- استنيني يا وردة معلش برا… لما أخلص.

+


هزّت رأسها بصمت وشفتيها تنكمشان في محاولة يائسة لردع دمعة ثقيلة من الإفلات ثم استدارت بهدوء مصطنع، وأغلقت الباب خلفها، لكن قلبها كان يضج بصخب لا يشبه الهدوء أبدًا.

+


بعد دقائق قليلة، انفتح باب المكتب وخرجت تلك الفتاة بخطوات هادئة، تتبعها ضحكة صغيرة وهي تلتفت نحو "مؤمن" الذي خرج خلفها مباشرة وتوقفت أمامه للحظات، تتبادل معه كلمات قصيرة وابتسامة ودودة، بينما هو ظل ثابت الملامح، يرد عليها ببرود محسوب لا ينقصه الاحترام.

+


لكن عين "وردة" لم تكن تقرأ البرود… بل ترى المشهد من منظور آخر تمامًا ،وقفت تراقبهما في صمت، حتى شعرت بشيء داخلي يخنق أنفاسها، إحساس حاد لا يشبه الغيرة العادية بين الرجل والمرأة… بل أقرب لغيرة التملك، تلك التي لا تفهمها بعد .

+


خطت نحوه بخطوات ثابتة، وعيناها معلقتان به حتى توقفت بجانبه، تعقد ذراعيها أمام صدرها بوضوح ينطق بالتحفز ،وفور أن التفت وجدها بالقرب منه ويهمّ بقول شيء، لكنها لم تمهله:

+


- هو انت بتدرب حد غيري؟

+


أردف " مؤمن "بهدوء توضيحي، وكأنه يشرح أمرًا بديهيًا :

+


-  دي ماري، واحـ…

+


قاطعته بنبرة قصيرة قاطعة:

+


- أنا مسألتش عن اسمها.

+


ارتفع حاجباه بدهشة وهو يرمقها:

+


- عفوًا؟

+


خفضت صوتها قليلًا، لكن نبرتها حملت دفئًا متناقضًا مع صرامة وقفتها:

+


- هو انت بتدرب حد غيري ليه؟

+


أمال رأسه قليلًا مستفسرًا بتركيز وجدية عاليه :

+


- لحظة وحدة بس… السؤال دا يطلع عشان إيه بالظبط؟ أو صفتك إيه؟

+


كان يقصد مكانتها داخل الشركة أو في إطار التدريب، لكن عقل "وردة" التقط العبارة على نحو آخر تمامًا، وكأنها إشارة للتقنين أو التحديد لما بينهما… فأجابت ببساطة مدهشة:

+


- إنـي مـش عـاوزاك تـدرب حـد تـاني غـيري.

1


تنفس "مؤمن" بعمق ومسح على وجهه، وجاء صوته ثابتًا لكن نبرته تحمل حذرًا:

+


- بصي يا وردة، أنا بحاول أحسن النية فيكِ… لكن كلامك مش بيساعد ،هقولك بوضوح، أولًا البنت دي متدربة في الشركة مش عندي شخصيًا ، تعليماتها بتاخدها مني ومن مامتك، ومن أي عضو في مجلس الإدارة ،فعشان هي كانت عندي دلوقتي، دا جزء من شغلها، مش أكتر ،لكن… اللي أنا محتاجك توضحيهولي، هو طريقتك في الكلام… إيه سببها؟

+


خفضت بصرها قليلًا، وأجابت بخجل بعد أن أدركت:

+


- أصل أنا فكرتك…

+


عقد حاجبيه ونبس :

+


- فكرتيني إيه؟

+


ابتلعت ريقها بتردد وتابعت :

+


- فكرتك… نستني عشان بقالي كتير مجتش… وهتدرب غيري.

+


أطلق زفيرًا قصيرًا، ونبرته ازدادت جدية:

+


- ولو دربت، مع إني رافض الموضوع دا، إيه اللي يزعلك؟ إنتِ مش ليكي تدريب تخديه؟!

+


لم تحتمل ضغط السؤال، فارتجفت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع قبل أن تنفلت منها…فأمسك جبهته بكفه وتنهد بضيق:

+


- لا حول ولا قوة إلا بالله… عاوزة إيه دلوقتي طيب؟ بطّلي عياط عشان أفهمك.

+


هزت رأسها بيأس:

+


- مش هتفهم…

+


رفع حاجبه ببرود ممزوج بنفاد الصبر:

+


- ماشي، متشكر ، قولي بقى إيه المشكلة؟

+


تمسكت بصمتها لثوانٍ، قبل أن تنطق بصوت واهن:

+


- معرفش…

+


ابتسم ابتسامة قصيرة بلا فرح، وقال:

+


- اللهم طولك يا روح… طيب يا وردة، لما تعرفي ابقي عرفيني أنا عندي شغل كتير دلوقتي.

+


همّت بالاستدارة، ثم توقفت فجأة ترفع عينيها إليه برجاء طفولي:

+


-؛أوعى تزعل مني… أنا… أنا مبعرفش أتكلم، أو… أو أقول اللي جوايا… مش بعرف.

+


ليُنهي الحوار بنفس نبرته الهادئة الأولى:

+


- وأنا قلتلك… لما تعرفي، عرفيني ..خدي وقتك..  دلوقتي عن إذنك خمس دقائق وراجعلك نبدأ تدريبنا .

+


وغادرها فتأملت أثره وهو يبتعد، وعيناها تتابعانه دون وعي، قبل أن تتراجع خطوتين للوراء، لتصطدم فجأة بشيء صلب أوقف أنفاسها ،استدارت على عجل، وهمّت بالاعتذار… لكن الكلمات تجمّدت في حلقها وهي تراه واقفًا أمامها، بابتسامته السمِجة .

+


- ليكِ وحشة يا ورد…

1


اتسعت عيناها بفزع، وتراجعت خطوة للخلف، تتشبث بقبضتيها في توتر:

+


- إنت… إنت بتعمل إيه هنا؟

+


ازدادت ابتسامته اتساعًا، وكأن قلقها متعته الخفية:

+


- إنتِ خايفة مني ولا إيه؟ دا أنا حتى مشيت امبارح بلا شوشرة.

+


لم يخفِ ارتجاف قلبها وهي تراقبه، نظراتها تفحصه كما لو كانت تبحث عن نية مدفونة خلف تلك الملامح المراوغة.

+


- وعشان أثبتلك نيتي… أنا جاي أستقيل من الشركة نهائي ومش هتسمعوا عني تاني.

+


لم تطمئن كلماتُه قلبها بل زادته اضطرابًا، قبل أن يضيف بنبرة هادئة تُخفي ما هو أعمق:

+


- بس في حاجة صغيرة ،مساعدة منك قبل ما أمشي.

3


وبعد تلك العبارة لم يلمح أحد تواجدهم في الرواق .

+


ٰ

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


_ إذن ما توقعاتكم للقادم ؟

+


ومن هنا حتى الفصل القادم ..شكرًا لحُسن قرائتكم لا تنسوني من دعائكم و السلام على قلوبكم .. 

+


|| سُهى الشريف ||

+




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close