اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل السابع والعشرين 27 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل السابع والعشرين 27 بقلم رانيا ممدوح



                                              
عاد سعدون إلى مخيم الغجر، تتبعه خيوط الليل الداكنة كطيف ثقيل يلاحقه.
كانت الأجواء مشحونة، والوجوه متوترة، والهمسات تتطاير بين الخيام مثل شرارات نارٍ تتأهب للاشتعال.
النساء يجلسن متكتلات، أعينهن متوجسة، والأطفال متشبثون بأثواب أمهاتهم، بينما الرجال يرمقون سعدون بنظرات حذرة، لا يعرفون إن كان يقودهم إلى المجد أم يهوي بهم جميعًا في هاوية الهلاك.

+


في زاوية قريبة، كان صديقه القديم يلملم ثيابه على عجل، يطويها بحركة متوترة، والعرق يتصبب من جبينه، مزيج من خوف وغضب مكتوم.
اقترب منه سعدون، وعيناه تضيقان في حدة، وصوته يخرج مشوبًا بالدهشة والتهديد:
"رايح فين؟"

+


رفع الرجل رأسه فجأة، وعينيه تلمعان كوميض برق في ظلام الليل، وقال بنبرة حاسمة اختلطت فيها المرارة بالخذلان:
"أنا همشي... قبل ما النار تاكل في الكل."

+


تجهم وجه سعدون، حاجباه انعقدا، وشفتاه ارتجفتا قبل أن ينفجر ضاحكًا ضحكة ساخرة، لكنها تحمل في طياتها غضبًا مكتومًا:
"نار إيه؟! إحنا في نعيم يا أهبل!"

+


اقترب منه الرجل بخطوات بطيئة، كمن يقترب من جرح غائر، وصوته اهتز بغضب مكتوم، وعيناه تشعان بالصدق:
"النعيم ده... محدش شايفه غيرك يا سعدون. فوق! افتح عينك وشوف إحنا رايحين على فين. إنت مش بس بتدمر نفسك... إنت بتدمر معاك الغجر كلهم!"

+


هنا، ارتعشت شفتا سعدون، وتحولت ضحكته إلى قناع غضب، وصاح بعنادٍ أعمى:
"مالنا؟! قولّي مالنا؟!"

+


أدار الرجل رأسه، ثم عاد ليواجهه بجرأة، كمن يلقي بكلماته الأخيرة:
"مش عارف يا سعدون... يمكن لأنك وقفت ضد الحمدانية، الأرض اللي إحنا قاعدين عليها من سنين. وبدل ما نحافظ على ودّهم، كسرت الصف وبعتنا للتهلكة!
وإنت واثق في الشرقاوية؟!
متعرفش إن اللي يخون الحمدانية... الشرقاوية ما يثقوش فيه أبدًا!
واللي يخون طرف... يخون التاني يوم ما يكون ميزان القوة في إيده."

+


توقف لحظة، وصوته انخفض حتى صار كهمس الريح، لكنه كان أقسى من أي صرخة:
"على العموم... أنا ماشي.
أرض الله واسعة، ولا عايز الحمدانية ولا الشرقاوية.
بس هقولك حاجة، يا سعدون...
ما تخليش حقدك يعميك، ويدمرك، ويدمر باقي الغجر معاك.
ياريت نرجع زي زمان... كنا في كل أرض شوية، متفرقين، بس مرتاحين... عايشين بسلام بعيد عن نار الكبار وحروبهم."

+


ارتجفت عروق سعدون، وانفجر وجهه غضبًا، عينيه تلتمعان كشرر جمر، وصاح بصوت يجلجل كالرعد، ليغطي على خوفه الدفين:
"عايز تمشي؟! امشي من غير ما تصدعنا بحكمك ومواعظك!
امشي... وبكرا تندم، أيوه تندم، لما تلاقينا عايشين عيشة ملوك، وأنا واللي معايا نضحك عليكم وأنتم بتاكلوا تراب الطرقات!"

+


رمقه صديقه بنظرة حزينة، نظرة من يعرف أن الكارثة قادمة لا محالة، ثم قال بهدوءٍ قاتل، وصوته يقطر ألمًا:
"بتمنى... بتمنى تعيش إنت والغجر فعلاً، يا سعدون.
بس النار... لو مسكت فيهم، هتمسك فيك إنت كمان.
سلام يا سعدون."

+




                
ثم استدار، وخطواته تتثاقل مع كل خطوة، وكأنها تحمل وزر وداعٍ لا رجعة فيه.
أما سعدون، فظل واقفًا، أنفاسه تتلاحق، وعينيه تضيقان بغضب، بينما في أعماقه ارتجف قلبه لحظة، لكنه كتمه، وأقنع نفسه بكذبة كبرى:
"أنا اللي هانجو... وأنا اللي هانصر الغجر."

+


لكن في تلك الليلة، كانت الريح تعوي كأنها تبكي على ما هو قادم... نار، لن تبقي ولن تذر.

+


كان الليل يلفّ القبيلة بردائه الداكن، والهواء محمّل برائحة القلق التي تخبّئها النفوس. جلس صقر في زاوية المعسكر التدريبي الخاص به، يحدّق في النار التي تتراقص ألسنتها كأنها أسرار تتقافز أمامه. كان قلبه يضجّ بالهموم، يتأرجح بين ولائه لأبيه جمال، وبين رغبته في إنقاذ بدر من الفخ الذي يُنصب لها.

+


في تلك اللحظة، سمع وقع خطوات خفيفة، فالتفت بسرعة، ليجد يزيد يقترب منه بخطوات واثقة وابتسامة خبيثة تتسلّل إلى وجهه. كان في عينيه بريق ماكر، وكأنه يقرأ أفكار صقر قبل أن ينطق بها. وقف أمامه ثم انحنى قليلًا، متظاهرًا بالاحترام، قبل أن يهمس بصوت خفيض:

+


"صقر… أبوك عرف منين اللي بيخططله بدر؟"

+


تنهّد صقر بعمق، وألقى نظرة سريعة حوله وكأن الجدران قد تتنصت عليهما، ثم قال بصوت متهدّج:
"مش عارف… بيقول إن في جاسوس هناك بينقل الأخبار. تقدر تعرف مين هو؟"

+


ابتسم يزيد بخبث، وقد ظهر على وجهه مزيج من الغرور واللعب بالأعصاب، ثم رد بثقة لا تتزعزع:
"طبعًا… دي حاجة سهلة جدًا عليّ."

+


اقترب صقر منه فجأة، وعيونه تتّسع بالأمل واللهفة:
"بجد؟ طب إزاي؟ هتعرف إزاي؟"

+


ضحك يزيد ضحكة قصيرة، كان صداها أشبه بصوت نصل يُشحذ في الظلام، ثم هزّ رأسه متصنّعًا الغموض:
"يابني… دي حاجات فوق استيعابك. لو عرفتها، احتمال… تموت."

+


تراجع صقر قليلًا، وارتسم على وجهه خليط من القلق والريبة. عقد حاجبيه وقال متردّدًا:
"يا راجل… طيب المهم، تعرف بسرعة."

+


نظر إليه يزيد نظرة فاحصة، ثم رفع حاجبًا وكأن خيطًا خفيًا وصله إلى الحقيقة، وقال ببطء وهو يبتسم ابتسامة عريضة:
"ليه عايز تعرف ...؟"

+


ارتبك صقر بشدّة، وكأن قلبه انكشف أمامه، فخفض عينيه وتظاهر بالهدوء، لكن توتره فضحه. ضحك يزيد ضحكة منتصرة، ثم صفق بيده بخفة قائلاً:
"آه… فهمت....عايز تعرف منه معلومات قبل أبوك، صحجدع يا صقر! دماغك عاجباني والله!"

1


تنفّس صقر بصعوبة، محاولًا أن يخفي ارتباكه، ثم قال بابتسامة مشدودة:
"ده أنت دماغك فلّة. متتأخرش عليّ، يا يزيد."

+


اقترب يزيد أكثر، حتى صار وجهه لا يبعد سوى بضع أنفاس عن صقر، وقال بصوت خافت يحمل تهديدًا خفيًا:
"ولا ثانية، يا صقر… ولا ثانية."

+



        
          

                
ثم استدار مبتعدًا، تاركًا صقر يحدّق في أثره، بينما تتصارع الأفكار في رأسه كعاصفة لا تهدأ. كان يدرك تمامًا أن اللعب مع يزيد يشبه الرقص فوق سيف مسلول، لكنه لم يعد يملك خيارًا آخر.

+


أوصل طارق رسالة بدر إلى مجموعة من القبائل بسرعة، وكان قلبه يخفق بتوتر وهو يتنقّل بين الطرقات الضيقة والوديان المظلمة، يتأكد أن لا أحد يتبعه. كانت الرسالة تحمل أمرًا عاجلًا بعقد اجتماع قبلها بساعة واحدة فقط، في محاولة ذكية من بدر حتى لا يتم تسريب الخطة أو إعطاء أي فرصة للخونة أن يسبقوها بخطوة.

+


طارق، وهو فارس متمرّس في نقل الأخبار، كان يظن أن هذا التدبير كافٍ لحماية سرّ بدر. كان يقود جواده بأقصى سرعة، والغبار يتطاير خلفه، حتى سلّم الرسائل لكل شيخ قبيلة بعناية، ثم عاد مسرعًا إلى معسكر بدر، وفي قلبه يقين أن كل شيء تحت السيطرة.

+


لكن ما لم تكن بدر تعلمه، وما لم يتخيّله حتى طارق نفسه، أن هناك عيونًا تراقبهم في صمت، وآذانًا تتنصّت في الظلام. فقد تسرّب الخبر قبل أن تعود بدر إلى مكان الاجتماع، وكأن الخيانة سبقتها بخطوة خفيّة.

+


كانت القاعة تشتعل بالهيبة، أعمدة عالية تتدلى منها مشاعل كبيرة تضيء جدرانها العتيقة، ورايات القبائل تتدلى في صمت، شاهدة على تاريخ ممتد من الولاء والخيانة. جلس شيخ القبائل الكبير في صدر المجلس، ظهره مستقيم وعصاه بين يديه، كأنه جبل لا تهزه الرياح، بينما احتل خمسة من شيوخ القبائل مقاعدهم، وجوههم مليئة بصرامة الرجال الذين خبروا السيوف والحروب.

+


دخلت بدر بخطوات واثقة، مرتدية عباءتها الرجولية، عمامتها تغطي شعرها جيدًا، ووجهها حليق تمامًا بفضل الحيلة التي تعلمتها منذ صغرها. عيون الجميع تابعتها وهي تتقدم حتى صارت في منتصف القاعة، حيث يتقاطع الضوء والظل، ثم توقفت، ورفعت رأسها بشموخ يخفي توتر قلبها.

+


قالت بصوت عميق اكتسبت نبرته بالتمرين:
"يا شيوخ القبائل… أنتم كنتم سند والدي، ووقفتم جنبه لما الدنيا كلها اتخلت عنه. أنا جيت النهاردة عشان أطلب منكم حاجة… مش عايزكم تسيبوني لوحدي. وقت الشدة، لما أنادي، لازم ألاقيكم واقفين جنبي زي ما كنتم واقفين معاه."

+


ساد صمت ثقيل، تبادل فيه الشيوخ النظرات. ثم مال شيخ مسن ذو لحية بيضاء، اسمه الشيخ بركات، للأمام وقال بصوت أجش:
"يا بدر… الكلام اللي بتقوله مش سهل. إحنا مش ضدك ولا ضد أبوك، بس الأوضاع دلوقتي اختلفت. لو وقفنا جنبك، هنتجرجر في حرب ممكن تبوظ بلادنا وتضيع رجالنا."

+


تدخل شيخ آخر، كان نحيفًا، عينيه ضيقتان كالثعالب، وقال بتحذير:
"وإحنا لنا إيه غير الخراب؟ أنا شايف نستنى شوية، ونشوف إنت ناوي على إيه، بدل ما نرمي ولادنا في النار ونندم بعدين."

+


رفعت بدر يدها بهدوء، ونظرت في أعينهم بثبات، رغم أن قلبها كان يخفق بعنف، وقالت:
"أنا مش بطلب منكم تحاربوا دلوقتي… أنا بس عايز أضمن، إن لو شفتمونا في خطر، هتيجوا تقفوا معانا. إحنا دم واحد، ولو الحمدانية وقعت النهاردة، بكرة الدور هييجي على قبائلكم."

+



        
          

                
هنا ضرب شيخ ضخم الجسد الأرض بعصاه، وجهه مليء بالندوب التي تروي حكايات معارك قديمة، وقال بصوت كالرعد:
"الراجل معاه حق! لو سيبناه لوحده، بكرة ييجوا علينا واحد واحد. سالم كان راجل أصيل، وابنه واضح إنه واخد من أصله. أنا، عن نفسي، لو احتاجنا… هنقف معاه بالسيف قبل الكلمة."

+


رفع شيخ رابع، أصغرهم سنًا، يده بهدوء، وقال بصوت هادئ لكن حازم:
"أنا موافق… بس لازم نمشي بحذر، خطوة بخطوة. أي حركة غلط هتدي العدو فرصة يهلكنا كلنا."

+


تنحنح شيخ القبائل الكبير، فعمّ الصمت فجأة، حتى كأن أنفاس الجميع توقفت، ثم قال بصوته العميق المليء بالسلطان:
"يا بدر، كلامك مسموع، وحكمك هيتقاس بأفعالك. إحنا لسه ما اديناش وعد، لكن لو شفنا منك حكمة وقوة، هتلاقينا صف واحد. الزمن ده فيه غدر أكتر من السيوف، والعقل هو اللي هيكسب في الآخر."

+


انحنت بدر برأسها باحترام، وقالت بصوت ثابت رغم ارتجافها في داخلها:
"هتشوفوا مني اللي يليق باسم الحمدانية… بس لما أناديكم، ماتتأخروش. اليوم ده جاي أسرع مما تتصوروا."

+


وبينما كانت بدر تغادر القاعة، تعالت أصوات متداخلة خلفه؛ بعض الشيوخ متحمسون، وبعضهم مترددون، والبعض الآخر يهمس في الظلام بخطط لا يسمعها إلا من يتقن فن الغدر.
لكن بدر لم تكن تعلم أن كل كلمة قالها كانت قد وصلت بالفعل إلى آذان الأعداء، وأن هناك عيونًا خفية تراقب خطواتها، تنتظر اللحظة المناسبة لتغرس خنجرها في ظهرها.

+


كانت أروقة المنزل غارقة في صمت مهيب، لا يُسمع فيه سوى خفق أقدام بدر وهي تخطو بخفة على الأرضية الحجرية الباردة. قلبها يخفق بشدة، ممزوجًا بالخوف والراحة في آن واحد، وهي تتجه مسرعة نحو غرفة أخيها أمان.
كانت هذه المرة الأولى منذ أيام طويلة التي تشعر فيها بأمل حقيقي يشتعل في صدرها.

+


وصلت إلى باب الغرفة، حيث وقف عبد ربه كعادته، حارسًا مخلصًا لا يكلّ ولا يملّ، لكن بدر لم تتوقف عنده كما اعتادت دائمًا.
كانت مشاعرها تفيض لدرجة جعلتها تتجاهل وجوده تمامًا، فدفعت الباب بخفة ودخلت مباشرة.

+


في الداخل، كان أمان يجلس على سريره، شاحب الوجه لكنه أكثر وعيًا مما كان عليه بالأمس. عيناه العسليتان اللامعتان التفتتا نحوها، وفي تلك اللحظة شعرت بدر أن روحها عادت إليها.

+


اقتربت منه مسرعة، وجثت بجانبه، وهمست بصوت مرتجف:
"أمان… إنت كويس؟"

+


رفع رأسه ببطء، وصوته خرج ضعيفًا، أقرب إلى الهمس، لكنه كان حاضرًا:
"اه… كويس."

1


اغرورقت عيناها بالدموع، حتى لم تعد قادرة على التحكم بها، ففاضت على وجنتيها بحرارة، وهي تقول بصوت متهدج:
"أخيرًا اتكلمت… الحمد لله يا رب. كلها كام يوم، وهتتكلم طبيعي زينا زي الأول."

+


ابتسم أمان ابتسامة باهتة، فيها من القوة ما يطمئن قلبها، وهمس بلطف:
"ما تعيطيش… أنا كويس والله. الوقت الصعب عدى… الحمد لله."

+



        
          

                
وضعت بدر كفها على يده برفق، وضغطت عليها كأنها تخشى أن يختفي لو أفلتته، وقالت بصوت مملوء بالامتنان:
"الحمد لله… كويس إنك رجعت لي. حاجات كتير نفسي أقولهالك، بس هسيبك ترتاح الأول."

+


أومأ أمان برأسه، وعينيه تلمعان بحب وألفة، كأنه يريد أن يطمئنها أكثر لكنه يفتقر إلى القوة.

+


نهضت بدر بصعوبة، وكأنها تترك قطعة من قلبها بجانبه، ثم خرجت من الغرفة بهدوء.
لكنها ما إن خطت خطوتين في الممر حتى سمعت صوت عبد ربه يناديها بنبرة امتزجت فيها الحيرة بالوجع:
"ست بدر… استني شوية."

+


توقفت بدر، استدارت إليه، فوجدت وجهه متوترًا، حاجبيه معقودين، ونظراته تبحث في ملامحها عن إجابة.
قال بحذر، وكأنه يخشى سماع الرد:
"أنا عملت إيه؟… ملاحظ معاملتك اتغيرت معايا، وكأنك مش عايزة حتى تبصيلي."

+


حاولت بدر تمالك نفسها، فابتسمت ابتسامة باهتة، لكن صوتها كان باردًا قليلًا:
"لأ… مفيش يا عبد ربه. بس أنا مشغولة بكام حاجة كده."

+


خطا عبد ربه خطوة نحوها، عينيه ممتلئتان بالقلق:
"خير… طول عمرك بتحكي لي، وإحنا كنا دايمًا بنشارك بعض كل حاجة."

+


خفضت بدر نظراتها للحظة، ثم رفعت رأسها مجددًا، وهي تقول بحزم ممزوج بالحزن:
"دي حاجات تبع السهل الغربي… أمور كبيرة ومهمة."

+


حاول عبد ربه أن يطمئنها، فرفع رأسه بثقة وقال:
"اه… ما تقلقيش. يا من حد موثوق فيه، وهيقدر ينفذ كلامك بالحرف."

+


في أعماقها شعرت بدر بوخزة شك، لكنها أخفتها، واكتفت بالرد بهدوء متحفظ:
"بتمنى كده."

+


اقترب منها أكثر، وصوته صار أكثر دفئًا، أقرب إلى الرجاء:
"بس ممكن… نرجع زي زمان؟ أنا مش متعود عليكي كده. حاسس إني عملت حاجة غلط، ومش عارف هي إيه."

+


رفعت بدر نظرها إليه، قلبها مثقل بالكلمات التي لا تستطيع قولها، ثم قالت بهدوء متعمد:
"مافيش حاجة يا عبد ربه… ماتشغلش دماغك."

+


استدارَت مبتعدة، لكن قبل أن تتحرك أضافت بصوت منخفض متعب:
"هروح أنام… أنا تعبانة."

+


وبينما كانت تغادر، بقي عبد ربه واقفًا في مكانه، يحدق في ظهرها، وعقله يغلي بالأسئلة.
أما بدر، فكانت تسير في الممر المظلم، تتمنى أن يكون قلبها مخطئًا، وأن يكون عبد ربه كما عهدته دائمًا… سندًا، لا خنجرًا مخبوءًا في الظلال.

+


كانت سارية تجلس على صخرة كبيرة عند حافة البحيرة المهجورة، والنسيم البارد يعبث بخصلات شعرها، فيما كانت عينها معلقة على الممر الضيق المؤدي إلى الغابة، تنتظر أن يخرج منه زين كعادته، بابتسامته الساحرة وحقيبته الممتلئة بالهدايا الصغيرة التي كانت تبهج قلبها.

+


مرت نصف ساعة، ثم ساعة، ثم ساعتان كاملتان، والقمر بدأ ينعكس على سطح الماء العكر، والهدوء يخيّم على المكان بشكل يبعث القشعريرة في جسدها.

+



        
          

                
وضعت يديها على ركبتيها، ثم تمتمت بصوتٍ متهدج:
"يا ترى إيه اللي مأخّرك يا زين؟ انت دايمًا بتجي قبل مني… مستحيل تكون نسيت ميعادنا."

+


صمتت لحظة، ثم عضت شفتها السفلية بقلق، وعيناها تتسعان بالخوف:
"يمكن حصلك حاجة؟! لا… لا… مستحيل… زين أقوى من أي حاجة، وبيمشي في الغابة دي كأنه واحد منها."

+


التفتت حولها، فلم تجد سوى أشجار عارية تتمايل بفعل الريح، وأصوات طيور الليل البعيدة. قلبها بدأ يدق بسرعة، فضمّت ذراعيها إلى صدرها، وكأنها تبحث عن دفء يبدد قلقها.

+


"طيب… لو كنت غضبان مني؟!" قالتها بصوت خافت، والدموع تتجمع في عينيها.
"يمكن زعلته آخر مرة لما رفضت آخد الهدية اللي جابهالي… أنا كنت خايفة بس، ما كنتش قصدي أجرحه."

+


وقفت فجأة، وراحت تمشي على حافة الماء بخطوات مضطربة، تحدث نفسها وكأنها تخاطبه:
"زين… لو كنت سامعني، أنا آسفة. والله آسفة… ما تزعلش مني، إنت أكتر حد غالي عندي في الدنيا."

+


رفعت رأسها إلى السماء، وهي تهمس برجاء:
"يا رب… رجّعه لي سالم، ما يهمنيش الهدايا ولا الكلام، أنا بس عايزة أشوفه… عايزة أعرف إنه بخير."

+


لكن لم يُجِبها سوى صوت الريح وصفيرها المخيف، لتجلس أخيرًا على الأرض، وجهها بين كفيها، والدموع تنساب بصمت، بينما يزداد شعورها بالوحدة والريبة في هذا المكان الموحش.

+


كانت سارية فتاة اعتادت الوحدة، كعصفور عاش طوال حياته في قفصٍ مظلم لا يسمع سوى صدى صوته.
لم يكن في حياتها من يمدّ لها يد الحنان أو يمنحها الدفء الذي كانت تتوق إليه، لذلك ما إن وجدت شخصًا يهتم بها، يبتسم لها بصدق، وينادي اسمها وكأنه أثمن ما يملك، حتى تعلّقت به بكل جوارحها.

+


لقد كان زين بالنسبة لها أكثر من مجرد شخصٍ عابر؛ كان الأمان الذي افتقدته، والدفء الذي لم تعرفه يومًا.
كانت تترقبه كل يوم عند البحيرة، كطفلة تنتظر والدها العائد من السفر، ومع كل لقاء بينهما كانت تشعر أن قلبها يتجذر فيه أكثر فأكثر.

+


همست لنفسها وهي تمسح دموعها عند حافة البحيرة، بينما الليل يزداد عمقًا من حولها:
"أنا… يمكن فعلاً اتعلقت بيك بسرعة يا زين… بس كنت محتاجة حد يهتم بيا… حد يحس إني موجودة."

+


تذكرت أول مرة التقت به، يوم أهدى لها زهرة صغيرة وقال بابتسامة لم ترَ مثلها من قبل:
"دي ليكي… عشان أعرفك إنك تستحقي كل حاجة حلوة في الدنيا."

+


منذ ذلك اليوم، أصبح كل شيء مختلفًا.
لكن الآن، غيابه المفاجئ جعل قلبها يرتجف، وكأن الأرض التي وقفت عليها طويلاً بدأت تتشقق تحت قدميها.

+


رفعت رأسها نحو الظلام الذي ابتلع الطريق، وكأنها تخاطبه:
"ما تسبنيش يا زين… أنا مش قوية زي ما بتفتكر… أنا كل قوتي فيك إنت."

+



        
          

                
ومع آخر كلمة، انطلقت عبرات حارة من عينيها، بينما شعورٌ ثقيل يضغط على صدرها، يخبرها أن شيئًا ما تغيّر، وأن هذا الغياب قد لا يكون مؤقتًا كما كانت تأمل.

+


كانت والدة سارية هي أوّل من زرع في قلبها فكرة أن لكل شيء في هذه الحياة مقابل.
منذ صغرها، لم تسمع منها كلمة عطاءٍ بلا ثمن، ولا حبٍّ بلا شروط.
كانت الأم دائمًا ما تهمس لها، وهي تمشط شعرها أمام المرآة:
"اسمعي يا سارية… الدنيا دي ما بتديش حاجة لوشها… كل حاجة ليها تمن، لو عايزة الناس تحبك، لازم تدفعي، لو عايزة تعيشي مرتاحة، لازم تقدمي حاجة في المقابل."

+


ومع مرور السنوات، ترسّخت تلك الفكرة في أعماقها حتى أصبحت جزءًا من كيانها.
لم تعد ترى العالم إلا كسوقٍ كبير، حيث تُباع المشاعر وتُشترى، وحيث الكرم ضعف، والنية الطيبة سذاجة.
حتى الحنان الذي كانت تمنحه والدتها، كان مشروطًا؛ إن أطاعتها نالت حضنًا دافئًا، وإن خالفتها، واجهت برودًا قاسيًا يجرّدها من كل أمان.

+


كبرت سارية وهي تظن أن كل من يقترب منها يريد شيئًا في المقابل، فكانت دائمًا في حالة حذر.
لكن عندما جاء زين، وبدأ يهتم بها بلا طلب ولا شروط، شعرت لأول مرة أن هناك احتمالًا أن تكون والدتها مخطئة.
همست لنفسها في حيرة، وعيناها تلمعان بالدموع عند البحيرة المهجورة:

+


"هو ممكن… ممكن حد يحبني عشان أنا… مش عشان عايز مني حاجة؟"

+


ثم ابتسمت بسخرية مُرّة، تتذكر كلمات والدتها كأنها سلاسل تقيد روحها:
"لأ… مفيش حاجة ببلاش يا سارية… حتى الاهتمام ليه تمن."

+


وهنا انقبض قلبها وهي تفكر في غياب زين، وتساءلت بخوف:
"يمكن… يمكن هو كمان كان عايز حاجة… وأنا ما فهمتش؟"

+


كان ذلك الشك مثل سكين يغرس في صدرها، يهدد الأمان الذي بدأ يتكوّن في قلبها بسببه.

+


على النقيض الآخر، كان زين يعيش صراعًا داخليًا يوشك أن يمزّق قلبه.
جلس في خيمته عند أطراف السهل، يحدّق في النار المشتعلة أمامه، والدخان يتصاعد في الهواء كأنما يجسّد اضطراب أفكاره.
كانت سارية في ذهنه كطيفٍ لا يفارقه، صوتها يتردد في أذنيه، وابتسامتها تلوح أمام عينيه، فيشعر بيدٍ خفية تشدّه إليها، تدفعه للنهوض والذهاب لمقابلتها عند البحيرة كما اعتاد.

+


شدّ قبضته على الرمال بجانبه حتى توجع، وهمس لنفسه بنبرة غاضبة:
"لأ… لأ يا زين، فوق بقى. أنت مش رايح ليها عشانها… أنت رايح عشان الخطة. كل حاجة معمولة بحساب، وما ينفعش تبوظها دلوقتي."

+


لكن قلبه كان يثور عليه، يذكّره باللحظات التي قضياها معًا، بالحنين الذي لم يعرفه من قبل.
ضغط كفّه على صدره وكأنه يحاول أن يخمد ذلك الشعور بالقوة، ثم نهض فجأة، يذرع المكان بخطوات عصبية، يتمتم في حنق:
"هي بنت الحمدانية… مجرد وسيلة… أداة عشان نوصل للي إحنا عايزينه. أنا مش هسمح لنفسي أضعف. مش هسمح."

+



        
          

                
اقترب من النار، ورمى حجرًا صغيرًا فيها بعنف، كأنما يتخلّص من ضعفه مع كل شرارة تتطاير.
تنفّس بعمق، محاولًا أن يقنع نفسه بالكذب الذي صنعه:
"هي اللي هتصدق إني مهتم بيها… وأنا في الآخر هبعد، ولا كأني كنت هنا. الخطة أهم… لازم أثبت لنفسي إن قلبي مش ملكها."

+


لكن رغم كل تلك الكلمات، كان هناك شعور خفي يزحف في أعماقه، يهمس له أن الأمر قد خرج عن سيطرته، وأنه مهما حاول أن يقنع نفسه، الحب بدأ يزرع جذوره في قلبه… وجذور الحب، حين تمتد، لا تُقتلع بسهولة.

+


لمدة ستة أيامٍ كاملة، ظلَّ زين يخوض حربًا شرسة مع نفسه، حربًا لم يكن فيها عدو ظاهر، بل عدو خفي يسكن قلبه.
في كل ليلة، كان يجلس في خيمته، يتخيل سارية عند البحيرة، تنتظره بلهفة، وعينيها الواسعتين تلمعان بالأمل، ثم ينهض فجأة، يصرخ في أعماقه:
"لأ يا زين، استحمل… يوم كمان وهتنسى."

+


لكن قلبه لم يكن يهدأ، بل يزداد اضطرابًا مع كل فجر جديد.
كان يسمع همسًا في داخله يلحّ عليه بالذهاب إليها، ويدفعه للتخلي عن كل خططه، بينما عقله يقف كالسد المنيع، يذكّره بالخطة، وبوعده لوالدته رشيدة، وبالمصير الذي ينتظره لو ضعف أمام فتاة غجرية.

+


أما سارية، فكانت في كل يوم تذهب إلى البحيرة محمّلة بالأمل.
كانت ترتدي أجمل ما تملك من حليّ بسيطة، وتضع الكحل الذي أهداه لها زين بيد مرتجفة، ثم تركض إلى هناك وكأنها تذهب إلى عالم آخر، بعيد عن صخب قبيلتها ونظرات أمها.
تجلس على الصخرة المعتادة، تحدّق في الطريق منتظرةً قدومه، وكل لحظة يمرّ فيها الوقت كان قلبها ينقبض أكثر.
تحدث نفسها بصوت خافت، وهي تعض على شفتها السفلى:
"يمكن النهارده جاله ظرف… يمكن مشغول… أكيد هييجي بكرا، زين مش ممكن يسيبني كده."

+


لكن الأيام مرّت، يومًا بعد يوم، وسارية تعود خائبة، تحمل خيبتها في صدرها كجرح نازف.
في اليوم السادس، جلست عند البحيرة أطول مما اعتادت، كانت عيناها محمرتين من كثرة البكاء، ويدها تمسح دموعها في يأس:
"هو ليه مش بييجي؟… أنا عملت حاجة ضايقته؟ ولا خلاص زهق مني؟"

+


نظرت إلى صفحة الماء، ورأت انعكاس وجهها الحزين، فشعرت بكسرة قلب لم تعهدها من قبل.
رفعت رأسها نحو السماء، كأنها تسأل القدر:
"ليه يا رب… كل مرة ألاقي حد يهتم بيا يسيبني؟ ليه؟"

+


ثم نهضت ببطء، تمشي بخطوات متثاقلة نحو قبيلتها، بينما في قلبها شعور مختلط بين الألم والحنين، دون أن تدري أن زين في مكان ما كان يعاني أضعاف ما تعانيه، ممزقًا بين ما يمليه عليه عقله… وما يصرخ به قلبه.

+


مع مرور الأيام، بدأ نفوذ سعدون يتمدد كالنار في الهشيم داخل قبيلة الحمدانية، تمامًا كما كان يخطط بدهائه الماكر.
في البداية، كان الأمر لا يتعدى بضع رجالٍ يلتفون حوله، يستمعون إلى كلماته المسمومة التي يغلفها بالعسل، لكن شيئًا فشيئًا بدأ صوته يتسلل إلى قلوب الضعفاء، وإلى عقول من امتلأت صدورهم بالغيظ والحقد على بدر، أو على القبيلة ذاتها.

+



        
          

                
كان سعدون يختار كلماته بعناية، يثير فيهم الخوف تارة، والطمع تارة أخرى.
يقف بينهم في ليالي السهل المظلمة، والنار تتلألأ من حوله، فيلوح بيديه كمن يقود جيشًا:
"اسمعوني يا ولاد الحمدانية! بدر مش هيسيب حد فيكم غير لما يربطكم بالسلاسل… هيفرض سيطرته عليكم زي ما سالم زمان كان عامل نفسه سيدكم! لو سكتوا النهارده، بكرا هييجي الدور عليكم كلكم!"

+


كان بعض الرجال يتبادلون النظرات المرتابة، لكن آخرين كانوا يبتلعون كلامه كأنه الحق المطلق، خصوصًا أولئك الذين ضاقت بهم الحياة، أو شعروا أن بدر لم يلتفت إليهم كما كان يفعل والده سالم.

+


ومع كل يوم يمر، كان عددهم يتزايد بشكل مخيف.
لم يعودوا مجرد رجال متفرقين، بل أصبحوا قوة منظمة، يتجمعون في الخفاء، يتسللون إلى صفوف الجنود، يزرعون الشك في القلوب، وينشرون الإشاعات في كل ركن من أركان القبيلة.
حتى أن بعض الجنود المخلصين لبدر بدأوا يسمعون همسات غريبة في المعسكر:
"بدر مش شيخ حقيقي… بدر هيدمر القبيلة!"

+


لم تكن بدر تدرك حجم هذا الخطر بعد، فقد كانت منشغلة بإعادة بناء النظام وتحصين الحدود، بينما سعدون كان كالثعلب، يتسلل في الظلام، ويمد جذوره عميقًا في جسد الحمدانية، حتى صار له أنصار في قلب بيت بدر نفسه.

+


وبينما كان بدر تحلم بقبيلة موحدة قوية، كان عدوها الخفي يشيد جيشًا من الظلام، يزداد عدده يومًا بعد يوم، ينتظر فقط شرارة واحدة لينقضّ على كل شيء.

+


يأست سارية من الذهاب إلى البحيرة المهجورة، فقد كان قلبها يثقل في كل مرة تعود فيها بخيبة أمل. ستة أيام كاملة قضتها تنتظر زين، تجلس على تلك الصخرة القريبة من الماء، تحدق في الطريق المؤدي إلى البحيرة، وكلما سمعت صوت حركة بين الأشجار، انتفض قلبها ظنًا أنه قد جاء، لكنه لا يظهر.

+


في اليوم السابع، استيقظت وهي عازمة على عدم الذهاب. جلست في غرفتها تحدق في الجدار، تتذكر ضحكاته وكلماته، وكل الهدايا التي كان يحضرها لها. شعرت بغصة في حلقها، لكنها تماسكت، وأخبرت نفسها أن الكرامة أثمن من الانتظار.

+


في ذلك الوقت، كان زين يسير نحو البحيرة، مترددًا في كل خطوة يخطوها. طوال الأيام الماضية قاوم رغبته في الذهاب، مقنعًا نفسه بأن ما يفعله جزء من خطته لا أكثر، لكنه في أعماقه كان يشتاق إلى رؤيتها. عندما وصل، وجد المكان خاليًا على غير العادة، لم يكن هناك أثر لها.

+


توقف في منتصف الطريق، وأحاط المكان بنظرات قلقة، وكأن غيابها طعنه بطريقة لم يتوقعها. جلس على الصخرة التي اعتادت سارية الجلوس عليها، وأخرج من جيبه سلسلة فضية صغيرة كان ينوي أن يقدمها لها. ظل يقلبها بين يديه في صمت، يراقب انعكاس ضوء القمر عليها، بينما في داخله تتصارع مشاعره بين الغضب والندم، وبين خوف لم يفهم سببه.

+



        
          

                
لم يطل بقاؤه، نهض فجأة، ونظر حوله نظرة حادة، ثم غادر البحيرة بخطوات سريعة، محاولًا أن يخفي عن نفسه الحقيقة التي بدأت تتكشف داخله: أن الأمر لم يعد مجرد خطة.

+


بدأت هنادي تلاحظ أن ابنتها سارية تغيّرت في الأيام الأخيرة. لم تعد تلك الفتاة المرحة التي تملأ أركان البيت بحيويتها، بل أصبحت صامتة، منطوية، تجلس في ركن الغرفة وحيدة، وعينيها شاردتان كأنها تبحر في عالم بعيد لا يراه سواها. شعرت هنادي بالقلق، فاقتربت منها ببطء، وجلست إلى جوارها على حافة السرير، وهي تراقب وجهها الشاحب ونظرتها الزجاجية التي تخفي خلفها عاصفة من المشاعر.

+


قالت بصوت حاولت أن تجعله لطيفًا، لكن فضولها كان ظاهرًا فيه:
"مالك يا سارية؟"

+


رفعت سارية عينيها نحوها ببطء، كأنها عائدة من عالم آخر، ثم ردّت بصوت خافت لا يحمل أي حياة:
"أنا كويسة."

+


قطّبت هنادي حاجبيها، وهي تقترب أكثر، مدققة في ملامح ابنتها، ثم قالت بحدة ممزوجة بالقلق:
"كويسة إزاي؟! شكلك كده مطفي… في حاجة مش طبيعية."

+


تنهدت سارية وأشاحت بوجهها، وهي تحاول أن تبدو هادئة:
"زهقانة شوية، مش أكتر."

+


ابتسمت هنادي بخبث خفيف، ووضعت يدها على ركبة ابنتها، وقالت بنبرة تحمل شيئًا من الحماسة:
"لازم تفرحي! ده في عريس جالك، وشيخ قبيلة كمان! ولسه صغير ووسيم، بس بعيد شوية عن هنا… لكن العز والمال يهونوا المسافات."

+


رفعت سارية حاجبيها بدهشة وشيء من الاستياء، ثم قالت بمرارة وهي تشيح بنظرها بعيدًا:
"العز والمال… ليه يا أمي؟ إحنا عندنا فلوس كتير، ليه دايمًا عايزين زيادة؟"

+


عقدت هنادي ذراعيها على صدرها، ونظرت إلى ابنتها بنظرة صارمة يملؤها الطموح الجامح، وقالت بثقة لا تتزعزع:
"ودي أخليكم كلكم متجوزين جوازات مرتاحة. أنا عارفة إنك كنتِ عايزة بدر، لكن سيبك منه وفكّري في مصلحتك. شوفي الخير اللي مستخبيلك ورا الجوازة دي."

+


اتسعت عينا سارية قليلًا عند ذكر اسم بدر، وانقبض قلبها، لكن بدلاً من الرد، سألت فجأة، كأن سؤالها خرج من أعماقها دون تفكير:
"ممكن تقوليلي يا ماما… عرفتي بابا إزاي؟"

+


بدت علامات المفاجأة على وجه هنادي، ثم ما لبثت أن ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة، وأجابت بصوت متهكم، وهي ترفع حاجبها:
"ناجي؟ كان أبويا تاجر كبير في القبيلة. كنت فاكرة لما جالي ناجي هعيش عيشة ولا على البال ولا على الخاطر… لكن طلع كله على مفيش."

+


مالت سارية بجسدها قليلًا إلى الأمام، تتأمل وجه أمها الذي غلبت عليه القسوة، وسألت بهدوء متوجس:
"إزاي يعني؟"

+


أطلقت هنادي زفرة طويلة، ثم رمقت ابنتها بنظرة تفيض بالاستياء والمرارة:
"يعني سالم من صغره الكل في الكل… وأبوكي زي ما إنتِ شايفة كده. ضعيف، ملوش كلمة، ودايمًا تحت رحمة غيره."

+



        
          

                
أطرقت سارية برأسها، ثم همست كمن يحاول الدفاع عن والدها:
"يمكن لو كنتي حبّيتيه… كنتي شوفتيه بعين تانية."

+


رمقتها هنادي بنظرة نارية، وارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة باردة، وقالت باحتقار واضح:
"حب؟ حب إيه! مفيش حاجة اسمها حب… في حاجة اسمها فلوس وثروة ومكانة ونفوذ. دول أهم من أي حاجة، بلا حب بلا هم!"

+


ثم انحنت قليلًا نحو ابنتها، لتغرس كلماتها في عقلها كما غرستها من قبل، وقالت بحزم لا يقبل النقاش:
"فكّري كويس… جالك فرصة تتمناها أي بنت. ولأنك أكتر واحدة واخدة مني، أكيد هتختاري الصح يا سارية. الدهب، والفلوس، واللبس، ومكانة تبقي فيها زوجة شيخ القبيلة!"

+


ظلّت سارية صامتة، تحدق في وجه أمها بنظرة متألمة، بينما قلبها يتمزق بين طموح أمها الجشع، وبين الحلم الذي كانت تخبئه في أعماقها.
في تلك اللحظة، شعرت أن حياتها كلها تُدفع نحو طريق لم تختره هي، طريق مرصوف بالذهب، لكنه مظلم، يخلو من الحب الذي كانت تؤمن بوجوده، حتى وإن أنكرته أمها.

+


وفي عينيها بريق دموع لم يكتمل، بينما على وجه هنادي لمعت نظرة انتصار باردة، كأنها ملكة تُسيّر أحجار رقعتها، غير مدركة أنها تدفع بابنتها نحو مصير لا عودة منه.

+


كانت نسيم تجلس في هدوء في إحدى زوايا الغرفة، يكتنفها الظلام والسكوت، فيما عقلها يراقب ويرصد كل حركة داخل البيت. لم تكن تقصد التلصص، لكنها اعتادت أن تلاحظ التفاصيل، وقد سمعت قبل قليل كل كلمة دارت بين هنادي وابنتها سارية.
عندما غادرت هنادي الغرفة، شعرت نسيم أن قلبها يخفق بعنف، وكأنها على وشك مواجهة عاصفة، إذ بدا لها أن أختها الكبرى تحمل في صدرها شيئًا ثقيلًا، شيئًا لم تفهمه من قبل.

+


نظرت سارية حولها بعيون تائهة، وفجأة وقعت نظراتها على أختها، كانت نظرة مشحونة بالانفعال، خليط من الغضب والانكسار، فشهقت قائلة بنبرة حادة:
"إيه… بتبصي لي كده ليه؟"

+


ترددت نسيم لحظة، ثم تقدمت نحوها بخطوات هادئة، وعينيها تلمعان بمزيج من القلق والشفقة، وردت بصوت منخفض لكنه حازم:
"هتختاري… زي ما أمك قالت لك؟"

+


ارتبكت سارية، ورفعت ذقنها بتحدٍّ مصطنع، محاولة إخفاء ارتباكها:
"عايزاني أعمل إيه؟"

+


اقتربت نسيم أكثر، حتى صارت تقف أمامها مباشرة، وفي صوتها ارتجاف لم تستطع إخفاءه:
"سارية… إنتِ جواكي حد كويس، حد طيب… بس كلام ماما دايمًا بيخليكي تتصرفي كده، وتدوري على حاجات مش بتكوني أصلًا عايزاها."

+


رمقتها سارية بنظرة حادة، وكأن كلمات أختها اخترقت جدارها الداخلي الذي حاولت بناؤه:
"عايزة تقولي إيه من الآخر؟ أنا مش ناقصة دلوقتي، يا نسيم!"

+


تراجعت نسيم قليلًا، لكنها لم تستسلم، بل تابعت بإصرار، وعينيها تمتلئان دموعًا لم تسقط بعد:
"أنا حاسة إنك حزينة… حزينة بجد، مش زي ما أنا وكلنا متعودين عليكي. دايمًا كنتي بتلبسي وتتصرفي كأنك مشرقة، حتى لو كنتي مركزة في حاجات تافهة… لكن كنتي بتلاقي نفسك فيها."

+



        
          

                
خفضت سارية رأسها، وصوتها خرج ضعيفًا ومتهدجًا:
"كل حاجة… مابقاش ليها طعم."

+


زفرت نسيم بألم، وهي تهز رأسها:
"وتفتكري لما توافقي على العريس ده… هيبقى ليها طعم؟"

+


رفعت سارية رأسها بغتة، وعينيها تقدحان شررًا، وقالت بحدة:
"لو ما وافقتش… هتاخديه إنتِ! عشان كده اسكتي، نسيم!"

+


اتسعت عينا نسيم، ووضعت يدها على صدرها في صدمة:
"عايزة تقنعيني إنك بتضحي… عشاني؟"

+


ابتسمت سارية ابتسامة حزينة، كأنها تعترف لنفسها لأول مرة، وقالت بصوت مخنوق:
"لأ… بس أنا حابة أمشي من هنا. زهقت من الصراعات، ومن السعي ورا حاجات ماتخصنيش. نفسي أعيش في مكان… لا حد يعرفني، ولا أعرف حد. أنا… مابقتش عارفة أنا عايزة إيه."

+


مدت نسيم يدها نحو أختها، محاولة الإمساك بها، وقالت بحرقة:
"تقومي تختاري حياة تتوهي فيها أكتر… وتقعي أكتر وأكتر؟! اهدي، وفكري كويس في مستقبلك… في اللي عايزاه ليكي، مش اللي عايزينه غيرك."

+


لكن سارية انتفضت، وعينيها تلمعان ببريق غريب، خليط من الجنون واليأس:
"هعوز إيه أكتر من كده؟ شيخ قبيلة، وسيم، فلوس، دهب، نفوذ… دي فرصة صعب تتكرر!"

+


صرخت نسيم، وكأنها تحاول كسر الجدار الذي يحيط بقلب أختها:
"حتى لو مش مبسوطة؟!"

+


تجمدت سارية للحظة، ثم أطلقت ضحكة قصيرة، مشبعة بالمرارة:
"من إمتى… كنت مبسوطة؟!
جايز… لما أبعد أكون مبسوطة.
أو… أكمل كده، باقي عمري… تايهة!"

+


اتسعت عينا نسيم، والدموع انسابت منهما أخيرًا، وهي تهتف بيأس:
"سارية… إيه جرالك؟ ليه بقيتي كده؟! كنتِ قوية، وبتغيظي الكل، وبتخططي، وعارفة عايزة إيه… إيه اللي حصل؟!"

+


خفضت سارية رأسها، وانكسرت ملامحها تمامًا، كأنها اعترفت بهزيمتها لأول مرة، وصوتها خرج خافتًا، لكنه كان يحمل ثقل جبل من الألم:
"أنا… حسيت بلذة غريبة… بإحساس صعب يتكرر…
في وقت كنت فاكرة نفسي قوية، وقادرة أعمل كل اللي في بالي… لكن… موقف صغير… كشف لي ضعفي.
كشف لي إني حد… سهل يضعف.
سهل قلبه يتكسر…"

+


ارتعشت شفتا نسيم، واقتربت منها خطوة، وهمست بحرقة:
"ألف بعد الشر… على كسرة قلبك، يا سارية."

+


ولم تتمالك نفسها، فاحتضنتها بشدة، وهي تبكي، بينما شعرت سارية لأول مرة بدفء مختلف، دفء لم يكن موجودًا في كل العلاقات الزائفة التي أحاطت بها.

+


قالت نسيم بصوت متهدج وسط بكائها:
"دي أول مرة يا سارية… نتكلم فيها من غير ما نتخانق. كلامك مش مفهوم… بس معناه إنك بتمري بحاجة… كلنا مش عارفينها."

+


ارتجف جسد سارية، ودفنت وجهها في كتف أختها، ثم همست بصوت متهالك، كأنها تلفظ قرارًا سيغير حياتها للأبد:
"هوافق… على العريس ... لازم أوافق."

+



        
          

                
عمّ الصمت الغرفة، ولم يتبقَّ سوى شهقات نسيم، وصوت قلب سارية الممزق، الذي كان يعلن هزيمته بصمت.

+


كان صقر يجلس في غرفته، متوترًا، يدور في المكان كمن يبحث عن مخرج من دوامة تحاصره، وعيناه تقدحان شررًا من القلق. فجأة، انفتح الباب ودخل يزيد بخطوات هادئة لكن في عينيه لمعة غامضة، وكأنه يحمل خبرًا لم يكتمل بعد.

+


صقر، بلهفة وهو يتقدم نحوه:
"ها يا يزيد! عرفت مين الجاسوس ولا لسه؟"

+


يزيد، وهو يتنفس بعمق ويهز رأسه:
"لسه شوية… الموضوع معقد أكتر مما كنت فاكر."

+


صقر، يلوح بيده بعصبية، وصوته يعلو:
"معقد إيه؟! أنا مش فاضي لتعقيدك، كل يوم بيعدي ممكن يخلي أبويا يعرف كل الخطط! أنا محتاج أعرف مين ده بسرعة."

+


اقترب يزيد خطوة، واضعًا يده على كتف صقر، وقال بهدوء مريب:
"إهدى… أنا قربت جدًا. بقيت شايف خيط يوصلني ليه. بس لازم وقت، عشان لو استعجلنا هيكشفونا."

+


صقر، بعينين تلمعان بالريبة:
"وقت؟ إحنا معندناش وقت! بدر بيتحرك بسرعة، وأبويا بيشوف كل حاجة كأنه معاه عيون في كل مكان. مينفعش نفضل متفرجين!"

+


ابتسم يزيد ابتسامة صغيرة، فيها لمحة من التحدي:
"متقلقش… أنا لما بوعد بوفي. كمان خطوة صغيرة وهعرف مين هو… وساعتها هجيبهولك على طبق من دهب."

+


صقر، بصوت منخفض لكن يقطر قلقًا:
"بس أوعى تكون بتلعب بيا يا يزيد. أنا مش ناقص مش عايز منك كلام و خلاص."

+


يزيد، ضاحكًا بخفة، ثم يميل برأسه:
"أنا؟ ألعب بيك؟ إنت نسيت أنا مين ولا إيه؟ أنا الوحيد اللي تقدر تثق فيه دلوقتي، لأن مصلحتي متعلقة بمصلحتك. بس…"

+


صقر يقطب حاجبيه، مرتابًا:
"بس إيه؟"

+


يزيد، ينطق الكلمة ببطء:
"بس لما أعرف مين الجاسوس… هيبقى لي طلب، ولازم تنفذه من غير ما تسأل."

+


صقر، يحدق به لثوانٍ، ثم يضيق عينيه قائلًا:
"طلب؟ طب لو كان طلبك حاجة ضد خطتي؟"

+


يزيد يبتسم بثقة، وعينيه تلتمعان كمن يلعب بالنار:
"متخافش… طلبي هيكون في صالحنا إحنا الاتنين.
بس دلوقتي… سيبني أشتغل. صدقني يا صقر، اللي الجاسوس… هيبان قريب جدًا، ويمكن يكون أقرب مما تتصور."

+


صقر تراجع للخلف، قلبه يطرق بشدة، وصوت يزيد يتردد في أذنه، فيثير داخله خوفًا أشد من خوفه من الجاسوس نفسه.

+


كانت بدر تجلس على الأرض مع والدتها فاطمة في باحة البيت، تتناولان الإفطار بهدوء بينما أشعة الشمس الأولى تتسلل من بين فتحات السقف الخشبي. رائحة الخبز الساخن تعبق في المكان، والأجواء هادئة على غير عادة الصباحات الصاخبة في القبيلة.

+


لكن فجأة، اندفع عبد ربه إلى الداخل، وجهه شاحب، وأنفاسه متقطعة من شدة الركض. كان صوته مرتجفًا وهو يصرخ:

+



        
          

                
 "ست بدر! في خبر غير سار بالمرة!"

+


وضعت بدر قطعة الخبز من يدها ببطء، قلبها بدأ يخفق بعنف:
"خير يا عبد ربه؟ مالك بتنهج كده؟"

+


ابتلع عبد ربه ريقه بصعوبة، وعيناه ممتلئتان بالذعر:

+


"البير... البير اللي بنشرب منه اتسمم...! ناس كتير ماتت يا ست بدر! عشرات البيوت مليانة صراخ وعويل دلوقتي!"

+


شهقت فاطمة، وكأن قلبها توقف لوهلة، ثم وضعت يدها على صدرها:

+


"يا ساتر يا رب! إزاي؟! مين يعمل كده؟!"

+


نهضت بدر بسرعة، وجهها شاحب، وعينيها تتسعان مع كل كلمة:

+


"اتسمم؟! يعني... كل اللي شربوا منه ماتوا؟!"

+


أومأ عبد ربه برأسه، وصوته يتهدج:

+


"أيوه... واللي لسه ما ماتوش حالتهم خطيرة... شفتهم بعيني مرميين على الأرض حوالين البير، وأهاليهم بيصرخوا!"

+


صرخت فاطمة وهي تضرب كفيها ببعض:

+


"يا مصيبتنا السودة! يا خراب ديارنا!"

+


بدأت بدر تمشي في دوائر، عقلها يرفض استيعاب ما سمعته، ثم توقفت فجأة، نظراتها مليئة بالغضب والخوف:

+


"دي مش حادثة عادية... حد عايز يضرب القبيلة في مقتل. عبد ربه، روح نادي يامن و طارق، لازم يعرفوا فورًا! و يساعدونا"

+


هز عبد ربه رأسه بسرعة:
"أنا جاي منهم أصلاً... يامن بيجمع الرجال حوالين البير، و طارق بيحاول يهدّي الناس. الدنيا مقلوبة يا ست بدر!"

+


في هذه اللحظة، وضعت فاطمة يدها على ذراع بدر، تتوسل إليها:

+


"إوعي تروحي ناحية البير يا بنتي... دي كارثة، وممكن يكون اللي عمل كده لسه هناك!"

+


لكن بدر سحبت يدها بحزم، وفي عينيها بريق إصرار:

+


"لازم أعرف مين اللي بيحاول يإذي أهلنا. لو فضلنا قاعدين، المصيبة هتكبر أكتر!"

+


ثم اندفعت خارج البيت، تاركة والدتها تبكي بحرقة، بينما ارتفع صوت عبد ربه خلفها:

+


"استني يا بدر! الدنيا هناك مش أمان!"

+


خرجت بدر مسرعة، تلهث وهي تركض عبر ممرات القرية الترابية، بينما صرخات النساء وعويل الرجال تزداد وضوحًا كلما اقتربت من البئر. كانت رائحة الموت تختلط في الهواء برائحة التراب والماء، لتزيد من ثِقَل الكارثة على القلوب.

+


وحين وصلت، تجمدت في مكانها.
أمامها كان الموقف يفوق قدرتها على الاحتمال؛ عشرات الأجساد ممددة على الأرض، رجال ونساء وأطفال، شفاههم متشققة، ووجوههم شاحبة، وبعضهم يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما يحيط بهم ذووهم يصرخون وينتحبون، يضربون الأرض بأكفهم في وجع عميق.

+



        
          

                
طارق، و أحد رجال القبيلة الأقوياء، ركض نحوها، عرقه يتصبب من شدة الموقف، وصوته يرتجف وهو يتحدث:

+


"سي بدر، الوضع خطير جدًا! كل دقيقة بيموت حد جديد… والناس مش عارفة تعمل إيه!"

+


اقترب يامن، مع شاب من أبناء القبيلة، وجهه ممتقع وملامحه مرعوبة، وهو يشير إلى البئر التي تجمّع حولها الرجال:

+


"الناس كلها مرعوبة يا سي بدر! محدش راضي يشرب نقطة ميه، خايفين يتسمموا ويموتوا زي الباقي!"

+


كانت بدر واقفة كتمثال من الصدمة، قلبها يضرب كطبول حرب داخل صدرها، وعقلها عاجز عن التفكير. لكن فجأة، شقت الجموع امرأة مسنّة، وجهها مشوه من البكاء، عينيها حمراوان، وشعرها مبعثر. تقدمت بخطوات سريعة حتى وقفت أمام بدر، ثم صرخت بصوت يمزق القلوب:

+


"إزاي… إزاي بتسمي نفسك حامينا؟! و ولادنا ماتوا قدام عيونا… أهلينا راحوا! عار… عار عليك يا بدر! اقتل نفسك أهوت من العار! يا ولد سالم"

+


ثم دفعت المرأة صدر بدر بيديها وهي تجهش بالبكاء، قبل أن تنهار على الأرض قرب جسد ابنها، تحتضنه كأنها تحاول أن تعيده إلى الحياة.

+


تراجعت بدر خطوة إلى الخلف، جسدها يرتجف وعيناها تتسعان، لم تستطع حتى الدفاع عن نفسها أو الرد.
كانت الكلمات القاسية تتردد في أذنيها كطعنة خنجر، وصرخات النساء تُحدث دوامة داخل قلبها.

+


تسمرت في مكانها، ودمعة ثقيلة انسلت على خدها، وهي تهمس بصوت مرتجف لا يسمعه أحد:

+


"مين… مين اللي يقدر يعمل كده في أهلنا؟"

+


اقترب طارق منها بهدوء وحذر، صوته خفيض لكنه يحمل غضبًا دفينًا:

+


"سي بدر، ده فعل غدر… ومش أي حد يقدر يعمل المصيبة دي غير واحد مننا… جاسوس بينا، ولازم نلاقيه قبل ما يدمر الباقي."

+


رفعت بدر رأسها نحوه ببطء، نظراتها تشتعل بين الحزن والغضب، وكأنها في لحظة اتخذت قرارًا حاسمًا.
لكن فجأة، ارتفع صوت رجل يصرخ من جهة البئر:

+


 "فيه طفل لسه بيتنفس! بسرعة… جيبوا حد يساعد!"

+


ركضت بدر بخطوات سريعة، ثوبها يتطاير خلفها، بينما في قلبها نار مشتعلة بين الرغبة في إنقاذ الأرواح… والعزم على كشف الخائن الذي جرّ القبيلة إلى هذا الجحيم.

+


ركعت بدر على ركبتيها وسط الأجساد الممددة، ثوبها الأبيض تلطخ بالتراب والدموع التي انهمرت من وجوه الثكالى. كانت يداها ترتجفان، لكنها أجبرت نفسها على الثبات، تمسح العرق عن جبين طفل يحتضر، تحاول أن تفتح فمه وتسقيه قليلاً من الماء النظيف الذي جلبوه على عجل من بئر أخرى.

+


صرخت بصوت مرتجف، وهي تحاول السيطرة على الموقف:

+


 "يا طارق! جيبوا القرب النضيفة… الميّه هنا مسمومة، محدش يقرب منها!"

+


ركض الرجال في كل اتجاه، وجوههم شاحبة، أصواتهم مختلطة بين صراخ وبكاء، والأطفال يتشبثون بأمهاتهم في رعب.

+


كانت امرأة شابة تحتضن طفلتها الصغيرة التي فقدت وعيها، وتهزها بقوة وهي تبكي:

+


 "افتحي عينيكي يا روحي… بالله عليكي ما تسيبينيش!"

+


اقتربت بدر منها، وضعت يدها برفق على كتف المرأة، عينيها ممتلئتين بالدموع لكنها حاولت أن تبدو قوية:

+


"هاتيها… سيبيني أحاول أنقذها."

+


تناولت الطفلة برفق، وضعتها على الأرض، وبدأت تضغط بخفة على صدرها بينما تهمس بصوت متحشرج:

+


 "استحملي يا صغيرة… استحملي، لازم ترجعيلي."

+


وقف يامن بجانب بدر، عينيه تدمعان وهو ينظر حوله إلى المشهد المرعب:

+


"الوضع بيخرج عن السيطرة، يا سي بدر! لو ما لقيناش حل… القبيلة كلها هتموت."

+


رفعت بدر رأسها فجأة، عينيها تلمعان بعزم رغم الانهيار الداخلي الذي تكابده، وقالت بصوت حازم:

+


 "لأ! محدش هيقضي علينا طول ما أنا واقف هنا. كل واحد يعرف شغله… انت يا يامن، روح هات أي أعشاب طبية من بيت المعالج، وطارق لمّ الناس وخلّيهم يبنوا خيمة كبيرة نقدر نحط فيها المصابين بعيد عن البير."

+


طارق، رغم حزنه، هز رأسه بسرعة:

+


 "حاضر، ست بدر!"

+


الجميع بدأ يركض كالنمل، أصوات الأوامر والنداءات تتعالى، والبكاء يملأ الأجواء.
كانت بدر تمسح دموعها بكم ثوبها كلما شعرت بضعف يجرها، ثم تعود لتكمل، ترفع هذا، تُسعف ذاك، تصرخ هنا، تحتضن هناك، وكأنها تحارب العالم وحدها.

+


وفجأة، جاء عبد ربه  مسرعًا، وجهه مكفهر، وملابسه ملطخة بالغبار، صوته يعلو فوق الضوضاء:

+


"سي بدر! لازم نتصرف بسرعة… في خائن وسطنا هو اللي عمل كده، وده مش أول ضربة هيضربها!"

+


نظرت بدر إليه، قلبها يتأجج غضبًا وحزنًا، وعينيها تحولت إلى جمرتين مشتعلتين:

+


"مش مهم دلوقتي نعرف هو مين… الأهم ننقذ اللي باقي. بعدين، أقسم برب السماء… لو عرفت مين عمل كده، هخليه يتمنى الموت ومش يلاقيه."

+


بينما قالت كلماتها، عادت الطفلة الصغيرة التي بين يديها لتتنفس فجأة، سعلت بقوة، فشهقت الأم بصوت عالٍ، وركعت عند قدمي بدر وهي تبكي وتقبل يديها.
لكن بدر لم تبتسم، بل رفعت رأسها، ووجهها يقطر حزناً وغضباً، وهي تنظر إلى البئر البعيد، وكأنها ترى في أعماقه الخيانة التي لوّثت ماء قبيلتها بالسم.

+


في تلك اللحظة، أدرك الجميع أن بدر لن تهدأ حتى تمحو هذا العار… وحتى تكشف الخائن الذي أشعل نار الموت في الحمدانية.

+


اقترب يزيد من صقر الذي كان يتدرب على رمي السهام بخطوات ثابتة، وملامحه يعلوها الغموض. توقّف أمامه، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة نصر باردة، وعينيه تلتمعان بمكر وهو يهمس بنبرة مليئة بالانتصار:

+


"أنا… عرفت مين الخاين."

+




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close