رواية نفوس قاسية الفصل السادس والعشرين 26 بقلم مني احمد حافظ
السادسة والعشرون
.وهل تبتسم لي الحياة من جديد.
-------------------------------------------------
سأتشبث بكِ ولن أسمح لأحد أن يسلبك مني مرة أخرى، سأحارب الجميع وسأقف في وجه من يأبى أن يدعنا نسعد سويًا فأنتِ سعادتي وسر حياتي..
سعادة لم يسبق أن شعر بها آدم مسبقًا أحتلت قلبه بعدما سمع من سهر أنها تحمل طفله، أحس أنه يحلق في سماء السعادة فأخذ يصيح بصوت تملائه السعادة:
- آدم عمران هيبقى أب يا ناس أنا هبقى بابا لأجمل بنوته فالدنيا أنا هبقى أب.
غمرت السعادة وجه سهر فضحكت على ملامح آدم الطفوليه، ولكن فجأة فتح الباب بغته وتعالى صوت صارم يصيح بحدة وغضب:
- أيه التهريج اللي بيحصل هنا دا أنت يا عسكري تسمح تقولي الأستاذ دا دخل هنا إزاي.
توقف آدم عن القفز حول سهر وخبت ضحكته وعقد حاجبيه وهو يرى ذلك الغاضب يقف أمامه ويحدق بهمها بغيظ فقال وقد تملكه الغضب:
- أنت اللي إزاي تدخل كده من غير ما تخبط هي دي مش اوضة مريضة ولا حضرتك متعرفش فالأصول والأدب.
صاح الضابط إسماعيل بحدة وقال:
- أنا أدخل هنا وقت ما أنا عايز وبالشكل اللي أنا عايزه، إنما تسمح تقولي أنت هنا بصفتك أيه، وفين إذن النيابة اللي دخلت بيه على المتهمة؟
رفع آدم حاجبه وجلس بجانب سهر المحدقه بخوف في وجه إسماعيل وقد انطفأت سعادتها بسبب ما قاله فقال ببرود وهو يحتضنها:
- مرات آدم محمد عمران مش متهمة وحتى لو متهمة آدم عمران مش محتاج إذن نيابة علشان يدخل على مراته، إنما سيادتك بقى اللي محتاج تأخد دورة إعادة تأهيل من جديد علشان تعرف تتعامل كويس مع الناس وتقدر تفرق بين المتهم والبريء والضحية المخطوفة، وعمومًا زمان اللواء لطيف سعدون فالطريق ونشوف رأيه أيه فالموضوع كله، ولحد ما يوصل حضرتك تتفضل تقعد برا جنب العسكري ومتدخلش هنا تاني ألا لما تستأذن.
كاد إسماعيل أن يحتد على آدم بالحديث بعدما اشتعل غضبًا من عجرفة وغرور آدم سمع صوت لطيف يقول:
- مالك يا آدم صوتك عالي ليه أنت ناسي أنك فمستشفى ولا علشان بقيت مع مراتك خلاص متراعيش اللي حواليك.
اعتدل إسماعيل أمام لطيف وقال يشكو تصرف آدم فقال:
- يا فندم الأستاذ دخل اوضة المتهمة من غير إذن نيابة ومش عجبه الكلام وعايزني أنا اللي أطلع برا.
تمدد آدم بجانب سهر ونظر إلى إسماعيل باستفزاز وابتسم بسخرية وقال:
- ما تقوله يا خالي وتفهمه إن مراتي قتلت دفاع عن النفس وكانت مخطوفة.
بهتت ملامح إسماعيل وارتجف بعدما علم صلة آدم بلطيف فنظر إلى لطيف وقال بصوت مضطرب:
- هو الأستاذ يبقى.
قاطعه لطيف وهو ينظر إلى آدم وقال:
- الأستاذ يبقى إبن اختي آدم عمران يعني قاعد ومتنك علينا بالشكل دا علشان أنا خاله.
أنهى لطيف كلماته واستدار إلى آدم وأدرف:
- يا ابني مفروض تحترم القانون دا إسماعيل ضابط مجتهد مينفعش تتعامل معاه بالشكل دا.
صمت لطيف والتفت إلى إسماعيل مرة آخرى وقال:
-معلش يا اسماعيل أنا اللي مدي أمر إن آدم يدخل من غير إذن وعمومًا كلها ساعة ووكيل النيابة يكون هنا وينتهي التحقيق.
هز إسماعيل رأسه واستأذن بالانصراف فاقترب لطيف من آدم وقال:
-مفروض أنك تحترم القانون لأن مافيش حد فوق القانون يا آدم، أنا بس علشان عارف الحالة أنت كنت فيها مرضتش أحرجك مع إسماعيل، ودلوقتي يلا يا أستاذ اتفضل برا عايز أقعد مع المدام شوية أسمع منها شوية تفاصيل.
كادت سهر أن تبكي بعدما سمعت لطيف يطلب من آدم أن يغادر فتحدثت سهر بصوت مضطرب وقالت:
-هو ينفع آدم يفضل معايا.
احتضن آدم سهر وقال:
-متخافيش أنا مش هسيبك أصلًا مهما حصل.
ووجه بصره إلى لطيف وقال:
- سيادة اللواء مقدر حالتك ومش هيخرجني مش كده يا خالي.
رفع لطيف حاجبه وابتسم وقال:
- هو مش علشانك هسيبك إنما علشان مراتك شكلها هيغمى عليها من الخوف أنا مش عارف إزاي قدرت تضحك على الطفلة دي وتتجوزها.
شدت سهر على يد آدم وهمست له وقالت:
- هو خالك ميعرفش أنا عندي كام سنة ولا أيه هو فاكرني طفلة لسه.
ضحك آدم وقبل رأسها وشعر بتوهج وجهها خجلًا وقال:
- أنتِ يا حياتي ملامحك متديش أكتر من 18 سنة.
ابتسمت سهر بحرج ولكنها عبست بسبب شعورها بالألم فقالت تحاول أن تتحمله:
- آدم أنا حسه بتعب والمسكن مفعولة بدأ يروح ينفع تخلي حد من التمريض يديني أي مسكن.
مال آدم على أذنها وهمس بصوت خفيض وقال:
- لو كنا فالبيت كنت عرفت اخليكِ متحسيش بأي ألم يا قلبي آه يانى منك مش عارف أنتِ عملتي فيا أيه.
حضرت الممرضة بعدما استدعاها آدم فابتسمت لسهر بلطف ووضعت إحدى حقن المسكن في المحلول المعلق بساعدها، وما أن غادرت حتى سمعوا طرقات على باب الغرفة وفتح الباب فظهر عدة رجال، أحست سهر بالخوف والرهبة من هيئتهم فبكت بين ذراعي آدم وقالت:
- هيدخلوني السجن يا آدم علشان قتلته صح أنا عارفة أني هدخل السجن متخليهمش يسجنوني يا آدم، وحياتي قولهم هو عمل فيا أيه زمان وو.
حدق لطيف بوجه آدم الذي اكفهر من الغضب وأصبح تنفسه السريع ملحوظ، فرحب بوكيل النيابة وتحدث معه على حدا بصوت خفيض، فقد لاحظ الجميع حالة الانهيار التي اوشكت عليها سهر فابتسم وكيل النيابه وهو يهز رأسه للطيف وقال:
- هما سؤالين وهنمشي.
وتقدم من فراش سهر وقال:
-حضرتك قلقانة ليه دي أسئلة روتينية هنقفل بيها التحقيق علشان نقفل القضية، المهم إن حضرتك تحكي لنا كل حاجة بالتفصيل.
كفكفت سهر دموعها وتمسكت بيد آدم وقالت بخوف:
- يعني أنا مش هتسجن.
ابتسم إليها وكيل النيابة وقال ليطمئنها:
- مافيش سجن ولا حاجة بس لازم تتسجل كل تفاصيل الحادث.
هزت سهر رأسها موافقة ولكنها توترت بسبب السؤال الذي سمعته من وكيل النيابة عندما سألها:
- عاوز أعرف صلتك بالمدعو فؤاد من البداية.
حدقت سهر بوجه آدم وتنهدت لتبدأ سرد تفاصيل ماضيها مع فؤاد.
------------------
اصطحب هاني منال الى أحد الكافيهات وجلس أمامها وحدق في ملامحها وهو صامت، فبادلته النظرات قليلا ثم ربتت يده وقالت:
- مالك يا هاني أنت جايبنا هنا علشان نقعد ساكتين.
ابتسم هاني واحتضن كفها وقال:
- بفكر أن لما نطمن على حالة سهر نتجوز على طول أنا شايف أن مافيش أي داعي نأخر جوازنا ولا أنتِ أيه رأيك.
احمر وجه منال وقالت بخجل:
- ما لسه بدري يا هاني أنت مستعجل ليه كده.
تلفت هاني حوله ثم ثبت عينيه على وجه منال وقال:
- بصراحة مبقتش قادر أفضل بعيد عنك اليومين اللي فاتوا واحنا مع بعض عند آدم رغم الناس اللي حوالينا بس اتعودت أني قريب منك وأنك معايا وأنا عايز أكمل الإحساس.
سحبت منال يدها من يد هاني وهمست باضطراب:
- بس يعني يا هاني أنا حاسة أني مش جاهزة أتجوز دلوقتي و.
نظر هانى إليها بدهشة وقال:
- يعني أيه حاسة أنك مش جاهزة للجواز أومال جاهزة أمته بعد سنة، أيه يا منال أنا قلت أنك عندك نفس إحساسي أننا نبقى فبيت لوحدنا.
زفرت منال بحدة وقالت:
- هانى لسه بدري لما أحس أني مستعدة وجاهزة هقولك.
حاول هاني أن يكظم غيظه وضيقه ولكنه لم يفلح فقال بحدة:
- مافيش حاجة اسمها لما تستعدي، منال هو أنتِ لسه مش متأكدة من مشاعرك ناحيتي علشان كده قلقانة.
دافعت منال عن نفسها وقالت:
- أنا مش قلقانة ومتأكدة من مشاعري بس أنا من جوايا مش مستعدة.
عقد هاني حاجبيه وقال:
- وماله أنا مش هضغط عليكِ براحتك يا منال ولما تبقي مستعدة ومرتاحة لجوازك مني أبقي بلغيني.
وقف هاني بعدما انهى حديثه وأشاح بنظره عن منال وقال:
- يلا علشان أوصلك أنا عندي شغل بدري فالمستشفى وكمان علشان هروح أطمن على عمي صالح.
----------
استيقظت هدى من نومها وجلست وهي تفرك عينيها فنظرت بجانبها ولم تجد محمود فغادرت فراشها ووأخذت قميص محمود الملقى على المقعد وارتدته وغادرت الغرفة تبحث عنه ولكنها لم تجده فهمست بتساؤل:
- راح فين دا.
عادت هدى إلى غرفتها وأخرجت هاتفها من حقيبتها واتصلت به بعد ثلاث رنات أجابها محمود وقال:
-القمر صحى من النوم.
ابتسمت هدى وقالت:
- القمر زعلان أنت خرجت أمته وأزاي تنزل من غير ما تصحيني وبعدين أنت فين أساسًا؟
ضحك محمود وأجابها:
- كل دي أسئلة عمومًا يا ستي أنا لاقيتك نايمة فمردتش اصحيكي قلت أكيد تعبانة يعني علشان كده سيبتك نايمة تبقي تصحي براحتك علشان لما أرجع نقعد سوا ولا حودة موحشكيش.
اطلقت هدى ضحكة رنانة وقالت:
- حودة على طول واحشني بس بردوا أنت فين؟
أجابها محمود:
- روحت أجيب ياسين وروحت بيت خالك جبت لك كل حاجاتك من هناك وخلاص كلها ربع ساعة وأبقى معاكِ.
شعرت هدى بالراحة لاهتمام محمود بها ولكنها تذكرت صفية فسألته باهتمام قائلة:
-احنا نسينا ماما فالمستشفى وأكيد زمانها زعلت مننا.
طمئنها محمود وقال:
- متقلقيش أنا كلمتها وفهمتها وهي قاعدة فالاوضة اللي آدم كان فيها ومستنية لما النيابة تخرج من عند سهر، هي هتطمن عليها وهتتصل بيا أروح أجيبها، المهم أنا عايز لما أرجع تحضري لنا أي حاجة ناكلها أنا مش متعود على الاكل برا البيت والأيام اللي فاتت دي كانت صعبة علينا كلنا.
أجابته هدى وقالت:
- أحلى أكل هحضره ولا عايز حاجة معينة.
كاد محمود أن ينهي المكالمة ولكنه سألها بصوت خفيض:
- هدى أنتِ لسه بتحبيني مش كده.
أحست هدى بقلق محمود واضطراب مشاعره فقالت بحب:
- أنا بحبك أكتر من الأول.
همس محمود قبل أن ينهي الاتصال:
- وأنا كمان بحبك وبحب حبك ليا.
احتضنت هدى هاتفها وقفزت بسعادة وهي تقول:
- يعني قالها بجد امبارح بيحبني مكنش بيتهيء لى ياه أخيرًا محمود حس بيا وبيحبني آه يارب أشكرك يارب أنك رجعت لي جوزي وخليته يحس بحبي، يارب قدرني أني أعوضه عن كل حاجة وأنسيه اللي فات كله.
---------------------
لم يستطع آدم فهم أحاسيسه فمنذ انتهى التحقيق مع سهر وبعدما حقنها الطبيب بمهدأ لتنام، أخذ يسير بلا هوادة في الغرفة فما قصته سهر جعله يشعر برغبة في قتل فؤاد مرة آخرى، فعذابها معه كان بلا حدود واقتحامه لغرفتها عدة مرات وتهديده لها وقتله لوالدها واغتصابها وانتهائه بخطفها يفوق مقدرة عقل كعقل سهر ليتحمله، فكيف لها بالصبر على ما مرت به وحافظها على براءتها ونقائها هكذا، أحس آدم بمسئولية كبيرة تجاه سهر فعليه أن يعوضها عما قاسته في حياتها ويعوضها ليال الوحدة والألم التي عاشتها فوصل إلى قرار أن ياخذها ليسافرا مرة آخرى، فهي أحبت منزلهم الصغير بأنقرة، قطع على آدم أفكاره سماعه طرقات على باب الغرفة فتوجه إليه وفتحه فوجد خاله أمامه فأبتعد عن الباب وسمح له بالدخول وقد لاحظ لطيف حالة آدم فقال سريعًا:
- أيه رأيك تيجي أنت ومراتك البلد وتقضي معانا أسبوع.
حدق آدم بلطيف بدهشة فقال بعدما تذكر رفضهم له ولزواج والدته من والده دون موافقة عائلتها وفرارها معه إلى لبنان:
- لا طبعا هو حضرتك فاكر أن علشان رجعت أتكلم معاك أني هنسى أنكم ساعدتم عمي يخطفني زمان، انسى يا خالي انسى أنا بس عامل أحترام أنك أخو والدتي، إنما متفتكرش للحظة أني هعتب بلدكم تاني أنتم اصلا محدش فيكم فكر فيا من بعد ما أمي اتوفت وكل واحد فيكم عاش حياته وقلتم أهو عايش مع أعمامه ورمتوني ورا ضهركم لأنكم معترفتوش بيا، وأنا دلوقتي اللي هرميكم ورا ضهري وبرا حياتي ومش هعترف بوجودكم ولو سمحت بلاش تتكلم فالموضوع دا تاني.
ارتبك لطيف وقال محاولًا تحسين صورته أمام آدم:
- بلاش تحكم على الكل بنفس الميزان وانسى يا آدم وخلينا نرجع عيلة من تاني.
هز آدم رأسه رافضًا حديث خاله وقال:
- شايف دي.
اشار آدم إلى سهر النائمة على فراشها وأكمل حديثه وقال:
- دي هي كل عيلتي وابننا هيكمل العيلة دي وولادي كلهم هيبقوا سندني وعزوتي، أنا مش محتاج لناس بتبيع لحمها علشان الفلوس يا خالي ويكفيني قلب زي مازن ويسري ولا قلب زي قلب صفية والناس اللي عرفتهم وبيحبوا سهر وبيحبوني دول عندي هما العيلة، يا خالي العيلة مش مجرد خال ولا عم ولا جد، العيلة إنتماء حضن بيجمع الكل من غير مصلحة، وكلمة حلوة طيبة وضحكة من القلب، العيلة أن لما أقع ألاقي اللي يسندني ويقومني زي ما شوفت كده فاللي حواليا، والمحبه اللي بتجمعني بينهم مش لغرض ومن غير زيف أو غش، يا خالي أنت نفسك معرفتش تحب ابنك ولا تحسسه بالعيلة فعاوزني أنا أصدق أنكم لسه باقيين عليا، بلاش نضحك على بعض أنت مجتش ووقفت معايا ألا علشان مظهرك وبس وأنا مقدر وقفتك معايا، بس مش بصفتك خالي إنما بصفتك لواء شرطة ساعدني أرجع مراتي.
شعر لطيف أنه لن يستطيع إصلاح ما فسد بين أسرته وبين آدم فابتسم وقال:
- عموما لو غيرت رأيك فأي وقت هتلاقي بيتي مفتوح لك عن أذنك، وأه قبل ما أنسى القضية أتحدد لها جلسه هي مجرد أمور شكلية ومش هيبقى فيها حكم على سهر دا دفاع عن النفس، وعلى فكرة النيابة فتحت التحقيق فقضية قتل رشدي وضمت القضيتين لبعض.
زرعت كلمات لطيف الخوف بنفس آدم فسأله بقلق:
- والجلسة أمته.
أجابه لطيف قبل أن يغادر:
- أخر الشهر يا آدم أشوف وشك بخير.
نظر آدم تجاه سهر وأحس بالقلق عليها فهو يخشى عليها من وقوفها في قفص الاتهام وسرد التفاصيل مرة آخرى على الملاء.
-------------------
مرت الأيام ببطء على منال فمنذ رفضها تعجيل زواجها من هاني وهو قلما يحدثها فجلست تنظر من نافذتها شاردة الذهن ولم تلحظ فوزية التي جلست بجانبها فربتت يدها تنبهها إليها فنظرت إليها منال بعين دامعة فابتسمت لها فوزية وقالت:
- كنتِ فهمتيه يا بنتي بدل ما أنتِ قاعدة بالحالة دي وهو زعل وفهمها أنك مش بتحبيه.
هزت منال رأسها بالنفي وقالت:
- مينفعش أقوله حاجة زي دي يا ماما أنا مقدرش أتحمل أنه يحس ناحيتنا بالشفقة، أنا عارفة أنه لو كنت قولت له كان هيشيل عني الهم بس أنا مش هقدر كفايه الحاجات اللي كل شوية يجيبها والحاجات اللي اشتراها لاخواتي.
احتضنتها فوزية وقالت:
- يا حبيبتي دا جوزك ومافيش فرق بين الراجل ومراته وبصراحة هاني دا راجل بجد، صحيح معرفتنا بيه من قريب بس طلع أرجل من عمك اللي أكل حق اليتامى وحرمهم من مالهم وقبل يشحتنا حقنا، بصي يا منال أنا عارفة أنك مش عايزة تتجوزي علشان ظروفنا خايفة هاني يقعدك من الشغل ومنلاقيش اللي نصرف منه بس أنا عايزاكِ تشيلي التفكير دا من دماغك ربنا مبينساش حد وأكيد هتفرج.
قبلت منال يد فوزية وقالت:
- أنتِ أحسن أم فالدنيا بس برودوا خليني مأجلة الجواز كمان شهرين لحد بس ما الدراسة تخلص والحمل يخف شوية من المصاريفـ كمان علشان أقدر أكمل حاجاتي أنا مش عايزة هاني يجيب لي حاجة زيادة و.
قاطعتها فوزية وقالت:
- متتخافيش هكمل لك باقي جهازك وحاجاتك كلها يومين وهقبض الجمعية خديها وهاتي كل الحاجات الناقصة وافرحي بقى وفرحينا معاكِ يا منال، خليني أحس أني نفذت وصية المرحوم والدك وسترتك فبيت جوزك زي ما كان بيتمنى ها قولتي أيه.
احتضنت منال فوزية وبكت بشدة فربتت فوزية رأسها وقالت:
- أنا هقوم أكلم هاني وأقوله يحدد الوقت اللي هو عايزه ماشي يا عروسة.
كاد هاني يجن فمنال لم تحاول مصالحته ولا السؤال عنه ألا حينما يسأل هو عنها فشعر بالضيق منها ولم يدرك وهو يقف أمام باب المشفى أن هناك أعين تراقبه بتمنى تنهدت ابتسام وهي تحدق بهاني وهمست:
- بس لو أطولك ساعة هنسيك اسمك وأنسيك اللي شاغلة بالك دي بس أعمل أيه.
لمعت عين ابتسام ورفعت حاجبها وقالت:
- وليه لا المهم أنه يبقى معايا ولو ساعة.
واسرعت إلى مكتبها واتصلت بكافيه المشفى وطلبت فنجان قهوة لها وكوب القهوة المفضل لهاني إلى مكتبها، أخذت ابتسام القهوة من العامل وأخرجت زجاجة صغيرة من جيبها ووضعت بعض القطرات في قهوة هاني وأسرعت إلى مكانه واقتربت منه وهي تبتسم بسعادة وقالت:
- أنا جبت القهوة نشربها سوا أيه رأيك.
التفت إليها هاني وقال:
- جاية فوقتها أنا دماغي هتنفجر.
ارتشف هاني القليل من قهوته ولكنه لم يكملها بسبب رنين هاتفه فوضع الكوب جانبًا ونظر إلى اسم فوزية وقال:
- عن أذنك دقيقة يا ابتسام.
مال هاني وأخذ كوب قهوته وابتعد عن ابتسام التي وقفت تتنهد بارتياح أنه سيكمل تناول القهوة ويتحقق لها ما تريد، ابتعد هاني عن سمع ابتسام وأجاب اتصال فوزية وقال:
- أزيك يا أمي عاملة أيه؟
أجابته فوزية بعتاب:
- زعلانة منك بقى كده تقعد كل دا متسألش عليا ومقموص علشان منال طلبت تأجل الفرح.
ارتبك هاني وقال:
- لا أبدًا مافيش بس كل الموضوع أن عندي شغل كتير فالمستشفى.
سألته فوزية وقالت:
- طيب أنت خلصت شغلك ولا لسه.
تنهد هاني وأنهى قهوته وقال:
- أنا لسه واصل بس ممكن تعتبريني خلصت لو محتجالي أأمريني.
أجابته فوزية قائلة:
- اصل منال فالسكة جيالك علشان تحددوا سوا ميعاد الفرح زي ما أنت عايز، وبعد كده لما تحب تتفق على حاجة تعالى واتكلم معايا مش مع منال.
أحس هاني بسعادة مفرطة بسبب حديث فوزية فقال:
- حضرتك بتتكلمي جد منال جاية و.
توقف هاني عن الحديث وهو يشعر بدوار مفاجأ فمد يده يبحث عن شيء يستند إليه ليتفاجأ بيد تمنعه من السقوط، فسقطت كوب القهوة من يده وهو ينظر لعين منال وهمس بصوت ضعيف:
- منال أنا مش.
صرخت منال طلبا للمساعدة فهرع إليها العديد من الأطباء ليحملوا هاني من بين يدا منال، تابعت ابتسام من مكانها الذي أسرعت وأختبأت به ما أن رأت منال تقترب منهم ولعنت ظهورها الذي أفسد لها كل ترتيبها وأضاع منها فرصتها وقذفت فنجان قوتها بالحائط.
جلست منال بجانب فراش هاني وهي تتعجب من حديث زمليه عن تناول هاني أحد العقارات القوية وأن نومه رد فعل من جسده، فاتصلت بفوزية وأخبرتها أنها ستبقى بجانبه في المشفى حتى يصحو بعدما أعطاه زميله حقنة لافاقته وتخفيف مفعول العقار، تملل هاني واستيقظ ينظر حوله باستغراب بعدما رأى منال تسند رأسها على حافه فراشه فنادى عليها فرفعت منال رأسها وقالت:
- صح النوم يا دكتور كده وقعت قلبي.
حك هانى رأسه وقال:
- هو حصل أيه أنا حاسس أني مش فاكر حاجة غير أني كنت بكلم والدتك وحسيت بدوخة جامدة.
عاتبته منال وقالت:
- ما أنت لازم متبقاش فاكر أي حاجة يا هاني من الحاجات اللي أنت بتاخدها، حقيقي أنا مش مصدقة أن دكتور دارس وفاهم خطر العقارات المخدرة والمنشطة ياخدها.
حدق بها هانى بدهشة وقال:
- عقار أيه ومنشط أيه على فكرة أنا مش باخد اي حاجة حتى المنوم مش باخده، أنا عايز أعرف مين اللي فهمك أني بتعاطى حاجة.
وقفت منال ونظرت له بحده وقالت:
- زميلك اللي قال بعد ما كشف عليك قال أن الحالة اللي أنت فيها رد فعل عكسي للحاجة اللي أنت أخدتها وكتر خيره أدلك حقنة تفوقك.
غادر هاني فراشه وهو يشعر بالحيرة والغضب وقال:
- صدقيني يا منال مبخدش أي حاجة أنا الحمد لله بنام طبيعي وبعدين أنا لسه شارب قهوة و.
صمت هاني فجأة ليسب بشدة وقال:
- بنت الـ.
حدقت منال به بحدة وقالت:
- أنت كمان بتشتمني يا هاني.
أسرع هاني معتذرًا وقال:
- أبدًا والله مش أنتِ دي الدكتورة المحترمة اللي قدمت لي القهوة وحطالي فيها حاجة وأنا اللي قلت بعدت عني بس مش معقول توصل بيها تخدرني طيب ليه.
ضحكت منال وقالت بسخرية:
- يمكن كانت هتخطفك زي ما فؤاد خطف سهر وتغتصـ.
اكفهر وجه هاني فبترت منال كلمتها واعتذرت إليه ليزفر هاني بقوة وأردف:
- رغم أنك بتترييقي بس هي دي الحقيقة أنا جيت المستشفى وأنا فايق جدًا ومشربتش أي حاجة غير القهوة اللي قدمتها وأكيد هي كانت قاصدة علشان تعمل حاجة تقدر تفرق بيني وبينك بيها.
شهقت منال وقالت:
- معقول بس دي بنت يا هاني مش ممكن تفكر تفضح نفسها كده لا مش معقول.
جذب هانى يد منال وغادر غرفته واتجاه إلى غرفة ابتسام ودفع الباب دون أن يطرقه فانتفضت ابتسام ووقفت تشعر بالخوف فازدردت لعابها وهتفت:
- مش مش تخبط يا دكتور خير في حاجة.
وقف هاني يتطلع إليها بسخرية وقال:
- جاي اعزمك على فرحي أنا ومنال يا دكتورة الأسبوع الجاي.
حدقت ابتسام بحقد وأشاحت بوجهها عنها وصاحت بحدة:
- مصمم بردوا تتجوز دي يا هاني.
رمقها هاني ساخرًا وأجابها:
- أومال كنت استنى لما تاخدي غرضك مني وتساوميني اتجوزك ولا تفضحيني يا دكتورة يا محترمة.
ارتجفت ابتسام وأردفت:
- من غير ما أساوم أنا بطلبها منك ومن خطيبتك أتجوزني يا هاني لأني بحبك وبتمنى أكون مراتك أنا قابلة أكون زوجة تانية و.
تقدمت منال فجأة من ابتسام وصفعتها بقوة وهتفت بوجهها بحدة:
- صحيح اللي اختشوا ماتو يا دكتورة، على فكرة مافيش بنت تعرض نفسها بالشكل المهين دا على واحد وأدام مراته، عارفة أنتِ صعبانة عليا أوي مفروض تقتلي نفسك على المزلة اللي بتذليها لحالك دي حرام فعلًاأانك تبقي دكتورة تعالج الناس فين دينك وأخلاقك يا أنسة فين التربية يا خسارة بجد أنك لابسة البالطو الابيض دا.
غادرت منال الغرفة مسرعة وهي ترتجف فهي تشعر بالأهانة لطريقة عرض ابتسام نفسها ولكنها اطمئنت حينما حاوطها هاني بذراعيه وقال:
- أنا هسيب المستشفى وهاشتغل فأي مكان تاني غير هنا ومش عاوزك تزعلي بس بصراحة عجبتيني مطلعتيش قطة بتخاف دا الجميل طلع وحش وبيعض كمان.
تنهدت منال وأجابته وهي تحدق بعينيه:
- لما يبقى حبيبي وجوزي فخطر لازم ابقى وحش وأكل اللي يقرب له باسناني.
ضحك هاني وقال:
- طب يلا بينا بقى من هنا بدل ما أعصابي تفلت مني وأكلك أنا.
-------------
اقترب موعد جلسة سهر وكانت حالتها تسوء يومًا بعد يوم رُغم محاولات آدم معها، إلا أنها أغلقت على نفسها ولم تعد تتحدث معه أو تتقبل منه التواجد معها في أي مكان، خاصة بعدما استعان بهاني الذي شرح له أن ما يحدث معها هو رد فعل طبيعي لما مرت به وبسبب خوضها لكل التفاصيل المؤلمة التي مرت بحياتها وعودة الذكريات مرة آخرى إليها.
وجاء اليوم المنشود فطرق آدم على غرفتها ففتحت له سهر وهي ترتدي ثياب قاتمة اللون وقد أحتلت الدوائر السوداء أسفل عينيها، فزفر آدم بضيق على تهاونها في صحتها وقال:
- عجبك شكلك كده.
ابتعدت سهر عنه وغادرت لتفاجأ بسيارة الشرطة تقف خارج منزلها بانتظارها أستدارت سهر وحدقت بوجه آدم بخوف حينها غادر آدم وحاول أن يمنع ذهابها برفقتهم ولكنها حسمت الأمر حين لاحظت حدة الضابط بتعامله وحديثه مع آدم وجلست بداخلها بصمت، فأسرع ادم بسيارته خلفها وحينما وصل إلى ساحة المحكمة وجد الجميع بانتظاره فاقترب من صفية وقال:
- بتموت نفسها يا أمي دي من ساعة ما اتكلمت مع وكيل النيابة وهي بالحالة دي لا راضية تتكلم ولا راضية تخليني حتى اقرب منها، أنا خايف عليها ومش عارف أعمل أيه معاها.
لمست صفية يده وقالت:
- أهدى أنت بس وهي لما تطمن هتلاقيها رجعت زي ما كانت والتمس لها العذر يا ابني اللي عاشته مش شوية.
لم يستطع آدم الكلام لدخول القضاة وقد استمرت المحاكمة ساعتين أحس بهم آدم كاعوام طوال، وآحس بعذاب سهر التي وقفت ترتجف داخل القفص تغمض عينيها عن وميض الكاميرات، وحين عم الهدوء فجأة القاعة سمع آدم فجأة صوت القاضي يقول:
- بموجب المادة 12، 246 من قانون العقوبات حكمت المحكمة ببراءة المتهمة سهر رشدي من التهمة المنسوبة إليها.
سجدت سهر أرضًا داخل قفصها وكذلك سجد آدم حينما أنهى القاضي حكمه ونهض مسرعًا إليها فوجد إحدى المسجونات تساعدها على النهوض فاقتربت سهر من الحاجز وهمست بضعف:
- آدم أنا عاقبت نفسي الفترة اللي فاتت وبعدت عنك علشان خرجت من البيت من غير أذنك، ولولا ربنا وقف جانبي كان ممكن أخسرك باقية عمري، وعاقبت نفسي علشان كنت أنا السبب أن فؤاد يقتل بابا بس أنا تعبت من العقاب يا آدم وعاوزاك تسامحني.
أجابها آدم بهدوء:
- بس أنا مش هسامحك يا سهر.
.وهل تبتسم لي الحياة من جديد.
-------------------------------------------------
سأتشبث بكِ ولن أسمح لأحد أن يسلبك مني مرة أخرى، سأحارب الجميع وسأقف في وجه من يأبى أن يدعنا نسعد سويًا فأنتِ سعادتي وسر حياتي..
سعادة لم يسبق أن شعر بها آدم مسبقًا أحتلت قلبه بعدما سمع من سهر أنها تحمل طفله، أحس أنه يحلق في سماء السعادة فأخذ يصيح بصوت تملائه السعادة:
- آدم عمران هيبقى أب يا ناس أنا هبقى بابا لأجمل بنوته فالدنيا أنا هبقى أب.
غمرت السعادة وجه سهر فضحكت على ملامح آدم الطفوليه، ولكن فجأة فتح الباب بغته وتعالى صوت صارم يصيح بحدة وغضب:
- أيه التهريج اللي بيحصل هنا دا أنت يا عسكري تسمح تقولي الأستاذ دا دخل هنا إزاي.
توقف آدم عن القفز حول سهر وخبت ضحكته وعقد حاجبيه وهو يرى ذلك الغاضب يقف أمامه ويحدق بهمها بغيظ فقال وقد تملكه الغضب:
- أنت اللي إزاي تدخل كده من غير ما تخبط هي دي مش اوضة مريضة ولا حضرتك متعرفش فالأصول والأدب.
صاح الضابط إسماعيل بحدة وقال:
- أنا أدخل هنا وقت ما أنا عايز وبالشكل اللي أنا عايزه، إنما تسمح تقولي أنت هنا بصفتك أيه، وفين إذن النيابة اللي دخلت بيه على المتهمة؟
رفع آدم حاجبه وجلس بجانب سهر المحدقه بخوف في وجه إسماعيل وقد انطفأت سعادتها بسبب ما قاله فقال ببرود وهو يحتضنها:
- مرات آدم محمد عمران مش متهمة وحتى لو متهمة آدم عمران مش محتاج إذن نيابة علشان يدخل على مراته، إنما سيادتك بقى اللي محتاج تأخد دورة إعادة تأهيل من جديد علشان تعرف تتعامل كويس مع الناس وتقدر تفرق بين المتهم والبريء والضحية المخطوفة، وعمومًا زمان اللواء لطيف سعدون فالطريق ونشوف رأيه أيه فالموضوع كله، ولحد ما يوصل حضرتك تتفضل تقعد برا جنب العسكري ومتدخلش هنا تاني ألا لما تستأذن.
كاد إسماعيل أن يحتد على آدم بالحديث بعدما اشتعل غضبًا من عجرفة وغرور آدم سمع صوت لطيف يقول:
- مالك يا آدم صوتك عالي ليه أنت ناسي أنك فمستشفى ولا علشان بقيت مع مراتك خلاص متراعيش اللي حواليك.
اعتدل إسماعيل أمام لطيف وقال يشكو تصرف آدم فقال:
- يا فندم الأستاذ دخل اوضة المتهمة من غير إذن نيابة ومش عجبه الكلام وعايزني أنا اللي أطلع برا.
تمدد آدم بجانب سهر ونظر إلى إسماعيل باستفزاز وابتسم بسخرية وقال:
- ما تقوله يا خالي وتفهمه إن مراتي قتلت دفاع عن النفس وكانت مخطوفة.
بهتت ملامح إسماعيل وارتجف بعدما علم صلة آدم بلطيف فنظر إلى لطيف وقال بصوت مضطرب:
- هو الأستاذ يبقى.
قاطعه لطيف وهو ينظر إلى آدم وقال:
- الأستاذ يبقى إبن اختي آدم عمران يعني قاعد ومتنك علينا بالشكل دا علشان أنا خاله.
أنهى لطيف كلماته واستدار إلى آدم وأدرف:
- يا ابني مفروض تحترم القانون دا إسماعيل ضابط مجتهد مينفعش تتعامل معاه بالشكل دا.
صمت لطيف والتفت إلى إسماعيل مرة آخرى وقال:
-معلش يا اسماعيل أنا اللي مدي أمر إن آدم يدخل من غير إذن وعمومًا كلها ساعة ووكيل النيابة يكون هنا وينتهي التحقيق.
هز إسماعيل رأسه واستأذن بالانصراف فاقترب لطيف من آدم وقال:
-مفروض أنك تحترم القانون لأن مافيش حد فوق القانون يا آدم، أنا بس علشان عارف الحالة أنت كنت فيها مرضتش أحرجك مع إسماعيل، ودلوقتي يلا يا أستاذ اتفضل برا عايز أقعد مع المدام شوية أسمع منها شوية تفاصيل.
كادت سهر أن تبكي بعدما سمعت لطيف يطلب من آدم أن يغادر فتحدثت سهر بصوت مضطرب وقالت:
-هو ينفع آدم يفضل معايا.
احتضن آدم سهر وقال:
-متخافيش أنا مش هسيبك أصلًا مهما حصل.
ووجه بصره إلى لطيف وقال:
- سيادة اللواء مقدر حالتك ومش هيخرجني مش كده يا خالي.
رفع لطيف حاجبه وابتسم وقال:
- هو مش علشانك هسيبك إنما علشان مراتك شكلها هيغمى عليها من الخوف أنا مش عارف إزاي قدرت تضحك على الطفلة دي وتتجوزها.
شدت سهر على يد آدم وهمست له وقالت:
- هو خالك ميعرفش أنا عندي كام سنة ولا أيه هو فاكرني طفلة لسه.
ضحك آدم وقبل رأسها وشعر بتوهج وجهها خجلًا وقال:
- أنتِ يا حياتي ملامحك متديش أكتر من 18 سنة.
ابتسمت سهر بحرج ولكنها عبست بسبب شعورها بالألم فقالت تحاول أن تتحمله:
- آدم أنا حسه بتعب والمسكن مفعولة بدأ يروح ينفع تخلي حد من التمريض يديني أي مسكن.
مال آدم على أذنها وهمس بصوت خفيض وقال:
- لو كنا فالبيت كنت عرفت اخليكِ متحسيش بأي ألم يا قلبي آه يانى منك مش عارف أنتِ عملتي فيا أيه.
حضرت الممرضة بعدما استدعاها آدم فابتسمت لسهر بلطف ووضعت إحدى حقن المسكن في المحلول المعلق بساعدها، وما أن غادرت حتى سمعوا طرقات على باب الغرفة وفتح الباب فظهر عدة رجال، أحست سهر بالخوف والرهبة من هيئتهم فبكت بين ذراعي آدم وقالت:
- هيدخلوني السجن يا آدم علشان قتلته صح أنا عارفة أني هدخل السجن متخليهمش يسجنوني يا آدم، وحياتي قولهم هو عمل فيا أيه زمان وو.
حدق لطيف بوجه آدم الذي اكفهر من الغضب وأصبح تنفسه السريع ملحوظ، فرحب بوكيل النيابة وتحدث معه على حدا بصوت خفيض، فقد لاحظ الجميع حالة الانهيار التي اوشكت عليها سهر فابتسم وكيل النيابه وهو يهز رأسه للطيف وقال:
- هما سؤالين وهنمشي.
وتقدم من فراش سهر وقال:
-حضرتك قلقانة ليه دي أسئلة روتينية هنقفل بيها التحقيق علشان نقفل القضية، المهم إن حضرتك تحكي لنا كل حاجة بالتفصيل.
كفكفت سهر دموعها وتمسكت بيد آدم وقالت بخوف:
- يعني أنا مش هتسجن.
ابتسم إليها وكيل النيابة وقال ليطمئنها:
- مافيش سجن ولا حاجة بس لازم تتسجل كل تفاصيل الحادث.
هزت سهر رأسها موافقة ولكنها توترت بسبب السؤال الذي سمعته من وكيل النيابة عندما سألها:
- عاوز أعرف صلتك بالمدعو فؤاد من البداية.
حدقت سهر بوجه آدم وتنهدت لتبدأ سرد تفاصيل ماضيها مع فؤاد.
------------------
اصطحب هاني منال الى أحد الكافيهات وجلس أمامها وحدق في ملامحها وهو صامت، فبادلته النظرات قليلا ثم ربتت يده وقالت:
- مالك يا هاني أنت جايبنا هنا علشان نقعد ساكتين.
ابتسم هاني واحتضن كفها وقال:
- بفكر أن لما نطمن على حالة سهر نتجوز على طول أنا شايف أن مافيش أي داعي نأخر جوازنا ولا أنتِ أيه رأيك.
احمر وجه منال وقالت بخجل:
- ما لسه بدري يا هاني أنت مستعجل ليه كده.
تلفت هاني حوله ثم ثبت عينيه على وجه منال وقال:
- بصراحة مبقتش قادر أفضل بعيد عنك اليومين اللي فاتوا واحنا مع بعض عند آدم رغم الناس اللي حوالينا بس اتعودت أني قريب منك وأنك معايا وأنا عايز أكمل الإحساس.
سحبت منال يدها من يد هاني وهمست باضطراب:
- بس يعني يا هاني أنا حاسة أني مش جاهزة أتجوز دلوقتي و.
نظر هانى إليها بدهشة وقال:
- يعني أيه حاسة أنك مش جاهزة للجواز أومال جاهزة أمته بعد سنة، أيه يا منال أنا قلت أنك عندك نفس إحساسي أننا نبقى فبيت لوحدنا.
زفرت منال بحدة وقالت:
- هانى لسه بدري لما أحس أني مستعدة وجاهزة هقولك.
حاول هاني أن يكظم غيظه وضيقه ولكنه لم يفلح فقال بحدة:
- مافيش حاجة اسمها لما تستعدي، منال هو أنتِ لسه مش متأكدة من مشاعرك ناحيتي علشان كده قلقانة.
دافعت منال عن نفسها وقالت:
- أنا مش قلقانة ومتأكدة من مشاعري بس أنا من جوايا مش مستعدة.
عقد هاني حاجبيه وقال:
- وماله أنا مش هضغط عليكِ براحتك يا منال ولما تبقي مستعدة ومرتاحة لجوازك مني أبقي بلغيني.
وقف هاني بعدما انهى حديثه وأشاح بنظره عن منال وقال:
- يلا علشان أوصلك أنا عندي شغل بدري فالمستشفى وكمان علشان هروح أطمن على عمي صالح.
----------
استيقظت هدى من نومها وجلست وهي تفرك عينيها فنظرت بجانبها ولم تجد محمود فغادرت فراشها ووأخذت قميص محمود الملقى على المقعد وارتدته وغادرت الغرفة تبحث عنه ولكنها لم تجده فهمست بتساؤل:
- راح فين دا.
عادت هدى إلى غرفتها وأخرجت هاتفها من حقيبتها واتصلت به بعد ثلاث رنات أجابها محمود وقال:
-القمر صحى من النوم.
ابتسمت هدى وقالت:
- القمر زعلان أنت خرجت أمته وأزاي تنزل من غير ما تصحيني وبعدين أنت فين أساسًا؟
ضحك محمود وأجابها:
- كل دي أسئلة عمومًا يا ستي أنا لاقيتك نايمة فمردتش اصحيكي قلت أكيد تعبانة يعني علشان كده سيبتك نايمة تبقي تصحي براحتك علشان لما أرجع نقعد سوا ولا حودة موحشكيش.
اطلقت هدى ضحكة رنانة وقالت:
- حودة على طول واحشني بس بردوا أنت فين؟
أجابها محمود:
- روحت أجيب ياسين وروحت بيت خالك جبت لك كل حاجاتك من هناك وخلاص كلها ربع ساعة وأبقى معاكِ.
شعرت هدى بالراحة لاهتمام محمود بها ولكنها تذكرت صفية فسألته باهتمام قائلة:
-احنا نسينا ماما فالمستشفى وأكيد زمانها زعلت مننا.
طمئنها محمود وقال:
- متقلقيش أنا كلمتها وفهمتها وهي قاعدة فالاوضة اللي آدم كان فيها ومستنية لما النيابة تخرج من عند سهر، هي هتطمن عليها وهتتصل بيا أروح أجيبها، المهم أنا عايز لما أرجع تحضري لنا أي حاجة ناكلها أنا مش متعود على الاكل برا البيت والأيام اللي فاتت دي كانت صعبة علينا كلنا.
أجابته هدى وقالت:
- أحلى أكل هحضره ولا عايز حاجة معينة.
كاد محمود أن ينهي المكالمة ولكنه سألها بصوت خفيض:
- هدى أنتِ لسه بتحبيني مش كده.
أحست هدى بقلق محمود واضطراب مشاعره فقالت بحب:
- أنا بحبك أكتر من الأول.
همس محمود قبل أن ينهي الاتصال:
- وأنا كمان بحبك وبحب حبك ليا.
احتضنت هدى هاتفها وقفزت بسعادة وهي تقول:
- يعني قالها بجد امبارح بيحبني مكنش بيتهيء لى ياه أخيرًا محمود حس بيا وبيحبني آه يارب أشكرك يارب أنك رجعت لي جوزي وخليته يحس بحبي، يارب قدرني أني أعوضه عن كل حاجة وأنسيه اللي فات كله.
---------------------
لم يستطع آدم فهم أحاسيسه فمنذ انتهى التحقيق مع سهر وبعدما حقنها الطبيب بمهدأ لتنام، أخذ يسير بلا هوادة في الغرفة فما قصته سهر جعله يشعر برغبة في قتل فؤاد مرة آخرى، فعذابها معه كان بلا حدود واقتحامه لغرفتها عدة مرات وتهديده لها وقتله لوالدها واغتصابها وانتهائه بخطفها يفوق مقدرة عقل كعقل سهر ليتحمله، فكيف لها بالصبر على ما مرت به وحافظها على براءتها ونقائها هكذا، أحس آدم بمسئولية كبيرة تجاه سهر فعليه أن يعوضها عما قاسته في حياتها ويعوضها ليال الوحدة والألم التي عاشتها فوصل إلى قرار أن ياخذها ليسافرا مرة آخرى، فهي أحبت منزلهم الصغير بأنقرة، قطع على آدم أفكاره سماعه طرقات على باب الغرفة فتوجه إليه وفتحه فوجد خاله أمامه فأبتعد عن الباب وسمح له بالدخول وقد لاحظ لطيف حالة آدم فقال سريعًا:
- أيه رأيك تيجي أنت ومراتك البلد وتقضي معانا أسبوع.
حدق آدم بلطيف بدهشة فقال بعدما تذكر رفضهم له ولزواج والدته من والده دون موافقة عائلتها وفرارها معه إلى لبنان:
- لا طبعا هو حضرتك فاكر أن علشان رجعت أتكلم معاك أني هنسى أنكم ساعدتم عمي يخطفني زمان، انسى يا خالي انسى أنا بس عامل أحترام أنك أخو والدتي، إنما متفتكرش للحظة أني هعتب بلدكم تاني أنتم اصلا محدش فيكم فكر فيا من بعد ما أمي اتوفت وكل واحد فيكم عاش حياته وقلتم أهو عايش مع أعمامه ورمتوني ورا ضهركم لأنكم معترفتوش بيا، وأنا دلوقتي اللي هرميكم ورا ضهري وبرا حياتي ومش هعترف بوجودكم ولو سمحت بلاش تتكلم فالموضوع دا تاني.
ارتبك لطيف وقال محاولًا تحسين صورته أمام آدم:
- بلاش تحكم على الكل بنفس الميزان وانسى يا آدم وخلينا نرجع عيلة من تاني.
هز آدم رأسه رافضًا حديث خاله وقال:
- شايف دي.
اشار آدم إلى سهر النائمة على فراشها وأكمل حديثه وقال:
- دي هي كل عيلتي وابننا هيكمل العيلة دي وولادي كلهم هيبقوا سندني وعزوتي، أنا مش محتاج لناس بتبيع لحمها علشان الفلوس يا خالي ويكفيني قلب زي مازن ويسري ولا قلب زي قلب صفية والناس اللي عرفتهم وبيحبوا سهر وبيحبوني دول عندي هما العيلة، يا خالي العيلة مش مجرد خال ولا عم ولا جد، العيلة إنتماء حضن بيجمع الكل من غير مصلحة، وكلمة حلوة طيبة وضحكة من القلب، العيلة أن لما أقع ألاقي اللي يسندني ويقومني زي ما شوفت كده فاللي حواليا، والمحبه اللي بتجمعني بينهم مش لغرض ومن غير زيف أو غش، يا خالي أنت نفسك معرفتش تحب ابنك ولا تحسسه بالعيلة فعاوزني أنا أصدق أنكم لسه باقيين عليا، بلاش نضحك على بعض أنت مجتش ووقفت معايا ألا علشان مظهرك وبس وأنا مقدر وقفتك معايا، بس مش بصفتك خالي إنما بصفتك لواء شرطة ساعدني أرجع مراتي.
شعر لطيف أنه لن يستطيع إصلاح ما فسد بين أسرته وبين آدم فابتسم وقال:
- عموما لو غيرت رأيك فأي وقت هتلاقي بيتي مفتوح لك عن أذنك، وأه قبل ما أنسى القضية أتحدد لها جلسه هي مجرد أمور شكلية ومش هيبقى فيها حكم على سهر دا دفاع عن النفس، وعلى فكرة النيابة فتحت التحقيق فقضية قتل رشدي وضمت القضيتين لبعض.
زرعت كلمات لطيف الخوف بنفس آدم فسأله بقلق:
- والجلسة أمته.
أجابه لطيف قبل أن يغادر:
- أخر الشهر يا آدم أشوف وشك بخير.
نظر آدم تجاه سهر وأحس بالقلق عليها فهو يخشى عليها من وقوفها في قفص الاتهام وسرد التفاصيل مرة آخرى على الملاء.
-------------------
مرت الأيام ببطء على منال فمنذ رفضها تعجيل زواجها من هاني وهو قلما يحدثها فجلست تنظر من نافذتها شاردة الذهن ولم تلحظ فوزية التي جلست بجانبها فربتت يدها تنبهها إليها فنظرت إليها منال بعين دامعة فابتسمت لها فوزية وقالت:
- كنتِ فهمتيه يا بنتي بدل ما أنتِ قاعدة بالحالة دي وهو زعل وفهمها أنك مش بتحبيه.
هزت منال رأسها بالنفي وقالت:
- مينفعش أقوله حاجة زي دي يا ماما أنا مقدرش أتحمل أنه يحس ناحيتنا بالشفقة، أنا عارفة أنه لو كنت قولت له كان هيشيل عني الهم بس أنا مش هقدر كفايه الحاجات اللي كل شوية يجيبها والحاجات اللي اشتراها لاخواتي.
احتضنتها فوزية وقالت:
- يا حبيبتي دا جوزك ومافيش فرق بين الراجل ومراته وبصراحة هاني دا راجل بجد، صحيح معرفتنا بيه من قريب بس طلع أرجل من عمك اللي أكل حق اليتامى وحرمهم من مالهم وقبل يشحتنا حقنا، بصي يا منال أنا عارفة أنك مش عايزة تتجوزي علشان ظروفنا خايفة هاني يقعدك من الشغل ومنلاقيش اللي نصرف منه بس أنا عايزاكِ تشيلي التفكير دا من دماغك ربنا مبينساش حد وأكيد هتفرج.
قبلت منال يد فوزية وقالت:
- أنتِ أحسن أم فالدنيا بس برودوا خليني مأجلة الجواز كمان شهرين لحد بس ما الدراسة تخلص والحمل يخف شوية من المصاريفـ كمان علشان أقدر أكمل حاجاتي أنا مش عايزة هاني يجيب لي حاجة زيادة و.
قاطعتها فوزية وقالت:
- متتخافيش هكمل لك باقي جهازك وحاجاتك كلها يومين وهقبض الجمعية خديها وهاتي كل الحاجات الناقصة وافرحي بقى وفرحينا معاكِ يا منال، خليني أحس أني نفذت وصية المرحوم والدك وسترتك فبيت جوزك زي ما كان بيتمنى ها قولتي أيه.
احتضنت منال فوزية وبكت بشدة فربتت فوزية رأسها وقالت:
- أنا هقوم أكلم هاني وأقوله يحدد الوقت اللي هو عايزه ماشي يا عروسة.
كاد هاني يجن فمنال لم تحاول مصالحته ولا السؤال عنه ألا حينما يسأل هو عنها فشعر بالضيق منها ولم يدرك وهو يقف أمام باب المشفى أن هناك أعين تراقبه بتمنى تنهدت ابتسام وهي تحدق بهاني وهمست:
- بس لو أطولك ساعة هنسيك اسمك وأنسيك اللي شاغلة بالك دي بس أعمل أيه.
لمعت عين ابتسام ورفعت حاجبها وقالت:
- وليه لا المهم أنه يبقى معايا ولو ساعة.
واسرعت إلى مكتبها واتصلت بكافيه المشفى وطلبت فنجان قهوة لها وكوب القهوة المفضل لهاني إلى مكتبها، أخذت ابتسام القهوة من العامل وأخرجت زجاجة صغيرة من جيبها ووضعت بعض القطرات في قهوة هاني وأسرعت إلى مكانه واقتربت منه وهي تبتسم بسعادة وقالت:
- أنا جبت القهوة نشربها سوا أيه رأيك.
التفت إليها هاني وقال:
- جاية فوقتها أنا دماغي هتنفجر.
ارتشف هاني القليل من قهوته ولكنه لم يكملها بسبب رنين هاتفه فوضع الكوب جانبًا ونظر إلى اسم فوزية وقال:
- عن أذنك دقيقة يا ابتسام.
مال هاني وأخذ كوب قهوته وابتعد عن ابتسام التي وقفت تتنهد بارتياح أنه سيكمل تناول القهوة ويتحقق لها ما تريد، ابتعد هاني عن سمع ابتسام وأجاب اتصال فوزية وقال:
- أزيك يا أمي عاملة أيه؟
أجابته فوزية بعتاب:
- زعلانة منك بقى كده تقعد كل دا متسألش عليا ومقموص علشان منال طلبت تأجل الفرح.
ارتبك هاني وقال:
- لا أبدًا مافيش بس كل الموضوع أن عندي شغل كتير فالمستشفى.
سألته فوزية وقالت:
- طيب أنت خلصت شغلك ولا لسه.
تنهد هاني وأنهى قهوته وقال:
- أنا لسه واصل بس ممكن تعتبريني خلصت لو محتجالي أأمريني.
أجابته فوزية قائلة:
- اصل منال فالسكة جيالك علشان تحددوا سوا ميعاد الفرح زي ما أنت عايز، وبعد كده لما تحب تتفق على حاجة تعالى واتكلم معايا مش مع منال.
أحس هاني بسعادة مفرطة بسبب حديث فوزية فقال:
- حضرتك بتتكلمي جد منال جاية و.
توقف هاني عن الحديث وهو يشعر بدوار مفاجأ فمد يده يبحث عن شيء يستند إليه ليتفاجأ بيد تمنعه من السقوط، فسقطت كوب القهوة من يده وهو ينظر لعين منال وهمس بصوت ضعيف:
- منال أنا مش.
صرخت منال طلبا للمساعدة فهرع إليها العديد من الأطباء ليحملوا هاني من بين يدا منال، تابعت ابتسام من مكانها الذي أسرعت وأختبأت به ما أن رأت منال تقترب منهم ولعنت ظهورها الذي أفسد لها كل ترتيبها وأضاع منها فرصتها وقذفت فنجان قوتها بالحائط.
جلست منال بجانب فراش هاني وهي تتعجب من حديث زمليه عن تناول هاني أحد العقارات القوية وأن نومه رد فعل من جسده، فاتصلت بفوزية وأخبرتها أنها ستبقى بجانبه في المشفى حتى يصحو بعدما أعطاه زميله حقنة لافاقته وتخفيف مفعول العقار، تملل هاني واستيقظ ينظر حوله باستغراب بعدما رأى منال تسند رأسها على حافه فراشه فنادى عليها فرفعت منال رأسها وقالت:
- صح النوم يا دكتور كده وقعت قلبي.
حك هانى رأسه وقال:
- هو حصل أيه أنا حاسس أني مش فاكر حاجة غير أني كنت بكلم والدتك وحسيت بدوخة جامدة.
عاتبته منال وقالت:
- ما أنت لازم متبقاش فاكر أي حاجة يا هاني من الحاجات اللي أنت بتاخدها، حقيقي أنا مش مصدقة أن دكتور دارس وفاهم خطر العقارات المخدرة والمنشطة ياخدها.
حدق بها هانى بدهشة وقال:
- عقار أيه ومنشط أيه على فكرة أنا مش باخد اي حاجة حتى المنوم مش باخده، أنا عايز أعرف مين اللي فهمك أني بتعاطى حاجة.
وقفت منال ونظرت له بحده وقالت:
- زميلك اللي قال بعد ما كشف عليك قال أن الحالة اللي أنت فيها رد فعل عكسي للحاجة اللي أنت أخدتها وكتر خيره أدلك حقنة تفوقك.
غادر هاني فراشه وهو يشعر بالحيرة والغضب وقال:
- صدقيني يا منال مبخدش أي حاجة أنا الحمد لله بنام طبيعي وبعدين أنا لسه شارب قهوة و.
صمت هاني فجأة ليسب بشدة وقال:
- بنت الـ.
حدقت منال به بحدة وقالت:
- أنت كمان بتشتمني يا هاني.
أسرع هاني معتذرًا وقال:
- أبدًا والله مش أنتِ دي الدكتورة المحترمة اللي قدمت لي القهوة وحطالي فيها حاجة وأنا اللي قلت بعدت عني بس مش معقول توصل بيها تخدرني طيب ليه.
ضحكت منال وقالت بسخرية:
- يمكن كانت هتخطفك زي ما فؤاد خطف سهر وتغتصـ.
اكفهر وجه هاني فبترت منال كلمتها واعتذرت إليه ليزفر هاني بقوة وأردف:
- رغم أنك بتترييقي بس هي دي الحقيقة أنا جيت المستشفى وأنا فايق جدًا ومشربتش أي حاجة غير القهوة اللي قدمتها وأكيد هي كانت قاصدة علشان تعمل حاجة تقدر تفرق بيني وبينك بيها.
شهقت منال وقالت:
- معقول بس دي بنت يا هاني مش ممكن تفكر تفضح نفسها كده لا مش معقول.
جذب هانى يد منال وغادر غرفته واتجاه إلى غرفة ابتسام ودفع الباب دون أن يطرقه فانتفضت ابتسام ووقفت تشعر بالخوف فازدردت لعابها وهتفت:
- مش مش تخبط يا دكتور خير في حاجة.
وقف هاني يتطلع إليها بسخرية وقال:
- جاي اعزمك على فرحي أنا ومنال يا دكتورة الأسبوع الجاي.
حدقت ابتسام بحقد وأشاحت بوجهها عنها وصاحت بحدة:
- مصمم بردوا تتجوز دي يا هاني.
رمقها هاني ساخرًا وأجابها:
- أومال كنت استنى لما تاخدي غرضك مني وتساوميني اتجوزك ولا تفضحيني يا دكتورة يا محترمة.
ارتجفت ابتسام وأردفت:
- من غير ما أساوم أنا بطلبها منك ومن خطيبتك أتجوزني يا هاني لأني بحبك وبتمنى أكون مراتك أنا قابلة أكون زوجة تانية و.
تقدمت منال فجأة من ابتسام وصفعتها بقوة وهتفت بوجهها بحدة:
- صحيح اللي اختشوا ماتو يا دكتورة، على فكرة مافيش بنت تعرض نفسها بالشكل المهين دا على واحد وأدام مراته، عارفة أنتِ صعبانة عليا أوي مفروض تقتلي نفسك على المزلة اللي بتذليها لحالك دي حرام فعلًاأانك تبقي دكتورة تعالج الناس فين دينك وأخلاقك يا أنسة فين التربية يا خسارة بجد أنك لابسة البالطو الابيض دا.
غادرت منال الغرفة مسرعة وهي ترتجف فهي تشعر بالأهانة لطريقة عرض ابتسام نفسها ولكنها اطمئنت حينما حاوطها هاني بذراعيه وقال:
- أنا هسيب المستشفى وهاشتغل فأي مكان تاني غير هنا ومش عاوزك تزعلي بس بصراحة عجبتيني مطلعتيش قطة بتخاف دا الجميل طلع وحش وبيعض كمان.
تنهدت منال وأجابته وهي تحدق بعينيه:
- لما يبقى حبيبي وجوزي فخطر لازم ابقى وحش وأكل اللي يقرب له باسناني.
ضحك هاني وقال:
- طب يلا بينا بقى من هنا بدل ما أعصابي تفلت مني وأكلك أنا.
-------------
اقترب موعد جلسة سهر وكانت حالتها تسوء يومًا بعد يوم رُغم محاولات آدم معها، إلا أنها أغلقت على نفسها ولم تعد تتحدث معه أو تتقبل منه التواجد معها في أي مكان، خاصة بعدما استعان بهاني الذي شرح له أن ما يحدث معها هو رد فعل طبيعي لما مرت به وبسبب خوضها لكل التفاصيل المؤلمة التي مرت بحياتها وعودة الذكريات مرة آخرى إليها.
وجاء اليوم المنشود فطرق آدم على غرفتها ففتحت له سهر وهي ترتدي ثياب قاتمة اللون وقد أحتلت الدوائر السوداء أسفل عينيها، فزفر آدم بضيق على تهاونها في صحتها وقال:
- عجبك شكلك كده.
ابتعدت سهر عنه وغادرت لتفاجأ بسيارة الشرطة تقف خارج منزلها بانتظارها أستدارت سهر وحدقت بوجه آدم بخوف حينها غادر آدم وحاول أن يمنع ذهابها برفقتهم ولكنها حسمت الأمر حين لاحظت حدة الضابط بتعامله وحديثه مع آدم وجلست بداخلها بصمت، فأسرع ادم بسيارته خلفها وحينما وصل إلى ساحة المحكمة وجد الجميع بانتظاره فاقترب من صفية وقال:
- بتموت نفسها يا أمي دي من ساعة ما اتكلمت مع وكيل النيابة وهي بالحالة دي لا راضية تتكلم ولا راضية تخليني حتى اقرب منها، أنا خايف عليها ومش عارف أعمل أيه معاها.
لمست صفية يده وقالت:
- أهدى أنت بس وهي لما تطمن هتلاقيها رجعت زي ما كانت والتمس لها العذر يا ابني اللي عاشته مش شوية.
لم يستطع آدم الكلام لدخول القضاة وقد استمرت المحاكمة ساعتين أحس بهم آدم كاعوام طوال، وآحس بعذاب سهر التي وقفت ترتجف داخل القفص تغمض عينيها عن وميض الكاميرات، وحين عم الهدوء فجأة القاعة سمع آدم فجأة صوت القاضي يقول:
- بموجب المادة 12، 246 من قانون العقوبات حكمت المحكمة ببراءة المتهمة سهر رشدي من التهمة المنسوبة إليها.
سجدت سهر أرضًا داخل قفصها وكذلك سجد آدم حينما أنهى القاضي حكمه ونهض مسرعًا إليها فوجد إحدى المسجونات تساعدها على النهوض فاقتربت سهر من الحاجز وهمست بضعف:
- آدم أنا عاقبت نفسي الفترة اللي فاتت وبعدت عنك علشان خرجت من البيت من غير أذنك، ولولا ربنا وقف جانبي كان ممكن أخسرك باقية عمري، وعاقبت نفسي علشان كنت أنا السبب أن فؤاد يقتل بابا بس أنا تعبت من العقاب يا آدم وعاوزاك تسامحني.
أجابها آدم بهدوء:
- بس أنا مش هسامحك يا سهر.
