📁 آخر الروايات

رواية بوتقة الحب الفصل السادس والعشرين 26 بقلم هدير الصعيدي

رواية بوتقة الحب الفصل السادس والعشرين 26 بقلم هدير الصعيدي


الفصل السادس والعشرين

بعض الأحاديث تكون خانقة في وصفها , تذكرها , على راويها والمستمع كذلك , ولم تكن حالته وهو يسرد لها ما حدث تفصيلًا تختلف عن حالتها
كلاهما كان يود لو يهرب من هذا الأمر , وقف أمام النافذة يوليها ظهره , بينما جلست هى على الأريكة بغرفة المكتب.

ظل عدة دقائق يوليها ظهره قبل أن تتساءل بضجر

- ألن تتحدث ؟

مرر يده في شعره ثم استدار ينظر لها قائلًا

- قبل أن أُخبركِ بأي شيء عليكِ أن تعلمي جيدًا أنني ما فعلت أي شيء يضركِ .. كل ما فعلته كان من أجلكِ ومن أجل .....

قطع حديثه فضيقت عينيها وهى تنظر لارتباك ملامحه , جلس على كرسي المكتب ثم هتف بهدوء

- يوم أخبرتيني برغبتكِ في الزواج من فادي وأنكما حددتما موعد مع عمي .. كنت أعلم أن عمي لن يوافق على الأمر ولن يُعجب بفادي ولن يرضاه كزوج لكِ .. ولا تسأليني لمَ فأنتِ تعلمين أنه شخص غير ناجح بأي شيء .. حياته لا تشبه حياتكِ ولا أعلم كيف لكِ أن تُحبي شخص كهذا .. أخبرتُكِ أنه طامع في والدكِ ولكنكِ لم تستمعي لي .. أنتِ فتاة ناجحة .. كنتِ دومًا هكذا أما هو فلا شيء .. ورفض عمي الأمر وساءت حالتكِ في تلك الفترة وجئتي تطلبي مساعدتي لكِ وإقناع عمي بالأمر فهو سيستمع لي وهو يثق بي جيدًا .. حاولت إقناعكِ بأن تُعيدي التفكير ولكن بلا جدوى

قاطعته قائلة بسخرية غاضبة

- فقررت سيادتك إجباري على ما تريده أنت

نظر لها بعتاب وغضب فأشاحت بوجهها للجهة الأخرى , أكمل بضيق

- لم أكن أثق بفادي وطلبت من أحدهم مراقبته وما وصلني أكد لي ما كنت أخشى منه .. شاب فاسد .. له علاقات مشبوهة .. عليه الكثير من الديون .. طُرد من منزله السابق بسبب عدم دفعه للإيجار .. طلبت مقابلته ووافق هو والتقينا .. كنت أود إختباره بشيء كي لا يكون لدى أدنى شك من إبعاده عنكِ .. عرضت عليه أن أدفع عنه كافة ديونه وأُحول له مبلغ كبير من المال مقابل أن يخرج من حياتكِ للأبد ويغادر مصر ولم يُخلف ظني وسال لعابه على المال ووافق في الحال .. قمت بتجهيز أوراقه وما إن تأكدت من سفره حتى قمت بتحويل الأموال التي اتفقنا عليها له ولكن بعد سفره بأشهر ضئيلة وجدته يراسلني بطريقة مُزعجة يطلب المال من جديد ويهددني ما إن توقفت عن إجابته أنه سيعود ليخبركِ بكل شيء.

كانت تستمع له بأعين امتلأت بالدموع والتي تساقط بعضها فوق وجنتيها مع أخر كلماته فهتف بجدية غاضبًا

- لا يستحق دموعكِ

تساءلت بغضب

- كيف تفعل هذا بي ؟

عقد حاجبيه قبل أن يتساءل باستنكار

- أفعل هذا بكِ !! .. أأنتِ جادة حقًا بسؤالكِ ؟!

نهضت من جلستها قائلة بغضب

- تختبره وتدفع ديونه وتُرسله للخارج وتأتي لتتزوجني وتبقيني في بحور الأوهام والخداع وتمنيني بعودته

هتف بغضب

- لم أُمنيكِ لحظة بعودته

هزت رأسها قائلة بانفعال

- أهذا كل ما يهمك حقًا ! .. كيف سمحت لنفسك أن تخطط لي حياتي .. كيف سمحت لنفسك أن تخدعني بتلك الطريقة

كان ينظر لها مصدومًا من حديثها , نهض يقترب منها ليتساءل باستنكار

- هل جننتِ فيروز ؟! .. هل كنتِ تودين مني ألا أُرسله للخارج بعد كل ما حدث

هتفت بصراخ تُجيبه

- كان عليك أن تُخبرني لأقرر أنا ما سأفعله حيال هذا الأمر .. ولكنك وضعت نفسك بمنصب المسيطر والمتحكم بي وفعلت ما أردته أنت .. أنت أردت أن تسير الأمور وفقًا لأهوائك .. أردت أن تظهر بمظهر المنقذ الطيب الذي أنقذ ابنة عمه من براثن الذئب الذي كان يود افتراسها

تساءل بصدمة

- هل حقًا تريني بتلك الصورة ؟!

تساءلت بانفعال غاضبة

- وكيف تريدني أن أراك ؟! .. كفاك خداعًا تميم .. إن كنت قد تمكنت من خداعي بالسابق فلن تخدعني الآن

أمسك بذراعها متسائلًا بقسوة

- هل أنا خدعتكِ بما فعلته فيروز ؟ .. ما الذي كنتِ تريدين مني فعله ؟! .. هل كان علىّ أن أترككِ برفقة رجل كهذا .. هل أسأت لرغبتي بحمايتكِ ؟

حررت ذراعها منه بغضب لتتساءل بانفعال

- ولمَ تحميني ؟ .. من وضعك بهذا المنصب ؟

نظر لها بغضب ولم يجيبها فتساءلت بانفعال

- أجبني هيا .. من طلب منك حمايتي ؟ .. هل طلبتها منك يومًا .. ما طلبته هو مساعدتك في إقناع والدي وليس في التفريق بيننا

أمسك بذراعها من جديد قائلًا بأعين دامعة انتبهت لها للتو

- كنت أخشى عليكِ

صرخت بوجهه متسائلة

- لمَ لمَ ؟

ترك ذراعها قائلًا باستسلام قبل أن يتركها ويخرج من الغرفة بل من الفيلا بأكملها

- لأنني أُحِبُكِ فيروز

*******

كان جالسًا على المقعد يتابع حركتهم أمامه بأعين زائغة , لا يستوعب بعد ما حدث ؛ كيف وصلت نهال لينغرس السكين بها عوضًا عن موسى , كيف لم ينتبه !

كانت قدرية تتحرك أمام غرفة العمليات بقلق , وجهها شاحب تنظر لباب الغرفة تارة وإلى منتصر تارة , أما دارين فكانت تربت فوق كتف والدها الجالس على المقعد تكاد حالته تشبه حالة منتصر لا يستوعب بعد ما فعله منتصر بزوجته أو بالأدق ما كان سيفعله بشقيقه , كان ابنه سيقتل أخاه ! , هل وصل الكره بينهما لتلك الدرجة !

أما ثويبة فكانت دموعها تتساقط فوق وجنتيها في صمت , لا تُصدق ما حدث , كلمات نهال الأخيرة وهى تحتضن رأسها بين ذراعيها , هل أذنبت بمجيئها إلى الفيلا كما كان يريد موسى , هل ما حدث لنهال هى المتسببة به , هل مجيئها دفع منتصر لتلك الفعلة !

اقترب موسى من والده , جثى أمامه ثم أمسك بيديه يحتضنهما لينظر له والده بعتاب شديد لم يفهمه ولكنه مال يقبل يديه قائلًا

- سيصبح كل شيء بخير .. لا تقلق

اختلس النظرات تجاه منتصر فوجده في حالة يرثى لها , اعتدل بوقفته لتلتقي نظراته بنظرات قدرية والتي أشاحت بوجهها عنه في غضب فلم يُعلق فالوضع لا يحتمل أي كلمة ربما ستشعل المتبقي ليصبح رماد.

خرج الطبيب من غرفة العمليات فتعلقت الأنظار به في خوف ولهفة , هرولت قدرية تجاهه متسائلة بملامح شاحبة

- هل هى بخير ؟

أومأ الطبيب برأسه قائلًا

- اطمئني هى بخير ولكن للأسف خسرنا الطفل

غطت قدرية فمها بصدمة وقد اتسعت عينيها ليهتف الطبيب بهدوء

- سأضطر لإبلاغ الشرطة فالسيدة كانت مطعونة ببطنها وهذا السبب الرئيسي لوفاة الطفل

نظرت له قدرية بتوتر لتنظر تجاه منتصر الذي كانت عينيه معلقة بالطبيب , ربت موسى فوق كتف الطبيب قائلًا بهدوء

- لا داعي للشرطة .. الأمر بأكمله كان حادثًا

هز الطبيب رأسه قائلًا بهدوء

- أعتذر منكم ولكن علي إبلاغهم في كافة الأحوال

أنهى حديثه وتركهم فنظرت قدرية لصالح الذي نكس رأسه قائلة بخوف

- افعل شيئًا صالح

لم يعلق صالح وظل مُنكسًا رأسه فنظرت تجاه منتصر الذي نهض مبتعدًا عنهم , هتفت باسمه ولكنه لم يجيبها , خرج من المشفى وحديث نهال السابق يتردد في أذنيه بلا توقف

" هل تريد أن تُطلقني ؟ .. هل تتمنى موتي ؟.. إن كنت تود تطليقي فرجاءً انتظر حتى ألد .. هل تستعجل إلى تلك الدرجة منتصر .. هل تبغض تواجدي برفقتك حقًا ؟ "

..

هاتفته قدرية فوق العشر مرات فخشى أن يكون قد حدث مكروه فعاود أدراجه للمشفى ليجدها واقفة في انتظاره على باب المشفى , نظرت له قائلة بغضب

- ما تلك الحالة ؟ .. قف بجانب زوجتكِ التي كنت ستتسبب في موتها .. قف وكن قويًا ولا تضعف هكذا

نظر لها منتصر بضيق ثم هتف قبل أن يتركها ويدلف للمشفى

- أنتِ السبب بكل ما حدث

نظرت في أثره بأعين متسعة غاضبة , أما هو فوصل حيث غرفة نهال حيث سأل الممرضة بطريقه عنها , طرق الباب ودلف ليجد دارين تجاورها بالفراش تربت على يدها بحنان , أما نهال فكانت تنظر لسقف الغرفة , دموعها تتساقط ببطء , لم تنتبه لدخوله فاقترب من دارين التي كانت تنظر له بشفقة رغم الغضب المرتسم على ملامحها ؛ كانت مشاعرها متضاربة نحوه.

ابتلع ريقه متسائلًا بتردد

- كيف حالها ؟

هزت رأسها قائلة وهى تنظر لها بحزن

- تبكي بلا توقف منذ أفاقت وعملت بأمر الطفل

نظر تجاه نهال التي تحركت عينيها لتلقي بعينيه لحظات قبل أن تعاود التطلع للسقف مجددًا , تساءلت دارين بتردد

- هل تود الجلوس معها بمفردك ؟

أومأ برأسه إيجابًا لتنهض دارين قائلة بهمس

- لا تفعل شيئًا منتصر .. لا شجار ولا أي شيء

أومأ برأسه في هدوء لتنظر تجاه نهال ثم خرجت مُغلقة الباب خلفها , جلس منتصر بجانب نهال , اقترب بيده في تردد من يدها , وفور تلامس أيديهما أبعدت يدها عنه تنظر له بعينيها ودموعها تتساقط كما هى فهتف بحزن

- أنا آسف

ظلت نظراتها معلقة بنظراته وطال صمتهما لتتساءل نهال بجمود

- تعتذر عن أي شيء منتصر ؟!

ابتلع منتصر ريقه ولم يجيبها ؛ هو لا يعلم ما عليه حقًا الإعتذار عنه ؛ هل يعتذر منها على الطعنة أم الحديث الذي تفوه به قبلها , أم عن قسوته , أم عن إهانته لها منذ عادت ثويبة أمامه من جديد , أي شيء تحديدًا يعتذر عنه.

هتفت بجمود

- اعتقدتُ أنني سأفتح عيني لأجدك أمامي ولكنني لم أجدك كما كنت دومًا

ظهر الألم على ملامحه فأكملت بقسوة

- لا تقلق سأخبر الشرطة أنه حادث .. لن أخبرهم عنك شيئًا إن كنت أجبرت نفسك بالمجئ إلي لتطلب مني هذا

نكس رأسه فحديثها كالسهام تنطلق نحوه لتنغرس بجسده بقوة , رفع رأسه ينظر لها برجاء أن تكف فهتفت بنفس الجمود رغم تساقط دموعها الذي لم يتوقف

- لقد رجوتك أن تنتظر حتى ألد .. والآن لم يعد هناك طفلًا ننتظر لأجله .. طلقني منتصر

*******

أن تُحمل نفسك ذنب ما حدث لشخص آخر مؤلم , بل هو أشد إيلامًا حينما تُراجع كل الذكريات وتجد أنك آلمته كثيرًا دون قصد منك , كانت تظن نفسها المجني عليها ولكنها فجأة باتت ترى نفسها في وضع الجاني.

كيف ستسامح نفسها على ما حدث , كيف ستحيا براحة وهدوء وهى دمرت وإن كان دون قصد منها حياة أخرى !

مسحت دموعها التي انهمرت على وجنتيها ما إن انتبهت لموسى الذي اقترب منها قائلًا

- هيا كي نعود للفيلا

هتفت بهدوء

- سأعود لمنزلي موسى

عقد حاجبيه متسائلًا باستغراب

- ولمَ ؟
أخذت نفسًا عميقًا ونظرت له قائلة بحزن

- لأن هذا ما كان بالسابق وحياة الجميع كانت هادئة حينها .. وانقلب كل شيء ما إن وطأت بقدمي الفيلا

هز رأسه استنكارًا لحديثها ليتساءل وقد انتبه للدموع بعينيها

- لذلك كنتِ تبكين ؟

تساقطت دموعها من جديد رغمًا عنها ليهتف بجدية

- لا أريد سماع هذا الحديث مجددًا .. أنتِ لم تفعلي شيئًا

هتفت ببكاء

- بلى فعلت .. كان الجميع يعيش بسلام .. انظر ماذا حدث لنهال بسببي

نظر لها بصدمة قبل أن يهتف باستنكار

- لا أصدق كيف تفكرين ثويبة ! .. هل ما حدث لنهال بسببكِ .. أم بسبب منتصر وزوجة أبي .. ثم أي سلام ذلك الذي كان يحيا به الجميع .. كفاكِ تفكير بمن حولكِ وإهمال نفسكِ .. وأنت وسط هذا السلام كيف كنتِ تحيين ؟!

نظرت له ولم تجيب فهتف بجدية وقد بدا غاضبًا

- أحتاج إجابة على سؤالي

أشاحت بوجهها للجهة الأخرى ليهتف وهو يشدد على حروفه

- أحتاج إجابة

نظرت له قائلة وهى تمسح دموعها

- كنت أحيا وسط فوضى كبيرة ولكني لم أؤذي أحد

هتف بجدية

- أنتِ مازلتِ لم تؤذي أحد ثويبة .. لازلت كما أنتِ .. لا تحملين نفسكِ أخطاء الآخرين .. لم يسأل عنكِ شخص وأنت الآن من تسألين عن الجميع

بدا الضيق على وجهها لتتساءل

- هل تعايرني بأنه لا يسأل عني أحد .. أخبرني أيضًا أنك من ساندتني فقط .. هيا

أغمض عينيه واستغفر ربه ثم فتحهما قائلًا بهدوء محاولًا تمالك أعصابه

- هيا ثويبة لأنني على ما يبدو دقائق وسأرتكب جريمة

اتسعت عينيها ليهتف بجدية

- ثويبة هيا

سارت أمامه بخطوات غاضبة فلحق بها , وقفت أمام السيارة وعقدت ساعديها فنظر لها باستغراب متسائلًا

- هيا اركبي السيارة

هتفت باستنكار

- هل سأركب معك وحدي !

هتف بتهكم

- لن آكلكِ ثويبة

هتفت بجدية

- لا يجوز هذا .. أين دارين ؟

جز على أسنانه متسائلًا باستياء

- هل كلما ذهبنا بالسيارة سنبحث عن دارين ؟

نظرت له ولم تعلق فهتف برجاء

- هيا ثويبة .. لا ترهقيني أكثر

هتفت بجدية

- لن أركب معك وحدي

مرر يده في شعره ونظر حوله ثم تساءل بغضب

- ماذا نفعل الآن ؟

لم تُجيبه فاستغفر ربه ثم تساءل باهتمام

- هل تستطيعي القيادة ؟

هزت رأسها يمنة ويسارًا فجز على أسنانه لتهتف بهدوء

- سأسير حتى الفيلا .. المسافة ليست بعيدة

نظر لها بضيق متسائلًا

- وأنا سأترككِ تسيرين وحدكِ بالليل حتى الفيلا ؟!

هتفت بهدوء وهى تبتعد عنه بخطواتها

- اتبعني بالسيارة إذن

نظر لها بذهول غاضبًا وهى تخطو بالفعل وتتركه فضم قبضته ثم استقل السيارة ولحق بها وهو يتمتم غاضبًا

******

أحيانًا ننتظر أن يُشير لنا أحدهم على مواطن الجمال المدفونة بداخلنا , والتي ربما لم نكن نراها أو ننتبه لها يومًا , وهو فعل ذلك فباتت نظرتها لنفسها مُختلفة , باتت تستيقظ بوجه مُشرق وطاقة كبيرة , توقفت عن استخدام أدوات الزينة بالشارع , حتى المنزل إن وضعت فالقليل جدًا من باب التجديد فقط.

باتت تنظر لملامحها بأعين مختلفة تمامًا عن سابقتها , وكأن ملامحها تبدلت لملامح امرأة أخرى , ترى جمالها بعينيه هو , وما زادها حديثه سوى حبًا له فوق حبها المتغلغل بأعماق قلبها , تمنت ودعت أن يُحبها يومًا كما تُحبه ولكنها لن تستعجل فيكفيها ما يحدث الآن فلم تكن تتوقع ذلك يومًا.

لقد اتفقا سويًا على تخصيص يوم بالأسبوع لقضاءه بالكامل برفقة هيام , أما زين فيمر خلال ذهابه للعمل لرؤيتها وبعودته أيضًا وهى متى سنحت لها الفرصة تهاتفها لتطمئن على أحوالها.

تحمد الله كل يوم على ما هى به , وعلى وجودها وسط عائلة حُرمت منها طيلة عمرها فعوضها الله عوض كبير لم تكن تحلم يومًا به.

ما إن تُفكر بما حدث حتى ترى جميل تدبير الله لها , من بداية إصابتها بالسرطان وشفاءها ليعود لها من جديد وتشفى فتَهِب جزء من وقتها لمساعدة من هم مثلها فتلتقي بمنال والتي تُخبرها عن زين وتلتقي بزين بعد وفاتها ويعلم بالحقيقة فيتركها ولكن يُعيده الله إليها لتحيا برفقته علاقة طبيعية لا قلق ولا خوف بها.

كم كان الله رحيمًا بها , ما ظنته شرًا كان خيرًا كبيرًا ولكنها لا تعلم , فالله من يُدبر لنا أمورنا , وهو وحده العالم بما فيه الخير لنا.

فقط علينا التسليم لله فما أجمل أن تُسلم أمورك كلها لله وأنت واثق أنه لن يحدث ما يضرك فكل ما قد نظنه بجهلنا شرًا يُخبئ خلفه خيرات كثيرة لا نراها بلحظتها.

ابتسمت وهى ترى زين يدلف حاملًا بيده كعكة صغيرة مغروس بمنتصفها شمعة , اقترب منها مبتسمًا ليهتف بمشاكسة

- آثرت وضع شمعة واحدة فأنا أعلم أن النساء تبغض الاعتراف بأعمارهن

ابتسمت قائلة

- جيد ما فعلت

وضع الكعكة على الطاولة الصغيرة أمامها ثم هتف بابتسامة بعد أن قبل جبينها

- كل عام وأنتِ بخير مزاهر

ابتسمت قائلة وقد أدمعت عينيها

- لم احتفل بيوم ميلادي منذ فترة طويلة للغاية .. فلم يكن هناك من أحتفل معه

قرص زين وجنتها قائلًا بمشاكسة

- أنتن النساء هكذا تعشق النكد في أحلى الأوقات وأبهجها

اتسعت عينيها متسائلة باستنكار

- نحن ؟!

ابتسم قائلًا

- أمازحكِ .. وليكن بعلمكِ أننا سنحتفل بيوم ميلادكِ دومًا إن شاء الله تعالى

أمسكت بيده قائلة بصدق

- شكرًا لك زين على كل شيء

******

كيف فعل هذا ؟ , كيف أتته الجرأة ليفعل , بل أين ضميره حينها وهو يُخطط كي يدمر عائلة لم تفعل شيئًا سوى أنها احتضنته بصغره , أغار منها لأجل أن والدها أحبها , وما الغريب في حبه لابنته , أيأثم الأب على حبه لابنته , لقد فعل عمه الكثير له ولكنه غض بصره عن ذلك وظل فقط ينظر إلى ما يفعله لابنته , حتى نما الشر بداخله وبات شيطانًا في هيئة بشر , والآن يجني ثمار فعلته التي لم يحب أن تكون نتيجتها بتلك الصورة , لم يكن مقصده هذا !

نظر حوله بذهول , ماذا يفعل هؤلاء , لمَ تتشح النساء من حوله بالسواد , لمَ تبكي زوجة عمه بتلك الطريقة , بل أين عمه !

لمَ يجلس عمه منكسًا رأسه تتساقط دموعه بلا توقف , عاود التطلع للناس من حوله ليلمحها تقف أمامه بفستانها الأبيض تبتسم وتشير له بيدها أن يلحق بها فسار خلفها كالمسحور غير عابئًا بنظرات الناس من حوله , ظل يسير خلفها إلى أن دلفت داخل الجراج الخاص بالفيلا فلحق بها , بحث عنها بعينيه ولكنه لم يجدها فخرج يبحث عنها بالخارج , عاد حيث يقف الناس يبحث عنها بجنون وسط نظرات الشفقة والحزن , دلف حيث تجلس النساء يبحث عنها ليقترب من ناهد متسائلًا بجنون

- أين دليلة ؟

بكت ناهد ولم تجيبه لتقترب منه إحدى السيدات قائلة بحزن

- اهدأ بني .. لا تفعل ذلك

نظر حوله يبحث عنها قائلًا

- لقد كانت هنا .. أقسم بالله كانت واقفة قبل قليل أمامي وأشارت لي كي ألحق بها

ظلت ناهد تبكي وهى تهتف باسم دليلة لتهتف إحدى السيدات

- مزمل أنت من عليك مساندة ناهد ورشدي .. أفق مما أنت واقع به .. لم يعد لديهما أحد بعد موت دليلة

نظر لها مزمل بغضب ليهتف بانفعال

- اصمتي .. دليلة لم تمت .. لقد كانت هنا قبل قليل وسأجدها لأثبت للجميع أنها لم تتركني

زادت نظرات الشفقة الموجهة إليه فخرج غاضبًا من نظراتهن , لمحها تقترب منه فهرول تجاهه يسألها

- هل رأيتِ دليلة ؟

عقدت حاجبيها وفهمت ما يعانيه فهتفت بحزن

- البقاء لله مزمل .. كنت أعلم أنها مريضة و........

قاطعها مزمل غاضبًا

- أنتِ أيضًا تفعلين مثلهم كلثم

نظرت لحالته بشفقة وحزن لتهتف بهدوء

- لا يجب عليك ترك المعزيين .. أين أستاذ رشدي ؟

لم يجيبها وظل يدور بعينيه يبحث عن دليلة لتهتف بحزن

- هيا مزمل قف بجانب أستاذ رشدي .. ودليلة إن كانت هنا ستأتي إليك من جديد .. لن تتركك إن شاء الله

نظر لها وكأنه طفل تعلق بوعد من أمه أنها ستبتاع له الحلوى ما إن يكون مُطيعًا , سار بجانبها حتى وصلا لرشدي , مالت قليلًا تُحدثه ببضع كلمات فهز رأسه بحزن لتنظر له بشفقة , دلفت للداخل حيث تجلس النسوة , جلست على أقرب مقعد قابلها لتتسع عينيها بعد عدة دقائق وهى تجد آخر من توقعت رؤيته , التقت نظراتهما فلم تُشيح كلثم بوجهها عنها بل ظلت تنظر لها مما أربكها , جلست بجانبها تفرد ظهرها قائلة محاولة إخفاء ارتباكها وتوترها

- لم أتوقع رؤيتكِ هنا

لم تُجيبها كلثم فنظرت لها زينة متسائلة

- كيف حالكِ كلثم ؟

لم تجيبها أيضًا فشعرت بالغضب منها لتهتف بانفعال حاولت قدر استطاعتها أن تُخفيه

- لن تتنازلي عن كِبركِ أبدًا .. ستظلين هكذا حتى موتكِ

لم تجيبها كلثم وكأنها لا تسمعها فنهضت زينة بغضب وتوجهت لمقعد بعيد عنها فلم تنظر تجاهها كلثم ولم تُعيرها انتباهًا , مرت دقائق أخرى فنهضت كلثم تنوي الرحيل , خرجت بهدوء وبحثت بعينيها عن مزمل حتى وجدته يجاور رشدي , توجهت إليهما , قامت بتعزيتهما مجددًا ثم غادرت غير منتبهة لتلك الأعين التي اتسعت دهشةً لرؤيتها , ولم تكتفي بالنظر لها فقط , بل لحقت بها دون أن تنتبه حتى علمت بمحل إقامتها الحالية وقد بات معلومًا الآن أين تقطن منذ رحيلها.

..................

يتبع


تعليقات