رواية اصداء القلوب الفصل السادس والعشرين 26 بقلم سهي الشريف
26 | مـالا نبُـوح بِـه
"والله لو علموا قبـيح سـريرتي
لأبـى الســلام عليَّ من يلقـاني
2
ولأعرضوا عني وملّوا صـحبتي
ولبـؤت بــعـد كـرامـة بــهـوانِ
+
لـكن ستـرت معايبي ومثالبي
وحلمتَ عن سقطي وعن طغيـاني
+
فـلـك المحـامد والمـدائح كلها
بخـواطـري وجـوارحي ولسـاني"
+
― نونية القحطاني.
+
_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات.
+
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_السادس_والعشرون
#سهى_الشريف
+
_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .
+
« قراءة مُمتعة »
1
الفصل إهداء لقارئتي الجميلة( ghana ahmed ) أعوام عديدة وإنتِ بخير وصحة.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
تضُم " ميار " قبضتها اليُمنى ، وتميل بخدها الأيمن عليه في شرود أمام التلفاز الذي كان بصوتٍ مُنخفض ، لأن في تلك اللحظة ؛ صوت أفكارها كان عاليًا عن أي ضجيج حولها .
+
كانت هناك بسمة تلمع في مُقلتيها الكهرمانيتيّن تؤاز شبح الابتسامة على طرف ثغرها برقة ،ولن ننسى توّرد وجنتيها بخجلٍ طفيف.
1
تنهدت بعُمق تتذكر تفاصيل لقائهم الآخير بذهنٍ مُدقق لكل نظرة ، كلمة ، تفصيلة ضمتها تلك اللحظة ، بل وأخذ عقلها يغوص في خيالاتٍ لا نهائيه جميعها كانت تنتهي بنهاياتٍ وردية مُبهجة ، صنعها عقلٌ خصب وقلبٌ عفيف .
+
لقد تحدّث الشاعرون وسطروا في آلافِ الكلمات عن قرب الحبيب وكماله، لكنهم تعبثروا حين حاولوا وصف ذلك اللقاء...
+
لأن لحظة اللقاء لا تُكتب ولا تنصاع لحبرٍ أو بيان، بل هي ارتجافةٌ صامتة تفضح عجز اللغة، وتكشف أن القلب وحده هو من يعرف كيف يُخبر عن عشقٍ لم تسطره دواوين العاشقين ولا أشعارهم .
2
ولكن الذي بدأ يُنسج بينهم أكبر من قصائدهم، وأفصح من لغتهم، وأوسع من أن تضمه الحروف.
+
كان كل شىء ربيعًا خصبًا في عقلها ، بالإضافة إلى أنه كان بارعًا في تضخيم الأمر بداخلها ، بل والتلاعب على أوتارها الحساسة التي لم يطرقها دخيلًا قط .
+
فما حيلةُ عذراء القلب أمام الهوىٰ ،
سوى أن تسقط صريعًا دون أن تدرك ما جرى ؟
تهيم على وجهك يا مسكين لا تدري أين الوجهة و أين المرسى ٰ ...
+
لكن مهلًا.. حبيب !
أ اصبحت تُلقبه بالحبيب! أليس ذلك لُقبًا مُقتبسًا في شرعها لمن طلب الوِداد حلالًا فقط !
+
أبعترافٍ بسيط أرتقى لتلك المنزلة دون دعمها بأفعال تُساند أقواله ..
أباتت تُصدق تلك التُرهات !
+
نعم تلك فقط تُرهات الحُب الوهمي ..
كلمات شاعرية تصف مدى سرمدية حُبه لكن ماذا ستجني إذا تتبعت كل ذلك ؟!
+
الألم ، الخُذلان ربما .. لكن وقبل ذلك هي تخون قسمًا قطعته لربها ؛ أن لا يدخل أحدٌ قلبها بطريقٍ لا يرضى عنهُ الله .
1
فـ نعم ، هو مجرد مُحبٍ أفصح عن حبه ، لكن هذا لن يؤثر عليها بشىء ، فإن كان جادًا نحو خطواته الحلال فـ لُثبت إذن استحقاقيته .
+
لم يقطع انسلاخ العقل والجوارح عن الواقع سوى حركة آتت من جانبها ، وقد كان " نور " يقف بجانبها وآتى صوته بعيدًا ثم بدأ في الوضوح قائلًا :
1
- مفيش حد في البيت ، ممكن تسأليني في الجزء دا ؟
+
رفعت " ميار " رأسها عن قبضتها وطالعت فيه لوهلة متعبة ، لـ تجده يُمسك المُصحف يناوله لها ، فمسحت على وجهها سريعًا واعتدلت في جلستها و امسكت المُصحف دون النبس بكلمة ، و آخذت لحظات تتدارك نفسها ، استعاذت من الشيطان وأخذت تطرح عليه أسألة متفرقة حتى أنهى الجزء الذي طُلب منها ، ثم أغلقت المصحف وناولته له و هتفت بجفاء :
7
- تمام .
+
تناول " نور " من المصحف برفق ، ورمقها بنظرة يائسة وقال :
+
- تمام بس ؟! مفيش حاجة تانية ؟
1
- حاجة تانية زي إيه ؟
+
أجابت بها " ميار " بهدوء ، فتحدث الآخر برجاء :
+
- يا ميار فكي شوية وقوليها بقا .
1
بللت ريقها ، وتنهدت بخفة ثم أردفت دون النظر له :
+
- بارك الله فيك ونفعك بما علمك ، و زادك علمًا و حلمًا ونورًا في القلب يشع به الوجه .
4
اتسعت اسارير " نور " بهجةً و أردف :
+
- بحب الدعوة دي أوي .
+
أومأت برأسها بخفة ولم تُجيب ، ليتنحنح في حديثه ويرسم الجدية قائلًا بتودد :
+
- إنتِ تعرفي إن من حقوق الأخوة إن لو حصل ما بينا زعل وزعلنا من بعض المفروض الهجر لا يزيد عن ثلاث ليالي ؟! يعني ماشي عشان النفوس أحيانًا و متضايقين وبتاع فمش قادرين نكلم بعض يوم يومين وخلاص كفاية واحد فينا لازم يكلم الثاني.
+
تنهدت بخفة ثم تابع باهتمام:
+
- فأنا بقولك خلاص يا ميار مش كده يعني مش هينفع نهجر بعض أكثر من ثلاث ليالي ، ودا فيه نهي عن كده أصلًا ، لما الرسول صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فيلتقيان فيُعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ، فحقك عليا أنا بتأسف من ناحيتي .
2
رفعت " ميار " عيناها له و أجابت بعتاب :
+
- ماشي يا نور بس إنت عارف إني مش بحب الأسلوب دا .
7
- بس إنتِ عرفاني يا ميار ، انتو الناس إلي بيشوفوا شخصيتي الحقيقة بكل طباعها ودايمًا مستحمليني ، وانا مقصدش أزعلك بس كنت مقريف شوية ، وهو كلام يعني .
اعتدلت " ميار " في جلستها أمامها وأردفت مدافعه :
+
- ما هو عشان عرفاك زعلي منك هيبقى كبير ، والكلمة إلي مستقل بيها ممكن تفرحنا أو تكسر بخاطرنا ، فالكلام مهما كان ليه تأثير برضو ومش هعديلك عشانه كلام.
+
مسح " نور " رقبته بتوتر و أجاب بخجل :
+
- أنا مش عارف مفروض اقول ايه بس أنا آسف بجد ، متزعليش مني ، هاخد بالي .
1
- خلاص حصل خير .. محصلش حاجة.
+
نبست بها "ميار" وهي تُخفي ابتسامة ماكرة على زاوية شفتيها، ثم التفتت إلى "نور" مجددًا، واتسعت ابتسامتها العبثية وسألته :
+
- قولي بقا .. إنت تعرف آسر دا ! كويس ؟
2
تهجم وجه " نور " و تعجب:
+
- بتسألي عليه ليه!
+
لم تفقد خفتها المعتادة، بل زادت ابتسامتها شغبًا وأردفت بتسلية:
+
- هنغير ولا إيه ؟ بسأل اشوف الراجل كويس ولا لأ ما أنا مش هقعد معاكم طول العمر ..
+
رفع "نور" حاجبيه باستنكار ساخر، وقال بابتسامة جانبية:
+
- ما شاء الله وكمان بتخططي لقدام ! دا مين إلي إداكي الإذن تفكري بكده ؟
1
تظاهرت "ميار" بالغضب المصطنع، وردّت وهي ترفع يدها بتمثيل درامي:
+
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. مين يعني؟ أنت يخويا ، مش رحت قلتلي كل حاجة كده دبش في وشي ، سيبني افكر في مستقبلي بقا .
+
عض " نور " على شفتيه بغيظ و أردف بصيغة مرحة :
+
- كانت لحظة زرقا على دماغي ودماغك ، بطلي تجيبي في سيرة الموضوع المستفز دا !! بطلي استفزاز فيا !
+
لم تستطع الآخرى منع نفسها في الانفجار ضاحكة بصوت عالٍ على مظهره المتوتر، بينما هو رمقها بضيق مصطنع وهتف ساخرًا:
+
- بتضحكي على إيه !! بتضحكي على إيه يا باردة ؟!
+
تحدثت " ميار" من بين ضحكاتها باستنكار:
+
- أنا باردة برضو ! امشي روح شوف كليتك كنت مريحني ، على الأقل هاخد راحتي .
2
شعرت بعد أن قالت قولها بوصول " نور " لذروته فأخذت تركض نحو غرفتها وضحكاتها المرحة ترن بين جدران المنزل ، وهو يتبعها بغضب مزيف وروح مرحة:
+
- شوف البت ! تاخدي راحتك فين تعالي هنا .. بت.. بت!!
+
أغلقت "ميار" باب غرفتها بسرعة، تختبئ من تمثيليته الغاضبة، وسمعت صوت طرقاته الثقيلة، يتبعها صوته الهاتف بنبرة ساخرة:
+
- افتحي وأنا هتعامل بكل إحساس وطيبة .
+
- إنت كداب يا نور ، لسه مدياك محاضرة في الأخلاق بس معملتش بيهم حاجة .
+
- ما افتحي وأنا هوريكي أخلاقي .
+
كتمت ضحكاتها بصعوبة و هتفت :
+
- مش هيحصل ، أنا عارفة هتعجني ..
+
وصل لها صوت كلماته المُتهكمة التي لم تخلو من الفكاهة والعبث :
+
- ليه بس الظلم كده ! دا العجن أقل واجب ، بطلي استفزاز فيا بقا ومتجبيش الموضوع دا قدامي تاني ولو بالغلط.
+
مسحت " ميار" عن وجهها تهدئ من روع ضحكاتها ، وأردفت :
+
- محسسني هعيشلك طول العمر يعني ! منا هتجوز برضو في الآخر ..
+
- هسيبك تفرحي بالفستان والهيصة واجيبك معايا آخر السهرة تاني .
2
- بس أنا عاوزه أروح معاه .
+
نبست بها " ميار" فورّا بدفاع لكنها لم تستقبل أي رد فعل ، صمت " نور " وصمتت هي الآخرى واجفل قلبها لصمته المفاجىء ،فنبست بإسمه بترقُب :
2
- نور ؟!
+
- نور لو بتخوفني عشان افتح مش هعمل كده .
2
لم يصل لها أي إجابة ، فتلاشت ابتسامتها وهتفت بقلق:
+
- يـا نور !!
+
وأخيرًا جاء صوته من خلف الباب ،كان هادئًا، عميقًا، يختزن غصة حاول أن يُخفيها، لكنه لم يُفلح، فتحدث بإحساسٍ صافٍ صادق :
+
- ماشي ... بس افتكري إني بحبك أكتر منه .
6
تأوهت "ميار" بخفة، واختنقت كلماتها في صدرها، تراخت ملامحها بتأثر، وارتجف قلبها للحظةٍ لم تتوقعها...
+
الأخ الذي يُحب لا يُنافس،
هو فقط ينتظر أن تكوني بخير،
بخير أكثر منه ..
حتى لو لم تعودي إليه.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
فور أن نبس " آسر " بكلماته التي سقطت كـ قنبلة على " خالد " الذي تبعثر في مكانه ، يحاول معرفة ماذا يجري بالتحديد ساد بعد ذلك صمت ثقيل للحظات، لم يسمع خلاله "آسر" سوى صوت أنفاسه المتسارعة ، رغم ثبات ظاهره لكن كان أخذ القلق به مأخذًا ليس بهينًا ..
+
أعني ؛ ليس فقط لإنه خائف على حياته ، لكن هذا يُعد اختراق آمني ، أو تسللل .. أو خيانة ، كلها أمور تشير على تدبير مُنظم لكل حركة .
+
بربهم ! ماذا يُريدون هؤلاء العصابة منه لـ ألا يدخروا جُهدًا في استخدام أساليب عالية !
+
ألتفت " آسر " بنظرة جانبية يُبصر الرجلين اللذين لم يتحركا خطوة واحدة، فقط يراقبانه بثبات مريب، وكأنهما في مهمة واضحة المعالم.
1
في تلك الأثناء جاء صوت "خالد" من الهاتف مشدودًا، وبه نبرة تأهب:
+
- آسر... أنا حددت موقعك ، متتحركش أنا هابعتلك عربية فورًا، بس رد عليا... الرجالة دول شكلهم إيه؟
+
رد "آسر" وهو لا يزال يراقب من طرف عينه:
+
- لابسين زي رسمي بس مفيش بادجات واضحة، واقفين بعيد بس ناحيتي على طول...
+
رفع "آسر" يده يضغط على طرف عكازه ليقاوم الرجفة التي بدأت في مفاصله ، لم يكن الخوف هو ما يُقلقه فقط... بل ذلك الإحساس الطاغي بأن هذا ليس مجرد مراقبة بسيطة بل رسالة مُرسلة بعناية، ملفوفة بهدوء مُرعب.
+
أغلق " خالد " الهاتف بينما أخفض " آسر " الهاتف عن أذنه و أطرق برأسه أرضًا بتفكير ، كل السيناريوهات كانت محتملة أمامه ، لكنه لا يعلم من أين جاءته تلك القوة التي قبض بها على عكازه قهرًا!
+
مرت عدت لحظات آخرى حاول " آسر " التصرف بطبيعيه حتى رن هاتفه مُجددًا فأجاب سريعًا ، فجاءه صوت "خالد" مجددًا أكثر هدوءًا لكنّه مريب:
+
- آسر... رجالة انسحبوا بعد ما جالهم اتصال قال لهم إن في تبديل طارئ... بس أنا ما أديتش أي أوامر ، والرقم اللي كلّمهم مش تابع لينا.
+
رمش "آسر" ببطء كأنه لم يفهم، ثم نطق بصوت أجش:
+
- يعني إيه؟ يعني حد انتحل صفتك؟
+
- غالبًا... وغالبًا أكتر، كان حد عارف كل التفاصيل.
4
ظل "آسر " صامتًا للحظة، ثم تمتم لنفسه دون أن يشعر:
+
- عز وعصابته ... لازم يكونوا ورا ده .
+
قطع "خالد" تفكيره بصوته الحاسم:
+
- هنتصرف، متقلقش... الأمن المركزي في الطريق، وكل الكاميرات هتتراجع، بس خليك في المكان.
+
نظر "آسر " إلى الرجلين من جديد، لكن المفاجأة... أنهما لم يعودا واقفين هناك !
اختفيا في لمح البصر، كأن الأرض ابتلعتهما.
+
- خالد... مشيوا.
1
- إزاي؟!
+
- معرفش... كانوا هنا من دقيقة، واختفوا.
+
- على العموم العربية دقيقتين وتكون عندك خليك تحت الكاميرات .
+
أغلق " خالد " الخط بعدها ، فخرج سائق سيارة " آسر " يستفسر بتحفُز :
+
- في حاجة يا بيه ؟
+
- روح إنت يا سمير .
+
أومأ السائق و اتجه نحو السيارة ثم تحرك بعيدًا ، ولم تمُر دقيقة حتى وجد سيارة سوداء مُصفحة تتوقع أمامه ، وكانت تحمل شارة الأمن الوطني ونسر الجمهورية الذهبي ،تليه انخفاض الزجاج القاتم ليظهر رجل بزيّ عسكري وهتف بحزم:
+
- أستاذ آسر .. أوامر من الرائد خالد ، أتفضل معانا .
2
أومأ " آسر " برأسه ببطء ودلف للسيارة ثم تحركت بعد ذلك .
+
جلس " آسر " في السيارة يحاول الاسترخاء والتفكير بتريُث في القادم ، فدفع جسده للأمام قليلًا وسأل الظابط الذي نداه والذي استقر في المقعد الأمام بجانب السائق :
+
- هو انتم تعرفوا إيه إلي حصل دا ! أو إزاي التبديل حصل ؟
+
- معندناش أي معلومات بخصوص دا يا فندم.
+
اجابه الظابط بنبرة رتيبة ، فتنهد " آسر " بإدراك ثم استكان حتى وصلوا لمنزله.
+
حينما دلف "آسر" إلى منزله وأغلق الباب خلفه بإجفال، أسند ظهره إليه ببطء، وكأن الأمان أخيرًا بينما كان قلبه ما زال يطرق بقوة، والقلق يتربّص خلف نظراته الشاردة.
+
قبل أن يتمادى في شروده، اخترق صوتٌ طفولي نقي سكون المكان، خطوات راكضة صغيرة تقترب ثم يعلو صوتها باسمه بفرحة خالصة:
+
- خالو آســر!
+
أخفض بصره بخفة وكأن تلك النداء أخرجه من قوقعته، ليلمح "مليكة" تندفع نحوه بحماس الطفولة الذي لم يلوثه شيء ، لكنها ما إن اقتربت وتجلّت تفاصيله أمام عينيها، حتى تلاشت ابتسامتها، وتحولت ملامحها تدريجيًا إلى دهشة ثم فزع.
+
ساقه المصابة، العصا التي يتكئ عليها، وجهه الشاحب المُرهق..
+
كلها كانت صدمة لعينيها الصغيرة، ولم تمنع دموعها من الهبوط ودخول في موجة بكاء عنيفة وهي تنبس بصوت مرتعش:
+
- خـالو..
+
اندفع "آسر" نحوها متحاملًا على إصابته، غير عابئ بالألم، فقط يريد أن يحتضنها ويطمئنها ،فـ جلس على الأريكة بهدوء، وحرر يده من العكاز، وفتح ذراعيه لها واندفعت إليه كأنها تهرب من كل ما هو مؤلم، واحتضنته بقوة طفلة ظنّت أنها فقدت من تحب.
+
ظل يُربّت على ظهرها ويمسح دموعها وهمس قرب أذنها بنبرة دافئة:
+
- أنا كويس يا ملاك .. خالو بخير.. بس وحشتيني أوي.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
صف " جواد" سيارته أمام المستشفى القابعة بها ، رغم إزدحام يومه وتعدُد مهامه لم يستطع تجاهل زيارتها وتفقد حالتها ، خاصةً مؤخرًا منذ بدأت جلساتها النفسية .
+
أطفئ المحرك ولبث مليًا على مقعده بشرود ، مازال لم يربط العديد من الخيوط ببعضها بخصوص ماضيها ، ذلك الماضي الذي يُنسب لها لكنها بريئة من أحداثه وعواقبه ، فقط ضحية ذنب من لا ذنب له .
+
مازال أصحاب الأفعال يستترون في الخفاء ويغلقون على أسرارهم بصناديق عاف عليها الزمن رُمادًا .. لكن آن آوان أن تهُب رياح الحقيقة تزيح تلك الذرات ، لتكشف عن ما طواه الزمن ولبثَ طيّ الكتمان عمدًا .
+
تنهد بعُمق وتناول مفاتيحه ثم خرج من سيارته برتابة ، هندم بدلته الرسمية ثم تقدم نحو بوابة المستشفى للداخل .
+
ماهي سوى دقائق واستقر ثابتًا أمام غُرفتها ، طرق الباب بانتظام لكن لم يصل لهُ رد ، فعاد الكرة عدة مرات وهتف بإسمها لكن .. لا إجابة .
+
قبض على مقبض الباب وفتحه بتريُث حتى تجلت أمامه الغرفة ساكنة ، فارغة ..
+
تقدم عدة خطوات للداخل ، وأغلق الباب خلفه ، استمر في التقدم بخطواتٍ بطيئة ،هادئة حتى جلس على الطرف الفراش .
+
دار بعيناه في الغرفة حوله بصمت ، يتأمل متعلقاتها البسيطة التي انتشرت في أماكن متفرقة ، حتى وقعت عيناه على وسادة الفراش ، وبحركة غير إرادية وجد يده تمتد لتُمسد على الوسادة برقة ، يتحسسُ مكانًا ظفر بقربه منها .
+
كانت لحظةً شاعرية ربما لا تكتب سوى في أساطير العشاق ، لكنه كان واقعًا بالنسبة له، في لحظةٍ ساحرة انتشلته من واقعه المرير للحظات جهل عددها .
1
لم يُدرك مدى عفوية تلك الحركة وهو اللذي كان أحرص ما يكون على تنظيم أفعاله مُسبقًا ، ولا يصدر منه فعلٌ عشوائي سوى سهوًا ربمًا .. لكن ما كان يخوضه في تلك اللحظة كان نوعًا من العشوائية اللطيفة ، التي لا تُخطط لها ، لكنها قادرة على سحب أنفاسك داخل دوامة ساحرة ، ودق طبول قلبك لتطغى على صوت العقل الراجح .
+
لم تمُر سوى ثوانِ لم تتجاوز الدقيقة حتى وصل لمسامعه صوت حركة بالخارج ، أتى بعدها صوت صرير الباب بعد أن تم فتحه .
+
تقدمت " ليلى " للداخل أولًا تبعتها " هَـنا " التي من الواضح أنها من استلمتها بعد أن خرجت من الجلسة وأتت معاها ، كانتا تتبادلان أطراف الحديث بمرح حتى توقفتا في ذات اللحظة حينما أبصرتا " جواد" يعتدل في وقفته أمامهم .
+
توقفت " ليلى " وارتسم على مُحياها ابتسامة حائرة ،وتعجبت :
+
- جواد !
+
- أزيك يا ليلى ؟
+
رد " جواد" عليها بوضوح وملامح هادئة ، لتنبس " هَـنا " قائلة بتردد :
+
- طيب .. أنا عندي شغل هخلصه واعدي عليكِ .
+
لم ترُد " ليلى " واقتربت من " جواد" الذي مال جانبًا لتصل لفراشها ،فكانت تبتسم وفي عيّنيّها الإرتباك ،وتسائلت مُجددًا :
+
- إنت هنا من زمان ؟
+
تظاهر " جواد" بالنُكران وأومأ برفض وأجاب :
+
- لا لسه جاي ..
+
أومأت برأسها بتفهُم ،وشبح ابتسامة على وجتيّها ، ثم جلست على الفراش برفق ،لتسمعه يتسائل باهتمام :
+
- إنتِ عاملة إيه ؟ خلصتي جلستك ؟
+
نظرت إليه بعينين ساكنتين، وابتسمت تلك الابتسامة الهادئة التي تخون ما يدور بداخلها من صخب وقالت:
+
- آه الحمد لله ، الدكتورة طيّبة ، أنا كنت خايفه أوي في الأول بس دي عشان رابع مرة أقعد معاها حسيت براحة .
+
تنهد براحة داخلية ثم عقد حاجبيّه بتفكير وتسائل :
+
- إيه شعورك دلوقتي ؟
+
شردت بنظرها أمامها، وراحت ملامحها تتقلّب في صمت، كأنها تبحث بأعمق أعماقها عن حقيقة شعورها، ثم أجابت بصدق شفاف :
+
- هو لسه شعور بتوهان ، إلي حصلي صعب أعرف اتخطاه بسهولة كده ، بذات إنها مش بتتكلم عن الي حصل هي تركيزها عليا و على نفسيتي ومعنوياتي متنزلش .
+
- إيه أكتر حاجة حاسه إنها مساعداكي تحسي براحة ؟
+
ألتفت له عقب سؤاله واتسعت ابتسامتها المُتسلية وقالت بخفة :
+
- إنت بقيت تتكلم زي الدكتور والله ، كنت عاوز تبقى أخصائي نفسي ومحصلش نصيب ولا إيه ؟
+
كان يضم ذراعيه أمام صدره وأكتفى بابتسامة هادئة ..
كيف يشرح لها أنه لأجلها يمكن أن يكون أي شىء ؛ فقط لأجل راحتها !
1
كيف يشرح إن هذا ما هو سوى اهتمام خاص بها لن يظفر بهِ غيرها ! هو مع الجميع فقط " جواد " .. الأخ الحنون، الصديق الوفي، والمحامي الصارم .. أما معها، فبوسعه أن يكون ألف وجه ومُسمى إن جلب ذلك لها سلامًا لم تألفه من قبل .
+
يريد أن يكون هو المقدمة و نقطة الختام ، ولا يقبل بمكانة أقل من ذلك في حياتها .
+
حتى مع وجود طاقم طبي مهتم حولها ، وأخصائية متابعة ، لكن لا يُغنيه ذلك على أن يتواجد بصورة أو آخرى في كل خطوة .
+
مد أنامله نحو جيبه العلوي وأخرج بطاقة ، ثم ناولها إياها وهو يقول بصوتٍ رخيم :
+
- لا كنت عاوز ابقى محامي و إنتِ عارفة دا .
+
تعجبت يده الممدودة نحوها وما حوت فأخذتها منه وتسائلت بعفوية :
+
- إيه دا !
+
ابتسم بخفة وأعاد ضم ذراعيه أمام صدره وتحدث بامتنان :
+
- بما إنك كنتِ أول حد أشارك معاهم أحلامي ، فحبيت أوريكِ تحقيقه .
+
اتسعت عينايّ " ليلى " بسعادة امتزجت بذهول :
+
- دا بجد !! إنت محامي بجد ؟
+
- بجد آه ، ما الكارت قدامك طيب .
+
اجابها " جواد " ببساطة وابتسامة خفيفة ارتسمت على زاوية شفتيه تأثرًا بسعادتها ليسمعها تقول بلُطف :
+
- شكله جميل أوي ، المحامي قبل إسمك شكله حلو ، كنت عارفه هتحققه .. بس .. بس ياريتني كنت معاك في تحقيقه لحظه بلحظه زي ما إنت معايا كده ..
+
إنها تلاحظ!
تلمح محاولاته المستمرة لأجلها، وتدرك حرصه على التواجد في كل خطوة، لا تطفلًا بل اهتمامًا صادقًا..
ربما لم تصل لأصل الدافع لكن كونها تُقدر وجوده كان هذا يعني له الكثير ، بل الكثير جدًا .
+
حسنًا ..جديًا بدأ يفكر متى سينتهي كل هذا ليُعلن عن نواياه الحقيقة !
+
- كفاية إنك كنتِ أول وحدة صدقتي فيا وقت ما كنت أنا لسه مش ثابت ، كلامك مراحش من بالي .
+
نبس بعبارته بجدية مشدوه ، خالطها تهيّج مشاعره في ارتخاء عضلاته المشدوده ، فاضطربت في نظراتها بخجل ونبست بتوتر :
+
- يـااه هو في حد يفضل فاكر حاجة زي كده ؟
+
أجابها بجدية عالية بصوته الأجش:
+
- دا طبيعي ، لإن الكل بينسى أيامه الصعبة بس لو كنا ولاد أصول مش هننسى إلي هونها علينا وصدق فينا لما كنا تايهين ، أصل بعيد عنك الناس بقت تقل بأصلها اليومين دول وشايفينها استقلالية .
+
- مش فاهمه ؟
+
بلل ريقه وأردف بتوضيح :
+
- أقصد إن في ناس بقت تعتبر إن لم حد يسندك أو يكون جنبك في لحظة ضعف، ضعف! شايفينها حاجة تقلل منهم ومش عاوزين يعترفوا بفضل حد عليهم ، ودي مش استقلالية دي أنانية.
+
- آه... قصدك يعني الناس بقت تنكر ،وبتخاف تبين إنها محتاجة لحد؟
+
أومأ برأسه بخفة واستطرد برتابة وامتنان جليّ :
+
- بالضبط، بس أنا ما نسيتش وفاكر إنك كنتِ موجودة من غير ما أطلب و من غير ما أشرح، وساعات وجود شخص ولو واحد بيصدقك وقت ما إنت نفسك مش مصدقها بيكون أعظم دعم.
+
ابتسمت بتوتر ورفعت عيناها له وتسائلت بعفوية صادقة :
+
- طب وأنا؟ ينفع أقول إني مبسوطة إنك موجود حتى من غير ما أطلب حتى وأنا مش دايمًا بعرف أتكلم...
+
اتسعت ابتسامته بهدوء، حتى بان صف أسنانه، ثم أجابها بصوتٍ دافىء :
+
- ينفع .
+
ابتسمت بخجل وبللت " ليلى " شفتيها لتخفيف توترها ، حتى انتبها الثنائي على دخول ممرضة تحمل عربة للطعام ونبست بعد أن استقرت في المنتصف :
+
- معاد الغدا ..
+
تراخت ملامح " ليلى" برفض وأجابت بتعذر:
+
- خليه وقت تاني مليش نِفس .
+
تدخل " جواد" في ذات اللحظة وهتف مُعترضًا بكفه لها :
+
- لأ ثانية .
+
ثم ألتفت نحو " ليلى " وتسائل بفضولٍ مغموس بنبرة اهتمام:
+
- ملكيش نِفس يعني إيه ؟!
+
ثم ألتفت مجددًا نحو الممرضة التي كادت تغادر وأمر بحزم :
+
- اتفضلي حطي الأكل لو سمحتي هي هتاكل دلوقتي.
+
ألتفت له " ليلى" باعتراض وتحدثت برجاء :
+
- يا جواد أنا مش عاوزة بجد دلوقتي .
+
انتظر مغادرة الممرضة ثم أخذ يفتح الأطباق و هتف ببساطة وجدية :
+
- مش مهم تعوزي ، أنا عاوز .
+
- يعني إيه يعني !
+
ألتفت لها عقب اعتراضها الطفيف والجدية مازالت ترتسم على ملامحه في قرار لا يقبل النقاش وهتف بثبات :
+
- يعني هتخلصي الأكل إلي في الأطباق دا دلوقتي.. وحالًا .
+
مطت " ليلى" شفتيّها باعتراض وتعجبت :
+
- معندكش أوبشن تفاوض خالص !
+
اجابها هو بمنتهى البرود :
+
- لا مقبلش للآسف .
2
ثم ثبت الطاولة أمامها وابتعد خطوة للوراء ليسمعها تترجاه :
+
- طيب كُل معايا ..
+
أشار لها بعيّنيه نحو الطعام أمامها وكأنه يأمُر طفلة ،ثم أضاف بصرامة :
+
- ليلى ! اقعدي كلي وخلصي الأكل دا عشان معاد علاجكك .
+
اعتدلت في جلستها أكثر وطالعت فيه برجاء حقيقي ونبست:
+
- لا بكلمك بجد ، أنا عمر ما أبويا كَل معايا أو كلت مع حد غير بعض مرة في الشغل .. عشان خاطري المرادي .
+
تنهد بعُمق ورمقها بتصبُر ثم أجابها وهو يقترب من الطاولة قائلًا :
+
- طيب مدي إيدك يلا .
+
ابتسمت بتأملٍ ساكن تحدق في الطعام أمامها، فيما كان هو يسرق النظرات بين اللحظة والأخرى، يراقب راحتها بقلقٍ صامت، خائفًا أن تمرّ بها سحابة حزن لا يلحظها .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
| ڤيلا عائلة ممدوح الشافعي |
+
كان " ممدوح " يترأس سُفرة الطعام وعلى جانبه الأيمن تستقر " وردة " بجانب شقيقتها " ليان" يتناولان طعام الغداء في تنغُام لا يُعكره صفو دخيل .
1
تحدث " ممدوح " بشىء من الجفاء نحو " وردة " وتسائل :
+
- إنتِ بتحضري اسمه ايه .. تدريبك إلي في الشركة دا ؟
+
انتبهت " وردة " لحديث والدها فرفعت رأسها سريعًا واجابت برُقي :
+
- لا يا بابي ، ليا اسبوعين مروحتش عشان قاعدة بذاكر .
+
أردف " ممدوح " عبارته وهو يتناول مزيد من الطعام :
+
- امتحاناتك مش باقي عليها غير ست شهور باين ؟
+
- آيوه
+
أومأت بها " وردة " بخجل كعادتها الهادئة ، الناعمة ، لتسمع والدها مُجددًا يتحدث بنبرة جافة غُلفت باهتمام شفاف :
+
- عمومًا تدريبك في الشركة كويس لما يبقاش وراكي مذاكرة إبقي روحي مع مامتك .
+
اتسعت ابتسامة " وردة " بصدق وأومأت برأسها بطاعة وأردفت :
+
- حاضر يا بابي .
+
في تلك الأثناء، هبطت أميرة المنزل على درجات السلم بخطوات واثقة يكسوها الرقي والهيبة.
+
كانت ترتدي ملابس غير رسمية، اختصرت في بنطال جينز أنيق وقميصٍ أحمر بأكمامٍ مثنية على ساعديها، أضاءت معصمها ساعة فضية لامعة، وتزينت بإكسسوارات من ذات اللون ، أما خصلات شعرها البُندقي، فقد جمعتها لأعلى في كعكة مرتفعة، تاركة بعض الخصلات تنسدل بنعومة على وجنتيها، لتُضفي على ملامحها لمسة من الأنوثة الهادئة .
+
لم تهتم بالنظر نحو سفرة الطعام فقط تابعت طريقها نحو البوابة ، لكن أوقفها صوت والدها الجهوري :
+
- مش هتيجي تاكلي ؟
+
رفعت أناملها تُرتب خصلاتها بتلقائية ونبست دون النظر له قائلة :
+
- مش عاوزه شكرًا .. هاكل برا ..
+
وكادت تُغادر في الثانية التي تليها لولا أن والدها ألقى قنبلته في وجهها قائلًا ببساطة دون أدنى اكتراث:
+
- اعملي حسابك تيجي بدري عشان كتب كتابك النهاردة بالليل ، وحجزت كل حاجتك هتوصل كمان ساعة من دلوقتي.
4
طالعت " يـارا " أمامها بجمود لحظي ، ثم ألتفت سريعًا بتحفُز لوالدها ونبست باستنكار :
+
- ء just a minute ! كـتـب كـتـاب !!
+
أجاب " ممدوح " بنبرة خاوية وكأنه يتحدث عن أمر روتيني سخيف :
+
- لو كنا عملنا خطوبة من بدري مكناش هنستعجل كده ، مع كتب كتابك هنمضي الشراكة مع حسن الزيني إلي منهم مهرك عشان أبدأ نشتغل .
+
اعتدلت " يـارا " في وقفتها أمام مرمى بصره وهتفت بتهكُم :
+
- لا لحظه بس !! إنت شايف إني معترضة على إنك بتغفلني في كتب كتابي مش على إنك بتبيع وتشتري فيا وكإني حاجة رخيصة ملهاش تمن !!
+
توقف " ممدوح " عن مضغ الطعام واحتدت نبرته حينما رفع بصره لها وأجاب بصرامة :
+
- رخيصة !! المهر الي هيقدمه ليكِ عيلة الزيني رقم أحلامك متجبهوش أصلًا ولا حد يحلم يتكتبله مهر زي كده ..
2
ارتفع صوت " يـارا " باعتراض مُتهكم وأردفت بصوت جهوري :
+
- مش فـارقـة ، مش فـارق مـعايا الـرقم ، أنا مش هتـجـوز البـني آدم دا ولا هـبقـى عـلى ذمـته لحـظة وحـده .
+
سكنت لوهلة سحبت فيها أنفاس اختيّها اللتان فزعا بشدة منذ بداية الحديث عن زواجها وراحتا تنقلان بصرهما بينهم حتى سمعا صوت شقيقتهم تستطرد بانفعال:
+
- و أقولك على حاجة ، إبقي امضي وجوز إلي عاوزه ، بس أنا مش راجعة البيت دا تاني وشوف أي حد تاني ياخد المهر إلي ولا في الأحلام دا ويشرب مايته ، عشان أنا مش رخيصة كده يا بابا ومش هنسى بيعك ليا بعمري .
+
ثم ألتفت سريعًا نحو البوابة وخرجت منها وأغلقته خلفها بعُنف ، ليصدح " ممدوح " بصوته مُعترضًا :
+
- خُــدي هِــنـا !!!!
2
لكن كان الآوان فات بالفعل وغادرت " يـارا " دون تردد أو إلتفات ورائها ولا لحظة .
+
تضخّمت عروق "ممدوح" حتى برزت فوق ندوب جلده، وضغط على فكيه بقسوة، يكبح انفعالًا جحيميًا يكاد يلتهم كل من حوله .
+
ترددت " وردة " آلاف المرات ، وابتلعت ريقها آلاف آخرى علها تكبُح غصة تدفعها نحو البكاء ،لكنها جمعت نفسها بصعوبة شديدة وتحفزت خلاياها حينما تعلق الأمر بشقيقتها ، لا تعلم من أين اكتسبت تلك القوة لكنها كانت كل ما بيدها عندما نبست بخفوت وتلعثُم :
+
- بـ .. بابي ، بابي أرجوك متعملش في يـارا كده .
+
رفع " ممدوح " قبضته وهوى بها على الطاولة بعنف شديد رجّ كل ما فوقها ، حتى إن " وردة" وضعت كفها على فمها سريعًا تمنع شهقة ملتاعة كادت تنفلت منها هلعًا ، بينما تحجرت الدموع في عينايّ الفتاتان بآلم حبيس ، وغادر " ممدوح " بعدها الڤيلا باندفاع أهوج .
2
ألتفت " ليان " لشقيقتها والدموع تسيل على وجنتيّها بانسياب بينما تعلقت العبَارَات على جفون " وردة " بصدمة ، لتسمع شقيقتها تقول بصوت مُتحشرج ملكوم :
+
- رني على مامي يا ورد .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
بداخل شركة الرفاعي..
+
كان "فاروق الرفاعي" يشغل منصبه كرئيس مجلس الإدارة، الرجل الأول في الواجهة وصاحب القرار الأعلى في كل ما يخص الشركة.
+
بيده تُرسم السياسات وبتوقيعه تُعتمد الاستثمارات الكبرى ولا يتحرك مشروع ولا يُعيّن مسؤول دون أن يمر من تحت نظره،كقائد سفينة يكتفي بتحديد الوجهة، ويترك التجديف لأعوانه.
+
كان كل شىء حواله في حالة سكون رتيبة حتى قطعه صوت طرقات على الباب تليها دخول سكرتيريته الخاصة و اللجوء حتى توقفت في منتصف المكتب الواسع واستطردت ما تحمل من أخبار بمهنية عالية :
+
- حضرتك أنا قدرت أوصل أخيرًا لرقم خاص بشركة الأستاذة داليا في لندن.
+
ارتفع حاجباه قليلًا، ولمعت في عينيه نظرة اختلط فيها الفضول بالحذر ثم سأل بنبرة باردة تخفي ما تحتها:
+
- متأكدة؟
+
هزّت رأسها بإيجاب، وأردفت:
+
- الرقم مش مباشر ليها، بس مربوط بمدير العمليات هناك اسمه "مارك غراهام" وممكن يوصلنا ليها.
+
ساد صمت قصير ، ثم أومأ برأسه بخفة فتراجعت السكرتيرة للخلف وغادرت المكتب بانسيابية، فأدار" فاروق" الكرسي قليلًا نحو النافذة، ثم قال بصوتٍ متهدّج مستنكر :
+
- بعد كل السنين دي... هنلم الشمل.
+
لم تمر سوى دقائق حتى طُرق الباب مُجددًا وكانت " مريهان " هي من ولجت بالدخول حين إذنٍ ، لتستقر أمام مقعد مكتبه وتتسائل بترقُب :
+
- عرفت توصل لحاجة بخصوص داليا ؟
+
أدار " فاروق " الكرسي تجاهها وعقد قبضتيّه على المكتب ونبس بنبرة رخيمة :
+
- وصلنا ليها ، بس شكلها متمكنة على الأخر .
+
تعجبت"مريهان" مقاله لثوانٍ، قبل أن تعقد ذراعيها أمام صدرها وتقول بتوتر واضح:
+
- تقصد متمكنة في شغلها ولا في حياتها عمومًا؟
+
ارتسمت على وجه "فاروق" ابتسامة خافتة، أقرب للتهكُّم منها للرضا، ثم قال:
+
- الأثنين .
+
رفعت "مريهان" حاجبًا بدهشة:
+
- يعني... محدش هناك يقدر يضغط عليها؟ ولا حتى يوصلها بسهولة؟
+
هزّ "فاروق" رأسه ببطء وقال:
+
- داليا مش سايبة نقطة ضعف وراها كل حاجة مدروسة كعادتها .
+
سادت لحظة صمت، ثم سألته بنبرة أقل صلابة:
+
- هتتواصل معاها شخصيًا؟
+
نظر لها "فاروق" طويلًا بعين لم تُفصح عما يدور خلفها ولازم الصمت .
+
قطع ترقُبها صوت رنين هاتفها ، لتستأذن منه للخارج ولم يكُن المُتصل سوى " عماد الزيني " .
+
رفعت الهاتف لأذنها واجابت بخواء :
+
- عاوز إيه ؟
+
ضحك الآخر بنبرة ساخرة ونبس ببرود :
+
- كده يا حماتي برضو ؟ دا أنا زي إبنك ؟
+
- معلش ربنا مرزقنيش غير ببناتي حكمة ربنا ، قول عاوز إيه عشان عندي شغل .
+
سكن لوهلة ثم تحدث بنبرة مائلة للبرود والاستفزاز :
+
- مفيش يعني .. كنت بأكد عليكِ متتأخيرش على كتب كتابي على بنتك آخر السهرة .
+
ولم يُعطيها وقت للإستيعاب قبل أن تسمع صوت نغمات إنهاء المكالمة يتردد صداها في أُذنها .
+
طالعت الهاتف أمامها وهتفت بنبرة مشدوة مُتعجبة :
+
- دا إسمه إيه دا ؟!
+
ولم تمر سوى ثانية حتى وجدت الإتصال من نصيب ابنتها ،فأجابت بإجفال سريعًا :
+
- آيوه يا ورد !
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كانت الشمس غابت و أعلنت استسلامها أمام الطاووس المغرور الذي نشر ضياءه الفضي على المدينة .
+
و تحت ذلك الضوء المميز من ليلة قمرية ، تفرد فستانها الذهبي بلمعته الخافتة وكأنه قطعةٌ من السماء نزلت لتتزيّن بها ، و إن جئنا للحق ؛ حتى القمر في ليلته الأكثر اكتمالًا لم يستطع منافسة "قمر الكسوف" كما تُلقبها صديقتها.
+
كانت "مريم" تمشي في ساحات الجمعية بخطوات هادئة، تشرف على ما تبقّى من ساعات الاحتفال الطويل والشاق. ،بدا مظهرها أشبه بملكة شرقية؛ يزيده خمارها السكري جمالًا، وقد عقدته بطريقة غير معتادة أضفت عليه وقارًا وجاذبية خاصة.
+
وعند بوابة الجمعية، توقفت سيارة فارهة، خرجت منها امرأة تُجيد فنّ الظهور ببراعة ، نظراتها الحادة تطوف بالمكان بثقة، وخطواتها الرزينة تفرض على الأرض أن تصغي لصوت كعبها العالي، الذي انسجم تمامًا مع بدلتها الكُحلية وأناقتها الصارخة.
+
شعرها القصير مصفف بعناية، يبرز ملامحها الحادة التي لم تُفسدها طبقات المكياج الثقيلة، بل زادتها حضورًا و يتوّجه عطر نفّاذ لا يُخطئه أحد.
+
لم تكن مجرد سيدة أنيقة ؛بل هالة كاملة من الهيبة، يسبقها حضورها قبل أن تنطق بحرف.
+
وضعت "لبنى" قدمها داخل ساحة الجمعية، ونظرة تملأ عينيها كأنها تمشط المكان بحثًا عن شيء وحيد فقط تبتغيه ..
+
وفي خضمّ ذلك الحضور المتناثر، لفت نظرها وجود "مريم"؛ تلك التي لم يكن من الصعب تمييزها وسط الحشد فحضورها كان هادئًا، لكنها أشاحت بصرها بعيدًا واقتربت من أحد رجال الأمن وتسائلت بنبرة رزينة مترقبة:
+
- لو سمحت بسأل عن الآنسه مريم إبراهيم ؛ هي موجودة ؟
1
أومأ لها رجل الأمن و أشار نحو أحد الأركان ، وسرعان ما اتسعت ابتسامتها الجانبية العبثية حين تحقق رجائها منذ لحظه ، و أن تلك الفتاة هي من يبحث عنها شقيقها .
+
شكرته ثم تقدمت نحوها و هي تتأمل حديثها مع عدة أشخاص ، رمقتها بنظرة شاملة من أعلاها لأخمص قدميّها و تمتمت في جوفها بتسلية :
+
- والله وقعت وإنت واقف يا وائل .
+
وقفت بجوارها ثم قالت بنبرة لطيفة لكن واضحة:
+
- مساء الخير ، حضرتك مريم إبراهيم صح ؟
+
انتبهت لها " مريم " سريعًا ، وألتفتت تنظر بتعجُب فتلك المرة الأولى التي تبصر بها تلك السيدة لكنها تشعر بإلفة في ملامحها ، فرسمت ابتسامة مهذبة وقالت:
+
- مساء النور ، آيوه اتفضلي.
+
بللت " لبنى " شفتيها ذات اللون القرمزي و أضافت :
+
- لو تسمحيلي في minute على إنفراد !
+
أومأت لها بالقبول و استأذنت من الجميع ، ثم تبعت "لبنى "خطوات قليلة حتى وقفَتا وجهًا لوجه ، ثم رفعت يدها بلطف وأعادت ترتيب خصلة من شعرها القصير، تلك الحركة التي اعتادت أن تسبق أي حوار مهم بالنسبة لها، ثم قالت دون مقدمات:
+
- أنا لُبنى الرفاعي ، أخت وائل ، و كنت جاية عشان أتعرف عليكِ .
2
ما إن نطقت بالاسم حتى انطفأت ملامح "مريم" للحظة ، ورفعت حاجبها استنكارًا ، وحاولت التنفس بانتظام لكن عيناها التي شحذتها بعيدًا كانت تحمل أكثر من رسالة كافية بالنسبة لـ " لبنى " لتدرك حقيقة مشاعرها تجاه شقيقها .
+
- أهلًا و سهلًا ..
+
ختمت " مريم" عبارتها بابتسامة خاوية ، بينما " لبنى " كانت تتأمل تعبيراتها بتركيز ، لقد كانت الفتاة جميلة بحق ، لون بشرتها الخمري و عينيّها المتألقة بذلك الكحل الأسود الرفيع ، ملامحها الحادة و الهادئة في آنٍ واحد ، و ثقتها العالية التي تظهر في لغة جسدها ، تلك الفتاة ليست بالهينة .. ولحسن حظها هي لن تجعلها ندًا لها ، فإن كان شقيقها العشوائي أُعجب بهذه الفتاة ..
+
حسنًا ..
يمتلك كل الحق .
+
سادت لحظة من الصمت، كانت "مريم " خلالها تراقب تلك السيدة التي وقفت أمامها بكل ثقة، ورفعت ذقنها قليلًا كمن يُمهّد لجولة في حلبةٍ خفيّة ،ابتسمت "لبنى" ابتسامة ناعمة حين شعرت بوجوم الآخرى ثم قالت:
+
- وائل أخويا... يمكن يبان عشوائي، بس قلبه نضيف ، الولد ده يمكن يتوه، يمكن يتصرف بغباء، بس نيّته عمرها ما كانت وحشة.
+
مازالت " مريم" تحتفظ برفعة حاجبها المستنكرة و ردّت بهدوء، لكن بنبرة فيها احتراس:
1
- ده مش موضوع نيّات يا أستاذة لبنى، الناس بتتحاسب على أفعالها مش على اللي في نيتها.
+
أومأت "لبنى " برأسها باستحسان:
+
- عندك حق، وأنا مبحبّش أجمّل الغلط ، بس أنا عرفت إن حصل بينكم سوء تفاهم، وأخويا مش من النوع اللي يعبر عن نفسه كويس.. هو إلي حصل بينكم زعلك أوي ؟
+
- هو أولًا مافيش حاجة حصلت بينا ، ومش هتحصل ، أنا من الأول كنت واضحة، وهو لو فاهم غير كده يبقى دي مشكلته مش مشكلتي.
+
ثم هزت رأسها عدت مرات وبللت شفتيها و استطردت بنبرة جافة :
+
- و طالما عرفتي في سوء ظن حصل زي ما قالك طبعًا ، يبقى عارفة إلي حصل !
+
- آيوه عرفت ..
+
فتابعت " مريم " بذات النبرة الحازمة:
+
- طيب طالما عرفتي ، يبقى هتعرفي إن مفيش بنت محترمة تقبل تتعاكس وتسكت أو على الأقل تنفر من إلي عمل كده ، و أنا للأسف كنت مفكرة أخوكي أرقى من كده بكتير بس طلعت غلطانة وميفرقش عن غيره حاجة .
+
كانت " لبنى " تُنصت لكلماتها بانتباه ، أسلوبها و حدتها وملامح وجهها في الدفاع عن نفسها صيانةً له مُذهلة ، ثم أضافت:
+
- أنا مش جاية أضغط عليكِ ولا أبرّرله.. أنا جاية أقولك إن وائل لو اتكلم معاكي، اسمعيه ولو قررتي ترفضي، رفضيه باحترام.. بس متخليش حواجزك تمنعك من إنك تشوفي الحقيقة.
+
رفعت " مريم" حاجبها مرة تانية، وقالت بنبرة فيها دفء ممزوج بتحفظ:
+
- بصراحة أنا مش بحب يبقى في واسطة في الأمور دي ، لو عنده حاجة يقولها يبقى هو اللي ييجي ويتكلم ، أنا مش ضد إن حد يعتذر أو يحاول، بس كرامتي فوق أي شيء وعشان كده أنا مكنتش قادرة أسمع منه حاجة اليومين إلي فاتو .
+
اقتربت "لبنى "خطوة وقالت بابتسامة خفيفة:
+
- وأنا عجبني فيكي إنك عارفة قيمة نفسك، وعارفة إنتِ مين ، بس مش شايفة إنك قاسية شوية؟ ممكن تديله فرصة يوضّح؟
+
ابتسمت "مريم" ابتسامة مُتهكمة، وتسائلت بحدة:
+
- هو ممكن حضرتك تفهميني إيه مفهومك عن المعاكسة عشان تقيمي ردي إنه قاسي ؟! أنا عمري ما شفت حد بيبرر للي بيعاكس دا بأي طريقة .
+
ابتسمت "لبنى" واستطردت بتوضيح :
+
- أنا sure مش ببرر للفعل نهائي ، أنا بقول على قسوتك عليه رغم إنه حلفلي إنه مقلش حاجة خادشة مثلًا ، هو بس وقف وبصلك ومكملش كلامه .
+
كانت في تلك اللحظة ؛ تجاهد" مريم " قنواتها الدمعية ألا تخونها أمام صلابة الموقف عليها وتهز برأسها بتهكُم ، لما من الصعب على الجميع تفهم موقفها و أن القصة أكبر من محاولة فاشلة للمغازلة !
1
أخذت "مريم" نفس عميق، ورفعت نظرها لـ"لبنى" وقالت بنبرة مخنوقة لكنها ثابتة:
+
- المشكلة إنكم فاكرين اللي حصل بس نظرة أو كلمة، لكن أنا شفت في النظرة دي استهانة.. شفت تهديد لحدودي اللي كنت حطاها من أول لحظة ، لأني مش شبه البنات اللي ممكن يعرفهم ، أنا طالعة من بيت بيحب ربنا، وبيفهمني يعني إيه كلمة تتقال، ويعني إيه نظرة تتحسب ،
أنا ماشيه بحدود، وقلبي غالي عليا.. ومش أنا اللي لازم أتنازل علشان "هو نيته كويسة" زي ما قلتي .
+
أومأت "لبنى" برأسها رغم جمود ملامحها أخفت تأثرها الداخلي ،فقالت بنبرة كانت هادية لكن قوية:
+
- معاكي حق في كل كلمة، وأنا مش جاية أطلب منك تتنازلي، أنا جاية أطلب منك تسمعيه لو قرر يواجه نفسه قبل ما يواجهك ، مش عشان أخويا بس وائل مش ولد بيعاكس بنات، هو ممكن ضايع.. أيوه، تايه ومش بيعرف يعبر عن اللي جواه غير بنظرات يمكن خانته أو تصرفات هرب منها ،أنا فعليًا مش جايه أبررله.. أنا بس شايفه إن الإنسان اللي بيتغيّر عشان حد يستحق، لازم يتشاف وهو بيحاول و إلا مكنتيش هتشوفيني واقفة هنا .
1
لم يبدو على " مريم " الإقتناع لكنها أجابتها بنبرة أخف ،لكن برزانتها المعتادة :
+
- مش أنا اللي بدأت الكلام ولا أنا اللي تجاوزت حدودي ، في كل مرة بشوفه بننتهي بخناقة ! هو مشافش مني حاجة غير احترام وتحفظ، ولما كان بيتجاوز الحدود.. كنت بوقفه ، ولو حصل مني غلط وخليته يتجاوز حدوده أو أنا إلي سمحت ، فأنا دلوقتي وقفت كل حاجة ، أرجوكي بلّغيه يبعد عني ، هو حر في حياته وأنا كمان.
+
تنهدت "لبنى " و أردفت بصرامة و تفهُم:
+
- إنتي بتتكلمي بعقل، وأنا بحترم ده جدًا ، بس هقولك آخر كلمة وهأمشي ، مش دايمًا بنعرف قيمة الناس في أول لحظة يقربوا فيها، ومش دايمًا أول غلط معناه إن كده الحكاية خلصت ، أنا هسكت دلوقتي.. والباقي عليه ،لو جه وقرر يتكلم اسمعيه، مش علشاني، علشان لو فيه فرصة حقيقية.. متضيعش منكم أنتو الاتنين.
+
ثم مدّت يدها لمصافحتها:
+
- تشرفت بيكي يا مريم، بجد .. و اتمنى إن دي متكونش آخر مرة أقابلك فيها .
+
صافحتها "مريم" بلطافة، وقالت:
+
- وأنا كمان يا أستاذة لبنى.
+
ثم افترقتا و رفعت " مريم " أناملها تمسح بأطرافها جفونها برفق ، وبداخلها صراع عميق الجذور حول الموقف برُمته والتي ظنت أنه انتهى مرور الكرام ، لكن كان لقدر الله نصيب آخر .
+
استقلت " لبنى " سيارتها و اخرجت هاتفها لتهاتف شقيقها ، و ما أن فتح الخط حتى نبست :
+
- أنا كلمت مريم.
+
تسائل بترقُب على الجهة الآخرى:
+
- و قالتلك إيه ؟
+
- قالتلي خلي أخوكي يبعد عني .
+
اطلق "وائل " ضحكة قصيرة و أردف :
+
- آه.. باين إن انطباعها عني جميل أوي.
1
استنكرت " لبنى " كلماته و أردفت بصرامة:
+
- إنت هتهزر ولا إيه !
+
- ما أنا مش عارف أقولك إيه والله .
+
كان ذلك أسلوب " وائل " الساخر المعتاد في المواقف التي يشعر بها بالخجل ، و كانت طريقة مثالية عن الهروب و عدم المواجهة بتاتًا .
+
أتاه صوت شقيقته بحدة قاطعًا شروده :
+
- اسمع إلي هقولك عليه ؛ اللي زي مريم ماينفعش يتساب ، دي بنت ماشية بكود حلال وحرام و بضمير ، مش هتضحك عليها بكلمتين، ومش هتحبك عشان شكلك ولا اسمك ، لو مش قدّ كل دا ! بلاش تدخل سكتها تاني.
+
ابتسم "وائل " بسخرية و أجاب :
+
- شكلك واقفة في صفها !
+
- واقفة في صفك، بس ضد ضعفك
+
صمت للحظات على الطرف الآخر، كأن الكلمات اختنقت في حلقه ثم خرج صوته منخفض، لكن فيه انكسار:
+
- طيب أعمل إيه؟ في كل كلامي معاها ألاقيها بترجعني مكان ما جيت، وأنا... مش عارف هي عاوزه مني إيه ولا عاوزه أعمل .
+
أجابته "لبنى" بنبرة فيها متفهمة مهتمة :
+
- مش دي المشكلة يا وائل ،المشكلة إنك طول عمرك بتلبس وش القوة، فاكر نفسك هتعرف تـ handle كل حاجة عشان كل الناس ، بطل تسأل كل شخص عاوز منك إيه و فكر في إنت عاوزه إيه بجد من جواك .
+
سكتت فسكت هو الآخر لا يعلم إجابة ، والحيرة تتخبط به ، فتابعت بترقب :
+
- إنت بتحبها؟
+
لم يصل لها رده فورًا لكنها سمعت تنهيدة عميقة خرجت منه ثم قال بعدها بصوت مبحوح :
+
- الحب كلمة كبيرة ، بس إلي أعرفه من جوايا إني عمري ما خفت من حد بيقرب مني زي خوفي منها.. بس أنا هروح لها ، ولو مقالتليش " عوزاك برا حياتي" بصوتها مش هبعد.
2
ابتسمت " لبنى " بهدوء ثم أردفت بدفء:
+
- على الأقل تبقى جرّبت وكنت راجل ومين عارف يمكن تكون أول خطوة لقلبها... إنك تعافر عشانه.
+
- إن شاء الله ، هقفل دلوقتي عشان عندي شغل هنا .
+
- ء okey , bey .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
في المستشفى..
+
مرَّ اليوم الثالث على الحادثة، والهدوء المُربك يُخيّم على غرفتها المعقمة ، أجهزة المراقبة ما زالت تُملي على الأطباء تفاصيل صامتة عن نبضها وتنفسها .
+
لم تنطق سوى كلمات بسيطة .
+
رمشات متقطعة، وتقلص خفيف في حاجبيها حين لامست أناملُ الممرضة جبينها لقياس الحرارة ، عيناها تتجولان ببطء في السقف، ثم الجدار ثم وجه الممرضة، لكنها لا تُبدي اعترافًا أو إدراكًا حقيقيًا فقط التحديق طويل والصمت يُهيمن على تفاصيلها.
+
تم تقييمها من قِبل فريق الطب النفسي في ذلك النهار ،وصفوا حالتها بـ"الارتباك ما بعد الصدمة" واستخدموا معها اختبارات إدراكية بسيطة، لكنها لم تُجب عن معظمها، وكأن الكلمات تمر على مسامعها دون أن تستقر في عقلها.
+
"هيا في وعيها؟"
سؤال تكرر كثيرًا بين الطاقم والإجابة تتأرجح بين " آيوه " و" لأ مش أوي " فالحضور الجسدي شيء، والوعي الكامل بالحاضر شيء آخر تمامًا.
+
ما زالت ترفض اللمس أحيانًا وترتجف حين تُقرّب منها الآلات وترتعب عند سماع الأصوات المفاجئة ،وتارةً تُغلق عينيها حين يدخل أحدهم فجأة، وتُلوّح بيدها المرتعشة وكأنها تدفع خيالًا لا يُرى.
+
كلها سلوكيات نابعة عن اضطراباتها التي مازالت تُعاني منها وبشدة بعد موجة الوعي الي هاجمتها بغتة .
1
الوعي بدأ يعود مُجددًا ،
لكن الصدمة عميقة .
+
كان يقف بغرفتها ممرضة وأخصائية نفسية مُتابعة بعد الأجازة التي أخذها " مدحت" من العمل فجأة ، كانو يراقبونها في صمت ، بينما " ميرال " تجلس على الفراش بسكون تام فقط تزفر نفسًا بخفوت وعيناها ثابته على السقف.
3
ترددت الممرضة لوهلة، ثم سألت:
+
- هو ما جاش ليه من امبارح؟
+
كان مغزى السؤال واضحًا المقصد.. " ريان "
تلك الحالة الطبية الفريدة التي بات جميع طواقم المستشفى يعلم بها .
+
فهناك بعض الحالات النفسية المعقدة يستخدموا الأطباء "علاقة التعلق" كوسيلة للعلاج لا كعائق.
+
فأجابت الأخصائية بنبرة محايدة:
+
- قال إنه محتاج يبعد شوية عشان يقلل تأثيره حواليها بس إحنا محتاجين تدخله دلوقتي ،خلي حد يندهله .
+
مرت عقرب الدقائق بطيئًا قبل أن يصل لهم صوت طرقات على الباب ثم لجوج " ريان " عبره بطلته ذات البهاء والرجولة التي تنبثق من كل جهة له في تفاصيل ساحرة للعيان.. وتلومون قلب تلك المسكينة على انجذابها له !
+
وبذكرها ؛ كانت الأخيرة ممدة على فراشها كما حالة سكونها المعتادة طوال الوقت حتى فقط سماع صوته حين هتف بالسلام فور دخوله .
+
ألتفت سريعًا للجهة التي أطل منها واستقرت عيناها عليه بسكون وملامح مشدوه وكأنها تُملي عيناها من حُسن وجوده الطاغي على عالمها البائس في اعماق عقلها ، وفجأة من أعمق نقطة وجودية تمتلكها وسط اضطراباتها المُفجعة نبست بإسمه ببهجة طفيفة بانت في حُسن منطِقها:
+
- ريان !
+
أقترب " ريان " منها بهدوء وخطوات رتيبة وارتسمت على ملامحه ابتسامة مهنية ،وعقد ذراعيه خلف ظهره وسألها :
+
- كيف حالك ؟
+
اعتدلت في جلستها وباتت تنفك جمود ملامحها الحسناء رغم التعب ، لتجُيب باختصار مليىء بالتوتر في كل حركة بها :
+
- بخير ..
+
بانت كإجابة مقتضبة غير كافية ، لكن في عُمقها كانت دليلًا على تأثيرٍ بليغ منه عليها ، هي حتى لا تفقه ان تتحكم به شيئًا ، لتراه يبتسم بمهنية عالية وجدية واضحة على ملامحه عكس نبرته التي خرجت حنونه رغم كل احتياطته :
+
- يسُرني سماع ذلك .
+
سكنت ولم تُبدي أي انفعال وسط مراقبة من الأخصائية والممرضة عن بُعد ، بينما هو دار بعيناها حول الأجهزة بنظرة تفحصية سريعه ثم نبس بتشجيع :
+
- ارى أنك اصبحتي في حالٍ افضل منذ آخر لقاء .
+
قطبت حاجبيها بخفة وتسائلت بتوتر :
+
- و .. ومتى كان ؟
+
سكن لوهلة يُفكر ثم أجاب ببساطة شديدة لا يرمي لها بالًا :
+
- أول أمس ، كنتِ نائمة حينها..
+
وبذات الملامح التي تبدو جامدة ، خاوية من المشاعر والانفعالات بعض الشىء طوال الوقت مهما تعددت عبارتها - المحدودة في الأصل - أجابت بعدما تعلقت عيونها عليه :
+
- إذن .. لا تأتي وقت نومي ، لن استطيع رؤيتك..
+
تصنع الاهتمام في ابتسامة مُـتكلفة مع ثبات عالي يُكابد به مشاعر متضاربة تهيج بداخله كلما أقترب منها لكنه كان قادرًا على إخماده .. مؤقتًا فقط ثم أجاب بتشجيع يُمليه عليه مهنيته:
+
- في الواقع أنتِ لا تحتاجين رؤيتي ، أنتِ تتماثلين للشفاء رويدًا ، وإن دل ذلك على شىء فهو كونك قوية ومحاربة بحق .
+
لانت ملامحها بشكل ملحوظ حتى انخفضت نبرتها بأُخرى أكثر رقة قائلة :
+
- لا أحد يخبرني بذلك .. عداك .
+
أجاب هو سريعًا يطرد تأثير تلك النبرة على ثبات اعصابه :
+
- لكن الجميع يدرك ذلك .
+
ثم رفع رأسه بنظرة ذات مغزى نحو الأخصائية والممرضة التي تدخلتا في الحوار تباعًا بتفهُم ورفق:
+
- نعم ميرال أنتِ محاربة ، وتحاربين آللامك بصلابة .
+
- نعم .. أنتِ كذلك بالفعل ، استمري .
+
ألتفت لهم وللحق دُهشت من كلماتهم وتلك النظرات الحنونه التي يرمقونها بها .. ترى بها صدقًا خالصًا قرأته روحها المُنهكه من زيف الوهم الذي مازال يُسيطر عليها بقسوة .
+
لتطرق رأسها للأسفل بصمت تعيش لحظه إدراك نادرة تتحدث بشرود وكأنها تُخاطب ذاتها:
+
- حقًا .. لم ادرك ذلك سوى الآن ..
+
تدخل صوت " ريان " الذي سمع مواساتها وقال بطمأنينة:
+
- أرأيتي ! أنتِ هي القوية هنا والتي تستطيع اتخاذ قراراتها وتشجيع نفسها للنهوض مجددًا..
+
رفعت بصرها إليه من جديد، وعادت إلى عادتها القديمة... تلك النظرة التي ترجوه دون كلام، وتُربكه دون أن تعي ، كانت تحدق به بعينيّن تحملان صفاء البحار، لكن خلف ذلك الصفاء دعوة سحرية للغوص في أعماقها...
كيف تطلب منه ذلك؟
وكيف يُجيب النداء وهو يعلم أن الغوص فيها قد يُغرقه !
+
- وماذا بعد ذلك ؟ هل سأجد من ينتظرني إذا نهضت ؟
+
نبست بها بكل ما يحمله صوتها من رجاء دفين تلتمس بهِ طمأنينة غائبة كسراب لا يمكن الهروب من تأثيره ،لتجده ينتشلها بقدرة - لا تعلم ماهي - من وهم عقلها يقول بصوت رتيب واثق :
+
- بالطبع ..
+
- أمي .. أبي .. أختي .. جدتي ، هم ينتظرون صحيح ؟
+
تسائلت ببراءة ، فلجم ردًا توقف على طرف لسانه وبآسى حاول ردمه أضاف بثبات:
+
- هم يحبونك بالطبع كانو ليتمنون ذلك لكي ..
+
ضمت كفيّها نحو عنقها في إشارة بالتحفُز وملامح مشدوه شغوفة للقاء وعينان لامعتان نبست :
+
- ولكن أين هم ؟
+
تنهد بعُمق وأشاح ببصره لأعلى وأجاب بشفافيه :
+
- حسنا هذا موضوع يمكن مناقشته بشكل اوسع مع طبيبك النفسي ..
+
تدخلت الأخصائية في تلك الأثناء وأردفت بمهنية :
+
- هو أنا متابعة معاها دلوقتي يا دكتور ، لحد ما دكتور مدحت يجي..
+
أومأ " ريان " بتفهم وأردف بجدية عالية:
+
- مش مشكلة دكتور مدحت رجع النهاردة وهيرجع يتابع معاها ، أصلاً هو زمانه جاي ورايا .
+
وعند ذكر الغائب يحضر .. ليتنا ذكرنا شيئًا قيمًا ، لكن لنرضى به الآن عسى أن نصل لتحقيق الأماني السعيدة ..
+
دخل الطبيب " مدحت " بالفعل تعتلي ملامحه ابتسامة باردة مع اقتضاب ملامحه الواضح ،ليستقبل ترحيب " ريان " له بتقدير إحترامًا لسنه الذي يفوقه بـ عشرين عامًا بل يزيد .. أيّ في عِقده الخامس .
2
- اهلا يا دكتور مدحت اتفضل..
+
رحب به الجميع بنفس الوتيرة جاهلين انفعالات المسكينة الذي جُحظ بصرها وارتفعت نبضاتها بعُنف يرتد في اضطرابات انفاسها ..
+
- ماذا .. لا لا لا .. ابتعد !
2
هاجت فجأة " ميرال " بتلك الكلمات بتوسل وفزع بليغ ، لتجذب انتباه الجميع لها بقلق قبل أن ينبس " ريان " مُقتربًا :
+
- ماذا يحدث ؟
+
لم تكُن " ميرال " تُبصر من مُحيطها سوى جسده الساخن امامها على بُعد خطوات لعينة ، رفعت كفيها نحو اذنيها تُطبق عليها بعنف ودموعها تسيل بحرارة مُجفلة وهي تردد بهلع:
+
- لا لا تـقتـرب .. ابـعـد يـدك عـني .. ابـتـعد
+
- ميرال اهدأي ماذا جرى ؟
+
كانت تصدح بصوتٍ مذعور يخطف الأنفاس، كأن شيئًا اجتاحها فجأة وقلب كيانها رأسًا على عقب ، فقط في ثواني .. في ثوانٍ معدودة تبدّلت حالتها تمامًا، وكأنها ما عرفت السكينة يومًا.
+
في لحظة، تحولت من سكون هش إلى عاصفة رعشة...
+
أعصابها مشدودة على حافة الانفجار، عيناها جاحظتان بذعر، وجسدها ينتفض كمن يهرب من خطر قـاتـ*ـل ،
لقد أيقن أنها في مرحلة حرجة... إنها مفزوعة بحق،
بل في أسوأ حالاتها ..
+
- لا ، لا ، لا تقترب .. لا تدعه يقترب ..
+
- اهدأي فقط لنفهم .. ماذا حدث ليكي هل تختلط عليكِ الأمور ؟
+
نبس بها " ريان " وسط محاولات الممرضة الغير مُجدية في تهدأتها ، لكن ذعرها الغير مفهوم ناقوس خطر كبير ، ماذا بربكم يحدث لها !
+
وكان وقع الحقيقة كالصاعقة على قلوب من في الغرفة، ثقيلة، خانقة، لا تُحتمل ،لكن الأكثر تأثرًا كان هو ..ذلك الذي غامت عيناه بسوادٍ شاحب، وانقبض صدره حين نطقت هي وسط تحشرجات أنفاسها المرتجفة واحتضانها لنفسها بهلع نازف من أعماقها :
+
- هذا الرجل .. هذا .. هذا الرجل أقترب مني .. أقترب مني بشكل سىء للغاية ...
4
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
دخل "جليل" إلى منزله بعد يوم عملٍ طويل ومرهق، وقد تبعه ابنه "جواد" بمحاذاته، يمشيان في صمتٍ ثقيل حتى وصلا إلى صالة المنزل الرئيسية، حيث كان "مراد" ممددًا على الأريكة بوضعية عبثية، مستغرقًا في لعبة إلكترونية.
+
ما إن سمع تنحنح والده، حتى اعتدل مراد في جلسته سريعًا، خاصةً حين لمح دخول "جواد" خلفه في مشهد لا يخلو من الدراما، تضاعف حضورهما بجاذبيتهما اللافتة.
+
استقر الأب على مقعده المعتاد، بينما جلس "جواد" في مواجهة شقيقه، يفتح هاتفه ويتفقده بروتينية باردة ، حينها أغلق "مراد لعبته" وقرّر أن يشرع في لعبته المفضلة... ألا وهي مشاكسة والده وشقيقه!
+
تحدث " مراد" بنبرة ماكرة عبثية قائلًا :
+
- بقولك يا بابا .. إنت شايف ايه مواصفات الفتاة الي تنفع معايا ؟ عشان لما أشقط في الكلية اعرف انشل على المواصفات الصح !
1
رفع " جواد" بصره نحو شقيقه ببرود رغم ثبات جسده وهتف بتهكُم ساخر :
+
- تشقط !!! تنشل !!! عاوز تشقط مراتك ؟!!
+
التفت له "مراد" بعينين مستنكرتين، ورد مدافعًا:
+
- مالك إنت يعني ! مش هتبقى لايقة عليا ؟! اشقطها انشلها اخطفها والله مراتي ياعم بقا ..
+
عاد "جواد" إلى هاتفه مجددًا بنفس البرود، وقال بنبرة مُنهكة:
+
- طب كان الله في عونهم هيا وعيالها ..
+
تهكم " مراد" في نظراته ونبس باستنكار :
+
- هي هتجيلي مخلفة ولا إيه ؟!!!
+
رد "جواد" دون أن يرفع عينيه عن هاتفه، وبكل بساطة:
+
- في اعتبار ما سيكون دا لو عرفت تعيش معاك ؟
+
رفع "مراد" حاجبيه باعتراض متهكم وقال:
+
- ليه يعني ناقصني رجل ولا إيد ؟
+
- أقولك ناقصك ايه ومتزعلش ؟
+
رفع " جواد " بصره حينها له بنظرات ذات مغزى فهمها الآخير سريعًا فتراجع للورا فورًا ورفض منتفضًا بتحفظ :
+
- لا وليه الزعل خليك ساكت كلامك بيجيب مشاكل .
+
ابتسم "جواد" ساخرًا، وعاد إلى هاتفه قائلاً بلا مبالاة:
+
- عندك حق فعلا .
+
اتسعت ملامح "مراد" بانتشاء وسأله متحمسًا:
+
- اقنعتك ؟!
+
- لا صدعتني .
+
أجاب " جواد" تباعًِا دون لحظة تفكير ،لتعلو على وجه "مراد" ابتسامة باهتة، ثم عقّب ساخرًا:
+
- اودي حبك ليا فين والله !
+
لم يُجب " جواد " لكن ارتسمت بسمة جانبية ساخرة ، حينها التفت "مراد" إلى والده الذي كان متجاهلًا حديثهم منهمكًا في هاتفه، وقال بنبرة متحفّزة:
+
- نرجع لموضوعنا يا بابا ، شايف مين سعيدة الحظ الي مواصفاتها العالية تتوافق مع مواصفات معالي الدكتور مراد باشا ؟
+
أنزل "جليل" هاتفه ببطء، ونظر إلى ولده من تحت أهدابه بنظرة صابرة، ثم تحدث بنبرة رخيمة فيها مزيج من الواقعية والفتور :
+
- هو إنت عايز تتجوز ليه ؟ أكل وبجيلك أكل ، شرب وبتشرب ، فلوس وبصرف عليك ، اهتمام وبديلك عاوز أنت ايه يعني ؟
+
اجابه " مراد " مُدافعًا بتلقائية :
+
- ما ده مش كفايا في حاجات أهم من كده ..
+
وضع " جليل " كفه الأيسر تحت وجنته اليسرى وسأله بترقّب وهدوء:
+
- ايوه حاجات أهم زي إيه ؟ الجواز ايه غير أكل وشرب ومسؤولية واهتمام وعيال إنت عاوز إيه ؟
+
- عيال .
1
لم يستطع " جواد" في تلك الأثناء منع ضحكة قصيرة خرجت منه بعنف على مقال أخيه التلقائي والذي جعل والده يشاركه الضحكه الساخرة بينما " مراد" عالق في نظراته بينهم لا يفهم ، وقد سمعت والدته أطراف الحديث الأخير فشاركت معهم بابتسامة هادئة وهي تتهدى نحو مجلسهم ثم جلست بالقرب من " جواد" وهتفت نحو ولدها :
+
- مستكترين عليك يا قلب أمك ؟
+
ألتفت " مراد " نحو والدته وتابع شكوته :
+
- مش عاوزين يطلعوا مواصفات فتاة أحلامي .. مش كفاية بتواضع معاهم اخليهم يشاركوا برأيهم إلي مش مهم للعلم ومش هعمل بيه .
1
ابتسم " فاتن" بلُطف و أردفت بتسلية عبثية :
+
- يا حبيبي قد ايه متواضع يا مراد ، البت دي كسبت كتير وهيغير منها الكل خد بالك ..
+
تهجمت ملامح " مراد " على غير العادي وأردف بعد أن احتدت نبرته من العبث للصرامة وقال :
+
- كل مين ! أنا مش ناوية أظهرها لحد أنا اختياراتي مبتتقيمش
5
تتدخل " جواد " في الحوار ساخرًا بثبات عالي :
+
- هتتجوزها في السر ولا إيه ؟ لا أظهرها للكل هي ليست خطيئة
+
ألتفت له شقيقه وأردف بتحدي:
+
- لما نشوف إنت هتظهر مراتك ولا لأ ..
+
ابتسم " جواد " بسخرية واضاف بأعصاب باردة عكس الآخر :
+
- اعصابك عشان شدت يا قلبك اخوك ، ايه كل الحمقة دي وهي لسه مجتش !
+
وفي تلك اللحظات اخترق رنين هاتف "جليل" أجواء الجلسة فقطع مجريات النقاش العبثي، ليُجيب متسائلًا بنبرة هادئة:
+
- أيوه يا مريهان...
+
لكن ملامحه سرعان ما انعقدت، إذ لم تكن شقيقته على الطرف الآخر، بل ابنتها "وردة".
+
- أيوه يا ورد، عاملة إيـ...
+
توقف فجأة، وتغيرت نبرته من الاستفهام الهادئ إلى التوتر الحاد، وهو يندفع بتساؤل مشحون جذب انتباه من حوله:
+
- في إيه؟ إيه اللي حصل يعني؟
+
ساد الصمت لثوانٍ، الكل يترقب، بينما هو يستمع للطرف الآخر بانتباه، وملامحه تزداد توترًا .. الذهول والصدمة احتلا وجهه في ملامح مشدودة، حتى انفجر هاتفًا بكلمات أربكتهم:
+
- إزاي الكلام ده؟!… طيب، طيب، أنا جاي حالًا.
+
أنهى المكالمة سريعًا، وقبل أن ينهض من مكانه سبقه "جواد" بسؤال حاد:
+
- في إيه يا بابا؟
+
اعتدل "جليل" في جلسته وقال بنبرة تهدج فيها الغضب والاستنكار:
+
- ممدوح اتجنّن… وعاوز يكتب كتاب يـارا دلوقتي.
+
تقدم "مراد" سريعًا وقد تلبسته حالة تأهب، وسأل بحدة:
+
- ويـارا فين دلوقتي؟
+
أجاب "جليل" وهو يتجه نحو الباب بخطى مُسرعة وذهن شارد:
+
- يارا مش في البيت… وحالفة ما ترجع له.
+
ليتدخل " جواد" بقلق :
+
- أومـال راحـت فيـن ؟
+
ٰ
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
_ إذن ما توقعاتكم للقادم ؟
+
_هنتظر آرائكم هنا أو على جروب الفيس بوك ستجدون الرابط في وصف حسابي على واتباد، هكون متواجده هناك و أتفاعل معكم و مع آرائكم .
+
_ اسمحوا لي بتقديم اعتذار خالص على عدم ثباتي في نشر الفصول .. لذلك سأطلب منكم أمرًا وهو إني لن أذكر معاد الفصل القادم لإن ربما لا أفي بذلك الموعد وهو ما يزعج بعضكم لذا لن أطرح حُججًا سأحتفظ بها لنفسي.. لكني سأعطيكم حلًا بديلًا ..
+
_ الرواية المفروض بتنزل مرتين في الأسبوع بين كل فصل و فصل 3 -4 أيام عشان كل فصل ياخد حقه في السرد والكتابة والتخطيط لذلك قبل نشر أي فصل جديد هبلغكم قبلها بطريقتين لكم حرية اختيارها :
1- هنشره هنا على صفحة واتباد ولازم تكونوا عاملين ليا متابعة عشان توصلكم الإشعارات لما أعلن عن فصل جديد قبل موعده .
2- او على جروب الفيس - بنات فقط - والي هتلاقوا الرابط بتاعه في بايو صفحة واتباد هنا أو اطلبوا اللينك في الكومنتس وهبعته ليكم .
+
طيب وغير الطريقتين دول هل في حل آخر ؟
لا للأسف ، غير انتظار اشعار وقت نزول الفصل فجأة ..
+
ومن هنا حتى الفصل القادم ..شكرًا لحُسن قرائتكم لا تنسوني من دعائكم و السلام على قلوبكم ..
+
|| سُهى الشريف ||
+
