اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل السادس والعشرين 26 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل السادس والعشرين 26 بقلم رانيا ممدوح



                                              
كانت البحيرة المهجورة في تلك الليلة غارقة في سكون غريب، كأنها قطعة من عالم آخر لا تصلها أنفاس البشر. السماء ملبدة بالغيوم، والقمر يطل بين الفينة والأخرى كعين متلصصة، يراقب ما يجري في الظلام.
وقفت سارية على ضفة الماء، جسدها ينتفض من البرد والخوف، ويديها ترتجفان وهما تضمان وشاحها الفاخر إلى صدرها. قلبها يخفق بشدة، وعقلها يضج بأسئلة لا تنتهي:
"هل سيتذكر زين موعدهما؟ هل تجرأت على ارتكاب حماقة لا تُغتفر؟ ماذا لو رآهما أحد؟"

1


تلفتت حولها بقلق، والعتمة تلف المكان، فلا تسمع سوى صوت المياه الخافتة وهي تلامس الصخور. فجأة، دوى صوت خطوات ثقيلة تشق الصمت.
اتسعت عيناها رعبًا، وجسدها تجمد في مكانه، بينما همست لنفسها:
"يا رب، يكون هو… مش حد تاني."

+


خرج صوته من بين الأشجار، عميقًا مطمئنًا:
"خايفة من إيه؟"

2


زفرت سارية أنفاسها دفعة واحدة، وكأنها كانت محبوسة في صدرها منذ دهور، وقالت بصوت مرتجف وهي تضع يدها على قلبها:
"كنت فاكرة حد غيرك جه هنا."

+


ظهر زين أخيرًا من بين الظلام، محمَّلًا بأغراض كثيرة تكاد تسقط من يديه. كان وجهه يضيئه خيط من ضوء القمر، وملامحه تحمل ذلك المزيج الغريب من القوة والغموض الذي يجذبها ويخيفها في آن واحد.

+


رفعت حاجبيها بدهشة وهي تحدق في الأشياء التي يحملها:
"شايل إيه ده؟"

+


ابتسم زين ابتسامة جانبية خفيفة، ثم رفع ما بين يديه ليكشف عن مجموعة من الأقمشة اللامعة التي تبرق في الظلام:
"ده توب زمركشي… اللي اتفقنا عليه ، جيبتلك خمس ألوان."

+


غطت سارية فمها بكفيها بدهشة، وعيناها تلتمعان:
"كل ده عشاني؟ خمس ألوان مرة واحدة؟"

+


هز زين رأسه بثقة:
"آه، أصل أنا نسيت أسألك أنهي لون بتحبيه."

+


ضحكت بخفة رغم ارتباكها، وصوتها كان أشبه بترنيمة خافتة وسط السكون:
"كل الألوان بحبها."

+


نظر إليها بتمعن، وكأن عينيه تغوصان في أعماقها، ثم قال بنبرة دافئة:
"بس الأحمر عليكي هيكون أحلى."

+


ارتجفت سارية من وقع كلماته، وأشاحت بوجهها بسرعة محاولة أن تخفي احمرار وجنتيها:
"أنا… استحالة ألبس أحمر. المهم شايفة حاجات كتير، جيبت إيه تاني؟"

+


ضحك زين ضحكة خافتة، ثم رفع يده الأخرى، وفي ضوء القمر لمع ذهب ثقيل، خمس أساور تتدلى من يده، تصدر رنينًا خافتًا أشبه بموسيقى الفتنة.
"دول."

+


شهقت سارية بدهشة، وعيناها كبرتا كمن رأى كنزًا دفينًا:
"دول دهب!"

+


ابتسم زين بفخر وهو يضع الأساور أمامها:
"آه."

+


تراجعت خطوة إلى الخلف، وقد بدا عليها القلق والارتباك:
"بس كده كتير."

+


اقترب منها زين خطوة، وصوته أصبح عميقًا ودافئًا:
"مفيش حاجة كتيرة عليكي."

+



                                      


                
ازداد اضطراب قلبها، فوضعت يدها على صدرها وكأنها تحاول أن تهدئه:
"إنت غريب… فجأة بتظهرلي وتقدم لي كل الهدايا دي! ليه؟
أنا كنت فاكرة مجرد توب زمركشي واحد… بس."

1


اقترب أكثر، حتى أصبح بينهما مسافة نفس واحد، وقال بابتسامة غامضة:
"قبل ما تقولي ليه؟ ده كمان عطر حلو معتق عشانك… في منه أربعة، جيبتهم."

+


اتسعت عيناها أكثر، والذهول يرسم ملامحها:
"ده بجد؟ كل ده عشاني؟! أول مرة حد يجيب لي هدية… أقصد هدايا! دول كتير قوي قوي قوي رغم..."

+


أجاب زين بنبرة عاطفية، وعيناه مثبتتان عليها:
"رغم العداوة… بس بينا غلاوة، صح؟"

+


ترددت لحظة، ثم ابتسمت بخجل وكأنها تسلمت قلبها دون وعي:
"آه… أكيد. مكنتش أعرف إنكم… لطاف كده."

+


ضحك زين بخفة، ثم مال قليلًا نحوها:
"تحبي أجيبلك إيه المرة الجاية؟"

+


احمر وجهها خجلًا، وخفضت بصرها إلى الأرض وهي تعبث بيديها:
"مفيش… هو احنا هنتقابل تاني؟"

+


رفع حاجبيه بدهشة ممزوجة بالدهاء:
"زي ما تحبي."

+


همست بصوت متردد، والخوف يتسلل إلى ملامحها:
"خايفة."

+


اقترب أكثر، وعيناه تتلألآن تحت ضوء القمر:
"من إيه؟"

+


تنفست بعمق، ثم قالت بصدق، وعيناها تمتلئان بالقلق:
"إن حد يشوفنا."

+


ابتسم زين ابتسامة واثقة، وصوته صار همسًا عميقًا يلتف حول قلبها كالسحر:
"ما يهمش لو حد شافنا… اللي يهمني إنك إنتِ عايزة تشوفيني تاني… ولا لأ؟"

1


في تلك اللحظة، شعرت سارية أن العالم توقف، وأن البحيرة الموحشة أصبحت شاهدة على ولادة سر خطير، سرّ سيقلب الموازين بين القبيلتين.

+


سكتت سارية، وعيناها تزوغان في العتمة من حولها، بينما أنفاسها تتسارع كطائر مذعور يحاول النجاة من شبكة صياد. كانت تشعر بثقل الكلمات التي تتردد في أذنيها، وبشيء غامض يتسلل إلى قلبها، لا تدري إن كان خوفًا أم انجذابًا أم خليطًا من الاثنين معًا. ارتجفت شفتاها وهي تحاول أن تجد جوابًا، لكن صوتها خرج مبحوحًا، هامسًا كنسمة باردة.

+


سارية: 
"مش عارفة...تايهة.. جزء مني بيقولي نتقابل تاني ، و جزء بيقولي كفاية كده ، أصدق أنهي جزء"

+


اقترب زين منها خطوة، فانعكس ضوء القمر على وجهه الوسيم الذي حمل ملامحًا متناقضة؛ قسوة مشوبة بحنان، وغموض يثير الفضول والخوف في آن واحد. ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، لم تدرِ إن كانت دافئة أم ماكرة، ثم قال بنبرة هادئة لكن تحمل في عمقها إصرارًا عجيبًا:

+


"مش عارفة... مترددة ، تعرفي إن التردد يعني في أمل."

+


مدّ يده ببطء نحوها، وكأنه يخشى أن تنفر منه، ثم ترك أصابعه تلامس أطراف يدها بخفة، فارتجف قلبها كوتر عود مشدود. شعرت بحرارة يده رغم برودة الليل، وأدركت في تلك اللحظة أن بينهما رابطًا أقوى من مجرد لقاء عابر.

+



        

          

                
سارية بهمس مرتبك، وهي تحاول سحب يدها:
" زين... أنا خايفة."

+


زين صوت عميق، وعيناه تلمعان بتصميم:
"الخوف هو اللي بيخلينا نضيّع أجمل الحاجات و اللحظات  في حياتنا، سارية.
لو فضلنا نهرب منه، هنهرب من نفسنا.
قوليلي، أنتي عايزة أشوفك تاني... ولا لأ؟"

2


حدقت في عينيه طويلاً، وفي داخلها عاصفة من المشاعر المتناقضة. كان قلبها يدق بعنف حتى شعرت أنه سيُسمع في أرجاء البحيرة الهادئة، بينما عقْلها يصرخ محذرًا. التفتت إلى البحيرة المظلمة، حيث انعكس القمر على سطح الماء كأنه عين تراقبها بصمت.

+


سارية بصوت متهدج:
"لو حد عرف... لو بس حد شافنا... هتبقى كارثة."

2


اقترب منها أكثر، حتى صارت المسافة بينهما مجرد أنفاس متشابكة. كان صوته ناعمًا، لكنه حمل قوة جعلتها ترتعش:

+


"ما يهمنيش مين يكون شافنا... اللي يهمني حاجة واحدة بس.قوليلي... قلبك عايز يشوفني تاني؟"

2


في تلك اللحظة، شعرت سارية أن العالم كله اختفى، لم يبقَ سوى عينيه اللتين كانتا تبتلعانها في دوامة من الغموض. ترددت، ثم أغمضت عينيها كمن يقفز في بحر لا يعرف عمقه، وتركَت ابتسامة باهتة ترتسم على شفتيها المرتعشتين، لكنها لم تجبه.

+


ابتسم زين ابتسامة غامضة، كأنه فهم صمتها، ثم مال نحوها قليلًا وهمس:
"هستنى الجواب في اللقاء الجاي.كده كده هاجي بكرا في نفس الوقت و المكان، و قلبي عطشان و نفسه يرتوي بشوفتك تاني"

2


ثم دسّ في يدها زجاجة العطر الصغيرة، التي فاحت منها رائحة غامضة، مزيج من عبق الورد ونفحة دخان دافئة، رائحة تشبهه... وتشبكها به أكثر.

+


تراجعت سارية خطوة للخلف، تتلمس طريقها في الظلام، بينما كان قلبها يصرخ بداخلها. لم تدرِ إن كانت قد وقعت في حبّه... أم وقعت في فخّه.
أما زين، فظل واقفًا، يراقبها بنظرة عميقة، ابتسامة خافتة ترتسم على وجهه، كذئب صبور يعرف أن طريدته قد بدأت بالفعل في الاقتراب من شبكته.

+


عادت سارية بخطوات متسارعة، تتلفّت حولها كمن تخشى أن يكتشف سرّها أحد. كان الليل ساكنًا، والقبيلة غارقة في صمت ثقيل، فلا يُسمع سوى صوت حفيف الأشجار وهدير الريح البعيدة. ولحسن حظها، كان الجميع نائمًا، كأن القدر تواطأ معها ليمنحها لحظاتٍ خاصة لا يشاركها فيها أحد.

+


دخلت غرفتها بخفة ، سعادة لا توصف تغمرها، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم أسندت ظهرها إليه، تتنفس بارتياح وقد غمرتها نشوة النصر. وضعت الحزم التي حملتها برفق على الأرض، وجثت بجانبها، ويداها ترتجفان وهي تفتحها كما يفتح طفل هدية طال انتظارها.

+


أخرجت الأساور الذهبية واحدة تلو الأخرى، تتأمل لمعانها في ضوء السراج الخافت، فانعكس البريق على وجهها وكأنه يُشعل في عينيها لهبًا من الطمع والدهشة. لم تتمالك نفسها، فأسرعت ترتديها جميعًا في معصميها، ثم رفعت يديها عالياً، تقلّبها في الهواء، والضحكة تفرّ من بين شفتيها كهمسة نشوة.

+



        
          

                
ثم التقطت زجاجة العطر، وفاحت منها رائحة آخاذة، دافئة، تحمل شيئًا من الغموض. أمالت رأسها وأغمضت عينيها وهي ترشّ منه على عنقها ومعصميها، وكأنها تغمس نفسها في سحره. أخذت تدور ببطء، كراقصة خيالية، بينما تتخيل وجه زين أمامها، نظراته، كلماته، ولمسته التي لا تزال تشعر بحرارتها على بشرتها.

+


وقفت أمام مرآتها القديمة، لم تكن مرآة بالمعنى الكامل، مجرد لوح معدني باهت، لكن في تلك اللحظة بدا لها وكأنه نافذة إلى عالم آخر. ابتسمت في رضا وهي تهمس لنفسها، نبرة صوتها خليط من الدهشة والغرور:
"يا ترى... جاب كل ده ليه؟ و عشان ايه ؟!"

2


اقتربت أكثر، ولامست وجهها بأطراف أصابعها، ثم همست بخبثٍ وهي تميل برأسها للخلف، تغرق في خيالها:
"أكيد... عجبته."

1


توقفت للحظة، وعيناها تتلألآن بشغف، ثم أضافت بابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيها:
"أه أكيد... أعجب بيا مش بس كده ، ده مجنون بيا كمان."

1


تخيلت المشهد كما لو كان واقعًا؛ زين يقف أمامها، منبهرًا بجمالها، يقدّم لها المزيد من الهدايا، بينما هي تتدلّل عليه، وتجعله يركع عند قدميها. زادت نشوة الوهم في قلبها، فانحنت وأخذت قطعة من القماش الأحمر الذي جلبه لها، رغم أنها قالت له إنها لا تلبس الأحمر، ولفّته حول كتفيها، فزادها فتنة وجاذبية.

+


ضحكت ضحكة قصيرة متقطعة، وهي تتمايل بخفة أمام المرآة، ثم همست لنفسها في تحدٍّ خفي:
"دي كانت أول خطوة بس... والباقي جاي."

+


لكن، في ركن مظلم من الغرفة، تردّد صدى ضحكتها على نحو غريب، وكأن الظلام نفسه كان يتهامس، متربّصًا، يخبرها أن كل ما تظنه مكسبًا... قد يكون في الحقيقة بداية سقوطها.

+


ابتسمت بكبرياء:
" مفيش هتوقفني ، خلاص "
ثم رمت نفسها على سريرها في سعادة ، كمن عاد من معركة مستحيلة منتصرًا.

1


مع أوّل خيوط الفجر، تسلّل الضوء الخافت عبر نوافذ المنزل، معلنًا عن بداية يوم جديد، لكن قلب بدر كان يخفق بعنف، مزيج من خوف وقلق وأمل.
ركضت عبر الممرات الطويلة، ثوبها يرفرف خلفها، وأنفاسها تتلاحق، حتى وصلت إلى غرفة أمان.

+


دفعت الباب برفق، كأنها تخشى أن توقظه إن كان نائمًا، ثم خطت خطوة إلى الداخل، وعيناها تبحثان عنه في لهفة.
كان ممدّدًا على فراشه، وجهه شاحب، وجبينه يلمع بعرق الحمى، بينما أنفاسه تخرج متقطّعة، تثقلها الحرارة والضعف.
اقتربت بدر بخطوات مترددة، وجلست إلى جواره، تمدّ يدها بارتجاف لتلمس جبينه.

+


بدر بهمس، وعيناها تلمعان بدموع مكبوتة:
"لسه سخن… يا رب يكون تعدّى الخطر."

1


نظرت إلى وجهه المتعب، فشعرت بغصّة تخنق صدرها. كانت قد علّقت آمالها كلها على تلك الليلة، على أن يستيقظ مع شروق الشمس وقد تحرّر من سحره، يعود إليها صوته الذي تاق قلبها لسماعه، ويعود إليه دفء حياته القديمة.
لكنها وجدت نفسها أمام صمت أثقل من أي كلمة، صمت جسده المنهك الذي لم يزل يرزح تحت وطأة الألم.

+



        
          

                
ارتسم على وجهها حزن دفين، ومع ذلك حاولت أن تتمالك نفسها، فأخذت تهمس له كمن يخاطب قلبه لا أذنه:
"ارتاح يا أمان… ارتاح يا حبيبي.
أنا هنا… ومش هسيبك، ولا ثانية."

+


وقفت ببطء، وعيناها لا تزالان معلّقتين به، ثم استدارت نحو باب الغرفة، حيث كان أحد الخدم يترقب في قلق.
رفعت يدها وأشارت لهم بإشارة واضحة، وصوتها هادئ لكنه حازم:
"خلّي بالكم منه كويس… ما تسيبوش الغرفة فاضية لحظة.
لو سخن أكتر… تعالوا نادوني فورًا ، و هاتوا الطبيب يتطمن عليه."

+


أومأ الخدم برؤوسهم في طاعة، بينما انسحبت بدر من الغرفة بهدوء، قلبها مثقل بقلق لا يوصف.
وبينما كانت تغلق الباب خلفها، ألقت نظرة أخيرة عليه، كأنها تعلق أملها كله على أن تستفيق عيونه في المرة القادمة التي تراها فيها.
ثم همست لنفسها بصوت بالكاد يُسمع:
"يا رب… المرة الجاية ألاقيك بتبتسم لي، و اسمعه بيتكلم."

+


خرجت بدر من الغرفة بهدوء، تغلق الباب خلفها بحذر كأنها تغلق على قلبها، لتجد أمامها عبد ربه واقفًا بصلابة، كتفاه العريضان يشغلان الممر، وعيناه تقدحان بالقلق. بدا وكأنه لم يبرح مكانه طوال الليل، ينتظر خبرًا يطمئنه.

+


ابتسم بخفة وهو يطالع وجهها الشاحب:
"صباح الخير."

+


أومأت بدر برأسها، محاولة أن ترسم ابتسامة هادئة رغم اضطراب قلبها:
"صباح النور يا عبد ربه… خليك جنب أمان النهارده."

+


قطب حاجبيه بارتباك، فقد اعتاد أن يكون ظلها، لا يتركها في أي خطوة، حتى في أشد لحظاتها خطرًا.

+


"مش هاجي معاكي وأرافقك؟ زي العادة"

+


التفتت بدر إليه، عيناها تتحدثان قبل لسانها، تحملان حزمًا ودفئًا في آن واحد.

+


"لأ، مهمتك أمان دلوقتي… هو محتاجك أكتر مني."

3


بدت كلماتها ثابتة، لكنها أخفت وراءها اضطرابًا داخليًا، فقد اعتادت أن تعتمد عليه في كل تحركاتها، لكن قلبها لم يطمئن لترك أمورها بين يده بعد ذلك.

1


شعر عبد ربه بغرابة القرار، فبدر لم تكن يومًا لتخطو خطوة دون أن تشركه فيها أو تضعه في قلب خطتها. تسلّل القلق إلى صوته، لكن ولاءه منع اعتراضه:

+


"غريبة… أول مرة أسمع منك أمر من غير ما توضحيلي السبب."

2


لم تجبه، بل وضعت يدها برفق على ذراعه، ونظرت في عينيه نظرة فيها رجاء وحزم:

+


"أرجوك، يا عبد ربه… صدقني، دي أهم مهمة ممكن تكون اتكلفت بيها. لو حصل له أي حاجة… أنا مش هسامح نفسي، ولا هسامحك."

+


تراجع خطوتين إلى الوراء، ووقف منتصبًا كالسيف، واضعًا يده على صدره في ولاء عميق:

+


"تحت أمرك، يا بدر. حياتي كلها في خدمتك … ما تخافيش."

+



        
          

                
هزّت رأسها شاكرة، ثم استدارت لتغادر، وعباءتها السوداء ترفرف خلفها بخطى مسرعة.
تركته خلفها يتأمل الباب المغلق، وقلبه يضجّ بالأسئلة.
لماذا فجأة تُبقيه بعيدًا عنها؟
كان يعرف بدر جيدًا، يعرف أن كل حركة منها كانت بمشورة منه ، ماذا تغير الآن؟!، وأنها لا تُخفي شيئًا إلا إذا كان الأمر خطيرًا حدّ الجنون.

+


رفع عينيه إلى السماء، وتمتم بصوت خافت، كأنه يقسم:
"هعرف كل حاجة بعدين ."

3


اندفعت بدر تخطو بخطوات سريعة، كأن الأرض تشتعل تحت قدميها، حتى وصلت إلى ساحة التدريب حيث يقف طارق، رجل عجوز ذو لحية مشذبة، تغطي التجاعيد وجهه كأنها خرائط معارك قديمة. كان مهابًا، صوته يجلجل أينما نطق، وعيناه تحملان حدة لا تخفت رغم كِبر سنه.

+


حين لمحها، اعتدل فورًا، واضعًا يده على صدره احترامًا، وصوته يخرج بثبات يليق بمكانتها:

+


"أهلًا يا سي بدر، شرفتنا بقدومك."

+


لم تبتسم بدر، بل وقفت شامخة أمامه، والجدية تكسو ملامحها، وعينيها تتقدان بصلابة حديدية:

+


"أهلًا بيك يا طارق، مفيش وقت للكلام ولا المجاملات… عندي شوية أوامر لازم يتنفذوا فورًا، وبدون أي مناقشة."

+


ارتسمت على وجه طارق نظرة جدية، كمن يستعد لسماع خبر جلل، ثم أجاب بنبرة ولاء مطلقة:

+


"أي أمر، تحت أمرك يا سي بدر."

+


اقتربت بدر خطوة، حتى صار صوتها أقرب إلى الهمس المليء بالنار، كأنها تخشى أن تتنفس الريح كلماتها:

+


"عايزة أي شاب من سن التمنتاشر لحد خمسة وتلاتين يخضع لتدريب قاسي… تدريب يطلع الرجالة أسود، مش جنود عادية."

+


رفع حاجبيه بدهشة، لكنّه لم ينطق.

+


أكملت، وصوتها يزداد حزمًا:

+


"والباقي من الجنود اللي عندنا… ينزلوا على الحدود. عايزاهم يسدوا عين الشمس، ما يسيبوش ثغرة ولا فرصة لأي غريب يعدي من غير ما نعرف."

+


ثم توقفت لحظة، والتفتت بعينيها الحادتين، وكأنها ترى في ذهنها صورة بيتها محاطًا بسور من السيوف.

+


"كمان، عايز حرس حوالين بيتي، ليل ونهار، ما يدخل ولا يخرج نفس إلا وهما عارفينه."

+


طارق كان يستمع بانتباه، يزداد احترامه لها كلما زاد وضوح خطتها، ثم قال بخفوت:

+


"مفهوم يا سي بدر… في حاجة تانية؟"

+


نظرت بدر في عينيه نظرة عميقة، كأنها تغرس أمرها في قلبه:

+


"ابعت لشيخ القبايل، ولكل القبايل اللي كانوا بيدعموا والدي قبل كده. عايزهم في اجتماع بكرا، لكن تقولهم الصبح بس. محدش يعرف ولا يسمع عن الاجتماع ده قبل كده."

+


شعر طارق بالجدية الخطيرة في نبرتها، فابتلع ريقه وسأل بتردد:
"ليه التأخير يا سي بدر؟"

+



        
          

                
رمقته بنظرة حادة كالسيف:
بدر: "علشان لو كلمة واحدة من اللي قلته اتسربت… يا طارق، حياتك هتكون التمن. محدش يعرف الكلام ده غير أنا وإنت دلوقتي."

+


وقف طارق وقفة عسكرية، وضرب صدره بكفه معلنًا ولاءه:

+


"أمرك يا سي بدر، ما تقلقش… أنا حارسك من سنين طويلة، معقول مش واثق فيَّ؟"

+


ابتسمت بدر ابتسامة باهتة، لكنها لم تصل لعينيها، ثم أدارت ظهرها ببطء وهي تفكر في صمت، كلمات لا تسمح لها بالخروج من قلبها:
"مش هثق في حد…  وأنا مش عارفة الضربة جاية منين… حتى لو كان أقرب الناس لي."

+


وتركت طارق خلفها، بينما يراقبها بعينيه، مدركًا أن هناك عاصفة تقترب، ولا يعلم أحد إن كانت ستهدم القبيلة… أم ستحميها.

+


كانت الليلة غارقة في سكون ثقيل، والبحيرة المهجورة تلفّها هالة غامضة من ضبابٍ رقيق يتراقص تحت ضوء القمر الشاحب. الهواء البارد يعبث بخصلات شعر سارية وهي تشق طريقها بخطوات مترددة، قلبها يخفق بقوة، ونبضه يتسابق مع صوت حفيف الأعشاب تحت قدميها.

+


لمحها زين من بعيد، فابتسم ابتسامة خافتة، تخفي وراءها مزيجًا من اللهفة والدهشة، ثم قال بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يوقظ أرواح المكان:
"كنت هامشي كمان شوية."

+


زفرت سارية أنفاسها في ارتياح، وهي تضع يدها على صدرها، ثم ردّت بسرعة:
"كويس إني جيت."

+


أمال زين رأسه قليلًا، تتأرجح في عينيه نظرة عتاب ممزوجة بخيبة أمل، وقال بنبرة هادئة لكنها مشبعة باللوم:
"مكنتش متخيل إنك تيجي بصراحة."

+


رمقته سارية باستغراب، حاجباها ينعقدان بخفة:
"ليه؟"

+


أطلق زين تنهيدة طويلة، وهو ينظر إلى البحيرة وكأنه يستمد منها بعض الشجاعة قبل أن ينطق بما في قلبه:
"كلامك امبارح خلاني فقدت الأمل."

+


لم ترد سارية مباشرة، بل تركت كلماته تتبدّد في الهواء. نظرت حولها في محاولة لتغيير مسار الحديث، وكأنها تخشى الغوص في أعماق ما يقوله. عينيها تجولان على أطراف البحيرة قبل أن تقول، بصوتٍ يكسوه حنين ممزوج بمرارة:

+


"تعرف المكان ده كان ايه؟"

+


رفع زين حاجبيه، متسائلًا:
"ايه؟"

+


ابتسمت سارية ابتسامة شاحبة، كأنها تتذكر شبحًا من الماضي، وقالت:
"كان عمي سالم يحب يجي هنا ويعمل قعدة مع كبارات القبائل... وساعات لوحده. تخيّل مين مايكونش حاضر؟"

+


اقترب زين خطوة، فضوله يشتعل:
"مين؟"

+


اتسعت عيناها قليلًا، وفي صوتها غضب دفين:
"أبويا... ناجي."

+


صمت زين لحظة، يحاول قراءة انكسارها، ثم قال بصوت خافت:
"ياه..."

+


زفرت سارية بعمق، وكأنها تفرغ حملًا من قلبها، وراحت تكمل، عيناها تلمعان بدموع مكبوتة:
"آه... دايمًا أبويا منسي، والكل في الكل...سالم مش ناجي رغم إنه هو الأكبر. حتى بعد موته. ولما أبويا كان ماسك الحكم كله، يجيب سيرة سالم ويشتم ناجي!"

6



        
          

                
كتمت غصتها، لكنها سرعان ما همست، وصوتها يرتجف كأوراق الخريف:
"محدش يعرف الإحساس ده... إحساس إن الإنسان يكون مهمّش... كأنه مش موجود."

+


كانت كلماتها كسهمٍ أصاب قلب زين. جلس بهدوء، ووجهه يكسوه شجن عميق، وعيناه تغيم بهما أطياف حزن قديم، ثم قال بصوت مبحوح، كأنه يشاركها جرحًا دفينًا:
"إحساس صعب جدًا... يكون حد واخد كل الاهتمام... والحد التاني منسي، كأنه مجاش الدنيا. وحتى لو عمل حاجة حلوة وكويسة، مش ينشاف، ولا حد يشكره يشوفوا الوحش بس ."

+


نظرت إليه سارية بدهشة، وكأنها وجدت مرآة لروحها في كلماته، فتمتمت:
"صح... إنت فهمتني كده إزاي؟ إنت كملت كلامي اللي مكنتش عارفة أوصفه"

1


كان هناك لحظة صمت كثيف بينهما، كأن البحيرة نفسها تحبس أنفاسها، قبل أن يقرر زين أن يبدد ذلك الثقل. اعتدل في جلسته، وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيه وهو يقول:

+


"سهينا في الكلام، ونسيت أوريكي اللي جيبته معايا."

+


ارتسمت ملامح الفضول على وجه سارية، وعيناها تتسعان:
"ايه ده؟"

+


أخرج زين علبة صغيرة من جيبه، فتحها برفق، ليظهر في ضوء القمر الداكن كحل أسود، يلمع كبريق الغراب في الليل، ثم قال وهو يرفع حاجبه بخفة:
"ده كحل للعين، أصل أنا بحب العين الكحيلة."

+


ضحكت سارية ضحكة قصيرة، وفيها شيء من الخجل:
"بس أنا مبعرفش أحطه، ولا عمري في مرة رسمت عيني."

+


اقترب زين منها خطوة بخطوة، صوته ينخفض، وعيناه تلمعان بمكرٍ خفي:
"احطهولِك أنا."

2


تسمرت سارية في مكانها، قلبها يخفق بجنون، بينما اقترب منها حتى باتت أنفاسه تلامس وجنتها، ورائحة العطر التي جلبه لها بالأمس تتسلل إلى حواسها. كانت يداه ثابتتين بشكل مثير للريبة، بينما رفع الكحل برفق، وكأنه يمارس طقسًا سحريًا.

+


في تلك اللحظة، لم يكن هناك بحيرة، ولا ماضٍ، ولا و لا مستقبل و لا قبائل. كان هناك فقط زين وسارية، وشرارة غامضة تشتعل بينهما، تهدد بابتلاع كل ما حولها لا يدرك أي منهما أي حفرة يغرقون.

+


كانت سارية ما تزال واقفة أمامه، وعيناها نصف مغمضتين بينما يده تقترب من وجهها في رفق، كأنها تلمس قلبها لا جفنها. وبرغم ارتجاف أطرافها، كانت في داخلها عاصفة من الأفكار تشتعل، أصوات متداخلة بين الشك واليقين، بين الخوف والرغبة.

+


همست في نفسها، وصوتها الداخلي يتهدج كأنها تعترف بخطيئة:
"معقول... أكون ظلمته؟ فكرت فيه غلط من البداية؟ كل مرة بيثبتلي إنه حنون و عطوف و فاهمني، أول مرة حد يعمل معايا كده"

5


ابتلعت ريقها، وحمرة خفيفة صعدت إلى وجنتيها، بينما شريط من الذكريات يتراقص في ذهنها، كل لحظة حذّرها قلبها منه، وكل كلمة سمعتها عن نواياه المريبة. لكن الآن، أمام عينيه اللتين تشعّان بهدوء غامض، وجسده الذي يتصرف بثقة وثبات، بدأت جدران شكوكها تتصدع.

+



        
          

                
"يمكن... فعلاً نيته سليمة؟"

+


هكذا تساءلت في قلبها، وكأنها تتشبث بخيط أمل واهن. كان المشهد كله غارقًا في ضوء القمر، والبحيرة خلفهما تعكس صورتهما كلوحة أسطورية. في تلك اللحظة، بدا زين كأنه ليس خصمًا ولا غريبًا، بل منقذًا جاء ليعيد لها بعض الفرح الذي سُلب منها.

+


"يمكن بيحاول يفرحني... يمكن شايف فيا حد يستحق يهتم بيه... يمكن... حبني."

1


شعرت بحرارة أنفاسه تلامس بشرتها، فتضاعف خفقان قلبها، وجف حلقها حتى كادت تفقد صوتها. نظرت إلى عينيه مرة أخرى، ووجدت فيهما شيئًا لم تفهمه، شيئًا بين الحنان والسر، بين الوعد والتهديد.

+


لكنها، في تلك اللحظة، اختارت أن تصدّق الوهم الجميل، ولو للحظة، أن زين لا يحمل لها إلا الخير، وأن كل تلك الهدايا لم تكن طُعمًا في فخ، بل عربون محبة خالصة.

+


ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، لا تكاد تُرى، بينما همست بخجل لم تسمعه أذناه، لكن قلبها ارتجف به:
"يمكن... أكون غلطانة، وهو... صح."

+


تجمدت سارية في مكانها، وكأن سؤال زين اخترق أفكارها التي كانت تحاول إخفاءها خلف ملامح هادئة.
تسارعت دقات قلبها، وشعرت بحرارة الدم تتدفق إلى وجنتيها حتى صارتا قانيتي الحمرة، كأنها قد انكشفت أمامه تمامًا.

+


ابتسم هو ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن بريئة، بل محملة بالفضول والدهاء، وعيناه تتفحصان وجهها بعناية كما لو كان يقرأ ما في أعماقها.
مال بجسده قليلًا نحوها، صوته يخرج رخيمًا، يحمل دفئًا مصطنعًا:
"بتبتسمي ليه كده؟"

+


ارتبكت، حاولت أن تبحث عن أي كلمات تنقذها من الموقف، لكن لسانها انعقد، واكتفت بأن تدير وجهها بعيدًا عنه، متظاهرة باللامبالاة، بينما قلبها يخفق بقوة حتى كاد أن يفضحها.

+


رفعت يدها تتظاهر بلمس ملابسها، كأنها تصلحها، وقالت بسرعة:
"مفيش... بس افتكرت حاجة قديمة."

+


رفع زين حاجبيه، وفي عينيه بريق لم تفهمه، خليط من الشك والمرح:
"قديمة؟ ولا حاجة ليها علاقة بيا؟"
قالها وهو يقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه تداعب أذنها، فارتجفت دون إرادة منها، وابتلعت ريقها بصعوبة.

+


أخذ خطوة للوراء، يراقبها بعيني صياد ماهر يدرس فريسته، ثم ضحك ضحكة قصيرة، لكنها محملة بالمعاني:
"شكلك مش هتعترفي بسهولة... بس هعرف، حتى لو ما قلتيش."

+


شعرت سارية وكأن الأرض تهتز تحت قدميها، فهي لا تعرف إن كان يمزح أم يهددها، لكن شيئًا ما في داخلهما كان يخبرها أنه يعرف أكثر مما يظهر.
فأخفضت عينيها، وأجابت بصوت خافت، كمن يستسلم:
"زين... بلاش أسئلة كتير النهاردة."

+


ابتسم زين ابتسامة واسعة، وفي صوته نبرة انتصار:
"ماشي... بس خلي بالك، الابتسامة دي بتفضحك أكتر من الكلام."

+



        
          

                
في قلبها، كانت سارية تصرخ بين الخوف والرغبة، تتساءل إن كان قد كشف ما تخفيه، أم أنه فقط يتلاعب بها بخيوطه الحريرية، مثلما يتلاعب القمر بموج البحيرة الساكنة.

+


ارتبكت سارية بشدة، كأن قلبها قفز إلى حلقها، حين أطلق زين كلماته التي بدت كالسهم المصوَّب نحو أعماقها.
اقترب منها خطوة، فارتجفت هي تلقائيًا، وتراجعت نصف خطوة إلى الوراء، لكن ظهرها اصطدم بجذع شجرة باسقة، فوجدت نفسها محاصرة بين قوته وهيبة الليل.

+


ابتسم زين، تلك الابتسامة الماكرة التي لا تعرف هي إن كانت تخفي لطفًا أم نوايا مظلمة، وصوته خرج عميقًا، رخيمًا، يحمل شيئًا من السخرية:
"وشك بقى لونه أحمر..."

+


رفعت يدها إلى وجنتيها بسرعة، تتحسس سخونتهما، وكأنها تكشف سرّها الذي أفشته حمرة وجهها، ثم تمتمت مرتبكة، محاولة الهروب بالكلمات كما تهرب العصافير عند سماع صوت صقر:
"لا... لا، الجو برد... يمكن علشان كده."

+


ضحك زين ضحكة قصيرة، لكنها حملت بين طياتها إدراكًا عميقًا:
"الجو برد؟" قالها وهو يمد يده ببطء، ليمسك خصلة من شعرها تساقطت على جبينها، ثم تركها تنساب بين أصابعه.
"بس جسمك بيرتعش، مش من البرد... من حاجة تانية."

+


ازدادت أنفاس سارية اضطرابًا، وعينيها تلمعان تحت ضوء القمر، كأنهما أسرى في فخ لم تُدرك أنه قد نُصب لها.
حاولت أن تبدو قوية، فرفعت رأسها بشيء من العناد، وقالت بصوت مهتز:
"زين... كفاية كلام. أنا مش بحب النوع ده من الهزار."

+


أمال رأسه قليلًا، يدرس ملامحها بعينيه الحادتين، ثم اقترب أكثر حتى صار صوته يلامس قلبها قبل أذنها:
"ومين قال إني بهزر؟"

2


كادت أن تجيبه، لكن الكلمات خذلتها، فبقيت صامتة، وعيناها تهربان منه كما يهرب القمر خلف الغيوم.
ضحك زين بخفوت، ثم تراجع فجأة، وكأنه استمتع بتركها معلَّقة بين الخوف والفضول.
قال بهدوء، بينما كان ينظر إلى البحيرة الهادئة:

+


"خلي بالك يا سارية... الوش اللي بيحمر كده، سهل جدًا يتقرأ زي الكتاب المفتوح."

+


في داخلها، كان قلبها يصرخ: 
"لو عرف اللي جوايا، هيعمل إيه؟"
لكنها لم تُظهر شيئًا، بل ابتسمت ابتسامة متكلفة، محاولةً أن تخفي ارتباكها، فيما زين يبتسم ابتسامة أوسع، كأنه قرأ كل ما حاولت أن تخفيه.

+


زين ابتسم بخفة، وعيناه تتأملانها بعمق وكأنهما يقرآن ما يدور في قلبها، ثم قال بصوت خافت:
"أنا نفسي الوقت يقف… علشان أفضل شايفك كده، مبتسمة و خجولة و وشك أحمر زي الطاطم، وقلبك مرتاح."

2


ارتبكت سارية، وأخفضت نظرها سريعًا حتى لا يلاحظ ارتجاف شفتيها، لكنها لم تستطع منع دقات قلبها من التسارع.
ترددت قليلًا ثم همست:
"زين… إنت بتقول كده ليه؟"

+


اقترب منها خطوة، وعيناه لم تفارقا وجهها:

+


"علشان وجودك… بيريحني. ولأول مرة في حياتي أحس إن فيه حد ممكن يفهمني من غير ما أتكلم."

+



        
          

                
تراجعت سارية نصف خطوة للخلف، محاولةً استعادة توازنها:
"بس… يمكن تكون فاهمني غلط، أو أنا اللي فاهماك غلط."

+


ضحك زين بخفة، لكن خلف ضحكته كان هناك حزن واضح:
"يمكن. بس اللي متأكد منه إني مش عايز اللحظة دي تخلص ، و أنتي كمان برضو ."

1


في تلك اللحظة، ترددت كلمات سعدون السامة في رأس سارية، فتبدلت ملامحها فجأة، وحاولت أن تبدو أكثر حذرًا.
همست لنفسها:
"يا ترى هو فعلاً صادق… ولا دي لعبة جديدة؟"

+


لاحظ زين الشرود في عينيها، فمال برأسه قليلًا وقال بقلق:
"سارية، إنتي كويسة؟"

+


ابتسمت ابتسامة باهتة وأجابت:
"آه… كويسة، بس يمكن تعبت شوية."

+


لكن داخلها… كان الصراع يشتعل.

+


ابتسمت سارية بخجل وهي تحاول إخفاء ارتباكها، ثم قالت مازحة:
"أنا هامشي بقى… أصل كلامك حلو، ومش عايزة أتعود عليه."

+


ضحك زين ضحكة قصيرة، لكن في عينيه كان هناك بريق لم تستطع تجاهله، ثم قال بهدوء:
"طيب… امشي، بس خلي بالك… أنا كمان ممكن أتعود على وجودك، وساعتها هبقى ألومك لو بعدتي."

2


ازدادت دقات قلبها بقوة، فخفضت رأسها سريعًا كي لا يلاحظ ارتجاف ملامحها، ثم خطت خطوة للوراء.
"مع السلامة يا زين."

+


رد وهو يتابعها بعينيه:
"في أمان الله يا سارية."

+


خرجت مسرعة، بينما تختلط في عقلها كلماتها مع بدر التي ما زالت تتردد في أذنها بأنها سهلة الاصطياد.
وهي تمشي، همست في نفسها:
"يا رب… يكون كلامه صادق، ومايكونش بيضحك عليا ."

+


لكن في أعماق قلبها، شعرت بارتباك شديد… جزء منها أراد أن يصدقه، وجزء آخر ظل يصرخ محذرًا إياها.

+


عاد زين من لقائه مع سارية، يخطو بخفة غير معتادة، وابتسامة عريضة تعلو وجهه كأن الليل قد استعار من سعادته نورًا. كان قلبه يخفق بحماس، ولا يزال عبير عطرها عالقًا في أنفاسه، يتردد كأغنية لا يمل سماعها. دخل القصر بخطوات هادئة، متوقعًا أن الجميع قد غرق في النوم، لكن ما إن وطأت قدماه فناء القصر حتى لمح ظلًا واقفًا وسط الظلام، كتمثال يترقب.

2


صوت أمه، رشيدة، انساب حادًا يقطع هدوء الليل:

+


"زين."

+


توقف في مكانه، واعتدل في وقفته على الفور:

+


"نعم يا أمي."

+


تقدمت رشيدة خطوة إلى الأمام، فظهر وجهها تحت ضوء القمر، ملامحها متجهمة وعيناها تلمعان بقلق مكبوت.

+


"كنت فين؟"

+


ابتسم زين ابتسامة صغيرة، يحاول بها التخفيف من حدّة نبرتها.

+


"كنت بعمل اللي اتفقنا عليه."

+


رفعت حاجبيها في شك، لهجتها لا تحمل رضا:

+



        
          

                
"آه… بنت الحمدانية، صح؟"
ثم نظرت إليه مطولًا، كأنها تفتش أعماقه:
"مش ملاحظ إنك متغير يا زين؟"

+


شعر زين بالارتباك للحظة، لكنه حاول إخفاءه:

+


"مالي يعني؟"

+


أشارت بيدها إلى وجهه، وصوتها يحمل نبرة اتهام خفية:

+


"مبسوط… ووشك هينط منه الفرحة."

4


ضحك زين ضحكة قصيرة، يخفي بها اضطرابه:

+


"ده عشان خطتنا ماشية كويس، مش أكتر."

+


تقدمت منه رشيدة، عيناها تضيقان بحذر:

+


"زين… البنت دي جميلة، وأنا خايفة… خايفة تعشقها… وتعشق قربها، وتنسى ليه بدأنا ده كله."

+


رفع زين رأسه بثقة مصطنعة:

+


"ما تخافيش يا أمي، كل ده عشان الخطة… لا أكتر ولا أقل."

2


لكن رشيدة لم تقتنع، وضربت قلبها الشكوك. صمتت لحظة ثم قالت بصوت يقطر شكًا:

+


"بس… الكحل، يا زين، مش بيتقدم لواحدة بتمثل عليها الاهتمام. إنت عارف الكحل بالنسبة للقبيلة يعني إيه؟"

2


تجمدت ابتسامة زين، حدّق في أمه بصدمة ممزوجة بالريبة:

+


"عرفتي منين إني خدت كحل؟"

+


ارتسمت على وجه رشيدة ابتسامة خفيفة ماكرة:

+


"أم صابر قالت لي. وقالت لي كمان إنك وصّيت على عقد!"
ثم تابعت بصوت أعلى، يفيض باللوم:
"لبس… وقلنا ماشي. عطر… وقلنا زي بعضه. ذهب… قلنا يمكن يعدّي.
لكن كحل يا زين؟! كده كتير… كتير أوي."

4


تنهد زين وهو يحاول الدفاع عن نفسه، رغم أن قلبه كان يرتجف من قسوة الحقيقة التي لامستها أمه:
"هي بتحب كده، يا أمي. فلازم أتفنن في الهدايا… أبهرها لحد ما تكمل خطتنا."

1


اقتربت رشيدة أكثر، حتى صار وجهها أمام وجهه مباشرة، وعيناها كأنهما سهام تخترق قلبه:

+


"و بعد ما تبهرها… يا زين؟"

1


ساد صمت ثقيل. لم يرد زين، وكأن الكلمات قد جمدت على شفتيه. كان داخله صراع عنيف، بين ما يدّعيه من التمثيل، وبين شعور بدأ ينمو في قلبه رغماً عنه.

+


هزّت رشيدة رأسها بأسى، وقالت بصوت يقطر خوفًا وغضبًا:
"أنا خايفة… خايفة تبهرها، وهي تبهر قلبك… فتجرك ناحيتها. وساعتها يا زين… هتغرق.
وهتغرق في مكان… مش مسموح فيه الغرق."

1


ثم استدارت، وغادرت الفناء بخطوات ثابتة، تاركة خلفها صدى كلماتها يتردد في أذنه كجرس إنذار.
وقف زين في مكانه، يحدّق في الظلام، بينما وجه سارية يمر أمام عينيه كطيفٍ آسر، في الوقت ذاته الذي يتردّد فيه صوت أمه محذرًا… ممزقًا قلبه بين الواجب والرغبة.

+


وقف زين في الفناء بعد أن غابت أمه في ظلمة القصر، وبقي وحده تحت سماء محمّلة بالنجوم التي لم تُضئ عتمة قلبه.
كان كل شيء حوله ساكنًا، إلا روحه التي تضجّ بصراع عنيف.
رفع رأسه إلى الأعلى، وأغمض عينيه محاولًا أن يطرد صورة سارية، لكن ملامحها كانت تتسلل إلى فكره بعناد، كنسمة عطرها الذي لا يزال يلتصق بثوبه.

+



        
          

                
تمتم بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يسمع صوته أحد:
"هي عندها حق… أمي عندها حق."
فتح عينيه فجأة، يحدّث نفسه بحرقة:
"الخطة… الخطة أهم من أي حاجة. أنا مش هنا عشان أعيش قصة حب ولا أدوّر على دفء في حضن حد.
أنا هنا عشان أحقق اللي تربّيت عليه… الانتقام، والكرامة، وثأر السنين."

+


لكن صوته سرعان ما خفت، وصار أشبه باعتراف موجوع:
"بس… ليه أول ما بشوف سارية بنسى كل ده؟
ليه ابتسامتها بتخليني أحس إن الدنيا كلها وقفت، وإن مفيش غيرها؟
حتى لما بتمد إيدها تاخد مني هدية… قلبي بيخونني، وبيفرح كإني بديها الدنيا كلها."

1


ابتسم ابتسامة حزينة، ومرر يده على وجهه كمن يحاول مسح ضعفه:
"أنا غبي… آه، غبي.
كنت فاكر نفسي ممثل بارع، ألعب دور المعجب، وهي تصدق، وأنا أضحك في سرّي.
لكن الحقيقة… أنا اللي صدقت التمثيل.
أنا اللي غرقان في الدور."

+


تذكر كلمات أمه عن الكحل، فاشتدّ قبضته بغضب:
"هي قالت إن الكحل مش بيتقدّم إلا للي فعلاً ليها مكانة…
وأنا… أنا قدمته بدون ما أفكر.
يمكن… يمكن قلبي كان سابق عقلي، وأنا حتى مش داري."

1


جلس على حجر قديم في الفناء، وأخذ يحدّث نفسه بنبرة مترددة، نصفها وعد ونصفها تهديد:
"لا يا زين، فوق!
هي مجرد وسيلة… وسيلة، مش أكتر.
هتبهِرها… هتخليها تثق فيك… لحد ما تكمل الخطة.
بس بعدها… بعدها ترجع زي ما كنت.
قلبك ملك للثأر… مش للحب."

+


لكن صوته انكسر وهو يهمس:
"بس يا ترى… لو جي اليوم ده، هعرف فعلاً أرجع؟
ولا هي هتكون أخدت مني كل حاجة… حتى نفسي؟"

+


سقط صمت ثقيل، ولم يبقَ سوى دقات قلبه، تتناوب بين صوت أمه الحازم وصوت سارية الحنون، كحرب خفية لا مفر منها.
رفع رأسه أخيرًا، وعيناه تحملان عزيمة ممزوجة بالخوف:
"لازم أختار…
بس يا ترى، لما ييجي وقت الاختيار… هختار مين؟ أمي… ولا سارية؟
الثأر… ولا قلبي؟"

2


ثم نهض ببطء، يسير في الظلام، وهو يدرك أن الليل القادم سيحمل معه صراعًا أعنف من أي معركة خاضها من قبل.
همس لنفسه مرة أخيرة قبل أن يبتلعه الظلام:
" طول عمرك سهمك يشبه قسوة الحجر و تيجي واحدة تشبه الورد تبطل قسوته و تشوف لينه و حنيته "

1


  
بدأ الناس يتوافدون على خيمة سعدون، وجوه متحمسة وعيون تلمع بالغضب والرغبة في الانتقام. كانوا قد صدّقوا كلماته وامتلأت قلوبهم بالإيمان بفكرته، حتى أصبحوا مستعدين لفعل أي شيء يطلبه منهم. وقفوا أمامه في صمت مترقب، وكأنهم ينتظرون كلمة واحدة منه لتشتعل النار في قلوبهم وتتحول إلى أفعال.

+


جلس سعدون على مقعد مرتفع وسطهم، يراقب وجوههم بشموخ ورضا، كملك ينظر إلى جيشه قبل المعركة. كان يعلم أنه نجح في بث سمومه في عقولهم، وأنهم الآن تحت أمره. ساد الصمت للحظات، صمت ثقيل لم يقطعه سوى أنفاسهم المتسارعة، قبل أن ينهض سعدون ببطء، فتتوجه إليه كل الأنظار، ينتظرون تلك الجملة التي ستحدد مصير القبائل.

+



        
          

                
ابتسم ابتسامة خفيفة، ورفع يده إشارة لهم بالثبات، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم:
"ما تقلقوش ، الخير كله مستنيكم."

+


تعالت الهمسات بين الناس، والحماس يتصاعد في قلوبهم، بينما اكتفى سعدون بالصمت بعد كلماته القليلة، مدركًا أنه قد أشعل النار بما يكفي، وأن الخطوة القادمة ستكون على الجميع لا رجعة فيها.

+


ترك سعدون جموع الناس التي التفت حوله، وابتسامة مكر تعلو وجهه، ثم توجه بخطوات ثابتة نحو قصر الشرقاوية. كان يحمل في جعبته ما يظن أنه سيجعل مكانته ترتفع في عيون صقر، وربما يمنحه هذا فرصة لمزيد من النفوذ.

+


وصل إلى القصر، وطلب لقاء صقر على الفور. انحنى الخادم قليلًا ثم أسرع صاعدًا ليبلغ سيده، لكن من سوء حظ سعدون أن جمال، والد صقر، كان مستيقظًا في تلك اللحظة. التقط كلمات الخادم، فتجمد مكانه، وارتسمت على وجهه علامات الغضب والريبة. تقدم بخطوات ثقيلة حتى وقف خلف الخادم، صوته يخرج قاسيًا كالسوط:

+


"من امتى الغجر بيدخلوا بيت جمال؟"

1


استدار سعدون بهدوء، محاولًا إخفاء توتره، ثم ابتسم ابتسامة متصنعة وقال:
"بس لما تعرف جايلك ليه، هتغير رأيك... ويمكن كمان تبني لي بيت في الشرقاوية."

+


ازداد غضب جمال، فتقدّم خطوة مهددًا:
"لو ما اتحشمت، لقطعت راسك!"

1


رفع سعدون كفيه مستسلمًا، محاولًا تهدئته:
"اصبر بس يا شيخنا... اسمعني، وبعدين احكم."

+


في تلك اللحظة، نزل صقر من الأعلى، وعيناه تتفحصان المشهد.
سعدون بسرعة وهو يفتح ذراعيه مرحبًا:
"يا أهلا بكبيرنا وصاحب الخير علينا."

+


التفت جمال إلى ولده بعصبية:
"في إيه يا صقر؟ تعرفه منين ده؟"

+


رد صقر ببرود:
"ده من الغجر."

+


جمال وهو يرمقه بنظرة استنكار:
"ما أنا عارف، فاكرني ما أدري بأي شخص يدخل داري؟"

+


تدخل سعدون ليقطع الجدال، محاولًا السيطرة على الموقف:
"يا باشا منك ليه، مفيش وقت للكلام... اسمعني، وأنا واثق إنك مش هتندم."

+


أشار صقر برأسه أن يتكلم:
"قول وخلصنا."

+


اقترب سعدون خطوة، صوته ينخفض قليلًا كأنه يروي سرًا:
"حبيت أرد لك معروفك وجميلك علينا... وخليت لك قبيلة الحمدانية مولّعة نار."

+


صقر اتسعت عيناه بصدمة، بينما جمال أدار وجهه نحوه ببطء، والدهشة تحولت تدريجيًا إلى ابتسامة تداري نبض قلبه الذي كاد ينفجر:
"إزاي؟"

+


جمال بابتسامة ساخرة:
"بتقول إيه يا سعدون؟"

+


سعدون بنبرة فخر:
"شوية كلام زرعتهم بينهم... خليتهم يكرهوا شيخهم ويخافوا منه، والنار هتفضل تكبر لحد ما تحرقهم."

1


صقر في نفسه، وهو يضغط على أسنانه: 
"يخرب بيتك، هو أنا كنت ناقصك يا غبي!"

1


جمال بصوت هادئ لكنه مشبع بالدهاء:
"جدع... وبعدين؟"

+



        
          

                
سعدون:
"دلوقتي مستني إشارة من صقر باشا عشان أكمّل اللي بدأته."

+


صقر بسرعة محاولًا السيطرة على الوضع:
"ما تعملش حاجة دلوقتي."

+


جمال وهو يرمق سعدون بعين ماكرة:
"صح، استنى شوية... بس كمل شغلك ده، وحافظ على النار مولّعة، لأن شكلنا هنحتاجك قريب جدًا روح دلوقتي."

+


ابتسم سعدون بخبث، بينما صقر شعر بأن الأمور تنفلت من بين يديه، وأدرك أن والده يرى في هذا الغجري أداة لمؤامرة أكبر.

+


جلس جمال على الكرسي الكبير في قاعة القصر، وقد بدا عليه الفخر والاعتزاز، بينما كان ينظر إلى ولده صقر بعينين تلمعان بدهاء. ارتشف جرعة من شرابه، ثم قال بصوت جهوري، تغلب عليه نبرة الانتصار:
"جدع يا صقر، إزاي فكرت في كده؟ دماغك ألماس! قدرت تسيطر على الغجر إزاي؟"

3


ابتسم صقر ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه، وضحك مجاملًا وهو يخفي ما يدور بداخله:
"بنتعلم منك يا بوي."

2


لكن في داخله كان قلبه يضج بالقلق، وعقله يشتعل بالأفكار، يتساءل: "إزاي أقدر أخرج بدر من المأزق اللي اتورطت فيه من غير ما أبويا يشك فيا؟"

+


نهض جمال من مكانه، وسار ببطء نحو صقر، ثم وضع يده على كتفه بثقل، وكأنه يحمّله إرث أجداده:
"قربت يا صقر... حلمي وحلم جدي هيتحقق قريب جدًا."

+


رفع صقر حاجبيه في حذر:
"هو إيه يا بوي؟"

+


ابتسم جمال ابتسامة مفعمة بالكبرياء، وعيناه تحملان بريقًا من الماضي:
"إن الشرقاوية والحمدانية يكونوا حاجة واحدة... ومهما حصل، ده لازم يكون هدفك إنت كمان."

+


تراجع صقر نصف خطوة، وعينيه ضيقتا الدائرة على والده، يحاول فهم أعماق نواياه:
"ليه بنعمل كده؟"

+


جلس جمال مجددًا، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ يحكي القصة، صوته يقطر غضبًا ممزوجًا بالحزن:
"زمان... كان عندنا عز وأراضي تملأ عين الشمس. جدي كان من أسياد البلد، والكل كان يحسب له ألف حساب. لكن حظه الزفت... شاف عمة سالم بنت الحمداني."
سكت قليلًا، ثم أضاف بنبرة مشحونة بالمرارة:
"حب يتجوزها، قلبه مال ليها، لكن لما اتقدملها... عاملوه معاملة وحشة، وكأنه واحد جربان لا يسوى. اتقدم مرة، اتنين، تلاتة... وفي كل مرة يذلوه ويرفضوه."

1


شد قبضته وهو يتذكر حكايات أجداده، وصوته ارتفع مع الغضب:
"وفي الآخر، جوزوها لشيخ قبيلة تانية، وكأنهم بيقولوا لجدي إنه مش من مستواهم! من يومها، قرر جدي يعاقبهم... عمل قبيلة خاصة بيه، وسماها الشرقاوية لأنه اشترى السهل الشرقي كله بفلوسه، في الوقت اللي الحمدانية كانوا واخدين السهل الغربي."

2


ثم أشار بيده بفخر، كأنه يستعرض أمجاد عائلته:
"وبفضل شطارتنا في التجارة، كبرنا، وكبرت قبيلتنا... الحمدانية كانوا رافضين يكون لينا مكان، رافضين نعلي راسنا فوق راسهم. لكن غصب عن الكل، عملناها... وخلينا الشرقاوية اسم يهابه الكبير قبل الصغير."

+


ظل صقر صامتًا، يتأمل كلمات أبيه، بينما في داخله صراع مرير بين الدم والضمير. أطلق ضحكة قصيرة مليئة بالتهكم:
"يبدو إن رجال عيلتنا قدرهم دايمًا يحبوا ستات بتكرههم."

1


نظر جمال إليه، وفمه ينعقد في ابتسامة باردة، فيها خليط من الحزن والكبرياء، بينما صقر شعر أن الطريق الذي يسير فيه والده قد يُغرق الجميع في بحر من الدماء.

+


جمال فجأة، وبصوت يشوبه القلق والدهشة، قال وهو يضرب بكفه على ذراع الكرسي:
"جالي خبر إن بدر طلب مقابلة شيخ القبايل... وشيخ كذا قبيلة كانوا بيحبوا سالم، كلهم عنده في اجتماع. تفتكر ليه؟"

2


في تلك اللحظة، أدار صقر ظهره لوالده ببطء، وكأن قلبه يرقص نشوة بانتصار صغير. ارتسمت على وجهه ابتسامة ملتوية، ابتسامة أقرب إلى ابتسامة مجنون، بينما همس في نفسه، وكأنما يكلم ذاته:
"سمعت كلامي... وعملت بنصيحتي يا بدر."

2


لم يلحظ جمال تلك الابتسامة، إذ كان غارقًا في أفكاره، فتابع متحمسًا، صوته يعلو مع تصاعد توتره:
"لا... وكمان طلب شباب القبيلة يتدربوا تدريب قاسي! وعايز يملأ الحدود جنود، كأنهم جيش يسد عين الشمس."
توقف قليلًا، وابتسامة خبيثة ارتسمت على وجهه وهو يحدق في الفراغ، ثم قال بنبرة مفعمة بالريبة:
"شكله بيخطط لحاجة كبيرة... ويا ريت اللي في دماغي يطلع صح."

+


التفت صقر بسرعة، يخفي انفعاله خلف ملامح جامدة، وسأل بحذر:
"إيه اللي في دماغك يا بوي؟"

+


مال جمال بجسده للأمام، وكأنما يكشف سرًا خطيرًا، وصوته انخفض حتى صار أقرب إلى الهمس:
"قيام الحرب... مش شايف غير كده. بدر بيجهز لحرب، وحرب كبيرة كمان!"

+


تسارعت أنفاس صقر، وعينيه اتسعتا برعب دفين، بينما خيال كارثة هائلة يلوح في ذهنه. 
"حرب؟! لا... دي مصيبة! ده آخر حاجة أنا عايزها تحصل!"
حاول أن يحافظ على هدوئه، لكن يده قبضت على ثوبه بعنف خلف ظهره.

+


أما جمال فظل يحدق في البعيد بعينين تضجّان بالشكوك، يتكلم مع نفسه كأنه يحاول فك طلاسم اللغز:
"بس مين... مين اللي خلاه ياخد قرارات زي دي؟ دي مش قرارات تطلع من دماغ بدر لوحده. القرارات دي ما يعرفهاش غير واحد فاهم كويس في الحروب... واحد دماغه مدربة على الخطط والمعارك."

2


توقف لحظة، وزفر بحرارة، ثم ضرب الأرض بعصاه بقوة، وصوته دوى في القاعة:
"آه... لو أطوله! آه لو أعرف مين اللي بيحركه من ورا الستار! يا ترى مين القائد ده ؟"

2


ولم يكن يدري أن من يقف أمامه الآن، ولده الكبير، هو نفسه ذلك العقل المدبر، ذلك القائد الخفي الذي رسم الخطة بحذر، ثم دسها في يد بدر ليحركها كدمية على رقعة حرب لم تبدأ بعد.

+


أما صقر، فظل ثابتًا، يخفي اضطراب قلبه تحت قناع البرود، بينما في داخله صرخة تكاد تمزقه:
"لو عرفت الحقيقة يا بوي... هتكون نهايتي ونهايتك... ونهاية كل شيء."

4


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close