رواية نفوس قاسية الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم مني احمد حافظ
الخامسة والعشرون
.ونبض القلب من جديد.
--------------------------------
لحظات تمر ببطء تكاد تزحف گالسنين تسرق شيئا من النفس بحزن، صمت يعم فالانتظار قاتل ينزف بقسوة مستنزفًا الروح، عيون تحدق بعضها ببعض تبحث عن نظرة اطمئنان لعل شعلة الخوف تخبو قليلًا داخل كل قلب، فها هو اليوم الثالث يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة ولم يتصل أحد، الألم يتضاعف والدموع تحرق الاجفان واليأس يحلق فوق قلوب الجميع، ما أقسى اللحظات والدقائق والساعات، ما ابطئها وما اسرعها.
- آدم.
لم ينتبه آدم لصوت هايدي فحواسه جميعها شحذت لتندمج مع شاشة هاتفه بأمل أن يضيء فهو يشعر بتجمد يسري بداخله.
حدقت هايدي بوجه مازن حينما لم يلتفت إليها آدم وأردفت بقلق:
- مازن اتصرف بالشكل دا آدم هيضيع مننا أعمل أي حاجة دا رافض ياكل أو يشرب ومخدش أي علاج.
تقدمت صفية منها وقالت بهدوء:
- روحي حضري له ياكل وأنا هتصرف معاه.
جلست صفية بجانب آدم وسحبت من يده هاتفه، فحدق بها بجزع فابتسمت له وهي تربت يده وقالت:
- عايزاك زي الشاطر تقوم تتوضا وتصلي وبعدين تاكل وتاخد علاجك علشان ربنا يكرمنا، صدقني أنا حاسة أنها هانت وهتلاقيها بس يرضيك ترجع تلاقيك تعبان، يلا يا ابني ربنا يراضيك قوم صلي وبإذن الله سهر هتبقى معانا النهاردة.
فرت دمعة من عين آدم حاول أن يخفيها ومال على يد صفية يقبلها ويقول:
- يارب يا أمى يارب.
غادرهم آدم إلى غرفته وحمل هاتفه معه رغم اعتراض صفية، ووقف في منتصف غرفته يتطلع إليها بحزن وتنهد ودخل إلى حمامه ل يتوضأ وافترش سجادة الصلاة وهو يرتجف، مرت نصف ساعة أخذ آدم يتضرع فيها إلى الله أن يحفظها ويردها إليه، وما أن انتهى من صلاته حتى صدح هاتفة بالرنين فأسرع يتناوله ويهمس باضطراب:
- الوو.
أرهف آدم سمعه للمتحدث وتحرك ليجلس فوق فراشه وقلبه يختلج بين جنبات صدره فقال بهدوء:
- متقلقش حقك محفوظ اديني العنوان اللي هقابلك فيه واطمن أنا هاجي لوحدي ومتخافش أنا كلمتي سيف، بس خلي بالك لو طلعت بتلعب بيا مش هتعرف تستخبي مني.
أنصت آدم إلى صوت محدثه وأجاب:
- أنا هجيب لك جزء من المبلغ والباقي هكتب لك بيهم شيك.
عاد يستمع إليه ليُردف بثبات:
- تمام مش هجيب سيرتك فأي تحقيق تمام عشر دقايق وأكون عندك عند المول.
تحرك آدم بحذر وأخذ يراقب الجميع فاطمئن أنهم لم يسمعوا رنين هاتفه وعاد إلى الداخل وأغلق باب الغرفة وفتح خزانته السرية وأفرغها من النقود، ولكنه عقد حاجبيه فهو لم يجد مسدس سهر الصغير الذي أخفاه عنها حين وجده فِي حقيبتها ليلة عقد قرانهم، فهز رأسه وتلفت حوله وهو يخرج من شرفته إلى الحديقة الخلفية، وتسلل آدم دون أن يراه أحد وما أن خرج إلى الطريق حتى أوقف سيارة أجرة وأخرج هاتفه من جيبه واجرى اتصالًا بمازن وما أن أجابه مازن حتى قال آدم بحرص:
- اسمعني وأنت ساكت وإياك أي حد ياخد باله أنك بتكلمني، أنا هقابل واحد فالمول اللي فالمعادي هو هيوصلني لطريق فؤاد، وعايزك تحصلني أنت ويسري من غير ما حد من اللي عندك يحس، متتأخرش يا مازن سلام.
أغلق مازن مع آدم وازدرد لعابه ونظر إلى لطيف الذي حدق به بشك فقال:
- حد يشرب قهوة معايا أنا مصدع.
وقف لطيف أمامه وقال بلهجة صارمة:
- أنت اللي هتعمل القهوة يا مازن.
هز مازن رأسه وقال وهو يشعر بالتوتر من عينا لطيف:
- آه هعمل قهوة تشرب معايا.
ابتسم لطيف بسخرية وقال:
- لا هنشربها مع آدم هو بقى قالك تقابله فين.
تنهد مازن بيأس وقال بتلعثم:
- مـ ـش فـ ـاهـ ـم قـ صـ ـد ك هـ ـو مـ ـش آ د م جـ ـوا.
صاح لطيف بحدة لتلاعب مازن به:
- مازن انطق آدم فين.
شخصت العيون بمازن ولطيف فأسرع لطيف وتناول جهازه اللاسلكي وقال:
- شوف لي بسرعة الكاميرا اللي ورا وحضر القوة.
أغمض مازن عيناه وقال رُغمًا عنه فهو يدرك جيدًا عدم تهاون لطيف معه أن لم يخبره:
- راح مول المعادي.
---------------
غادر آدم السيارة ووقف كما اتفق معه ذلك الرجل وما هي إلا لحظات حتى سمع صوت يحدثه من الخلف:
- متبصش وراك أنت جبت اللي اتفقنا عليه.
أجابه آدم بنفاذ صبر:
- أعرف المكان الأول وهتاخد الشنطة وحلال عليك المبلغ اللي فيها والشيك.
أجابه الرجل:
- هديلك العنوان والمفتاح كمان وأنت وحظك بقى ماليش دعوة باللي يحصل هناك اتفقنا.
زفر آدم بضيق وأردف بحدة:
- ولو طلعت بتضحك عليا.
أسرع الرجل وأكد بقوله:
- مش بضحك عليك دول اتنين مليون يا آدم باشا وأنا عارف أنك ممكن توقف صرف الشيك لو طلعت بكذب، صح ولا لاء أصل أنا مش غشيم يعني، ولو أعرف من بدري أن رقبة فؤاد تساوي المبلغ دا كنت سلمتهولك من أول ساعة، بس أعمل ايه بقي على ما الحكومة قالت لي أن في مكافأة كبيرة، ها هتاخد العنوان والمفتاح ولا أمشي؟
التفت آدم فجأة وقبض على ذراع الرجل وقال:
- كده تقدر تاخد الشنطة هات المفتاح والعنوان.
عقد الرجل حاجبيه وقال:
- أنت ادتني كلمة راجل سيرتي متجيش فالتحقيق آه أنا يادوب موصلاتى للمزاج، بس من هنا ورايح هتوب هو حد يجيله فرصة زي دي وميتوبش خد يا باشا المفتاح والعنوان كمان.
أخذ آدم المفتاح من الرجل وحدق بالعنوان المدون في الورقة ليكورها ويلقيها أرضًا وهو يتوعد لفؤاد.
أسرع أحد رجال لطيف يأخذ الورقة التي القاها آدم بغضب وقال عبر جهاز اللاسلكي:
- عرفنا العنوان يا فندم لا الأستاذ آدم أتحرك أنا هبلغ أقرب عربية تروح على المنطقة، أيوة يا فندم هي قريبة من القسم تمام هتلاقيني فانتظار سعادتك علم وينفذ.
لم يشك آدم للحظة أن يكون مخبأ فؤاد في منزل سهر القديم كان يجلس بتوتر وهو يراقب الطريق المزدحم وزفر بحدة وهو يتطلع إلى ساعته فهو يشعر أن كل دقيقة تمر يزداد فيها الخطر بسهر، حينما لاحظ آدم أن الازدحام خانق غادر السيارة وهو يلقي بعدد من النقود للسائق ويهرول حتى لاح له البيت فأخذ قلبه ينبض بعنف واحس ببرودة تسري داخل جسده، فتقدم بهدوء لا يعكس ما بداخله وتسلل إلى الداخل وأخرج المفتاح وفتح ودلف وهو يسير ببطء، وقف آدم يرهف السمع ولكن الهدوء المميت في المكان يوحي بعدم وجود أحد، ولكنه اطمئن فالمكان مضاء فاقترب من المطبخ ولكنه لم يجد أحد به فتوجه إلى أول باب قابله فوقف أمامه ووضع يده على مقبضه وأداره، فتح آدم الباب وهو يحبس أنفاسه ووقف دون حراك وعيناه تكاد تخرج من محجريها، حينما لاح له جسد سهر مسجى على الأرض فأسرع إليها وهو يناديها بلوعة وحرقة:
- سهر سهر حبيبتي فوقي يا سهر اوعي اوعي تسبيني لا يا سهر لا.
أغمض آدم عيناه وهو يحتضن جسد سهر ويشعر ببرودته فقال وهو يدفن وجهه في شعرها:
- آه يارب أرجوك يا رب إنقاذها أنا محتاج لها أنت عارف اللي جوايا أرجوك يارب متعاقبنيش وتحرمني منها، أنا مش هعرف أعيش من غيرها يارب أرجوك.
صمت آدم فجأة فقد أحس بقلبه يكاد يتوقف حين سمع أنين خافت يصدر من سهر، فمال عليها ليحملها ولكنه شعر ببلل ثيابها فرفع يده ليراها ملوثة بالدماء، فحدق بها بخوف ظنًا منه أنها دمائها فركع بها بذعر حينها وقع بصره على جسد فؤاد وأشلاء من رأسه مبعثرة حوله والدماء حوله، فأصابه الهلع فتراجع إلى الخلف وهو يحمل سهر بين يديه ليصطدم بلطيف الذي أسند آدم وصاح مناديًا:
- فين دكتور الإسعاف عايزه حالًا.
أسرع رجلا الإسعاف وحاولا أخذ سهر من بين يدى آدم ولكنه رفض متشبثًا بها بخوف فاقترب منه مازن وقال:
- سيبهم يخدوها يا آدم أرجوك.
هز آدم رأسه بلا وعي وهمس بصوت خال من الحياة:
- لا مش هسيبها أبدًا أنا لازم أكون معاها لازم تشوفني لما تفوق أنا سمعت صوتها هي عايشة يا مازن عايشة.
أشفق مازن على حال آدم فأشار إلى أحد المسعفين وأسندا آدم حتى دلف إلى سيارة الإسعاف وهو يحمل سهر بين يديه، وماهى إلا لحظات وكان المكان مكتظ بالناس والصحافة يحاولون معرفة ما حدث فغادر لطيف وهو يقول لأحد مساعديه:
- أقفل البيت واطلب لي الطب الشرعي علشان يرفع البصمات ويعاين الجثة اللي جوا.
و صمت وهو يتطلع إلى وجوه الناس الفضولية فقال بصوت غاضب:
- وفضيلي السيرك دا واللي يفضل واقف أقبض عليه.
---------------------
هرج ومرج ساد المشفى بوصول آدم وهو يحمل سهر رافضًا بصراخ أن ياخدها منه أحد، فما كان من الأطباء إلا أن قاموا بتخديره حتى يستطيعون معاينة سهر، ساعدت هدى صفية على السير حتى وقفت أمام غرفة آدم الذي ضاعف له الأطباء كمية المخدر بعدما لاحظوا انهيار أعصابه فهمست صفية تسأل هدى:
- اطلعي شوفي لي محمود فين ولا أي حد يطمني على سهر أنا مش عارفة محدش عايز ينطق ليه.
غادرت هدى فلم تجد إلا مازن فوقفت بجانبه وقالت بارتباك:
- مافيش أخبار عن سهر أصل ماما قلقانه عليها أوي.
هز مازن رأسه وقال:
- للأسف الدكتور يادوب طلع قال محتاج كيس دم ومحمود راح يتبرع لها بس مقلش حالتها أيه دلوقتي نطمن.
وقفت هدى تنتظر بجانب مازن فسمعت صوت محمود من خلفها يقول بغضب:
- أيه اللي موقفك كده ومفضلتيش مع ماما ليه.
التفتت هدى لمحمود وقالت عابسة:
- ماما كانت عاوزة تطمن على أخبار سهر ولما عرفت أنك روحت تتبرع لها بالدم، قلت استنى اشوفك علشان ماما متقلقش عليك، وبعدين أنت بتكلمني كده ليه أنا أقف فأي مكان براحتي عن اذنك.
اوقفتها يد محمود التي قبضت على ذراعها ومال عليها هامسًا بحدة:
- مش وقته الكلام دلوقتي بس ماشي يا هدى اتصرفي براحتك وأنا ورحمة أبويا لو ما اتعدلتي وسمعتي الكلام ليكون لي تصرف تاني معاكِ اتفضلي وخليكِ مع أمي جوا فاهمة.
جلست هدى بجانب صفية تشعر بالقلق فلهجة محمود لها جعلتها تشعر بالخوف فمالت على صفية وقالت:
- ماما أنا هروح اطمن على ياسين احنا سايبن الحمل كله على منال كتر خيرها بصراحة، واحتمال اروح البيت عند خالي اغير هدومي حضرتك مش عاوزة حاجة اجيبها لك.
هزت صفية رأسها بالنفي وقالت:
- خلي محمود يوصلك الدنيا ليل دلوقتي متمشيش لوحدك.
توترت هدى وقالت مسرعة:
- لا خليه هنا معاكِ.
سمعت هدى صوت محمود يجيبها:
- أنا كمان هروح أغير الممرضة وهي بتسحب الدم بهدلتني يلا علشان اوصلك قومي.
ماهي إلا لحظات وسمع محمود أصوات عديدة بالخارج فأستئذن والدته وخرج فوجد عدد من رجال الشرطة يقفون بجانب مازن فنظر إليهم بدهشة وقال:
- في ايه يا مازن والشرطة هنا ليه؟
عقد مازن حاجبيه وقال بعصبية:
- إجراء روتيني علشان سهر قتلت فؤاد فالشرطة هنا علشان تتحفظ عليها لحد ما التحقيقات تنتهي، المهم مش عايز آدم يعرف حاجة لحد ما أشوف حل.
تنهد محمود بضيق وقال:
- هي مالها بتتعقد كده ليه بعدين هي مش متهمة هي كانت بتدافع عن نفسها وأقل حاجة اللي هي عملته هو ازاي يحققوا مع الضحية هو دا بقى العدل بتاعهم.
خرجت إحدى الممرضات وقالت:
- الصوت يا جماعة في مرضى حواليكم.
التف محمود إليها وقال:
- هي سهر حالتها أيه دلوقتي محدش ليه عايز يطمنا.
ارتبكت الممرضة وقالت:
- دلوقتي الدكتور يخرج وتتطمنوا عن أذنك.
بعد نصف ساعة خرج الطبيب وهو يتنهد بارتياح وقال:
- الحمد لله الحالة استقرت دلوقتي أقدر اقولكم أن ربنا كتب لها هي والجنين عمر جديد.
هتفت محمود وهو يحدق بالطيب غير مصدق:
- جنين هي سهر حامل.
ربت الطبيب كتف محمود وقال:
- ايوة حامل فشهر.
تدخل مازن بالحوار وقال:
- يعني يا دكتور هي دلوقتي بخير مافيش أي خطر عليها.
أجابه الطبيب وقال:
- هي بخير وإن شاء الله تعدي الأربعة وعشرين ساعة دي على خير هتبقى أحسن كتير، بس هتحتاج راحة تامة لأننا اضطرينا نستأصل الطحال.
تدخل أحد الضباط وقال:
- طيب يا دكتور احنا مضطرين نحط حراسة على باب الاوضة اللي هتبقى فيها المتهمة لحد ما حالتها تسمح بالكلام والنيابة تحقق معها.
انفعل محمود وقال بحدة:
- بس متقولش متهمة دي.
لم يلتفت إليه ضابط الشرطة إنما وجه حديثه إلى أحد العساكر وقال بلهجة حادة:
- محدش يدخل للمتهمة إلا بإذن من النيابة يا عسكري وفض لي المولد دا.
جذب مازن محمود ودخلا إلى غرفة آدم فطمئن مازن صفية وأشار إلى محمود بالمغادرة حتى يهدأ وهو يقول بهمس:
- أنا هتصل باللوا لطيف وهتصل بمحامي آدم، بس أنت حاول تمسك أعصابك شوية ماشي.
غادر محمود وهو يجذب هدى بحدة فسارت بجانبه تشعر بالضيق من تصرفه حتى أوقف إحدى السيارات ودفعها لتجلس وجلس بجانبها وهو ينظر إليها بغضب.
---------------------
- ياه مكنتش متخيل أني هعيش فجنة عنيكِ تاني.
كلمات همس بها آدم في أذن سهر وهو يحتضنها فابتسمت سهر وهي تحدق بوجه آدم ومالت على جبينه تقبله وهمست بحب:
- ليه يا حبيبي أنت دايمًا عايش جوا عيني وقلبي وروحي أنا بحبك اوي يا آدم.
عبس آدم فجأة وهو يحدق في عينيها وقال:
- بس اللي عملتيه دا يا سهر مش هيعدي بالساهل شوفتي لما بتعملي حاجة من ورايا بيحصل أيه، عجبك أن فؤاد يخطفك كده، قوليلي ازاي طوعك قلبك تخرجي من غير ما تقوليلي.
بكت سهر بسبب توبيخ آدم لها وقالت:
- حقك عليا ما أنت بردوا اللي عرفت تخرجني.
ابتعد عنها آدم وقال:
- بعد أيه يا سهر بعد أيه ما الناس كلها عرفت بالقديم والجديد والجرايد عايشة على سمعتنا.
ارتجفت سهر وأغمضت عيناها فهي تخشى ما سيقوله آدم ولكنها سمعت صوته رُغمًا عنها يقول:
- أنا هسيبك يا سهر أنتِ لا احترمتي كلمتي ولا حافظتي على سمعتي وخليتي الناس تتكلم فشرفي علشان كدا أنا.
وضعت سهر يدها على فم آدم تمنعه من إكمال حديثه وقالت ترجوه:
- لا يا آدم ارجوك متطلقنيش أنا هعيش خدامة تحت رجلك بس بلاش تطلقني.
أشاح آدم بعيناه عنها وقال:
- معدش ينفع يا سهر لأن هفضل طول حياتي شاكك إن فؤاد عمل فيكِ حاجة وأنتِ معاه، قوليلي وصارحيني فؤاد عمل فيكِ ايه وأنتِ معاه.
تعالت صرخات سهر تقول:
- آدم متسبنيش لا يا آدم.
انتفض جسد سهر وفتحت عينيها بذعر وأخذت تتحرك بعشوائية، فأطلق أحد الأجهزة التي تقيس نبضات فأسرعت إحدى الممرضات إليها تمسك يدها وهي تضغط على زر استدعاء الطبيب وقالت:
- أهدي يا مدام سهر أهدي أنتِ فالمستشفى أهدى علشان الغرز متفكش.
ارتفع صوت نحيب سهر وصرخت:
- ابني مات ملحقتش أشوفه آدم مش هيسامحني خلاص مش هيسامحني.
أحست الممرضة بالشفقة على حال سهر فقالت وهي تربت رأسها:
- اطمني ابنك بخير وأنتِ بخير والله ابنك بخير اطمني وأهدي.
هدأت سهر فجأة وجالت بعيناها حولها وقالت:
- آدم آدم فين أنا عايزة اشوفه.
ابتسمت الممرضة بحنو وقالت:
- ياريت كان ينفع بس دي العناية والزيارة ممنوعة أنتِ شوية وهتتنقلي اوضة تانية ونشوف بقى سي آدم اللي هتموتي نفسك عليه فين ونجيبهولك.
---------------
تفاجأت هدى بالسيارة تقف أمام منزل محمود فحدقت به في دهشة وقالت:
- احنا هنا ليه أنا عايزة اروح لابني.
جذبها محمود لتنزل وهو يقول بحدة:
- صوتك مسمعوش فاهمة اتفضلي اطلعي هغير هدومي ونروح لياسين وبعدين شقة خالك مالك واقفة ليه عاوزة عزومة.
هزت هدى رأسها بالنفى وقالت:
- لا مش هطلع مينفعش اطلع معاك ميصحش.
سب محمود فجأة بشهقت هدى وحدقت به ليجذبها محمود ويدفع بها للمصعد وهو يقول بغضب:
- ميصحش أنا جوزك يا هانم ولا أنتِ اخدتي على عيشة العزوبية، عمومًا خلاص الكلام دا خلص أنتِ من النهاردة هترجعي بيتي وأما أشوف موضوع براحتي دا كمان يا مدام هدى.
ابتعدت عنه هدى وهي تبتلع ريقها تشعر بالتوترو ما هي إلا لحظات وتوقف المصعد أمام شقتهم ففتح بابها محمود جاذبًا هدى خلفه وأغلق الباب ودفعها فجأة فاصطدمت بالباب وهمست بخوف:
- في أيه يا محمود أنت بتبص لي كده ليه وبعدين أنت بتزقني كده ليه أنا.
انفض عليها محمود فجأة مقبلًا إياها بعنف فتوقفت الكلمات في حلق هدى وأحست بقلبها ينبض بقوة، فرفعت يدها تدفع محمود عنها وتبعد وجهها عنه فرفع محمود كفيه وأحاط وجهها بهما وحدق بها وقال بهمس:
- وحشتيني يا هدى.
أسقطت هدى يداها عن صدر محمود وخفضت عينيها وهمست بحزن:
- بردوا اللي شدك ليا جسمي مش قلبى يا محمود.
احس محمود بالضيق من كلمات هدى فضرب الباب خلف بقبضته بقوة وابتعد عنها وقال وهو يتمالك نفسه:
- كنت فاكرك حاسة بيا يا هدى إنما واضح أنك بعيدة أوي عني احتياجي ليكِ كان لكل حاجة، للأسف أنتِ مش شايفة مني إلا أني عايز منك متعة وبس، منكرش أني عايز دا بس عايز معاه حبك ليا اللي بيخلي للمتعة روح، عمومًا أنا أسف الظاهر فهمت كلام ماما غلط لما قالت لي أنك موافقة ترجعي، أنا مش هفرض عليكِ نفسي تاني يا هدى بس أتمنى أن لما أكون معاكِ فمكان بلاش تقفي تتكلمي لا مع مازن ولا هاني وحتى آدم لحد ما الأزمة دي تنتهي على خير عن أذنك هدخل أغير هدومي علشان نلحق نروح لياسين.
تركها محمود وتوجه إلى غرفته واغلق الباب خلفه فاسند ظهره عليه وهمس:
- غبي غبي مكنش مفروض تخوفها كده ما هي لازم تفكر أنك عايز منها مزاجك وخلاص، أنت مش هتتغير أبدًا هتفضل مدب وتخسر كل اللي بيحبوك.
لم تستطع هدى التحرك فكلمات محمود لها شعرت منها أنه يحتاج إلى مساعدتها فنهرت نفسها وقالت:
- كان لازم يعني تخدك الكرامة اوي كده اهو قفل فوشك كل حاجة وهترجعي لنقطة البداية، ما صفية قالت لك غرقيه حب ودلع نسيه نفسه ومتخليهوش يفكر إلا فيكِ، يوة وأنا أعمل أيه ما طول الوقت بيزعق فيا كل ما يشوفني بكلم حد أيه دا معقول مش ممكن محمود بيغير عليا بيغير يعني يعني بيحبني، ماهو محدش بيغير على حد إلا لو حاسس بحاجة من ناحيته، روحي له يا هدى ورجعيه حتى لو عايز حاجة واحدة منك ما دا حقه مش جوزك يلا روحي قبل ما يرجع يصدك تاني.
طرقت هدى على باب الغرفة وفتحت دون أن تنتظر ردًا من محمود فوقفت تحدق به عاري الصدر فاقتربت منه ببطء ومدت يدها تأخذ منه قميصه وابتسمت له بحرج وهمست:
- هساعدك تلبس.
جذب محمود منها قميصه وارتداه فوقفت هدى أمامه ورفعت أصابعها تغلق له أزاره وهي تحدق في عينيه، فأحست بأنفاس محمود تلهب وجهها فمالت تستند برأسها إلى صدره فضمها محمود إليه وقبل رأسها وقال:
- حقك عليا يا هدى أيه رأيك نبدأ من جديد أنا وأنتِ.
رفعت هدى عينيها تنظر إليه وقالت:
- نبدأ أزاي.
همس محمود وهو يقبل وجنتها:
- يعني هعيشك فترة خطوبة لحد ما نتعرف على بعض وبعدين نتجوز.
عقبت هدى بتوتر وضيق:
- هو احنا لسه هنتعرف على بعض يا محمود دا احنا عندنا ولد.
سألها محمود مشاكسا وهو يقربها إليه أكثر:
- يعني مش عايزة خطوبة يبقى نخليها جواز بقى.
وحملها محمود إلى فراشه ومددها وقال وهو ينظر في عينيها:
- عايزاني يا هدى لو عايزة مهلة أنا هستناكِ العمر كله يا أم ياسين.
همست هدى وهي تجذبه إليها وقالت:
- أم ياسين بتعشقك يا حودة.
انهال عليها محمود يوزع قبلاته على أنحاء وجهها حتى وصل إلى شفتيها فهمس وهو يقبلها:
- بحبك.
-------------------
تملل آدم في نومه فانتفض فجأة وجلس باحثًا بعينيه عن سهر فشاهد صفية تستند برأسها إلى مسند المقعد نائمة، فتحرك بهدوء ووقف ببطء حتى يتجنب الدوار وفتح الباب وبحث بعيناه عن مازن ولكنه لم يجده، فلمح إحدى الممرضات فتوجه إليها وما أن شاهدته يقترب منها حتى نظرت له بأعجاب وقالت:
- حضرتك محتاج حاجة.
نظر إليها آدم بضيق فهو لم يعجب بنظراتها له فأشاح بعينيه عنها وقال:
- كنت عايز اطمن على مراتي سهر.
لوت الممرضة شفتيها وقالت:
- آه المتهمة فجريمة القتل دي ممنوع عنها الزيارة وحطين عسكري على اوضتها.
عقد آدم حاجبيه وهتف بحدة:
- مين اللي متهمة بالقتل أنتِ اتجننتي بقى مرات آدم عمران يتهموها بالقتل دي مهزلة هي اوضتها فين انطقي.
شعرت الممرضة بالخوف وهمست بتوتر:
- اوضة ١ بس العسكري مش هيرضي يدخلك.
زفر آدم بحدة وقال:
- بس أنا لازم أشوفها لازم اطمن عليها اتصرفي.
ارتدى آدم معطف أحد الأطباء ووقف أمام العسكري وقال بثبات:
- ميعاد المتابعة عن أذنك.
ابتعد العسكري من أمام الباب فدخل آدم مسرعًا وأغلق الباب خلفه، ولكنه لم يجد سهر على فراشها فكاد ينادي على العسكري، ولكنه سمع صوت بكاؤها فلمحها تجلس في أحد الزوايا تبكي فأنحنى إليها آدم وحملها وهي تحدق به بدهشة فقال:
- هششش ممكن تبطلي عياط أنتِ أيه فاتحة مصنع دموع مش بيخلص.
لفت سهر يداها حول عنقه وقالت:
- أنا بحلم مش كده كل مرة تيجي فالحلم وتحضني وفالأخر تطلقني وت.
قبلها آدم مانعًا إياها من الكلام وقال بعدما أبعد وجهه عنها:
- حبيبتي أنتِ اتجننتي خلاص حلم أيه اللي بطلقك فيه هو احنا لحقنا نتجوز علشان نطلق.
ابتسمت سهر وتأوهت متألمة فعبس آدم وقال:
- فيكِ أيه طمنيني.
أعادها آدم إلى فراشها جلس بجانبها وقال:
- اتكلمي أيه اللي وجعك.
همست سهر بألم وخوف:
- الممرضة قالت لي أن الدكتور اضطر يستأصل الطحال بسبب ضرب فؤاد ليا برجله لما خمن أني حامل و.
صمتت سهر وقالت بعدما لاحظت ذهول آدم وتنفسه الحاد:
- اطمن الدكتور طمني أن مفيش أي خطر عليا بس هحتاج راحة، وفي أيه يا آدم مالك.
مد آدم يده وتلمس بطن سهر وقال:
- أنتِ حامل يا سهر يعني يعني هبقى أب وعندي نسخة منك.
قفز آدم من مكانه وهو يصيح بصوت عال:
- آدم عمران هيبقى أب يا ناس أنا هبقى بابا لأجمل بنوتة فالدنيا أنا هبقى أب.
- أيه التهريج اللي بيحصل هنا دا أنت يا عسكري تسمح تقول لي الأستاذ دا دخل هنا أزاي..
.ونبض القلب من جديد.
--------------------------------
لحظات تمر ببطء تكاد تزحف گالسنين تسرق شيئا من النفس بحزن، صمت يعم فالانتظار قاتل ينزف بقسوة مستنزفًا الروح، عيون تحدق بعضها ببعض تبحث عن نظرة اطمئنان لعل شعلة الخوف تخبو قليلًا داخل كل قلب، فها هو اليوم الثالث يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة ولم يتصل أحد، الألم يتضاعف والدموع تحرق الاجفان واليأس يحلق فوق قلوب الجميع، ما أقسى اللحظات والدقائق والساعات، ما ابطئها وما اسرعها.
- آدم.
لم ينتبه آدم لصوت هايدي فحواسه جميعها شحذت لتندمج مع شاشة هاتفه بأمل أن يضيء فهو يشعر بتجمد يسري بداخله.
حدقت هايدي بوجه مازن حينما لم يلتفت إليها آدم وأردفت بقلق:
- مازن اتصرف بالشكل دا آدم هيضيع مننا أعمل أي حاجة دا رافض ياكل أو يشرب ومخدش أي علاج.
تقدمت صفية منها وقالت بهدوء:
- روحي حضري له ياكل وأنا هتصرف معاه.
جلست صفية بجانب آدم وسحبت من يده هاتفه، فحدق بها بجزع فابتسمت له وهي تربت يده وقالت:
- عايزاك زي الشاطر تقوم تتوضا وتصلي وبعدين تاكل وتاخد علاجك علشان ربنا يكرمنا، صدقني أنا حاسة أنها هانت وهتلاقيها بس يرضيك ترجع تلاقيك تعبان، يلا يا ابني ربنا يراضيك قوم صلي وبإذن الله سهر هتبقى معانا النهاردة.
فرت دمعة من عين آدم حاول أن يخفيها ومال على يد صفية يقبلها ويقول:
- يارب يا أمى يارب.
غادرهم آدم إلى غرفته وحمل هاتفه معه رغم اعتراض صفية، ووقف في منتصف غرفته يتطلع إليها بحزن وتنهد ودخل إلى حمامه ل يتوضأ وافترش سجادة الصلاة وهو يرتجف، مرت نصف ساعة أخذ آدم يتضرع فيها إلى الله أن يحفظها ويردها إليه، وما أن انتهى من صلاته حتى صدح هاتفة بالرنين فأسرع يتناوله ويهمس باضطراب:
- الوو.
أرهف آدم سمعه للمتحدث وتحرك ليجلس فوق فراشه وقلبه يختلج بين جنبات صدره فقال بهدوء:
- متقلقش حقك محفوظ اديني العنوان اللي هقابلك فيه واطمن أنا هاجي لوحدي ومتخافش أنا كلمتي سيف، بس خلي بالك لو طلعت بتلعب بيا مش هتعرف تستخبي مني.
أنصت آدم إلى صوت محدثه وأجاب:
- أنا هجيب لك جزء من المبلغ والباقي هكتب لك بيهم شيك.
عاد يستمع إليه ليُردف بثبات:
- تمام مش هجيب سيرتك فأي تحقيق تمام عشر دقايق وأكون عندك عند المول.
تحرك آدم بحذر وأخذ يراقب الجميع فاطمئن أنهم لم يسمعوا رنين هاتفه وعاد إلى الداخل وأغلق باب الغرفة وفتح خزانته السرية وأفرغها من النقود، ولكنه عقد حاجبيه فهو لم يجد مسدس سهر الصغير الذي أخفاه عنها حين وجده فِي حقيبتها ليلة عقد قرانهم، فهز رأسه وتلفت حوله وهو يخرج من شرفته إلى الحديقة الخلفية، وتسلل آدم دون أن يراه أحد وما أن خرج إلى الطريق حتى أوقف سيارة أجرة وأخرج هاتفه من جيبه واجرى اتصالًا بمازن وما أن أجابه مازن حتى قال آدم بحرص:
- اسمعني وأنت ساكت وإياك أي حد ياخد باله أنك بتكلمني، أنا هقابل واحد فالمول اللي فالمعادي هو هيوصلني لطريق فؤاد، وعايزك تحصلني أنت ويسري من غير ما حد من اللي عندك يحس، متتأخرش يا مازن سلام.
أغلق مازن مع آدم وازدرد لعابه ونظر إلى لطيف الذي حدق به بشك فقال:
- حد يشرب قهوة معايا أنا مصدع.
وقف لطيف أمامه وقال بلهجة صارمة:
- أنت اللي هتعمل القهوة يا مازن.
هز مازن رأسه وقال وهو يشعر بالتوتر من عينا لطيف:
- آه هعمل قهوة تشرب معايا.
ابتسم لطيف بسخرية وقال:
- لا هنشربها مع آدم هو بقى قالك تقابله فين.
تنهد مازن بيأس وقال بتلعثم:
- مـ ـش فـ ـاهـ ـم قـ صـ ـد ك هـ ـو مـ ـش آ د م جـ ـوا.
صاح لطيف بحدة لتلاعب مازن به:
- مازن انطق آدم فين.
شخصت العيون بمازن ولطيف فأسرع لطيف وتناول جهازه اللاسلكي وقال:
- شوف لي بسرعة الكاميرا اللي ورا وحضر القوة.
أغمض مازن عيناه وقال رُغمًا عنه فهو يدرك جيدًا عدم تهاون لطيف معه أن لم يخبره:
- راح مول المعادي.
---------------
غادر آدم السيارة ووقف كما اتفق معه ذلك الرجل وما هي إلا لحظات حتى سمع صوت يحدثه من الخلف:
- متبصش وراك أنت جبت اللي اتفقنا عليه.
أجابه آدم بنفاذ صبر:
- أعرف المكان الأول وهتاخد الشنطة وحلال عليك المبلغ اللي فيها والشيك.
أجابه الرجل:
- هديلك العنوان والمفتاح كمان وأنت وحظك بقى ماليش دعوة باللي يحصل هناك اتفقنا.
زفر آدم بضيق وأردف بحدة:
- ولو طلعت بتضحك عليا.
أسرع الرجل وأكد بقوله:
- مش بضحك عليك دول اتنين مليون يا آدم باشا وأنا عارف أنك ممكن توقف صرف الشيك لو طلعت بكذب، صح ولا لاء أصل أنا مش غشيم يعني، ولو أعرف من بدري أن رقبة فؤاد تساوي المبلغ دا كنت سلمتهولك من أول ساعة، بس أعمل ايه بقي على ما الحكومة قالت لي أن في مكافأة كبيرة، ها هتاخد العنوان والمفتاح ولا أمشي؟
التفت آدم فجأة وقبض على ذراع الرجل وقال:
- كده تقدر تاخد الشنطة هات المفتاح والعنوان.
عقد الرجل حاجبيه وقال:
- أنت ادتني كلمة راجل سيرتي متجيش فالتحقيق آه أنا يادوب موصلاتى للمزاج، بس من هنا ورايح هتوب هو حد يجيله فرصة زي دي وميتوبش خد يا باشا المفتاح والعنوان كمان.
أخذ آدم المفتاح من الرجل وحدق بالعنوان المدون في الورقة ليكورها ويلقيها أرضًا وهو يتوعد لفؤاد.
أسرع أحد رجال لطيف يأخذ الورقة التي القاها آدم بغضب وقال عبر جهاز اللاسلكي:
- عرفنا العنوان يا فندم لا الأستاذ آدم أتحرك أنا هبلغ أقرب عربية تروح على المنطقة، أيوة يا فندم هي قريبة من القسم تمام هتلاقيني فانتظار سعادتك علم وينفذ.
لم يشك آدم للحظة أن يكون مخبأ فؤاد في منزل سهر القديم كان يجلس بتوتر وهو يراقب الطريق المزدحم وزفر بحدة وهو يتطلع إلى ساعته فهو يشعر أن كل دقيقة تمر يزداد فيها الخطر بسهر، حينما لاحظ آدم أن الازدحام خانق غادر السيارة وهو يلقي بعدد من النقود للسائق ويهرول حتى لاح له البيت فأخذ قلبه ينبض بعنف واحس ببرودة تسري داخل جسده، فتقدم بهدوء لا يعكس ما بداخله وتسلل إلى الداخل وأخرج المفتاح وفتح ودلف وهو يسير ببطء، وقف آدم يرهف السمع ولكن الهدوء المميت في المكان يوحي بعدم وجود أحد، ولكنه اطمئن فالمكان مضاء فاقترب من المطبخ ولكنه لم يجد أحد به فتوجه إلى أول باب قابله فوقف أمامه ووضع يده على مقبضه وأداره، فتح آدم الباب وهو يحبس أنفاسه ووقف دون حراك وعيناه تكاد تخرج من محجريها، حينما لاح له جسد سهر مسجى على الأرض فأسرع إليها وهو يناديها بلوعة وحرقة:
- سهر سهر حبيبتي فوقي يا سهر اوعي اوعي تسبيني لا يا سهر لا.
أغمض آدم عيناه وهو يحتضن جسد سهر ويشعر ببرودته فقال وهو يدفن وجهه في شعرها:
- آه يارب أرجوك يا رب إنقاذها أنا محتاج لها أنت عارف اللي جوايا أرجوك يارب متعاقبنيش وتحرمني منها، أنا مش هعرف أعيش من غيرها يارب أرجوك.
صمت آدم فجأة فقد أحس بقلبه يكاد يتوقف حين سمع أنين خافت يصدر من سهر، فمال عليها ليحملها ولكنه شعر ببلل ثيابها فرفع يده ليراها ملوثة بالدماء، فحدق بها بخوف ظنًا منه أنها دمائها فركع بها بذعر حينها وقع بصره على جسد فؤاد وأشلاء من رأسه مبعثرة حوله والدماء حوله، فأصابه الهلع فتراجع إلى الخلف وهو يحمل سهر بين يديه ليصطدم بلطيف الذي أسند آدم وصاح مناديًا:
- فين دكتور الإسعاف عايزه حالًا.
أسرع رجلا الإسعاف وحاولا أخذ سهر من بين يدى آدم ولكنه رفض متشبثًا بها بخوف فاقترب منه مازن وقال:
- سيبهم يخدوها يا آدم أرجوك.
هز آدم رأسه بلا وعي وهمس بصوت خال من الحياة:
- لا مش هسيبها أبدًا أنا لازم أكون معاها لازم تشوفني لما تفوق أنا سمعت صوتها هي عايشة يا مازن عايشة.
أشفق مازن على حال آدم فأشار إلى أحد المسعفين وأسندا آدم حتى دلف إلى سيارة الإسعاف وهو يحمل سهر بين يديه، وماهى إلا لحظات وكان المكان مكتظ بالناس والصحافة يحاولون معرفة ما حدث فغادر لطيف وهو يقول لأحد مساعديه:
- أقفل البيت واطلب لي الطب الشرعي علشان يرفع البصمات ويعاين الجثة اللي جوا.
و صمت وهو يتطلع إلى وجوه الناس الفضولية فقال بصوت غاضب:
- وفضيلي السيرك دا واللي يفضل واقف أقبض عليه.
---------------------
هرج ومرج ساد المشفى بوصول آدم وهو يحمل سهر رافضًا بصراخ أن ياخدها منه أحد، فما كان من الأطباء إلا أن قاموا بتخديره حتى يستطيعون معاينة سهر، ساعدت هدى صفية على السير حتى وقفت أمام غرفة آدم الذي ضاعف له الأطباء كمية المخدر بعدما لاحظوا انهيار أعصابه فهمست صفية تسأل هدى:
- اطلعي شوفي لي محمود فين ولا أي حد يطمني على سهر أنا مش عارفة محدش عايز ينطق ليه.
غادرت هدى فلم تجد إلا مازن فوقفت بجانبه وقالت بارتباك:
- مافيش أخبار عن سهر أصل ماما قلقانه عليها أوي.
هز مازن رأسه وقال:
- للأسف الدكتور يادوب طلع قال محتاج كيس دم ومحمود راح يتبرع لها بس مقلش حالتها أيه دلوقتي نطمن.
وقفت هدى تنتظر بجانب مازن فسمعت صوت محمود من خلفها يقول بغضب:
- أيه اللي موقفك كده ومفضلتيش مع ماما ليه.
التفتت هدى لمحمود وقالت عابسة:
- ماما كانت عاوزة تطمن على أخبار سهر ولما عرفت أنك روحت تتبرع لها بالدم، قلت استنى اشوفك علشان ماما متقلقش عليك، وبعدين أنت بتكلمني كده ليه أنا أقف فأي مكان براحتي عن اذنك.
اوقفتها يد محمود التي قبضت على ذراعها ومال عليها هامسًا بحدة:
- مش وقته الكلام دلوقتي بس ماشي يا هدى اتصرفي براحتك وأنا ورحمة أبويا لو ما اتعدلتي وسمعتي الكلام ليكون لي تصرف تاني معاكِ اتفضلي وخليكِ مع أمي جوا فاهمة.
جلست هدى بجانب صفية تشعر بالقلق فلهجة محمود لها جعلتها تشعر بالخوف فمالت على صفية وقالت:
- ماما أنا هروح اطمن على ياسين احنا سايبن الحمل كله على منال كتر خيرها بصراحة، واحتمال اروح البيت عند خالي اغير هدومي حضرتك مش عاوزة حاجة اجيبها لك.
هزت صفية رأسها بالنفي وقالت:
- خلي محمود يوصلك الدنيا ليل دلوقتي متمشيش لوحدك.
توترت هدى وقالت مسرعة:
- لا خليه هنا معاكِ.
سمعت هدى صوت محمود يجيبها:
- أنا كمان هروح أغير الممرضة وهي بتسحب الدم بهدلتني يلا علشان اوصلك قومي.
ماهي إلا لحظات وسمع محمود أصوات عديدة بالخارج فأستئذن والدته وخرج فوجد عدد من رجال الشرطة يقفون بجانب مازن فنظر إليهم بدهشة وقال:
- في ايه يا مازن والشرطة هنا ليه؟
عقد مازن حاجبيه وقال بعصبية:
- إجراء روتيني علشان سهر قتلت فؤاد فالشرطة هنا علشان تتحفظ عليها لحد ما التحقيقات تنتهي، المهم مش عايز آدم يعرف حاجة لحد ما أشوف حل.
تنهد محمود بضيق وقال:
- هي مالها بتتعقد كده ليه بعدين هي مش متهمة هي كانت بتدافع عن نفسها وأقل حاجة اللي هي عملته هو ازاي يحققوا مع الضحية هو دا بقى العدل بتاعهم.
خرجت إحدى الممرضات وقالت:
- الصوت يا جماعة في مرضى حواليكم.
التف محمود إليها وقال:
- هي سهر حالتها أيه دلوقتي محدش ليه عايز يطمنا.
ارتبكت الممرضة وقالت:
- دلوقتي الدكتور يخرج وتتطمنوا عن أذنك.
بعد نصف ساعة خرج الطبيب وهو يتنهد بارتياح وقال:
- الحمد لله الحالة استقرت دلوقتي أقدر اقولكم أن ربنا كتب لها هي والجنين عمر جديد.
هتفت محمود وهو يحدق بالطيب غير مصدق:
- جنين هي سهر حامل.
ربت الطبيب كتف محمود وقال:
- ايوة حامل فشهر.
تدخل مازن بالحوار وقال:
- يعني يا دكتور هي دلوقتي بخير مافيش أي خطر عليها.
أجابه الطبيب وقال:
- هي بخير وإن شاء الله تعدي الأربعة وعشرين ساعة دي على خير هتبقى أحسن كتير، بس هتحتاج راحة تامة لأننا اضطرينا نستأصل الطحال.
تدخل أحد الضباط وقال:
- طيب يا دكتور احنا مضطرين نحط حراسة على باب الاوضة اللي هتبقى فيها المتهمة لحد ما حالتها تسمح بالكلام والنيابة تحقق معها.
انفعل محمود وقال بحدة:
- بس متقولش متهمة دي.
لم يلتفت إليه ضابط الشرطة إنما وجه حديثه إلى أحد العساكر وقال بلهجة حادة:
- محدش يدخل للمتهمة إلا بإذن من النيابة يا عسكري وفض لي المولد دا.
جذب مازن محمود ودخلا إلى غرفة آدم فطمئن مازن صفية وأشار إلى محمود بالمغادرة حتى يهدأ وهو يقول بهمس:
- أنا هتصل باللوا لطيف وهتصل بمحامي آدم، بس أنت حاول تمسك أعصابك شوية ماشي.
غادر محمود وهو يجذب هدى بحدة فسارت بجانبه تشعر بالضيق من تصرفه حتى أوقف إحدى السيارات ودفعها لتجلس وجلس بجانبها وهو ينظر إليها بغضب.
---------------------
- ياه مكنتش متخيل أني هعيش فجنة عنيكِ تاني.
كلمات همس بها آدم في أذن سهر وهو يحتضنها فابتسمت سهر وهي تحدق بوجه آدم ومالت على جبينه تقبله وهمست بحب:
- ليه يا حبيبي أنت دايمًا عايش جوا عيني وقلبي وروحي أنا بحبك اوي يا آدم.
عبس آدم فجأة وهو يحدق في عينيها وقال:
- بس اللي عملتيه دا يا سهر مش هيعدي بالساهل شوفتي لما بتعملي حاجة من ورايا بيحصل أيه، عجبك أن فؤاد يخطفك كده، قوليلي ازاي طوعك قلبك تخرجي من غير ما تقوليلي.
بكت سهر بسبب توبيخ آدم لها وقالت:
- حقك عليا ما أنت بردوا اللي عرفت تخرجني.
ابتعد عنها آدم وقال:
- بعد أيه يا سهر بعد أيه ما الناس كلها عرفت بالقديم والجديد والجرايد عايشة على سمعتنا.
ارتجفت سهر وأغمضت عيناها فهي تخشى ما سيقوله آدم ولكنها سمعت صوته رُغمًا عنها يقول:
- أنا هسيبك يا سهر أنتِ لا احترمتي كلمتي ولا حافظتي على سمعتي وخليتي الناس تتكلم فشرفي علشان كدا أنا.
وضعت سهر يدها على فم آدم تمنعه من إكمال حديثه وقالت ترجوه:
- لا يا آدم ارجوك متطلقنيش أنا هعيش خدامة تحت رجلك بس بلاش تطلقني.
أشاح آدم بعيناه عنها وقال:
- معدش ينفع يا سهر لأن هفضل طول حياتي شاكك إن فؤاد عمل فيكِ حاجة وأنتِ معاه، قوليلي وصارحيني فؤاد عمل فيكِ ايه وأنتِ معاه.
تعالت صرخات سهر تقول:
- آدم متسبنيش لا يا آدم.
انتفض جسد سهر وفتحت عينيها بذعر وأخذت تتحرك بعشوائية، فأطلق أحد الأجهزة التي تقيس نبضات فأسرعت إحدى الممرضات إليها تمسك يدها وهي تضغط على زر استدعاء الطبيب وقالت:
- أهدي يا مدام سهر أهدي أنتِ فالمستشفى أهدى علشان الغرز متفكش.
ارتفع صوت نحيب سهر وصرخت:
- ابني مات ملحقتش أشوفه آدم مش هيسامحني خلاص مش هيسامحني.
أحست الممرضة بالشفقة على حال سهر فقالت وهي تربت رأسها:
- اطمني ابنك بخير وأنتِ بخير والله ابنك بخير اطمني وأهدي.
هدأت سهر فجأة وجالت بعيناها حولها وقالت:
- آدم آدم فين أنا عايزة اشوفه.
ابتسمت الممرضة بحنو وقالت:
- ياريت كان ينفع بس دي العناية والزيارة ممنوعة أنتِ شوية وهتتنقلي اوضة تانية ونشوف بقى سي آدم اللي هتموتي نفسك عليه فين ونجيبهولك.
---------------
تفاجأت هدى بالسيارة تقف أمام منزل محمود فحدقت به في دهشة وقالت:
- احنا هنا ليه أنا عايزة اروح لابني.
جذبها محمود لتنزل وهو يقول بحدة:
- صوتك مسمعوش فاهمة اتفضلي اطلعي هغير هدومي ونروح لياسين وبعدين شقة خالك مالك واقفة ليه عاوزة عزومة.
هزت هدى رأسها بالنفى وقالت:
- لا مش هطلع مينفعش اطلع معاك ميصحش.
سب محمود فجأة بشهقت هدى وحدقت به ليجذبها محمود ويدفع بها للمصعد وهو يقول بغضب:
- ميصحش أنا جوزك يا هانم ولا أنتِ اخدتي على عيشة العزوبية، عمومًا خلاص الكلام دا خلص أنتِ من النهاردة هترجعي بيتي وأما أشوف موضوع براحتي دا كمان يا مدام هدى.
ابتعدت عنه هدى وهي تبتلع ريقها تشعر بالتوترو ما هي إلا لحظات وتوقف المصعد أمام شقتهم ففتح بابها محمود جاذبًا هدى خلفه وأغلق الباب ودفعها فجأة فاصطدمت بالباب وهمست بخوف:
- في أيه يا محمود أنت بتبص لي كده ليه وبعدين أنت بتزقني كده ليه أنا.
انفض عليها محمود فجأة مقبلًا إياها بعنف فتوقفت الكلمات في حلق هدى وأحست بقلبها ينبض بقوة، فرفعت يدها تدفع محمود عنها وتبعد وجهها عنه فرفع محمود كفيه وأحاط وجهها بهما وحدق بها وقال بهمس:
- وحشتيني يا هدى.
أسقطت هدى يداها عن صدر محمود وخفضت عينيها وهمست بحزن:
- بردوا اللي شدك ليا جسمي مش قلبى يا محمود.
احس محمود بالضيق من كلمات هدى فضرب الباب خلف بقبضته بقوة وابتعد عنها وقال وهو يتمالك نفسه:
- كنت فاكرك حاسة بيا يا هدى إنما واضح أنك بعيدة أوي عني احتياجي ليكِ كان لكل حاجة، للأسف أنتِ مش شايفة مني إلا أني عايز منك متعة وبس، منكرش أني عايز دا بس عايز معاه حبك ليا اللي بيخلي للمتعة روح، عمومًا أنا أسف الظاهر فهمت كلام ماما غلط لما قالت لي أنك موافقة ترجعي، أنا مش هفرض عليكِ نفسي تاني يا هدى بس أتمنى أن لما أكون معاكِ فمكان بلاش تقفي تتكلمي لا مع مازن ولا هاني وحتى آدم لحد ما الأزمة دي تنتهي على خير عن أذنك هدخل أغير هدومي علشان نلحق نروح لياسين.
تركها محمود وتوجه إلى غرفته واغلق الباب خلفه فاسند ظهره عليه وهمس:
- غبي غبي مكنش مفروض تخوفها كده ما هي لازم تفكر أنك عايز منها مزاجك وخلاص، أنت مش هتتغير أبدًا هتفضل مدب وتخسر كل اللي بيحبوك.
لم تستطع هدى التحرك فكلمات محمود لها شعرت منها أنه يحتاج إلى مساعدتها فنهرت نفسها وقالت:
- كان لازم يعني تخدك الكرامة اوي كده اهو قفل فوشك كل حاجة وهترجعي لنقطة البداية، ما صفية قالت لك غرقيه حب ودلع نسيه نفسه ومتخليهوش يفكر إلا فيكِ، يوة وأنا أعمل أيه ما طول الوقت بيزعق فيا كل ما يشوفني بكلم حد أيه دا معقول مش ممكن محمود بيغير عليا بيغير يعني يعني بيحبني، ماهو محدش بيغير على حد إلا لو حاسس بحاجة من ناحيته، روحي له يا هدى ورجعيه حتى لو عايز حاجة واحدة منك ما دا حقه مش جوزك يلا روحي قبل ما يرجع يصدك تاني.
طرقت هدى على باب الغرفة وفتحت دون أن تنتظر ردًا من محمود فوقفت تحدق به عاري الصدر فاقتربت منه ببطء ومدت يدها تأخذ منه قميصه وابتسمت له بحرج وهمست:
- هساعدك تلبس.
جذب محمود منها قميصه وارتداه فوقفت هدى أمامه ورفعت أصابعها تغلق له أزاره وهي تحدق في عينيه، فأحست بأنفاس محمود تلهب وجهها فمالت تستند برأسها إلى صدره فضمها محمود إليه وقبل رأسها وقال:
- حقك عليا يا هدى أيه رأيك نبدأ من جديد أنا وأنتِ.
رفعت هدى عينيها تنظر إليه وقالت:
- نبدأ أزاي.
همس محمود وهو يقبل وجنتها:
- يعني هعيشك فترة خطوبة لحد ما نتعرف على بعض وبعدين نتجوز.
عقبت هدى بتوتر وضيق:
- هو احنا لسه هنتعرف على بعض يا محمود دا احنا عندنا ولد.
سألها محمود مشاكسا وهو يقربها إليه أكثر:
- يعني مش عايزة خطوبة يبقى نخليها جواز بقى.
وحملها محمود إلى فراشه ومددها وقال وهو ينظر في عينيها:
- عايزاني يا هدى لو عايزة مهلة أنا هستناكِ العمر كله يا أم ياسين.
همست هدى وهي تجذبه إليها وقالت:
- أم ياسين بتعشقك يا حودة.
انهال عليها محمود يوزع قبلاته على أنحاء وجهها حتى وصل إلى شفتيها فهمس وهو يقبلها:
- بحبك.
-------------------
تملل آدم في نومه فانتفض فجأة وجلس باحثًا بعينيه عن سهر فشاهد صفية تستند برأسها إلى مسند المقعد نائمة، فتحرك بهدوء ووقف ببطء حتى يتجنب الدوار وفتح الباب وبحث بعيناه عن مازن ولكنه لم يجده، فلمح إحدى الممرضات فتوجه إليها وما أن شاهدته يقترب منها حتى نظرت له بأعجاب وقالت:
- حضرتك محتاج حاجة.
نظر إليها آدم بضيق فهو لم يعجب بنظراتها له فأشاح بعينيه عنها وقال:
- كنت عايز اطمن على مراتي سهر.
لوت الممرضة شفتيها وقالت:
- آه المتهمة فجريمة القتل دي ممنوع عنها الزيارة وحطين عسكري على اوضتها.
عقد آدم حاجبيه وهتف بحدة:
- مين اللي متهمة بالقتل أنتِ اتجننتي بقى مرات آدم عمران يتهموها بالقتل دي مهزلة هي اوضتها فين انطقي.
شعرت الممرضة بالخوف وهمست بتوتر:
- اوضة ١ بس العسكري مش هيرضي يدخلك.
زفر آدم بحدة وقال:
- بس أنا لازم أشوفها لازم اطمن عليها اتصرفي.
ارتدى آدم معطف أحد الأطباء ووقف أمام العسكري وقال بثبات:
- ميعاد المتابعة عن أذنك.
ابتعد العسكري من أمام الباب فدخل آدم مسرعًا وأغلق الباب خلفه، ولكنه لم يجد سهر على فراشها فكاد ينادي على العسكري، ولكنه سمع صوت بكاؤها فلمحها تجلس في أحد الزوايا تبكي فأنحنى إليها آدم وحملها وهي تحدق به بدهشة فقال:
- هششش ممكن تبطلي عياط أنتِ أيه فاتحة مصنع دموع مش بيخلص.
لفت سهر يداها حول عنقه وقالت:
- أنا بحلم مش كده كل مرة تيجي فالحلم وتحضني وفالأخر تطلقني وت.
قبلها آدم مانعًا إياها من الكلام وقال بعدما أبعد وجهه عنها:
- حبيبتي أنتِ اتجننتي خلاص حلم أيه اللي بطلقك فيه هو احنا لحقنا نتجوز علشان نطلق.
ابتسمت سهر وتأوهت متألمة فعبس آدم وقال:
- فيكِ أيه طمنيني.
أعادها آدم إلى فراشها جلس بجانبها وقال:
- اتكلمي أيه اللي وجعك.
همست سهر بألم وخوف:
- الممرضة قالت لي أن الدكتور اضطر يستأصل الطحال بسبب ضرب فؤاد ليا برجله لما خمن أني حامل و.
صمتت سهر وقالت بعدما لاحظت ذهول آدم وتنفسه الحاد:
- اطمن الدكتور طمني أن مفيش أي خطر عليا بس هحتاج راحة، وفي أيه يا آدم مالك.
مد آدم يده وتلمس بطن سهر وقال:
- أنتِ حامل يا سهر يعني يعني هبقى أب وعندي نسخة منك.
قفز آدم من مكانه وهو يصيح بصوت عال:
- آدم عمران هيبقى أب يا ناس أنا هبقى بابا لأجمل بنوتة فالدنيا أنا هبقى أب.
- أيه التهريج اللي بيحصل هنا دا أنت يا عسكري تسمح تقول لي الأستاذ دا دخل هنا أزاي..
