رواية اصداء القلوب الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم سهي الشريف
25 | يُضيءُ القَلبُ باللقاء
يا إله العالمين بك دومًا نستعين
يا رحيمًا بالبرايا يا مُجيب السائلين
كل همٍ بك يُجلى يا مُعين الصابرين
كل حزنٍ بك يُطوى يا ملاذ المُرتجِين
فرج اللهم عنا .. يا أمان الخائفين
وتداركنا بنصرٍ منك يُخزي الظالمين .
+
_ عبد الرحمن العوضي .
+
_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات.
+
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الخامس_والعشرون
#سهى_الشريف
+
_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .
1
« قراءة مُمتعة »
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
اتسعت عينايّ " ميار" بدهشة، وهتفت بصوتٍ مختنق:
+
- بنت حضرتك... جيهان الرفاعي؟!
+
أومأت "علياء" برأسها تؤكد، بينما تجمّعت العَبَرات في مُقلتيها، ثم أجابت بصوت متهدّج:
+
- أيوه... وهي السبب لمعرفة آسر إبني بيكِ !
+
و هي تتلقى صدمة جديدة ، لكن "ميار" لم تتحرك، ظلت تحدّق في الصورة كأن عقلها يرفض استيعاب ما ترى، ثم أشارت بيد مرتعشة إلى السيدة الواقفة بجوار "جيهان" في الصورة، وقالت بذهول أكبر:
+
- ودي... دي مين؟!
+
سكنت "علياء" للحظة، وأخفضت عينيها في تردّد ثقيل قبل أن تتمتم بنبرة خافتة تكاد تختنق:
+
- دي... نورين.
+
رفعت عينيها إلى "ميار" ثم حولتهما ببطء إلى "مليكة" التي كانت تتابع المشهد في صمتٍ حائر، وتابعت بصوتٍ أثقلته الحسرة:
+
- عمـة مـليـكة.
+
ظلت "ميار" مبهوتة في مكانها، وقد تجلّت في عينيها دهشة موجعة، تسللت دموعها على وجنتيها ببطء لم تستطع كبحه، ثم استسلمت لارتعاشة غلبتها، فجلست على طرف الكنبة دون أن تحول بصرها عن الصورة التي بدت في عينيها أكبر من مجرد ذكرى.
+
راحت تتأمل الملامح المألوفة بحنين ووجع، شفتاها تتمتمان بأدعية خافتة تتسلل بين شهقاتٍ لم تطق حبسها.
+
أخفضت أهدابها في استسلام مرير،
وشهقاتها الصغيرة تتردد في صدرها ..
فما أقسى أن تلتقي بأعيُن صامتة بات لقاء الأجسادُ مُحال !
+
وفجأة انتبهت حين اخترق سكون اللحظة صوت "علياء"، جاءها واهنًا، متكسّر الحواف، لكنه واضح في صدقه:
+
- جيهان... في آخر أيام حياتها ومع متابعتها مع الأخصائي النفسي... كنتِ أنتِ واحدة من الناس اللي كتبت عنهم إنها ممتنة لمعرفتهم.
+
رفعت "ميار" عينيها نحوها ببطء، فرأت الدموع تنساب في صمتٍ مُهيب على وجنتيها، ووجدتها تبتسم وسط بكائها، تهمس بصوتٍ متحشرج يفيض حنينًا:
+
- عيالي الإثنين حبوكي و دلوقتي حفيدتي حبتك كمان ، فأنا بحبك زيهم.
5
هذا الكم من المشاعر يعانق جوفها كثير على قلبها الرقيق ...فشهقت "ميار" شهقة ناعمة تكسّرت على شفتَيها، واندفعت دموعها حارة متصلة، رفعت كفها الأيمن تغطي بها عينيها علّها تحجز هذا الطوفان، وتكتم شهقاتٍ عصفت بصدرها حين استيقظ الألم القديم في قلبها، وتذكّرت صديقتها الراحلة التي لم تغادر روحها يومًا.
+
مسحت دموعها بأناملها بخفة، ورفعت خصلة من شعرها خلف أذنها، ثم تعلّق بصرها بالصورة وراحت تكتم شهقاتها بصعوبة، وهمست بصوتٍ مرتجف يفيض بالحنين:
+
- كنت بحبها بجد... كانت كويسة أوي... كانت طيبة... وجودها حنين جدًا... غيابها كان مُفجع... كان صدمة أنا منسهاش.
+
صمتت لحظة، ترتجف أنفاسها، ثم نهضت " ميار " و جلست بقربها ورفعت كفها تمسّد ظهر" علياء " بخفة، وكأنها تطمئن قلبًا أنهكه الفقد ، حتى سمعتها تقول بصوتٍ يأتيها متهدجًا، ينسلّ من روحٍ ذاقت وجع الفقد حتى الثمالة:
+
- جيهان كانت حنينة على الدنيا كلها... بس كانت قاسية أوي على نفسها ، كانت تدي من وقتها وقلبها لكل الناس... وما تديش لنفسها حتى شوية رحمة.
+
هزّت "ميار" رأسها ببطء، ولم تقدر على الرد، فالدموع سبقت كل الكلمات ، أكملت "علياء" بنبرة تشبه الهمس:
+
- لحد آخر يوم كانت بتسأل عليكي ، كانت بتقول إنك من الناس اللي ريّحت قلبها ... حتى قالتلي مرة إنها حاسة إنها لو اختفت فجأة محدش هيفتكرها... بس كانت غلطانة...
+
تكسّر صوت "ميار" وأردفت بخفوت:
+
- محدش نسيها... مستحيل أنسى ضحكتها ولا كلامها الطيب... أنا... أنا نفسي كنت محتاجة أقولها إنها فرّقت في حياتي و إنها كانت جميلة جدًا ...
+
تنهدت "علياء" بوجعٍ حبيس، وكأن صدرها لا يتسع لكل ذلك الثقل:
+
- لو تعرفي بس إن كلامك ده... لو كانت سمعته كان يمكن يطمنها إنها ما كانتش مهمشة في حياة حد ، إن غيابها هيفرق في ناس كتير وراها ، بس راحت و متعرفش عن قلوب حبوها حاجة ، هي ارتاحت بس سابتلنا إحنا وجع .
+
رفعت "ميار" يدها تمسح وجنتيها مرة أخرى، لكن دموعها تأبى أن تتوقف، فسمعت " علياء" تُكمل بصوت خفيض كأنه اعتراف:
+
- كنت دايمًا بفكّر ، لو كنت قربت منها أكتر... لو كنت سألتها عن وجعها... وحسيت بيها و قدرتها يمكن ما كانتش هتمشي بالسرعة دي ، أكيد قصرت في حاجة ، لو كنت حاولت أكتر عشانها ... هي كانت زعلانه في آخر أيامها لو كنت عملت أكتر كما...
1
ثم دخلت في موجة بكاء عنيف فأومأت " ميار " بالرفض سريعًا ،وأمسكت بكفّها بين يديها بحنانٍ صادق، وقالت بنبرة حانيه تواسي قلبًا موجوعًا:
+
- لا ! لا متقوليش كده يا طنط بالله عليكي ، إنتِ عملتِ كل حاجة تقدري عليها ، جيهان كانت راضية و كانت بتحبك أوي وأنا شفت ده في عينها... يمكن وجعها كان كبير ، أكبر من أي حد يقدر يشيله معاها ،بس مش ذنبك ،مش ذنبك إن دا كان حادثة...
+
The Missing Link in Shipping
Sponsored by International Chamber of...
Master deck operations and ensure consistent deck routines - practical checklists and procedures for all ship types. Order your Ebook copy now!
Read More
انفجرت دموع "علياء" أكثر، تخللت شهقاتها كلمات مقطّعة:
+
- كنت بحس إنها بتبعد... بتبعد عن الدنيا كلها... حتى عني... معرفتش أمسكها... معرفتش أرجعها...
+
ضمّتها "ميار" برفق لصدرها، وهي تشعر بروحها تئن مع كل حرف، ثم همست بقلب منكسر:
+
- هي دلوقتي في مكان أرحم... مع ربنا اللي أحن مننا كلنا... كانت تستاهل مكان مفيهوش وجع ،تستاهل راحة...
1
تشبثت "علياء" بيدها كأنها تجد فيها بقايا قوة، وعيناها تذرفان الدموع بلا توقف ، أضافت "ميار" بنبرة تفيض صِدقًا:
+
- لو كانت هنا يا طنط دلوقتي كانت هتقولك إنك أغلى حد عندها وإنك عملتي أكتر من اللي حد ممكن يعمله ، وإنك... تسامحي نفسك... عشان هي أكيد سامحتك ورضت...
+
ارتعشت شفتا "علياء" محاولة أن تتكلم فلم تستطع، فاكتفت بأن أومأت برأسها، واغرورقت عيناها بنظرة بعيدة كأنها تبحث في الغياب عن ابنتها ،ثم ضمت كفها لكفيّها و طالعت في عيناها برقة :
+
- كان نفسها تفرح بيكِ إنتِ و آسر أوي .. أوي ، كانت تقوله لو لفيت الدنيا على حد زيها ما هتلاقي .
+
ابتسمت " ميار" بسمه حانيه امتزج بها خجل طفيف و ألتمعت الدموع في عيناها لتسمعها تستطرد :
+
- و كان آسر يُرد عليها إنه مش هيلاقي و مش عاوز يدور .. هو أكتفى بيكِ .. تعرفي إنه بيحبك من خمس سنين و لسه بيحبك ، إديله فرصة يا بنتي .
2
مرّت لحظة صمتٍ ثقيل، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتقطعة ،و تابعت :
+
- والله ابني شاريكي لآخر العمر ، و إحنا مش هنلاقي حد أحسن ولا أجمل و لا أطيب منك .
1
اخرجت " ميار " ضحكة قصيرة وسط دموعها و تأثُرها و اخفضت اهدابها للأسفل بخجل ،فرفعت "علياء" كفها تتحسس وجنتها بحنان، ثم مسدت على شعرها بخفة كما لو كانت تطمئن قلبًا صغيرًا، وهمست بنبرة مفعمة بالصدق:
+
- خدي وقتك يا حبيبتي... بس ما تظلمهوش... ده عمره ما ظلمك ولا حبك نص حب ، آسر لو كان عارف يفرح من غيرك ما كانش استناكِ كل السنين دي !
+
أغمضت "ميار" عينيها بقوة، محاولة حبس دموع جديدة توشك أن تغلبها، ثم رفعت نظراتها نحوها، وقد تلألأت عيناها بامتنان غامر:
+
- أنا... أنا مش قادرة أوعد بحاجة دلوقتي... أنا سايبة موضوعه على ربنا هو قادر على جمعنا لو في نصيب ، و لو مفيش ربنا يرزقه بالأحسن مني .
+
ابتسمت "علياء" ابتسامة شاحبة يختلط فيها الرضا بالألم، ثم هزّت رأسها ببطء كأنها توافقها وتسلم الأمر كله لمن بيده المقادير، وهمست بصوت خفيض:
+
- اللي فيه الخير ربنا يكتبه وإحنا راضين بكل شيء، بس عارفة... لو ربنا كتبلكوا النصيب ، هكون مطمنة على قلبه أوي معاكِ.
+
تساقطت دمعة جديدة على وجنتها رغم ابتسامتها، فمدّت "ميار" يدها وأمسكت كفها برفق،تطلعت إليها "علياء" بعينين لامعتين، وارتعش صوتها وهي تقول:
+
- هو بيحبك يا بنتي... اسمعي يا بنتي مني أنا أمه و بقولك إنه بيحبك حب ما شفتش زيه ، والحب ده هو اللي خلى قلبه يستحمل اللي محدش يقدر عليه... يمكن إنتِ ما تعرفيش إنه كان بيقول عليكي رزق... رزق من ربنا...
2
و الآن ما تلك المشاعر الرقيقة التي هاجمت قلبها في لحظة !
أ لشعور الحُب النقي وقع حنون على أربطة قلبها كهذا !
حتى و هو بعيد ! و حتى و هو لم يبُح بذلك بعد ! وصلت لها كل مشاعره فقط لأنها ... صادقة .
+
هزّت "ميار" رأسها بخفة، وقد توهج قلبها بوجعٍ جميل لا يشبه أي وجع آخر، حاولت السيطرة على إيقاع قلبها الصاخب و أن ترفع اصوات عقلها أولًا ،فـ همست وصوتها متهدج:
+
- أنا عارفه ، بس عارفه الحب لوحده مش هيّقيم بيت .. أنا بدعيله ربنا يصلحه و يقدم إلي فيه الخير لينا .. أنا لا عاوزه أوجعه ولا عاوزه أتوجع .
1
ابتسمت "علياء" ابتسامة وادعة، وكأن كلمات "ميار" لم تُحزنها، بل منحتها طمأنينة غامرة لأنها تعرف أن قلبًا نبيلاً كهذا لا يقدر إلا على الصدق...
+
مدّت يدها تمسح على كفها بخفة، وقالت بنبرة منخفضة، دافئة كحضن أم:
+
- وأنا كمان بدعيلكوا من قلبي ، ربنا يهدي سركم ويكتبلكم الخير ويجبر بخاطر قلبين طيبين ...
+
أومأت لها " ميار " إيمائه صامته و ابتسمت بوهن ثم ألتفت نحو الجهة الآخرى لتجد " مليكة " تتأملهم بصمت و ملامح شاحبة كأنها تفهم حديثهم لكن غير قادرة على التعبير .
1
اتسعت ابتسامة " ميار " أكثر و هتفت نحو " مليكة " تفتح لها ذراعيها :
+
- تعالي يا مليكة.
+
اقتربت منها " مليكة " و دخلت في عناقها و ما أن استكانت بين ذراعيها حتى مالت "مليكة " على كتفها باستسلام ، و ملامح ناعمة اقتنص منها الحزن مبلغه ، لكنها وجدت بين أحضان آخرى سكينة تشوقت لها روحها الوحيدة المُتعبة .
+
و ساد بينهما صمتٌ طويل، صمت يكتظ بكل ما لم يقال ، بكل الدعوات والرجاء والحنين...
+
في تلك الأثناء فُتح باب الشقة و دلفت عبره " فريدة " للداخل ، رفعت غطاء وجهها و أخذت تتنفس براحه قبل أن تلمح بزاوية عيناها إبنتها و سيدة آخرى ..
+
ألقت "فريدة " السلام فانتبهوا لها ، و نهضت " ميار" من جلستها تُرحب بوالدتها باهتمام:
+
- و عليكم السلام يا ماما ، تعالي ..
+
اقتربت " فريدة " من تجمُعهم الصغير و تبادلت السلامات مع " علياء" في نفس الأثناء التي باشرت " ميار " بالتحدث :
+
- دي طنط علياء جدة مليكة .. و دي ماما.
+
تبادلت السيدتان السلامات بوّد و ابتسامات حانية لتنبس " فريدة " :
+
- نورتيني أهلاًا و سهلًا ،و اعذريني كان عندي مشوار ..
+
اجابتها " علياء " بابتسامة خافته و تقدير :
+
- لا لا و يهمك ، على راحتك .
+
ثم ألتفت نحو حفيدتها و أمسكت قبضتها و تابعت :
+
- الحمد لله مليكة خلصت الحصة النهاردة و هنستأذن هنمشي .
+
- نورتونا .
+
نبست بها " فريدة " و تبادلت السلامات مع " ميار" و ودعت الصغيرة و رافقتهم نحو الباب ثم أغلقته بعد مغادرتهم .
+
ألتفت " ميار " نحو والدتها ووجدت شقيقتها تخرج من الداخل تحمل إبنتها بين ذراعيها ، تأملتهم بنظرة حانية ، لتقترب منها " ريم " مُتسائله باهتمام:
+
- حصل حاجة ؟
+
أومأت " ميار " رأسها برفض و مسحت بعض الدموع العالقة على أهدابها ، و استأذنت للدخول لغرفتها .
+
و ما أن دلفت غُرفتها ، حتى ألقت نفسها على فراشها ، تكتم موجة بكاء عنيفة هاجت عليها مرة آخرى ، طوت بيها حزن دفين لصديقة راحلة ، و لحُب بات ينبت داخل جوفها دون إرادة منها.
+
قبضت كفها فوق موضع قلبها و كأنها تعصره أن يتوقف عن النبض بصخب يصارع فيه للخروج من قفصها ، لكن بعد ثوانِ معدودة ، اشتعلت بعقلها فكرة واحدة أخمدت كل ما دار بذهنها من شتات .
+
الصلاة .
+
لم تجد " ميار " نفسها سوى أنها اعتدلت في جلستها و همست من بين شهقاتها بصوت متحشرج :
+
- أنا عاوزة أصلي … أنا محتاجة ربنا أوي .
1
نهضت مسرعة نحو دورة المياه، كأنها تهرب من ضجيج قلبها ، فجددت وضوءها وفي اللحظة التي لامس فيها الماء وجهها، اختلطت دموعها بقطراته، كأنها تُسلم حزنها لله .
+
وهناك وجدت سر قوتها ، لن تُهزم مرتين ما دامت تمسح دموعها بماء الوضوء، لا بأطراف وسادتها.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
وصل "جواد" إلى المستشفى التي تقبع بها ، و بخطوات مُسرعة نحو غرفتها، بينما يحمل بين يده وردة بيضاء من زُمرة التُوليب... لا يعلم لماذا، لكنها فكرة خطرت في باله تحمل ذكريات ماضيهما سويًا ،ماضي نقيّ و هادئ... مِثلها.
+
وقف أمام باب الغرفة لثوانٍ، يتردد... قلبه مكدود من التعب، وعقله مشغول بالأسئلة، لكنه كان مشتاق لرأيتها و يطمن أنها أضحت بخير عن آخر لقاء بها .
+
طرق الباب بانتظام و فتح الباب بهدوء...
+
بينما كانت "ليلى" جالسة على السرير، مستندة إلى الوسائد، بثوب المستشفى الأبيض الواسع، شاحبة، نعم... لكن عيناها مفتوحتان تُحدّق من النافذة، كأنها تهرب بخيالها الواسع بعيدًا عن ضيق هذه الغُرفة .
+
التفتت ببطء عندما سمعَت صوت الباب، وقعت عيناها عليه، و رأته يتقدم نحوها بهيئة مُغايرة عن ذكراها الأخيرة له .
+
كان يرتدي ملابس مريحة تحمل بساطة راقية؛ قميص زيتوني سادة بدا وكأنه امتداد طبيعي لمروج عينيه الخضراء، وبنطال أبيض أنيق يُبرز طوله اليافع، ويُكمل تفاصيل مظهره المتناسقة ، أما لحيته الخفيفة مصففة بعناية تحيط بذقنه ، بينما ابتسامته الخافتة شقّت طريقها بين ملامحه المخملية، فأبرزت لون عينيه كلوحة أبدعها الخالق ، سبحان من صوّره بهذا الحُسن .
+
تعدلت " ليلى " في جلستها و تأملت اقترابه منها بهدوء ، تبادله الابتسامة بآخرى أوسع ممزوجه بخجلها الأنثوي الرقيق ثم قالت بصوتٍ خافت، لكنه واضح:
+
- إنت جيت ؟!
+
جلس " جواد " على نهاية الفراش أمامها و مد يده لها بالوردة البيضاء و هتف قائلًا بنبرته الرخيمة :
+
- و جايب ليكِ وردة .
+
تأملت " ليلى " الوردة بين يديه بسعادة ، و ابتسمت بخجل ، مدت يدها تتناولها من بين أنامله برقة مُقربة إياها لأنفها تتلذ باستسنشاق عبيرها المُفضل منذ سنوات ، ثم رفعت عيناها لخاصته التي كانتا تتأملاها بلا كلل و هتفت بسعادة حقيقية و صوتٍ خجول :
+
- إنت مش ناسي !
+
- ولا عمري أنسى حاجة تخصك .
+
أجابها في ذات الثانية كأنه يتوقع ردها ، فزادت ابتسامتها بخجل و لمعت عيناها بعَبَارات الإمتنان ، ليُبلل شفتياه بعد لحظات الابتسامة التي كانت نادرةَ الظهور على محياه ، و تسائل باهتمام:
+
- حاسه نفسك أحسن دلوقتي ؟
+
أومأت برأسها بالإيجاب و أردفت بدفء :
+
- آيوه الحمد لله أحسن بكتير ، شكرًا ليك ، هَـنا حكتلي إلي حصل .
+
ابتسم باطمئنان لكنه قطب حاجباه سريعًا و دار بعيناه حوله في فراغ الغرفة و تسائل :
+
- أومال صاحبتك فين فعلًا ؟!
+
- هَـنا عندها شغل هِنا بتروح و تعدي عليا كل شوية ، و حسام أعتقد في المطعم.
+
أومأ برأسه بتفهُم خاصة على نصف عباراتها الأخير و الذي يمتلك علم مسبق به ، فهو من أرسله لهناك لمُتابعه شؤونه .
+
ساد الصمت بينهما للحظات آخرى ، لكنها لم تكن لحظة جفاء، بل أشبه ما تكون بهدنة صامتة، كانت "ليلى" لا تزال ممسكة بالوردة بين أصابعها، تمرر أناملها على ساقها برقة .
+
لاحظ "جواد" تلك الحركة، تأملها بصمت، و باتت الكلمات تتطوف في جوفه و تتلعثم على طرف لسانه ، كان يتخبط بداخله هنا و هناك عله يُرتب الصيغة الصحيحة لوصف ما يريد قوله .
+
هو المحامي الذي تعوّد أن يقف في ساحات القضاء بثبات، كلماته سلاحه وحجته لا تخيب…
لكن الآن و أمامها، صار يبحث عن أبسط العبارات، يخشى أن تخرج كلمة في غير مكانها، فتجرح خاطر من هي برقة تلك البتلات التي تتحسسها.
+
تنهد بخفة، ثم قال بنبرة منخفضة كأنه يختبر وقعها:
+
- ليلى ، كنت حابب أقولك حاجة.من غير ما تخافي منها.
+
رفعت عيناها له و تلاشت ابتسامتها بخفوت ، و توجست ملامحها لما هو قادم لكنه استكمل بلطف:
+
- أنا مش جاي أفتح جروح حاجة حصلت ، ولا أسألك أسئلة مش مستعدة ليها، بس كنت عايز أطمنك… إنك مش لوحدك.
+
سادت لحظة صمت قصيرة، قبل أن يُكمل:
+
- الدكتور كلّمني النهاردة الصبح، وقال إن فيه أخصائية نفسية جاية تزورك… وإنهم حبوا يستنوا لما تكوني مرتاحة ومستعدة.
+
كانت تنصت لتتابع كلماته وترى التردد التي غلفها و كم الجُهد الذي يبذله في الحديث، لكنه استدرك سريعًا قبل أن تفهم بشكل خاطىء :
+
- مفيش ضغط ومفيش إجبار على أي حاجة، والجلسات دي مش علاج مجانين زي ما الناس بتقول و لا عاش إلي يقول عنك نص كلمة ولو كانت حتى بينك و بين نفسك … بس الفكرة إن دا طريق جديد اتفتح قدامك ترجعي بيه لنفسك، ويتبني جواكي حتة أمان حتى لو صغيرة… علشان تبقي بخير بجد .
+
ارتعشت جفونها و سكنت ثواني، و سألت بصوت مهزوز :
+
- قصدك علاج نفسي ؟
+
تأملها للحظات و أومأ برأسه بخفة ، فأومأت هي الآخرى بخفة و أشاحت بنظرها عنها تأخذ نفسًا عميقًا في محاولة يائسه للثبات لكن خانتها مدامعها و ألتمعت العَبَارات في مُقلتيها ، و زمت شفتاها تكبح رغبة عارمه في البكاء .
+
تقوست حجباه خضوعًا لها ، و كأنه يشعر بألمها و بتلك النغزات التي تطعن قلبها ، رأى محاولاتها في الصمود أمام عُنف رغبتها في البكاء ، وجدها تطرق رأسها لأسفل تشهق بخفة و دمعه خافته تسيل على وجنتيها تبعتها بصوتٍ مُختنق ملكوم :
+
- أنا .. أنا بس صعبانة عليا نفسي .
+
رفعت عيناها الدامعة أمام خاصته و صدرها يعلو و ينخفض بسرعة دلالة على شهقاتها المكتومة ، فابتلع ريقه و حاول أن يكون أجشًا مطئننًا :
+
- متخافيش يا ليلى ، دي مش حاجة وحشة ليكِ ، بالعكس دا كده إنتِ هتخفي و تبقي كويسة و تتحرري من حاجات وحشة اتزرعت جواكي عافية ، الفكرة إن لو إلي عندك محتاج أدوية أو مهدئات و يروح كانو عملوا كده ، بس إنتِ محتاجه إلي يفهمك و يقرب من روحك و يمسح عنها كل حاجة وجعتها طول السنين دي عشان تكملي الجاي ، أو على الأقل يكون الماضي خف خنقته عليكِ .
1
سكتت "ليلى" للحظات ولم يكن هناك سوى صوت أنفاسها المجهدة، وكأن كل كلمة تُقال تضاف إلى الثقل الذي يثقل قلبها.
+
نظر إليها "جواد" بعينين مليئتين بالاحتواء، كما لو كان يحاول أن يطبع على ملامحها بعض الأمان ليبقى معها في تلك اللحظات التي بدت كأنها تتقلب بين الماضي والحاضر.
+
زفرت نفسًا بتردد فأردف " جواد" بحذر، لكن بثقة لا تخلو من الرقة:
+
- اللي حصل ليكي ما كانش ذنبك يا ليلى ، لكن دلوقتي الوقت جه علشان تكملي حياتك ، و متسبيش الماضي يتحكم فيكِ أكثر من كده ، الجلسات دي علشان تخلينا نفهم إزاي الماضي ده مش هيمسكك تاني ، وهتبدأي تاخدي خطوة جوا حياتك الجديدة، خطوة عشانك إنتِ و ترمي أي حاجة تانية ورا ظهرك.
+
رغم الكلمات الطيبة التي سمعتها لم تستطع "ليلى" أن تتحكم في دموعها التي بدأت تتساقط ببطء على وجنتيها، حتى كأنها تروي أرضًا قاحلة منذ زمن بعيد، وتُسكّن آلامًا تركها الزمن خلفه.
+
أغمضت عينيها للحظة، وحاولت أن تمسك نفسها ، ولكن كما هو الحال مع أي آلام قديمة، كان البكاء هو المخرج الوحيد من الزجاجة التي كانت محكمة الغلق لسنوات.
+
كانت تدور بعيناها بتردد في الغرفة حولها تحاول لمام شتات و ضياع نفسها أمام الكلمات ، حتى نبست بتوتر :
+
- أنا بس خايفة ، خايفه منه و من الكوابيس إلي لسه بتجري ورايا بسببه ، خايفه حتى من نفسي .. إني مكنش قد إلي جاي.
+
- ممكن من النهاردة تطلعي الأفكار دي من دماغك علشان إنتِ مش ضعيفة، إنتِ دايمًا قد إلي جاي ! حطي دا في دماغك و خلي قلبك يصدقه و إنتِ هتقدري على كل حاجة.. زي ما ربنا خلق داء خلق له دواء و إنتِ عليكِ تدوري على الدوا دا عشان تبقي كويسة.
+
بقيت "ليلى" صامتة أمام كلماته ، تعلم مدى صدقها ، لكن كل ما حدث بدأ يُثقل كاهلها بمسؤولية تجهل إن كانت تحمل الطاقة لمواجتهها أم لا .
+
مسحت دموعها بين الحين والآخر، وتلتقط أنفاسها محاولة السيطرة على مشاعرها المتدافعة ، كل كلمة منه كانت تنزع عن قلبها جزءًا من الصدأ الذي تراكم فيه مع الوقت.
+
شعرت بشيء من الراحة، لكن تلك الراحة كانت مخلوطة بشيء من القلق ،فتسائلت "ليلى" أخيرًا بنبرة تتأرجح بين اليقين والشك.
+
- أنا مش لوحدي صح ؟
+
- عمرك ما هتكوني لوحدك تاني ، أنا أديتك كلمتي و هي كلمة متنزلش الأرض ، إنتِ هتشغلي نفسك بس إنك تبقي كويسة و سبيني أنا أشيل هم رد حقك و كل لحظه وجع عدت عليكِ
+
ابتسمت "ليلى" ابتسامة صغيرة، لكنها كانت تحمل الكثير من الفضل و استطردت بامتنان :
+
- أنا .. أنا مش عارفة أقولك إيه ولا حتى عارفه ليه بتتعب نفسك عشاني كده ! أنا والله مش عاوزة أتقل على حد بهمي ولا أشغل حد بيا.. أصلًا متعودتش على كده ، اتعودت أشيل لوحدي .. فقلقانه عليك .
+
كان يُتابع تتابع كلماتها التي أخذت تجمعه شرقًا و غَربًا و بملامح مشدوه و انفاس منتظمة أجابها باتزان و نبرة صوته الشجينة:
+
- ممكن متشغليش دماغك بيا ، أنا عارف هتصرف إزاي و مفيش أي تعب عليا ، أنا مش عاوز منك غير تبقي كويسة و ليكِ كل الوقت لحد ما تبقي كده و مفيش خبر أسعد على قلبي من اليوم إلي هعرف فيه إنك بقيتي نسخه أحسن ...
1
ثم سكن لوهلة و بلل شفتاه وتردد للحظه ، ثم رفع عيناه لها و نظر في عُمق عيناها علها تقرأ باقي الإجابة حين تابع :
+
- أما ليه بعمل معاكِ كده ، فإجابتها هتوصلك لما كل دا يخلص .
1
وَخَتَمَ عبارته بابتسامةٍ خفيفةٍ مُطمئنة، جعلتها تُحدّق فيه بوجومٍ صامت، كأن كلماته ارتجّت داخلها وراحت تبحث عن مكانٍ آمنٍ لتستقر فيه.
+
رأته ينتصب واقفًا أمامها، بطوله المتناسق وهيبته الهادئة، كأن حضوره وحده ظلّ يُغطي خوفها المرتجف ، كانت ملامحه ساكنة، لكنها مشحونة بما لا يُقال… في عينيه كان يحمل ثبات رجل يعرف أنه لا يستطيع أن يُبدل ماضيها، لكنه حاضر بكُلّه ليحمي مستقبلها.
+
ارتدت عيناه الخضراوان بريقًا شغوفًا حين مال قليلًا نحوها وقال بصوتٍ أكثر لطفًا:
+
- شدي حيلك يا ليلى ، واجهزي عشان بعد أول جلسة هيكون مقابلتك مع مامتك وعاوزها تشوفك بأحسن صورة عشان متتعبش ، إنتِ مش متخيلة هي لسه بتعذب نفسها عشانك لحد النهاردة إزاي .
+
ثم أدار ظهره بخطوة هادئة نحو الباب، لكن قبل أن يفتح، توقّف لحظة، كأنه يهمّ أن يقول شيئًا آخر، ثم تراجع عن الفكرة وفتح الباب في صمت وخرج.
+
أما "ليلى" فظلت على حالها، و ارتعشت جفونها حنينًا حين ذكر والدتها ، و كم باتت تشتاق للقائها الملحمي ، و الذي بدأ يفعل بقلبها الأفاعيل مُنذ الآن ، تلخصت في ضربات قلبها الصاخبة ، وتراقص عَبَاراتها الخافته على هاوية جفونها .
+
وربما، فقط ربما… الآن بدأت تصدق أن النور بات يستطيع أن يصل لأكثر الزوايا المُظلمة في حياتها .
+
لكن لم تستطع منع نفسها من دموع عبَاراتها التي هاجت بمشاعرها فأطرقت رأسها ، سالت دموعها خافتة راجيةً الخلاص..
+
أما بالخارج ..
تحديدًا أمام باب غُرفتها ، أسند بظهره و ثقل مشاعره على الباب بوهن ، رفع مقلتاه الخضراء لأعلى و جاهد فتحها بقوة ، يمنع بصعوبة شاهقة اجتماع تلك الدمعات في مقلتاه و كأنه يصارع بجانبها صراع من نوع اخر..
+
أن تحمل هم عزيزًا يتألم .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
ترجل " وائل " من سيارته السوداء التي لم تختلف كثيرًا عن بنطاله الأسود وسترته القطنية ، إلا من ياقته بيضاء اللون التي كسرت حدة الليل الذي أكتسح جُله ، بينما تلمع مُقلتيه الخضرواين تحت أشعة شمس الغروب الهادئة .
5
رفع عيناه عن سيارته بعد أن تأكد من إغلاقها بإحكام ، تحت قدميه، الأرض الأسفلتية المُتشققة التي يقف عليها، و المنازل البسيطة على جنبي الطريق الممهد أمامه ، وتلك الأصوات العشوائية المتداخلة حوله من مصادر متعدده .
+
ابتسم بخفة حينما رأى مجموعة فتيان يلعبون الكرة في زاوية ضيقة بعيدًا عن المركبات ، ثم شد قبضته على حلقة مفاتيحه ووجه بصره أمامه مُجددًا نحو جهةٍ بات يألفهَا و تألفه .
+
مرت دقائق عديدة تخللها اقتناصه لمظاهر الحي الشعبي المتنوعة ، كانت بعض العيون ترمقه بجهالة و أخرى بانبهار ، بينما عيناه لم تُبصر سوى الألفة بين أفئدةٍ لم تحضنه يومًا لكنها استطاعت ملئه بالسكينة من نظرة واحدة .
+
وصل أخيرًا إلى وجهته و مأمنه السري ؛ محل فخار صغير في زاوية حارة ضيقة داخله " عم رجب " الرجل الذي غزى المشيب شعره لكن لم يستطع أن يصل لفؤاده الذي مازال شغوفًا بصناعة الفخار كـ يوم شبابه الأول .
+
وقف " وائل " على عتبة المحل و ابتسم بخفة حين أبصر " عم رجب " مُنغمس في عمله ، رفع كفه و طرقه على الباب الخشب الذي كان مواربًا ، ألتفت له الأخير وابتسم ثم صدح صوته مُرحبًا بلهفة :
+
- أهـلًا أهلًا يا بني ، أتفضل أتفضل .
+
تقدم " وائل " للداخل بالفعل و خطى عدت خطوات بسيطة ثم ألتفت نحو جهة مميزة ؛ أو تحديده رُكنه الخاص ليفهم " عم رجب " مغزى نظراته المهتمه فتحدث :
+
- متقلقش ، كلهم نشفوا و أنا احتفظت بيهم ليك جوا .
+
ألتفت له " وائل " مُجددًا و ابتسم بخفوت ثم تفقد المكان حوله ، والذي يعج بالتحف الحرافية بمنتهى البراعة ، كان المكان يكتسحه اللون البني بجدارة ، تراه هو العنصر الأساسي في لون الفخار ، وتبصره في لون الجدار العتيق و تلك .. تلك الإطارات الخشبية التي حوت اقتباسات عديدة .
+
- خير يا ابني ، يارب مجيتك في خير ...
+
كان " وائل " أقترب للجدار و أخذ ينقل بصره بين الإطارات و النقوش المختلفة بها يتأمل كلماتها ، ثم توقف وألتفت إليه مُجيبًا بغمّ :
+
- الدنيا مقلوبة عندنا والله يا عم رجب ، و الوضع صعب جدًا ومحدش عارف ربنا شايل لينا إيه الأيام الجاية .
+
عاد " عم رجب " وجلس على مقعده أمام عجينة الفخار التي كان يُشكلها و أردف بنبرة وقورة :
+
- ربك مش بيجيب غير الخير يابني ، البني آدم مننا نظرته دايمًا ضيقة في أمور حياته ، وعمره وما يوصل بقدرته لوسع حكمة ربنا وقدرته ، فإنت عليك التسليم وبس واصبر ، يمكن الجاي حلو بس ملفوف بشوية مطبات في الأول .
+
عقد " وائل " ذراعيه أمام صدره باهتمام عميق ، و أخذ ذهنه يطوف بعيدًا عن ضيق واقعه الجحيميّ ، ليُغمغم قائلًا :
+
- بس برضو الإنسان يعرف منين إنه قد إلي جاي وهو شاف كل حاجة مقفولة قدامه وبتتعقد ؟ يعمل إيه لو مش بإيده حل ؟
+
- يعمل اللي يقدر عليه يا بني، والباقي يسيبه على رب كريم ، اللي بينه وبين الناس يواجهه، واللي فوق طاقته يسلمه لله…
+
سكن لوهلة و أعاد تشكيل الطين بين يديه، وعيناه على حركة أصابعه لا تفارق العجينة، ثم تابع بصوت هادي فيه حِكمة العمر:
+
- اللي بيغلبه الدخان حوالين طريقه ؛ يركّز على خطواته هو يا بني ، ماحدش بيشوف آخر السكة بس اللي يكمل برجليه هيوصل .
+
نظر له "وائل" نظرة خافتة يرتجي منها خلاصًا لذاته، ثم قال بصوت مبحوح:
+
- أنا مش عارف أنا ماشي ليه أصلاً…كل حاجة بحسها تقيلة على نفسي ،الصبح تقيل، الشغل تقيل، الناس حواليّا تقيلة، كل مالها الأمور بتحصر الواحد في زواية ضيقة ، وأكتر حاجة وجعاني… إني مش قادر أقول لأ ، مش عارف أوقف أي حاجة بتحصل.
+
أومأ "عم رجب" رأسه بأسف، ثم نظر إليه نظرة طويلة وقال:
+
- لأنك عودت نفسك على الرضا بالسكوت مش على إنك تاخد حقك بالكلام ، و أنا ياما نبهتك على الطبع دا ، فالسكوت اللي بيكتم الوجع جواك، هييجي يوم ويخرج ، ويا يخسرك نفسك، يا يخسرك الناس اللي بتحبك.
+
أشاح"وائل" بصره و أخذ يتأمل اللوح الخشبية مجددًا بخواء ونبس :
+
– أنا مش عارف أنا بحب مين ولا نفسي في إيه، أنا بطلت أعرف أنا عاوز إيه .. أصلًا مش مهم ...
1
نبس عبارته الأخير باستسلام حتى توقف بصره على لوحة خشبية نقش عليها بخطٍ عربيٍ فصيح - كحال باقي اللوح - ، بينما في الخلفية كان يتحدث " عم رجب " لكن " وائل " كان شاردًا بسمعهِ و ذهنه بعيدًا عن هذه الغرفة واستقر في انحناءات تلك العبارة ، التي شعر بتردديه لها في جوفه ، بشىء هاجمه بعنفوان مستوليًا على ذهنه الباقي .
+
رفع " عم رجب " عيناه مستفسرًا نحو " وائل " الصامت منذ عدة ثوانِ ، لينقل ببصره نحو الجهة التي استقرت أمامها مقلتاها ، ابتسم بشرود و عاد للطين بين يديه ونبس بنبرة ذات مغزى :
+
- إقرألي الشعر إلي خد عقلك في ثواني دا .
1
انتبه " وائل " على كلماته الأخيرة فعاد لهُ حضوره فألتفت لهُ متسائلًا :
+
- أعملك إيه عم رجب ؟
+
- الشعر .. إقرأه بصوت عالي .
+
نبس بها " عم رجب " دون النظر له وما زالت ابتسامته العبثية تزين وجهه ، ليعود " وائل " بنظره لتلك اللوح و يهجو بها علنًا بصوته الأجش محاولة الألتزام بالنطق الصحيح لشتكيل الحروف :
+
- يـا فاتن العينين جئتُكَ مرهقًا
من وحي حُسنكَ راعني أن أُقتلا
تلكَ العيون الناعِساتُ فتكنَّ بي
باللّحظِ أم بالكُحل صرتُ مجندلا؟
القتلُ في شرعِ الإلهِ محرمٌ
وبشرع حُسنِكَ لا يزال مُحلّلا !
5
تمتم بها " وائل " بشرود ، بينما " عم رجب " مازالت ابتسامته العبثية تتراقص على شفتاه ، و التي ألتقطتها " وائل " سريعًا ، فابتسم مُقتربًا منه ، ونبس :
+
- أنا عارف إني في العربي مش أحسن حاجة ، بس متضحكش عليا يعني .
+
رمق "عم رجب" وجه "وائل" بتمعّن، أما عينا الأخير كانتا ثابتتين عليه ، لكنّ ارتجافة خفيفة مرت في حدقتيه فضحته ،فمدّ العجوز يده ونفض الطين العالق بين أصابعه ببطء، ثم قال بنبرة خافتة لكنّها لم تخلُ من الدهاء:
+
- من بين كل الأشعار اللي مكتوبة على الحيطة، مخطفش عقلك غير اللي بتتغزل في العيون المتكحلة! إيه؟ الوقعة المرة دي عين وحاجب ولا إيه؟
+
ارتبك "وائل" قليلًا، وشهق ضحكة خفيفة أشبه بتنهيدة، ثم هز رأسه نافيًا واجاب باستنكار :
+
- إيه بس اللي بتقوله ده يا عم رجب؟
1
لكن "عم رجب" لم يُزِح عينيه عنه، كأنّه يعرف أنه ضرب على الوتر المشدود في قلبه تمامًا ،وصوته جاء أكثر هدوءًا مائلًا لحزم العارفين:
+
- أنا بقول اللي لسانك ردّده وإنت رافض تصدّقه، اللي عقلك اتشدّله ورفضت تصدّقه… مش بجيب من عندي حاجة يا بني.
+
أزاح."وائل" بصره بعيدًا لكنه لم يعلّق ، كانت نظراته مُعلقة بشيء لا يُرى، كأنّه ينقّب داخل نفسه عن إجابة لا يريد العثور عليها ،ليقطع دبيب عقله قول العجوز :
+
- اللي قدرت تشغل بالك للحظة… خد خطوة تجاهها ، وخليها هي إلي شاغلة دماغك طول العمر.
3
لم يستطع "وائل" أن يُخفي التوتر من صوته هذه المرة، فردّ بسرعة كمن يُغلق نافذة قبل أن تدخل الريح:
+
- تشغل دماغ مين بس يا عم رجب! إنت مش ناوي تشغلني معاك ولا إيه؟ أنا معنديش وقت كتير.
+
ضحك "عم رجب" بخفة، كانت ضحكته خافتة لكنها مشبعة بالرضا والود، ثم مد يده للطين أمامه، وضغط عليه بكفه، قبل أن يهمس كمن يهمّ بمكيدة :
+
- وماله يا بني… اشتغل ، تحب نعمل حاجة للي عيونها متكحلة؟
1
لحظتها رفع "وائل" حاجبيه بدهشة و استنكار و زفر نفسًا ، ثم نهض نحو إحدى الجهات ليتناول المريله الخاصة به ويعود مُجددًا للبدء في عمل تحفة آخرى ، يصب بها جُل تفكيره علها تخطفه بعيدًا عنها .
+
مرت ما يُقارب الساعة و نصف ، أنتهى " وائل " من عمله ، ودع " عم رجب " ، ثم وقف أمام باب المحل تلفحه نسمات الليل الباردة برقة ، أخرج هاتفه من جيبه و من قائمة الإتصالات توقف أمام إحدى الأسماء و حدق بها طويلًا ..
+
كان صراعه هنا امتدادًا لمعركةٍ دامت ساعةً ونصفًا ، معركة مع كلمات "عم رجب" التي لازمت رأسه ومع تلك اللوحة الخشبية التي شحذت ذهنه، وكأنها مرآةٌ تعكس كل إضطرباته ..
+
والأقسى... تلك الفتاة التي لا يدري بربه من أي زاويةٍ مظلمة في حياته خرجت، لتحتل ما تبقى من شعلة رغبته في امتلاك شيءٍ - ولو واحد - بحق بدون ضغط أو إجبار ، فقط إرادة و إختيار ...
+
لم يجد سوى أن إبهامه ضغط على زر الإتصال ، رفع الهاتف على أذنه وانتظر الطرف الآخر ليُجيب ، وحين فتح الخط نبس قائلًا :
+
- آيوه يا لبنى إنتِ فين ؟
+
انصت لثوانِ لكلماتها ، ثم تسائل باهتمام :
+
- آسر عامل إيه دلوقتي ؟
+
- طيب لما تطلعي من عنده إبقي كلميني عشان عاوزك في حوار ..
1
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
هبط "آسر" من السيارة التي توقّفت أمام بوابة الفيلا الواسعة، تبعته والدته من الجهة الأخرى بخطوات قلقة، بينما توقفت سيارة عمه "جليل" خلفهم مباشرة، يترجل منها برفقة أبنائه في هدوء مشوب بالتوتر.
+
كان أفراد العائلة في انتظارهم عند المدخل، يتقدمهم عمه "رياض" وابنه "وائل"، أما البقية فقد كانوا بالداخل، مجتمعين حول "فاروق" الذي وصله الخبر منذ ساعات قليلة، واحتاجوا جهدًا لتهدئته بعدما أخبروه أن "آسر" سيخرج اليوم.
+
وكأن الأيام تعيد نفسها، نفس المشهد القديم يعود، لكنه لا يُشبه الماضي إلا في ملامحه ، تلك النظرات القلقة، التجمّع المفاجئ، وتلك الرغبة الصامتة في الاطمئنان عليه، كلها ذكّرته بتلك اللحظة التي لا تغيب عن ذاكرته .
+
رسم "آسر" على وجهه ابتسامة صادقة، محاولًا تبديد التوتر المخيم، وراح يتبادل التحية مع الجميع مصافحًا ، مبتسمًا، حانيًا في كلماته ، لكن حين انتهى من الجميع، بقيت أمامه المهمة الأصعب... والده.
+
استند جاهدًا على عكازه المعدني و أخلى الجميع له الساحة ليقترب هو بتوتر من والده وحركته المعتاده في ضم كفاه فوق عكازه و إطراق رأسه للأسفل بصمت .
+
- بابا
+
رفع " فاروق " لهُ رأسه ببطء لكن لم ينظر له و أجابه بصوته الرخيم ، مُعاتبًا :
+
- افتكرت دلوقتي بس إن ليك أب !
+
لانت ملامح " آسر " شفقةً و أقترب منه أكثر و هتف بصوت مرتجف :
+
- متقولش كده يا بابا عشان خاطري ، أنا مكنتش عاوز أقلقك و كلنا خايفين عليك .
+
حينها رفع " فاروق " عيناه التي آدماها الحزن بوضوح ، وهتف به :
+
- ولما أشوفك أنا كده مش هخاف ؟!
+
- بس على الأقل عارف إني كويس ، عشان خاطري يا بابا متزعل مننا والله زعلك بالدنيا عندي .
+
اطرق " فاروق " رأسه مجددًا ولم ينبس ببنت شفة ، فاقترب " آسر " منه وتحامل على جسده بصعوبة حتى جلس بجانبه وسط ترقُب الجميع في صمت ، ليسمعوا صوت " فاروق " جاء منكسرًا ،متألمًا :
+
- آسر .. إنت عارف إنت مهما حبتني عمرك ما هتحبني زي ما بحبك ، ولا هتخاف عليا زي ما بخاف عليك ..
1
ابتسم " آسر " له بحنو ، وقال بطمأنينة :
+
- متخافش عليا يا آبو آسر ربنا خير حافظ ، و أنا باخد بالي من نفسي بالي اقدر عليه
+
ألتفت له حينها و اشتد احتقان وجهه ، فقال بنبرة تحمل غصةً نشهت حلقه فخرج صوته نازفًا :
+
- دي كانت كلمة أختك جيهان ، كانت تقولي يا بابي متخافش عليا .. لحد .. لحد مـ ..
+
تحشرج صوته و اختنقت الكلمات في جوفه وكاد " آسر " أن يتحدث لكن والده قاطعه بحزم :
+
- مش هسامحك لو حصلك حاجة يا آسر ، مش هسامحك .
+
جاهد " آسر" دموعه فخرج صوته صارمًا رغم ارتجافه :
+
- أنا والله ما يرضيني ولا يريح ليا بال لما أعرف إنك زعلان أو تعبان بسببي ، سامحني يا بابا بس مش هعرف أقولك حاجة عارف إنك هتوجعك .
+
ألتفت له " فاروق " أكثر وصاح به بصرامة وصوت مبحوح ، وقلب أب ينزف آلمًا :
+
- فاكر نفسك إيه يعني ! فاكر نفسك هتخاف عليا أكتر ما أنا بخاف عليك ؟! خوف العيال على آهاليهم ولا حاجة جمب خوف الأب أو الأم على عيالهم ، و .. وجع خسارتهم أكتر من وجع العيال على موت أمهم أو ابوهم ، عمركم ما توصلوا لوجع أب أو أم على خسارة عيل من عياله مهما كان جواكم حب وخوف .. فارحم حرقة قلب راجل كبير معدش ليه في الحياة غيرك ..
+
كانت كلماته قاسية في ظاهرها، لكنها مشبعة بصدقٍ موجع،فصمت المكان من حولهم، وتسرب تأثير كلماته إلى كل من حضر، ولامست وجدان كل أب وأم، فهزّت في داخلهم مشاعر مكبوتة لا تُقال، بل تُحس وتُفهم دون شرح.
+
أما الأبناء فقد خفَتت أنفاسهم وأدركوا ولو للحظة، أن الحب والخوف الذي يسكن قلوبهم، لا يبلغ عمق ذاك الذي يسكن قلب أبٍ أو أم، ولا يُقارن بحرقة فُقدان لا تلتئم، وجع لا يُختبر إلا حين يرحلوا، وتترك ورائهم قلوبه تنزف على أطلال من كانوا يومًا كل الحياة.
+
هوى " آسر " على كف والده يُقبله برفق ، ورفع بصره مجددًا و قال :
+
- حقك عليا والله ، حقك عليا بس متزعلش مني .
+
اخذ " فاروق " يمسد على كتف ولده برفق و دموع حبيسة مقلتاه ظهرت في تحشرج صوته قائلًا بابتسامة باهته :
+
- أنا أزعل عليك بس مزعلش منك ، وتوجعني الدنيا بحالها واصبر ، إنما تتشاك إنت شوكة دا مستحملوش ولا لحظه .
+
ابتلع " آسر " ريقه بصعوبة وسمع والده يستطرد بصوت مبحوح :
+
- موت چيهان أختك لسه قايد في قلبي نار مش بيطفيها غير وجودك يا ابني ..
+
أومأ " آسر " برأسه و انسابت دمعة خافته على وجنته و أجاب :
+
- حقك عليا والله حقك عليا مش عارف أقولك إيه .
+
- بتقولها كل مرة وبعديها ليك برضو ، وهعديها المرادي بس مش هعديها تاني ..
+
- حاضر يا بابا ، ربنا خير حافظ أدعيلي بس .
+
ابتسم " فاروق " بحنو ومسد على كتفه ، ثم ألتفت لقدمه وعاد ببصره له مرة أخرى و قال :
+
- قوم يلا أطلع ريح شوية .
+
أومأ له " آسر " ببطء و سارع " وائل " في مساعدته لصعود لآعلى ، و أما أن تأكد إنه دخل غرفته ، عدل من وضع عكازه واستند عليه بقوة وتهجمت ملامحه و أردف بصرامة :
+
- أنا عاوز أعرف إلي حصل ! أنا عاوز اسم !
+
تبادل الحضور النظرات فيما بينهم بتوتر ، لكن " مراد " ألقى بالإجابة :
+
- عز يا عمي ..
+
ألتفت له الجميع بصدمة ومنهم نظرات " الفاروق " المذهولة رغم ثباته الظاهري و تسائل بتهكُم :
+
- عـز ! عز دا ... !
+
- أيوه يا عمي .
+
اجابه " مراد " سريعًا ، فنقل " فاروق " بصره أمامه بحيرة وعدم تصديق ، بينما خيّم التوتر على الجميع ، لتنبس " مريهان " قائلة :
+
- شكل كده لازم نكلم داليا ..
2
ألتفت لها " جليل " و قاطعها رافضًا :
+
- نكلم داليا بعد السنين دي ؟ إنتِ إتجننتي ؟!
+
أجابته " مريهان " بصرامة :
+
- إنت شايف في حل تاني نوقف بيه العيل دا ؟
+
قاطع الحوار تدخل " رياض " بتهكم ساخر :
+
- دا ميقدرش عليه غير ربنا ! لو داليا كانت تقدر عليه كانت ربته.
1
صمت الجميع بعد كلمات " رياض " ليغوصوا في حيرة جديدة ، قبل أن ينطق " فاروق " بالقول الفصل :
+
- مريهان معاها حق ، لازم نكلم داليا .
1
صعد " آسر " غرفته ودخل دورة المياه للوضوء ، ومسح على جبيرته كما علمه " ريان " و اخبره كونه وضعها على طهارة - أي الوضوء - الذي سبق خروجه من المسجد تلك الليلة .
+
بدل ملابسه ، فرش سجادته واستقبل القبلة ، ثم هاجمه ذلك الإدراك المُتأخر ..
+
لن يستطيع ثني ركبتيه للسجود !
+
حين فقط ادرك ذلك الشىء - دونًا عن غيره - من كونه لن يستطيع القيام أو الركوع إلا جالسًا لكنه أيضًا لن يستطيع السجود ، وهذه أعظم الأمور أدرك أنه لن يستطيع ان يقوم بها لفترة من الزمن ..
+
كيف وهي الشىء الذي كان يشجعه على الصلاة هي تلك الثوانِ التي يسجدها لله يناجيه فيها و هو يعلم بأنها أقرب موضعًا لله !
+
و عند ذلك الإدراك ؛ هوى " آسر " جالسًا على الكرسي بانكسار ورجفة انتشرت في بدنه ، واخذت دموعه تتلألأ في مقلتيّه اللذين توسعتا بذهولٍ شاخصة .
+
أخذت دموعه تتدفق بلا هوادة ، ينفي برأسه ذهابه وإيابًا بعنف ، فالتقط هاتفه وأجرى اتصالًا فورًا على " ريان " .
3
كان " ريان " في تلك اللحظة عائدًا للمنزل سيرًا على الأقدام كحال بعض أيامه التي يود أن يختلي بها بنفسه ، وحين لاح له في الافق المبنى السكني.. توقفت خطواته على رنين هاتفه .
+
- آسر !
+
نبس بها " ريان " بترقُب ليسمع صوت شهقات متقطعة و كلمات " آسر " تخرج بصعوبة :
+
- آلو ..يا ..ر..يان
+
توقف " ريان " في مكانه وعقد حاجبيه بقلق وتسائل باهتمام :
+
- آسر ! مالك ! إيه إلي حصل ؟! ... إنت بتعيط ؟
+
لم يكن يصل له سوى صوت شهقات متقطعة مكتومة ،وبعدها ظهر صوت " آسر " يقول بصوت متحشرج ، منكسر :
+
- أنا مش عارف أسجد يا ريان .. ربنا عاقبني ومبقتش عارف أسجد .
+
- طيب فهمني بس إيه إلي حصل !
+
- رجلي يا ريان ، رجلي !
+
تنهد " ريان " بخفة حين ادرك ما يقصده ، و أن بسبب قدمه التي لا يستطيع ثنيها ان يتمكن من السجود حتى تتحسن بشكل كبير ، فمسح على وجهه بآسى وسمعه يستطرد :
+
- ربنا كان مديني صحة و أنا مكنتش بجيله و خدها مني ، أنا مش عارفه أسجد يا ريان .. مش عارف أسجدله .
+
أجابه " ريان " بنبرة رخيمة حنونه :
+
- متقولش الكلام دا يا آسر ، إنت لسه عارف تصلي ، إنت كنت ناوي ترجع تاني و هو عالم بنيتك ، ربنا مش بيعاقبك هو بيختبرك ، عاوز يشوف صبرك ، عاوز يشوف رغبتك و ثباتك على توبتك حقيقية ولا هتتزلزل ! مينفعش من أول أختبار تسقط فيه ، ربنا بيبتليك عشان يُريد يشوف منك عبادة معينة ، يريد يشوف منك صدق و ثبات ومناجاة ، صلي حتى لو مش قادر تسجد بس أوعى تسيب الصلاة تاني يا آسر .
+
اطلق " آسر " شهقة مكتومة ونبرته المُنكسرة كانت تخرج منه بصعوبة بعد أن تجرح حلقه بقسوة:
+
- بس أنا كنت بعيد أوي، بحس إني استاهل إلي حصلي .. و .. وخليني كده عشان لو رجعت هكون منافق عشان راجعله بعد ما كنت ناسيه.. وكنت...
+
قاطعه " ريان " بصرامة وهتف بتوضيح :
+
- كنت غرقان، بس دلوقتي إنت واقف قدام بابه بتترجاه يقبلك ، فاكر الحديث القدسي إلي كلمتك عنه قبل كده ! لما ربنا قال يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني غفرت لك ! تخيل لو ذنوبك وصلت حد السما واتنويت التوبة بصدق من جواك الجبال دي هتتنسف في لحظه وربنا يبدهالك حسنات ، أوعى تفقد ظنك بربنا وتقول مش هيقبلك وتفضل تسمع لوسوسة الشيطان ، أوعى ..
+
سكن لوهلة سمع فيها صوت شهقاته المكتومة بحُرقة ، واستطرد بعد ان هاجت مشاعره رأفةً بصديقه :
+
- إلي إنت فيه ابتلاء و اختبار ، ربنا لازم يرى منك صدق أفعال مش أقوال بس ! يحطك في اختبار عشان تقترب مش تكتئب وتقفل على نفسك ! أوعى تفكر لما تروح لربنا في عز حاجتك إنك منافق ، أومال مين هيدفع عنك الشر لو مكانش ربنا ! مين هيمنع عنك المرض ويعافيك لو مكانش ربنا ! مين يسمع شكواك واضطرابك لو مكنش ربنا! هتستنى دا من الناس يعني ؟! يبقى هتفضل طول عمرك تايه ، ربنا الوحيد إلي لو خفت منه تروحله عشان إنت صدقًا ملكش غيره ، تروحله وتنكسر عند بابه بكل ذنوبك ومعاصيك عشان إنت ملكش غيره يا آسر ، احفظها كويس ملكش غير ربك مهما حصل.
+
ابتلع ريقه و تنهد بهدوء ثم تابع برفق :
+
- دموعك دي صدق على توبتك ، و أنا أحسبك على خير يا صاحبي ، استغل دا بقا واثبت على طريق ربنا عشان إلي لازم الطرق أوشك الباب أن يُفتح له ، وربنا خير الأكرمين بضيوفه ، وهيقبلك بكل سوءك و يهديك ويقربك ، بس إنت اقفل معايا وروحله اشتكيله بهموم سنينك كلها ، أقعد واحكيله كل حاجة جواك عارف تشرحها أو مش عارف و كل حاجة هتترتب تاني جواك ، و أفتكر إن صوتك إلي فاكر إنه مش هيعدي الأربع حيطان هو تجاوز السبع سموات و وصل لرب العالمين ..
4
شعر بسكون نسبي في شهقاته ، فبلل ريقه وابتسم بود و ختم قائلًا :
+
- اثبتك كده إنت لسه على أول الطريق يا صاحبي .
+
- حاضر .. حاضر يا ريان تسلملي .
+
- في رعاية الله وحفظه يا حبيب ، و ابقى طمني عنك .
3
أغلق " آسر " الهاتف و وضعه جانبًا ، ثم مسح عن وجهه دموعها وتنهد بعُمق ورفع يده بمحاذاة آذنه و صدح قائلًا :
+
- الله أكــبـر .
+
| على الجهة الآخرى... |
+
وصل " ريان " منزله ليُلقي السلام على والدته وشقيقته " ريم" اللتين كانتا في الصالة..
+
- أومال بابا مجاش لسه ؟
+
تسائل " ريان " فأجابته " ريم " التي كانت تأكل البذور المحمصة - اللب - ببساطة :
+
- لا مع نور في مشوار .
1
- و ميار ؟
+
- جوا في أوضتها من ساعة ما مليكة مشت.
+
تعجب " ريان " قولها ، فاتجه نحو غرفتها وطرق الباب بخفة ثم فتحه بتريث وألتفت يبحث بعينيه عنها حتى وجدها على سجادة الصلاة تُصلي وبيدها المصحف .
+
علم في تلك الأثناء أنها تصلي القيام ، فابتسم بود و أغلق الباب مُجددًا ، وشرد في صديقه الذي سيكون الآن يصلي ويناجي الله أيضًا .. فابتسم عند تلك الفكرة و دعا في جوفهِ لهُما .
+
| أما عند صديقه ... |
+
استمر " آسر " في صلاته ومُناجاته لربه من الساعات ما لم يشعر بمروها ، باح بماضيه وحاضره وشكى لهُ مستقبله ، كانت لحظة وكأنه انتظرها دهرًا ، فأفضى بكل جعبته من آفات السنوات في تلك السوعيات القليلة في نظره ، مقابل ما غَمره بعد ذلك من سكينة وراحة لم يعلم سببها رغم أنه لم يجد لشكواه حلًا لكن كان تكفيه تلك السكينة ليعلم أن القادم بيد الله فيطمئن و يرتخي .
+
دخلت عليه والدته وقد وجدته يستعد للنوم ، فابتسمت واقتربت منه وجلست على طرف فراشه قائله :
+
- نورت البيت تاني يا حبيب قلبي.
+
ابتسم " آسر " بطمأنينة و أجابها :
+
- منورك بيكِ يا ست الكل والله .
+
عم الصمت لوهلة قبل أن يتسائل " آسر " باهتمام :
+
- هي مليكة فين ؟! مشفتهاش النهاردة ، وحشاني أوي .
+
- مليكة نايمه من المغرب خدت علاجها ونامت ، كان عندها كذا حصة النهاردة و نامت من التعب .
+
أجابت بها " علياء " ببساطة ، ليومأ " آسر " بتفهُم ، فرمقته والدته بترقُب للحظات ثم نبست بهدوء :
+
- كنا عند ميار النهاردة...
+
رفع " آسر " بصره لها وقد شحذ ذهنه باهتمام جلي يظهر على كل حركة منه ، لتتُابع " علياء " قولها بتردد :
+
- وبصراحة ممنعتش نفسي أقولها تدي فرصة لعلاقتكم .
+
اتسعت عينايّ " آسر " بذهول وانتفض جسده بخفة ، تسائل بعدم تصديق :
+
- إنتِ قلتلها كده يا ماما بجد ؟
4
أومأت " علياء " بخفوت ، فابتلع " آسر " ريقه وأردف :
+
- بس إلي أعرفه إنها متعرفش حاجة ..
+
- من كلامها معايا ، حسيت إنها عارفه ، لإنها مستغربتش .
+
مازال الذهول يأخذ من ذهن " آسر " مآخذه ،
أ كانت تعلم كل تلك الفترة ؟!
في كل مرة وقف أمامها كانت تعلم عنه !!
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
بعد مرور يومين...
+
وبعد أن انهى " آسر " صلاة الظهر ، التي لم تخلو ركعة منها في مناجاة الله لأجلها ، استقل سيارته بعد أن عين عليها سائقًا ليقوده لمدرستها ، فهذا هو وقت الخروج ، وقد خرج ناويًا مواجهةً طال انتظارها ...
4
ربما يبدو تهورًا أهوج ،
و اندفاعًا احمقًا !
1
لكنه بحق سأم الاختباء و أراد أن يعلن كل شىءٍ بوضوح .
+
وصل أمام مبنى المدرسة ، وقد تبعته ُ سيارة الحراسة التي عينها " خالد " له .
+
و بعد انتظار ما يزيد عن أربعين دقيقة خرجت "ميار" من البوابة آخيرًا ..
+
كانت تمسك بحقيبتها بيد، وباليد الأخرى كتابًا وعدت به تلميذًا أن تراجعه ،لم يكن في نيتها شيء غير العودة إلى بيتها... أو هكذا كانت تظن.
+
لكن شيئًا في الأفق استوقفها.
+
ظلّ رجولي، ثابت، يشوبه ميل بسيط كأن صاحبه لا يقف بكامل توازنه.
+
رفعت عينيها... لتراه ..."آسر"
+
كان واقفًا على الرصيف المقابل، يتّكئ على عكّاز معدني داكن، يرتدي ملابس قطنية بسيطة ، وقدمه اليمنى محاطة بدعامة طبية ،كان المشهد كله متنافرًا مع الصورة الذهنية التي احتفظت بها له...الصورة الصامتة، القوية، الواثقة.
3
وكأنّه ؛ رغم الإصابة، لم يكن هناك انتظار في الدنيا أثقل من انتظارها.
+
للحظة أرادت أن تعود للداخل، أن تتجاهله... أن تنجو من كل هذا ، لكن قدميها لم تطاوعاها فتصنمت مكانها ، بينما هو اقترب منها بخُطى عرجاء ، و عندما كانت المسافة بينهم تتقلص كان الهواء بينهما مشحونًا .
+
لما أصبح على بُعد لا بأس به، تحدّث بصوت أهدأ من المعتاد، هش، متكسّر، كأنّ الحروف تخرج من قلبٍ أنهكه الصبر :
+
- مكانش دا شكل أحب تشوفيني فيه... بس أنا موجوع بقالي كتير، الحكاية مش جديدة.
1
لم ترد...
كانت تنظر إلى العكّاز، ثم إلى وجهه، ثم إلى الفراغ.
+
تأملها "آسر" لوهلة، ثم همس بنبرة خافتة، كأنها تقطر من بين شقوق روحه :
+
- كنت مستنيكِ...من يوم ما عرفت إنك عرفتي.
+
تحركت شفتاها كأنها على وشك قول شيء، لكنها ابتلعته ،
كل الأسئلة تهافتت على عقلها دفعة واحدة ؛
لماذا أتى؟ لماذا الآن؟ لماذا يُخاطر بمجيئه وهو بهذا الحال؟
+
ابتلعت غصة، وتكلمت بنبرة حاولت أن تُخفي اضطرابها قدر المستطاع :
+
- إنت جيت ليه؟! أظن إن إلي حصل حصل ، الكلام معدش ليه لازمة .
+
أغمض "آسر" عينيه، كأنها طعنة طالته من جهة يعرفها جيدًا، ثم فتحهما بعمق وهو يرد بصوت هادئ لا يحمل عتابًا، بل وجعًا صافيا :
+
- جيت عشان أنا إلي أتكلم دلوقتي ...و استغل حقي في إني طرف من الحوار دا .
+
صمتت، كانت تحاول أن تُمسك بزمام نفسها، أن تبني حاجزًا يُنقذ ما تبقى من توازنها الداخلي ، مدّت يدها إلى حقيبتها، كأنها تتهيأ للهرب لكن صوته سبقها، مكسورًا راجيًا :
+
- سامحيني... مش قادر أبعد ...مش بإيدي يا ميار.
+
تجمّدت قدماها، وبقيت تحدّق فيه دون أن ترد ،
كان قلبها ينبض بقوة، كأنّه يصفق من الداخل، مندهشًا، مرعوبًا، مُجفلًا بشكل لا تفهمه !
+
تلك الكلمات لا تعني سوى إنه لم ينسى !
لم تجعله كل تلك السنوات أن يستسلم أو يرضخ ..
هو الآن يقف أمامها ، يُثبت لها ما جاهدت الأيام على نفيه.
+
ومع كل اقتراب منه، كانت تتراجع كأنها تحمي آخر ما تبقّى من اتزانها ، حتى توقفت خطواته و تابع بصدق لم يعرف الزيف يومًا :
+
- سامحيني إني أناني فيكِ... ومش هقبل إن حد غيري يكون ليكِ.
+
تلعثمت عيناها، وهرب صوتها للحظات ؛ لم تكن مستعدة لهذا القرب، ولا لصدق ذلك القلب الذي ظنّت يومًا أنه نسيها ، كانت تظنها صدفة، كلمة عابرة، نظرة بلا معنى، لكن في قلب صاحبها كانت هي المقصد منذ البداية ،أجفلت بنظرتها، وارتبكت ملامحها وهي تهمس:
+
- حضرتك بتقول إيه؟! الكلام دا .. الكلام دا كبير إنت مش فاهمه .
+
يبدو ردًا لاذعًا إن كان شخصًا أخر غيره ،
لكن لقلبه ؟ فكان ردًا أحمقًا !
هي مازالت لا تفهم مشاعره ..
فلم يبتسم، لم يغضب، فقط نظر لها نظرة من يعرف وجعه جيدًا، ومن تعب من الصمت .
+
لمعت عينايّ "آسر " و أردف بمرار نهش ريقه :
+
- بقول إلي إنتِ متعرفيهوش، بالي خبيته في قلبي لسنين لحد ما فاض بيا ...
+
ثم سكن لوهلة ، ارتفعت نبرته بتسائل شابهُ الذهول :
+
- إزاي محستيش بده ؟! مشفتيش عيني بتبصلك إزاي ؟ مشفتيش كلامي معاكِ إنتِ إزاي ؟ مشفتيش فيهم خوفي، و قلقي ، و اهتمامي ، و غيرتي ؟! ملمحتيش دا يا بنت الحلال خالص ؟!
5
كانت تسمعه...
وكانت تتذكّر ..
تتذكّر كل مرة نظرت فيها له و اربكتها نظراته ، كل مرة سألها سؤالًا بدا بسيطًا لكن في نبرته قلق أبعد من المنطق ،لكنّها لم تكن تجرؤ على الاعتراف، حتى أمام نفسها ،فصوت الواقع كان دومًا أعلى من صوت الرجاء.
+
لم تستطع " ميار " التفكير في رد سوى أن تمتمت بصوتٍ منخفض، مضطرب:
+
- لو سمحت... متقربش مني.
+
قالتها وهي تبتلع دمعتها، تحاول أن تقف على قدميها المهتزتين ..
+
أما هو !
فاكتفى بابتسامة باهتة، وقال بهدوء موجوع:
+
- أنا عشت سنين كتيرة مبقربش منك ، و آخري منك هو نظرات بتهون عليا النار إلي في قلبي و إنتِ بعيدة عني ، و أوعدك الجاي مش هقرب منك غير بإذنك برضو ، هفضل مستني عمر فوق العمر إلي استنيته عشان ألمح نظرة رضا منك و معنديش مشكلة .
+
قالها وهو لا يطالبها بشيء، فقط يتوسل لنظرة لا تؤذيه، لإيماءه لا تقتله ، كانت عيناه مليئة بالأسى، وكأنّه يتلو وصيته لا اعترافه.
+
ثم بلل شفتاه و اختنق صوته بقلة حيلة كأنه لم يكن يطلب حبًا، بل مجرّد أن يُصدّق أنها سمعت قلبه :
+
- بس .. بس والله دا تقيل على قلبي أفضل متعلق فيكِ و مش عارف آخرتها إيه !
+
ابتلعت غصة مريرة ، و لمعت عيناها أمام توسله و قلة حيلته و آلمه ، كادت تقول له أن يتوقّف، أن يرحم ما تبقى منها، لكنها ظلت ساكنة، تتلقّى كلماته كمن يسمع نبضات قلبه للمرة الأولى.
+
لاحظ "آسر " لمعان مدامعها بوضوح ، يعلم مدى حساسيتها و تأثُرها ، يعلم عاطفيتها التي تُدير شؤونها ، لكنه لم يقوى على فعلٍ آخر لتخفيف عنها رغم أن البأس به هو ، سوى أن نبس بصوتٍ منكسر، وكأنه يُسقط دفعاته أمامها وحدها :
+
- آسف إني بقول كده ، و آسف إني اعترفت بالطريقة دي ، آسف إنك تستحقي حد يقولك الكلام دا بالحلال و يدخلك البيت من بابه ، آسف لو شايفه إني مقدرتكيش لما اتكلمت معاكِ بدل أهلك ، بس عمري ما هكون آسف إني بحبك يا ميار .
9
توقفت يده عند جيبه، كأنّه سيُخرج شيئًا لكنه تراجع ،
رفع عينيه نحوها أخيرًا، والرجاء الأخير يتدلّى من حروفه على مُعذبة فؤاده :
+
- تقدري تنسي إلي قلته دا لو مش عاجبك كلامي ، تقدري تنسيني شخصيًا و تبعدي عني لو .. لو مش عوزاني أنا كمان ، بس دموعك غالية على قلبي متنزلش غير لغالي ، و إنتِ غاليه على كل حاجه و كل الحاجات ترخصلك.
2
كان صوته يهبط تدريجيًا، كأن كل كلمة تُنزف من قلبه قطرة قطرة ،وفي قلب هذا الانكسار دوّى صوتها... خرج منها كصرخة كانت تداريها طول المشهد:
+
- كنت عارفة! آيوه كنت عــارفة!!
+
اتسعت عيناه، شعر أن الزمن توقف عند الكلمة ، اقترب منها بخفة ، ولهفته تسبق أنفاسه:
+
- كنتي عارفة؟! طيب... إيه؟
+
كان ينظر لها بلهفة ،بينما نظرت إليه بعينين تمتلئان وجعًا وصدقًا... كأنّها أخيرًا اعترفت، لكن ليس له... بل لنفسها ،ثم انخفض صوتها، وانحنت حروفها كدمعة فوق رمش قلبها، وهمست بنبرة ناعمة، مكسورة ، راجية :
+
- طب إيه ! ...انـســاني.
6
قالتها ببطء، بنبرة بسيطة خالية من الغضب، كأنها مجرد أمنية ...لكن وقعها على "آسر" كان أشد من كل الرفض الذي عرفه.
+
لازم الصمت لعدة ثوان لا يأخذ سوى موضع الذهول ، ليس من طلبها فقط بل من عيناها التي تطلب آمان من نوع آخر ، حين لاحظت تأمله له أشاحت ببصرها بعدها فلمعت مدامعها على زوايا عيناها ، لكن ما كان منه سوى أن ابتسم بتهكُم و أردف :
+
- يبقى إنتِ لسه متعرفنيش !
+
انتبهت لعبارته وألتفت لها بتعجُب لتسمعه يستطرد بثقة وثبات:
+
- أنا مش راجل متردد في مشاعره ولا موقفه ، أنا عارف بعمل ايه و لمين ، وكلامك إلي من ورا قلبك دا مش هيهزني في حاجة ، فإنسي أنساكِ .
4
ابتلعت ريقها وارتجفت جفونها و نطقت وهي تآبى النظر له بتردد :
+
- مفيش حل غير كده ، متاخدش خطوة حرام ربنا يحاسبك عليها ويمنعك إلي عاوزه ، متعصيش ربنا فيا .
+
ابتسمت بسمة جانبية حينما رآى ترددها وهروبها و قال :
+
- افهم كده إنك موافقة ؟ وهتفضلي مستنياني !
+
ارتبكت ، وتوردت وجنتيها ، و أجابت بتردد :
1
- دا شىء في علم الغيب ، بس إلي ليك ، عمر نصيبه ما يتوه عنك وهتلقيه مستنيك ، وإلي يتجاب بحرام عمره ما يعمَر .
+
رمقها "آسر" بنظرة طويلة، نظرة امتزج فيها العتاب بالشوق، والرجاء بالحيرة، ثم مال قليلًا للأمام يسند ثقله على عكازه و أردف :
+
- ميار...لو ليا خطوات كتيرة في الحرام فخطوتي ليكِ بذات هتكون بالحلال، وإنتِ عمرك ما هتكوني خطيئة ، إنتِ يمكن جيتي في وقت أنا كنت فيه واقع ومكسور ومش ثابت على الأرض ولا على نفسي، بس أنا طالبك إنتِ بالحلال قدام ربنا وقبل الناس،ولو لسه باقيلي عمر فـهعيشه عشان أليق بيكِ .
2
سكنت ملامحها لحظة، شعرت بأن الكلام يُربك دفاعاتها، وأن قلبها بدأ يتسلل منه شيء جديد… شيء يشبه التصديق !
والآمان بعد الخوف ..
و السكينة بعد الإرتباك .
1
ثم رفع كفّه ووضعه على صدره وقال بصوته العميق الحنون :
+
- ليكِ كلمتي يا ميار ، أول باب هخبط عليه هو باب باباكي ،وهقولّه جاي أطّلب بنتك إلي كانت مني قبل ما تبقى ليا.
2
ارتعشت شفتاها، لكنها ابتسمت بسمة صغيرة خجولة و اخفضت بصرها وهمت بالرحيل قبل يوقفها بقول :
+
- بس حلو الأزرق عليكِ ...
7
قالها مشيرًا إلى بدلتها الزرقاء فوق تنورتها البيضاء، المتناسقة مع لون خمارها، لكنها لم ترد، واتسعت عيناه بذهول لجمها خجلها من الرد عليه واكتفت بأن تدير ظهرها سريعًا، تخبئ ابتسامة خجولة تسرّبت رغمًا عنها.
+
أما هو فبقي مكانه، ابتسامته تتسع شيئًا فشيئًا، يتأمل ظهرها وهي تبتعد حتى استقلت سيارة أجرة واختفت عن ناظريه.
+
تنهد تنهيدة عميقة ورفع نظره للسماء بامتنان صامت، كأن قلبه يسبّح لله شكرًا على هذا اللقاء الذي أضاء قلبه … ثم اخفض بصره وأخذ يتلفت حوله بعفوية – أو هكذا حاول أن يبدو.
+
لكن مهلًا !
+
هناك رجلان يقفان على بُعد يراقبانه… يبدوان كأنهما مألوفان للعين، لكن ليس بما يكفي!
+
تجهمت ملامحه فورًا، عبس بين حاجبيه، ثم رفع معصمه الأيمن يتفقد ساعته… وهنا، كانت الصدمة الأولى!
+
الوقت لا يزال مبكرًا على تبديل رجال الحراسة، فالوردية لا تنتهي قبل ساعة على الأقل… والأسوأ هؤلاء ليسوا الرجال الذين خرجوا معه صباحًا!
+
كتم ارتجافة قلبه، لم يتحرك خطوة، فقط أخرج هاتفه واتصل بالرائد "خالد" وحاول الحفاظ على نبرته الهادئة رغم العاصفة التي اجتاحت عقله، وما إن أُجيب الاتصال حتى قال:
+
- بقولك يا خالد… هو ممكن رجالة الحراسة يتبدلوا قبل معادهم؟
+
رد "خالد" فورًا بلهجة حاسمة:
+
- لأ طبعًا… ليه، حصل إيه؟
+
اشتد ارتجاف "آسر" شعر ببرودة في أطرافه رغم حرارة الشمس، وحاول التحامل على عكازه بصعوبة ، وحدّق من طرف عينه نحو الرجلين من جديد، ثم رفع بصره إلى مبنى المدرسة ليتأكد من زاوية الكاميرات أنها تغطي موضعه تنفس ببطء وقال بنبرة بالكاد خرجت منه:
+
- الرجالة اللي واقفين دلوقتي مش همَا اللي طلعوا معايا ، مـش رجّـالتي يـا خـالـد… مـيـن دول؟!!!
13
ٰ
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
_ العودة بعد انقطاع اتمنى ان لا يحمل أحدكم تجاهي أمرًا في نفسه و تدعوا لي بالخير .
+
_هنتظر آرائكم هنا أو على جروب الفيس بوك ستجدون الرابط في وصف حسابي على واتباد، هكون متواجده هناك و أتفاعل معكم و مع آرائكم .
+
الفصل القادم يوم الثلاثاء إن شاء الله بدون مقاطعة .
+
شكرًا لحُسن قرائتكم ... لا تنسوني من دعائكم و السلام على قلوبكم ..
+
|| سُهى الشريف ||
+
