اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم رانيا ممدوح



                                        

                                              
كانت النار تتراقص ألسنتها وسط ظلام الصحراء، ترسل ظلالًا مرتعشة على الرمال، بينما الريح تعوي في الأفق كأنها تحكي أسرار الأرض. جلس صقر صامتًا بقرب النار لأن الجو كان في غاية البرودة، عيناه تلمعان ببرودة قاتلة، ووجهه محايد، كأنه جلمود صخر لا تقدر العواصف أن تزعزعه. أما بدر، فكانت تجلس أرضًا بالقرب من النار أيضا، أنفاسها متقطعة، عيناها يختلط فيهما الكبرياء بالدموع، والذهول بالخوف، وهي تحدق به كما لو كان عدوًّا وقديمًا في آن واحد.

1


قطع الصمت صوتها المرتعش، لكنه يحمل في أعماقه غضبًا دفينًا:
"عرفت إمتى؟"
ارتفع رأس صقر قليلًا، ونظراته ثاقبة، وكلماته تخرج ببطء، كأن كل حرف يحمل معه ثقل صحراء بأكملها:

+


"يوم ما انضربتي بالسهم... أنا كنت عندكم في القبيلة."

+


اتسعت عينا بدر، وارتجف جسدها لحظة، فقد كان قلبها يصرخ بما لا تستطيع أن تنطقه.

+


"إنت عرفت منين إني انضربت بسهم... معقول... إنت اللي أنقذتني وأسعفتني؟"

1


مال صقر للأمام قليلًا، وصوته يزداد حدة:

+


"آه، أنا أنقذتك... زي ما أنقذتيني. كده احنا خالصين. المفروض الليلة دي كنت أسيبك تواجهي اللي خططتيه. تفتكري... لو اتمسكتي عندنا كان ممكن يحصلك إيه؟"

1


أغمضت بدر عينيها لحظة، واستنشقت هواء الصحراء البارد وكأنه خنجر يخترق صدرها، ثم فتحت عينيها المليئتين بالدموع والتمرد:

+


"هموت... ياريت أموت عشان ترتاحوا مني بقى."

3


سكنت النار للحظة كأنها تستمع إلى صرختها المكبوتة، بينما ظل صقر واقفًا شامخًا، وجهه كالصخر، إلا أن صوته خرج حاسمًا، قويًّا:

+


"لا... موتك مش هو الحل ، روحي يا بدر، وكتري جنود على الحدود. وخلي بالك من اللي جاي. وكمان... في خاين من قبيلتك جنبك، قريب منك، من أيام أبوكي."

1


شهقت بدر، وكأن سكينًا غُرس في قلبها، وانتصبت جالسة، نظراتها حادة، تشق الليل:
"إيه ؟ مين؟"

+


خفض صقر جفنيه قليلًا، وابتسم بسخرية غامضة، ثم قال بهدوء يشعل الجنون في داخلها:
"معرفش."

+


صرّت أسنانها بشدة، وهي تحدّق به بعينين ملتهبتين:

+


"حتى لو تعرف... هتقول؟"

1


رفع حاجبه بسخرية متعمدة، واقترب منها خطوة، حتى شعرت بحرارة أنفاسه في برودة الليل:

+


"لسه مش واثقة فيّ بعد كل ده."

1


هزت بدر رأسها بحدة، وصرخت وكأنها تنزف:

+


"أنا عمري ما هثق فيك... لا إنت ولا قبيلتك!"

2


أشاح صقر بوجهه بعيدًا، كأنه يخفي أثرًا خفيًّا من الألم، ثم قال بنبرة هادئة لكنها جارحة:

+



                                      

                
"ماشي يا بدر، براحتك. بس أنا عملت اللي عليّ ونصحتك، وإنتِ حرة... في نفسك وفي قبيلتك. اللي جاي مش سهل، وصعب تعدّيه لوحدك.اطلبي دعم شيخ القبايل و كام قبيلة من اللي كانوا بيحبوا أبوكي ، و لمي الناس و خليهم حواليكي عشان قوتك تزيد و الكل يخاف منك. و الأهم من ده إنك تسيبي السهل الغربي و ترجعي وسط القبيلة ، طول ما أنتي بعيدة الغدر حواليكي هيزيد."

2


أطلقت بدر ضحكة قصيرة ساخرة، ولكنها كانت ترتجف من الداخل:

+


"صح ،أنا شايفة الغدر في عينك."

1


رفع صقر حاجبه باستهزاء، ثم أجاب بهدوء قاتل:

+


"صح، عندك حق وطبيعي. قدّام. أنا مش ناوي أعمل حاجة أساعدك بيها."

1


صرخت بدر بعناد، وهي تحاول النهوض لكنها تترنح:
"مش محتاجة مساعدتك أصلا!"

+


اقترب صقر أكثر، حتى أصبحت بينهما مسافة نفس ثم نظر إلى عينها مباشرة، وصوته هذه المرة كان منخفضًا، لكنه اخترق قلبها كسهم
"ماشي. بس المرة الجاية... لما تبكي قدام حد، قلبه مش هيرأف بيك زي قلبي كده."

1


شعرت بدر أن الأرض تدور بها، لكن كبرياءها لم يسمح لها أن تنهار، فرفعت رأسها متحدية، وعيناها تلتمعان كوميض نار:

+


"أكيد ليك مصلحة ورا كل ده."

1


ابتسم صقر ببرود، وبدا كأنه يقرأ أعماقها:

+


"لا... بس بردّ جميلك، وإنك أنقذتي حياتي زمان."

+


ضيّقت عينيها في شكّ ممزوج بالغضب:

+


"بس كده؟"

+


ردّ عليها بهدوء غامض، كأنه يخفي خلف كلماته ألف سر:

+


"أومال هيكون إيه؟"

+


ابتسمت بدر ابتسامة تحدٍّ، لكن بداخلها كان قلبها يرتجف:
"عموماً... هيبان يا صقر. كله هيبان."

2


سكت لحظة، وكأنه يفكر في أمر خفي، ثم سألها فجأة، بنبرة فاحصة:

+


"جيتي هنا إزاي؟ لوحدك ولا معاكي حد؟"

+


ارتسمت على وجه بدر ابتسامة فخر، وقالت بنبرة تحمل اعتزازًا بقبيلتها:

+


"آه، لوحدي. جيت هنا ازاي ، ده سر ما يعرفهوش غير الحمدانية... صحاب الأرض اللي يعرفوا كل شبر فيها."

1


قطّب صقر حاجبيه، ونظر إليها نظرة تشكك، ثم قال بنبرة متهكمة:

+


"أومال كنتِ بتسألي إنتِ فين ليه؟"

2


شعرت بدر بالحرج لأول مرة، وانخفضت عيناها بعيدًا عن عينيه، بينما ارتسمت على وجه صقر ابتسامة صغيرة، لم تُدرِك معناها.

+


ثم نهض واقفًا، ومد يده نحوها و هو يحمل القناع السليكوني الذي لم يصيبه شئ لحسن الحظ وهو يقول ببرود، وكأنه يضع حدًّا لكل ما دار بينهما:

+



        

          

                
"ماشي... خدي البتاع ده، وظبّطي نفسك كده... لحد ما تروحي زي ما جيتي هوصلك لحد قصرنا و بعدها كملي لوحدك."

+


كانت كلماته باردة، لكن وقعها على قلبها كان كالنار التي التهمت أطراف الصحراء، فشعرت بدر أن ما بينهما لم ينتهِ بعد، وأن هذه الليلة لم تكن سوى بداية صراع أكبر بكثير مما توقعت.

+


تجمدت بدر في مكانها، وعيناها شاردتان في وهج النار الذي بدأ يخبو، بينما رياح الصحراء تعبث بيدها وتبعثرها على وجهها المرهق. كان قلبها يخفق بعنف، لكن عقلها كان يردد بصوتٍ خافت، كصدى قديم محفور في ذاكرتها:

+


"ما تثقيش في حد دمه شرقاوي يا بدر... اتوقعي الغدر منهم في أي وقت."

1


شدّت يديها إلى صدرها، وكأنها تحتمي بذلك الهمس الذي أورثها إياه والدها، لكن الواقع أمامها كان أعتى من أي وصية. فها هو صقر، يقف أمامها، عيونه تلمع في الظلام مثل نصل سيف، ملامحه متماسكة كالجبل، وصوته يقطع حبل أفكارها بحدة:

+


"يلا، ولا إيه؟ ناوية تفضلي هنا لوحدك؟ ولا بتفكري تقتليني إزاي؟"

1


انتفضت بدر من صوته، وعينيها ضاقتا بغضب وهي ترد بصوت متحشرج، يختلط فيه الكبرياء بالريبة:

+


 "مش مصدقاك... ولا قلبي مرتاح لك."

1


ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجه صقر، لكنها لم تصل إلى عينيه، بل بقيتا ثاقبتين كالسيوف. تقدم خطوة للأمام، بينما قال بنبرة مشوبة بالتهكم:

+


"سبحان الله... انتي على أرضي، ودخلتي وقَرّرتي تموتيني، وفعلاً... المفروض أنا اللي ما أثقش فيك."

+


شعرت بدر بدمائها تغلي، لكنها تماسكت، وعيناها تشتعلان كجمرة، وردّت بحدة لم تخلُ من الارتجاف:

+


"آه... هفضل شاكة فيك. وبصراحة؟ مش داخل دماغي اللي حصل الليلة."

+


صمت صقر لحظة، ثم أمال رأسه قليلًا، ونبرة صوته هذه المرة كانت عميقة، تحمل تحذيرًا قاتمًا، كأنها آتية من قلب الصحراء نفسها:

+


"المفروض... كنت علّقتك وخليتك عبرة قدام الكل، أو قتلتك ومحدش كان هيعرف. احنا فيها ولسه مخسرناش وقت. وكمان... احنا في الصحراء. يطلع ديب ياكلك بعد ما تموتي و خلصت الحكاية و لا مين شاف و لا مين دري."

+


كانت كلماته مثل خنجر يغرس في صدرها، فشعرت بدر بالهواء يختنق حولها، وأن الأرض الرملية تحت قدميها لم تعد ثابتة. نزل من فوق حصانه،ثم 
اقترب منها فجأة، خطواته ثابتة، مهيبة، بينما هي تتراجع إلى الخلف غريزيًّا، كل خلية في جسدها تصرخ بالخوف، لكن وجهها ظل متماسكًا رغم ارتجاف شفتيها.

+


ضحك صقر ضحكة قصيرة، خالية من المرح، وقال ببرود كأنها سكين يمر على عنقها:

+


"يلا نمشي بقى، عشان أنا مش فاضي لشغل العيال ده. أو... ممكن أسيبك لوحدك هنا عادي يعني ... وانتي اتعاملي."

1



        
          

                
ثم استدار بخفة، وقفز فوق صهوة حصانه الأسود، الذي صهل بصوت دوّى في الصحراء، كأنه يعلن بداية معركة صامتة. جلس صقر شامخًا، ظلّه يطغى على الرمال من حوله، ثم مد يده نحوها، كأنه يمنحها خيط النجاة الأخير، بينما صوته جاء صارمًا، لا يقبل جدالًا:
"ها؟ هتركبي... ولا أمشي؟"

+


وقفت بدر تحدق في يده الممدودة، وعيناها بين نارين؛ نار كبريائها التي تأبى أن تستسلم، ونار خوفها من أن يتركها وحيدة في هذا الجحيم الممتد بلا نهاية. كان قلبها يخفق بعنف، بينما الصحراء صامتة، تترقب قرارها كما لو أن الرمال نفسها تمسك أنفاسها انتظارًا لما سيحدث.

+


مدّت له يدها في لحظة عجز، أصابعها ترتجف كأنها ورقة في مهبّ الريح.
رمقها صقر بنظرة حادة، عيناه تلمعان في الظلام كوميض سيف، ثم أمسك يدها بقوة جعلتها تلهث من الألم.
شدّها نحوه دفعة واحدة، فارتطمت بجسده القوي، و انطلقا في الصحراء مع جوٍ قارص البرودة.

+


بدر بألم : 
"ايه براحة ... إيدك جامدة زي الخشب "

+


لكن صقر تجاهلها كأنه لم يسمع شيئا ، فجأة اندفع الحصان في قلب الصحراء، تتطاير حوافره فوق الرمال كأنها ترسم إيقاعًا خفيًا في هدوء الليل. كانت بدر تجلس خلف صقر، ظهرها مشدود، يداها ترتجفان وهي تمسك في خاصرته رغمًا عنها، بينما الهواء البارد يلسع وجنتيها ويعبث بشعرها المنسدل تحت العمامة التي أخفت هويتها.
كان صقر ممسكًا بلجام الحصان بإحكام، عيناه ثابتتان للأمام، يتحدث بصوت رخيم اخترق صمت الصحراء:
صقر، بنبرة غامضة:
"تفكّري إيه ممكن يحصل لو عرفوا إنك بنت؟"

+


اتسعت عينا بدر قليلًا، وشعرت كأن قلبها سقط في قاع معدتها، ثم تمتمت بصوت خافت، متردد:

+


"مش عارفة..."

+


ابتسم صقر بسخرية، ابتسامة لم ترها لكنها شعرت بها في نبرته، ثم قال:

+


"هيجوّزوكِ لأي حد و خلاص... يا دوب تنشلي على واحد و تختاري من دلوقتي."

3


هزّت بدر رأسها بعنف، كأنها ترفض الفكرة بمجرد أن تخطر ببالها:

+


"لا... أنا مش عايزة الحل ده!"

+


ضحك صقر، ضحكة قصيرة لكنها تحمل في طياتها سخرية مرة:

+


"خلاص... مش فاضل غير تموتي! الموت أهون من الجواز في القبيلة بالنسبة لك.؟!
عايزالك واحد إيطالي غني، شكل بتوع إيطاليا عاجبينك!"

1


نظرت بدر إليه من طرف عينها، نبرة التحدي تتسلل إلى صوتها:

+


"لازم يكون زيّي... سواء إيطالي أو لا."

+


أدار صقر رأسه قليلًا نحوها، حاجباه معقودان بدهشة:

+


"شبهك إزاي؟"

+


ابتسمت بدر بخفة، في عينيها لمعة تحدٍ وهي تصف ما تحلم به:

+


"يكون أبيضاني، وعينه خضراء، وشعره أصفر."

+



        
          

                
صقر، متصنعًا الاستهجان فقد كان يشير إلى نفسه:

+


"ما ينفعش أسمراني وعينه بني وشعره أسود؟"
ثم توقف فجأة، التفت نحوها بدهشة أكبر، وقال بحدة مازحة:
"لأ ثواني كده! إنتِ أصلاً عينك مش خضراء ولا شعرك أصفر... أمال عايزاه شبهك إزاي؟"

2


قلبت بدر عينيها بملل، وأجابت ببرود كأنها تتحدى سخريته:

+


"يا عم، إنت مالك؟ هو ده ذوقي!"

+


ضحك صقر بخفة، لكنه هز رأسه رافضًا:

+


"بس أنتي يلزمك واحد كده... طويل، وأسمر، وراجل كده... رجولة وشهامة."

2


رفعت بدر ذقنها في عناد، نبرة التحدي واضحة في صوتها:

+


"ما هو ممكن يكون أبيضاني وبرضو رجولة وشهامة!"

2


صقر، قاطعها بنبرة حاسمة:
"بس!"

+


حدجته بدر بعينيها، ورفعت حاجبًا بسخرية:

+


"اسكت... إنت مواصفاتك إيه؟"

+


رمقها صقر بنظرة جانبية، وفي صوته شيء من الفخر الممزوج بالغموض:

+


"تكون بيضاء، وشعرها أسود، وقوية كده... تعرف تمسك السيف، وتركب الخيل، ومتعلمة، ومعاها كلية أجنبية."

3


رفعت بدر حاجبيها بدهشة، ثم تمتمت في سخرية مريرة، وقد ظهر على وجهها مزيج من الاستهزاء والشفقة:

+


"يا خسارة..."

+


توقف صقر، التفّ نحوها فجأة، صوته ممتلئ بالفضول:

+


"إيه؟"

+


ابتسمت بدر ابتسامة جانبية، نبرتها ساخرة:

+


"لا... بصراحة ،بتأسف على البنت دي اللي هتختارها. الله يكون في عونها!"

1


قطّب صقر حاجبيه، مائلًا قليلاً نحوها:

+


"ليه بقى؟"

+


أجابت بدر بسرعة، كأنها تطعنه بكلماتها:

+


"أصلك دمك تقيل، ورخم، وسدغ كده!"

2


ضحك صقر بخفة، لكن نبرته كانت مليئة بالاعتداد بنفسه:

+


"بس شاطر في دراستي!"

+


قهقهت بدر، ضحكة قصيرة مشوبة بالتهكم:

+


"ما هي مش ذنبها تقع في حد كده!
والشطارة في الدراسة مالهاش علاقة بكلاحتك."

+


صقر، وقد أشار إليها بإصبعه مهددًا في مزاح:
"وإنتِ كمان..."

+


بدر، بسرعة: 
"دمي تقيل زيك؟"

+


صقر هز رأسه مبتسمًا في خبث:
"لا... لسانك طويل.
بس عندك حق،
بس ممكن... لو في يوم اتقابلنا تاني، هوريكي الرخامة والسداغة على أصولها... يا بدورة!"

3


شعرت بدر بحرارة تغمر وجهها من الغضب، فتحت فمها لترد، لكنه سبقها، مشيرًا إلى الأفق، وصوته يعلو مع حفيف الرياح:

+



        
          

                
"… خلاص... وصلنا! ، اتمنى توصلي بالسلامة."

+


توقف الحصان فجأة، وارتفع صهيله، بينما كانت الرمال تمتد أمامهما بلا نهاية، وفي عيني بدر قلق وحيرة، لا تدري ما الذي ينتظرها في هذه الأرض المجهولة.

+


عاد كلٌّ منهما إلى بيته، كأن الليل بكل ما حمله من توتر وحديث متشابك لم يكن سوى كابوسٍ عابر.

+


ترجّل صقر عن حصانه أمام مضارب قبيلته، خطواته واثقة، وملامحه جامدة كالصخر، لا أثر عليها لأي اضطراب. نفض الغبار عن عباءته، ثم سار بين جدران بيته وكأنه لم يحمل خلفه سرًّا خطيرًا، كأن بدر لم تكن خلفه قبل لحظات، تتشبث به خوفًا من السقوط. عيناه البنيتان كانتا تخفيان عاصفة من الأفكار، لكنه تعمّد أن يبدو ثابتًا، صلبًا، حتى لا يلتقط أحدهم خيطًا مما دار في تلك الليلة.

+


أما بدر، فكانت قد ترجلت بعيدًا عن الأعين، وسارت نحو بيتها بخطوات متثاقلة، قلبها يخفق بقوة وهي تحاول استجماع شتات عقلها. كانت كلمات صقر تتردد في ذهنها، كأنها وشمٌ لا يُمحى: 

+


"تفتكّري إيه ممكن يحصل لو عرفوا إنك بنت؟"
شدّت طرف عباءتها جيدًا، ورفعت رأسها بتصميم، تحاول أن تُخفي ذلك الاضطراب الذي يعصف بروحها.

+


حين دخلت بيتها، استقبلتها حسناء بنظرة فضولية، بينما كانت ليلى تراقبها بصمت.
ابتسمت بدر ابتسامة باهتة، ثم جلست بهدوء، متظاهرة بالإرهاق الطبيعي بعد يومٍ طويل.
لم تفتح فمها بحرف، وكأنها تخشى أن يتسرب السر: مقابلة صقر، من بين شفتيها.

+


جاء الصباح حاملاً أشعة شمس خجولة تسللت بين ستائر غرفة بدر، لكن قلبها لم يعرف طعم الدفء منذ عودتها تلك الليلة. استيقظ البيت بأكمله على حركة النساء وصوت الجنود في الخارج، بينما بدر كانت أول من نهضت، وعزمٌ صلب يشتعل في عينيها. نهضت بخطوات سريعة، تشد عباءتها حول جسدها، وكأنها تُعدّ نفسها لمعركة غير متكافئة.

+


لم يكن في رأسها سوى اسمٍ واحد: ماتيا.
ذلك التاجر الذي كاد وجوده في القبيلة يشعل نارًا هي في غنى عنها الآن.

1


دخلت عليه الخيمة فجأة، فرفع رأسه نحوها بدهشة، وهو لا يزال يلتف بالغطاء السميك، وعيناه الزرقاوان تومضان باستغراب ممزوج بالقلق.
ابتسم ابتسامة مترددة، يحاول أن يُخفي ارتباكه قائلًا:
"صباح الخير."

+


لكن بدر لم ترد التحية، بل قالت بصوت حاد قاطع، لا يقبل جدالًا، وعيناها تلمعان ببريق صارم:
"لملم أشيائك… وغادر من هنا فورًا."

2


ارتفع حاجباه في ذهول، وكأنه لم يسمعها جيدًا.
"ليه؟" سأل بصوت متوتر.

+


رمقته بدر بنظرة نارية، وكأنها تطعنه بسهم غير مرئي، ثم قالت ببرود يخفي خلفه بركان غضب:

+


"عندنا خسارة كبيرة في الخيل… والبيعة مرفوضة."
هزّت رأسها بقوة، وأردفت:
"العدد ده محتاجاه القبيلة، والباقي… كذا حد كلمنا وعايزهم."

+



        
          

                
ضاق فم ماتيا، وشهق وهو ينهض واقفًا، ملتحفًا بهالة من الغضب وعدم التصديق:
"نعم! يعني أنا جيت هنا… وهمشي فاضي؟"

1


لكن بدر لم تمنحه حتى فرصة لإكمال احتجاجه، فقد التفتت بحدة وصاحت على أحد الجنود الواقفين عند المدخل، صوتها يعلو في الخيمة كالطوفان:

+


"خد ماتيا وميليسا… ووصّلهم برّا القبيلة، وتأكد من سلامتهم بعيد!"

+


دخل الجندي على الفور، منحنياً احترامًا، بينما كان ماتيا يرمقها في ذهول وغضب مكتوم، يحاول أن يفهم ما يحدث.

+


استدارت بدر نحوه ببطء، نظرتها حادة كحد السيف، وصوتها منخفض لكنه أشد فتكًا من الصراخ:

+


"أنا أمرته ياخدك يروحك برّا القبيلة… أصل من غيره ممكن تموت."
تقدمت خطوة للأمام، وعيناها تثبتانه في مكانه مثل مسمار في الخشب، وتابعت بلهجة تهديد واضحة:

+


"وماتفكّرش يا ماتيا… إن القبيلة سايبة كده ملهاش ناس."

1


رفعت يدها أمام وجهه، وهي تحرك أصابعها في الهواء بتقزز وكأنها تُقصيه بعيدًا:

+


"تؤ… تؤ… لا لا… ده عندنا ناس تقرقش عشرة منك في ثانية."
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أردفت بسخرية جارحة:
"يعني لو بتفكر تهدد… ولا حتى تعمل حركة ناقصة، يلا غور من وشي…"
رفعت ذقنها بعزة، وأنهت حديثها بنبرة حاسمة تقطع كل أمل:
"الزيارة… انتهت ، خد أختك و ياريت مانتقبلش حتى و لو صدفة."

+


تجمّد ماتيا في مكانه، فاغرًا فاه، غير قادر على تصديق ما يسمعه. أما ميليسا، التي كانت تراقب المشهد بصمت، فقد تشبثت بذراعه برعب، وكأنها تخشى أن تُبتلع الأرض تحت قدميهما.
مدّ الجندي يده مشيرًا لهما بالخروج، فالتفت ماتيا خلفه للحظة، لكن بدر لم تحرك ساكنًا.
كانت تقف كتمثال صلد، ملامحها صارمة، لا أثر فيها للتردد، والضوء المتسلل من فتحة الخيمة ينعكس على عينيها، فيجعلهما أكثر قسوة.

+


في تلك اللحظة، فهم ماتيا أنه خسر المعركة قبل أن تبدأ، وأن هذه القبيلة ليست بالمكان الذي يمكن أن يساومه أو يسايره.
رحل صامتًا، بينما بدر وقفت هناك، تشاهد ظهره يبتعد، وداخلها زوبعة من المشاعر لا يعرفها أحد سواها.

+


كان معسكر الحمدانية ساكنًا، إلا من همسات الريح وصوت حفيف الخيول القلقة في مربطها. وفي زاوية قريبة من بقايا الأسطبل المحترق، كان عبد ربه يقف، ظهره محنيّ، وعيناه متورمتان من السهر، يضم عباءته حول جسده المتعب.
كان قد أمضى الليل بأكمله متيقظًا، حارسًا للخيل الباقية، كأنه حارس لروح القبيلة ذاتها.

+


خطوات خفيفة اقتربت من خلفه، تلتها رائحة مألوفة تفوح بالعزيمة والهيبة، فرفع رأسه بسرعة ليرى بدر قادمة نحوه.
كانت ملامحها متعبة، لكن نظراتها ما زالت صلبة، كسيف لم ينل منه الصدأ، وعباءتها السوداء تتماوج مع نسيم الصباح، فيزيدها هيبة وجمالًا قاتمًا.

+



        
          

                
توقفت أمامه، وحدّقت فيه بعينيها المتقدتين، قبل أن تسأله بصوتٍ رقيق رغم حزمه:
"مالك يا عبد ربه؟ شكلك عامل كده ليه"

+


تنهد عبد ربه بعمق، وكأنه يفرغ ليله الطويل في زفرة واحدة، ثم قال بصوتٍ مبحوح، فيه أثر السهر والتعب:
"أصل أنا سهرت طول الليل… أحرس الخيل."

+


ارتجفت وجنتا بدر للحظة، مزيج من الامتنان والألم، ثم اقتربت خطوة، وكأنها تودّ أن تضع يدها على كتفه، لكنها تماسكت، وقالت بلهجة تحمل عتابًا خفيفًا:
"ليه تعبت نفسك كده؟"

+


رفع عبد ربه رأسه فجأة، ونظراته تمتلئ بالولاء الصافي، وردّ دون تردد، وكأنه يقسم بدم قلبه:
"تعبك يهون يا ست بدر."

+


ارتخت ملامح بدر للحظة، ورسمت على شفتيها ابتسامة باهتة سرعان ما تلاشت، ثم قالت بصوتٍ هادئ، لكنّه يحمل ثقة مطلقة:
"أكتر حد بثق فيه… هو إنت. روح ارتاح دلوقتي."

5


لكن عبد ربه هزّ رأسه بعناد، وعيناه تلمعان بإصرار رغم الإرهاق الذي ينهش جسده:
"لا… لسه قادر أصلّب طولي."

+


تنهّدت بدر، وقد أدركت أن عناده ينبع من حبه وإخلاصه، لكنها لم ترد أن تراه ينهار أمامها. غير أنها لم تُطِل النقاش، إذ غيّرت دفة الحديث فجأة، وملامحها تشتد حزمًا:
"طيب… عايزين نمشي من هنا، ونرجع بيتنا القديم."

+


اتسعت عينا عبد ربه بدهشة، كأنه لم يتوقع منها هذا القرار المفاجئ، وتردد قليلًا قبل أن يقول:
"بس البيت… اتهد. ونسيت أقولك… جت الحفلة وبعدين الحريق و انشغلت أقولك."

+


صمتت بدر للحظة، تغمرها صور الماضي؛ ضحكات، أصوات، وركام من الذكريات التي صارت رمادًا. لكنها سرعان ما رفعت ذقنها، وقلبها ينبض بعناد لا يُكسر، وقالت بنبرة حاسمة لا تحتمل الجدال:
"مش مهم… هنقعد في مكان تاني. المهم نرجع كلنا، مالناش قعاد هنا."

+


انحنى عبد ربه برأسه، ونبرة الطاعة تخشع في صوته:
"أمرك."

+


في تلك اللحظة، مرّت نسمة باردة بينهما، وكأنها تحمل وعدًا بالرحيل، ووثقت بدر أن خطوتها القادمة ستكون بداية فصلٍ جديد، مهما كان الطريق مليئًا بالشوك والدم.

+


تحت ضوء الشمس الذي بدأ يتسلّل بخجل بين شقوق النوافذ الخشبية المتهالكة، جلست بدر صامتة، يكسو ملامحها القلق، بينما يعلو صدرها بأنفاس متلاحقة كأنها تخشى أن يفضح صوتها ما يعتمل في صدرها. لمح عبد ربه ذلك القلق الذي لم تستطع أن تخفيه، فاقترب منها بخطوات ثابتة، وعينيه تتفحص وجهها بحذر.

+


قال بصوت دافئ، وقد عقد حاجبيه في قلق حقيقي:
"شكلك قلقانة يا ست بدر."

+


رفعت بدر رأسها نحوه، وعيناها تشعان بشيء بين الخوف والحزن، ثم همست وكأنها تخشى أن يسمعها أحد غيره:
"آه... قلقانة كتير."

+


جلس عبد ربه أمامها، محاولًا فهم ما يدور في رأسها، وسألها بهدوء ممزوج بالفضول:
"من إيه؟"

+



        
          

                
تنهدت بدر بعمق، كمن يحمل على عاتقه جبالًا من الهموم، ثم نظرت إلى الفراغ أمامها قائلة بصوت منخفض:
"لما نرجع... هقولك. بس دلوقتي... عايزة أسألك سؤال."

+


اعتدل عبد ربه في جلسته، وكله إنصات، وقال بحزم ممزوج بالاهتمام:
"اتفضلي."

+


استجمعت بدر شجاعتها، ثم أطلقت كلماتها وكأنها تضع قلبها بين يديه:
"تفتكر... ممكن حد ينكر المعروف؟ يبيع خير سيده... ويفشي أسراره؟"

3


ارتفعت حواجب عبد ربه بغضب، واشتعلت عيناه بلمعان الغيرة والولاء، فهز رأسه بقوة وهو يقول بنبرة قاطعة:
"ده يبقى معدوم الأصل يا ست بدر! اللي يخون سيده ويفشي أسراره... ما يستحقش حتى كلمة رحمة."

+


شعرت بدر بقشعريرة تسري في جسدها من شدة صدقه، ثم اقتربت منه أكثر، وسألته بصوت يقطر توترًا:
"واللي يعمل كده... عقابه إيه؟"

+


اشتد فكه وهو يضغط أسنانه بقوة، وردّ بنبرة تحمل ثقة لا تتزعزع:
"القتل، يا ست بدر. لأن الخاين ما يستاهلش فرصة تانية أبدًا."
ثم أمال رأسه قليلًا نحوها، متسائلًا وقد بدا الحذر على ملامحه:
"ليه الكلام ده؟ في حاجة حصلت؟"

+


أخفضت بدر عينيها، وأخفت ارتعاشة يديها في ثنايا ثوبها، ثم تمتمت كمن تحاول إخفاء سر:
"شوفت منام... حزين."

+


رمقها عبد ربه بنظرة متفحصة، محاولًا قراءة ما تخفيه، ثم قال وهو يرفع يده إلى السماء:
"خير اللهم اجعله خير."

+


ابتسمت بدر ابتسامة باهتة، لكنها كانت تحمل بين طياتها ألمًا دفينًا، ثم هزت رأسها قائلة بهدوء متصنع:
"خلاص... حلم وراح لحاله."

+


مد عبد ربه يده، ووضعها على صدره بثقة وإخلاص، ثم قال وهو يثبت عينيه في عينيها:
"ما تقلقيش... أنا في ضهرك وبحميكي، طول ما أنا عايش محدش هيقربلك."

1


لمعت عينا بدر بدموع حبستها بقوة، وهمست بصوت مرتجف لكنه صادق:
"واثقة فيك... أكتر من نفسي."

1


في تلك اللحظة، شعر عبد ربه باندفاع غير مرئي يحثه على أن يحميها مهما كلفه الأمر، بينما بقي القلق جاثمًا في قلب بدر، كطيف ثقيل لا يفارقها، وكأن كلامها لم يكن عن حلمٍ فقط، بل عن خيانة حقيقية تترصد بهم في كل مكان.

+


 خيّم جو من الحركة والنشاط غير المعتاد. ارتفعت أصوات الخيل، واختلط وقع حوافرها بصرير الأخشاب وصيحات الرجال، بينما كان أفراد القبيلة يتأهبون للرحيل، وجو مشحون بالمشاعر المختلفة يملأ المكان.

+


وقفت سارية وسط المنزل، تراقب الفوضى الجميلة التي تدل على قرب النهاية، ثم رفعت يديها بفرح وهي تقول بصوت متحمس:
"أخيرًا... هنمشي من هنا! ده أنا زهقت من قعدتي هنا."
ارتسمت ابتسامة صغيرة على محياها، لكن سرعان ما خبت حين خفضت رأسها، وهمست مع نفسها بصوت لا يسمعه أحد:
"وأشوف زين... النهارده الليلة السادسة... يا ترى هيجي؟"
كان في عينيها بريق شوق وقلق، وكأن قلبها عالق بين الرحيل وانتظار ذلك اللقاء المجهول.

2



        
          

                
جلست بتول قرب صندوق خشبي، ترتب بعض الأغراض بعناية وهي تتنهد قائلة:
"آه... أصل الوقت كان صعب علينا."
نظرت حولها وكأنها تستعيد في ذاكرتها ليالي السهل القاسية، حيث اختبرت القبيلة فيها صبرها وعزيمتها.

+


أما العنود، فكانت تمسك بثوبها بلهفة، وعيناها تلمعان بالدموع، وهي تتمتم بحرارة:
"بيتنا وحشني قوي..."
وكأن كلماتها خرجت من أعماق قلبها، لتكشف عن شوقها للعودة إلى الديار، حيث الأمان والذكريات التي لا تُعوّض.

+


بينما رفعت نسيم رأسها إلى السماء، ويداها معقودتان في دعاء صادق، وقالت بنبرة هادئة لكنها مفعمة بالأمل:
"ربنا يقدم اللي فيه الصالح."
كانت كلمتها بمثابة بلسم يخفف توتر القلوب، فالتفتت بعض النساء إليها بابتسامات شاكرة.

+


في زاوية المنزل، كانت فاطمة تعمل بصمت، يديها لا تتوقفان عن توضيب الحقائب وجمع الأغراض، ووجهها يقطر تركيزًا وجدية. كانت تحرص على ألا يُترك شيء خلفهم، فهي تؤمن أن النظام في لحظات الرحيل يحميهم من الفوضى.
كانت بين الحين والآخر ترفع رأسها لتتفقد سير العمل، وكأنها القائدة الصامتة التي تضمن أن كل شيء يسير كما ينبغي.

+


ومع كل هذه المشاعر المتشابكة ،الفرح، الشوق، القلق بدا السهل الغربي وكأنه يتنفس للمرة الأخيرة قبل أن يتركه أهله خلفهم، كصفحة تُطوى من كتاب القبيلة، لا يُعلم إن كان سيُفتح من جديد أم سيُغلق إلى الأبد.

+


وقفت بدر أمام يامن والنسيم البارد يلفح وجهها، وعيناها تلمعان بتصميم واضح، كأنها تُودّع مكانًا لا تريد أن تعود إليه أبدًا. ارتسمت على وجهها ملامح الجدية، ويدها تمسك بحزام خنجرها المعلق إلى جانبها، ثم قالت بصوت ثابت ينضح بالقوة:

+


"زي ما قلتلك يا يامن، كمل كل التعليمات، وكل ما تخلص مرحلة تيجي تقولي. خلال شهر هنبدأ تجهيز الخطة كلها."

+


انتصب يامن واقفًا، وبدت في عينيه شرارة الولاء والطاعة، ثم أومأ برأسه بحزم، قائلاً بصوت يفيض عزيمة:
"حاضر يا سي بدر، ماتقلقش. أنا والرجالة هنشتغل بكل جهد وعزم."

+


اكتفت بدر بهزة رأس هادئة، ثم استدارت بخطوات محسوبة، بينما خلفها تعالت أصوات الرجال وهم يجهزون القافلة للرحيل.

+


بعد ساعات طويلة من السير بالخيول المرهق ، ظهرت ملامح المنزل الجديد، حيث استقرّت القافلة أخيرًا بعد مشقة وعناء. بينما انشغل الجميع بتوزيع الأغراض وترتيب المكان، كان عبد ربه، الذي لم يذق النوم منذ ليلتين وهو يحرس الخيل، قد استغل ساعات الرحلة لينام نومًا عميقًا، كطفل أرهقته المعارك.

+


لكن راحة بدر لم تدم طويلًا. فما إن وضعت قدمها داخل الساحة حتى لمحَت حارسًا يقف متوتّرًا أمام أحد المنازل، نظراته قلقة وملامحه مشدودة. تقدّمت نحوه بسرعة، حاجباها معقودان بقلق:
"في إيه؟"

+



        
          

                
انحنى الحارس احترامًا، ثم أجاب بصوت متردد:
"عايزينك يا سي بدر."

+


زاد قلقها، فشدّت خطواتها نحو المكان، حتى وجدت نفسها أمام أطلال المنزل القديم الذي هُدم منذ فترة. كان الحراس مصطفين أمام ركامه، وجوههم متوترة، وكأنهم يحيطون بسر خطير. توقفت بدر، تنظر إليهم بعينين متسعتين، ثم سألت بحدة:
"إيه ده؟"

+


تقدم أحد الحراس وهو يشير إلى شيء ملفوف بعناية بين يديه، وقال بصوت خافت:
"ده... سحر، كان معمولك يا سي بدر. زمان، كان في دجالة هنا، لكن مشيت من سنين وسنين. واضح إن ده من عمايلها."

+


اتسعت عينا بدر بذهول، وكأن الزمن توقف للحظة.
"إيه؟!" صاحت بصوت مرتجف بين الغضب والصدمة.

+


أكمل الحارس بسرعة، كأنه يخشى ردة فعلها:
"آه، وجت واحدة كبيرة في السن وشافت ده، وقالت إنه سحر. والست دي مش دجالة، لكن صالحة... بتفك الأعمال لوجه الله. وقالت لو عايزين نفكه، نبعتلها فورًا."

+


شدّت بدر على أسنانها، وفي صوتها لهجة أمر لا تقبل النقاش:
"ابعتلها دلوقتي بسرعة... لازم نعرف إيه ده!"

+


لم يمض وقت طويل حتى وصلت السيدة العجوز، وهي امرأة مسنّة ذات هيبة، ملامحها هادئة لكن نظراتها نافذة، تحمل معها هدوءًا يبعث على الطمأنينة. تقدمت بخطوات ثابتة وهي تبتسم ابتسامة لطيفة، ثم حيّت بدر قائلة:
"السلام عليكم، أهلاً يا سي بدر."

+


بادلتها بدر التحية، لكنها لم تُخفِ توترها، فأجابت بسرعة:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ممكن تفهميني إيه ده؟"
كانت كلماتها تتدفق مع أنفاسها المتلاحقة، وكأن قلبها يسبق عقلها.

+


التفتت السيدة إلى الحراس، وقالت بهدوء صارم:
"روحوا أنتم... خلونا نتكلم على راحتنا."
أومأ الحراس بالطاعة، وانسحبوا واحدًا تلو الآخر، حتى خلا المكان إلا من بدر والسيدة.

+


اقتربت السيدة من الشيء الغامض، ووضعت يدها فوقه بحذر، ثم قالت بصوت متمهل:
"معرفش... لازم أفتحه عشان أفهم."

+


ابتلعت بدر ريقها، وقلبها يخفق بعنف، ثم أشارت بيدها في حسم:
"افتحيه."

+


مدّت السيدة يديها بخبرة، وبدأت تفك اللفافات بحذر شديد، بينما تتمتم بكلمات محفوظة بلغة غريبة، كأنها تستحضر شيئًا من الغيب. وما إن كشفت عن الورقة حتى ارتسمت على وجهها علامات القلق. رفعت نظرها إلى بدر وقالت بصوت عميق:

+


"ده، والله أعلم... سحر بالخرس التام مع كامل الخِلقة."

+


ارتجفت شفاه بدر، وأوشكت على أن تصرخ:
"يعني إيه؟!"

+


تنهدت السيدة، محاولة تبسيط كلامها:
"يعني... الشخص المسحور يكون أخرس، رغم إن أعضاءه سليمة كلها. بس، الشرط إنه يتبلّل فمه بالماء المسحور. غير كده، بيبقى طبيعي."

+



        
          

                
ساد صمت ثقيل. اتسعت عينا بدر وهي تسمع تلك الكلمات، وبدأ عقلها يربط الخيوط. في داخلها، اشتعلت نار الذكريات، وتمتمت في سرها، ودموعها تحرق مقلتيها:
"يعني... أمان هو المسحور! شال السحر عني، اتحمل عني البلاء! يا حزني عليك يا أمان، طول عمرك بتحميني، وحتى في البلاء دفعت الثمن بدالي. مين اللي عمل فيك كده؟ مين اللي ظلمك؟ يا وجعي عليك وعلى عمرك اللي ضاع."

+


تنفست بدر بعمق، تمسح دموعها سريعًا قبل أن تُرى، ثم سألت بصوت متماسك:
"طب... والعمل؟ إزاي يتفك؟"

+


ابتسمت السيدة ابتسامة مطمئنة، وقالت:
"سهل. بنعمل شوية خطوات، وهيتفك السحر، والشخص يرجع يتكلم تاني، وكأن حاجة ما حصلتش. بس... هيحتاج وقت عشان يجمع كلامه، يمكن شوية أيام، لأن جسمه هيسخن ويتعب، لكن بإذن الله هينجو."

1


هزّت بدر رأسها بعزم:
"تمام. اشتغلي في ده فورًا."

+


ترددت السيدة لحظة، وكأنها تريد قول شيء:
"بس..."

+


قاطعتها بدر بنبرة حادة:
"مفيش بس. تقدري تعرفي مين عمل كده؟"

+


هزّت السيدة رأسها بأسف:
"لا، للأسف."

+


تنهدت بدر بقوة، ثم قالت بإصرار:
"طيب، ابدأي دلوقتي... بس لما نوصل."

+


اقتادت بدر السيدة إلى غرفة أمان، الذي كان نائمًا على الفراش، وجهه شاحب كأنه يحمل ألف جرح خفي. جلست السيدة قربه، وبدأت عملها بهدوء وروحانية، تتمتم بتعويذات، وتغمس الماء في وعاء خاص. ثم أسقت أمان القليل من ذلك الماء برفق، بينما بدر تقف خلفها، يديها مشدودتان من القلق.

+


رفعت السيدة رأسها، وقالت بنبرة تحذير:
"دلوقتي... هو هينام. لازم حد يفضل جنبه، لأنه هيمر بفترة صعبة جدًا. يشرب من الماية دي تسع مرات، وكل مرة هيحس بوجع قوي... هنا."
وأشارت إلى لسانه وفمه.
"بس لازم يقاوم ويكمل. لما يشرب التسع مرات، السحر هيتفك بإذن الله."

+


أومأت بدر، وعيناها لا تفارق أمان، كأنها تحرسه بروحها:
"تمام... أنا هافضل جنبه، ومش هسيبه لحظة."

+


في تلك اللحظة، كان قلب بدر يغلي بمزيج من الغضب والحزن، لكنها أخفت كل مشاعرها خلف قناع من الصلابة.
فالليلة، لم يكن أمامها سوى هدف واحد: أن تُعيد صوت أمان، وتكتشف يومًا من كان وراء ذلك الظلم.

+


جلست بدر بجانب سرير أمان، والليل يلف المكان بهدوء ثقيل، كأن العالم كله قد توقف انتظارًا لشيء عظيم. كانت عيناه مغمضتين، ووجهه شاحبًا، يتصبب عرقًا من شدة الألم، بينما أنفاسه تتلاحق، بين وهنٍ وحرب يخوضها جسده ضد السحر الذي كبّله لسنوات.

+


مدّت بدر يدها برفق، تمسح خصلات شعره المبللة بعرق المعاناة، ثم انحنت قربه حتى كادت شفتيها تلمس أذنه، وهمست بصوت مرتجف، يحمل وجع السنين وحنينًا دفينًا:
"كنتَ أنت أماني... واليوم هكون أنا أمانك."

+



        
          

                
اهتز قلبها وهي تنطقها، فهذه الكلمات لم تكن مجرد همس، بل عهد قطعته على نفسها. شعرت بحرارة دموعها تنساب على وجنتيها، فسارعت بمسحها، خوفًا أن يراها أحد فتظهر ضعفها، وهي التي اعتادت أن تكون درعًا لقومها، لا تترك مجالًا لخصومها ليروا هشاشتها.

+


جلست أكثر قربًا، وضمت يده إلى صدرها، كأنها تريد أن تزرع في جسده بعضًا من قوتها، ثم تابعت بصوت يختنق بين الحب والحزن:
"طول عمرك بتحميني يا أمان، طول عمرك الدرع اللي بيصد عني سهام الغدر... لكن النهاردة، أنا اللي هحميك. والله ما هسيبك، ولا هسيب اللي ظلمك، هجيب حقك، وهفك القيد اللي كسر صوتك، زي ما كنت سندي هكون سندك."

+


كانت كلماتها تخرج كأنها وعد مقدس، تتردد بين جدران الغرفة كأنها دعاء مكتوم.

+


في تلك اللحظة، تحرك أمان قليلًا، شفتيه ترتجفان، كأنه يحاول أن ينطق باسمها، لكن صوتًا لا يخرج. قبضت بدر على يده بقوة أكبر، وهمست بصلابة، وقد مسح الغضب آثار حزنها:
"اصبر يا أمان... الألم ده مش هيطول. كل جرعة من الماية دي هتقرّبك مني، وهتقرّبك من صوتك. ومهما تعب جسمك، أنا ... هفضل جنبك، هفضل أمانك زي ما كنت أماني طول السنين اللي فاتت دي ."

+


ثم نهضت، سحبت الغطاء عليه برفق، وأخذت تجهز الماء للجرعة التالية، وعيناها تشتعلان نارًا خفية، ليس فقط من أجل شفاء أمان، بل من أجل الانتقام من اليد التي تجرأت عليه.

+


في داخلها، تعهّدت بدر أن تلك الليلة ستكون بداية النهاية لكل من تجرأ على كسر صوته، فالحرب لم تبدأ بعد، لكنها أقسمت أن نهايتها ستكون كما تشتهي قلبها، لا كما يريد أعداؤها.

+


كل بضع ساعات، كانت بدر تقترب منه برفق، عيناها مثقلتان بالسهر، لكن قلبها لا يعرف النوم. تضع يدها على كتفه، تهزه برفق، ثم تهمس باسمه بحنان:
"أمان... اصحى، وقت الجرعة."

+


كانت عيناه تفتحان ببطء، يطل منهما بريق خافت من الألم، وكأن استيقاظه ليس للحياة، بل لاستقبال موجة جديدة من العذاب. تمسك بدر الكوب بين يديها، وترفع رأسه بحذر، بينما يده ترتجف.

+


ما إن يبتلع الجرعة، حتى يبدأ الجحيم. ينعقد وجهه بتجاعيد الألم، شفتاه ترتجفان، وعروقه تنتفض أسفل بشرته. يبدو ظاهريًا كأنه بخير، كأن جسده لا يشكو شيئًا، لكن داخله يشتعل كبركان ثائر.

+


كانت يده تمتد بعنف، تقبض على ملاءة السرير حتى تكاد تمزقها، أصابعه تغرس في القماش كمن يتشبث بالحياة نفسها، بينما يطلق أنفاسًا متقطعة، لا يملك حتى الصراخ.

+


تنحني بدر نحوه، تحتضن يده بين كفيها، والدموع تحرق عينيها، لكنها تأبى السقوط.
"اصبر يا أمان... جرعة ورا جرعة، و كل ده هيخلص ... لا تضعف، خليك قوي يا حبيبي، ربنا يخفف عنك ألمك."

+


كانت كلماته حافزًا، لكنه يظل يضغط على الملاءة أكثر، حتى تظهر عروقه بارزة من شدة توتر عضلاته.

+



        
          

                
وحين يهدأ الألم قليلًا، يترك طرف الملاءة مرتخيًا، بينما يده تسقط على السرير ودموع العرق تنهمر على جبينه. تتنفس بدر بعمق، تمسح وجهه بمنديل مبلل، ثم تعدّل الغطاء فوقه، كأنها تحاول أن تمنحه دفء الأمان وسط بحر أوجاعه.

+


جلست إلى جواره، لا يغمض لها جفن، تراقب أنفاسه، وتنتظر مرور الساعات حتى يحين وقت الجرعة التالية.

+


وفي كل مرة يتكرر المشهد ذاته: كوب ماء، وجع صامت، قبضات تمزق الملاءة، وبدر تقاوم دموعها، تخفي رعبها خلف ملامح صلبة، بينما في داخلها نار الانتقام تشتعل.

+


كلما رأت عذابه، زاد عزمها على كشف من زرع السحر في حياته، حتى لو اضطرت لقلب القبيلة رأسًا على عقب.
كانت تهمس في أعماقها، بصوت لا يسمعه أحد سواها:
"مش هسيبك يا أمان... هفكك من قيدك، وهحاسبهم واحد واحد على اللي عملوه فيك."

+


بعد أن أعطته آخر جرعة، ظلت بدر تحدق في ملامحه المنهكة، تراقب أنفاسه التي بدأت تستقر شيئًا فشيئًا. كان الليل قد بلغ منتصفه، والبيت يلفه سكون ثقيل، لا يقطعه سوى صوت تنفس أمان المتقطع. وحين تأكدت أنه غفا أخيرًا، نهضت بهدوء، تغطيه جيدًا، ثم انسلت خارج الغرفة وكأنها تفر من ألمٍ أثقل قلبها.

+


كانت الطريق إلى منزلها مظلمة، والبرد يلسع وجنتيها، فيما عقلها يضج بأسئلة لا تجد لها جوابًا. وعندما فتحت باب المنزل، اندفعت رائحة مألوفة من  صدر البيت، لتستقبلها والدتها، فاطمة، بوجه يعلوه القلق وعينين محمرتين من السهر.

+


قالت فاطمة بصوت مضطرب، وعروق القلق بادية في نبرته:
"كنتي فين يا حبيبتي؟ قلقت عليكي، الساعة بقت متأخرة قوي من وقت ما سيبتك."

+


ترددت بدر لوهلة، قلبها يخفق بعنف، ثم قالت وهي تقترب من والدتها وتمسك بيديها:
"ماما... هقولك حاجة، بس اهدي لو سمحتي."

+


ازدادت نظرات فاطمة حدة، وارتجف صوتها وهي تسأل:
"في إيه يا بدر؟ قلبي مقبوض، اتكلمي."

+


تنفست بدر بعمق، وكأنها تستجمع شجاعتها لمواجهة الصدمة، ثم همست والدموع تلمع في عينيها:
"أمان... طلع مسحور يا ماما. شرب السحر مكاني... واتخرس بسبب كده."

+


شهقت فاطمة وكأن خنجرًا غُرس في صدرها، وصرخت:
"إزاي؟! ده ماكنش بيفارقني لحظة، إزاي يحصل كده؟!"

+


أخفضت بدر رأسها بأسى، وصوتها يختنق بين حروفها:
"معرفش يا ماما... والله ما عرفت غير دلوقتي، هو شرب السحر بدل ما أنا أشربه. وأنا تابعت معاه، وعطيته العلاج، وإن شاء الله الصبح يكون بقى كويس."

+


جلست فاطمة على أقرب كرسي، يداها ترتجفان، ودموعها تنساب على وجنتيها، بينما بدر تحاول تهدئتها، لكن قلبها كان يغلي بنار الخوف والذنب، تدعو في سرها أن تشرق شمس الصباح وقد انقشعت هذه الغمة عن أمان.

+



        
          

                
كان يزيد غارقًا في نومٍ ثقيل، وكأن جسده قد استسلم لتعب الأيام الماضية، يغط في سبات عميق لا تقطعه سوى أنفاس متلاحقة تعبّر عن الإرهاق المتراكم. كان جسده ممددًا على الفراش، والستائر مسدلة، تحجب نور الفجر المتسلل، فلا يميز المرء إن كان الوقت ليلًا أم نهارًا.

+


وفجأة، ارتجفت جفونه قليلًا، ثم فتح عينيه بتثاقل. رفع رأسه ببطء، وبتعب واضح أدار نظره في أرجاء الغرفة، فإذا به يلمح مشهدًا أربك قلبه. على يمينه، كان صقر جالسًا على المكتب، متكئًا بظهره إلى الكرسي، وعيناه تتمعنان في بعض اللوحات الموزعة أمامه، وكأنها عالمه الوحيد في تلك اللحظة.

+


انتفض يزيد من مكانه، ملامح الدهشة ترتسم على وجهه، وعروقه تكاد تقفز من عنقه، وصاح بصوت حادّ:
"إيه ده؟! إنت إزاي عندك؟! فكيت الحبل إزاي؟!"

+


التفت صقر ببطء، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة هادئة، فيها من الاستخفاف ما يكفي لإشعال غضب يزيد، وقال بنبرة متهكمة:
"لو اعتمدت عليك تصحى... كان زماني ميت من الجوع."

+


حدق يزيد فيه بعينين متسعتين، كأن كلماته خنجر غُرس في كبريائه، ثم صرخ محتجًا:
"أنا رابطك كويس قبل ما أنام! عملت كده إزاي؟!"

+


هزّ صقر كتفيه بلا مبالاة، وكأنه يحدّث طفلًا لا يفقه شيئًا، ثم قال بصوت هادئ تقطر منه الثقة:
"ده أسهل حاجة عندي. كنت سايبك تتسلى بس... يابني، دي أول حاجة تعلمتها من أبوك."

+


تجمد يزيد في مكانه، والذهول يشتعل في عينيه، بينما ارتسمت على ملامحه خيبة كبيرة، وشعر للحظة أنه مجرد دمية بين يدي هذا الرجل. رفع يده إلى رأسه، ثم ضرب جبهته بخفة، وتمتم بحنق ممزوج بالندم:
"أخ... ده أنا طلعت غبي والله! كنت فاكرك نسيت التدريب ده من زمان."

+


قهقه صقر قهقهة خافتة، فيها نبرة نصر واضحة، ثم أشار بيده بازدراء نحو الباب، وكأنه يطرده من الغرفة:
"روح شوف إنت رايح فين... وسيبني في حالي."

+


زفر يزيد بعصبية، محاولًا لملمة كبريائه المحطم، ثم نهض من الفراش، لكن ما إن خطا خطوة واحدة حتى شعر بشيء حاد تحت قدمه. تجمد في مكانه، وانحنى سريعًا ليرى ما الذي وطأه. كانت أصابعه ترتجف حين التقطه... خنجر بدر. خنجرٌ يعرفه حق المعرفة، فهو ملك لابن الحمدانية، ولا يمكن أن يخطئه.

+


رفع يزيد الخنجر أمام عينيه، وعروقه تنتفض، وملامحه تتقلب بين الغضب والذهول:
"إيه ده؟! إيه جاب خنجر ابن الحمدانية هنا؟!"

+


في تلك اللحظة، اتسعت عينا صقر فجأة، كأنما انكشف سره، لكنه سرعان ما أخفى توتره خلف قناع البرود. ومع ذلك، كان قلبه يخفق بعنف؛ فهو يعرف أن الخنجر لم يصل إلى هنا إلا لسبب واحد: قدوم بدر إلى الغرفة الليلة الماضية. كان الأمر كارثة لو علم يزيد الحقيقة.

+


لكن... غباء يزيد المعتاد لم يترك لصقر فرصة للتحكم بالموقف، إذ انطلقت كلماته عفوية، تنطق بالكارثة التي كان صقر يخشاها:
"يا ابن الإيه! قدرت تجيب ده إزاي؟! سرقته من بدر في الحفلة؟! جدع والله! هو ده تلميذي النجيب!"

2



        
          

                
ارتسمت ابتسامة مُجبرة على ملامح صقر، لكنها كانت باردة، تحمل في طياتها تهديدًا خفيًا، بينما داخله كان يغلي غضبًا. كان يعلم أن كلمة واحدة غير محسوبة قد تكشف ما لا ينبغي كشفه، وأن عليه أن يلعب لعبته بإتقان... قبل أن يبتلعه جنون يزيد.

+


كان الليل قد أرخى سدوله على ساحة الغجر الواسعة، حيث اشتعلت النيران في قلب المكان، تُلقي بأطياف راقصة على وجوه الرجال والنساء المتجمهرين. كانت رائحة الدخان ممزوجة بعبق البخور والمشروبات الشعبية، بينما عزفت فرقة صغيرة ألحانًا حزينة خافتة، كأنها تعكس قلق القلوب التي تجمعت في ذلك الليل الغامض.

+


في وسط هذا الجمع، كان سعدون، قائد الغجر، يقف متصدرًا الساحة كالنسر الذي يراقب فرائسه. كان رجلًا ذا ملامح حادة، عيناه سوداوان تلمعان تحت ضوء النار كشرر حارق، وجبينه يتصبب عرقًا، لا من تعب، بل من نار الحقد التي تشتعل داخله. كان يعلم أن عليه أن يشعل فتيل الفتنة بحرفية، وأن يثير غضب قومه ليدير الدفة حيث يشاء، خاصة بعد المعروف الكبير الذي قدمه له صقر.

+


رفع سعدون ذراعيه عاليًا، فخفتت الأصوات، وسكتت الآلات الموسيقية، حتى لم يبقَ سوى طقطقة النار وهمسات الريح. ثم صدح صوته الجهوري، ممزوجًا بالغضب والحنق:
"يعني عاجبكم حال القبيلة كده؟! وواحد زي بدر يحكمكم؟!"

+


تبادل الرجال النظرات فيما بينهم، وقد بدت الحيرة على وجوههم، قبل أن يتجرأ أحدهم بالرد، صوته متردد لكنه واضح:
"ماله؟! ده أنا سمعت إنه هيطور القبيلة... ويخليها تنوّر."

+


انقضّ سعدون على كلماته كالذئب على فريسته، عروقه تنتفخ في عنقه، وصوته يتفجر كالرعد:
"بس! بس! ده أنت عبيط ولا بتتغابى؟! بتصدق الكلام ده؟!"
ثم التفت إلى الحشد، عينيه تجولان بينهم كالسياط، وقال ساخرًا:
"كل التطوير ده هيكون منين يا ناصح؟!"

+


ساد صمت ثقيل، كأن الجميع يحبس أنفاسه، حتى انبرى رجل آخر، وجهه غارق في القلق:
"منين؟"

+


ابتسم سعدون ابتسامة ماكرة، كشفت عن سنٍ مكسور في فكه الأيمن، ثم لوّح بذراعه في الهواء وكأنه يكشف سرًا خطيرًا، وقال بنبرة حادة:
"من فلوسكم! من تعبكم وشقاكم! وأنتم واقفين زي العبط... ماشيين وراه ومصدقينه!"

+


ارتفعت همهمة غاضبة من بين الحشود، وظهرت علامات الصدمة على بعض الوجوه. ثم صاح رجل آخر، صوته مرتجف بالغضب:
"بتقول إيه؟!"

+


اقترب سعدون خطوة إلى الأمام، حتى انعكس وهج النار على وجهه المتعرق، وبدا كوحشٍ يستعد للانقضاض. قال وهو يلوّح بيده بقوة:

+


"لا... وكمان! اسمعوا دي! هيطرد الغجر برّا القبيلة! يعني مفيش رقص، ولا مغنى، و ممكن كمان يطردكم أنتم كمان برا القبيلة مش هتلاقوا ولا حتى مكان لنسوانكم و لا القبيلة  اللي طول عمرها مصدر رزقكم وشرفكم!"

+



        
          

                
عند هذه الكلمات، اشتعل المكان كأن النار انتقلت من المشاعل إلى قلوب الغجر. وقف أحد الرجال، عيناه تكادان تخرج من محجريهما، وصرخ بجنون:
"إزاي ده؟! لا! مش هنرضى بكده!"

+


ابتسم سعدون، ابتسامة المنتصر الذي أدرك أن خطته بدأت تؤتي ثمارها. رفع يده مرة أخرى، كمن يوجه جيشًا في معركة، وصوته يهدر فوق أصواتهم:
"كل واحد فيكم يروح يحكي لأهله، لكل أصحابه، لكل صبي أو راجل أو عجوز أو ست  في القبيلة! قولوا لهم على المصيبة دي! بدر ناوي يسرقكم، ينهبكم، ويطردكم زي الكلاب المشردة! بقالنا سنين وسنين... شايفينهم عايشين حياة الملوك، وأنتم؟! أنتم بتكحّوا تراب!"

+


اشتعل الغضب في القلوب، وتحولت النظرات الحائرة إلى عيون تتقد كالجمر. صرخ رجل آخر، صوته مبحوح لكنه مليء بالحنق:
"إيوه! صح! معاك حق يا سعدون! ده إحنا نقلبها عليها واطيها! هما فاكرينا ناس بتاخد على قفاها؟!"

1


تعالت الصيحات، وبدأ الغجر يلوّحون بأيديهم، يضربون الأرض بأقدامهم في انسجام غاضب، بينما النار تتأجج في الساحة، وتتصاعد الشرارات في الهواء. في تلك اللحظة، وقف سعدون شامخًا كالقائد المنتصر، وفي عينيه بريق شيطاني، فقد أدرك أن الفتنة التي أشعلها لن تُطفأ بسهولة، وأن بدر بات على وشك مواجهة عاصفة لا قِبَل له بها.

+


ابتسم سعدون ابتسامة خبيثة، ورفع صوته مجددًا، كأنه يرمي السم في آذان الغجر:
"وهتعرفوا كمان؟! بدر اللي فاكرينه سندكم، ده اللي ورانا شياطينه! كل خطوة بتمشوها وراه، بتقربوا من الخراب! واللي يفكر يقف ضده، هيحطمه! هو مش هنا عشان يحميكم، لا... هو  هنا عشان يمتص دمكم ويسيطر عليكم!"

1


اقترب من الحشد أكثر، عينيه تلمعان ببريق لا يعرف الرحمة، وصوته صار همسًا سامًا لكل قلب متردد:
"افتكروا! كل اللي حصل لحد دلوقتي ده بس البداية! بدر ناوي يشيل كل حقوقكم، ياخد أولادكم، أموالكم، وأرضكم... وده كله وانتوا واقفين تتفرجوا! مين اللي حيوقفها؟ مين؟ مفيش رجالة في القبيلة ولا ايه؟"

1


ارتجف الرجال والنساء من هول الكلام، بعضهم بدأ يتساءل في سرّه عن صحة ما سمعوه، وبعضهم بدأ يغلي غيظًا.

+


واصل سعدون بثقة وسمٍّ في صوته:
"وافتكروا حاجة! كل اللي يصدقه أو يروح وراه، ده ضامن يتحول للعبة بين إيده! هو ذكي، شرير، وما عندهوش رحمة! ومن النهارده، أي حد يحاول ينقذكم أو يقول كلمة ضده هيموت، اسمعوا مني أنا قبل ما تسمعوا من حد تاني!"

2


رفع يده إلى السماء، وكأن الأرض كلها ملكه، وقال بسخرية ثقيلة:
"افهموا يا أغبياء... اللي ورا بدر ده مش حلم وردي، ده كابوس حي... وده اللي جاي، خراب  أكتر من اللي فات!"

1


الهواء ارتجف حول الساحة، والنار علت أصوات الغضب والهلع، وأصبح الناس بين شكّ وريبة وخوف، بينما سعدون وقف كأنه متربع على عرش الفتنة، يبتسم ابتسامة المسموم الذي زرع السم في النفوس، ويترك خلفه قلوبًا تتأرجح بين الطاعة والغضب.

+


ابتسم سعدون ابتسامة خبيثة، وعيناه تلمعان بحقد لا يخفى، ثم رفع صوته وسط الحشد:

1


"وبوظ علاقتكم بكل القبايل! ده أنا سمعت إنهم بيكرهوكم وناويين ينهوكم! ، صدقوني  ورا بدر مصايب كتير، كل كلمة بتصدقوها، كل سر بتسلموه، بتقربوا من الضياع!"

+


هز يده في الهواء كأنه يرسم مصيرهم المظلم، وصوته أصبح أشبه بالسم في الأذن:

+


"افتكروا! كل اللي يحاول يقف ضده، أو يثبت كلمته، هيهدمه! اللي بينتظركم الموت و بس ، وده الوقت اللي هيبدأ فيه يحصد كل تعبكم وعرقكم!"

+


التفت سعدون بين وجوه الحشد، يتفحص الرهبة والخوف في أعينهم، وابتسم ابتسامة الماكر الذي زرع بذور الفتنة:

+


"اللي يصدقه اليوم، بكرة هيكون جثة أكيد ،عشان هو يعيش ملك زمانه و الكل تحت خدمته و تحت رجله، فكروا شوية و شوفوا بعينكم قبل الوقت ما يفوت."

1


تصدرت صرخات بعض الرجال الغاضبين بينما آخرون تجمدوا بين الريبة والخوف، وكأن الهواء نفسه صار مثقلاً بالسم الذي نشره سعدون في نفوسهم.

1



    
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close