رواية نفوس قاسية الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم مني احمد حافظ
الرابعة والعشرون .وأخذت بثأري.
--------------------------------------------
لما أشعر بالاختناق لما أنفاسي تسحب مني بألم كأن ملك الموت يحوم حولي لما يؤلمني قلبي هكذا وتخفت نبضاته رويدًا رويدًا، بت أشعر ببرودة تحتل جسدي، هل حقًا هذا هو الموت.
شهقات تلو شهقات تملكت من سهر وهي تنتفض في محبسها تحاول التقاط أنفاسها وتشعر بالاختناق وأنها على حافة الموت وأنقبض قلبها فجأة يعتصرها ألمًا فأستسلمت مرحبة بالموت إن كان سينقذها من قبضة فؤاد، لم يدر فؤاد لما أستيقظ فجأة، أ بسبب هذا الصوت الخافت الذي سمعه منذ لحظات كأن أحد ما يصارع الموت فشعر بأن خطبًا ما أصاب سهر فهرول إلى الغرفة التي اغلقها عليها وفتح الباب وقد تملكه الخوف ووقف مصدومًا وهو يراها تصارع الموت وقد ابيض وجهها وازرقت شفتاها، فأسرع تجاه سهر ونزع القيود عن يداها وقدميها وحملها بين ذراعيه وربت وجنتها وقد شعر ببرودة جسدها فنظر حوله باحثًا عن أي شيء يسعفها به، فلمح زجاجة عطره فأعاد سهر إلى الفراش كما كانت وحمل زجاجة العطر ونثر منها أمام أنفها فأخذت تشهق طلبا للهواء فأحتضنها فؤاد، أنتبهت سهر شيئا فشيء لذراعيه فأخذت تتلوى بين يديه وتضربه بقبضتها ولكنها شعرت بالاجهاد يستولي عليها فتراخى جسدها مرة آخرى بين يدا فؤاد فسمعت صوته يقول:
- سهر فوقي أنا مش هسمحلك تموتي فوقي مش بعد ما بقيتي فأيدي تروحي مني، يلا يا حبيبتي قومي يا سهر علشان خاطري حبيبتي دا أنا اشتريت لك أحلى فستان فرح فمصر كلها فوقي علشان نتجوز يا قلب فؤاد.
رفرفت عينا سهر وكأن ما قاله فؤاد كان بمثابة جرعة من الادرينالين أستفزت جميع حواسها، فأسندت جسدها على مرفق يدها لتصفعه باليد الأخرى رغم إحساسها بالضعف فدفعها فؤاد لترتطم بالوسادة خلفها فقالت بوهن:
- أنت اتجننت أنا متجوزة الظاهر الحاجات اللي بتشربها وتشمها لحست عقلك ووهمتك أنك تقدر تتجوزني، فوق لنفسك بقى اللي أنت بتعمله دا مش هيفيدك بحاجة لا أنا هكون ليك ولا آدم هيسيبك وهيوصلك ومش هيرحمك.
أطلق فؤاد ضحكة شيطانية ونظر لها بعينان تلمع وقال:
- هيطلقك وبمنتهى السهولة عارفة ليه علشان أنتِ اللي هتطلبي الطلاق منه.
بصقت سهر على وجه فؤاد وقالت بحدة:
- حتى لو قطعتني عمري ما هنطقها يا فؤاد أنا بكرهك بكرهك علشان أنت أحقر إنسان أنا شوفته فحياتي، اقتلني يا فؤاد وخلصني أنا مش خايفة من الموت ولا حتى خايفة منك.
أعتلاها فؤاد فصرخت سهر وحاولت أبعاده عنها عندما اقترب بوجهه منها فقال وهو يحدق بشفتيها:
- ما لو عملت فيكِ زي اللي عملته زمان أنا متأكد أنك هطلبي الطلاق منه علشان مش هترضي يلمسك تانى بعدي.
احست سهر بالاشمئزاز من اقترابه وبالعثيان الشديد فقالت وهي تحاول تمالك قوتها:
- لو لمستني أنا اللي هقتل نفسي بأيدي يا فؤاد أنا مش هعيش بعارك مرة تانية.
مد فؤاد يده وقبض على ذقنها بقوة فصرخت من الألم وسمعته يقول:
- طيب وليه تعذبي نفسك اطلبي الطلاق ونتجوز، أنا بحبك يا سهر ومش قادر على بعدك أنا بعبدك يا سهر أرجوكِ اطلبي الطلاق ومش هتندمي، أنا هخليكِ أسعد واحدة فالدنيا بحالها اطلقي منه يا سهر ارجوكِ وارحميني من عذابي أنا الفترة اللي فاتت مكنتش عارف أعيش علشان أنتِ مش معايا.
صمت فؤاد حينما لامست دموع سهر يده فأبعد قبضته عن ذقنها وأحاطها بيداه ليرفع جسد سهر عن الفراش وقال:
- متعيطيش يا حبيبتي بصي أنا مخدكيش مكان غريب أنا جيبتك بيتنا بصي بصي حواليكِ عارفة احنا فين، احنا فبيتك القديم اشتريته كله ودي اوضتك مش معقول نستيها يا سهر، عارفة أنا كنت باجي هنا لما اتعب من قلة النوم علشان أنام فسريرك اللي فيه ريحتك آه لو تعرفي أنا بعشقك قد أيه.
جالت سهر بعيناها في انحاء الغرفة لتنفجر بكاءًا وهي تصرخ:
- حرام عليك جايبني هنا فالمكان اللي عذبتني فيه أول مرة أنت مش بني آدم أنت حيوان.
شدد فؤاد من احتضنها فزدادت مقاومة سهر له فقال غير مبال بمحاولتها الابتعاد عنه وبصوت مهزوز:
- اشتميني زي ما أنتِ عايزة أعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس نتجوز واضمن أنك ليا، أنا عمري ما حبيت واحدة زي ما حبيتك من أول مرة شوفتك فيها في المحل عشقتك كنت عاوز اخطفك بس أنتِ اللي رفضتيني، إنما دلوقتي أنا هصلح كل حاجة هنسيكِ اللي عملته زمان وهتشوفي فؤاد تاني.
انصتت سهر إلى حديث فؤاد فلاحظت اهتزاز صوته واضطرابه، فتذكرت جلسات علاجها مع هاني وأحاديثه عن بعض الحالات التي حاول مساعدتها وعلاجها، فاعتدلت ومدت يدها تمسح دموعها ونظرت إلى فؤاد بتمعن وقالت بصوت هادىء:
- لو بتحبني مكنتش تعذبني بالشكل دا وتكتفني يا فؤاد أنت بتضحك عليا ومش بتحبني عايز تعمل زي زمان.
أجابها فؤاد وهو يجذب يدها ويقبلها وهو يرتعش:
- أبدًا صدقيني مش هعمل فيكِ زي زمان أنا قولتك لما قابلتيني قولتك أني ندمت على اللي عملته وكنت عايز اتجوزك، بس أنتِ اللي هربتى مني مرتين يا سهر مرة روحتي لمحمود ومرة لادم وسبتي فؤاد اللي بيعشق التراب اللي بتمشي عليه.
صمت فؤاد وربت وجنتها واكمل حديثه المضطرب:
- عارفة يا سهر هو السبب هو اللي فرقنا وخلاني اغتصبك زمان لما حرمني من حقي فيكِ وشك فيا وطردني، آه هو السبب بس خلاص راح ومعدش هيمنعني عنك تاني.
عقد سهر حاجبيها وقالت تحثه على مواصلة الكلام:
- مين اللي طردك زمان قصدك محمود.
أبتعد عنها فؤاد بحدة وقال بصوت غاضب:
- محمود دا حشرة افعصه تحت جزمتي ميقدرش يقرب مني إنما هو رغم عجزة طلع حويط ومش سهل.
أحست سهر بارتجاف يسري بداخلها فقالت بخوف:
- قصدك مين أنت تقصد أن بابا هو اللي طردك!
صرخ فؤاد بها بقوة وقال:
- متقوليش بابا هو لا يمكن يبقى والدك دا كان بيضربك ويشغلك علشان ياكل من شقاكِ وهو كان طمعان فيكِ لنفسه، أومال رفضني ليه وطردني ليه أنا طلبتك قبل محمود ورفضني فاكر كل كلمة قالهالي.
صمت فؤاد فجأة وكأن عقله أعاد عليه كلمات رشدي وهو يقف بجانب مقعده، وقد دفع الشيشة بعكازه لتسقط أرضًا وقال له بسخرية:
- عايزني أجوزك بنتي سهر هو أنت فاكر نفسك راجل بحق وحقيقي يا فؤاد عيب دا احنا دفنينه سوا، ولا تكونش فاكر أنك بتغفلني بالحشيش والأكل والفلوس، فوق يا فؤاد لنفسك أنا كشفك من أول يوم وقلت لازم أدفعك تمن اللي عملته فبنتي اللي أنت متستحقش حتى ضفرها اللي بتطيره، قال أجوز بنتي لحشاش بتاع ستات علشان تتمرمط هيبقى أنا وأنت عليها دا حتى يبقى عيب فحقي، بص يا فؤاد البيت دا معدتش تعتبه تاني علشان لو فكرت أنك تدخله أنا هخرجك منه على ظهرك وتروح على قبرك عدل، أنا بنتي موعودة لمحمود ابن خميس من وهي فاللفه دي كانت أمنيه والدتها ودي الحاجة الوحيدة، رغم أن مش شايف أن حتى محمود يستاهلها بس هحاول أنفذها لامها وأهو أبقى عاملت البت عدل شوية، إنما أنت دا لو سفيت التراب مش هتطولها أبدًا.
استمعت سهر إلى همهمات فؤاد وكأنه أصيب بحمى أطلقت لسانه ليعترف بكل شيء، فشحب وجهها ووضعت يدها على فمها تشعر بغليان يفور داخل معدتها وألم يسكنها، لاحظ فؤاد حالة سهر فسألها باهتمام وخوف:
- مالك حاسه بأيه تحبي تقومي تتمشي شوية متخافيش محدش هيسمع أي صوت أصل أنا عملت عوازل فالبيت، يعني مهما حصل هنا محدش برا هيسمع حاجة، يلا قومي أتمشي ومتخافيش كل حاجة مقفولة.
حركت سهر قدميها ولامست الأرض فأختل توزانها فأسرع فؤاد وجذبها إليه ولكنها دفعته عنها وصرخت:
- متلمسنيش إياك تمد أيديك ناحيتي فاهم.
حدق بها فؤاد بغضب وقال:
- أنتِ بتاعتي يا سهر مراتي والمسك زي ما أنا عايز أنتِ اللي لازم تفهمي كده زي ما والدك فهم قبل ما يموت.
طعنه تلو الاخرى أدمى بها فؤاد قلب سهر فها هي تسمع ما كانت تخشاه، فحاولت التماسك ولكن جسدها أبى أن ينصاع لها فسقطت أرضًا وهي تبكي وقد اشتعل قلبها ألمًا يمزقها فقالت بصوت يكاد يسمع:
- أنت اللي قتلت بابا يا فؤاد مش كده.
أبتعد عنها فؤاد وجلس على مقعد بجانب نافذتها المغلقة وقال بصوت تائه:
- كان لازم أقتله يا سهر أومال كنتِ عايزاني أسيبه يبيع البيت هنا ويخدك ويعزل لمكان معرفش طريقه، مقدرتش اسيبه يبعدك عني اتصلت بيه وكلمته أنك واقفة مع واحد فالشارع وهتركبي عربيته وقلت له لو مش مصدقني يجي يشوفك بنفسه، ونزل ودخل المصيده برجله خطفته ولما عرف أني كذبت عليه اتعارك معايا وقالي أنه خلاص هيرجع فاتفاقه مع محمود، قالي أن والدتك جات له فالمنام وقالت له أحمي سهر وأهرب بيها، ولما واجهته أنه مش عايز يجوزك لحد علشان بتفكريه بوالدتك، قال لي آه وفضل يعيط زي العيل الصغير أنه ندمان على قسوته عليكِ وحاسس أن ربنا هيعاقبه على كل حاجة عملها فيكِ وخصوصًا أنه دخلنِي البيت عنده، ساعتها قلت له أني مش هسمح له يطمع فيكِ محستش بنفسي إلا وأيدي غرقانة بدمه، أنا قتلته علشان أحميكِ منه دا إنسان طماع كان عايز يبيعك للي يدفع اكتر أنا أنقذتك من شره.
انهارت سهر بكاءًا فصاح بها فؤاد وقال:
- متعيطيش عليه دا ميستحقش دمعة منك ولا حتى محمود ولا آدم محدش فيهم يستحق تعيطي عليه.
نظرت سهر إليه بكراهية وقالت:
- وأظن أنت اللي تستحق صح يا فؤاد.
كاد فؤاد أن يجيبها ولكنه صمت فجأة وهو ينصت لصوت ما فوقف ينظر إليها ثم قال:
- قومي أطلعي على السرير علشان اكتفك تاني يلا أتحركي.
شعرت سهر بالذعر وقالت بضعف:
- مش أنت قولت مش هتكتفني تاني وأنك بتحبني بص أنا مش هتحرك أصلًا أنا تعبانة أصل مأكلتش لو هتقفل عليا الباب أقفل بس بلاش تكتفني يا فؤاد أرجوك.
جذبها فؤاد بحدة وقال:
- مش هتضحكي على فؤاد يا سهر عمرك ما هتضحكي على فؤاد.
تلوت سهر بين يديه وهو ترجوه أن يدعها ولكنه لم يستمع لها ف قيد يداها وقدميها مرة أخرى ووضع ذلك الشريط اللاصق على فمها وغادر الغرفة وأغلق الباب خلفه وتوجه إلى باب المنزل وطرق عليه ثلاث مرات ففتح الباب من الخارج، فاستقبل فؤاد أحد رجاله بترحاب وأخذ منه الحقيبة وأغلقه مرة أخرى ليسمع صوت إغلاق الباب من الخارج مرة أخرى.
-------------------
ساد الوجوم كافة الوجوه في رواق المشفى حتى خرج الطبيب فهرع إليه مازن وخلفه لطيف وهمت صفيه أن تقف ولكن يدا محمود منعتها وهمس لها:
- ارتاحي يا أمي أرجوكِ أنتِ من وقت اللي حصل وأنتِ مش عايزة تسمعي الكلام، دلوقتي الدكتور هيطمنهم على آدم وهيطمنونا.
نظر الطبيب إلى كافة الوجوه وقال:
- الحمد لله اطمنوا يا جماعة دي كانت غيبوبة سكر واضح أنه الأستاذ آدم أهمل فالأكل والعلاج ونسى ياخد الحقن وواضح أن حالته النفسية كمان مش متظبطة، عمومًا هو دلوقتي هيتنقل اوضة وتقدروا تطمنوا عليه وبكرة أو بعد هيخرج إن شاء الله.
حمدت صفية الله وقالت:
- الحمد لله أنه بخير.
نظر مازن إليها وقالت مبتسمًا:
- طيب بما أن حضرتك اطمنتي عليه ينفع بقى ترتاحي شوية أنتِ من أمبارح منمتيش أنا هطلب من حضرتك تاخدي هايدي وهدى ومنال وتروحوا ترتاحوا، ولما آدم يفوق هنشوف لو الدكتور يخرجه بدل ما يستنى أنا عارف أنه مش هيرضى يقعد هنا ساعة على بعضها خصوصًا أن مافيش أى جديد فموضوع سهر.
نظر هاني إلى منال وقال:
- منال تعالي أروحك كفايه كده عليكِ أنا مش عايز ماما فوزية تضايق أنك برا البيت كل دا.
دمعت عين منال وقالت:
- مش هتضايق يا هاني أنا كلمتها وقولت لها على كل حاجة قالت لي أخليني مع الحجة صفية ومسبهاش، هي أصلا مطمنة علشان أنت معايا وبعدين أنا عايزة اطمن زيكم على سهر والاستاذ آدم.
ربت هاني على رأسها وقال:
- طيب متعيطيش عينيكِ نفخت من كتر العياط أهدي بقى.
ازداد بكاء منال فاحتضنها هاني وزفر بضيق فهو يشعر بخوفها على غياب سهر خاصة وأن اليوم الثاني يوشك على المضي دون العثور عليها.
-------------
سحب فؤاد ذلك الأنبوب الرفيع ولفه حول ساعده وأحكم ربطه وأخرج الحقنة التي انتظرها منذ ساعات وغرزها في ساعده واسند رأسه على حافة المقعد وحل الانبوبة وتركه يقع أرضًا ولم يهتم لشيء حتى سرى مفعول الحقنة في جسده فاعتدل وهو يبتسم ويدندن وعاد إلى غرفة سهر مرة أخرى، وقف يتطلع إليها وأخذ يمعن النظر في جسدها ومال عليها يتحسسها بيده فتحركت سهر وهمهمت من خلال الشريط فمد يده ينزعه عنها بقوة فصرخت من الالم وقالت:
- أنت بتعمل أيه مش أنت قلت مش هتلمسني ألا لما نتجوز صح يا فؤاد أنت قلت كده مش قلت أنك بتحبني، أنا أنا هطلب الطلاق من آدم وهسمع كلامك بس بلاش تخلف كلامك معايا، أرجوك يا فؤاد متخلنيش أقتل نفسي.
مدد فؤاد جسده بجانبها وأحتضنها بقوة ووضع رأسه على صدرها وقال هامسًا:
- هشش اسكتي وسبيني أنام أنتِ متعرفيش أنا كنت مستني اللحظة دي من سنين علشان أنام فحضنك كده.
ومد يده وحل وثاق يداها وأكمل حديثه وقال:
- لفي أيديك حواليا وأحضنيني يا سهر زي ما كنت بحلم وخليني أنام.
لم تستطع سهر لمس جسد فؤاد فبكت وأشاحت بعينيها عنه فسمعت همهمته يقول:
- مش مهم تحضنيني كفايه أنا حاسس بيكِ فحضني.
ظلت سهر ساكنه حتى أحست بأنفاس فؤاد تنتظم فأدركت أنه تعمق فالنوم فتحركت ببطء وحلت قيد قدميها وتسللت من جانبه ببطء تسير على أطراف أصابعها وخرجت من الغرفة، أسرعت سهر إلى باب الشقة تحاول فتحه ولكنها لم تستطع فجلست أرضًا تبكي وهي تنظرت إلى مقعد والدها المفضل ولكنها وقفت مرة أخرى وقالت:
- لأ أنا مش هستسلم ومش هقعد أستناك تعمل فيا أي حاجة يا فؤاد أنا لازم اتصرف وأفتح الباب دا أكيد المفتاح فجيبه بس أنا خايفة يحس بيا وأنا باخده طيب هتصرف أزاي أيوة أنا أشوف سكينه فالمطبخ وأحاول أفتح الباب.
أسرعت سهر وتوجهت إلى المطبخ وظلت تبحث عن سكين ولكنها لم تجد فزفرت بغضب وجالت حولها بعينيها تشعر بالعجز عن إنقاذ نفسها، فتذكرت حقيبتها فتحركت مجددًا تبحث عنها ولكنها لم تجدها كذلك فجلست على مقعد والدها ووجهها بين كفيها وانخرطت في بكاء مرير فقد حاولت ألا تفكر بآدم ولكنها الآن وبعد أن أدركت أنها عالقة في قبضة فؤاد هاجمها اليأس وهمست بحزن:
- سامحني يا آدم سامحني معرفتش أحافظ على نفسي للمرة التانية بس المرة دي أفظع لأنك جوزي، ولو المجنون دا عمل حاجة أنا لا يمكن أسامح نفسي أبدا سامحني يا آدم وتعالى خدني منه أنا خايفة، أنت مشفتش بصاته يا آدم غريبة حسه أنه المرة دي فيها هلاكي أنت فين يا آدم آه يا آدم تعالى بقى أنا محتجالك أوي.
-------------------
انتفضت آدم من نومه وجلس فجأة فنظر له مازن بدهشة وقال:
- مالك يا آدم بردوا كده تقوم مرة واحدة.
نظر له آدم بعينان مظلمة وهمس وهو يشعر بخفقان قلبه السريع:
- سهر بتنادي عليا يا مازن سهر محتجالى.
جال ببصره في المكان بعدما شعر بغرابته وقال:
- أنا أنا هنا بعمل أيه أنا لازم أقوم أدور عليها حتى لو هخبط على كل باب فمصر.
وضع مازن يداه على كتف آدم مانعًا أياه من النهوض وأردف بقلق:
- ممكن تهدى أنت لسه قايم من غيبوبة سكر وبعدين خالك مسكتش قالب الدنيا واحتل الفيلا عندك عملها غرفة عمليات خاصة، ممكن تهدى بقى الكل برا قلقان عليك فبلاش تزود قلقهم أرجوك.
نفض آدم يدا مازن وتحرك ناهضًا وهتف بحدة:
- لازم أخرج حالًا أنا مقدرش أفضل قاعد مستني غيري يدور على مراتي لازم أتحرك وأدور بنفسي، وأول حاجة هعملها هعلن عن مكافة اتنين مليون للي يدل على مكان فؤاد وأظن أن له ديلر بيظبط له دماغه زي ما محمود قال يبقى هو أول واحد هيبيعه.
وقف آدم ينزع عنه ملابس المشفى وأردف مرة أخرى وهو شارد الذهن:
- كل دقيقة بتمر الخطر بيزيد على سهر يا مازن وأنا مش هسيبها تضيع، المهم دلوقتي هات لي أي صحفي يكون مسموع وأخباره بتنتشر بسرعة علشان يعلن عن المكافأة لازم سهر ترجع قبل النهار ما يطلع يا مازن.
-------------
تملل فؤاد في فراشه وأخذ يتحسسه بيده يبحث عن جسد سهر وحين أحس باختفائها انتفض واقفًا وأسرع إلى الخارج فلمحها تغفو فوق ذلك المقعد قرب الباب، فتوجه إليها وجلس أمامها ووضع رأسه فوق ركبتيها فأحست به سهر فهمت أن تقف ولكنه منعها وقال وهو يمسك يدها:
- أقعدي وخليني قاعد تحت رجليكِ يا حبيبتي علشان تعرفي قد أيه بحبك، أقولك ريحي هنا وأنا هحضر لك أكل أكيد جعانة وهأكلك بأيدى موافقة يا سهر.
هزت سهر رأسها فهي تشعر بدوار شديد فهمست بضعف:
- أنا فعلا محتاجة أي حاجة أكلها لأني دايخة أوي.
راقبته سهر وهو يتوجه إلى غرفه والدها ويعود مرة أخرى حاملًا بعض الحقائب وتوجه بها إلى المطبخ، فاستندت إلى الحائط ووقفت تراقبه يخرج الطعام والملاعق ووقع بصرها على السكينه بيده فقالت بهدوء:
- تحب أساعدك.
ابتسم لها فؤاد وقال:
- لا يا حبيبتي ارتاحي أنتِ أنا اللي هحضر لك كل حاجة وهاكلك بأيدي زي ما كنت بحلم بالظبط، اقولك أدخلي اوضة رشدي هتلاقي فيها تليفزيون جديد اتفرجي عليه لحد ما اخلص.
نظرت سهر باتجاه غرفه والدها ولكنها تجمدت مكانها ونظرت بخوف إلى فؤاد وحركت قدميها بثقل حتى وصلت إلى باب الغرفة، فشعرت بقلبها يكاد يتوقف من فزعها فهي لم تدخل تلك الغرفة منذ اليوم المشؤوم همت أن تبتعد وتستدير، ولكنها لمحت حقيبتها فتنهدت بارتياح واستجمعت قوتها ودخلت واختطفت الحقيبة بين يديها وخرجت مسرعة إلى غرفتها وجلست على الفراش وهي ترتجف، ونظرت باتجاه الباب واطمئنت لعدم ظهور فؤاد وفتحت الحقيبة ثم ابتسمت برضا وتنهدت بارتياح وهي تخفي الحقيبة أسفل الفراش.
-----------------
تم لآدم ما طلب وسرى خبر المكافاة على مواقع السوشيال ميدا كسريان النار فالهشيم، فأصبح الجميع يتلهف للحصول على تلك المكافأة المعلن عنها، جلس آدم يحدق إلى الهاتف لعل أحد ما يبلغه بمكان فؤاد ومرت الساعة تلو الأخرى ولم تكن المكالمات التي وردت مجديه بشيء فأحس بالإحباط يتملكه، جلست صفية في تلك الغرفة التي خصصها آدم لها تضم ياسين إلى صدرها وهي تحدق شاردة فأحست بيد تربت على كتفيها فرفعت عيناها ورآت هدى تبتسم لها مواسية وقالت:
- أن شاء الله هترجع يا ماما اطمني.
هزت صفية رأسها بحزن وأردفت بخوف:
- يارب يا بنتي والله أنتِ متعرفيش قلبي واجعني عليها قد أيه، مش عارفة ليه حظها معاكس بالشكل دا طول عمرها وبختها قليل مشافتش يوم عدل ألا لما تجوزت آدم، آه يا بنتي يا ترى عاملة أيه دلوقتي ربنا يحفظك ويسلمك ويردك لينا بخير.
جلست هدى بجانب صفية وقالت تسال بفضول:
- سامحيني للسؤال بس حضرتك بتقولي مشافتش يوم حلو ألا مع آدم، طب أزاي ومحمود بيحبها ومش قادر ينساها أنتِ ملاحظتيش حالته عاملة أزاي قاعد ساكت وكأنه مستني حكم بالإعدام.
ربتت صفية يد هدى وقالت:
- محمود اللي مربيها يا هدى وحبها وله عذره بس للحق هي كانت دايمًا شيفاه أخوها حتى ظروف جوازهم كانت صعبة ومُرة على الكل، يا بنتي هي لما طلبت من محمود يتجوزك كان علشان تخليه ينساها.
سألتها هدى بأندفاع قائلة:
- هو فؤاد عمل أيه فسهر أنا لحد دلوقتي مش فاهمة ألا كلمة من هنا وكلمة من هنا، وبصراحة لحد دلوقتي مستغربة أنها طلبتني لمحمود والأغرب أنها جات لي علشان تطلب أني أرجع لمحمود ومسيبهوش.
ابتسمت صفية بحزن وقالت:
- شوفتي هي دي سهر بتدور على مصلحة الكل، هي محملة نفسها ذنب أن محمود فضل عايش سنين جوزاهم محروم من حقوق كتير، علشان كده عايزاكِ ترجعي له أنا كمان عايزاكِ ترجعى بيتك وتحاجي على جوزك وابنك، العمر بيجري يا بنتي والوحدة صعبة أوي من غير حد ياخد بحسك وتتسندي عليه.
همست هدى وهي تقبل جبين صفية:
- وأنا مش هرد طلبكم يا أمي بس الأول أتأكد أن محمود عايزني فحياته.
ربتت صفية على يدها وقالت مبتسمة:
- عايزك بس دا محتاجلك أكتر من الأول كمان ودا وقتك أنك تكسبيه.
------------------
رفضت سهر أن يطعمها فؤاد وتناولت بعض اللقيمات البسيطة ولكنها شعرت بالعثيان، فأسرعت تجري إلى المرحاض تفرغ ما في جوفها، فوقف فؤاد أمام الباب يتابعها بقلق ولكنه صاح بغضب لتنتفض سهر من صوته الغاضب وحدقت به برعب بعدما سمعت كلماته:
- أنتِ أنتِ حامل يا سهر!
تراجعت سهر بخوف بسبب نظرات فؤاد السوداء إليها وصرخت حين مد يداه وسحبها من شعرها خلفه والقاها أرضًا في غرفتها القديمة وأنهال عليها ركلًا بقدمه، فصرخت سهر متألمة وتكورت حول نفسها تحمي بطنها من ركلات فؤاد وهي تسمع سبابه ووعيده، لينحني عليها فؤاد وحملها وهي تقاومه بضراوة ممزقه وجهه بأظافرها فألقاها على الفراش بقوة وأعتلاها محاولًا تقبيلها ولكنها ركلته بقدمها بين فخذيه، فصاح متوعدًا لها بالموت فأنسلت سهر من بين يده وزحفت أرضًا تحت الفراش حتى وصلت إلى حقيبتها وابتعدت عنه تحتضنها ووقفت تلهث وقد تملكها الدوار والعثيان والألم أسفل بطنها، ولكنها تحاملت على نفسها وفتحت حقيبتها بتوتر وهي ترى فؤاد يقترب منها فأخرجت مسدسها وابتسمت منتصرة وقالت:
- خطوة كمان وهقتلك يا فؤاد.
توقف فؤاد مصدومًا وتساءل من أين لها هذا المسدس وقد فتش حقيبتها بنفسه فقال بصوت مضطرب:
- أعقلي يا سهر وأرمي المسدس من أيديك بصي أنا خلاص موافق أربي ابن آدم زي ابني أنا بحبك أنا فؤاد حبيبــ.
صرخت سهر بصوت يتمزق ألمًا:
- أخرس أخرس مش عايزة اسمع صوتك متجبش سيرة الحب، الشيطان مبيعرفش يحب يا فؤاد بيعرف يأذي وبس، علشان كده الشيطان لازم يموت وأنت الشيطان نفسه ولازم تموت.
أطلقت سهر أول طلقة فأصابت صدر فؤاد الذي ترنح إلى الخلف ولكنه ابتسم لها بسخرية وقال:
- حتى لو قتلتيني بردوا مش هترجعي لآدم يا سهر ومش هتعرفي تخرجي من هنا أبدًا.
صاحت سهر بغضب:
- حتى لو هموت لازم أنت تموت الأول يا فؤاد.
وأعقبت كلماتها بطلقة أخرى لتصيبه بين فخذيه وهي تصيح:
- دي علشان اللي عملته فيا زمان.
صرخ فؤاد وهو يسقط أرضًا فحدقت به سهر برضى غريب واطلقت طلقتها الأخيرة لتصيب بها رأسه وهي تهمهم:
- ودي علشان بابا اللي قتلته غدر وحرمتني أني أعيش معاه ولو يوم وهو راضي عني وبيحبني.
حدقت سهر برأس فؤاد المتناثرة بتيه وجلست أرضًا مكانها مستسلمة للدوار وهي تهذي:
- خلاص يا آدم أنا أخدت حقي ورديت اعتباري، خلاص يا حبيبي اطمن حتى لو مت هموت وأنت رافع رأسك إن أنا حافظت على شرفك ومجبتش ليك العار تاني، سامحني يا آدم سامحني أرجوك علشان حرمتك من ابنك واتسببت فموته سامحني وانسانىي وكمل حياتك...
--------------------------------------------
لما أشعر بالاختناق لما أنفاسي تسحب مني بألم كأن ملك الموت يحوم حولي لما يؤلمني قلبي هكذا وتخفت نبضاته رويدًا رويدًا، بت أشعر ببرودة تحتل جسدي، هل حقًا هذا هو الموت.
شهقات تلو شهقات تملكت من سهر وهي تنتفض في محبسها تحاول التقاط أنفاسها وتشعر بالاختناق وأنها على حافة الموت وأنقبض قلبها فجأة يعتصرها ألمًا فأستسلمت مرحبة بالموت إن كان سينقذها من قبضة فؤاد، لم يدر فؤاد لما أستيقظ فجأة، أ بسبب هذا الصوت الخافت الذي سمعه منذ لحظات كأن أحد ما يصارع الموت فشعر بأن خطبًا ما أصاب سهر فهرول إلى الغرفة التي اغلقها عليها وفتح الباب وقد تملكه الخوف ووقف مصدومًا وهو يراها تصارع الموت وقد ابيض وجهها وازرقت شفتاها، فأسرع تجاه سهر ونزع القيود عن يداها وقدميها وحملها بين ذراعيه وربت وجنتها وقد شعر ببرودة جسدها فنظر حوله باحثًا عن أي شيء يسعفها به، فلمح زجاجة عطره فأعاد سهر إلى الفراش كما كانت وحمل زجاجة العطر ونثر منها أمام أنفها فأخذت تشهق طلبا للهواء فأحتضنها فؤاد، أنتبهت سهر شيئا فشيء لذراعيه فأخذت تتلوى بين يديه وتضربه بقبضتها ولكنها شعرت بالاجهاد يستولي عليها فتراخى جسدها مرة آخرى بين يدا فؤاد فسمعت صوته يقول:
- سهر فوقي أنا مش هسمحلك تموتي فوقي مش بعد ما بقيتي فأيدي تروحي مني، يلا يا حبيبتي قومي يا سهر علشان خاطري حبيبتي دا أنا اشتريت لك أحلى فستان فرح فمصر كلها فوقي علشان نتجوز يا قلب فؤاد.
رفرفت عينا سهر وكأن ما قاله فؤاد كان بمثابة جرعة من الادرينالين أستفزت جميع حواسها، فأسندت جسدها على مرفق يدها لتصفعه باليد الأخرى رغم إحساسها بالضعف فدفعها فؤاد لترتطم بالوسادة خلفها فقالت بوهن:
- أنت اتجننت أنا متجوزة الظاهر الحاجات اللي بتشربها وتشمها لحست عقلك ووهمتك أنك تقدر تتجوزني، فوق لنفسك بقى اللي أنت بتعمله دا مش هيفيدك بحاجة لا أنا هكون ليك ولا آدم هيسيبك وهيوصلك ومش هيرحمك.
أطلق فؤاد ضحكة شيطانية ونظر لها بعينان تلمع وقال:
- هيطلقك وبمنتهى السهولة عارفة ليه علشان أنتِ اللي هتطلبي الطلاق منه.
بصقت سهر على وجه فؤاد وقالت بحدة:
- حتى لو قطعتني عمري ما هنطقها يا فؤاد أنا بكرهك بكرهك علشان أنت أحقر إنسان أنا شوفته فحياتي، اقتلني يا فؤاد وخلصني أنا مش خايفة من الموت ولا حتى خايفة منك.
أعتلاها فؤاد فصرخت سهر وحاولت أبعاده عنها عندما اقترب بوجهه منها فقال وهو يحدق بشفتيها:
- ما لو عملت فيكِ زي اللي عملته زمان أنا متأكد أنك هطلبي الطلاق منه علشان مش هترضي يلمسك تانى بعدي.
احست سهر بالاشمئزاز من اقترابه وبالعثيان الشديد فقالت وهي تحاول تمالك قوتها:
- لو لمستني أنا اللي هقتل نفسي بأيدي يا فؤاد أنا مش هعيش بعارك مرة تانية.
مد فؤاد يده وقبض على ذقنها بقوة فصرخت من الألم وسمعته يقول:
- طيب وليه تعذبي نفسك اطلبي الطلاق ونتجوز، أنا بحبك يا سهر ومش قادر على بعدك أنا بعبدك يا سهر أرجوكِ اطلبي الطلاق ومش هتندمي، أنا هخليكِ أسعد واحدة فالدنيا بحالها اطلقي منه يا سهر ارجوكِ وارحميني من عذابي أنا الفترة اللي فاتت مكنتش عارف أعيش علشان أنتِ مش معايا.
صمت فؤاد حينما لامست دموع سهر يده فأبعد قبضته عن ذقنها وأحاطها بيداه ليرفع جسد سهر عن الفراش وقال:
- متعيطيش يا حبيبتي بصي أنا مخدكيش مكان غريب أنا جيبتك بيتنا بصي بصي حواليكِ عارفة احنا فين، احنا فبيتك القديم اشتريته كله ودي اوضتك مش معقول نستيها يا سهر، عارفة أنا كنت باجي هنا لما اتعب من قلة النوم علشان أنام فسريرك اللي فيه ريحتك آه لو تعرفي أنا بعشقك قد أيه.
جالت سهر بعيناها في انحاء الغرفة لتنفجر بكاءًا وهي تصرخ:
- حرام عليك جايبني هنا فالمكان اللي عذبتني فيه أول مرة أنت مش بني آدم أنت حيوان.
شدد فؤاد من احتضنها فزدادت مقاومة سهر له فقال غير مبال بمحاولتها الابتعاد عنه وبصوت مهزوز:
- اشتميني زي ما أنتِ عايزة أعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس نتجوز واضمن أنك ليا، أنا عمري ما حبيت واحدة زي ما حبيتك من أول مرة شوفتك فيها في المحل عشقتك كنت عاوز اخطفك بس أنتِ اللي رفضتيني، إنما دلوقتي أنا هصلح كل حاجة هنسيكِ اللي عملته زمان وهتشوفي فؤاد تاني.
انصتت سهر إلى حديث فؤاد فلاحظت اهتزاز صوته واضطرابه، فتذكرت جلسات علاجها مع هاني وأحاديثه عن بعض الحالات التي حاول مساعدتها وعلاجها، فاعتدلت ومدت يدها تمسح دموعها ونظرت إلى فؤاد بتمعن وقالت بصوت هادىء:
- لو بتحبني مكنتش تعذبني بالشكل دا وتكتفني يا فؤاد أنت بتضحك عليا ومش بتحبني عايز تعمل زي زمان.
أجابها فؤاد وهو يجذب يدها ويقبلها وهو يرتعش:
- أبدًا صدقيني مش هعمل فيكِ زي زمان أنا قولتك لما قابلتيني قولتك أني ندمت على اللي عملته وكنت عايز اتجوزك، بس أنتِ اللي هربتى مني مرتين يا سهر مرة روحتي لمحمود ومرة لادم وسبتي فؤاد اللي بيعشق التراب اللي بتمشي عليه.
صمت فؤاد وربت وجنتها واكمل حديثه المضطرب:
- عارفة يا سهر هو السبب هو اللي فرقنا وخلاني اغتصبك زمان لما حرمني من حقي فيكِ وشك فيا وطردني، آه هو السبب بس خلاص راح ومعدش هيمنعني عنك تاني.
عقد سهر حاجبيها وقالت تحثه على مواصلة الكلام:
- مين اللي طردك زمان قصدك محمود.
أبتعد عنها فؤاد بحدة وقال بصوت غاضب:
- محمود دا حشرة افعصه تحت جزمتي ميقدرش يقرب مني إنما هو رغم عجزة طلع حويط ومش سهل.
أحست سهر بارتجاف يسري بداخلها فقالت بخوف:
- قصدك مين أنت تقصد أن بابا هو اللي طردك!
صرخ فؤاد بها بقوة وقال:
- متقوليش بابا هو لا يمكن يبقى والدك دا كان بيضربك ويشغلك علشان ياكل من شقاكِ وهو كان طمعان فيكِ لنفسه، أومال رفضني ليه وطردني ليه أنا طلبتك قبل محمود ورفضني فاكر كل كلمة قالهالي.
صمت فؤاد فجأة وكأن عقله أعاد عليه كلمات رشدي وهو يقف بجانب مقعده، وقد دفع الشيشة بعكازه لتسقط أرضًا وقال له بسخرية:
- عايزني أجوزك بنتي سهر هو أنت فاكر نفسك راجل بحق وحقيقي يا فؤاد عيب دا احنا دفنينه سوا، ولا تكونش فاكر أنك بتغفلني بالحشيش والأكل والفلوس، فوق يا فؤاد لنفسك أنا كشفك من أول يوم وقلت لازم أدفعك تمن اللي عملته فبنتي اللي أنت متستحقش حتى ضفرها اللي بتطيره، قال أجوز بنتي لحشاش بتاع ستات علشان تتمرمط هيبقى أنا وأنت عليها دا حتى يبقى عيب فحقي، بص يا فؤاد البيت دا معدتش تعتبه تاني علشان لو فكرت أنك تدخله أنا هخرجك منه على ظهرك وتروح على قبرك عدل، أنا بنتي موعودة لمحمود ابن خميس من وهي فاللفه دي كانت أمنيه والدتها ودي الحاجة الوحيدة، رغم أن مش شايف أن حتى محمود يستاهلها بس هحاول أنفذها لامها وأهو أبقى عاملت البت عدل شوية، إنما أنت دا لو سفيت التراب مش هتطولها أبدًا.
استمعت سهر إلى همهمات فؤاد وكأنه أصيب بحمى أطلقت لسانه ليعترف بكل شيء، فشحب وجهها ووضعت يدها على فمها تشعر بغليان يفور داخل معدتها وألم يسكنها، لاحظ فؤاد حالة سهر فسألها باهتمام وخوف:
- مالك حاسه بأيه تحبي تقومي تتمشي شوية متخافيش محدش هيسمع أي صوت أصل أنا عملت عوازل فالبيت، يعني مهما حصل هنا محدش برا هيسمع حاجة، يلا قومي أتمشي ومتخافيش كل حاجة مقفولة.
حركت سهر قدميها ولامست الأرض فأختل توزانها فأسرع فؤاد وجذبها إليه ولكنها دفعته عنها وصرخت:
- متلمسنيش إياك تمد أيديك ناحيتي فاهم.
حدق بها فؤاد بغضب وقال:
- أنتِ بتاعتي يا سهر مراتي والمسك زي ما أنا عايز أنتِ اللي لازم تفهمي كده زي ما والدك فهم قبل ما يموت.
طعنه تلو الاخرى أدمى بها فؤاد قلب سهر فها هي تسمع ما كانت تخشاه، فحاولت التماسك ولكن جسدها أبى أن ينصاع لها فسقطت أرضًا وهي تبكي وقد اشتعل قلبها ألمًا يمزقها فقالت بصوت يكاد يسمع:
- أنت اللي قتلت بابا يا فؤاد مش كده.
أبتعد عنها فؤاد وجلس على مقعد بجانب نافذتها المغلقة وقال بصوت تائه:
- كان لازم أقتله يا سهر أومال كنتِ عايزاني أسيبه يبيع البيت هنا ويخدك ويعزل لمكان معرفش طريقه، مقدرتش اسيبه يبعدك عني اتصلت بيه وكلمته أنك واقفة مع واحد فالشارع وهتركبي عربيته وقلت له لو مش مصدقني يجي يشوفك بنفسه، ونزل ودخل المصيده برجله خطفته ولما عرف أني كذبت عليه اتعارك معايا وقالي أنه خلاص هيرجع فاتفاقه مع محمود، قالي أن والدتك جات له فالمنام وقالت له أحمي سهر وأهرب بيها، ولما واجهته أنه مش عايز يجوزك لحد علشان بتفكريه بوالدتك، قال لي آه وفضل يعيط زي العيل الصغير أنه ندمان على قسوته عليكِ وحاسس أن ربنا هيعاقبه على كل حاجة عملها فيكِ وخصوصًا أنه دخلنِي البيت عنده، ساعتها قلت له أني مش هسمح له يطمع فيكِ محستش بنفسي إلا وأيدي غرقانة بدمه، أنا قتلته علشان أحميكِ منه دا إنسان طماع كان عايز يبيعك للي يدفع اكتر أنا أنقذتك من شره.
انهارت سهر بكاءًا فصاح بها فؤاد وقال:
- متعيطيش عليه دا ميستحقش دمعة منك ولا حتى محمود ولا آدم محدش فيهم يستحق تعيطي عليه.
نظرت سهر إليه بكراهية وقالت:
- وأظن أنت اللي تستحق صح يا فؤاد.
كاد فؤاد أن يجيبها ولكنه صمت فجأة وهو ينصت لصوت ما فوقف ينظر إليها ثم قال:
- قومي أطلعي على السرير علشان اكتفك تاني يلا أتحركي.
شعرت سهر بالذعر وقالت بضعف:
- مش أنت قولت مش هتكتفني تاني وأنك بتحبني بص أنا مش هتحرك أصلًا أنا تعبانة أصل مأكلتش لو هتقفل عليا الباب أقفل بس بلاش تكتفني يا فؤاد أرجوك.
جذبها فؤاد بحدة وقال:
- مش هتضحكي على فؤاد يا سهر عمرك ما هتضحكي على فؤاد.
تلوت سهر بين يديه وهو ترجوه أن يدعها ولكنه لم يستمع لها ف قيد يداها وقدميها مرة أخرى ووضع ذلك الشريط اللاصق على فمها وغادر الغرفة وأغلق الباب خلفه وتوجه إلى باب المنزل وطرق عليه ثلاث مرات ففتح الباب من الخارج، فاستقبل فؤاد أحد رجاله بترحاب وأخذ منه الحقيبة وأغلقه مرة أخرى ليسمع صوت إغلاق الباب من الخارج مرة أخرى.
-------------------
ساد الوجوم كافة الوجوه في رواق المشفى حتى خرج الطبيب فهرع إليه مازن وخلفه لطيف وهمت صفيه أن تقف ولكن يدا محمود منعتها وهمس لها:
- ارتاحي يا أمي أرجوكِ أنتِ من وقت اللي حصل وأنتِ مش عايزة تسمعي الكلام، دلوقتي الدكتور هيطمنهم على آدم وهيطمنونا.
نظر الطبيب إلى كافة الوجوه وقال:
- الحمد لله اطمنوا يا جماعة دي كانت غيبوبة سكر واضح أنه الأستاذ آدم أهمل فالأكل والعلاج ونسى ياخد الحقن وواضح أن حالته النفسية كمان مش متظبطة، عمومًا هو دلوقتي هيتنقل اوضة وتقدروا تطمنوا عليه وبكرة أو بعد هيخرج إن شاء الله.
حمدت صفية الله وقالت:
- الحمد لله أنه بخير.
نظر مازن إليها وقالت مبتسمًا:
- طيب بما أن حضرتك اطمنتي عليه ينفع بقى ترتاحي شوية أنتِ من أمبارح منمتيش أنا هطلب من حضرتك تاخدي هايدي وهدى ومنال وتروحوا ترتاحوا، ولما آدم يفوق هنشوف لو الدكتور يخرجه بدل ما يستنى أنا عارف أنه مش هيرضى يقعد هنا ساعة على بعضها خصوصًا أن مافيش أى جديد فموضوع سهر.
نظر هاني إلى منال وقال:
- منال تعالي أروحك كفايه كده عليكِ أنا مش عايز ماما فوزية تضايق أنك برا البيت كل دا.
دمعت عين منال وقالت:
- مش هتضايق يا هاني أنا كلمتها وقولت لها على كل حاجة قالت لي أخليني مع الحجة صفية ومسبهاش، هي أصلا مطمنة علشان أنت معايا وبعدين أنا عايزة اطمن زيكم على سهر والاستاذ آدم.
ربت هاني على رأسها وقال:
- طيب متعيطيش عينيكِ نفخت من كتر العياط أهدي بقى.
ازداد بكاء منال فاحتضنها هاني وزفر بضيق فهو يشعر بخوفها على غياب سهر خاصة وأن اليوم الثاني يوشك على المضي دون العثور عليها.
-------------
سحب فؤاد ذلك الأنبوب الرفيع ولفه حول ساعده وأحكم ربطه وأخرج الحقنة التي انتظرها منذ ساعات وغرزها في ساعده واسند رأسه على حافة المقعد وحل الانبوبة وتركه يقع أرضًا ولم يهتم لشيء حتى سرى مفعول الحقنة في جسده فاعتدل وهو يبتسم ويدندن وعاد إلى غرفة سهر مرة أخرى، وقف يتطلع إليها وأخذ يمعن النظر في جسدها ومال عليها يتحسسها بيده فتحركت سهر وهمهمت من خلال الشريط فمد يده ينزعه عنها بقوة فصرخت من الالم وقالت:
- أنت بتعمل أيه مش أنت قلت مش هتلمسني ألا لما نتجوز صح يا فؤاد أنت قلت كده مش قلت أنك بتحبني، أنا أنا هطلب الطلاق من آدم وهسمع كلامك بس بلاش تخلف كلامك معايا، أرجوك يا فؤاد متخلنيش أقتل نفسي.
مدد فؤاد جسده بجانبها وأحتضنها بقوة ووضع رأسه على صدرها وقال هامسًا:
- هشش اسكتي وسبيني أنام أنتِ متعرفيش أنا كنت مستني اللحظة دي من سنين علشان أنام فحضنك كده.
ومد يده وحل وثاق يداها وأكمل حديثه وقال:
- لفي أيديك حواليا وأحضنيني يا سهر زي ما كنت بحلم وخليني أنام.
لم تستطع سهر لمس جسد فؤاد فبكت وأشاحت بعينيها عنه فسمعت همهمته يقول:
- مش مهم تحضنيني كفايه أنا حاسس بيكِ فحضني.
ظلت سهر ساكنه حتى أحست بأنفاس فؤاد تنتظم فأدركت أنه تعمق فالنوم فتحركت ببطء وحلت قيد قدميها وتسللت من جانبه ببطء تسير على أطراف أصابعها وخرجت من الغرفة، أسرعت سهر إلى باب الشقة تحاول فتحه ولكنها لم تستطع فجلست أرضًا تبكي وهي تنظرت إلى مقعد والدها المفضل ولكنها وقفت مرة أخرى وقالت:
- لأ أنا مش هستسلم ومش هقعد أستناك تعمل فيا أي حاجة يا فؤاد أنا لازم اتصرف وأفتح الباب دا أكيد المفتاح فجيبه بس أنا خايفة يحس بيا وأنا باخده طيب هتصرف أزاي أيوة أنا أشوف سكينه فالمطبخ وأحاول أفتح الباب.
أسرعت سهر وتوجهت إلى المطبخ وظلت تبحث عن سكين ولكنها لم تجد فزفرت بغضب وجالت حولها بعينيها تشعر بالعجز عن إنقاذ نفسها، فتذكرت حقيبتها فتحركت مجددًا تبحث عنها ولكنها لم تجدها كذلك فجلست على مقعد والدها ووجهها بين كفيها وانخرطت في بكاء مرير فقد حاولت ألا تفكر بآدم ولكنها الآن وبعد أن أدركت أنها عالقة في قبضة فؤاد هاجمها اليأس وهمست بحزن:
- سامحني يا آدم سامحني معرفتش أحافظ على نفسي للمرة التانية بس المرة دي أفظع لأنك جوزي، ولو المجنون دا عمل حاجة أنا لا يمكن أسامح نفسي أبدا سامحني يا آدم وتعالى خدني منه أنا خايفة، أنت مشفتش بصاته يا آدم غريبة حسه أنه المرة دي فيها هلاكي أنت فين يا آدم آه يا آدم تعالى بقى أنا محتجالك أوي.
-------------------
انتفضت آدم من نومه وجلس فجأة فنظر له مازن بدهشة وقال:
- مالك يا آدم بردوا كده تقوم مرة واحدة.
نظر له آدم بعينان مظلمة وهمس وهو يشعر بخفقان قلبه السريع:
- سهر بتنادي عليا يا مازن سهر محتجالى.
جال ببصره في المكان بعدما شعر بغرابته وقال:
- أنا أنا هنا بعمل أيه أنا لازم أقوم أدور عليها حتى لو هخبط على كل باب فمصر.
وضع مازن يداه على كتف آدم مانعًا أياه من النهوض وأردف بقلق:
- ممكن تهدى أنت لسه قايم من غيبوبة سكر وبعدين خالك مسكتش قالب الدنيا واحتل الفيلا عندك عملها غرفة عمليات خاصة، ممكن تهدى بقى الكل برا قلقان عليك فبلاش تزود قلقهم أرجوك.
نفض آدم يدا مازن وتحرك ناهضًا وهتف بحدة:
- لازم أخرج حالًا أنا مقدرش أفضل قاعد مستني غيري يدور على مراتي لازم أتحرك وأدور بنفسي، وأول حاجة هعملها هعلن عن مكافة اتنين مليون للي يدل على مكان فؤاد وأظن أن له ديلر بيظبط له دماغه زي ما محمود قال يبقى هو أول واحد هيبيعه.
وقف آدم ينزع عنه ملابس المشفى وأردف مرة أخرى وهو شارد الذهن:
- كل دقيقة بتمر الخطر بيزيد على سهر يا مازن وأنا مش هسيبها تضيع، المهم دلوقتي هات لي أي صحفي يكون مسموع وأخباره بتنتشر بسرعة علشان يعلن عن المكافأة لازم سهر ترجع قبل النهار ما يطلع يا مازن.
-------------
تملل فؤاد في فراشه وأخذ يتحسسه بيده يبحث عن جسد سهر وحين أحس باختفائها انتفض واقفًا وأسرع إلى الخارج فلمحها تغفو فوق ذلك المقعد قرب الباب، فتوجه إليها وجلس أمامها ووضع رأسه فوق ركبتيها فأحست به سهر فهمت أن تقف ولكنه منعها وقال وهو يمسك يدها:
- أقعدي وخليني قاعد تحت رجليكِ يا حبيبتي علشان تعرفي قد أيه بحبك، أقولك ريحي هنا وأنا هحضر لك أكل أكيد جعانة وهأكلك بأيدى موافقة يا سهر.
هزت سهر رأسها فهي تشعر بدوار شديد فهمست بضعف:
- أنا فعلا محتاجة أي حاجة أكلها لأني دايخة أوي.
راقبته سهر وهو يتوجه إلى غرفه والدها ويعود مرة أخرى حاملًا بعض الحقائب وتوجه بها إلى المطبخ، فاستندت إلى الحائط ووقفت تراقبه يخرج الطعام والملاعق ووقع بصرها على السكينه بيده فقالت بهدوء:
- تحب أساعدك.
ابتسم لها فؤاد وقال:
- لا يا حبيبتي ارتاحي أنتِ أنا اللي هحضر لك كل حاجة وهاكلك بأيدي زي ما كنت بحلم بالظبط، اقولك أدخلي اوضة رشدي هتلاقي فيها تليفزيون جديد اتفرجي عليه لحد ما اخلص.
نظرت سهر باتجاه غرفه والدها ولكنها تجمدت مكانها ونظرت بخوف إلى فؤاد وحركت قدميها بثقل حتى وصلت إلى باب الغرفة، فشعرت بقلبها يكاد يتوقف من فزعها فهي لم تدخل تلك الغرفة منذ اليوم المشؤوم همت أن تبتعد وتستدير، ولكنها لمحت حقيبتها فتنهدت بارتياح واستجمعت قوتها ودخلت واختطفت الحقيبة بين يديها وخرجت مسرعة إلى غرفتها وجلست على الفراش وهي ترتجف، ونظرت باتجاه الباب واطمئنت لعدم ظهور فؤاد وفتحت الحقيبة ثم ابتسمت برضا وتنهدت بارتياح وهي تخفي الحقيبة أسفل الفراش.
-----------------
تم لآدم ما طلب وسرى خبر المكافاة على مواقع السوشيال ميدا كسريان النار فالهشيم، فأصبح الجميع يتلهف للحصول على تلك المكافأة المعلن عنها، جلس آدم يحدق إلى الهاتف لعل أحد ما يبلغه بمكان فؤاد ومرت الساعة تلو الأخرى ولم تكن المكالمات التي وردت مجديه بشيء فأحس بالإحباط يتملكه، جلست صفية في تلك الغرفة التي خصصها آدم لها تضم ياسين إلى صدرها وهي تحدق شاردة فأحست بيد تربت على كتفيها فرفعت عيناها ورآت هدى تبتسم لها مواسية وقالت:
- أن شاء الله هترجع يا ماما اطمني.
هزت صفية رأسها بحزن وأردفت بخوف:
- يارب يا بنتي والله أنتِ متعرفيش قلبي واجعني عليها قد أيه، مش عارفة ليه حظها معاكس بالشكل دا طول عمرها وبختها قليل مشافتش يوم عدل ألا لما تجوزت آدم، آه يا بنتي يا ترى عاملة أيه دلوقتي ربنا يحفظك ويسلمك ويردك لينا بخير.
جلست هدى بجانب صفية وقالت تسال بفضول:
- سامحيني للسؤال بس حضرتك بتقولي مشافتش يوم حلو ألا مع آدم، طب أزاي ومحمود بيحبها ومش قادر ينساها أنتِ ملاحظتيش حالته عاملة أزاي قاعد ساكت وكأنه مستني حكم بالإعدام.
ربتت صفية يد هدى وقالت:
- محمود اللي مربيها يا هدى وحبها وله عذره بس للحق هي كانت دايمًا شيفاه أخوها حتى ظروف جوازهم كانت صعبة ومُرة على الكل، يا بنتي هي لما طلبت من محمود يتجوزك كان علشان تخليه ينساها.
سألتها هدى بأندفاع قائلة:
- هو فؤاد عمل أيه فسهر أنا لحد دلوقتي مش فاهمة ألا كلمة من هنا وكلمة من هنا، وبصراحة لحد دلوقتي مستغربة أنها طلبتني لمحمود والأغرب أنها جات لي علشان تطلب أني أرجع لمحمود ومسيبهوش.
ابتسمت صفية بحزن وقالت:
- شوفتي هي دي سهر بتدور على مصلحة الكل، هي محملة نفسها ذنب أن محمود فضل عايش سنين جوزاهم محروم من حقوق كتير، علشان كده عايزاكِ ترجعي له أنا كمان عايزاكِ ترجعى بيتك وتحاجي على جوزك وابنك، العمر بيجري يا بنتي والوحدة صعبة أوي من غير حد ياخد بحسك وتتسندي عليه.
همست هدى وهي تقبل جبين صفية:
- وأنا مش هرد طلبكم يا أمي بس الأول أتأكد أن محمود عايزني فحياته.
ربتت صفية على يدها وقالت مبتسمة:
- عايزك بس دا محتاجلك أكتر من الأول كمان ودا وقتك أنك تكسبيه.
------------------
رفضت سهر أن يطعمها فؤاد وتناولت بعض اللقيمات البسيطة ولكنها شعرت بالعثيان، فأسرعت تجري إلى المرحاض تفرغ ما في جوفها، فوقف فؤاد أمام الباب يتابعها بقلق ولكنه صاح بغضب لتنتفض سهر من صوته الغاضب وحدقت به برعب بعدما سمعت كلماته:
- أنتِ أنتِ حامل يا سهر!
تراجعت سهر بخوف بسبب نظرات فؤاد السوداء إليها وصرخت حين مد يداه وسحبها من شعرها خلفه والقاها أرضًا في غرفتها القديمة وأنهال عليها ركلًا بقدمه، فصرخت سهر متألمة وتكورت حول نفسها تحمي بطنها من ركلات فؤاد وهي تسمع سبابه ووعيده، لينحني عليها فؤاد وحملها وهي تقاومه بضراوة ممزقه وجهه بأظافرها فألقاها على الفراش بقوة وأعتلاها محاولًا تقبيلها ولكنها ركلته بقدمها بين فخذيه، فصاح متوعدًا لها بالموت فأنسلت سهر من بين يده وزحفت أرضًا تحت الفراش حتى وصلت إلى حقيبتها وابتعدت عنه تحتضنها ووقفت تلهث وقد تملكها الدوار والعثيان والألم أسفل بطنها، ولكنها تحاملت على نفسها وفتحت حقيبتها بتوتر وهي ترى فؤاد يقترب منها فأخرجت مسدسها وابتسمت منتصرة وقالت:
- خطوة كمان وهقتلك يا فؤاد.
توقف فؤاد مصدومًا وتساءل من أين لها هذا المسدس وقد فتش حقيبتها بنفسه فقال بصوت مضطرب:
- أعقلي يا سهر وأرمي المسدس من أيديك بصي أنا خلاص موافق أربي ابن آدم زي ابني أنا بحبك أنا فؤاد حبيبــ.
صرخت سهر بصوت يتمزق ألمًا:
- أخرس أخرس مش عايزة اسمع صوتك متجبش سيرة الحب، الشيطان مبيعرفش يحب يا فؤاد بيعرف يأذي وبس، علشان كده الشيطان لازم يموت وأنت الشيطان نفسه ولازم تموت.
أطلقت سهر أول طلقة فأصابت صدر فؤاد الذي ترنح إلى الخلف ولكنه ابتسم لها بسخرية وقال:
- حتى لو قتلتيني بردوا مش هترجعي لآدم يا سهر ومش هتعرفي تخرجي من هنا أبدًا.
صاحت سهر بغضب:
- حتى لو هموت لازم أنت تموت الأول يا فؤاد.
وأعقبت كلماتها بطلقة أخرى لتصيبه بين فخذيه وهي تصيح:
- دي علشان اللي عملته فيا زمان.
صرخ فؤاد وهو يسقط أرضًا فحدقت به سهر برضى غريب واطلقت طلقتها الأخيرة لتصيب بها رأسه وهي تهمهم:
- ودي علشان بابا اللي قتلته غدر وحرمتني أني أعيش معاه ولو يوم وهو راضي عني وبيحبني.
حدقت سهر برأس فؤاد المتناثرة بتيه وجلست أرضًا مكانها مستسلمة للدوار وهي تهذي:
- خلاص يا آدم أنا أخدت حقي ورديت اعتباري، خلاص يا حبيبي اطمن حتى لو مت هموت وأنت رافع رأسك إن أنا حافظت على شرفك ومجبتش ليك العار تاني، سامحني يا آدم سامحني أرجوك علشان حرمتك من ابنك واتسببت فموته سامحني وانسانىي وكمل حياتك...