رواية هكذا أحبته الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم رنا نوار
الرابعة و العشرون -
ذهبت حنين إلى مكتبها تفكر بكلام أكرم، ثم ما لبثت أن انهمكت في البحث عن الملفات التي أوصاها أكرم بها، ثم بقراءتها..
قررت ألا تنزل للكافيتريا، فهي لا تريد أن تحتك بزياد، خاصة أنه بالأمس أخبرها بانتظاره لها اليوم؛ ليتغديا سويًّا.. فآثرت الهرب -إن صح التعبير-.
طلبت بواسطة الهاتف الداخلي طعامها، شاكرة لمن رد عليها. وما هي إلا دقائق، و سمعت الباب الخارجي لمكتبها يدق، نهضت متوقعة أن من ستراه هو عامل الكافيتيريا، و لكنها فوجئت بزياد.
زياد: أصلي كنت جمب عم أحمد بتاع البوفيه، و انتي بتطلبي الأكل، قلت أطلع أجيبهولك بنفسي..
"حظها النموذجي" هذا ما فكرت به حنين.
حنين: أصل عندي شغل، فقولت أطلب الأكل و انا بشتغل..
زياد: شغل إيه بس ده هي ساعة إلا ربع اللي الواحد بيشم فيها نفسه بعيد عن الورق، مش بيكفيكي طول اليوم؟
أكرم: أستاذة حنين.
انتفضت، ناظرة خلفها؛ لتجد أكرم عند الباب الداخلي، ينظر إليها بازدراء، ثم توجه لزياد بالحديث..
أكرم: إنت مش بتتغدى ليه؟
زياد: أصل .. أصل يعني ..
أكرم: أيوه؟
زياد: ...........
أكرم: كنت عايزني في حاجة يعني؟
زياد: لا يا أستاذ أكرم كل ما هنالك إن أستاذة حنين طلبت غداها هنا فـ ..
أكرم: فاتبرعت انت إنك تطلعه؟
كان زياد في قمة إحراجه، فتصرفه الصبياني وضعه في موقف لا يُحسد عليه. هز رأسه.
زياد: أصل برضه كنت طالع للمكتب عشان عندي جلسة مسائية، و نسيت آخد ورقها، فقلت بالمرة..
"دي حجة أحسن" هكذا فكرت حنين ..
اعتذر زياد منصرفًا.. بعد انصرافه ساد الجو هدوء مشبع بتوتر حنين، و بعض من ذكريات أكرم الموحشة.
أكرم: أنا سمعت أصوات، و ماكنتش أعرف إنك هنا.
حنين ببعض الخجل: قلت آكل و انا بقرا الملفات، فطلبت من تحت.. هو ده فيه مشكله؟
أكرم: لا مافيهوش حاجة..
أدار ظهره منصرفًا، لكن حنين أوقفته بسؤال تفوهت به دون تفكير.
حنين: هو يعني ايه إنك اترافعت قبل كده عن حد من غير ما تتاكد إنه مظلوم، بالرغم من إنها ما كانتش قضية؟!
ثبت أكرم في مكانه لحظة، ما لبث بعدها أن التفت لحنين سائلًا إياها ..
أكرم: بتسألي ليه؟
حنين ببعض الهدوء: حضرتك كنت قولتلي امبارح الجملة دي لكن أنا مش فهمتها..
أكرم: يلزمك في إيه تعرفي الإجابه؟
حنين، و قد بدأت تتوتر، و أحست بالإحراج: أنا آسفة.. مجرد سؤال جي في بالي نطقته من غير ما افكر ..
أكرم: أغبى حاجة في مهنتنا خاصة، و في الحياة عامة، إنك تتكلمي من غير ما توزني كل حرف في كلامك، حلو إن الواحد يكون تلقائي، مش بقول إنه عيب، لكن لو هتتكلمي يبقى تكوني عارفة بتقولي إيه، و بتقوليه لمين.. ما تتكلميش لمجرد الكلام، وما تسكتيش في وقت محتاج تتكلمي فيه.. ده درسك النهاردة..
صمتت حنين..
أكرم: أنا شايف إن تلات ايام أخدتي فيهم تلات دروس صح؟
حنين: أيوه.
أكرم: فاهماهم؟
حنين: أيوه.
التفت أكرم مغادرًا ..
تكلمت حنين: شكرًا ..
سمعها، لكنه تظاهر بالعكس، و أغلق الباب خلفه..
*****
دق قلبه بشدة، لما ذكرى سلمى بهذا الوضوح؟؟، كأن ما حدث كان بالأمس القريب!
استوى على كرسيه، ناظرًا نحو الباب الفاصل، بين مكتبه و المكتب الآخر..
و تذكر ذاك اليوم، الذي دخل فيها تلك الغرفة، فوجدها بين أحضان غيره، كان من المفترض أنه لن يحضر إلى الشركة؛ لكثرة المشاوير التي كان يجب عليه قضاؤها، كما أنه يومها تحديدًا اشترى ذاك الخاتم الذهبي، الذي أعجبها في اليوم السابق، و كان ينوي إهداءه إليها معلنًا أنه خلال يومين، سيحضر إلى بيتها؛ لخطبتها من والدتها.. و لكن ما لبث أن هدمت أحلامه عندما وجد غيره يتلمسها، و هي تطالبه بالمزيد.. كان صوتها في أذنه، و هو لا يصدق، و كانت أمامه و هو أيضًا لا يصدق.. عندما رأته فزعت، و امتلأت عيناها رعبًا و صدمة، وذاك الغبي خاف، و فرّ من أمامه، و لم يره من وقتها، كان مجرد شخص يأتي للشركة يومين في الأسبوع؛ ليسلم بعض الأوراق و الخطابات، لم يكن يعمل بها.. و لم يرَ سلمى سوى مرتين عندما كان يستشير أكرم في موضوع يخص أحد أقربائه..
فرّ هو، و لكنها بقيت تلملم ما بقي منها، هو لم يصدق شريفًا حين أخبره أنها كانت خطتها منذ البدء، و أنها لا يهمها إن تزوجها أو لا، طالما يجزل لها العطاء، هو لم يصدقه عندما أخبره أنه أحبها بصدق، و لكنه اكتشفها على حقيقتها القذرة، هو لم يصدقه عندما أخبره أنه لم يكن الرجل الأول بحياتها، و أنها لم تكن أبدًا آنسة، هو لم يصدق أيًّا من كلامه.. و لكن ها هي الأيام، تريه مرأى العين ما أنكره، و داوم على إنكاره حتى أمام نفسه، عندما كانت تخالجها الشكوك.. يومها لم يوافق شريف على زواجه منها إلا بشرط أن تكتب بخط يدها أنها لن تتعرض له أبدًا، و أنه لم يتزوجها إلا لكي يستر عليها، و أنه ليس له دخل بها مطلقًا و رجولة منه فقط سيكتب عليها، و ليس لها أي حق عنده، لم يعجب أكرم هذا الكلام، فهو كان تمامًا يصدقها، و لكنها أخذت تترجاه أنها موافقة، و أن هذا أفضل من أن تكون سيدة، و هي غير متزوجة.. عزا أكرم تشبثها بالموافقة إلى أنها فتاة، و خائفة، و لم تكن تود إقحام والدتها.. فأمام إلحاحها، و ترجيها لم يملك أكرم سوى الموافقة.. و تم بالفعل، لو علم شريف ما رآه أكرم الآن لأخبره مرارًا و تكرارًا، أنه قد أفصح له عن حقيقتها، و لكنه لم يصدقه، و ها هي الآن بالدليل القاطع تقف أمامه؛ لتخبره أنه أرادها رغمًا عنها.. كيف لها أن تكون بمثل هذا التلون؟! يراها بعينيه و يسمعها بأذنيه، و تريده أن يصدقها هي؟! أي عقل ملوث تملك تلك الـ... ماذا؟ ماذا تكون هي؟
لم يملك أكرم سوى أنه طردها بدون كلام، و أنذرها ألا تحاول الاتصال به، أو المجيء إليه أبدًا و إلا ..
و قد امتثلت طوال الشهور الماضية لأوامره، ما عدا أول أمس..
تكلم بصوت عالٍ نوعًا ما: آآآآه يا دنيا ..
حرك أكرم رأسه يمينًا و يسارًا بعنف، طاردًا تلك الذكريات، و لاعنًا تلك الأفعى؛
لينتبه بعدها إلى الملف أمامه، و يكمل عمله..
و ليمر اليوم بهدوء متوتر ..
**
ذهبت حنين إلى مكتبها تفكر بكلام أكرم، ثم ما لبثت أن انهمكت في البحث عن الملفات التي أوصاها أكرم بها، ثم بقراءتها..
قررت ألا تنزل للكافيتريا، فهي لا تريد أن تحتك بزياد، خاصة أنه بالأمس أخبرها بانتظاره لها اليوم؛ ليتغديا سويًّا.. فآثرت الهرب -إن صح التعبير-.
طلبت بواسطة الهاتف الداخلي طعامها، شاكرة لمن رد عليها. وما هي إلا دقائق، و سمعت الباب الخارجي لمكتبها يدق، نهضت متوقعة أن من ستراه هو عامل الكافيتيريا، و لكنها فوجئت بزياد.
زياد: أصلي كنت جمب عم أحمد بتاع البوفيه، و انتي بتطلبي الأكل، قلت أطلع أجيبهولك بنفسي..
"حظها النموذجي" هذا ما فكرت به حنين.
حنين: أصل عندي شغل، فقولت أطلب الأكل و انا بشتغل..
زياد: شغل إيه بس ده هي ساعة إلا ربع اللي الواحد بيشم فيها نفسه بعيد عن الورق، مش بيكفيكي طول اليوم؟
أكرم: أستاذة حنين.
انتفضت، ناظرة خلفها؛ لتجد أكرم عند الباب الداخلي، ينظر إليها بازدراء، ثم توجه لزياد بالحديث..
أكرم: إنت مش بتتغدى ليه؟
زياد: أصل .. أصل يعني ..
أكرم: أيوه؟
زياد: ...........
أكرم: كنت عايزني في حاجة يعني؟
زياد: لا يا أستاذ أكرم كل ما هنالك إن أستاذة حنين طلبت غداها هنا فـ ..
أكرم: فاتبرعت انت إنك تطلعه؟
كان زياد في قمة إحراجه، فتصرفه الصبياني وضعه في موقف لا يُحسد عليه. هز رأسه.
زياد: أصل برضه كنت طالع للمكتب عشان عندي جلسة مسائية، و نسيت آخد ورقها، فقلت بالمرة..
"دي حجة أحسن" هكذا فكرت حنين ..
اعتذر زياد منصرفًا.. بعد انصرافه ساد الجو هدوء مشبع بتوتر حنين، و بعض من ذكريات أكرم الموحشة.
أكرم: أنا سمعت أصوات، و ماكنتش أعرف إنك هنا.
حنين ببعض الخجل: قلت آكل و انا بقرا الملفات، فطلبت من تحت.. هو ده فيه مشكله؟
أكرم: لا مافيهوش حاجة..
أدار ظهره منصرفًا، لكن حنين أوقفته بسؤال تفوهت به دون تفكير.
حنين: هو يعني ايه إنك اترافعت قبل كده عن حد من غير ما تتاكد إنه مظلوم، بالرغم من إنها ما كانتش قضية؟!
ثبت أكرم في مكانه لحظة، ما لبث بعدها أن التفت لحنين سائلًا إياها ..
أكرم: بتسألي ليه؟
حنين ببعض الهدوء: حضرتك كنت قولتلي امبارح الجملة دي لكن أنا مش فهمتها..
أكرم: يلزمك في إيه تعرفي الإجابه؟
حنين، و قد بدأت تتوتر، و أحست بالإحراج: أنا آسفة.. مجرد سؤال جي في بالي نطقته من غير ما افكر ..
أكرم: أغبى حاجة في مهنتنا خاصة، و في الحياة عامة، إنك تتكلمي من غير ما توزني كل حرف في كلامك، حلو إن الواحد يكون تلقائي، مش بقول إنه عيب، لكن لو هتتكلمي يبقى تكوني عارفة بتقولي إيه، و بتقوليه لمين.. ما تتكلميش لمجرد الكلام، وما تسكتيش في وقت محتاج تتكلمي فيه.. ده درسك النهاردة..
صمتت حنين..
أكرم: أنا شايف إن تلات ايام أخدتي فيهم تلات دروس صح؟
حنين: أيوه.
أكرم: فاهماهم؟
حنين: أيوه.
التفت أكرم مغادرًا ..
تكلمت حنين: شكرًا ..
سمعها، لكنه تظاهر بالعكس، و أغلق الباب خلفه..
*****
دق قلبه بشدة، لما ذكرى سلمى بهذا الوضوح؟؟، كأن ما حدث كان بالأمس القريب!
استوى على كرسيه، ناظرًا نحو الباب الفاصل، بين مكتبه و المكتب الآخر..
و تذكر ذاك اليوم، الذي دخل فيها تلك الغرفة، فوجدها بين أحضان غيره، كان من المفترض أنه لن يحضر إلى الشركة؛ لكثرة المشاوير التي كان يجب عليه قضاؤها، كما أنه يومها تحديدًا اشترى ذاك الخاتم الذهبي، الذي أعجبها في اليوم السابق، و كان ينوي إهداءه إليها معلنًا أنه خلال يومين، سيحضر إلى بيتها؛ لخطبتها من والدتها.. و لكن ما لبث أن هدمت أحلامه عندما وجد غيره يتلمسها، و هي تطالبه بالمزيد.. كان صوتها في أذنه، و هو لا يصدق، و كانت أمامه و هو أيضًا لا يصدق.. عندما رأته فزعت، و امتلأت عيناها رعبًا و صدمة، وذاك الغبي خاف، و فرّ من أمامه، و لم يره من وقتها، كان مجرد شخص يأتي للشركة يومين في الأسبوع؛ ليسلم بعض الأوراق و الخطابات، لم يكن يعمل بها.. و لم يرَ سلمى سوى مرتين عندما كان يستشير أكرم في موضوع يخص أحد أقربائه..
فرّ هو، و لكنها بقيت تلملم ما بقي منها، هو لم يصدق شريفًا حين أخبره أنها كانت خطتها منذ البدء، و أنها لا يهمها إن تزوجها أو لا، طالما يجزل لها العطاء، هو لم يصدقه عندما أخبره أنه أحبها بصدق، و لكنه اكتشفها على حقيقتها القذرة، هو لم يصدقه عندما أخبره أنه لم يكن الرجل الأول بحياتها، و أنها لم تكن أبدًا آنسة، هو لم يصدق أيًّا من كلامه.. و لكن ها هي الأيام، تريه مرأى العين ما أنكره، و داوم على إنكاره حتى أمام نفسه، عندما كانت تخالجها الشكوك.. يومها لم يوافق شريف على زواجه منها إلا بشرط أن تكتب بخط يدها أنها لن تتعرض له أبدًا، و أنه لم يتزوجها إلا لكي يستر عليها، و أنه ليس له دخل بها مطلقًا و رجولة منه فقط سيكتب عليها، و ليس لها أي حق عنده، لم يعجب أكرم هذا الكلام، فهو كان تمامًا يصدقها، و لكنها أخذت تترجاه أنها موافقة، و أن هذا أفضل من أن تكون سيدة، و هي غير متزوجة.. عزا أكرم تشبثها بالموافقة إلى أنها فتاة، و خائفة، و لم تكن تود إقحام والدتها.. فأمام إلحاحها، و ترجيها لم يملك أكرم سوى الموافقة.. و تم بالفعل، لو علم شريف ما رآه أكرم الآن لأخبره مرارًا و تكرارًا، أنه قد أفصح له عن حقيقتها، و لكنه لم يصدقه، و ها هي الآن بالدليل القاطع تقف أمامه؛ لتخبره أنه أرادها رغمًا عنها.. كيف لها أن تكون بمثل هذا التلون؟! يراها بعينيه و يسمعها بأذنيه، و تريده أن يصدقها هي؟! أي عقل ملوث تملك تلك الـ... ماذا؟ ماذا تكون هي؟
لم يملك أكرم سوى أنه طردها بدون كلام، و أنذرها ألا تحاول الاتصال به، أو المجيء إليه أبدًا و إلا ..
و قد امتثلت طوال الشهور الماضية لأوامره، ما عدا أول أمس..
تكلم بصوت عالٍ نوعًا ما: آآآآه يا دنيا ..
حرك أكرم رأسه يمينًا و يسارًا بعنف، طاردًا تلك الذكريات، و لاعنًا تلك الأفعى؛
لينتبه بعدها إلى الملف أمامه، و يكمل عمله..
و ليمر اليوم بهدوء متوتر ..
**
