اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم سهي الشريف


24 | صُـورة مِـن المـاضِي


                                              
وَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِحَبْلِ اللَّهِ مُعْتَصِمًا
فَإِنَّهُ الرُّكْنُ إِنْ خَانَتْكَ أَرْكَانُ

+


مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُحْمَدْ فِي عَوَاقِبِهِ
وَيَكْفِهِ شَرَّ مَنْ يَعْزُوا وَمَنْ هَانُوا

+


مَنْ اسْتَعَانَ بِغَيْرِ اللَّهِ فِي طَلَبٍ
فَإِنَّ نَاصِرَهُ عَجْزٌ وَخِذْلَانُ

+


« أبي الفتح محمد البُسْتي »

+


_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات. 

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الرابع_والعشرون
#سهى_الشريف 

+


_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .

+


« قراءة مُمتعة »

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


ابتعدت " ميار " عن شقيقتها برفق و نبست بتردد:

+


- بس .. بس يا ريم متوقعتش إنه يظهر قدامي و معرفوش !

+


اتسعت عينايّ " ريم " بذهول و تسائلت فورًا :

+


- إنتِ شفتي آسر فين ؟؟

+


ابتسمت " ميار " بارتجاف و أجابت :

+


- في المدرسة .. مليكة إلي جاية النهاردة بنت إخته إلي اتوفت .

+


أجلفت " ريم " للحظات ثم تسائلت بذهول:

+


- آيوه ! و كان بيتعامل إزاي ؟

+


ارتسم شبح ابتسامة جانبية على وجه " ميار " ثم نبست بخفوت :

+


- يعني بيتعامل عادي .. تقريبًا.. هو أنا كنت بغض بصري ، بس كنت أحسه مركز معايا بس بكدب إحساسي ، بذات أول مرة شافني كنت قاعدة مع مليكة ندهلي بإسمي بعدها أعتذر .

+


زفرت " ريم " نفسًا بتفكير ثم أومأت رأسها بخفة و تسائلت بهدوء :

+


- يعني مفتحش معاكِ كلام أو قرب منك ..؟

+


- لا لا خالص كان على قد التعامل عشان مليكة والله ، هو كان نظراته بس مش .. مش بيتحكم فيها غير كده لا كان كويس .

+


نبست " ميار " بنصف عبارتها الأخيرة بخجل من تذكر نظراته لها ، و شردت قليلًا فيها لتتورد وجنتيّها بلطف لتستمع شقيقتها تتنحنح ثم نبست بتودد :

+


- طيب ، إحنا ثابتين زي ما إحنا .. مش عاوزاكي تعلقي قلبك بحاجة مش مضمونة و تجري ورا وهم الحب ، عشان صدقيني الحُب ساعات كتيرة بيعمي عن تفاصيل مهمة ، فعوزاكي تحكمي عقلك طول الوقت ، خلاص يا ميرو ؟

+


تنهدت " ميار" بهدوء و أومأت برأسها بتفهُم ، فـ هي توافق شقيقتها في كل كلمة ، و أخذت تتمتم أدعيةً في جوفها أن يُعينها ربها على قادم الأيام .

+



                                      

                
مرّت دقائق طويلة تجاوزت النصف ساعة، حتى وجدت "ميار" نفسها واقفة أمام بوابة مدرستها، تتأمل لافتة الاسم المعلّقة في مكانها العالي، وملأت رئتيها بنسمات الصباح الصافية، تدعها تزيح عن صدرها بقايا التوتر، بينما في الخلفية كانت أصوات الطلاب تتداخل في خليط من الضحكات والأحاديث العابرة.

+


وقفت هناك كجندي مخلص لحصنه، 
لا يخذله ولا يغادره مهما اشتدت المعارك. 

+


هي من تحرس العقول الصغيرة من غياهب الجهل والسفه، وهي من تصنع العقول النابغة، وتضع كل واحد منهم على أول طريق نحو حلمه.

+


كانت الشرارة الأولى للعلم، واليد التي ترفع راية الفهم والفضيلة عاليًا في زمن طغى عليه الجهل.

+


ليتردد في ذهنها عبارة تطرزت قديمًا على وشاح تخرُجها ، كتبتها بماء الذهب قبل تفلات الخيوط ...

+


- " هُنا مرت مُعلمة ، فنهض العالم "

+


تمتمت بها بخفوت و ختمتها بابتسامة هادئة ، ثم جرت خطوات قدميّها نحو الداخل بثقة .

+


توقفت بعد عدة دقائق في باحة المدرسة ، تُشرف على تنظيم الطابور الصباحي كحال العديد من المعلمين ، و حين استقرت في أحد الأركان وجدت من تقترب منها حتى توقفت بمُحاذاتها و هتفت :

+


- السلام عليكم.

+


ألتفت " ميار " سريعًا نحو رفيقتها و أجابت :

+


- و عليكم السلام.. صباح الخير يا مريم .

+


بادلتها " مريم " الترحيب و طالعت أمامها ثم سكنت كما خطواتها التي سارت بها ، لتقطب " ميار " حاجبيها و تسألت باهتمام:

+


- مالك يا بت ؟ من ساعة ما قفلتي إمبارح و إنتِ قلقاني عليكِ !

+


ألتفت لها " مريم" بهدوء مُريب و أجابت ببساطة :

+


- مفيش ، كنت مضايقة بس .

+


ثم عادت بصرها للأمام ،لتستدير " ميار " و تتوقف أمامها هاتفة :

+


- إنتِ فيكي حاجة مش مظبوطة يا قمر الكسوف !

+


وفي ثانية تراخى جمود ملامح " مريم" و ابتسمت بخفة و قالت :

+


- صدقيني مفيش حسيت بخنقة فجأة ، هبقى أحكيلك بعدين .

+


- طب وبعدين ليه ؟ أنا أصلًا كنت عاوزاكي في موضوع كده هبقى أرن عليكِ بالليل أحكيه ..

+


ثم ختمت عبارتها بابتسامة خافته ، لتقطب " مريم " حاجبها تزامنًا مع ابتسامة هادئة ، قائله :

+


- أمم ، خلاص ماشي هستنى أسمع مواضيعك الخطيرة .

+


- هبهرك المرادي .

+


أطلقت " مريم" ضحكة قصيرة و أجابت قبل أن تبتعد :

+


- استر ياربنا ..

+


ثم ابعدت خطواتها نحو طابور فصلها حين بدأت تمارين الصباح بينما " ميار" اتسعت ابتسامتها بخجل و قليل من الحماس ، جعلها ترفع كفها الأيمن تُرفرف به بالقُرب من وجهها لتتلاشى شعورًا بتوتر و الخجل هاجمها بعُنف ، قبل أن تنبس مُستغفره و تتحرك أيضًا نحو طابور فصلها .

+



        

          

                
───────────────── ˖.˚⋆ .

+


التفتت " ميرال " ببطء نحو " ريان " الذي اثنى ركبتيه أمام كُرسيها يحاول تهدئتها ، وقد تكوّمت الكلمات من الصدمة:

+


- لقد خسرتهم... لقد خسرت عائلتي، صحيح؟
لقد ماتوا جميعًا... وبقيتُ أنا؟!

+


لتُهز عبارتها الأخيرة أوصاله و هو يُسمعها تُرددها بهمس و نبرة مذبوحه ... "وبـقيتُ أنـا؟! "جملتها انسكبت كالسكين على صدر "ريان" ... 

+


فور إدراكه لخطورة الوضع، نظر حوله بسرعة، ثم جذب الهاتف من جيبه وضغط على زرّ الاتصال الداخلي:

+


- جهّزوا غرفة فحص ،وبلغوا النفسية والطوارئ فورًا...

+


ثم عاد إليها، ركّز نظراته بعينيها، وقال:

+


- ميرال، سأبعدكِ عن هذا المكان... ستأتين معي .

+


نهض " ريان " وأشار سريعًا للممرضات بينما دفع الكرسي المتحرك بعيدًا عن مدخل الطوارئ، قال بصوتٍ سريع واضح:

+


- ودوها غرفة الاستجابة السريعة رقم ٣... أنا هابقى معاها، مفيش دوا.دلوقتي، بس عاوز جهاز الضغط والنبض، وكمادات باردة، وخلوا بالكم... الحالة حساسة.

+


هزّت أحدهُن رأسها وأسرعت مع الباقيات، بينما تولّى "ريان" دفع الكرسي بنفسه، يحاول أن يُبعدها عن كل ما يُشبه الحادث أو ما يُشعل الذاكرة.

+


دخل الغرفة الصغيرة المُعتمة نسبيًا، أضواء خافتة، وسكون يغلف الجدران، ساعدت الممرضات "ميرال" على الجلوس على سرير الفحص ببطء ،كانت ذراعيها ملتفتين حول جسدها، تهتز بارتجاف ، لكنّ "ريان" يعرف أن هذا ليس إرتجافًا طبيعيًا ... بل اضطرابًا عصبيًا داخليًا.

+


أقترب منها برفق ثم التفت للممرضة:

+


- حطي كمادات تلج في كف إيدها، بس براحة... خلوها تحس بجسمها.

+


أحضرت الممرضة قطعة قماش ملفوفة بثلج، ووضعتها في كفّ "ميرال"، فتقلصت أصابعها في البداية ثم ارتجف جسدها بالكامل ، لكن دموعها لم تتوقف، كانت تسيل كأنها نزيف داخلي، كل نقطة منها تروي وجعًا اختبأ خلف ستار النُكران ، وكل دمعة تحمل شهقة عمرٌ يتيمٌ قادم .

+


و حين أراد الفريق الطبي أن يبدأ فحص العلامات الحيوية ،و اقتربت أحد الممرضات بمقياس الضغط، انتفضت"ميرال" فجأة وصرخت:

+


- لا! لا أستطيع فعل هذا... لا أستطيع!!

+


ارتجّت الغرفة بلحظة انهيار جديدة ، تراجع الطاقم خطوة لكن "ريان" لم يتراجع... اقترب منها، وجلس أمامها، نبرته ثابتة رغم القلق:

+


- تستطيعين... اسمعيني... أنتِ فقط بحاجة لأن تثقي بنفسك .

+


تمصلت من هتفاته لتهدئتها و حاولت تحرير نفسها من نطاق حصارهم عليها ، لكنها أمسك بكتفيها يُثبتها في وجهه لكنها و دفعت يده بعنفٍ هستيري، ثم صرخت في وجهه ، وقد تقوّست ظهرها كأنها تدافع عن نفسها من خطر:

+



        
          

                
- قلت لك لا أستطيع! أتركني! أتركني!!

+


- ميرال إهدأي ..

+


ثم صرخت أعلى بانهيار أذاب أعصابها :

+


- قــلت لك لا أســتـطـيـع!

+


وهنا... اشتد من قبضته على كتفيها و ارتفع صوته لأول مرة، ليس غاضبًا، بل قاطعًا:

+


- بـل تـستـطيـعيـن مـيـرال !

+


صمتت فجأة... تلاشى صراخها أمام نبرته، كما يتبدّد الضجيج أمام اليقين ،لم يتحرك "ريان" و تابع تركيز كلماته أمام عيناها الزائغة :

+


- تستطيعين! اسمعيني... أنتِ أقوى من هذه اللحظة !

+


ثم كرّرها همسًا:

+


- تستطيعين.

+


ثم كأن كل صراخها تلاشى فجأة، فقط نبرتُه اخترقت الرعب بداخلها، كسرت حاجز الذعر، جعلت عيناها ترفرفان في اضطراب، تنظر له كأنها غريق رأى طوق النجاة.

+


كانت تلك الكلمة برقتها و بثباتها، بكل ما حملته من صدق، كأنها اخترقت ما بين ضلوعها واستقرت في أعمق موضع موجوع فيها ؛
ثم فجأة، وبدون إنذار...
انفجرت دموعها من جديد.

+


اقترب أكثر بصوت خافت هذه المرة، نبرة لا تحتمل شيئًا سوى الصدق، ويده تمتد ببطء، تُزيح خصلات شعرها المرتبكة عن جانب وجهها المرتجف، يهمس:

+


- تستطعين... أنا معك، ولن أتركك.

+


زاد بكائها، ارتجف فمها، وارتخت يدها على الثلج، كأن نفسها أذعنت له دون مقاومة منها ،ثم قال بنبرة هادئة ولكن حازمة:

+


- ميرال... أنتِ الآن آمنة، هذه الغرفة مغلقة، لا يوجد سيارات، لا يوجد دماء، لا يوجد حادث.

+


كانت تحدّق في عيناه بثبات، أنفاسها ما زالت متسارعة، ووجهها مبلل بالدموع ،فاقتربت الممرضة في تلك الأثناء و ثبّت جهاز قياس النبض بلطف على كتفها ثم ضغطت زر التشغيل ،فأضاف:

+


- سأُبقي عيني عليك، أريدكِ فقط أن تتنفسي ببطء ...استمعي إلى صوتي، لا تفكّري في شيء آخر.

+


تنفست "ميرال" بصوت مضطرب، فأكمل:

+


- واحد... شهيق... اثنين... زفير...

+


ثم التفت إلى الممرضة وقال بهدوء مهني:

+


- جهّزي حقنة - لورازيبام 2 مجم- تحت الجلد، و خلوا بالكم من العلامات الحيوية .

+


بينما " ميرال " انحنت برأسها للأسفل، كأنها تُخفي انكسارها، فامسك يدها التي كانت تقبض على الثلج بهدوء ، ورفعها برفق:

+


- أشعر ببرودة يديكِ، هذا جيد... نحن نعود ببطء، لا بأس .

+


هدأت أنفاس "ميرال" بعض الشيء، وإن لم تزل مُتقطّعة، وبدأت نظراتها تتعلّق به، كأنها تنتشل روحها من غرقٍ دام لسنين ، ونهض "ريان" ببطء بعيدًا ثم التفت إلى الممرضة التي كانت تراقب العلامات الحيوية:

+



        
          

                
- الضغط قليل ، لكن النبض بدأ يثبت... 

+


أومأ برأسه بهدوء ثم أردف :

+


- حضّري كمّادات باردة وخذوا عيّنة دم نعملها فحص سريع لوظائف الكبد والكلى والجلوكوز، و أندهيلي دكتور مدحت عشان يراجع ملفها النفسي .

+


- حاضر، يا دكتور.

+


خرجت الممرّضة، فاقترب "ريان" من "ميرال" التي كانت لا تزال تحت وقع الارتباك، و جلس أمامها وقال:

+


- ميرال... أريدكِ أن تفعلي شيئًا صغيرًا.

+


رفعت عينيها إليه، فواصل:

+


- سأضع هذه الكمادة الباردة في يدك... أريدكِ أن تضغطي عليها بكل قوتك... افعليها كلما شعرتِ أنكِ لستِ هنا.

+


فتح منشفة ناعمة ووضع بداخلها قطع الثلج، ثم طواها ووضعها في كفّها المرتعشة، وأطبق بأصابعه على يدها:

+


- اضغطي... نعم، هكذا... إن شعرتِ بأن العالم ينزلق من تحتكِ، هذا سيُعيدكِ.

+


نظرت له بعينين يكسوهما الذعر ثم انتفضت فجأة، دفعت الكمادة من يدها و هتفت بصوتٍ خافتٍ راجي :

+


- لا أستطيع! لا أستطيع فعل ذلك! لا أريد أن أتذكّر... لا أريد!

+


ابتلع "ريان"ريقه، حينها انتبه لنبرة الرجاء و الإنكسار في صوتها لكنه أخفض بصره نحو قبضة يدها وضم قبضته فوق خاصتها لتقبض بدورها على قطعة الثلج وهمس بنبرة خافتة ثابتة :

+


- تستطيعين... لأنكِ لم تعودي وحدك.

+


أغمضت عينيها ببطء... تأثرت بنبرته أكثر من كلماته... كأن كل ذرة خوفٍ داخلها تعثّرت بصوته، فتوقفت عن الركض.

+


حرر قبضته من على خاصتها فأرخت جفونها بوهن وضغطت على يدها بالكمادة الباردة... بشدة... كأنها تعيد الاتصال بعالمٍ حاولت الهرب منه طويلًا.

+


جلس "ريان" على الكرسي المقابل، سكنت "ميرال" على الفراش أنفاسها تتباطأ، جفناها مرتعشان فوق عينيها الزرقاوين المنهكتين، أما هو... فظلّ ثابتًا أمامها للحظة، لا يتحرك.

+


كل شيءٍ فيه كان ساكنًا... إلا صدره.

3


كأن ضلوعه تضيق عليه شيئًا فشيئًا، وكأن الهواء في الغرفة أصبح أثقل من أن يُستنشَق ، فـ مدّ كفّه إلى صدغه، ضغط بأصابعه برفق، يحاول لجم أفكاره التي هاجت فجأة.

+


و بعد عدة دقائق آخرى كانت "ميرال" قد سكنت شيئًا فشيئًا، وإن لم يهدأ الحزن في عينيها ، حدّقت إلى "ريان"، كأنها تريد أن تقول شيئًا، وكأن صدرها ممتلئٌ بحكاية اختنقت فيها الكلمات، وهمست بصوتٍ باكٍ خافت:

+


- ماذا حدث لهم ؟!

+


لكن "ريان" رفع يده بخفّة، وقاطعها بنبرة هادئة، لا تنفي الحزم:

+


- لا، ليس الآن يا ميرال...

+


ارتبكت و ابتلعت شهقاتها فأردف بنظرة عميقة:

+



        
          

                
- لستِ مستعدة بعد... ذهنكِ لا يزال يحارب صورًا لم تكملي رؤيتها بعد...

+


تنهدت، وراحت أناملها تعتصر قطعة الثلج بتوتر، لتسمعه يقول :

+


- اسمعيني جيدًا...ما مررتِ به اليوم ليس قليلًا... بل هو اختراق نفسي لطبقاتٍ من الألم تم دفنها طويلًا ، يجب أن نُعيد ترتيب هذه الذكريات بهدوء... لا أن نفتحها دفعةً واحدة فننزف من جديد.

+


أومأت بخفة، وهي تغالب دمعةً جديدة، فأكمل بصوته المنخفض:

+


- سترتاحين الآن،وعندما تشعرين أنّ الوقت مناسب، سيُتابع معك الطبيب النفسي وسيستمع إليكِ في كلّ كلمة بلا استعجال... وبلا خوف.

+


ثم وقف و أدار ظهره للحظة، خطا خطوتين، ثم توقف ، رمقها من طرف عينه، وجدها تحدّق في لا شيء، وجهها مبلل بالدموع، وجسدها ما زال يرتجف في الداخل رغم السكون الظاهري.

+


لم يكن يريد أن يرحل، لكنّه أيضًا لم يعد يحتمل البقاء ،فقال بصوتٍ منخفضٍ ثابت، :

+


- سأطلب من التمريض إحضار غطاءٍ خفيف... عليكِ بالراحة الآن.

+


ثم تحرك ببطء، و خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه، ثم بعد عدة دقائق تخطاها شاردًا في دوامات عقله ، دخل "ريان" غرفته بهدوء و أغلق الباب خلفه، وسكن في مكانه لحظة، كأن جسده رفض التقدّم أكثر.

+


اقترب من الحوض بداخل دورة المياه ثم فتح الماء، وأخذ حفنة باردة منه، غسـل وجهه ببطء... كرّرها مرة واثنين... ثم استند بكفيه إلى الحافة، يحدّق في المرآة أمامه.

+


جفف وجهه ثم خرج و تقدم نحوه مكتبه و جلس على الكرسي المقابل ،و بصوتٍ خفيض، بالكاد يسمعه أحد سواه:

+


- اللهم ثبّت قلبي... اللهم إني أعوذ بك من فتنةٍ في الدين أو النفس...

+


ظلّ صامتًا لحظة لكن من الداخل فـ الأصوات تصارع بعضها ، فجمع كفيه معًا، شبك أصابعه، وانحنى بجذعه قليلًا إلى الأمام ، و لم يجد ملاذًا من نفسه سوى أنه أرخى أهدابه و أخذ نفسًا عميقًا ، و تحرك لسانه مُرتلًا أياتٍ من القرآن بصوتٍ عذبٍ شجي :

+


- ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ...﴾

+


و حين وصل للمقطع الأخير حتى أخذ يُردده برجاء عدة مرات :

+


- ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ...﴾

+


و تحشرج صوته ، فتابع بخفوت :

+


- ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾

+



        
          

                
و ما أن أنهى الآية حتى أرخى أهدابه يحاول تهدئة إضطراب انفاسه و دقات قلبه التي ارتفعت بصخب .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بعد ساعات...

+


ضوء خافت انبعث من أباجورة صغيرة عند رأس السرير، يرسم ظلالًا باهتة على جدران الغرفة، فيما كانت "هَـنا" تجلس على الكرسي القريب من الفراش، تحني رأسها، ويديها متشابكتان في حجرها.

+


امتد الصمت طويلًا...
إلى أن تململت "ليلى" قليلًا ،
هدب جفنها ارتجف، ثم فتحهُما ببطء...
عيناها كانت كمن يخرَج من أعماق الغرق.

+


انتبهت "هَـنا" و اعتدلت سريعًا و أمسكت يدها برفق:

+


- ليلى؟ ليلى! حبيبتي، إنتِ سمعاني ؟

+


رمشت "ليلى" عدة مرات، تحاول أن تُركّز بصرها على الصوت ،شفتيها تحرّكتا بصعوبة:

+


- أنا... فين...؟

+


بللت "هَـنا " شفاتيها، وصوتها يرتعش رغم محاولتها التماسك:

+


- في المستشفى، بس إنتي كويسة دلوقتي... الدكتور قال إنك كنتي محتاجة ترتاحي.

+


ظلت "ليلى" تحدق حولها بريبة، ثم همست بصوت مبحوح:

+


- جواد ... جواد فين ؟

+


منعت " هَـنا " ابتسامتها من الظهور لكنها انفلتت منها ، همست :

+


- يعني أول تصحي تفتكريه كده ، أتقلي شوية !

+


بينما ظهر على ملامح " ليلى " التعجُب ، لتزفر " هَـنا " نفسًا بقلة حيلة و قالت :

+


- متقلقيش المحامي دا ولا جواد هو إلي جابك لهنا بس مشى من إمبارح بالليل الظاهر في حاجة حصلت .

+


أومأت " ليلى " رأسها بهدوء تحاول الإستيعاب أو إدراك كلمات " هَـنا " بصورة أوضح ، فأرخت أهدابها و حاولت تحريك جسدها لكنها تأوهت بألم خافت ، فزعت على إثره " هَـنا " :

+


- مالك ! حاسة بوجع ؟!

+


ارخت " ليلى " عضلاتها و سكنت ، ثم فتحت أهدابها و تعلقت بالسقف بينما تراقصت عَبارات خفيفة داخل مُقلتيها ، سكنت لدقائق طويلة بصمت شحب ملامحها ثم نبست بصوت متحشرج :

+


- لما ظهر قدامي حسيت إن قلبي كان هيقف .

+


مسدت " هَـنا " بكفها على كتف " ليلى" برفق لتسمعها تتُابع :

+


- أنا موجوعة منه نفسيًا يا هَـنا ، موجوعة و مكسورة منه ، مفيش حاجة توصف النار إلي في قلبي منه ، بكرهه و بكره نفسي إني بنته ، بكره دمه إلي ماشي في عروقي ،كل الناس ليهم أب... بس أنا كان عندي جلاد ،كان بيحاسبني عالهوى اللي بتنفسه ، على نظرة ،على كلمة ، كنت بحس إني لو اتكلمت أو دافعت عن نفسب هاخد ضرب أكتر...

+


ارتعشت شفتاها، فتسارعت أنفاسها قبل أن تواصل:

+


- محدش يتخيّل كمية الخوف اللي جوه قلبي منه... حتى وأنا هنا... حتى وأنا بعيد ، في جزء جوايا لسه مقتنع إنه هيطلعلي من أي حتة... هيزعق... هيضرب... هيكسرني تاني...عارفة أكتر حاجة بتوجعني؟... إني صدقته زمان... لما كنت صغيرة وكنت فاكرة إني أنا السبب... إني لو كنت بنت كويسة ماكنش عمل فيا كده...

+



        
          

                
شهقت، فمسحت " هَـنا" دموعها برفق بعدما غمغمت عيناها ، ثم همست بمرارة:

+


- نفسي مرة واحدة أبص في المراية وماشوفش آثار إيده عليا... نفسي مرة واحدة أنام من غير كابوس... من غير ما أصحى مفزوعة بحس إني هناك... في نفس البيت... في نفس الأوضة...

+


بللت "هَـنا" ريقها بألم و ضغطت على يدها بحنان، بينما تهمس "ليلى" بعينين زائغتيّن:

+


- هو قتل فيا حاجات كتير... أقتل فيا كتير يا هَـنا ، واجعني أوي و مكنتش أستاهل منه كده ، مكنتش أستاهل يدمرني كده ، هو قتل فيا كتير ، قتل فيا كتير يا هَـنا .

+


و ما أنهت عبارتها حتى دخلت في موجهة إنهيار عنيفة ، حررت " هَـنا " دموعها مؤازرةً لها و ضمت كفيها إلي خاصتها بشدة ، ارتعشت شفتاها، وخرج صوتها واهيًا:

+


- كنت بصحى من النوم على صوته بيزعق ،كنت بحس جسمي كله بيتقفل ،كنت عارفة إنه النهارده هيكون أسود ،عمري ما صحيت يوم من غير خوف... ولا يوم ، حرمني من كل حاجة ، حرمني أمي ، حرمني من الأيام و النوم و الأكل ، حرمني الراحة إلي من حقي ، والله كنت ببات ليالي ما أعرف أكل من وجع عضمي و جسمي ، والله ما كنت بعرف أحط اللقمة في بوقي ولا أشرب ولا أتحرك ، كنت أبقى مرمية قدامه مش عارفه أتحرك ، بس .. بس كان يجي ... يجي و يزود عليا برضو.

+


شهقت بعُنف و ألم عصر جوفها كما مزقت غصة أليمة حنجرتها و كأن الكلمات نواصل تُغرز في حلقها قبل أن تخرج ، فتنفست بأنين قصير، ثم تابعت بصوت يقطر وجعًا:

+


- كل مرة كان بيضربني... كنت ببص في عينيه وأدور على أب... على أي حد شبه الأب اللي الناس بتحكي عنه ، ماكنتش بلاقي غير وَحش ، وحش بيكرهني ،ويمكن بيكره نفسه... بس كان بياخد كرهه عليا ،و أكتر حاجة وجعتني... إنه كان عارف إني ماعنديش حد ،عارف إني لو هربت، مش هلاقي مكان أروح له ، ويمكن لو كان في حد ، ماكنتش استحملت كل ده... ياريت كان في حد نجدني من إيده طول السنين دي ولا عشت و استحملت إلي مريت بيه ، قلبي واجعني ، قلبي معدش متحمل وجع زيادة ، والله فاض بيه ، فاض بيه .

+


شهقت "هَـنا " و مسحت دموعها ، بينما ربتت على كتفيّها برفق ، فإن كان البحو سيُخرج ما بها من كبت فلها كل الوقت ، فوجدتها شهقت و أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها ونظراتُها تائهه في الفراغ:

+


- كنت بحاول أراضيه ، كنت بذاكر عشان يقولي برافو ، كنت بسكت عشان مايضربنيش ، بس هل شاف دا !! هل حس بدا ؟! أنا و الله كنت بدعي ربنا إنه يختفي ، كل يوم...كل يوم... كان نفسي يموت نفسي يطلع من البيت ميرجعش ، نفسي اصحى ملقهوش في حياتي .

+


صمتت لحظة، ثم تمتمت بصوت مـتحشرج ، مُندفع ، مجروح :

+


- هو مش بس كسر ضلوعي ،هو كسر حاجات جوه قلبي ماحدش شايفها ،كسر إيماني في نفسي ، وفي الدنيا ،وفي الناس... دمرني و دمر روحي و صحتي ، أنا خصيمته قدام ربنا ... و الله والله والله ثلاث بالله العظيم لو مش بينه و بين الجنة إلا ذنبي مش هسامحه ، و مش هغفرله ، و هشكيه قدام ربنا يخلص حقي منه .

2



        
          

                
ظلّت "هَـنا" تُمسِك يد "ليلى" بقوة، تنصت للانهيار والدموع والوجع وكأن قلبها يُقطّع مع كل كلمة، وكل شهقة ، كانت دموعها تنزل بحرارة، لكن عينيها ظلتا ثابتتين في وجه صديقتها، لا تفرّان من وجعها ولا من صرختها الأخيرة.

+


لم تقاطعها، لم تحاول تلطيف الكلمات... كانت تعرف أن وقت التخفيف لم يحن بعد، أن "ليلى" تحتاج أولًا أن تُخرج الجحيم من صدرها.

+


حتى إذا انتهت تلك العبارات المفجوعة، ولم يبقَ سوى شهقات ثقيلة ودموع تحرق الوجنتين، تحرّكت "هَـنا" ببطء، واقتربت منها أكثر و وضعت يدها برفق على خدها المبلل بالدموع، ثم أمسكت وجهها بين كفيها، وأجبرتها على النظر في عينيها، وهي تهمس بصوت متهدّج تخنقه العبرة:

+


- بصّيلي... بصّيلي يا ليلى...

+


رمشت "ليلى" بعينين غائمتين، وكأنها لا ترى، فمرّرت "هَـنا يدها على حجابها برفق لتهمس :

+


- عارفة؟ إنتِ مش لوحدك ، إنتي عمرك ما هتكوني لوحدك تاني...

+


هزّت رأسها والدموع تفيض من عينيها:

+


- هو حرمك من حاجات كتير ، عمري ما هسيبه يكسر فيكي اللي فاضل ولا ياخد منك سنين العمر إلي جاية .

+


اقتربت أكثر، وضمتها لصدرها بقوة، حتى ارتجف جسد "ليلى" بين ذراعيها، وقالت بصوتٍ مبحوح مليء بالحسم والحنان:

+


- و آيوه يا ليلى سنين العمر بإذن الله لسه فيها كتير و لسه فيها أيام أجمل من إلي ضاعوا ، و هتشوفي عوض ربنا ليكِ في الدنيا قبل الآخرة ، ليلى أنا عاوزاكي تسمعيني كويس ، إنتي ماكنتيش تستاهلي اللي حصل ، ولا في حاجة في الدنيا ممكن تبرر تصرفاته غير إنه إنسان مريض ، مريض يا ليلى...وإنتِ أنضف وأطهر من كل سواده...

+


كانت "ليلى" تبكي بين كفيهت بعنف، وكأنها طفلة ضائعة ، فمررت "هَـنا" كفها على رأسها مرارًا، تهمس دون توقف:

+


- خلاص... خلاص يا حبيبتي... إنتي في أمان ، محدش هيقدر يلمسك تاني ، ولا حد هيكسرك ،أنا هنا وهفضل هنا ، هو خلى قلبك يصدق إنك ضعيفة بس إنتي قوية يا ليلى... قوية أوي...أنا مشوفتش حد عاش اللي عشتيه ولسه عايش ، ولسه بيحاول ، و بيحب و لسه فيه اللطف و الذوق إلي فيكي ، السنين إلي عدت خلاص معدوش محسوبين على عمرك ، إلي جاي بس هو إلي ليكِ و عشانك .

+


تنفست أنفاسًا مرتعشة ثم شدّت ذراعيها حول صديقتها:

+


- شفتي جواد دا إلي سألتي عنه ؟! أنا شفت في عنيه نار قايدة تمحي أي حد أذاكي من على وش الأرض ، أتأكدي إنه هيعمل عشانك إلي ممكن يتعمل و إلي مستحيل يتعمل حتى ، والله هياخد حقك منه ولو من حباب عنيه ، و لحد ما ييجي اليوم ده ، أنا هنا ،وهفضل هنا ، لحد ما تقدرِي تنامي وإنتِ مطمنة ، وتصحى وإنتي عارفة إنك محبوبة... وإنك غالية... وإنك مش لوحدك...

+


ثم قبّلت جبهتها بحنان، ومسحت دموعها بإبهامها ،ثم أحاطتها بذراعيها من جديد، تحتضنها كما لو كانت تحاول تضمّد كسور سنوات كاملة بصمتٍ عميق ودموع تتهادى على خديهما معًا...

+



        
          

                
───────────────── ˖.˚⋆ .

+


في الجامعة البريطانية...

+


كانت "يـارا" تسير برفقة صديقتها "سارة "داخل باحة الجامعة بعد انتهاء إحدى المحاضرات، وبانتظار بدء الأخرى، تتبادلان أطراف الحديث في مواضيع عشوائية خفيفة.

+


بينما تتجول عيناها في المكان، لمحت " يـارا " "حبيبة" تجلس وحيدة على أحد المقاعد الخشبية، منعزلة تمامًا عن الجميع، وكأنها لا تنتمي لذلك الصخب ، توقفت للحظة، ثم التفتت نحو "سارة " وهمست بهدوء:

+


- ثانية واحدة وهارجعلك...

+


أعادت خصلاتها البُندقية خلف أذنها برقة، ثم تقدّمت نحو "حبيبة" بخطوات واثقة وسط نظرات الدهشة التي ارتسمت على وجه "سارة ".

+


وقفت عندها دقيقة تبادلت فيها كلماتٍ ، ثم عادت إلى صديقتها التي عقدت ذراعيها أمام صدرها بتهكّم واضح، تساءلت بنبرة يملؤها الاستنكار:

+


- أومال مين البِت دي؟!

+


لم تعبأ " يـارا " بنبرة السخرية في صوتها، وردّت ببساطة:

+


- دي حبيبة... My partner في project الكلية.

+


أومأت "سارة " برأسها بخفة، ثم أطلقت ضحكة قصيرة ممزوجة بالاستخفاف:

+


- هو إنتِ ملقتيش غير المعقدة دي؟!

2


قطبت " يـارا " حاجبيها، تساءلت بفضول متعجّب:

+


- معقدة! وإنتِ تعرفي عنها حاجة؟

+


قهقهت "سارة " بسخرية أكبر، ثم جذبت ذراعها لتوجهها صوب "حبيبة" مرة أخرى، وأشارت إليها بعينيها:

+


- بصّي عليها كده! قاعدة لوحدها على جنب، لا حد معاها ولا حد بيكلمها... بتروح وتيجي كأنها شبح محدش شايفه ، لا صحاب ولا دوشة ولا هزار.

+


ثم أمالت رأسها قليلًا لتتأمل مجموعة شباب وفتيات يجلسون في الجهة الأخرى، تعالت ضحكاتهم وخفّات ظلّهم، وأشارت إليهم بيدها:

+


- أما عندك الـGroup ده... كلهم صحاب، بيضحكوا وبيهزروا، مش قافلين على نفسهم و عايشين سنهم، بيتكلموا مع بعض، وبيعملوا اللي هم عاوزينه.

+


سحبت نفسًا قصيرًا ثم أضافت بلهجة واثقة:

+


- حتى لو بصّيتي حواليكي، هتلاقي الكل كده... محدش معقد غيرها، وأراهنك إنهم أصلًا بيخافوا يوجّهوا ليها كلمة.

+


ثم أنهت كلامها بضحكة ساخرة، بينما ظلت " يـارا " صامتة، تضيق عينيها قليلًا وهي تدير نظراتها حولها ، بالفعل... بدا كلام "سارة " وكأنه حقيقة ظاهرة ؛الكل يختلط ببعضه بلا حواجز، بلا حدود... إلا هي... هي فقط التي تجلس في هدوء غريب أشبه بالعزلة، وكأنها منبوذة من عالمهم الصاخب.

+


في تلك اللحظة، مرّت مجموعة من الشباب بالقرب منهما، يوزعون الابتسامات ونظرات الغزل العابرة، اتسعت ابتسامة "سارة " بتسلية واضحة، بينما رمقتهم " يـارا " بضيق مستتر.

+



        
          

                
وما إن ابتعدوا حتى اقتربت "سارة " منها، وهمست بنبرة خفيفة يعلوها بعض الفخر:

+


- شفتي؟ دا اللي بقوله... إحنا اجتماعيين، فرفوشين، مش مقفولين على نفسنا زيها ، شوفي حتى... ولا حد بييجي جمبها ولا بيفكر يعبرها ، يبقى مين فينا اللي صح؟

3


رفعت " يـارا " عينيها نحوها دون تعليق، ثم عادت بنظرها إلى "حبيبة" التي ما تزال جالسة في مكانها، تقلب هاتفها دون أن ترفع رأسها، وكأنها تضع حول نفسها سورًا لا يراه أحد غيرها.

+


بين كلمات "سارة " وقناعاتها هي، وواقع متضاد يزداد ضجيجًا، شعرت " يـارا " أن الحيرة بدأت تنخر قلبها ببطء...

+


و في تلك الأثناء شحذ انتباهمم صفيرًا قريبًا لشاب وقف بجانب "سارة " وهتف بلهفة :

+


- يا جميل !

+


اتسعت ابتسامة " سارة " و تركت يد رفيقتها و اقتربت منه بسعادة و ضمت كفها لكفه و تأملته للحظات قبل أن تلتفت لـ " يـارا " و أضافت بتسلية:

+


- همشي أنا بقا مش هحضر ، إبقي ابعتيلي المحاضرة .. و إنتِ كدا كدا قاعدة صح ؟

+


- آها هخلصها و اطلع على gym .

+


اجابتها " يـارا " بعبارة مُقتضبة بينما لوحت لها "سارة " و تقدمت برفقته بعيدًا عنها عاقدين كفيّهم معًا ، بينما ملامح " يـارا " كانت واجمة - كالعادة - بدون إهتمام .

+


تنهدت بعُمق ثم ألتفت حولها حتى وقع بصرها على " حبيبة " فترددت للحظة و كانت لحظة متمردة لإنها إندفاعية في الحقيقة ولا تترك شىء للصدف أو الفضول.

+


توقفت " يـارا " مُجددًا أمام " حبيبة " ثم استأذنت بلُطف :

+


- ينفع أقعد جمبك ؟

+


رفعت " حبيبة " عيناها من الهاتف و ابتسمت بخفة و أجابت مُسرعة :

+


- طبعًا اتفضلي .

+


جلست " يـارا " برفقتها و رتبت خصلات شعرها برفق ، بينما عادت " حبيبة " للنظر لهاتفها باهتمام ، فتحدث " يـارا " بفضول :

+


- اتمنى ما أكونش عطلتك عن حاجة ؟

+


ألتفت لها " حبيبة " مُجددًا و اتسعت ابتسامتها بلُطف و أجابت ببساطة:

+


- لا لا خالص ، في الحقيقة عندي إمتحان و قاعدة بذاكرله .

1


قطبت " يـارا " حاجبيها و تسائلت بذهول :

+


- إمتحان ! امتحان إيه ؟!

+


اتسعت ابتسامة " حبيبة " بمرح و أجابت بتوضيح :

+


- لا مش في الكلية ، أنا مشاركة في دورة دينية و قاعدة بذاكر المحاضرات عشان أمتحن .

2


رفعت " يـارا " حاجبيها بخفة امتزجت بذهول حقيقي ، ثم تسائلت :

+


- هو الدين بقا ليه courses ؟!

+


أطلقت " حبيبة " ضحكة قصيرة و أردفت بتوضيح :

+



        
          

                
- و إنتِ بتقوليها محسساني إنهم بيتاجروا بالدين! مع إن الحقيقة هي مجرد دورة تعليمية بتسمعي شرح الشيخ و بتسجلي المعلومات المهمة في نظرك و بعد كل محاضرة بيبقى في إمتحان صغير يقيم فهمك ، و آخر لما تخلصي الدورة بيبقى في إمتحان نهائي و بتاخدي شهادة بكده .

+


أومأت " يـارا " برأسها بتفهُم و كما بدا الأمر منطقي الآن ، لكن مازال الفضول يجوب بأسئلته داخلها ، لتتسائل :

+


- طيب أعمل إيه بالشهادة بعد كده ؟

+


تنهدت " حبيبة " بهدوء ثم أجابتها بتوضيح :

+


- الشهادة في حد ذاتها في الدورات التعليمية الدينية مش مؤهل لحاجة معينة غير إنه إفادة بانتظامك و سماعك للمحاضرات و كمان مستوى تحصيلك في الإمتحانات ، فبيبقى زي تشجيع ، أما لو عاوزه شهادة تبقى مؤهل زي حفظ القرآن أو حفظ الأحاديث أو إجازة في علوم الفقة بتدرسي أكتر و بتعدي بامتحانات أكتر لحد ما تخدي شهادات تأهلك تعلمي العلم دا .. 

+


بللت " يـارا " ريقها بتفهُم و تسائلت مُجددًا :

+


- بس مش بتحسي إن كده وقتك بيضيع في الحاجات دي ؟!

+


ابتسمت " حبيبة " بلُطف و أجابت بتسائل آخر :

+


- هو في حاجة أحلى من كده في استغلال الوقت ؟!

+


سكنت " يـارا " لوهلة و تذكرت حديث "سارة " فقررت وضعها أمام قناعة آخرى مضادة ليكون أمامها الرأي و الرأي الآخر :

+


- يعني ببساطة مش بشوف ليكِ شلة زي باقي الطلبة هنا ولا بتخرجي مع حد ، أو ليكِ best friend ولد ... I think لو تدي نفسك فرصة تشوفي حياة أوسع ...

+


زمتّ " حبيبة " شفتيّها و ابتسمت بتهكُم خفيف و تطلعت أمامها ثم عادت و ألتفت لها و أجابت باختصار:

+


- عشان أنا إلي مش عاوزة كده .

+


- مش فاهمه بس why ؟!

+


تنهدت " حبيبة " ثم ألتفت نحوها أكثر و اجابت :

+


- لإن ببساطة العالم إلي بتقولي عليه هو أوسع هو مجرد فِتنة .

+


قطبت " يـارا " حاجبيها بعدم فهم بعدما شد انتباهها تدافع الحديث و أطرقت "حبيبة " رأسها لحظة و شابكت أصابعها، ثم رفعت عينيها وقالت بصوت رزين مليان يقين:

+


- بصي يا يـارا... مش هقدر أشرحلك المعنى ده غير لو عشتيه بنفسك، بس اللي إنتِ شايفاه حياة أوسع... أنا شايفاه امتحان كبير، مليان حاجات ممكن تفرح ظاهرًا، بس من جواها مش هتديكي رضا حقيقي ، أنا مؤمنة بحاجة واحدة ؛ إن كل خطوة في الدنيا دي مكتوبة، وإننا هنا مش عشان نعيش وخلاص... إحنا هنا عشان نعبد ربنا ونجتهد ننجو...

+


رفعت "يـارا" حاجبها بدهشة خفيفة:

+


- نجتهد ننجو؟ يعني لازم كل حاجة تبقى فيها توتر وخوف؟ مافيش أي مساحة نفرح وننبسط ونعيش شبابنا زي البني آدمين الطبيعيين؟

+



        
          

                
ابتسمت "حبيبة" ابتسامة هادية وقالت:

+


- هو مين قالك إن القرب من ربنا معناه التوتر والخوف؟ بالعكس... أكتر راحة حسّيتها في حياتي كانت وأنا سجدة، بدعيله يثبّتني... وأنا عارفة إني ممكن أفرح واضحك ،بس في حدود ما تغضبوش...

+


- بس هو كده يبقى حرام؟ يعني الناس اللي هنا حواليكي كلهم بيضحكوا وعايشين حياتهم، ماحدش منهم بيعمل حاجة غلط، يمكن بيخرجوا، بيصاحبوا ناس... إيه المشكلة لو عشنا شوية؟

+


تنهدت " حبيبة" و بللت شفتيها و أردفت :

+


- المشكلة عندي مش في الضحك ولا الصحوبية، المشكلة في الحدود ، في الخط الرفيع بين الحرام و الحلال، و التعدي على اللي ربنا أمر بيه ،أنا لو ما حطّيتش لنفسي حدود واضحة... هلاقي نفسي ماشية ورا اللي حواليّا، وده اللي مش عاوزاه.

+


قوست " يـارا " حاجبيها و أردفت بدفاع :

+


- طب وإيه يعني لو الواحد جرّب حاجات بسيطة؟ يعني لو عرفتي شباب، خرجتي مع صحاب، ضحكتي، لبستي لبس يليق بسنك... إيه المشكلة لو عيشنا الحياة اللى ربنا خلقنا فيها بدل ما نقضيها قيد وخوف؟

+


زفرت "حبيبة" بخفة وقالت:

+


- تعرفي المشكلة في إيه يا يـارا ؟! إن الشيطان مش بييجي يقولك "اعملي غلط كبير"، لأ .. بييجي خطوة خطوة... يقولك خروجة بريئة، صداقة عابرة... شوية شوية، بتبعدي عن الطاعة من غير ما تحسي...

+


- بس إحنا مش ملايكة... وربنا غفور رحيم... يعني حتى لو غلطنا، مش نهاية العالم!

+


- طبعًا مش ملايكة، وأنا نفسي بغلط... بس مش معنى كده إني أسلّم نفسي للغلط وأقول هيتغفرلي وخلاص... أنا بحب ربنا، وإني أرضيه أهم عندي من أي حد أو أي حاجة... لو خروجة ممكن تكسر حدود ربنا... خلاص ماتلزمنيش... لو صداقة ممكن تجرح ديني...يبقا بلاش منها أصلًا ...

+


صمتت لحظة ثم أضافت:

+


- وبعدين... إيه يعني "نعيش سننا "؟ هو مين طلع المصطلح دا وفرضه علينا ؟! هو السن ليه شكل واحد؟ مين قال إن لازم نكون كلنا بنعمل نفس اللي حوالينا بيعملوه عشان نبقى طبيعيين؟

+


سكتت " يـارا " لحظة، ثم قالت بنبرة أكثر تحديًا:

+


- بس أنا شايفة إنك بتظلمي نفسك... بتحرميها من كل حاجة حلوة... ودي مش عيشة...

+


- أقولك حاجة؟ أنا شايفة العكس ! شايفة اللي بيجري ورا الدنيا ويبعد عن ربنا هو اللي بيظلم نفسه... لأن كل حاجة هنا هتخلص... وكل فرحة هتزول... بس ربنا... لو قربتِ منه... عمرك ما هتندمي...

+


تأملتها "يـارا " لحظة وهي تحاول امساك خيوط الفكرة ثم قالت بنبرة ممتعضة:

+


- طيب... لو كل الناس ماشية في اتجاه، إنتِ لوحدك عكسهم... مش بتخافي؟

+


أغمضت "حبيبة "عينيها لحظة ثم فتحتهما وقالت بصوت منخفض لكنه ثابت:

+


- آه بخاف... بس مش بخاف منهم... بخاف من لحظة أقابل فيها ربنا وأكون اتنازلت عن حاجة عارفة إنها حق ، بخاف من إني أضحك هنا شوية وبعدين أبكي هناك كتير ، تخيلي إن كلمة " أكثر " لما أتذكرت في القرآن ارتبطت بالغلط .. ﴿ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ ، ﴿ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ ، ﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ ، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ ... و غيره كتير ، فالكترة مش دليل على إن الفعل صح نهائي !

+



        
          

                
أومأت " يـارا " بتفهُم لتلك النقطة لكن مازال الهوى يعصف بدواخلها لتتسائل بشك :

+


- بس مش حاسة كده إنك بتخلي حياتك كلها حوالين الحلال والحرام... طيب فين الحرية؟ فين التجارب؟ فين تبقي إنسانة بتعرف الدنيا وتختار بنفسها؟

+


ابتسمت "حبيبة" بخفة و أومأ برأسها بنفي وقالت بهدوء:

+


- الحرية الحقيقية لما تبقي عبد لله مش عبد لهواكي... أنا حرة لأني عارفة حدودي ،مش ماشية ورا كل حاجة نفسي فيها... مش بسيب الناس يحددوا قيمتي... فهماني ؟! مش بسيب حد يحدد قيمتي !

1


اتسعت عينا "يـارا" بتعجب و تسائلت بترقُب :

+


- يبقا إنتِ شايفة إن كلهم غلط وكلهم ضايعين؟

+


- لا يا يـارا... مش دوري أحكم عليهم... بس دوري أختار أنا طريقي ، وأقول الحق حتى لو مش عاجب حد ، لو قلتلك "لأ" مش عشان شايفة نفسي أحسن... عشان خايفة على قلبي من فتنة كبيرة ، وخايفة من لحظة أقف فيها قدام ربنا و يسألني"ليه خفتِ من الناس أكتر مني؟" و هو نزل آيات بتُرتل لقيام الساعة ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ... لو مؤمنة بربنا حق هخاف على شكلي قدامه أكتر من الناس .

+


وحين قالت عبارتها الأخيرة، بدا في عينيها يقين صافي... يقين أقلق قلب " يـارا " أكثر مما توقعت...

3


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


انتصف نهار ذلك اليوم ، و تمددت خيوط الشمس بوقارٍ مُهيب، حتى بدت الأرض كلها غارقة في سطوة النهار، لا ظل يجرؤ أن يتخفّى.

+


حينها دلف " ريان " غرفة " آسر " في روتينه اليومي للمرور على مرضاه ليجد أن " جواد " و " وائل " من تبقوا في رفقته ، تقدم منه بهدوء رغم علامات الإجهاد التي برزت على ملامحه بصورة واضحة ، ليقف بالقرب منه متسائلًا :

+


- بقيت عامل إيه دلوقتي ؟

+


تأمل " آسر " ملامحه المُرهقة و أجاب :

+


- بخير الحمد لله ، بس إنت مالك ؟

+


لم يُجبه " ريان " فورًا بل ألقى بنظرة سريعًا على نسبة المحلول المُعلق ثم ألتفت له و تسائل باهتمام:

+


- حاسس بوجع معين ؟

+


أومأ " آسر " برفض و أجاب ببساطة:

+


- لا عادي ، أحسن النهاردة الحمد لله.

+


- طيب الحمد لله ، ممكن خلال يومين يطلع تصريح الخروج .

+


ابتلع " آسر " ريقه و أمسك معصم " ريان " يمنعه من المغامرة متسائلًا باهتمام :

+


- ريان مالك في حاجة حصلت ؟

+


توقفت خطوات " ريان " و تنهد لوهلة ثم أجاب :

+


- مفيش ضغط شغل بس ...

+


شد " آسر " من قبضته على معصم رفيقه و تابع :

+



        
          

                
- لو إنت قاعد عشان تتابع حالتي فأنا كويس و تقدر تروح البيت تريح متتعبش نفسك عشاني .

+


أومأ " ريان " برأسه بوهن ثم أردف بهدوء :

+


- لا متقلقش عليا ، هو فعلًا ضغط شغل النهاردة هخلص و أعدي عليك و أروح .

+


- لا متعديش عليا أنا كويس ، المهم إنت خلص شغلك و روح ما تشلش همي .

+


مسح " ريان " بكفه على وجهه و أردف بتصبُر :

+


- ماشي الله المستعان ، لو احتاجت حاجة قـ ...

+


- ريان ! أنا بخير و الشباب معايا و الممرضين بيعدوا عليا ، خلينا فيك دلوقتي و روح أرتاح ، هزعل منك لو عديت عليا !

+


ابتسم " ريان " بخفة ثم مسد على كتفه برفق و نبس :

+


- ألف سلامة عليك يا صاحبي ، يارب تقوم بالسلامة قُريب .

+


بادله " آسر " الابتسامة و مسد على كفه ثم استأذن " ريان " و غادر الغُرفة ، ليتحدث " وائل " برتابة :

+


- محترم صاحبك دا ! بتجيبوا الناس الكويسة دي منين ؟

3


أطلق " آسر " ضحكة قصيرة و أردف :

+


- دا من عند ربنا يا وائل، النعمة دي متتجابش ،دي بتيجي رزق ،و ريان من الناس اللي لما تعرفهم تحس الدنيا لسه بخير ولما يقف جنبك تحس إنك مش لوحدك وهو أكتر واحد شفته بيسندني من غير ما أطلب.

+


أومأ "وائل" بتفهّم وهو يزفر نفسًا بطيئًا، ثم رفع بصره للسقف قبل أن يهمس بنبرة هادئة:

+


- عندك حق... قليل أوي اللي زيه الراجل دا وشه فيه طيبة مش عادية . 

+


أجاب "آسر" بابتسامة خافتة، تحاول مداراة التعب في عينيه:

+


- يارب ما تحرمني منه، ولا تحرم حد من سند زيه.

+


صمت قليلًا قبل أن يستدرك بنبرة صافية:

+


- عارفين ؟! في حاجات كتير الواحد بيكتشفها وهو في المستشفى ، إن مهما الدنيا خدتنا، في لحظة التعب بنفتكر مين اللي هيفضل جمبنا ومين اللي هيمشي ، و أنا كانت عزوتي فيكم .

+


اتسعت ابتسامة ثلاثتهم ، ليُجيب " جواد" :

+


- إنت شكلك مش عارف مكانتك عندنا قد إيه ! إحنا مش بس ولاد عم يا راجل إحنا إخوات، وحق الأخ على أخوه عليه يبقى جمبه في كل وقت، في الفرح وفي الشدة.

+


هزّ "آسر" رأسه بخفة، وقد لانت ملامحه بامتنان صادق، ثم قال وهو يتطلع إليهما:

+


- عارف والله يمكن أنا قليل الكلام، و إحنا ولا مرة عبرنا لبعض عن دا ، بس والله طول عمري حاسس إن ربنا رزقني بأخين ماخلفتهمش أمي... إنتم ضهري وسندي بعد ربنا.

+


غمغم "وائل" بتأثر و أردف بتسلية :

+


- إيه الحاجات إلي تخلي الواحد يدمع دي ! ما كنا حلوين و كل واحد كاتم مشاعره جواه .

+



        
          

                
قهقه "آسر" ضحكة قصيرة خرجت رغم تعبه، و تداخلت معها ضحكات " جواد " و انضم لهم " وائل " أخيرًا ، في لوحة يمكن أن تُحتغظ للزمن الطويل تتعلق على جدران القلوب ، و أن تكون درعًا أمام مؤامرات الكره و الفراق ، أن تكون دليلًا صادقة على وحدة قلوبهم مهما اجتهدت النوايا الخبيثة في بث سمومها بين روابطهم .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كانت الساعة تجاوزت الخامسة مساءً حين دخل الرائد "خالد العمري" مبنى المديرية بخطوات سريعة وملامح متحفّزة ،صعد الدرج العريض الذي قاد إلى الطابق العلوي حيث مكتب مدير الأمن ،و لوحة ذهبية نُقش عليها ؛

+


" اللواء إبراهيم العمري - مدير أمن محافظة القاهرة الكبرى" 

+


فتردّد لحظة أمام الباب، ثم رفع يده يطرق طرقًا مهذبًا ، فجاءه بعدها صوتٌ جهوريٌ هادئ:

+


- اتفضل.

+


فتح الباب بخطوة ثابتة، وقف في وضع الانتباه، وأدى التحية العسكرية بكل التزام:

+


- مساء الخير يا فندم.

+


كان اللواء " إبراهيم " رجل خمسيني مهيب ، جالسًا خلف مكتبه العريض، مرتديًا بدلته الرسمية الكحلية المزينة بشارات الشرطة والنسر الذهبي اللامع على كتفيه، بينما اصطفت صفوف النياشين الملونة فوق صدره، تلمع تحت ضوء المكتب ، الطاقية الرسمية موضوعة على الرف القريب، وبدا بنظرة هادئة تحمل ثقل سنوات من الخدمة والانضباط. 

+


رفع عينيه عن الورق، و ارتسمت على ملامحه ابتسامة هادئة وقال بلهجة تجمع بين الجدية والمودة:

+


- أهلًا يا خالد ، اتفضل يا ابني .

+


لم يتحرك "خالد" عن وضعيته و ابتسم بخفة ، ليتحدث " إبراهيم " بنبرة حازمة خفّفها التودد:

+


- أكيد مش بقالك كتير مشوفتش خالك هتفضل واقف عندك !

+


أقترب منه " خالد " و بادله العناق بمودة ، ثم أشار له " إبراهيم " بالجلوس ، ليُعدل الأول من مظهره و قال باتزان : 

+


- بس خليني من الأول أقولك إني جاي النهاردة مش كزيارة عائلية... جاي في موضوع شغل مهم جدًا.

+


- عارف... أول ما بلغوني إنك جاي، فهمت إن وراك حاجة مش بسيطة... قولي خير؟

+


فتح "خالد" الملف الضخم بانضباط، ثم دفعه أمام خاله بخطوات محسوبة:

+


- الموضوع يا خال كبير... وعشان كده جيتلك بنفسي.

+


- قولي.

+


تنفّس "خالد" بعمق، وقد بدت على ملامحه الصلابة الممتزجة بشيء من الإرهاق:

+


- إحنا بقانا شهور بنرصد شبكة تجارة غير مشروعة مرتبطة بـ "عز "... تجارة سلاح وبضاعة مهربة وغسيل أموال... وللأسف محاولة اغتيال آسر الرفاعي حصلت بالفعل، اللي نفّذها واحد من رجال عز، والنية كانت إنهاءه مش بس تهديده.

+



        
          

                
ضيّق مدير الأمن عينيه في انتباه ثقيل:

+


- أنت متأكد إنها تصفية مش مجرد رسالة؟

+


- متأكد بنسبة تسعين في المية... قدرنا نقبض على شاهد وعندنا تحريات موثقة، والتسجيلات كلها في الملف ده ،بس للأسف الشاهد مدناش أكتر من المعلومات دي و ميعرفش غيرها .

+


أومأ " إبراهيم " رأسه ببطء و شبك بين أصابعه و تسائل :

+


- والنيابة عارفة؟

+


- آه... عندنا إذن رسمي بمراقبة الاتصالات، وموافقة النيابة على استمرار التحريات... بس مستوى الخطورة زاد جدًا، وده اللي خلاني شايف إننا لازم نبدأ تأمين وقائي للعيلة.

+


سكن " إبراهيم " و أعاد ظهره للوراء في انصات ، و بالفعل تابع " خالد " بمهنية مُتقنه :

+


- حراسة مسلحة للأفراد في العيلة، كاميرات مراقبة إضافية، دوريات ثابتة وسرية حوالين مساكنهم، وبالأخص آسر ...

+


تنهد " إبراهيم " و هتف بتروٍّ شديد يحمل مقصدًا : 

+


- وده إجراء قانوني على أساس أي بند ؟

+


لم يتردد " خالد " في إجابته أو أثباته و أستطرد :

+


- المادتين ١ و٢ من قانون الإجراءات الجنائية يجيزوا حماية الشهود والمبلغين في حال التهديد، والقضية دي وقعها خطر وممكن تُصنف "إجرام منظم".

+


ساد الصمت برهة، و ابتسم " إبراهيم " برضا ثم جذب الملفّ، وقلّب عدة صفحات بعناية، حتى ارتسمت في عينيه جدية كاملة:

+


- طيب... والقبض على عز؟

+


- أول ما النيابة تطلع إذن الضبط، لإننا شاغلين على معرفة المواقع إلي بيتواجد فيها و هما قريبين من توقيع صفقة كبيرة فدا فرصتنا ، و في خطة جاهزة مع القوة الخاصة هتنُفذ أول ما تبقى معانا كل البيانات .

+


- كويس...

+


رفع " إبراهيم" رأسه ونظر في عينيه نظرة صافية، لكن فيها ظل قلق أبوي:

+


- خلي بالك من نفسك يا خالد... مش هتحمل أسمع خبر وحش عنك.

+


حاول "خالد" أن يخفف وقع الجملة بابتسامة شاحبة:

+


- عارف يا خال... ربنا المستعان.

+


ثم عقد بين أصابعه و مال على المكتب و أستطرد أوامره بنبرة منظمة، صافية لا تحتمل التأويل:

+


- طيب اسمع... أولًا تبدأ إجراءات التأمين بهدوء وتدريج... مفيش حاجة تلفت نظر العصابة، ثانيًا تعمل تقرير يومي مفصّل وتبعتلي نسخة شخصية ، و لو في أي تحرك غريب، تكلمني في ساعتها... مش تستنى ! و أهم حاجة تكلم النيابة والمحافظة رسميًا إن مستوى التهديد ارتفع، عشان الإجراءات كلها تبقى قانونية ومتغطية.

+


- تمام... كله هيتم بالحرف.

+


- وربنا يوفقك يا بني و خلي بالك من نفسك .

+



        
          

                
في تلك الأثناء قطع التواصل طرقات منتظمة على الباب ظهر بعدها عسكري أدى التحية العسكرية و تحدث :

+


- آنسه مريم بتطلب تشوف حضرتك يا باشا .

+


اتسعت ابتسامة " إبراهيم " و أومأ برأسه بخفة و أجاب :

+


- دخلها دخلها ...

+


و ما هي إلا لحظات و تقدمت " مريم " داخل مكتبه بخطوات مُنتظمة ثابتة و نظرات حادة كعادتها ، حتى توقفت في منتصف المكتب الواسع و ألقت السلام ، ليبتسم بدوره " ابراهيم" و يرد السلام ثم عاد بظهره للخلف و أردف بتسلية موجهًا حديثه لخالد :

+


- شُفت إنت الدخول العسكري دا ! بنتي بنتي مفيش كلام .

1


ابتسمت " مريم " بخفة و لم تُعقب ، لتسمع والدها يقول :

+


- مش هتسلمي على خالد ولا إيه ؟

+


ألتفت " مريم " نحوه بهدوء و جاهدت في رسم ابتسامه هادئة ليبتسم " خالد " بمرح ثم نبس :

+


- شكلها مكسوفة تسلم ، هقوم أنا أسلم.

+


ثم انتصب من مكانه و أقترب منها و ضمها له برفق لتُبادله " مريم " العناق بيد واحده نابسه بخفوت :

7


- عامل إيه يا خالد ؟!

+


أبعدها " خالد " عنه و رمقها بشك و ابتسامة عريضة و هتف:

+


- بقالك أربع شهور مشفتيش أخوكي و تقوليله عامل إيه حاف كده ؟!

2


تهربت " مريم " من لقاء عيناه و ابتسمت بخجل و أردفت :

+


- ما أنت عارف مش بعرف أذوق كلامي .

+


انكمشت ملامحه و أردف بسخرية :

+


- عارف يا ستي عارف .. ربنا يُفك عقدة لسانك .

+


ابتسم " مريم " بخفة و لم تُجبه لتسمع والدها يقول بحنان :

+


- خير يا بابا في حاجة ؟!

2


أومأت " مريم" برفض و أجابت باختصار:

+


- كنت جاية أشوفك و قلت نروح سوا .

+


زمّ " إبراهيم " شفتيه و طرق على المكتب بخفة و أردف :

+


- أنا عندي شغل كتير النهاردة فهتأخر ، روحي إنتِ بلاش أذنبك معايا !

+


أومأت " مريم " برأسها بتفهُم و كتمت بداخلها حزن أليم ، فليس من طبعها الرجاء حتى و إن كاد قلبها يذوب شوقًا لأمرٍ ما ، فاكتفت بابتسامة مـتفهمة و نبست :

+


- تمام يا بابا على راحتك ، هروح أنا بقا .

+


- طيب ما أنا مروح برضو ، إيه رأيك أخدك في طريقي ؟!

+


لكنه لم يُعطها فرصة للتفكير بالرفض أو القبول إذا تحدث في الثانية التي تليها :

+


- يلا هخدك في طريقي ، عاوز حاجة مني يا خال ؟!

+


- ربنا يسهلكم.

+


فـ أنهى " خالد " تواجده و أمسك " مريم" من كفها و جرها خلفه حتى خرج من المبنى و توقف بها أمام سيارته ، ليصعد هو في مكانه و تفعل هي بالمثل بجانبه .

+



        
          

                
انطلقت السيارة و كان " خالد " ينقل بصره بين الطريق و بين جسد " مريم " الساكن بريبة لم يعهدها عليها ، ليبتسم بخفوت و قال ساخرًا :

+


- مش متعود على السكوت ، الراديو إلي جواكي خلص حجاير ولا إيه ؟!

1


ألتفت له " مريم " و ملامح الاستنكار ارتسمت على وجهها لكنها لم تُجبه ، فاتسعت ابتسامة " خالد " أكثر و أردف بتسلية :

+


- أنا أعرف إن الناس الطبيعة لما تغيب ، بنرجع نشوفهم مغيرين حاجة في حياتهم ، أنا مش شايف دبل خالص !

+


أطلقت " مريم" ضحكة ساخرة و أجابت :

+


- علشان عندي تعليمات ثابتة مهما حصل!

+


- هندخل على شغل الظباط دا و نبوظ شغل بعض مينفعش .

+


فتبادلا الإثنان الابتسامات ، بينما " خالد " كان يوزع بصره بينها و بين الطريق حينما قال :

+


- لا بس هنفرح بيكِ إمتى ؟

+


- ما تفرح بيا يا خالد لازم مناسبة يعني ! ولا أنا مش عجباك ؟!

+


اتسعت ابتسامته بخفوت و سكن لوهلة ثم أجاب بقلة حيلة :

+


- مبتتغيريش ابدًا ، لسانك زي المدب .

+


ابتلعت " مريم " ريقها و أجابت ببساطة:

+


- عشان كده بالظبط مش عاوزة أتجوز ، محدش هيتحمل طباعي .

+


ألتفت لها " خالد " يطُالع حالها و الخيّبة التي اعتلت ملامحها ، فبهتت ابتسامته و نبس باندفاع :

+


- ليه محدش هيستحمل ؟ هتصبحيه و تمسيه بعلقة ولا إيه !

+


لم تنبس " مريم " بشىء فطالع " خالد " الطريق الممهد أمامه ثم ابتسم بسخرية و قال :

+


- يعني و إحنا كنا صغيرين كنت بتصبح و بتمسى بعلقة بس مفيش مشاكل .

2


حاولت " مريم" كتم ضحكاتها لكنها انفجرت ضاحكة لينضم لها ضاحكًا قائلًا :

+


- فاكرة ؟ مفيش يوم يعدي من غير علقة! تقريبًا كان تمارين الصباح عندك ..

+


أجابت " مريم" من بين ضحكاتها :

+


- إنت كنت عيل مُستفز يا خالد 

+


اتسعت عينايّ " خالد " و ألتفت لها بدهشة ثم عاد بصره للأمام و هتف باستنكار :

+


- أنا يا عيلة يا قادرة !! كنت كل يوم أروح لأمي معيط و اشتكيلها تقولي معلش أختك و بتحب تلعب معاك ، فكرهت الحب و سنينه يا شيخة .

+


وضعت " مريم " كفاها على فمها تكتم ضحكاتها بصعوبة بينما اتسعت ابتسامته إثر ضحكاتها ، ليُتابع :

+


- طيب فاكرة البت إلي كانت معانا في المدرسة و رحتي جبتيها من شعرها عشان شوفتينا واقفين سوا ؟

1


وجمت ملامح " مريم " و ألتفت له بتهكُم :

+


- أحسن تستاهل ، محدش قالها تقرب من إلي يخصني !

+



        
          

                
- خسارة البت كان شعرها سايح ، نتفتيه على الأرض يا قادرة .

+


رفعت " مريم " ذقنها باستعلاء و أردفت بسخرية :

+


- هي إلي جبته لنفسها ، تستاهل .

+


فأطلق " خالد " ضحكة مرتفعة حينما لمح ملامحها الواجمة و كأن الموقف لم يمُر عليه سوى دقائق ليس سنوات .

+


هدأت ضحكاته و خفف السرعة و مال عليها قائلًا :

+


- كله كوم و لما كنت أروح لأمي معيط بعد ما تديني العلقة التمام و متبقاش عارفه تعملي إيه ، فقولها من بين كل بنات العيلة الهاديين مرضعتيش إلا دي !! كانت تقولي أصلها كانت بتعيط كتير و بتصعب عليا ،فقلتلها و إبنك ؟ مش صعبان عليكِ كل يوم جاي متورم ؟!

+


نبس بعبارته و تنهد بقلة حيلة لتتأمل " مريم" ملامحه لوهلة قبل أن تنفجر مُجددًا في موجة ضحك عالية ، اتسعت ابتسامته على إثرها ، يتأمل ملامحها الضاحكة و يسعد برسم الابتسامة على وجهها .

+


و حين هدأت ضحكاتها شد على المقود و عاد لنبرته الرخيمة و قال بهدوء :

+


- بس بعيدًا عن الهزار ، مفيش حاجة إسمها طباعي صعبة محدش هيتحملها ، الحب إلي بيجي بعد الجواز بيغير .

+


سكن لوهلة شحذ انتباهها و تابع بنفس الجدية :

+


- عندك أنا مثلًا قبل ما اتجوز ، كان شغلي كله ميري في ميري و فعلًا شايف طباعي تُخنق ، بس لما اتجوزت ملقتش إني بعامل مراتي بنفس الأسلوب و كأن في جانب جوايا مكنتش أعرف أنه موجود ، بس أتاريه جوايا عشانها و عشان عيالنا .

7


سكن مرة أخرى ليأخذ مُنعطف ، ثم أردف :

+


- يعني أكون مخنوق في الشغل و ضايق بيا و أروح البيت ألقاها عملالي فتة لحمة ، بالله عليكِ دي اتعصب عليها إزاي ؟! 

+


ابتسمت " مريم " على عبارته الأخيرة ثم تردد لعدة لحظات لكنها افصحت في النهاية :

+


- بصراحة أنا معنديش ثقة في الرجالة قد كده .

+


ترددت ابتسامة خافتة على وجه "خالد"، وحرّك رأسه بخفة كأنه يفهم ما بين السطور، ثم مال قليلًا للأمام وهو ما زال يقود وقال بنبرة جادة فيها حنية:

+


- عارفة يا مريم... أنا مش هقولك عندك حق، ومش هقولك غلطانة... بس هقولك حاجة واحدة بس، الثقة مش حاجة بتتوزع ببلاش... الثقة بتتبني واحدة واحدة.

+


سكنت نظراتها عليه، تلمح صدقه، فأكمل هو وهو يطالع الطريق:

+


- بس لو فضلتِ خايفة ومقفلة قلبك كده ،عمرك ما هتدي فرصة لحد يثبتلك إنه يستحقها...

+


أخفضت "مريم" بصرها نحو يديها المتشابكتين في حجرها، فأضاف بنبرة أخف شوية:

+


- وبعدين يا ستي، انتي لسانك ده لوحده يربي أي حد... هتخافي من إيه يعني؟

+



        
          

                
رفعت نظرها له سريعًا وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة، لكنها لم تعلق، فقط تنهدت.

+


- فاهمة قصدك يا خالد... بس مش دايمًا بيبقى في طاقة نجرب تاني.

+


أومأ بخفة، وصوته هدأ أكتر وهو يقول:

+


- والله يا بنتي، لو كل واحد خسر حاجة قفل على نفسه كده... كان زمانا كلنا عايشين لوحدنا... اللي راح ما بيرجعش، بس اللي جاي ممكن يبقى أحسن لو سمحنا له يدخل.

+


سكتت "مريم" لثواني طويلة، كأنها تهضم كلامه، ثم همست بنبرة خافتة مترددة:

+


- طيب وإنت؟ لو شايف إن محدش يستحق تديله فرصة مش كنت هتبقى مبسوط؟

+


ابتسم بخفوت، وصوته خرج واثق وحنون:

+


- لأ... عمري ما كنت هبقى مبسوط... عشان كده بقولك، مهما كانت الحياة صعبة، جربي تسيبي باب بسيط مفتوح... يمكن ربنا يرزقك بحد يستاهل يدخل.

+


رمقته بنظرة طويلة، وكأنها تبحث في عينيه عن يقين يغريها بالتصديق، ثم قالت بخفوت:

+


- يمكن... بس مش دلوقتي يا خالد... يمكن في يوم.

+


هز رأسه بإقرار، ولم يضغط أكثر، فقط همس:

+


- يوم ما تكوني جاهزة... ابقي قوليلي أفرشلك السجادة الحمرا وأزغرط.

+


ضحكت بخفة وهي تهز رأسها:

+


- يا راجل عيب عليك تبقى ظابط ملو هدومك و تزغرط !

+


- هو حد واخد منها حاجة ؟

+


- لأ

+


- يبقى كبري دماغك .

+


ثم انطلقت ضحكة هادئة بينهما خففت وطأة الكلام، و استمرت السيارة في طريقها تحت ضوء الغروب الهادئ.

1


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كانت "ميار" تتحرّك بخطوات هادئة في غرفتها ، تضع الكتب والكراسات بعناية على الطاولة المستطيلة التي خصّصتها مكتبًا ، ورتّبت الأقلام والمساطر والدفاتر، ثم عدّلت الستارة قليلًا حتى يتسرّب الضوء برفق إلى الداخل.

+


تنهّدت بخفة، وشعور بالرضا يسري في صدرها حين تأمّلت ترتيب الغرفة، قبل أن تُلقي نظرة أخيرة على دفتر تحضيرها وتتأكد من جميع الملاحظات.

+


ولم تمرّ دقائق قليلة حتى دوّى صوت الجرس في الأرجاء ، اعتدلت في وقفتها، و عدلت من حجابها على عباءة الصلاة وهمّت بالخروج لاستقبال الطفلة، لكن خطوات "ريم "سبقتها نحو الباب.

+


وحين فُتح الباب، بدا في العتبة مشهدٌ يوحي بالكثير؛ سيّدة في منتصف الخمسينيات، أناقتها تشي بذوقٍ رفيع، وإلى جوارها، وقفت " مليكة " متأنقة بـ بلوزةً بيضاء واسعة الأكمام تنتهي بأساور مطوية تفيض نعومةً، وتنّورة قصيرة سوداء ذات أزرار معدنية جانبية تُضفي لمسة كلاسيكية على طلتها الراقية.

1



        
          

                
أما شعرها، فقد انسدل بخصلات ناعمة بُندقية، يحيط بوجهها المستدير في انسياب جميل، مع غرة أمامية تنحرف برفق على الجبين، فتزيدها براءةً وجاذبية.

+


بادرت "ريم" بترحيب ودود وهي تفسح لهما الطريق:

+


- اتفضلي يا طنط ... نورتينا.

+


- ء . Merci يا بنتي، ده نوركم...

+


وفي اللحظة التالية، خرجت "ميار " من الداخل بخطوات رزينة، يسبقها ابتسامتها الدافئة، ومدّت يدها في ترحيب:

+


- أهلًا وسهلًا... اتشرفت بحضرتك.

+


أجابت "علياء " بابتسامة مطمئنة:

+


- إزيك يا بنتي... أنا جدّة مليكة.

+


- منوّرة يا طنط... يا ألف أهلاً وسهلاً بيكي وبمليكة الجميلة.

+


- ربنا يخليكي يا حبيبتي.

+


انحنت "ميار " قليلًا لتبتسم لمليكة بخفة و تفتح لها ذراعيّها بلهفة :

+


- مليكة ! وحشاني أوي .

+


قفزت " مليكة " بين ذراعيها و هتفت بصوت خجول:

+


- و إنتِ كمان يا مس .

+


ضمتها " ميار " لعدة ثواني بمحبة ثم اخرجتها و انتصبت قائلة :

+


- اتفضلي يا طنط ارتاحي .

+


وأشارت ناحية الصالون في الجانب الأيمن للصالة و جلست" علياء بأناقة، ثم اقتربت " ريم " و تسائلت بابتسامة ودودة:

+


- تحبّي تشربي حاجة سخنة ولا ساقعة؟

1


- والله يا بنتي أي حاجة... براحتك خالص.

+


- طيب هنعملك شاي خفيف.

+


سكنت " ميار " لحظة تنظر لمليكة، ثم قالت برفق:

+


- لو تحبي يا مليكة، نبدأ دلوقتي عشان نلحق نخلّص على هادي.

+


أومأت " مليكة " برأسها بهدوء و ابتسامة بريئة تُزين وجهها أظهرت سعادتها ، لتُمسد " علياء " على خصلاتها و تقول برفق :

+


- مبسوطة أوي إنها جاية هنا ، شكرًا إنك سبتي أثر حلو جواها .

+


ابتسمت " ميار " بخجل و أجابت بتهذُب و رُقي :

+


- دا واجبي يا طنط ، لازم أكون حد حنين عليهم قبل ما أكون بديهم مادة علمية.

+


- معاكِ حق .

+


أومأت " ميار " برأسها بخفة ثم استأذنت بابتسامة:

+


- طيب عن إذنك، هاخد مليكة المكتب عندي في الأوضة 

+


- أه طبعًا يا حبيبيتي خدي راحتك يا بنتي... ربنا يبارك لك.

+


أمسكت بيد " مليكة" بخفّة، وقادتها إلى غرفتها ، كانت غرفة مرتبة بألوان هادئة وطاولة دراسة كبيرة، تُطل على شرفة صغيرة يراقص ضوء الغروب ستائرها البيضاء.

+



        
          

                
جلست "مليكة" بهدوء على الكرسي، ووضعت "ميار" دفترًا أمامها، ثم بدأت تشرح الدرس بصوتٍ هادئ واضح، بينما أبقت الباب مواربًا.

+


وفي تلك الأثناء، عادت "ريم" من المطبخ وهي تحمل صينية أنيقة عليها الشاي وبعض الحلوى، وقدّمته بابتسامة رقيقة:

+


- اتفضلي يا طنط... دي حاجة بسيطة.

+


- تسلمي يا بنتي... ربنا يعزّك.

+


- اعتبري البيت بيتك.

+


- الله يكرمك يا حبيبتي... ده ذوق منكم.

+


جلست " علياء" تتناول رشفة شاي بين الحين والآخر، تنشغل بهاتفها في مكالمات قصيرة ورسائل متتالية، بينما الأجواء سكنت بهدوء مريح.

+


مرّت الساعة في تأنٍ، لا يعكر صفوها سوى صوت "ميار" تشرح لمليكة بإخلاص، وصوت ضحكات خافتة حين كانت "مليكة " تهمس بشيء مضحك.

+


وحين انتهى الوقت المحدد، خرجت "ميار " برفقتها إلى الصالة، وفي عينيها ابتسامة رضا وتقدير للوقت الذي قضته في تعليمها.

+


توقفت " ميار " أمام " علياء " عاقدة كفها في كف " مليكة " لتنتبه لهم " علياء " فابتسمت و هتفت :

+


- خلصتوا ؟!

+


أومأت " مليكة " بحماس و ركضت لجدتها تحتضنها وسط ابتسامات " ميار " بمحبة ، لتسمع " علياء " تتسائل :

+


- اتمنى كانت حصة حلوة و مليكة متعبتكيش ؟!

+


- لا لا خالص ، مليكة شطورة اللهم بارك و دماغها نضيفة و بتفهم بسرعة .

+


ألتفت " علياء " لحفيدتها و مسدت خصلات شعرها برفق ، لتنبس " ميار " بتأثر :

+


- مش عاوزه أقول لحضرتك إن مليكة شبهتني بمامتها كذا مرة و حقيقي ليا الشرف أكون شبه مامتها و بفكرها بيها بحاجة كويسة .

+


ابتسمت " علياء " بآسى و أومأت برأسها بهدوء و أردفت :

+


- دا حقيقي فيكِ قبول ، و باين عليكِ طيبة زي بنتي عشان كده شيفاكي زيها .

+


ابتسمت " ميار " بخجل و شبكت بين أصابعها ، لتفتح " علياء " هاتفها و عبثت به لثواني ثم رفعته لها و هتفت :

+


- دي بنتي ، مامت مليكة .

+


اقتربت "ميار" خطوة، وتناولت الهاتف من يدها بفضول متسارع ،وما إن وقعت عيناها على الشاشة حتى شحبت ملامحها بصدمة أذهلتها، رفعت نظرها نحو "علياء" وقد اتسعت عيناها دهشة، وهتفت بصوت مختنق:

+


- بنت حضرتك... جيهان الرفاعي؟!

+


أومأت "علياء" برأسها تؤكد، بينما تجمّعت العَبَرات في مُقلتيها، ثم أجابت بصوت متهدّج:

+


- أيوه... وهي السبب لمعرفة آسر إبني بيكِ !

1


و هي تتلقى صدمة جديدة ، لكن "ميار" لم تتحرك، ظلت تحدّق في الصورة كأن عقلها يرفض استيعاب ما ترى، ثم أشارت بيد مرتعشة إلى السيدة الواقفة بجوار "جيهان" في الصورة، وقالت بذهول أكبر:

+


- ودي... دي مين؟!

+


سكنت "علياء" للحظة، وأخفضت عينيها في تردّد ثقيل قبل أن تتمتم بنبرة خافتة تكاد تختنق:

+


- دي... نورين.

+


رفعت عينيها إلى "ميار" ثم حولتهما ببطء إلى "مليكة" التي كانت تتابع المشهد في صمتٍ حائر، وتابعت بصوتٍ أثقلته الحسرة:

+


- عمـة مـليـكة.

9


ٰ

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


_ فصل مضطرب في أبعاده يهمني أعرف رأيكم في الأحداث ؟ و توقعكم للي جاي ؟! اصدموني ...

1


_هنتظر آرائكم هنا أو على جروب الفيس بوك ستجدون الرابط في وصف حسابي على واتباد، هكون متواجده هناك و أتفاعل معكم و مع آرائكم .

+


الفصل القادم يوم الخميس إن شاء الله بدون مقاطعة .

+


شكرًا لحُسن قرائتكم ... لا تنسوني من دعائكم و السلام على قلوبكم .. 

+


|| سُهى الشريف ||

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close