رواية مجهول انبت عشقا الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم سلمي خالد
مجهول أنبتَ عشقًا
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل الرابع والعشرون
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
(نهاية الأفعى)
تجمدت الدماء بعروقهما، لا تعلم ماذا تفعل؟، شُل عقلها تمامًا كيف ستنقذ ذاتها منه.
تختلف النظرات بين ثلاثتهم واحد خوف وأخرى قلق والأخيرة مكر وجنون، ابتسم سليم في جنون، يردف بنبرة تفوح منه رائحة الشر:
_ وفيت بوعدي ليكِ وجيت ومش هسيبك!
هدر يوسف في عصيبة، يتطلع لهذا المسدس المصوب بتجاهها:
_ انت أصلا** ومش هسيبك يا سليم صدقني مش هسيبك!
ضحك بصوتٍ عالي، يمسك بذراع سدرا يلفه خلف ظهرها قائلًا لي مكر:
_ اقتلني يا وحش بس برضو سدرا مش هتبقى ليكِ.. عارف ليه؟
ازدرد يوسف حلقه، يتطلع لحدقتيه المملؤتان بالشر، بينما شعرت سدرا بأنها في عالم أخر ما تفوه بأخر جملة:
_ لأن المنظمة كلها عرفت إن سدرا هي الوحيدة اللي معاها سر البرنامج وطبعًا لما بلغتهم كنت واثق أنهم هيقدروا يجبكوا من أجهزة الأقمار الصناعية وبلغوني بالمكان اللي هجيب منه سدرا.. وهسلمها ليهم.
لعل هذا الضياع لم تشعر به من قبل، كانت تظن وهي صغيرة عندما تقع بمأزق أنها ضائعة، ولكن الآن اكتشفت أن ما هي فيه الآن لن يأتي شيئًا مقارنة بالماضي فكانت ولابد أن تحمد الخالق على حالها.
أغمض يوسف حدقتيه في ضيق، لابد من أن يتحرك سريعًا، الآن سيواجه منظمة كاملة وليست فقط جهة واحدة، فتح حدقتيه يتطلع نحو سليم الذي فقد صوبه وهو يلوح بالمسدس في الهواء، يردد كلماته المجنونة:
_ سدرا ليا.. أنا مفيش حد يقدر يهزمني وياخد اللي أنا عايزه فاهم يا وحش ولا مش فاهم!
كاد أن يتقدم خطوة أخرى ولكن رفع سليم مسدسه فوق رأس سدرا يضع اصبعه على الزناة، يبتسم في جنون قائلًا والمكر ينفجر من مقلتيه:
_ قولتلك سدرا ليا ومش لغيري وهخليك تندم على الخطوة دي!
تعالى صوت المسدس وانطلقت رصاصة بمنتصف رأس سليم، توقفت انفاس سدرا، تشعر بخروج قلبها من مكانه، بينما يتجمد جسدها وهي تشعر به يسقط خلفها، رفعت يدها تشعر بقطرات الدماء بوجهها، نظرت لأناملها المملؤة بالدماء في صدمة، تذكرت والديها الغارقين في دماء.. خطواتها الهزيلة وهي تتقدم نحوهما في ألم.. تنادي عليهما ولكن تلقط صمت مثل ما شعرت به بهذا الوقت، تجلس جوار والديها تلامس وجههما ربما يتحركا ولكن لم تجد فائدة فقط تلوثت يدها بالدماء، عاد هذا الشريط الاسود يتكرر أمامها، بدأ ترتعش بشدة تتطلع نحو يوسف الذي بدأ يتفحصها ليري إن اصابها شيء أم لا؟ ولكن لا يعلم من أين أتت تلك الرصاصة، لاحظ جسدها المرتعش، ليردف بنبرة حذرة:
_ سدرا فوقي كده.. لزمًا نتحرك من هنا بسرعة المنظمة كلها عرفت مكانا يلا!
نظرت له ولكن مقلتيها تكادا تنفجر من الألم، حركت فكيها ناطقة:
_ بابا وماما ماتوا قدامي زيه.. سمير مات قدامي برضو كلهم بيموتوا حوليا.. محدش بيقرب مني إلا لما يموت..
تطلعت نحوه في خوف، تتراجع في ذعر قائلة بنبرة ملتاعة:
_ أنا مش عايزة اخسرك يا يوسف.. كفاية بقى فراق!
ركضت بعيدًا عنه تحاول الابتعاد، ولكن توقفت سيارة سوداء أمامها يخرج منها راجل ضخم يمسكها في قوة، بينما حاول يوسف الامساك بها ولكن منعه شخصًا أتي من خلفه يمنعه في قوة، صرخت سدرا بشدة تحاول الافلات من هذا الراجل ولكن ما من فائدة، ترى يوسف الذي وقع ارضًا بعد تلاقيه ضرب عنيف من رجل آخر غير الذي يمسكه، هبطت الدموع من حدقتيها تحاول استيعاب أن تلك هي النهاية، لم تتوقف عن محاولة الافلات من هذا الضخم ولكن لاحظت وجود علامة ما على يده وفي سرعة علمت من هم، هدرت بصوت عالي:
_ قفاز الثعلب.
دفشها هذا الرجل داخل السيارة في قوة، ثم دلف سريعًا في حين كاد الرجلين الأخرين أن يغادرا، ولكن انطلقت رصاصة من بندقية على أحدهم ليسقط واحد منهم بينما الأخر دلف لمقعد القيادة وغادر المكان تاركًا غبار خلفه يقبض على انفاس يوسف.
مد يده يزيل الدماء من فمه، يتطلع نحو الغبار في صمت، بينما أتي ريتش نحوه يسأله بالإيطالية:
_ هل أنت بخير؟
نهض يوسف ينظر له في جمود قائلًا:
_ نعم، اريد فقط أن أصل لأغراضي.
حرك الرجل رأسه وساعده على النهوض قائلًا:
_ اذهب معي وسأعود كي اخفي تلك الجثث.
ذهب الأثنان سويًا متوجهين نحو المنزل، ولكن بعقل يوسف نيران سوداء تكاد تقتله، اختفت سدرا من أمامه، لم تنطق سوى بكلميتن ( قفاز الثعلب)، يعلم انها المنظمة الثالثة ولكن إن ذهب إلى سويسرا أين موقعهم بالتحديد، وصل لجهازه الحاسوب يراسل حمزة يخبره بأنه قد فقد سدرا ويريد طائرة ليتوجه بها نحو سويسرا ويرسل أحد كي يتفق مع السفارة لتبدأ بإنهاء أي جذور للأفعى البيضاء.
*****
تعالى صوت أيسل بضحك وهي تستمع لحديث حمزة المضحك مرددة بنبرة لا تزال تحمل شوائب الضحك:
_ أنت مشكلة يا حمزة بجد!
وضع قدم على الأخرى يتمتم في فخر:
_ هسيب امجادي تحكي عني!
ضحكت في خفة، ثم شردت فجأة بحياتها عندما تغادر هذا المكان، هل ستركها حمزة ويغادر؟ هل لا يزال يتلاعب بمشاعرها؟ اشار حمزة بيده امام وجهها يردف في تعجب:
_ شاردة ليه؟
ابتسمت في وهن، تجيب بنبرة متوترة:
_ بفكر هعمل ايه لما اخرج من هنا؟
تطلع لها في دهشة، ثم ألقى بسؤالٍ يحمل الغموض:
_ وأنتِ واثقة كده ليه أنك هتخرجي؟
ابتسمت في حزن قائلة بنبرة تتيقن ماذا سيحدث بها:
_ لأن لو سدرا اتمسكت يبقى خلاص كده كلنا هنموت والمنظمة هترجع اقوى من الأول، لأنها دلوقتي ضعيفة ولو مخلصتوش عليها دلوقتي يبقى فرصة اني اعيش تاني بقت مستحيلة.. فعندي أمل أنها ترجع وتنهى كل شيء..
نظرت له في ألم قائلة بنبرة متحشرجة:
_ يوسف قالي أنه هيخلصني من المنظمة دي!
لم يتفه بكلمة أخرى ولكن ارتفع صوت هاتفه بوصول رسالة، امسك به يقرأ نص هذه الرسالة ولكن جحظت عيناه بشدة، انتفض من مكانه يتمتم بكلماتٍ حملت صدمة لم تكن بحسبانه:
_ سدرا اتمسكت من المنظمة!
اتسعت عين أيسل بشدة، تتطلع نحوه في خوف قائلة:
_ لزما يلحقها لو ملحقهاش كل حاجة هتروح مننا.
نظر للهاتف مرة أخرى، ليجد طلب يوسف بإرسال طائرة تتوجه نحو سويسرا، ليهتف هتف حمزة وهو يحاول الخروج من الغرفة:
_ لزمًا ابعتله طيارة دلوقتي عشان يلحق يوصلها.
ركضت أيسل خلفه قائلة في عزم:
_ ودني هناك معاه.
تجمد حمزة مكانه، يدير رأسه اتجاهه قائلًا في استنكار:
_ نوديكي فين؟
نظرت له في قوة تبرز جانبًا بشخصيتها، تردف في حزم:
_ تودني عند يوسف ونروح نجيب سدرا.
ضحك حمزة على حديثها، بينما وقفت أيسل تضم ساعديها لصدرها قائلة:
_ كلامي بيضحك في ايه؟
توقف حمزة عن الضحك قائلًا:
_ لأن حاسس بهبل فيه هتخرجي من هنا دا حلم مستحيل ومتفكريش فيه.. أنت لحد اللحظة دي مستهدفة ولحد ما المنظمة تخلص هتفضلي هنا.
رفعت حاجبها في استنكار، تغمغم بنبرة ماكرة ورثتها من المنظمة:
_ ولما صحبك هيروح سويسرا هيعرف منين مكان المنظمة.. هيروح لسه هيجمع معلومات عن اماكنهم وطريقتهم واسلحتهم.. ياترى هيلحق وهو مفيش غير مدة صغيرة جدًا عشان يلحق فيها سدرا.. مفيش غيري يعرف اماكن وجودهم ولزما اروح معه وقبل ما تقول ابلغكم بالأماكن.. في حاجات لزمًا انا أكون موجودة هناك عشان اقدر اساعده فيها وإلا يوسف هيضيع، انا مدربة كويس واقدر ادافع عن نفسي.
ابتسم ساخرًا منه، يتمتم في سخط:
_ وجاية تاخدي حمايتنا ليه؟
تطلعت له في ذهول، تردف في نفذ صبر:
_ أنت بجد بتسأل.. سؤالك دا في كمية عدم تركز كبيرة.. أنا بطولي هقدر على منظمة كاملة وكلهم عايزيني ومش عايزين يقتلوني إلا لو عرفوا المعلومات اللي عندي وبعدها خلاص هموت.. حياتي على شعره معهم وعايزيني احاربهم.. دا انتم بقالكم خمس سنين معرفتوش تجيبهم وأنتم مبني كامل من ظباط مخابرات.. حمزة ريحني أنا بقولك هسافر معه.
استدار حمزة يردف بنيرة تحمل جانبًا من عدم الاهتمام لحديثها:
_ وانا بقول مش مسافرة.
:_أنت مش واصي عليا عشان تتحكم في قراري وسواء موت أو عيشت مش هتفرق مع حد.
قالتها في غصة علقت بكلماتها، تغرق الدموع حدقتيها، بينما عاد حمزة يستدير مجددًا يتمتم في غضب:
_ أنتِ مبتفكريش غير في نفسك وبس... ضعيتي البنت لما قولتلها على الباسورد ودلوقتي هضيعي نفسك ومش فارق معاكي أنا!
هبطت تلك الدمعة التي وكأنها تركض بذعرٍ من كم الآلام المحفورة بها، اعادت كلمته الأخيرة بصوتٍ محشرج:
_ أنتَ!
ردد في غضب ممزوج بألم:
_ أيوة أنا.. مش فارق معاكي أنا.. معتقدتش أنك مش حاسه بأي حاجة يا أيسل!
بدأت تهبط دموعها بغزارة، تردف بصوتٍ مبحوح تعالي شيئًا فشيء:
_ حاسه يا حمزة.. اقولك أنا بقى عارفة إيه.. انك جيت تلعب على وتر قلبي.. تديني شوية حب وحنان وأنا ادلق زي الهبلة معاك واقولك على المعلومات.. من أول يوم وانا شايفة كرهك ليا.. وفي يوم وليلة اتغير فجأة وبقيت بتحبني.. جريتك بالموضوع وكنت بديك اللي أنا عايزاه.. بس للأسف حنانك دا أنا مدقتش طعمه قبل كده ولما دوقت طعمه معاك وأنا عارفة أنك بتخدعني وقعت فيه.. حبيت نظرة الاهتمام.. وجودك لما تعبت.. حسيت بالسند والضهر الكلمتين اللي بسمعهم وعمري ما جربتهم..
مدت يدها تزيل ذاك الشلال الذي ملأ وجهها، تتمتم بنبرة تجرعت الآلام عنيفة:
_عارف أهلى اتقتلوا وانا خدوني اشتغل في المنظمة ولما لقوني نافعة في البرمجة طلبوا مني برنامج يهكر السيستم بتاع شركات العالمية ويخترق اي نظام.. وعملته بس عرفت انهم هيقتلوني بمجرد ما اخلصه، فحطيت الباسورد للبرنامج ولما حاولوا يجربوا قولتلهم أنه بمجرد ما يتحط الباسورد غلط البرنامج هيتعطل وهيبقى سراب.. فكان لزمًا أنا اللي احط الباسورد واتعرضت لتعذيب ووقتها فكرت اوقف نطق حتى صوت الألم مبخرجهوش.. ووقتها افتكروني تعبت وخافوا ليفقدوا البرنامج لأنهم جابوا مهندسيين ومحدش قدر يفك شفرة البرنامج دا... عرضوا دكاترة كتير وكلهم فشلوا في علاجي ورجعوني مصر تاني يمكن انطق لأن دي بلد اهلي بس فضلت ساكتة ودخلت مصحة سمير وفضلت كده لحد ما سدرا جت..
رفعت حدقتها الممتلئتان بالدموع، تتلون بحُمرة الألم، ترتسم الكلمات الصارخة من العذاب يشتعل بداخلها وكأنها براكين ثائرة، تتمتم بنبرة متحشرجة:
_ أنا مكنتش هقول حاجة لسدرا.. بس سليم حب سدرا وكان هيدخلها المنظمة بأي شكل وخاصة أنها قالتله أني بدأت استجيب ليها فدا زود فرصة انها تعيش ويدخلوها المنظمة.. ساعتها نطقت غير كده كنت هفضل ساكتة.. انا مكنش قصدي أأذي حد ولا ادمر حد.. ودلوقتي عايزة اروح ليها عشان ألحقها.. وبنسبة ليك أنا من اول يوم دخلت فيه هنا وغيرت معاملتك وأنا فاهمة يا حمزة عملت ليه كده لأن أنا مش غبية بس للأسف وقعت في خدعتك وصدقتها بس للأسف مش هينفع ودلوقتي لزمًا ارجع سدرا.. واتمنى متوقفنيش .. لأن بمجرد ما هخرج من هنا وكل حاجة ترجع تاني زي الأول.. لا أنت هتنسى أني من المنظمة ولا أنا هقدر اعيش معاك وأنت متناقض في مشاعرك.
وقف حمزة يشعر بصدمة تعتري صدره، يتطلع لها في ذهول، هل تعلم خطته ولكن هو تغير بمشاعره اتجاهها ألم تشعر بذلك!، توقف عقله بنقطة صغير هل سيستطيع أن ينسى أنها من المنظمة؟، استدار يغادر الغرفة مردفًا في هدوء دون أن يجيب على أي من حديثها كله:
_ جهزي نفسك!
*****
في المساء..
غادر يوسف المنزل ووصل للمكان الذي ستهبط به الطائرة، ملامحه جامدة.. صامتة.. لا تعطي تعبيرًا واحدًا عاما يفكر به، استمع لصوت مروحة الطائرة ومن ثم دقائق وكانت امامه تتخبط به هوائها، صعد يوسف بها في صمت الذي حضر به، ثم اقلعت الطائرة متجهة نحو سويسرا، ازدردت أيسل حلقها في صعوبة وهي تتطلع نحو يوسف في توتر قائلة:
_ أنت كويس!
ادار رأسه ينظر لها في صمت ثم عاد يتطلع أمامه، يتمنى أن تتأكل هذه المسافة في سرعة الضوء ليصل إلى مكان زوجته، اعادت أيسل حدثها متمتمة بنبرة حزينة:
_ هي هترجع حتى لو التمن حياتي!
استمع لجملتها الأخيرة، ولكن شعر بألم يغزو قلبه، يتذكر مكالمة حديثه مع صديقه ..
**
:_ يوسف خلي بالك على أيسل.. أحميها لأن أنا مش هتحمل إن يحصلها حاجة!
نطق تلك الكلمات المنغمسة داخل طبق من مرارة التفكير، بينما تعجب يوسف من تسمكه بها قائلًا بنبرة مندهشة:
_ ولما أنت خايف عليها كده سبتها تيجي ليه؟
لم يستطع ان يجيب، بينما زمجر يوسف في غضب:
_ ما تخلص يا حمزة أنا مش حملك أنت تاني!
أجابه في ألم:
_ عشان أنا مش عارف حاجة يا يوسف.. واحدة دخلت عليها بدور المشاعر والحب والحنان وفجأة بقيت فعلًا كده.. بخاف عليها وبحب كلامها تفكيرها.. حتى ذكائها شدني ليها اكتر.. وكنت همنعها بس هي قالت جملة خلتني اترجعت خطوة هي مش هتقدر تعيش معايا وأنا بمشاعر متناقضة بين إنها من المنظمة وبين أنها مراتي.. أنا بقيت تايهة يا يوسف مش عارف ازاي حبيتها او ليه دي بذات اتشدت ليها.. كنت بعاملها وحش عشان خاطر اقنع عقلي أنها مش هي دي اللي هحبها.. ولما قررت ألعب بيها مكنتش بلعب غير بيا وفي نهاية وقعت..
صمت قليلًا ليستنشق قليلًا من الهواء، ثم أردف بنبرة حاول إظهاراها هادئ ليوسف الذي فهم ما به:
_ بص كل اللي طالبه تحميها على قد ما تقدر لأن أيسل الوحيدة اللي عارفة المنظمة كلها وهي الوحيدة اللي هتقدر تساعدك.
حرك يوسف رأسه يجيبه في هدوء:
_ تمام يا حمزة.. بس فكر كويس قبل ما تخسر كل حاجة في حياتك.
***
فاق من شروده على صوت أيسل التي تنادي عليه، اجابه في تعب:
_ أنا سامعك يا أيسل.. بس أنا حاليًا مشغول بمراتي وعايز اوصلها بأي شكل.
ابتسمت أيسل له تتمنى أن ترى هذا الإخلاص بالحب معها، ولكن هيهات ومن أحبت لن يستطيع العيش مع مجرمة لدى أكبر منظمة إجرام، تمتمت بنبرة مشجعة:
_ متقلقيش هترجع بأذن الله.
****
تضاربت مشاعره وأصبح يشعر بضيق شديد مما يحدث معه، لن يتحمل إن حدث لها شيء، هو يريد أن تبقى معه يريد أن يكمل معه.. أهذا ما يسمى بعذاب الحب.. أهذه ضريبته!
وضع رأسه بين راحتي يده، يتمتم بنبرة متألمة:
_ من ساعة ما ظهرتي في حياتي وأنا دماغي وقفت خالص.
رفع رأسه وقرر الذهاب لشخصٍ واحد هو فقد من سيخبره ماذا يفعل لعل هذه الصخور تختفي من طريقه.
****
ادخلت مفتاح الشقة بالباب، تدلف للداخل في خطواتٍ منتظمة، تتطلع للغبار الذي أحاط بكل شيء، تقدمت للداخل في هدوء، تزداد مشاعر الحزن بداخلها وكأن هناك من يقبض على أنفاسها، تطلعت لبقعة الدماء الموجودة على الحائط ثم تنهدت في حزن قائلة بنبرة حزينة:
_ ربنا يرحمك يا ناهد.
أكملت سيرها نحو غرفة النوم الخاصة بصديقتها، ثم فتحت الباب الخزانة تتطلع نحو الصورة الموجودة بداخله متمتمة بنبرة سيطر البكاء عليها:
_ وحشتني يا ناهد وحشتني اوي اوي ونفسي اجري لحضنك واعيط.. أنا حاسه إني مش هستحمل الحِمل دا.. كنت بتقولي أني صبورة أوي بس للإنسان طاقة يا ناهد.. بنتي فاقد الذاكرة وخلاص كتب كتابها قرب وخطيبها ميعرفش أنها فاقدة الذاكرة.. وسدرا لحد دلوقتي معرفش مكانها وهي شايفة ايه هناك! البنتين بُعاد عني اوي ومش قادرة اعملهم حاجة.. لا قادرة ارجع لبنتي الذاكرة لتنهار تاني.. ولا قادرة ارجع سدرا لحضني تاني.. خايفة الأمانة اللي أنتِ ادتهاني تضيع وساعتها مش هتحمل يا ناهد مش هقدر.
وضعت وجهها بين راحتي يدها تنحب بشدة، لعل هذا يخفف كم الآلام التي تشعر بها، مر بعض الوقت حاولت فريال السيطرة على دموعها، تتنفس بانتظام ولكن تشهق من حين لأخر، امسكت بالباب الخاص بالخزانة، ثم أغلقته ولكن قبل أن تُبعد يدها علق شيئًا بـ ( أطراف ملابسها) نزعت يدها بشدة لتجد صوت فتح مفتاح قد صدر، تعجبت من هذا ولكن لم تبال وما كادت أن تحمل حقيبتها حتى فُتح مربع وسط باب الخزانة يتكون من طبقة صغيرة، يحمل ظرفًا بداخله، اتسعت عيناها بشدة، تتطلع للظرف بنوعٍ من الصدمة، مدت يدها تمسك الظرف في رجفة، ترى الكلمة المكتوبة عليه ( وصاية).
تذكرت ما قاله المحامي بعد والدة ناهد وزوجها..
*
:_ يعني محمود ساب وصاية ولا لاء؟
قالها جلال في تعجب، في حين اجابه المحامي بهدوءٍ:
_ يا استاذ جلال هو عمل الوصاية وبلغني انه عمل بس هيشيلها في الشقة اللي عايش فيها.. فين بقى الوصاية دي بالتحديد مقالش!
حرك جلال رأسها في ايجابية، شعر بحيرة شديدة تضرب رأسه وكأنها عاصفة، غادر المحامي، بينما بقى جلال يبحث عن تلك الواصية ولكن لم يجدها لغادر الشقة يغلقها خلفه بإحكام، يقرر عدم التفكير بالأمر مجددًا.
**
عادت من تذكرها يرتجف جسدها، لِمَ يخفي هذه الوصاية هكذا؟، وضعتها داخل الحقيبة الخاصة بها، ثم غادرت سريعًا تتجه نحو شقتها لتخبر جلال، بما وجدته معها.
*****
وصلت أخيرًا للمنزل ثم دلفت للشقة لتجد جلال جالسًا يتطلع لبعض الأوراق قائلة في نهج:
_ جلال أنا لقيت الوصاية.
أنزل نظارته يتطلع لها في تعجب، يتسأل في دهشة:
_ وصاية إيه؟
جلست جواره على الأريكة تتمتم بنبرة متعبة:
_ روحت لبيت ناهد زي العادة.. وأنا هناك بفتح الدولاب وبقفله كم الهدوم شبك بحاجة في الدولاب بشده سمعت صوت تاكة كده زي بتاعت المفتاح.. وفجأة فتحة موجودة في الدولاب ظهرت وجواها الوصاية بتاعت محمود.
استمع لها جلال جيدًا، وتبدلت ملامحه لصدمة ودهشة، امسك بتلك الوصاية ثم فتحها ليجد ما جعل الأثنان أكثر صدمة وقلق
( لو قرأت دي يا جلال يبقى لقيت الوصاية وأنا ميت دلوقتي.. بص يا جلال سدرا لزمًا تحميها من منظمة كبيرة مليانة جرايم.. وبالأخص الدفلي لأن المنظمة دي اشتغلت فيها على أنها شركة محترمة بتهتم بالأبحاث العلمية.. وفي مرة كنت شغال على نوع فيروس معين بيتنشر وسط العالم في وقت قصير وبيقتل خلال يومين بس اشتغلت برضو على علاجه وفعلا خلصت البحث بتاعه بس زميل ليا سمع واحد من الحرس بيقول انهم هيقتلونا بمجرد ما نخلص الابحاث بتاعتنا وتتنفذ، ساعتها هربت منهم وأخد البيانات بتاع الفيروس دي والعلاج بتاعه وحطتها في شريحة صغيرة وزرعتها في دراع سدرا الشمال.. أعمل العملية لسدرا وشيل الشريحة من دراعها واحرقها أوعي تقع في ايد المنظمة لو عرفوا أن الشريحة دي في دراعها كل اللي عملته هيروح هدر.. أنا عملت كده لأن محدش هيشك إن سدرا ممكن تشيل شريحة في دراعها وإن لو الفيرس اتنشر وأنا حصل حاجة تلقوا علاج ليه)
انزل جلال الورقة من يده ولكن مع نزول تلك الورقة كانت صخرة ضخمة، حادة هبطت على رأسه ورأس فريال، تمتم جلال بنبرة مذهولة:
_ يعني سدرا دلوقتي في خطر تاني ولزمًا تختفي من العصابة!
مد يده سريعًا يمسك بالهاتف، يتصل بحمزة بعدما اعطى يوسف رقمه له كي يخبره بما يحدث، ولكن من رقم سري خاص بهم هما الثلاثة، أجاب حمزة بنبرة يأسه:
_ ايوة يا استاذ جلال.
:_ ألحقني يا حمزة!
قالها جلال في رعب، بينما انتفض حمزة من مكانه يردف بنبرة قلق:
_ في ايه؟
بدأ السيد جلال بشرح ما علمه للتو، بينما أخذ حمزة بيانات محمود وبدأ بالبحث عنه ليجده كان يعمل لدى شركة تحمل اسمًا مزيفًا تابعة للفرع الأخير من المنظمة وهي الدفلي، تشابكت الخيوط بعقله أخيرًا وعلم أن النهاية ليست منصفة، يمسح على رأسه في قوة يردف بنبرة غاضبة:
_ يارب.
امسك بهاتفه سريعًا يهاتف يوسف وما ان اجاب حتى هتف:
_ يوسف سدرا لزمًا تخرج من المنظمة لو مخرجتش أو معرفتش يبقى تقتلها!
*****
داخل غرفة نظيفة..
جلست تبكي بشدة، تتمنى أن تعود ليوسف مجددًا لعلها تشعر بدفء للحظة صغيرة، تطلعت نحو الباب وهي تشعر بدلوف أحدهم وما هي إلا دقيقة حتى ظهر امامها شخصٍ ذو ملامح قاسية، بني ليست بهينة، يردف بنبرة حاسمة:
_ أهلًا بكِ يا ابنة محمود عز الدين.
حدقت به في ذهول، كيف يعرف والدها؟ وهل والدها يعلم من هؤلاء؟ مدت يدها تزيل دموعها قائلة بنبرة مرتجفة ولكن لهجة الانجليزية:
_ هل تعرف والدي؟
ابتسم بشرٍ لم تراه بسليم ذاته، يتمتم بنبرة خبيثة:
_ نعم.. فقد كنت المسؤول عن مهمة توكيل أحد لقتله وقد نجحت بالمهمة!
يتبع.
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل الرابع والعشرون
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
(نهاية الأفعى)
تجمدت الدماء بعروقهما، لا تعلم ماذا تفعل؟، شُل عقلها تمامًا كيف ستنقذ ذاتها منه.
تختلف النظرات بين ثلاثتهم واحد خوف وأخرى قلق والأخيرة مكر وجنون، ابتسم سليم في جنون، يردف بنبرة تفوح منه رائحة الشر:
_ وفيت بوعدي ليكِ وجيت ومش هسيبك!
هدر يوسف في عصيبة، يتطلع لهذا المسدس المصوب بتجاهها:
_ انت أصلا** ومش هسيبك يا سليم صدقني مش هسيبك!
ضحك بصوتٍ عالي، يمسك بذراع سدرا يلفه خلف ظهرها قائلًا لي مكر:
_ اقتلني يا وحش بس برضو سدرا مش هتبقى ليكِ.. عارف ليه؟
ازدرد يوسف حلقه، يتطلع لحدقتيه المملؤتان بالشر، بينما شعرت سدرا بأنها في عالم أخر ما تفوه بأخر جملة:
_ لأن المنظمة كلها عرفت إن سدرا هي الوحيدة اللي معاها سر البرنامج وطبعًا لما بلغتهم كنت واثق أنهم هيقدروا يجبكوا من أجهزة الأقمار الصناعية وبلغوني بالمكان اللي هجيب منه سدرا.. وهسلمها ليهم.
لعل هذا الضياع لم تشعر به من قبل، كانت تظن وهي صغيرة عندما تقع بمأزق أنها ضائعة، ولكن الآن اكتشفت أن ما هي فيه الآن لن يأتي شيئًا مقارنة بالماضي فكانت ولابد أن تحمد الخالق على حالها.
أغمض يوسف حدقتيه في ضيق، لابد من أن يتحرك سريعًا، الآن سيواجه منظمة كاملة وليست فقط جهة واحدة، فتح حدقتيه يتطلع نحو سليم الذي فقد صوبه وهو يلوح بالمسدس في الهواء، يردد كلماته المجنونة:
_ سدرا ليا.. أنا مفيش حد يقدر يهزمني وياخد اللي أنا عايزه فاهم يا وحش ولا مش فاهم!
كاد أن يتقدم خطوة أخرى ولكن رفع سليم مسدسه فوق رأس سدرا يضع اصبعه على الزناة، يبتسم في جنون قائلًا والمكر ينفجر من مقلتيه:
_ قولتلك سدرا ليا ومش لغيري وهخليك تندم على الخطوة دي!
تعالى صوت المسدس وانطلقت رصاصة بمنتصف رأس سليم، توقفت انفاس سدرا، تشعر بخروج قلبها من مكانه، بينما يتجمد جسدها وهي تشعر به يسقط خلفها، رفعت يدها تشعر بقطرات الدماء بوجهها، نظرت لأناملها المملؤة بالدماء في صدمة، تذكرت والديها الغارقين في دماء.. خطواتها الهزيلة وهي تتقدم نحوهما في ألم.. تنادي عليهما ولكن تلقط صمت مثل ما شعرت به بهذا الوقت، تجلس جوار والديها تلامس وجههما ربما يتحركا ولكن لم تجد فائدة فقط تلوثت يدها بالدماء، عاد هذا الشريط الاسود يتكرر أمامها، بدأ ترتعش بشدة تتطلع نحو يوسف الذي بدأ يتفحصها ليري إن اصابها شيء أم لا؟ ولكن لا يعلم من أين أتت تلك الرصاصة، لاحظ جسدها المرتعش، ليردف بنبرة حذرة:
_ سدرا فوقي كده.. لزمًا نتحرك من هنا بسرعة المنظمة كلها عرفت مكانا يلا!
نظرت له ولكن مقلتيها تكادا تنفجر من الألم، حركت فكيها ناطقة:
_ بابا وماما ماتوا قدامي زيه.. سمير مات قدامي برضو كلهم بيموتوا حوليا.. محدش بيقرب مني إلا لما يموت..
تطلعت نحوه في خوف، تتراجع في ذعر قائلة بنبرة ملتاعة:
_ أنا مش عايزة اخسرك يا يوسف.. كفاية بقى فراق!
ركضت بعيدًا عنه تحاول الابتعاد، ولكن توقفت سيارة سوداء أمامها يخرج منها راجل ضخم يمسكها في قوة، بينما حاول يوسف الامساك بها ولكن منعه شخصًا أتي من خلفه يمنعه في قوة، صرخت سدرا بشدة تحاول الافلات من هذا الراجل ولكن ما من فائدة، ترى يوسف الذي وقع ارضًا بعد تلاقيه ضرب عنيف من رجل آخر غير الذي يمسكه، هبطت الدموع من حدقتيها تحاول استيعاب أن تلك هي النهاية، لم تتوقف عن محاولة الافلات من هذا الضخم ولكن لاحظت وجود علامة ما على يده وفي سرعة علمت من هم، هدرت بصوت عالي:
_ قفاز الثعلب.
دفشها هذا الرجل داخل السيارة في قوة، ثم دلف سريعًا في حين كاد الرجلين الأخرين أن يغادرا، ولكن انطلقت رصاصة من بندقية على أحدهم ليسقط واحد منهم بينما الأخر دلف لمقعد القيادة وغادر المكان تاركًا غبار خلفه يقبض على انفاس يوسف.
مد يده يزيل الدماء من فمه، يتطلع نحو الغبار في صمت، بينما أتي ريتش نحوه يسأله بالإيطالية:
_ هل أنت بخير؟
نهض يوسف ينظر له في جمود قائلًا:
_ نعم، اريد فقط أن أصل لأغراضي.
حرك الرجل رأسه وساعده على النهوض قائلًا:
_ اذهب معي وسأعود كي اخفي تلك الجثث.
ذهب الأثنان سويًا متوجهين نحو المنزل، ولكن بعقل يوسف نيران سوداء تكاد تقتله، اختفت سدرا من أمامه، لم تنطق سوى بكلميتن ( قفاز الثعلب)، يعلم انها المنظمة الثالثة ولكن إن ذهب إلى سويسرا أين موقعهم بالتحديد، وصل لجهازه الحاسوب يراسل حمزة يخبره بأنه قد فقد سدرا ويريد طائرة ليتوجه بها نحو سويسرا ويرسل أحد كي يتفق مع السفارة لتبدأ بإنهاء أي جذور للأفعى البيضاء.
*****
تعالى صوت أيسل بضحك وهي تستمع لحديث حمزة المضحك مرددة بنبرة لا تزال تحمل شوائب الضحك:
_ أنت مشكلة يا حمزة بجد!
وضع قدم على الأخرى يتمتم في فخر:
_ هسيب امجادي تحكي عني!
ضحكت في خفة، ثم شردت فجأة بحياتها عندما تغادر هذا المكان، هل ستركها حمزة ويغادر؟ هل لا يزال يتلاعب بمشاعرها؟ اشار حمزة بيده امام وجهها يردف في تعجب:
_ شاردة ليه؟
ابتسمت في وهن، تجيب بنبرة متوترة:
_ بفكر هعمل ايه لما اخرج من هنا؟
تطلع لها في دهشة، ثم ألقى بسؤالٍ يحمل الغموض:
_ وأنتِ واثقة كده ليه أنك هتخرجي؟
ابتسمت في حزن قائلة بنبرة تتيقن ماذا سيحدث بها:
_ لأن لو سدرا اتمسكت يبقى خلاص كده كلنا هنموت والمنظمة هترجع اقوى من الأول، لأنها دلوقتي ضعيفة ولو مخلصتوش عليها دلوقتي يبقى فرصة اني اعيش تاني بقت مستحيلة.. فعندي أمل أنها ترجع وتنهى كل شيء..
نظرت له في ألم قائلة بنبرة متحشرجة:
_ يوسف قالي أنه هيخلصني من المنظمة دي!
لم يتفه بكلمة أخرى ولكن ارتفع صوت هاتفه بوصول رسالة، امسك به يقرأ نص هذه الرسالة ولكن جحظت عيناه بشدة، انتفض من مكانه يتمتم بكلماتٍ حملت صدمة لم تكن بحسبانه:
_ سدرا اتمسكت من المنظمة!
اتسعت عين أيسل بشدة، تتطلع نحوه في خوف قائلة:
_ لزما يلحقها لو ملحقهاش كل حاجة هتروح مننا.
نظر للهاتف مرة أخرى، ليجد طلب يوسف بإرسال طائرة تتوجه نحو سويسرا، ليهتف هتف حمزة وهو يحاول الخروج من الغرفة:
_ لزمًا ابعتله طيارة دلوقتي عشان يلحق يوصلها.
ركضت أيسل خلفه قائلة في عزم:
_ ودني هناك معاه.
تجمد حمزة مكانه، يدير رأسه اتجاهه قائلًا في استنكار:
_ نوديكي فين؟
نظرت له في قوة تبرز جانبًا بشخصيتها، تردف في حزم:
_ تودني عند يوسف ونروح نجيب سدرا.
ضحك حمزة على حديثها، بينما وقفت أيسل تضم ساعديها لصدرها قائلة:
_ كلامي بيضحك في ايه؟
توقف حمزة عن الضحك قائلًا:
_ لأن حاسس بهبل فيه هتخرجي من هنا دا حلم مستحيل ومتفكريش فيه.. أنت لحد اللحظة دي مستهدفة ولحد ما المنظمة تخلص هتفضلي هنا.
رفعت حاجبها في استنكار، تغمغم بنبرة ماكرة ورثتها من المنظمة:
_ ولما صحبك هيروح سويسرا هيعرف منين مكان المنظمة.. هيروح لسه هيجمع معلومات عن اماكنهم وطريقتهم واسلحتهم.. ياترى هيلحق وهو مفيش غير مدة صغيرة جدًا عشان يلحق فيها سدرا.. مفيش غيري يعرف اماكن وجودهم ولزما اروح معه وقبل ما تقول ابلغكم بالأماكن.. في حاجات لزمًا انا أكون موجودة هناك عشان اقدر اساعده فيها وإلا يوسف هيضيع، انا مدربة كويس واقدر ادافع عن نفسي.
ابتسم ساخرًا منه، يتمتم في سخط:
_ وجاية تاخدي حمايتنا ليه؟
تطلعت له في ذهول، تردف في نفذ صبر:
_ أنت بجد بتسأل.. سؤالك دا في كمية عدم تركز كبيرة.. أنا بطولي هقدر على منظمة كاملة وكلهم عايزيني ومش عايزين يقتلوني إلا لو عرفوا المعلومات اللي عندي وبعدها خلاص هموت.. حياتي على شعره معهم وعايزيني احاربهم.. دا انتم بقالكم خمس سنين معرفتوش تجيبهم وأنتم مبني كامل من ظباط مخابرات.. حمزة ريحني أنا بقولك هسافر معه.
استدار حمزة يردف بنيرة تحمل جانبًا من عدم الاهتمام لحديثها:
_ وانا بقول مش مسافرة.
:_أنت مش واصي عليا عشان تتحكم في قراري وسواء موت أو عيشت مش هتفرق مع حد.
قالتها في غصة علقت بكلماتها، تغرق الدموع حدقتيها، بينما عاد حمزة يستدير مجددًا يتمتم في غضب:
_ أنتِ مبتفكريش غير في نفسك وبس... ضعيتي البنت لما قولتلها على الباسورد ودلوقتي هضيعي نفسك ومش فارق معاكي أنا!
هبطت تلك الدمعة التي وكأنها تركض بذعرٍ من كم الآلام المحفورة بها، اعادت كلمته الأخيرة بصوتٍ محشرج:
_ أنتَ!
ردد في غضب ممزوج بألم:
_ أيوة أنا.. مش فارق معاكي أنا.. معتقدتش أنك مش حاسه بأي حاجة يا أيسل!
بدأت تهبط دموعها بغزارة، تردف بصوتٍ مبحوح تعالي شيئًا فشيء:
_ حاسه يا حمزة.. اقولك أنا بقى عارفة إيه.. انك جيت تلعب على وتر قلبي.. تديني شوية حب وحنان وأنا ادلق زي الهبلة معاك واقولك على المعلومات.. من أول يوم وانا شايفة كرهك ليا.. وفي يوم وليلة اتغير فجأة وبقيت بتحبني.. جريتك بالموضوع وكنت بديك اللي أنا عايزاه.. بس للأسف حنانك دا أنا مدقتش طعمه قبل كده ولما دوقت طعمه معاك وأنا عارفة أنك بتخدعني وقعت فيه.. حبيت نظرة الاهتمام.. وجودك لما تعبت.. حسيت بالسند والضهر الكلمتين اللي بسمعهم وعمري ما جربتهم..
مدت يدها تزيل ذاك الشلال الذي ملأ وجهها، تتمتم بنبرة تجرعت الآلام عنيفة:
_عارف أهلى اتقتلوا وانا خدوني اشتغل في المنظمة ولما لقوني نافعة في البرمجة طلبوا مني برنامج يهكر السيستم بتاع شركات العالمية ويخترق اي نظام.. وعملته بس عرفت انهم هيقتلوني بمجرد ما اخلصه، فحطيت الباسورد للبرنامج ولما حاولوا يجربوا قولتلهم أنه بمجرد ما يتحط الباسورد غلط البرنامج هيتعطل وهيبقى سراب.. فكان لزمًا أنا اللي احط الباسورد واتعرضت لتعذيب ووقتها فكرت اوقف نطق حتى صوت الألم مبخرجهوش.. ووقتها افتكروني تعبت وخافوا ليفقدوا البرنامج لأنهم جابوا مهندسيين ومحدش قدر يفك شفرة البرنامج دا... عرضوا دكاترة كتير وكلهم فشلوا في علاجي ورجعوني مصر تاني يمكن انطق لأن دي بلد اهلي بس فضلت ساكتة ودخلت مصحة سمير وفضلت كده لحد ما سدرا جت..
رفعت حدقتها الممتلئتان بالدموع، تتلون بحُمرة الألم، ترتسم الكلمات الصارخة من العذاب يشتعل بداخلها وكأنها براكين ثائرة، تتمتم بنبرة متحشرجة:
_ أنا مكنتش هقول حاجة لسدرا.. بس سليم حب سدرا وكان هيدخلها المنظمة بأي شكل وخاصة أنها قالتله أني بدأت استجيب ليها فدا زود فرصة انها تعيش ويدخلوها المنظمة.. ساعتها نطقت غير كده كنت هفضل ساكتة.. انا مكنش قصدي أأذي حد ولا ادمر حد.. ودلوقتي عايزة اروح ليها عشان ألحقها.. وبنسبة ليك أنا من اول يوم دخلت فيه هنا وغيرت معاملتك وأنا فاهمة يا حمزة عملت ليه كده لأن أنا مش غبية بس للأسف وقعت في خدعتك وصدقتها بس للأسف مش هينفع ودلوقتي لزمًا ارجع سدرا.. واتمنى متوقفنيش .. لأن بمجرد ما هخرج من هنا وكل حاجة ترجع تاني زي الأول.. لا أنت هتنسى أني من المنظمة ولا أنا هقدر اعيش معاك وأنت متناقض في مشاعرك.
وقف حمزة يشعر بصدمة تعتري صدره، يتطلع لها في ذهول، هل تعلم خطته ولكن هو تغير بمشاعره اتجاهها ألم تشعر بذلك!، توقف عقله بنقطة صغير هل سيستطيع أن ينسى أنها من المنظمة؟، استدار يغادر الغرفة مردفًا في هدوء دون أن يجيب على أي من حديثها كله:
_ جهزي نفسك!
*****
في المساء..
غادر يوسف المنزل ووصل للمكان الذي ستهبط به الطائرة، ملامحه جامدة.. صامتة.. لا تعطي تعبيرًا واحدًا عاما يفكر به، استمع لصوت مروحة الطائرة ومن ثم دقائق وكانت امامه تتخبط به هوائها، صعد يوسف بها في صمت الذي حضر به، ثم اقلعت الطائرة متجهة نحو سويسرا، ازدردت أيسل حلقها في صعوبة وهي تتطلع نحو يوسف في توتر قائلة:
_ أنت كويس!
ادار رأسه ينظر لها في صمت ثم عاد يتطلع أمامه، يتمنى أن تتأكل هذه المسافة في سرعة الضوء ليصل إلى مكان زوجته، اعادت أيسل حدثها متمتمة بنبرة حزينة:
_ هي هترجع حتى لو التمن حياتي!
استمع لجملتها الأخيرة، ولكن شعر بألم يغزو قلبه، يتذكر مكالمة حديثه مع صديقه ..
**
:_ يوسف خلي بالك على أيسل.. أحميها لأن أنا مش هتحمل إن يحصلها حاجة!
نطق تلك الكلمات المنغمسة داخل طبق من مرارة التفكير، بينما تعجب يوسف من تسمكه بها قائلًا بنبرة مندهشة:
_ ولما أنت خايف عليها كده سبتها تيجي ليه؟
لم يستطع ان يجيب، بينما زمجر يوسف في غضب:
_ ما تخلص يا حمزة أنا مش حملك أنت تاني!
أجابه في ألم:
_ عشان أنا مش عارف حاجة يا يوسف.. واحدة دخلت عليها بدور المشاعر والحب والحنان وفجأة بقيت فعلًا كده.. بخاف عليها وبحب كلامها تفكيرها.. حتى ذكائها شدني ليها اكتر.. وكنت همنعها بس هي قالت جملة خلتني اترجعت خطوة هي مش هتقدر تعيش معايا وأنا بمشاعر متناقضة بين إنها من المنظمة وبين أنها مراتي.. أنا بقيت تايهة يا يوسف مش عارف ازاي حبيتها او ليه دي بذات اتشدت ليها.. كنت بعاملها وحش عشان خاطر اقنع عقلي أنها مش هي دي اللي هحبها.. ولما قررت ألعب بيها مكنتش بلعب غير بيا وفي نهاية وقعت..
صمت قليلًا ليستنشق قليلًا من الهواء، ثم أردف بنبرة حاول إظهاراها هادئ ليوسف الذي فهم ما به:
_ بص كل اللي طالبه تحميها على قد ما تقدر لأن أيسل الوحيدة اللي عارفة المنظمة كلها وهي الوحيدة اللي هتقدر تساعدك.
حرك يوسف رأسه يجيبه في هدوء:
_ تمام يا حمزة.. بس فكر كويس قبل ما تخسر كل حاجة في حياتك.
***
فاق من شروده على صوت أيسل التي تنادي عليه، اجابه في تعب:
_ أنا سامعك يا أيسل.. بس أنا حاليًا مشغول بمراتي وعايز اوصلها بأي شكل.
ابتسمت أيسل له تتمنى أن ترى هذا الإخلاص بالحب معها، ولكن هيهات ومن أحبت لن يستطيع العيش مع مجرمة لدى أكبر منظمة إجرام، تمتمت بنبرة مشجعة:
_ متقلقيش هترجع بأذن الله.
****
تضاربت مشاعره وأصبح يشعر بضيق شديد مما يحدث معه، لن يتحمل إن حدث لها شيء، هو يريد أن تبقى معه يريد أن يكمل معه.. أهذا ما يسمى بعذاب الحب.. أهذه ضريبته!
وضع رأسه بين راحتي يده، يتمتم بنبرة متألمة:
_ من ساعة ما ظهرتي في حياتي وأنا دماغي وقفت خالص.
رفع رأسه وقرر الذهاب لشخصٍ واحد هو فقد من سيخبره ماذا يفعل لعل هذه الصخور تختفي من طريقه.
****
ادخلت مفتاح الشقة بالباب، تدلف للداخل في خطواتٍ منتظمة، تتطلع للغبار الذي أحاط بكل شيء، تقدمت للداخل في هدوء، تزداد مشاعر الحزن بداخلها وكأن هناك من يقبض على أنفاسها، تطلعت لبقعة الدماء الموجودة على الحائط ثم تنهدت في حزن قائلة بنبرة حزينة:
_ ربنا يرحمك يا ناهد.
أكملت سيرها نحو غرفة النوم الخاصة بصديقتها، ثم فتحت الباب الخزانة تتطلع نحو الصورة الموجودة بداخله متمتمة بنبرة سيطر البكاء عليها:
_ وحشتني يا ناهد وحشتني اوي اوي ونفسي اجري لحضنك واعيط.. أنا حاسه إني مش هستحمل الحِمل دا.. كنت بتقولي أني صبورة أوي بس للإنسان طاقة يا ناهد.. بنتي فاقد الذاكرة وخلاص كتب كتابها قرب وخطيبها ميعرفش أنها فاقدة الذاكرة.. وسدرا لحد دلوقتي معرفش مكانها وهي شايفة ايه هناك! البنتين بُعاد عني اوي ومش قادرة اعملهم حاجة.. لا قادرة ارجع لبنتي الذاكرة لتنهار تاني.. ولا قادرة ارجع سدرا لحضني تاني.. خايفة الأمانة اللي أنتِ ادتهاني تضيع وساعتها مش هتحمل يا ناهد مش هقدر.
وضعت وجهها بين راحتي يدها تنحب بشدة، لعل هذا يخفف كم الآلام التي تشعر بها، مر بعض الوقت حاولت فريال السيطرة على دموعها، تتنفس بانتظام ولكن تشهق من حين لأخر، امسكت بالباب الخاص بالخزانة، ثم أغلقته ولكن قبل أن تُبعد يدها علق شيئًا بـ ( أطراف ملابسها) نزعت يدها بشدة لتجد صوت فتح مفتاح قد صدر، تعجبت من هذا ولكن لم تبال وما كادت أن تحمل حقيبتها حتى فُتح مربع وسط باب الخزانة يتكون من طبقة صغيرة، يحمل ظرفًا بداخله، اتسعت عيناها بشدة، تتطلع للظرف بنوعٍ من الصدمة، مدت يدها تمسك الظرف في رجفة، ترى الكلمة المكتوبة عليه ( وصاية).
تذكرت ما قاله المحامي بعد والدة ناهد وزوجها..
*
:_ يعني محمود ساب وصاية ولا لاء؟
قالها جلال في تعجب، في حين اجابه المحامي بهدوءٍ:
_ يا استاذ جلال هو عمل الوصاية وبلغني انه عمل بس هيشيلها في الشقة اللي عايش فيها.. فين بقى الوصاية دي بالتحديد مقالش!
حرك جلال رأسها في ايجابية، شعر بحيرة شديدة تضرب رأسه وكأنها عاصفة، غادر المحامي، بينما بقى جلال يبحث عن تلك الواصية ولكن لم يجدها لغادر الشقة يغلقها خلفه بإحكام، يقرر عدم التفكير بالأمر مجددًا.
**
عادت من تذكرها يرتجف جسدها، لِمَ يخفي هذه الوصاية هكذا؟، وضعتها داخل الحقيبة الخاصة بها، ثم غادرت سريعًا تتجه نحو شقتها لتخبر جلال، بما وجدته معها.
*****
وصلت أخيرًا للمنزل ثم دلفت للشقة لتجد جلال جالسًا يتطلع لبعض الأوراق قائلة في نهج:
_ جلال أنا لقيت الوصاية.
أنزل نظارته يتطلع لها في تعجب، يتسأل في دهشة:
_ وصاية إيه؟
جلست جواره على الأريكة تتمتم بنبرة متعبة:
_ روحت لبيت ناهد زي العادة.. وأنا هناك بفتح الدولاب وبقفله كم الهدوم شبك بحاجة في الدولاب بشده سمعت صوت تاكة كده زي بتاعت المفتاح.. وفجأة فتحة موجودة في الدولاب ظهرت وجواها الوصاية بتاعت محمود.
استمع لها جلال جيدًا، وتبدلت ملامحه لصدمة ودهشة، امسك بتلك الوصاية ثم فتحها ليجد ما جعل الأثنان أكثر صدمة وقلق
( لو قرأت دي يا جلال يبقى لقيت الوصاية وأنا ميت دلوقتي.. بص يا جلال سدرا لزمًا تحميها من منظمة كبيرة مليانة جرايم.. وبالأخص الدفلي لأن المنظمة دي اشتغلت فيها على أنها شركة محترمة بتهتم بالأبحاث العلمية.. وفي مرة كنت شغال على نوع فيروس معين بيتنشر وسط العالم في وقت قصير وبيقتل خلال يومين بس اشتغلت برضو على علاجه وفعلا خلصت البحث بتاعه بس زميل ليا سمع واحد من الحرس بيقول انهم هيقتلونا بمجرد ما نخلص الابحاث بتاعتنا وتتنفذ، ساعتها هربت منهم وأخد البيانات بتاع الفيروس دي والعلاج بتاعه وحطتها في شريحة صغيرة وزرعتها في دراع سدرا الشمال.. أعمل العملية لسدرا وشيل الشريحة من دراعها واحرقها أوعي تقع في ايد المنظمة لو عرفوا أن الشريحة دي في دراعها كل اللي عملته هيروح هدر.. أنا عملت كده لأن محدش هيشك إن سدرا ممكن تشيل شريحة في دراعها وإن لو الفيرس اتنشر وأنا حصل حاجة تلقوا علاج ليه)
انزل جلال الورقة من يده ولكن مع نزول تلك الورقة كانت صخرة ضخمة، حادة هبطت على رأسه ورأس فريال، تمتم جلال بنبرة مذهولة:
_ يعني سدرا دلوقتي في خطر تاني ولزمًا تختفي من العصابة!
مد يده سريعًا يمسك بالهاتف، يتصل بحمزة بعدما اعطى يوسف رقمه له كي يخبره بما يحدث، ولكن من رقم سري خاص بهم هما الثلاثة، أجاب حمزة بنبرة يأسه:
_ ايوة يا استاذ جلال.
:_ ألحقني يا حمزة!
قالها جلال في رعب، بينما انتفض حمزة من مكانه يردف بنبرة قلق:
_ في ايه؟
بدأ السيد جلال بشرح ما علمه للتو، بينما أخذ حمزة بيانات محمود وبدأ بالبحث عنه ليجده كان يعمل لدى شركة تحمل اسمًا مزيفًا تابعة للفرع الأخير من المنظمة وهي الدفلي، تشابكت الخيوط بعقله أخيرًا وعلم أن النهاية ليست منصفة، يمسح على رأسه في قوة يردف بنبرة غاضبة:
_ يارب.
امسك بهاتفه سريعًا يهاتف يوسف وما ان اجاب حتى هتف:
_ يوسف سدرا لزمًا تخرج من المنظمة لو مخرجتش أو معرفتش يبقى تقتلها!
*****
داخل غرفة نظيفة..
جلست تبكي بشدة، تتمنى أن تعود ليوسف مجددًا لعلها تشعر بدفء للحظة صغيرة، تطلعت نحو الباب وهي تشعر بدلوف أحدهم وما هي إلا دقيقة حتى ظهر امامها شخصٍ ذو ملامح قاسية، بني ليست بهينة، يردف بنبرة حاسمة:
_ أهلًا بكِ يا ابنة محمود عز الدين.
حدقت به في ذهول، كيف يعرف والدها؟ وهل والدها يعلم من هؤلاء؟ مدت يدها تزيل دموعها قائلة بنبرة مرتجفة ولكن لهجة الانجليزية:
_ هل تعرف والدي؟
ابتسم بشرٍ لم تراه بسليم ذاته، يتمتم بنبرة خبيثة:
_ نعم.. فقد كنت المسؤول عن مهمة توكيل أحد لقتله وقد نجحت بالمهمة!
يتبع.