رواية لتسكن الي الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم يسمينة مسعود
~ الفصل الرابع والعشرين ~
الفصل غير مدقق بتاتًا لهذا عذراً على وجود الأخطاء 🥺✋
:
•♡•
:
🍁" و تدعو ألَّا يكون طريقك وَعِراً لتَّنجو،
فيكون وَعِراً و تنجو.. ✋
لتعلم أن النجاة من الله لا من الطريق ☝️"
🖇
:
•♡•
:
فتحت نور الثلاجة مخرجة زجاجة ماء هامسة: سوف آخذ أنا له القارورة، أنتن فقط تابعن العمل.
غمغمت إحدى العاملات: ذلك البستاني لا أطيقه صدقًا ..
إستفهمت إحداهنّ منها وهي تتابع تقطيع اللحم: لماذا يبدو لي شاباً طيباً ؟
وضحت الأولى بقولها: تبدو نظراته غريبة مثل أولائك الشباب الطائشين..
هزت نور كتفيها معقبةً: في الحقيقة يبدو لي عادي.
لتتحرك بعدها مغادرة المطبخ من الباب الخلفي له متوغلة بالحديقة تقترب بخطى حثيثة من ذلك البستاني الذي كان يقلم إحدى الشجيرات الصغيرة فنادت عليه: يا أخ تفضل
إستدار لها المعني يرمقها بتفحص مرددًا بعبث: أهلاً بكِ يا نور
رفعت الأخرى حاجبها متمتمةً بإنشداه: نور ؟ تقصد الآنسة نور
قهقه بسماجة مردفًا بعدها: عادي كلنا عمال هنا و نعتبر أصدقاء
تغضنت تقاسيم نور من جرأته متقدمةً منه تمد له الزجاجة وهي تصرح: تفضل، لقد طلبت زجاجة ماء.
مد كفه لأخذ القارورة و هو يرمقها بتلاعب مجيبًا بفجاجة: شكراً لكِ يا نور أنتِ حقاً فتاة لطيفة.
إستهجنت تعابير وجهه فشعرت بتلامس أناملهما لوهلة فأبعدت كفها لتسقط الزجاجة أرضاً هادرة به: ما هذه الوقاحة يا هذا ؟
رفع المعني حاجبه مرددًا بمراوغة: خيراً ما بكِ ؟
رفعت نور سبابتها بوجهه وهي تنتفض بشدة مجيبةً بحنق: أنت وقح و قليل أدب و الآن فقط تأكدت لماذا كل العاملات ينفرن منك، لأنك قليل شرف حقًا
تطلع إليها الشاب بغضب مجيبًا بتهكم: تواضعي يا جميلة فلست من أميرات القصر حتى تنفعلي هكذا
جزت نور على أسنانها هامة بالرد إلا أنّ عينيها توسعت على أوجهما حين لمحت المعني ملقى على الأرض و أدهم يكيل له اللكمات هادرًا به بدم يغلي: أيها الحثالة تتجاوز بحق نساء القصر
ردد المعني بترجي: أبدًا والله يا سيد أدهم هي من بدأت
فغرت نور فاهها وقد بلغ هدير قلبها أوجه عندها تنفي بخوف: يكذب والله.
رفعه أدهم من ياقته موقفاً إياه بعيون تتقد شررًا: سوف تنقلع من هنا و إن لمحتك قريباً من القصر حينها سوف تنتقل لعالم الموتى أيها الغبي.
أومئ له الآخر بسرعة و قد شله الرعب حرفياً فدفعه أدهم للخلف مما جعله يتقهقر للوراء و قد هدر به بجنون: أغرب عن وجهي.
تراجع الشاب بضع خطوات مستديرًا بسرعة فارًا من تيارات غضب الأخير، فنادى أدهم بصوته الجهوري على مشرف العمال، هذا الأخير الذي هرول مسرعاً ملبيًا ندائه و هو يقول: تفضل سيد أدهم.
هدر به المعني بحدة: منذ متى ونحن نسمح بإختلاط العمال و العاملات ألم نقل أنو ممنوع منعاً باتاً حتى إلقاء السلام بينهم !؟
إرتبك الرجل معقبًا: عذراً سيد أدهم أي عامل جديد يحضر لهنا نخبره جيداً بالتعليمات و ننبهه، لكن ربما هو خطأ عفوي غير مقصود، أعتذر بالنيابة عنه ووعد لن تتكرر مجدداً
رفع أدهم سبابته بوجهه مرددًا بهسيس: ذلك الشاب إدفعوا له راتب هذا الشهر و ممنوع أن تطأ قدماه القصر أو حتى حدوده و لا تجبرني على إعادة كلامي.
أومئ له الرجل مجيبًا بعملية: حاضر سيد أدهم، عُلم
فتحرك بعدها بسرعة كي ينفذ تعليماته، فإستدار الآخر لنور هذه الأخيرة التي كانت تكتم أنفاسها بقلق جراء الموقف المربك الذي يحدث، فإبتلعت ريقها حين تقابلت مقلتاها مع عيني أدهم الذي كان وجهه متشحًا بالغضب فهمست بإعتذار: آسفة....
قاطعها بحدة مجفلاً إياها: حسب علمي أنه ممنوع الإحتكاكات بين الجنسين هنا أليس كذلك ؟
حاولت تهدئة روع نبضاتها مجيبةً: أجل، طبعًا لكنه طلب الماء فقط فأشفقت عليه لا غير..
دنى أدهم خطوة منها و قد هدرت عيناه بعاصفة كاسحة و هو يقول بصرامة: العمال لديهم المشرف الخاص بهم و هو يلبي طلباتهم كلها لهذا حاولي المرة القادمة ألا تشفقي عليهم لو تكرمت طبعًا
لملمت نور بسمتها بصعوبة مجيبةً بعملية: حاضر سيد أدهم..
لتستدير كي تغادر إلا أنه أوقفها قائلاً: و لا داعي لـكلمة " سيد " هذه لو تفضلت أيضًا ...
عضت على شفتيها تكبح ضحكتها مجيبةً بهدوء مختلق عكس عواصف قلبها المهتاجة: حسنًا
فتحركت بعدها متخذةً مسارها بخطى سريعة كأنها تهرب من شيئ ما، تاركة أدهم الذي شيعها بنظراته مرددًا بتهكم: سيد أدهم !!
:
•♡•
:
همست جوليا بتعب: يا إلهي ذكروني هل نسيت شيئًا ما ؟
أغلقت سحر هاتفها محولةً بصرها لوالدتها التي لم تكف عن الركض من مكان لآخر مجبرة إياها هي و شهد على مرافقتها لأغلب الأماكن خاصة محلات الملابس العرائسية تلك و كل ما يخص تجهيزات العروس، فزمت شفتيها مشفقة عليها مرددةً: أمي بالله عليكِ إرتاحي قليلاً، كل شيئ معد لهذا إسترخي رجاءًا
نفت والدتها مصرحةً بتسائل: فقط ذكروني ألم ننسى شيئًا !؟
هزت شهد كتفيها مجيبةً برقة: أمي جوليا لقد تأكدنا من جهازية كل شيئ الحمد لله، بداية من الفندق الذي سيقام الحفل به لغاية تجهيزاتنا نحن الشخصية لهذا لا ترهقي أعصابكِ ..
تنهدت جوليا براحة معقبةً: فقط لازال ثوب العروس سوف يحضر غداً صباحاً مع شهرة، لقد رأيت صور تصميمه لا مثيل له حقًا يا إبنتي ..ستبدين به ملكة حقيقية.
إغتصبت سحر بسمة مسايرة حماس والدتها قائلة: بإذن الله..
أردفت جوليا و هي تطالع المواقع الإلكترونية كي تحجز ما تريد: لكن دعيني أشتري لكِ بعض القطع أيضًا
تضجرت سحر مهمهمةً بعبوس: أمي والله تعبت من كثرة المشتريات تلك التي تحجزينها، لقد إشتريت عشرات القطع من كل الأصناف.
نفخ جوليا بغير حيلة و برطمت مردفةً: سحر هذا زفافكِ يا إبنتي و يجب أن تشتري وتدللي نفسك كثيرًا، أكيد لن ترتدي لزوجكِ تلك الفساتين المحتشمة التي كنت ترتدينها سابقاً
رفعت سحر حاجبها مستفهمة بضيق: أي محتشمة هذه يا أمي !! بالجناح كنت أرتدي لغاية ركبة لهذا فملابسي ليست محافظة بتاتًا
ضربت جوليا صدرها بكفها معقبةً بإستهجان: و هل سترتدين لرعد للركبة مثلاً !!
لملمت شهد ضحكتها متابعة اللعب بهاتفها، فغمغمت سحر بتهكم: في الحقيقة لا أظن أنني سأنزع الإسدال أصلاً أمامه.
قهقهت شهد برقة، فهدرت جوليا بإبنتها محذرة: سحر لا تفقديني صبري، زوجكِ من حقه أن يرى ما يسره، لهذا فملابسكِ ستكون كلها آخر صيحة.
قلبت سحر مقلتيها مستفهمةً بسخرية: و آخر صيحة هذه هل هي مكشوفة مثلاً ؟
تابعت جوليا تجولها عبر المواقع مجيبةً: طبعًا هي كذلك، كلها نصف الفخذ أو أعلى بقليل ..
إنفجرت شهد ضحكًا مجددًا غير قادرة على كبحها أكثر، في حين توسعت عيني سحر مرددةً ببرطمة بدت طفولية: أمي بالله عليكِ، ألا يكفي أنكِ منعتني من أخذ ملابسي القديمة من جناحي وإشتريت لي ملابس أغلبها عارية و الآن تزيدين من جرعة الكشف.
إحتدت تقاسيم جوليا مستفسرة بجدية: و أين الإشكال هَا !! ألستِ عروس و من حقكِ التمتع و التدلل؟
لوت سحر شفتيها مصرحةً بتسائل: لكنكِ تدركين طبيعة الزفاف يا أمي، لقد كنت صريحةً و صادقةً معكم لهذا على أي أساس سوف أرتدي مثل تلك الثياب ؟
رددت جوليا بتهكم: على أساس تدليل نفسكِ أولاً و التمتع كعروس و ثانياً جعل رعد يستحسن فكرة الإرتباط مستقبلاً، فعندما يرى إمرأة جميلة تسره إذا نظر و كلها أنوثة و دلال معه بالغرفة حينها قد يحب موضوع الزواج.
إستهجنت سحر حديثها مغمغمةً بعدها: هل تخططين لجعله يتزوج بعد الطلاق ؟!
تنهدت جوليا بإستنكار تجلى بتقاسيم وجهها و هي تقول: طبعًا لن أتركه وحيداً بعد الطلاق، سوف أصدع رأسه حتى يتزوج مجددًا، لهذا أتمنى أن يحب الزواج من خلال علاقتكما هكذا سيكون هناك أمل مستقبلاً
برطمت سحر متذمرة: أمي هل تريدين جعلي وسيلة و أداةً كي يحب رعد ذاك الزواج !! لا أقبل على نفسي أن أستغل هكذا..
ضربت والدتها كفيها ببعضهما البعض و هي تحولق: لا حول ولا قوة إلا بالله، ألست أنتِ من قررت جعل زواجكما صوريًا فقط و تخططين للطلاق بعد الزواج أيضًا و طبعاً نحن لن نضغط عليكِ أبدًا بقراركِ هذا، لكن طبعًا سوف أستغله أنا شخصيًا على الأقل لصالح رعد المسكين علّه يرى الجانب الجميل من الموضوع فيتحمس لتكرار الزيجة.
تراقصت إبتسامة ماكرة على ثغر سحر مجيبةً: طبعًا سأجعله يعشق سيرة زواج أكيد و سيكررها من أول أسبوع طلاق إطمئني من هذه الناحية يا أمي .
قهقهت شهد منحنيةً على أختها هامسة من بين ضحكاتها: لماذا أحس أنّ هناك معنى مبطنًا من كلماتكِ تلك يا سحرور ؟
قبضت عليها الأخرى تجذبها لها مقبلة خدها بحب عدة قبلات قوية مما جعل شهد تزداد تغريدة ضحكاتها محاولة الإبتعاد عنها إلا أنّ الأخرى لم تتركها بل زادت من وقع قبلاتها أكثر ..
- دعي أختكِ يا سحر و ركزي معي قليلاً
هدرت بها جوليا تمد لها اللوح الإلكتروني مسترسلة بقولها: أنظري لهذه القطع أظنها تناسبكِ.
فرت شهد من قيد يدي أختها متابعةً ضحكاتها عليها، فأخذت سحر اللوح تناظر ما به لتتوسع عينيها حين لمحت ملابس نوم عبارة عن بلوزة قصيرة و شورت مماثل من قماش الساتان فهمهمت بإنشداه: أمي هذا مكشوف جداً أيضًا، لا داعي له رجاءًا
كتمت شهد ضحكتها بصعوبة فجوليا منذ أن بدأت تجهيزاتها لسحر وهي لا تكف عن إقتناء أكثر القطع المثيرة و الفاضحة حسب قول أختها فكانت تتجادل معها كل مرة إلا أنّ أمها تفحمها بالرد كل حين فتصمت الأخرى على مضض تدعو الله بالصبر فقط..
أخذت جوليا منها اللوح هادرة بها: أنتِ عروس... عروس إفهمي هذه الكلمة ولا تصدعي رأسي، فصدقًا أنا مرهقة يا إبنتي .. و أيضاً أين الكشف هنا كلها بلوزة فوق السرة و شورت للفخذ لا غير.. أساساً هذا محتشم جداً يجب شراء ما هو عاري أكثر ..
فغرت سحر فاهها لتنفجر شهد ضحكًا على محياها المنصدم ذاك مرددةً من بين أنفاسها: صح ...معكِ حق أمي جوليا..إبحثي عن ما هو مكشوف أكثر...
جزت سحر على أسنانها هاتفة بسخط: أمي بالله عليكِ ..لن أرتدي مثل هذه الملابس أمام رعد ذاك، لو كان زواجاً طبيعيًا كنت سأفعل طبعًا، لكن ليس مع رعد بالذات سيخمن أنني أحاول إغراءه...
هزت جوليا كتفيها متابعة عملها على اللوح مجيبةً: لا ترتديه أنتِ حرة، لكن أكيد لن تحصلي على ملابسكِ السابقة لأنني سأحرقها و هكذا ستضلين أمامه دون لباس أصلاً..
تهدلت كتفي سحر تشعر بعدم جدوى النقاش مع والدتها التي هي متشبة برأيها ذاك، فحولت بصرها لشهد التي كانت تعض على شفتيها تكتم ضحكتها لتزم شفتيها ضاربة ذراعها بقوة ..
- ها قد أتيت
كلمات نبست بها مريم متقدمة منهن بوجهها البشوش و كفيها خلف ظهرها فجلست على الأريكة معهم مستفهمة بضحكة خفيفة: إحزري ما هدية زفافكِ مني يا إبنة أخي ؟!
إبتسامة صغيرة شقت ثغر سحر مجيبةً بعتب: عمتي رجاءًا والله ثم والله سأغضب منكِ إن كررت فعلة العمة رقية و شادية، لا داعي للتنازل عن بعض ممتلكاتكم لأجلي يكفيني حضوركم وإلتفاككم حولي و الله يشهد على صدق كلامي ..
غمزت لها مريم بمحبة مصرحةً: لا تقلقي يا حبيبتي أدرك جيداً أنك لست بحاجة لأي ممتلكات يكفي ما قدمه لكِ كل من أبي وأخواي خالد وفؤاد، لهذا فهديتي مختلفة تمامًا بل ستحبينها جداً أيضًا
تحمست شهد مستفهمة منها بفضول شقي: ما هي يا ترى؟
أخرجت مريم من خلف ظهرها صندوق مخملي بلونه الأحمر الفاقع مقدمة إياه لسحر هامسة: إفتحيه و ستعرفين
علت تقطيبة خفيفة جبين سحر آخذة العلبة منها فاتحة إياها ففغرت فاهها بعدها مرددة بإنبهار: هذه مجوهرات " خيط الروح "
هزت مريم كتفيها بفخر بهي معقبةً ببسمة خلابة: أجل هي مصنوعة من الذهب الخالص لكن ليس هذا هو المهم الآن، بل إحزري لمن تعود هذه المجوهرات ومن إرتدتها أولاً ؟!
كبحت جوليا بسمتها بصعوبة تناظر إعجاب شهد و سحر بالمجوهرات حيث أخذت الأخيرة تتلمسها بأناملها بمقلتين تشعان إعجاباً مهمهمة: من يا ترى؟
رقت نظرات مريم موضحةً بحنو: تدركين جيداً أنّ " خيط الروح" له قصة معروفة و بعدها تحولت قصته لإحدى تقاليدنا في عالم المجوهرات لهذا و كما إعتادت الأجيال السابقة منذ الحقبة العثمانية إرتدائه بمختلف المناسبات، لهذا إرتدته أهم نساء عائلتنا سابقاً و توارثته البنات من الجدة للإبنة ثم للحفيدة و هكذا حتى وصل لي أنا شخصيًا، فقد أهداني إياه جدكِ بيوم زفافي و هَا هو لكِ الآن فأنتِ تستحقينه أيضًا يا سحر خاصة أنكِ إبنة الغالي عصام..
رقت تقاسيم المعنية هامسة بإمتنان حقيقي: شكراً لكِ جزيلاً، صدقًا لا أعرف كيف أرد صنيعكِ هذا يا عمة، بارك الله فيك أسعدتني حقًا ...
بادلتها مريم بسمتها بحنو فتدخلت جوليا متسائلة بمودة: لم تجيبيها إحزري لمن يعود ذلك الطقم يا إبنتي؟
إنزوى حاجبي سحر بحيرة مجيبةً بتسائل آخر: من مثلاً !؟
أجابتها مريم بزهو أنثوي جذاب: يعود لجدتنا الأولى الخنساء، فقد إرتدته بيوم زفافها من جدنا الأكبر البطل ..
توسعت عيني سحر و فغرت فاهها مستقيمة من مجلسها بحماس دب بها قائلة: تمزحين طبعًا !؟
رمشت شهد بأهدابها عدة مرات محولة بصرها من الطقم لمريم مستفسرة هي الأخرى: هل تقصدين الخنساء المجاهدة الكبيرة التي قرأنا عنها بكتب تاريخ بلادنا بالحقبة الإستعمارية..
أومئت لها جوليا مغمغمةً بفخر: نعم هي بذاتها بإعتبارها إحدى زوجات رجال آل سلطان منذ العقود السابقة.
أيدتها مريم معقبةً على قولها بلطف: أجل و هذا الطقم كان من بين ما خلفته لنا فقد توارثته إبنتها و بعدها لحفيدتها و هكذا حتى وصل لي أنا شخصيًا، لكننا نحن نرسله كل فترة للصانع المجوهرات كي يجدده و يعدل أي شروخ به كي يضل جديداً ومصانًا للأجيال القادمة..
جلست سحر بمكانها هامسة بإنبهار حقيقي: يا إلهي و أخيراً نلت إحدى مقتنياتها الفريدة ..
إرتخت ملامح جوليا موجهةً حديثها لمريم: شكراً لكِ يا مريم كعادتكِ أنتِ طيبة و حنونة على الكل، صدقًا لن أنسى لكِ صنيعكِ هذا و إدخالكِ السرور على قلب صغيرتي.
عبست تقاسيم الأخرى مجيبةً إياها بعتب: بالله عليكِ يا جوليا ما هذا الكلام ؟ الله فقط يشهد محبة سحر و شهد بقلبي خاصة أنهما إبنتي أخي الحبيب عصام لهذا فكل شيئ فداءًا لهما (لتوجه بصرها لسحر مسترسلة) و أنت يا عروس حافظي عليه جيداً كي ترثه بناتكِ من بعدكِ فيجب أن تتوارثه الأجيال كنوع من العزة و الفخر لنا نحن حفيدات الخنساء...
أغلقت سحر العلبة المخملية مجيبةً بعيون تشع حبورًا: بإذن الله وعد سوف أضعه بعيني يا عمة.
تبسمت لها الأخيرة بحنان مستقيمة من مجلسها و هي تقول: والآن علي أن أتصل بالكوافيرة خاصتي كي أحدد معها الميعاد.
أومئت لها سحر بمحبة لتتحرك الأخرى تاركة إياهن مع بعض، حيث إستفهمت جوليا من إبنتها: من الذي إتصل بكِ قبل قليل ؟
تنهدت سحر بخفوت مصرحةً: لقد كانت ميس فقط تسألني إن كنت بحاجة لأي مساعدة، تلك المستفزة تريد رد ديني كما تقول لهذا أقسمت عليها إن أحضرت لي أي شيئ سوف أطردها من الزفاف .
قهقهت كل من شهد و جوليا هذه الأخيرة التي رددت: هل سوف تأتين صديقاتكِ للزفاف يا إبنتي؟
أومئت لها سحر مؤكدة بقولها: طبعًا سوف يحضرن، ميس و حماتها و ريم و ليلى و هدى والخالة صفا كذلك أكدت عليهن بأن يأتين أو سوف أحزن منهن..
تنهدت جوليا براحة هامسة بعدها بتسائل: صغيرتي هل حاول عميكِ الحديث معكِ ؟
لوت المعنية شفتيها مجيبةً و هي تقرص خد أختها برقة فتبعدها الأخرى بملل متابعة تصفح هاتفها: أخبرتني العمة رقية برغبة عمي فؤاد الحديث معي لكنني رفضت، و صباحًا أراد عمي خالد الحديث لكنني إعتذرت منه هو أيضًا معلمة إياه بعدم رغبتي بفتح أي حوار.
زفرت جوليا بحيرة قائلة: لم أشأ أن أتحدث مع عصام بهذا الخصوص فهو لا يحبذ التدخل بعلاقاته مع إخوته، لكن لابأس لو منحتهم الفرصة يا إبنتي، خاصة أنّ شادية مستاءة من الوضع و تشعر بالحرج الشديد من عصام لأنها تحترمه جداً وتعتبره كأخ كبير لها..
زفرت سحر تشعر بالإختناق يكبلها فهمست بوهن: رجاءًا يا أمي لا أريد أي حديث معهم، من فضلكِ لا تضغطي علي.
إرتبكت شهد مبصره إنفعال أختها الجلي فمسحت بلطف على عضدها هامسة: لا بأس يا سحر، أمي جوليا إقترحت فقط
تنهدت والدتها مفضلة عدم الضغط عليها مرددةً: حسنًا حبيبتي فقط لا ترهقي نفسكِ يا عروس ..
إغتصبت سحر إبتسامة تحارب بأقصى قوتها تصدعاتها الداخلية و مسايرة فرحة والدتها الجلية على محياها ذاك، هذه الأخيرة التي تهللت أساريرها حين لمحت رعد مترجلاً من سيارته من بعيد فنادت عليه بمحبة: بني تعال من فضلك ؟
حول المعني بصره لهنّ ليلبي نداء زوجة عمه متقدماً نحوهن فجزت سحر على أسنانها متمتمة بتهكم: رائع حقًا، هذا ما كان ينقص أعصابي كي تشتعل أكثر.
لملمت شهد ضحكتها في حين رمقتها جوليا بحدة جعلتها تصمت على مضض، فتقدم رعد أكثر مجيبًا بهدوء: هل تريدينني بشيئ يا عمة ؟
ربتت الأخيرة بجانبها على الأريكة قائلة: تعال بني أريدك بشيئ ما
إتخذ رعد مجلسًا بقربها يناظرها بمقلتين متسائلتين فأرضت جوليا فضوله مصرحةً: بعد غد الزفاف يا بني ولم تقررا بعد أين ستقضيان شهر العسل؟
علا الإستهجان تقاسيم وجه سحر فهمت بالإعتراض إلا أنّ شهد التي كانت تكتم ضحكتها قرصتها على فخذها مشيرة لها بأن لا تقاطعهما أفضل فقلبت الأخيرة مقلتيها بضجر.
في حين تردد رعد بحيرة فهو أصلاً لم يحسب حسابًا لهذه الفكرة فهو يعتبرها شيئ تافه لا غير، فأقر بصدق: في الحقيقة لم أفكر بالأمر يا عمة
مسحت جوليا بحنو على ذراعه مجيبةً: لم يبقى وقت يا بني لحجز التذاكر و الفندق ..ما رأيك بالمالديف أو سنغفورة أو أندونيسيا ..؟
إحتار رعد فأسرعت سحر بقولها: لا أريد مغادرة الوطن يا أمي.
رمقها رعد بجمود فناظرته الأخرى بتحدي أنثوي، حيث عقبت جوليا بقولها: لكن لماذا يا إبنتي؟
تحججت سحر بمراوغة: من فضلك لا أريد مغادرة الوطن يكفي أن نقضيه بإحدى مدننا هل نسيتي أن وطننا أجمل من باقي الوجهات التي تحدثت عنها أساساً
تنهدت جوليا مستفهمة: حسنًا ماذا تقترحين ؟
مطت سحر شفتيها بحيرة تفكر بإقتراح مناسب فإنحنت عليها شهد متمتمة بكلمات رقيقة فأيدتها سحر موجهة بصرها بعدها لوالدتها و رعد الذي كان يرمقها ببرود تام مجيبةً بعدها: حسنًا إخترت وهران إنها مدينة فائقة الجمال.
أومئت لها جوليا إيجاباً محولة نظرها لرعد مستفسرة منه بحنو: و أنت يا ولدي ماهو رأيك ؟
تبسم لها المعني بمودة مجيبًا إياها: لا بأس يا عمة أنا طوع أمركِ
ربتت الأخيرة على كتفه تناظره ملأ عينيها هامسة بأمومية: لا حرمني الله منك و عسى أن يسعدكما مع بعض و يرزقكما بالذرية الصالحة.
توسعت عيني سحر في حين لملمت شهد بسمتها بصعوبة تغرس رأسها بهاتفها كي لا تنفجر ضحكًا، في حين قد تخشب جسد رعد مومئًا بصمتٍ تام مسايرًا كلمات زوجة عمه الغريبة بالنسبة له.
:
•♡•
:
طرقت منى الباب عدة طرقات خفيفة فتهادى لها بعد هنيهات صوت يأذن لها بالدخول، ففتحت الأخير تطل برأسها عبره و هي تقول: يا عروس هل تسمحين لي ؟
إستدارت لها جوليا مجيبةً ببسمة ودودة: طبعًا بنيتي تفضلي ..
تقدمت منى بالغرفة متوغلة أكثر حيث برزت لها سحر بقفطانها العصري ذو اللون السكري ففغرت الأخيرة فاهها منبهرة بطلتها الأنيقة و الجذابة خاصة مع وشاحها الأبيض الذي إلتفت حول وجهها مع ذلك الكحل الذي أبرز وبشدة لازورد مقلتيها مرددةً بإعجاب شديد: واااو تبدين مذهلة حقًا يا سحر تبارك الله.
توردت المعنية مجيبةً إياها: شكراً لكِ
فتحت جوليا الصندوق المخملي آخذة سلسال "خيط روح" منه واضعة إياه على جبين سحر مثبتة جوانبه بدابيس صغيرة على وشاحها مغمغمةً بحنو: و هكذا قد إكتملت طلتكِ يا حبيبتي، حسنًا هكذا أفضل لا داعي لإرتداء باقي الطقم بما أنكِ ترتدين وشاحكِ
أومئت لها سحر بصمت مستديرة حيث المرآة تطالع نفسها التي إنعكست عليها، متقبضة على جانبها محاولة تهدئة روع نبضاتها بسبب ما هي مقدمة عليه متحاملة على ذاتها النافرة أصلاً من الفكرة تشجع نفسها قدر الإمكان بسرها بهمس خافت: لابأس يا سحر ..كلها أشهر معدودة و سوف تنتهي الزيجة..المهم مصلحة أختكِ بأول المقام..
ربتت جوليا على كتفيها مرددةً بحنو و عيون لامعة: هذا يوم عقد قرانكِ يا إبنتي أرسمي الإبتسامة و الفرحة على محياكِ ذاك يا قلب أمكِ أنتِ ..
إغتصبت سحر بسمةً مصطنعة على شفتيها مجيبةً بخفوت: حاضر
خرجت شهد من الغرفة الجانبية الصغيرة هاتفة بحماس بهي: كيف أبدو ؟
حولت المعنيات بصرهن لها حيث تأملنها بقفطانها الأزرق الملكي المطرز بالكريستال على أغلب حوافه تدور به بكل شقاوة فيسايرها هو الآخر بحلاوتها و دلالها مع وشاحها الذي ماثله بنفس اللون، لترتخي تقاسيم جوليا مرددةً بإعجاب حقيقي: فاتنة تبارك الله .
أيدتها منى التي إرتدت ثوبا بسيطًا من الساتان حيث كان يحدد جزئها العلوي ليتدرج بإتساعه من الخصر للأسفل بلونه الوردي الباهت مع وشاح مماثل: تبدين جميلة حقاً يا شهد
قهقهت الأخيرة برقة متابعة حركاتها الظريفة قائلة: طبعًا أنا كعادتي جميلة.
تقدمت منها سحر ترسمها ملأ عينيها محتوية خديها بين كفيها هامسة بتأثر: يا قلب أختكِ أنتِ
لتضمها بعدها بقوة تريد حفظها بين أضلعها هناك حيث الأمان فقط، فإستغربت شهد قليلاً إلا أنها بادلتها الحضن بمحبة مماثلة متسائلة بمناغشة: هل أنا جميلة لهذا الحد حتى تحضنيني ؟
إبتعدت عنها سحر قليلاً تناظرها ملأ عينيها بمقلتين تشعان حبًا أخويًا مجيبةً بعدها: أنتِ أجمل فتاة بهذا الكون يا شهد، أنتِ فقط ولا أحد مثلكِ، يكفيكِ أنني أراكِ ملاكًا بهيًا لا مثيل له.
توردت شهد بخجل مغمغمةً بعتب: ليس لتلك الدرجة يا سحرور.
قبلتها سحر على خدها مردفة من بين قبلاتها: بل و أكثر يا قلب أختكِ أنتِ
تنهدت جوليا و شعور الراحة يرتمي بين خلجاتها تتابع المشهد أمامها و ذلك التعلق الفريد من نوعه الذي يجمع الأختين داعية الله أن لا يفرقها أي شيئ مستقبلاً..
ففرقعت منى أصابعها قائلة بتذمر: يا إلهي و أخيراً تذكرت لماذا أتيت لهنا، أردت إعلامكن أنّ كل من الخالة ضحى و عطاء و أبنائهم هنا و كذلك المأذون لقد وصل وكل شيئ مرتب لهذا أرسلتني عمتي مريم كي أستعجلكن .
أومئت لها جوليا مجيبةً: حسنًا لقد أتممنا كل شيئ فلنغادر.
فحملت هاتفها من المنضدة متحركة بعبائتها الكمونية الفخمة ذات النقوشات الفضية على حوافها من الأسفل، فأشارت للبنات بالتحرك معها، فأخذت سحر شهيق ثم زفير متمالكة نفسها المتخبطة بين مدٍ وجزرٍ مشجعة نفسها بهمس خافت: كل شيئ سيكون بخير يا سحر ..إطمئني فقط.
::
نزلت الفتيات الدرج فلمحن أدهم و زياد بالأسفل بإنتظارهن حيث هتف الأخير بإعجاب حقيقي: أميرات آل سلطان بجلالة قدرهن ما هذا الجمال كله، بإستثناء منى طبعًا
قهقهت شهد برقة في حين قد قلبت منى مقلتيها مرددةً بضجر: أساساً لم أطلب رأيك يا ممل.
ففتح أدهم ذراعيه لأخته هذه الأخيرة التي رمت نفسها عليه فتلقفها بخفة مكبلاً إياها بذراعيه يدور به بالبهو مقبلاً كتفها بمحبة نابعة من عمق قلبه يبثها دعمه: صغيرتي ستصبحين عروسًا لرجلٍ آخر و تنسين أخيكِ الأكبر.
إبتعدت سحر عنه قليلاً متلمسة لحيته المشذبة هامسة بخفوت: أنت تستوطن القلب يا أخي لا أحد بإمكانه إزاحتك من عرش فؤادي.
لثم جبينها بحب فتقدم زياد منها جاذبًا إياها له يضمها هو الآخر لصدره فتمرغت المعنية بدفئ عضلاته متنعمة بشرارات المحبة التي يلفونها بها على الدوام، حيث عقب بلطف: حبيبة أخيها سوف توقع عقد قرانها و بالتالي سيحرم علينا إستفزازها.
إبتعدت عنه إنشات مجيبةً بلين: أبدًا يا حبيبي، سوف تضل خاضعاً لدلعي و دلالي و مسايرًا لجنون فرعنتي طبعًا يا قلب أختك أنت.
لوي المعني شفتيه قابضًا إياها من ياقتها مهسهسًا بحدة: لقد غيرت رأيي أيتها القزمة الغبية، تزوجي و إنقلعي من القصر.
قهقهت سحر برقة مرتفعة على رؤوس أصابعها مقبلة خده بحب سخي هامسة بدلال: حبيبي يا زيادي.
تركها الأخير على مضض ، حيث تضجرت والدتهم مشيرة لهم بالتحرك: تفضلوا هيا الكل بإنتظارنا.
تقدم أدهم من والدته مادًا لها ذراعه قائلاًا: هيا يا جميلة الجميلات.
توردت والدته محيطة ذراعه بذراعها متحركة معه تلملم بسمتها الخفية تلك، فتحركت منى معهما هي الأخرى، ليمد زياد ذراعه هو الآخر لسحر بما معناه تمسكي بي ففعلت المعنية بمقلتين فخورتين، ليمد ذراعه لشهد الصامتة مرددًا بمناغشة: و أنتِ أيضًا يا صغيرة ؟!
توردت شهد و إرتبك فؤادها معلنا هدير نبضه فنفت بحياء جذاب، ففغر هو فاهه متظاهراً بالصدمة هامسًا: ترفضين زياد بعظمته !!
وضعت قبضتها أمام ثغرها تضحك بخجلٍ جعل فؤاد الأخير يرتج بين أضلعه متأملاً إياها بكل ذلك البهاء السالب للنظر و لخفقات القلب أيضًا فتنحنح متظاهراً بالمسكنة: هيا على الأقل سيكون بصحبتي أميرتين بدلاً من قزمة غبية واحدة ..
إزداد إيقاع تغريدها تنفي بدلال واضعة كفيها على وجهها بحياء شديد، فهمس بعبوس: هل تقهرين قلبي الصغير الحساس ؟
رفعت سحر حاجبها موجهة بصرها من أخيها لشهد المحمرة خجلاً لتعيد نظرها مجددًا لزياد الذي كان يبرطم بتذمر فضربت ذراعه قائلة: على أساس سأدعها تفعل ذلك، هيا تحرك و لا تصدع رأسي.
قلب عينيه مشيرًا لها بالسير فمشت معه بخيلاء أنثوي بهي، فرمق شهد بعبوس لتشيح بوجهها بتورد جذاب أطاح بباقي حصونه المشيدة ..
::
دلفت سحر للقاعة رفقة أخيها زياد الذي كان يحيطها بذراعه من خصرها كأنه قد أحس بإرتباكها وإنفعال كيانها فتقدمت معه متظاهرة بالثبات قدر الإمكان، تاركين شهد قد ولجت للقاعة الأخرى حيث مجلس النساء فقط، فتوغلت أكثر لينحني عليها زياد هامسًا بمناغشة: سنفورتي سوف يُعقد قرانها وأنا مثل الأبله مازلت عازباً.
لملمت بسمتها ضاربة خصره بكوعها كي لا يضحكها بمثل هذا الموقف المهيب بالنسبة لها، فحولت بصرها حيث تجلى لها بوسط الغرفة طاولة طويلة مزينة بالتل الأبيض وقد جلس حولها كل من المأذون و والدها و جدها و رعد الذي كان محياه جامداً تمامًا، في حين قد تفرق باقي الرجال العائلة من عميها و أبناء خالتها متخذين مجالسهم على الأرائك.
إستقام عصام من كرسيه فاتحًا ذراعيه لها يناظرها بمقلتين تبثان رذاذًا من حنانه المعتاد، فأسرعت له محيطة خصره بذراعيها تغرس ذاتها بين جنبات صدره الدافئ فأحاطها المعني هو الآخر بذراعيه مقبلاً أعلى رأسها مشجعاً إياها على السير حيث الطاولة، فسايرته بخطواتٍ حثيثة ليرجع كرسيها للخلف قليلاً فجلست بمكانها تدس كفيها بحجرها تبذل جهداً جبارًا كي تداري حرباً ضروسًا مقامةً بجوارحها فتخلف بداخلها حطامًا و ركامًا متداعيًا، فأحست بكفين دافئين يمسحان بحنو على ذراعيها من الخلف مع قبلة توضع فوق وشاحها مع ذلك الهمس الذي يبث لأذنها: إسترخي يا قرة عيني و تذكري أنّ والدكِ هنا و خلف ظهركِ، حسنًا.
تسرب سيل من الراحة و الطمأنينة لفؤادها فأخذت شهيق ثم زفير محاولةً السيطرة على صراعاتها الداخلية، حيث إفتر ثغرها عن بسمة صغيرة فوالدها دائما يتمكن من تفهم ما بأعماقهم من مشاعر و أحاسيس مختلفة...
ردد جاسم الذي كان متكئًا كعادته على عكازه بصوته الجهوري: هيا تفضلوا.
أومئ المأذون مستفهمًا بهدوء: كلا الطرفين هنا ؟
أجابه رعد ببرود: أجل.
ليشير عصام لإبنه أدهم بالقدوم فدنى الأخير منه متسائلاً: نعم أبي هل تريد شيئاً ؟
أومئ له عصام موضحًا بجدية: سوف تكون شاهدًا مع أختك سحر و أنا سوف أشهد مع رعد.
علت تقطيبة خفيفة جبين أدهم إلا أنه تفهم مقصده و قد طفت إبتسامة على ثغره لحكمة تصرف والده.
فجلس أدهم قرب أخته مبتسمًا لها برجولية عساه يتشرب منها هواجسها تلك، ليتحرك عصام واقفًا خلف رعد رابتًا على كتفه بأبوة كأنه يعلمه بأنّ أباه هو أيضًا خلف ظهره يدعمه و يشد أزره بمثل هذه اللحظة..
تبسم جاسم على شهامة إبنه مفتخرًا به بحق، فرفع رعد بصره لعمه كأنه يمتن له بمقلتاه السوداوين تلك ليعيد بصره للمأذون مشيرًا له بالبدأ، هذا الأخير الذي ردد بعملية: اليوم سوف يتم عقد قران السيد رعد آل سلطان على الآنسة الكريمة سحر آل سلطان و موكلها ووليها السيد جاسم آل سلطان .
أومئ له الجد مرددًا بجدية: نعم سأكون أنا وليها.
إنحنى هاني على زياد مستفسرًا بعدم فهم: لماذا لا يكون عمي عصام هو الولي أليس هو أباها ؟
وضع زياد كفيه بجيبي بنطاله الرمادي موضحًا: يا بني آدم الأمر واضح، لأنّ أبي منح وكالتها لجدي فإعتباره سيكون شاهدً مع رعد إفهم.
قهقه هاني بخفة معقبًا: ماشاء الله الأب المثالي.
قلب زياد مقلتيه مرددًا بضجر: لو بقيت بمنزلك لكان أفضل صدقًا..
أخذ عصام الدفتر من رعد الذي وقع عليه واضعًا إياه أمام سحر، هذه الأخيرة التي أخذت القلم كي توقع بكفٍ مهتز فأوقفها أباها يميل عليه هامسًا بأذنها بجدية: إن كنت مترددة سأوقف الأمر فورًا يا قرة عيني.
إرتعشت مقلتيها بحيرة تبلور الفكرة بعقلها كآخر فرصة للتراجع، إلا أنها أدركت أنانيتها لوهلة فرضيت بقدرها مجيبةً بهمس مماثل: أبدًا يا حبيبي أنا واثقة بخطوتي هذه إطمئن.
أومئ لها بهدوء رابتًا على رأسها ، حيث وقعت بسرعة كأنها تفر من أي غباء قد يزورها فجأة، بعد هنيهات وضع جاسم كفه بكف رعد و يغطيهما منديل أبيض يرددان كلاهما ما أقره المأذون عليهما ..
بعد أن تمت الإجراءات بارك لهم المأذون داعياً لهم بالخير و البركة ليستقيم بعدها حيث أشار له فؤاد بالضيافة إلا أنه شكره متحججًا و مفضلاً المغادرة لأتمام باقي أعماله فتقدم معه كي يوصله للباب.
في حين قد عانق عصام رعد بمحبة أبوية قائلاً: مبارك لك يا ولدي.
بادله رعد الحضن مجيبًا بهدوء: لا حرمني الله منك يا أبي.
تأثر عصام بشدة فنادرًا ما كان رعد يناديه هكذا، فأفلح في ماداراة جلجلة مشاعره الأبوية مبتعدًا عنه كي يعانق إبنته، هذه الأخيرة التي كانت تُستقبل بالأحضان من قبل إخوتها، حيث أخذها هاني من ذراعي زياد الذي برطم بتذمر ليحيطها بذراعيه هو الآخر مغمغمًا بمباركة: مبارك يا سنفورة.
ضربته سحر على خصره مجيبةً بسخط: للمرة الألف لا تكن مثل زياد ذاك.
إبتعد عنها قليلاً مقبلاً جبينها مردفًا: أمركِ يا سنفورة.
جذبها أباها لحضنه مكبلاً إياها بقوة عساه يحفظها بين جنبات صدره للأبد هكذا يضمن أمانها أكثر، لتحيطه سحر بذراعيها مقبلة جانب صدره بحب ..
فإبتعد عنها بإنشاتٍ مرددًا بلين: تعالي زوجكِ سوف يلبسكِ خاتمكِ يا إبنتي.
فتقبضت على جانبها مومئة بنعم حيث أحاط كتفها بذراعه جعلها تقابل رعد، هذا الأخير الذي أخرج علبة مخملية صغيرة فاتحًا إياها مخرجًا الخاتم منها يمد كفه لها دون النبس بحرفٍ واحد، فمسح عصام بدفئ على ذراعها مصرحًا بجدية: إرفعي رأسكِ يا صغيرتي و مدي كفكِ لزوجكِ هيا.
رفعت المعنية بصرها له فتقابلت عيناهما لوهلة حيث تشنج فك رعد و إزداد ضلام مقلتاه تلك قابضًا على كفها ملبسًا لها الخاتم بسرعة، حيث أبعدت هي كفها سريعًا من قيد يده كأنها تفر من التيار الكهربائي الذي مسها بغتةً...
دنى زياد منهما ممسكاً بكف سحر يتأمل الخاتم الذي كان عبارة عن جوهرة تتوسطه و فصوص من الجواهر الصغيرة على جانبيه ليستفهم بإستفزاز: هل هو من الألماس؟
رمقه رعد ببرود مجيبًا: لا من البلاستيك.
لوى زياد شفتيها قائلاً بتهكم: صدقتي أتوقعها منك
إنحنى هاني قليلاً يتأمل الخاتم معقبًا بإستفزاز هو الآخر: لماذا ذوقك بشع هكذا ؟!
قلب رعد مقلتيه عليهما، حيث لملم أدهم بسمته معقبًا: لقد إختارته أمي بالمناسبة.
ضحك هاني بخفة مصرحًا: بما أنه ذوقه خالتي حبيبتي إذا هو رائع حقًا
تقدم جاسم من سحر فاتحًا ذراعيه لها فدنت منه محيطة خصره بذراعيها حيث قبل رأسها بمحبة هامسًا: مبارك يا إبنتي ..و بالمناسبة الجواهر التي على جبينكِ زادتكِ جمالاً فسبحان من خلقكِ فصوركِ
توردت الأخيرة ترفع رأسها لمحياه الرجولي الذي يشع هيبة و وقارًا فإرتفعت على رؤوس أصابعها مقبلة جبينه ذاك قائلة: حفظك الله لنا يا جدي والله وجودك بيننا أكبر نعمة لنا ..
تبسم لها بحنو رابتًا على وجنتها بمحبة خالصة، ليتقدم بعدها مؤنس ويزن اللذان ملا من المشهد المعروض أمامهما حيث ردد الأخير وهو يمد كفه لها فقدمته له مقبلاً ظاهرها: مبارك أختي الصغيرة
تخضبت وجنتها بالحمرة مجيبةً بهمس: العقبى لك.
قهقه هاني معقبًا بسخرية: كثفي الدعاء له فقط.
ليقلب يزن مقلتيه عليه متجاهلاً سماجته المملة تلك، فتهادى لها صوت مؤنس الهادئ: مبروك يا إبنة الخالة عسى الله أن يسعدكما.
أومئ له رعد بصمت في حين قد أجابت برقة: شكراً لك.
هنئها بعدها عميها الواحد تلو الآخر فأومئت لهما بصمت تام، فأشار عصام لرعد بقوله: بني خذ عروسك و أوصلها لقاعة النساء كي تحتفل معهن..
زفر رعد بخفوت مشيرًا لها بالتحرك فسايرت مطلبه تمشي بخطواتٍ مرتبكة فهي الآن زوجته شرعًا و قانوناً و هذا يربكها فعلاً ويزيد من تصدعاتها الداخلية التي كانت تبذل جهدًا عظيمًا في ترميمها سابقًا، لكن يبدو أنها عادت للوراء لألف ميل، لتتنهد بوهن نفسي تدعو الله بالفرج فقط.
ليفتح رعد الباب لها كي تغادر أولاً فخرجت ليتجلى لها عماد قادمًا مرددًا بضحكة خفيفة مستفزة: لا تقولوا قد فاتني عقد القران، يا إلهي لقد تركت كل أعمالي كي أحضر هذه المناسبة المهمة لبكر آل سلطان.
أجابه رعد بهسيس: نصيحة أغرب عن ناظري قبل أن أحطم وجهك ذاك.
قهقه عماد بغير فكاهة مجيبًا بتهكم: على رسلك يا عريس لا تبدأ حياتك الزوجية بالغضب فهو سيربك العروس .
ليدخل بعدها للقاعة تاركًا الإثنان مع بعض فتحركت سحر متجهة لمجلس النساء إلا أنّ صوته الحاد أوقفها: إنتظري
تخشبت سحر لوهلة لتستدير له تناظره ببرود تام هامسة: خيراً إن شاء الله.
دنى رعد منها و قد إحتد محياه و عيونه تتقد شررًا مجيبًا بخفوت شرس: هذه آخر مرة أرى الكحل بعيناكِ تلك.
إنزوى حاجبيها لوهلة مستفهمة بعدم فهم: عفواً !!
هدر بها بعيون قاتمة: كما سمعت تمامًا يا حرمي المصون.
ففغرت فاهها كالسمكة كي تجيبه لكنها أغلقته تناظره بجمود تام مغمغمةً بعدها: على الأقل إنتظر حتى بعد أن نلج لعش الزوجية و بعدها أعلن الحرب و ليس بهذه السرعة الفائقة ...ما شاء الله تبدو مستعجلاً على هدر الدماء.
إنحنى عليها رعد يرسمها بعينيه السوداوين تلك مرددًا بفحيح: كلامي وقد قلته لهذا جنبينا منذ الآن صداع رأس أحسن.
لاعبت بلسانها جدار فمها تفكر بأسهل وأسرع طريقة قد تصبح بها أرملة و بأقل الخسائر، فتنهدت معقبةً بضجر: صدقني كنت أود أن أقول لك حاضر يا زوجي الموقر...لكن طبعًا لن أفعل فأنا أفضل جعل دمائك تغلي أحسن.
طحن ضروسه هامسًا بخفوت حاد: كنت سأستغرب لو كنتِ مطيعة.
إبتسمت بسمة بلاستيكية مصرحةً بإستفزاز: جيد ..لأنك لن تراني حملاً وديعًا حتى بأحلامك الغبية تلك.
فهمت بالتحرك إلا أنه جذبها من ذراعها لترتطم بصدره منحنيًا عليها غارسا رأسه بوشاحها و هو يهمس بأذنها بتوحش مربك: صدقيني بنهاية المطاف سوف تكونين كذلك يا قطتي.
أبعدته عنها وقد إتقدت مقلتاها اللازوردية تمردًا مجيبةً بحنق أنثوي: صدقني لا يناسبك إلا عالم الأحلام والأوهام هذا يا زوجي المصون.
فتحركت بعدها بخطى عصبية حيث قاعة النساء تاركة رعد الذي شيعها بنظراته المضلمة و غضبه قد بدأ و إشتد ..
:
•♡•
:
وقف عصام قرب والده أمام باب القاعة يستقبل المدعوين ويسلم عليهم مرحبًا بهم ببسمة رجولية واثقة، فإستفهم جاسم بهدوء: هل حضرا أخويك ؟
أجابه عصام بجدية محضة: أجل هما هنا (فإسترسل بعدها بإستغراب) بالمناسبة هل حقًا تنازلت عن أرضنا بالحدود الغربية لسحر؟
أومئ له أباه بصمت فزفر عصام مستهجنًا فعلته تلك قائلاً: و هل ضرورية فعلتك تلك يا أبي، فهي أرض مميزة و متوارثة عبر الأجيال حتى أنك لم تمنحها حين ولد ذكور العائلة و الأهم أنّ سحر لا تحتاج لها أصلا ؟
رمقه جاسم شذرا مصرحًا: ماشاء الله على أساس أن مهرها لم يكن أضعافاً مضاعفة
قلب عصام عصام مقلتيه موضحًا: أبي بالله عليك أنت تدرك جيداً أنّ المبالغة بالمهر ليس هو هدفي فالحمد الله بناتي لا ينقصهن شيئ مادمن تحت جناحي، لكنني طبعًا في خضم طبيعة الزواج و الظروف التي أجبرتنا على هذه الزيجة فلن أمنحها لرعد بسهولة، فصغيرتي سوف تزف كالملكات حتى و لو كانت سمعتها قد طعنت في المقتل فهذا لن يدفعني لزفها كبضاعة لا قيمة لها..
ربت جاسم على عضده متفهمًا لطبيعة أبوته حيث حول بصره لحفيده رعد الذي كان يقوم بالترحيب ببعض المدعوين ومظهره الذي بدى أنيقاً ببدلة توكسيدو سوداء جعلته يبدو رجوليًا و جذابًا بحق..
حول أدهم بصره بقاعة الحفل الفخمة الخاصة بالرجال فقط، فهم من شيمهم أن لا تختلط نساءهم بالرجال بأي مكان كان، أولهم حفلات زفافهم فالقاعة الأرضية يجتمع بها الرجال أما القاعة التي بالدور الثاني فهي خاصة بالنساء لا غير، فنكزه مؤنس على خصره مرددًا بتهكم: ماشاء الله سبقكم رعد للولوج للقفص الذهبي ..
إرتشف أدهم من عصيره مجيبًا إياه بسخرية مماثلة: لماذا تضع نفسك خارج الدائرة يا مؤنس، هل تفضل عزوبيتك هذه فأنت أكبر منا أنا و رعد أساساً ؟
جال مؤنس ببصره بين المدعوين الذين تباين مستواهم فمنهم شخصيات مشهورة و منهم شخصيات سياسية و رجال أعمال و هناك أقارب و أصدقاء العائلة، فردد بهدوء: حقيقة لم أجد الفتاة المناسبة بعد.
ضحك أدهم بخفة معقبًا على قوله: على أساس أنك بحثت عنها تلك العروس المسكينة التي تنتظرك على شرفة منزلها.
قهقه الآخر برجولية مصرحًا: أمي متوجسة من أن أتزوج فتاةً غربية فأبتليها بها كما تقول تحت شعار" تزوج بنات بلدك فهن من سيتحملن بشاعتك "
ضحك أدهم يهز رأسه على خالته ضحى و مقولاته الغريبة مرددًا: سبحان الله أليست هي نفسها التي كانت تقول على نفسها " رحمي الذهبي الذي ينجب شبابًا كالورد "
شاركه مؤنس ضحكته يهز كتفيه و هو يقول: صدقني أمي تغير حكمها حسب هرموناتها..
حول أدهم نظره لهاني الذي كان يناقش والده و يبدو عليه التحفز فعقد حاجبيه مستفهمًا: لماذا أخاك يبدو منفعلا ًمع العم وائل؟
علت بسمة ساخرة ثغر الآخر مجيبًا إياه: غالبًا جو الحفل هذا قد حفزه على لإسراعه بالزواج من سهام
زم أدهم شفتيه مرددًا بتهكم صريح: يبدو مستعجلاً جدًا ..
::
جز هاني على أسنانه مرددًا بضيق: أبي بالله عليك للمرة المليون كلها كلمات صغيرة لماذا تبخلني هكذا، ألست إبنك الصغير و حبيبك؟
لملم يزن بسمته فأخيه منذ نصف ساعة وهو يحاول إقناع أباهم بأن يتزوج هو أيضًا الشهر القادم فتمتم بضجر: مستعجل جدًا تبارك الله
رمقه هاني بحدة مهسهسًا بعدها: أنت إبقى عازب بائس و أكرمنا بصمتك.
ليعود ببصره لأبيه هامسًا بمسكنة: هيا يا وائل يا عاشق العم رضا يحبك جدًا و يحترمك لهذا سينفذ كلامك
حولق أباه على جنون إبنه مجيبًا إياه بجدية حازمة: يا بني على الأقل قل الخطبة الشهر القادم و الزواج بعد أربع أشهر و ليس الزواج فوراً بعد شهر لا غير، ما هذا الإستعجال؟ هكذا تحرجنا أمامه
تذمر هاني مراوغًا إياه بقوله: يا حبيب ضحى الخطبة بعد أسبوعين و الزواج بعد أسبوعين هكذا أفضل و خير البر عاجله، و أيضاً أنا مستعجل على الأطفال، أريد الشعور بمثل شعورك أنت حين أنجبتنا
رفع والده حاجبه على سخافة حجته مفحمًا إياه برده: صدقني يشبه شعور رفس حمار أو دوس قطار سريع عليك فيحولك للحمة مفرومة متبلة.
إنفجر يزن ضحكًا خاصة مع عبوس أخيه ذاك فردد من بين أنفاسه: كلامك محفز جدًا على فكرة زواج يا أبي
طحن هاني ضروسه مغمغمًا بفحيح: حسنًا إذًا يا أبي، لكن حين أخبر أمي عن جارتنا عبير التي تتودد لك لا تلمني
توسعت عيني يزن مستفهمًا بإنشداه: عبير تلك التي تدرس بالجامعة ؟
قبض والده على ياقته متسائلاً بحزم: هل تهددني يا ولد ؟
هز هاني كتفيه مجيبًا إياه بمساومة: هيا يا أبي كلامك مع العم رضا يضمن لك أنني لن أخبر أمي عن تلك التوددات التي ترسلها لك الفتاة الشابة جارتنا.
فغر يزن فاهه مستفسرًا بذهول: فتاة شابة يا أبي !! بعد قصة عشقك الأسطورية مع أمي !!
أبعد والده هاني عنه مجيبًا بضجر: الفتاة تعتبرني كأبيها و تقول لي صباح الخير عمي وائل لا غير.
حرك هاني سبابته بوجه أبيه مزودًا جرعة الإستفزاز: تؤتؤ يا أبي، حتى و لو كان عمرها عشر سنوات تدرك جيداً أنّ أمي لن تعترف بالسن نهائيًا خاصة معك أنت بالذات، هل أكرر عليك مقولته العشقية المشهورة ؟
ربت يزن على كتفه مؤيداً قوله: من لا يعرف تلك الحكمة التي حفظناها عن ظهر قلب " وائل عشيقي و أي عين أنثوية تناظره حتى و لو بالخطئ سوف أقتلعها من جذورها " يبدو أنّ هناك حرباً تقرع على الأبواب يا أبي جهز نفسك.
أومئ له هاني بمكر كي يرضخ والده له قائلاً: كنت أبًا رائعاً حقًا يا أبتاه...هذه المرة أمي سوف تذهب لبيتها و تجرها من شعرها و تشوه وجهها، عبير المسكينة ضاع مستقبلها بسبب شراسة زوجة عاشقة تؤتؤتؤ
تشنج فك وائل فصدقا بدأت دمائه تغلي من سخافة ولديه فردد بهسيس خافت: هذه نتيجة خلفتي البائسة لكما ...لو أنجبت بنات لكان بركة لي من ذكورٍ حمقى.
أحاط هاني ذراعه حول رقبة أبيه مرددًا بتلاعب: ليس ذنبنا أنّ زوجتك تحتكرك يا أبي، فهي و منذ خطوبتكما كانت متملكة جداً من ناحيتك، هل أذكرك بكل حروبها مع كل أنثى كانت ترمقك حتى بعفوية.
شقت بسمة عاشقة ثغر وائل و إنتفخت أوداجه بزهو ذكوري مجيبًا بهيام: حقها طبعًا تلك الوردة الفواحة
لملم يزن بسمته في حين قد قلب هاني مقلتيه على أسطوانة والده المكررة على مسمعهم منذ سنوات عديدة فعقب: هيا يا أبي تدرك جيداً أنني لا أحب طعن أمي بالظهر لهذا طبعًا سأعلمها أنّ هناك جارة شابة و صغيرة أيضًا تريد خطف زوجها و حبيبها بعد أن قالت له "صباح الخير يا عم وائل " ما هذا التحرش الواضح، لا وفي عز النهار أيضًا !!
كبح يزن ضحكته مسايرًا أخاه بقوله: صح أخي معك كل الحق، كل شيئ إلا التحرش والتغزل بأبي، أمي ستسفك الدماء كعادتها دفاعاً عن عشيقها الأزلي ..
طحن والدهما ضروسه صدقًا يريد ضربهما هذان الوغدان فتنهد بتململ مرددًا بعدها: حسنًا كالعادة إنتصرت علي أيها الغبي
قبله هاني بقوة على وجنته مصدراً صوتاً مزعجاً وهو يجيب: أحبك يا وائل يا عاشق
أبعد أباه ذراعه عنه بضيق هامًسا بحنق: أمري لله فقط
فتحرك بعدها حيث السيد رضا عساه يقنعه بجنون إبنه ذاك، تاركا هاني يقهقه عليه هامسا بنصر: رائع هكذا سأكون ثاني عريس بعد رعد ذاك
رمقه يزن بنظرة جانبية مرددًا بتهكم مبطن: جيد أنك فزت بسهام مجددًا بعد أن أضعتها أول مرة.
ناظره هاني بسرعة و عيونه تتقد خطراً مستفسرًا بعدها: ماذا تقصد ؟
حول أخيه بصره بأرجاء القاعة التي إمتلأت على آخرها مجيبًا إياه: أقصد زواجها الأول الذي أبعدها عنك.
تقبض هاني حتى إبيضت مفاصله يشعر نفسه ككتابٍ مفتوحٍ مكشوفٍ أمام الكل فهمس بحدة: لا أفهم مقصدك يا عزيزي لهذا لا تصدع رأسي أحسن
ناظره يزن بوجوم معقبًا بجدية: حظك جيد يا أخي هَا قد عادت معشوقتك لك بعد طول صبر ...
حدق هاني بعمق عينيه مجيبًا بغضب حاول كبته: يزن من فضلك لا تستفز أعصابي، إبنة خالتي و تقدمت لخطبتها عادي لهذا لا داعي للأفلام الهندية التي تدور بدماغك ذاك..
هز المعني كتفيه مجيبًا ببرود: ربما ..لكن غريب لطالما كنت أشعر و منذ سنوات أنك منجذب لها.
مط هاني شفتيها مداريًا رجفته الداخلية: يبدو أنك تتوهم لا غير
لوى يزن شفتيه مصرحًا بتهكم جلي: ربما
زفر هاني بخفوت محاولاً التحكم في إنفعالاته فأعاد بصره لأخيه مستفهمًا: بالمناسبة هل أنت بخير؟
طحن يزن ضروسه و قد إحتد محياه بحنق مجيبًا بعصبية مكبوتة: صدقني سوف أضربك يا هاني إن كررت سؤالك السخيف هذا
قلب الأخير مقلتيه مرددًا بتململ: بالله عليك تمالك نفسك كنت أريد الإطمئنان عليك فقط..
إبتسم يزن بسمة صفراء مصرحًا بسخرية: شكراً لك إذًا لا تطمئن علي يا حبيبي..
:
•♡•
:
مد يديه مسلمًا على أحد الضيوف محاولاً قدر الإمكان الإبتسام و مُظهرًا تعابير السعادة كي لا يتم تأويل برودته المعتادة بأي نية مشككة تجاه موضوع الزواج، فجالت بعيناه بالقاعة مبصرًا عمه عصام الذي يبتسم هو الآخر بسعادة جلية على محياه ذاك يرحب و يسلم على الكل، فإسترخت تقاسيم وجهه قليلاً فعمه صدقا يستحق كل خير
- مرحبًا يا عريس
تقدم منه عماد ببسمة سمجة مستفزة ليرمقه رعد بجمود متجاهلاً إياه فقهقه الآخر معقبًا بإستفزاز: هيا يا عريس لماذا أنت واجم هكذا لقد فزت بأجمل فتاة بآل سلطان كلها.
توسعت عيني رعد على جرأته تلك فغلت الدماء بعروقه قابضا على ذراعه مهسهسًا بشراسة: تعال معي أيها النذل.
دفعه بخفة كي لا يلفتوا الأنظار لهم فضحك عماد بعدها هامسًا: دعني أودع على الأقل والدي قبل أن تقلتني.
شد على ذراعه أكثر مجبراً إياه على التحرك معه و الخروج من القاعة متجهًا به حيث موقف السيارات الفارغ ليباغته بكلمة جعلته يتقهقر للخلف بضع خطوات ثم لكمة أخرى أردته أرضاً، حيث إنحنى عليه قابضًا على ياقته هادرًا به بجنون: قسمًا بالله يا عماد إن ذكرتها مجددًا على لسانك ذاك سوف أدفنك حيًا أيها الوغد لا تفقدني رشدي هل فهمت ؟
مسح المعني الدم من جانب شفته مرددًا بإستفزاز أكبر: حسنًا لا داعي لكل هذه الغيرة يا رعد، لقد باركت لك فقط بعد فوزك المضفر بها .
تشنج فك الأخير و أضلمت عيناه أكثر مكيلاً له لكمه أخرى هادرًا بعدها بفحيح متوحش: زوجتي خط أحمر أيها اللعين، لن أتوانى عن قتلك إن فكرت ..مجرد التفكير بالهمس بإسمها.
ليدفعه على الأرض معقبًا بحدة: وغد
متحركا بعدها بخطوات عصبية والجًا للقاعة تاركاً عماد الذي إستقام يعدل ثيابه متمتمًا بتهكم: بدأ بدور الزوج المثالي منذ الآن
::
ولج رعد للقاعة و لازال شعور الحنق يلازمه، ذلك المستفز البغيض صدقًا جعل دماءه فائرة، حيث تهادى له صوت عمه عصام الذي نادى عليه: بني أين كنت ؟
حول المعني بصره له مجيبًا إياه بمراوغة: كنت خارج القاعة أتنفس قليلاً من ضغط الحفلة و صخب الموسيقى
ربت عصام على كتفه مستفهمًا بلين: هل أنت بخير يا ولدي ؟
إسترخت تقاسيم رعد فحقًا يحب نبرته الدافئة تلك خاصةً حين يناديه كإبن له فأومئ بهدوء مصرحًا: طبعًا أنا كذلك يا عمي لا تشغل بالك
تنهد عصام براحة يضغط على كتفه بلطف موضحًا: أعلم أنني كررت هذا الكلام على مسمعك عشرات المرات يا بني لكن لا أستطيع إلا أن أبثه لك حتى تصبح صغيرتي ببيتك و تحت جناحك الخاص، لهذا فللمرة الألف أنا منحتك أحد أضلعي التي نزعتها قسراً من صدري كي أغرسها بصدرك أنت يا ولدي، لهذا فلا تكسر هذا الضلع أبدًا ..إياااك يا رعد، كن رجلاً وأكرم إبنتي، فرُجولة الرجل تبرز عندما يكون يسيراً رحيماً ، و حنوناً ، ليناً ، لطيفاً ..وليست في إظهار صلابَته و قوته و صوته العالي ..فالرجولة الحقيقية هي أن تكون سنداً وملجئاً ، و أن تكون زوجاً صالحاً و أخاً رحيماً و حبيباً حنوناً ..لهذا كن رجلاً لزوجتك الكريمة و ليس عليها يا بني ..
أومئ له رعد بتفهم فعمه لم يكف عن تكرار هذه الكلمات على مسمعه طوال الأسبوعين الماضيين كأنه ينبهه بأنه يتفهم طبيعة علاقته بإبنته المستفزة و يدرك تبعات ذلك، و بناءًا عليها يضل يوجه بصره للتصرف الحكيم و الصائب كي لا تخرج الأمور عن السيطرة بعدها، فردد بهدوء: أمرك يا عمي سوف أضع كلامك هذا نصب عيني لا تهتم .
تنهد عصام براحة مكوبًا وجنة رعد مجيبًا بكلمات حاول دمغها بعقل و قلب الآخر: أكيد أن الله يحبني كثيرًا حتى يكرمني بإبن و صهر مثلك يا ولدي.
إرتبكت مقلتي رعد لوهلة فرفع كف عصام لاثمًا إياه بمحبة صادقة لا يقرها إلا له ولزوجته جوليا هامسًا: لا حرمني الله منك يا عمي
- مشهد درامي مبتذل حقا
كلمات ساخرة نبس بها زياد الذي تقدم بحلته الرمادية الفاخرة مسترسلاً بتهكم: بدأتما بدور العريس و أبو العروسة منذ الآن .
تجاهله رعد يجول ببصره بين الضيوف، في حين قد إستفهم عصام بإستغراب: بالمناسبة كم صديقًا لك قد دعوت لأن القاعة و رغم كبرها الشديد فقد إمتلأت على الآخر ؟
وضع زياد كفيه بجيبي بنطاله يهز كتفيه ببرود و هو يقول: تدرك جيداً أنّ أصدقائي معدودين يا أبي، فحسب علمي دعوت المقربين جداً فقط أظنهم لا يتجاوزون المئتين ..
رفع عصام حاجبه متسائلاً بتهكم: مئتين !! والمقربين أيضًا !؟ حسنًا
قهقه زياد معدلاً ربطة عنق أباه قائلاً: تبدو وسيمًا بهذه البدلة يا هرقل ...سوف تخطف قلوب العازبات والعذارى.
لملم عصام بسمته مجيبًا: و هذا يؤكد عدم جودتك أنت.
مط الأخير شفتيه مبعدًا كفيه عن ربطة عنق والده معقبًا بتهكم: هيا يا هرقل لو كنت أريد إقناعك بجودتي لرأيت عشرات الفتيات يقتحمن القاعة يطلبن يدي منك.
ناظره والده شذرًا فنكزه زياد بضحكة خفيفة مردفًا: هيا يا أبي كل بعض من الحلويات المنتشرة و لا تبخل نفسك هذا يوم زفاف إبنتك القزمة تلك..
:
•♡•
:
بقاعة النساء العلوية قبلت جوليا وجنة ريم تناظرها ملأ عينيها هامسة بلين: و أخيراً قابلتكِ يا ريم، لطالما مدحتكِ سحر و شهد .
توردت المعنية بخجل مرددةً: شكراً لك يا خالة، سحر و شهد أيضًا رائعتان حقًا
أصدرت الأخيرة صوتاً مستلطفًا مستفهمة بفضول: أنتِ عازبة صح ؟
قهقهت ميس التي إرتدت ثوباً فيروزيًا من الساتان بحاملات عريضة يصل للركبة مع شعرها المفورد مردفة: أجل هي كذلك يا خالة.
قرصتها جوليا على خدها مغمغمةً بمحبة: قد نخطبك لأحد شبابنا مستقبلاً
إزداد تورد ريم مشيحةً ببصرها عنهن بحياء جذاب، فهزت جوليا رأسها على ظرافتها مستفهمة بحنو: أين باقي معارف سحر كي أرحب بهن يا بنات ؟
لملمت ليلى ضحكتها مشيرة لإحدى الطاولات البعيدة: هناك يا خالة، والدة ريم السيدة جيهان و والدتي السيدة صفا وكذلك جارتنا هدى وأختي مريم حضرت كذلك
قهقهت شهد برقة مرددةً: لقد هربن من مجلس النساء و جلسن بعيدًا عنهن كي يحلو لهن التنمر على المدعوات من بعيد يا أمي جوليا
ضربتها ليلى على ذراعها هامسة بحدة: كاذبة بل كي لا يصدعن رؤوسنا بنقدهن ذاك، كفاكِ حركة، كفاكِ رقصًا، كفاكِ أكلاً... تبا يشعروننا بأننا بمعتقل عسكري .
ضحكت جوليا بخفة قائلة بمودة: تصرفن على راحتكن يا إبنتي أنتن أهل العروس
هزت ليلى كتفيها بزهو مجيبة: أصبحت أحبك حقًا يا جولي
قهقهت المعنية برقة مردفة بعذها: حسنا سوف أذهب للترحيب بهن يا جميلات
فتحركت بعدها بعبائتها الفخمة الأرجوانية التي رُصع أغلبها بالكريستال مع تسريحتها الأنيقة التي جعلتها تبدو أكثر جمالاً و شبابًا ..
قبضت ليلى على ذراع شهد و ريم هامسة بحماس: هذه الأغنية رائعة حقًا تعالين للرقص وإشعال الجو.
سايرتها البنتان واقفتان بحيوية قد دبت بأوصالهن تاركات ميس التي هزت رأسها عليهن إلا أنها تبسمت بسعادة إنعكست على محياها البهي ذاك .
::
تبسمت ضحى متأملة ساحة الرقص التي إشتعلت بحماس الفتيات خاصة شهد وصديقاتها مرددةً: الفتيات حيويات حقا ماشاء الله
أيدتها عطاء بقولها: أجل تبارك الرحمان
وجهت ضحى بصرها لسهام التي كانت صامتة تتابع الساحة بمقلتين معجبتين مرتدية قفطانا أخضرًا فخمًا مع تسريحة بسيطة جعلتها تبدو في غاية الجمال فأردفت بلطف: العقبى لزفاف هاني وسهام كي نرقص به
رمقتها سهام بتورد مشيحة بمحياها عنها متابعة الجو الصاخب أمامها و قلبها قد أعلن خيانته المعتادة نابضًا بعنف يكاد يخترق أضلع صدرها، فهمست عطاء بحبور: قولي ياارب فقط
قهقهت ضحى مردفة بعدها: أظن أنّ زوجي وائل سوف يكلم زوجكِ رضا يا عطاء و يطالبه بإستعجال الزفاف، فهاني أصر على والده أن يفعل ذلك وغالبا سيكون بعد شهرين أو أقل ..
إرتبكت سهام أكثر تتلاعب بقماش قفطانها وقد بدأت وجنتيها تتخضب بحمرة الخجل وقلبها يقرع طبول العشق كعادته حتى ولو كان معشوقها يعاني نفورًا منها
في حين قد توسعت عيني عطاء مستفسرة بإنشداه حقيقي: شهرين !! نحن لم نقم بالخطبة أساساً فكيف يقفز فورًا للزواج ؟
ضحكت ضحى بخفة مجيبةً بعيون لامعة: بالله عليكِ يا عطاء و هل الخطبة شرط، عادي فلنقم بالزفاف فورًا دون مقدمات، ها هي سحر تزوجت دون أي خطبة بل ستزف فورًا لزوجها
غمغمت عطاء بعدم إقتناع: لكن شهرين قليلاً جداً يا ضحى ، متى سوف نجهزها و نحضر المشتريات ونجهز الحفل و غيرها، تدركين جيداً أنهم يستغرقون وقتًا
رمقتها ضحى بإستهجان مجيبة: أولاً تحضر فقط حقيبتها يا عطاء دون أي شيئ آخر، فدور هاني العلوي مجهز تمامًا من كل شيئ بإستثناء بعض الأمور الخفيفة التي سوف نقتنيها فيما بعد، و لنقم بحفلة بسيطة ولا داعي لكل هذا التعقيد بالله عليكِ، أنظري لزفاف رعد لقد جهزوا كل شيئ بأسبوعين فقط
زفرت عطاء بسخط مرددةً: و لماذا كل هذا الإستعجال ؟
غمزت لها ضحى مجيبةً: الشاب لا يستطيع الصبر، يتوق لعروسه جداً يا أختي هل سوف نحرمه من الإستعجال أيضًا ؟
قهقهت عطاء تهز رأسها على وقاحة أختها، في حين إختض قلب سهام بين أضلعها وقد إشتعلت وجنتيها خجلاً شديداً من الفكرة لوحدها، فشعرت فجأة ببرودة تخترق أضلعها ليزداد رعب فؤادها فقبضت بقوة على نسيج فستانها بكف مرتجف فإستقامت بأقدام هلامية هامسة بتلعثم هارب: ااا ..سوف أذهب للحمام و أعود
فتحركت بعدها بخطى سريعة متخطبة و رجفتها الداخلية تزداد إتساعًا ماسحة بسرعة دمعة إنسابت، واضعة كفها أيسر صدرها مهدئة روع كيانها المهتز عساها تفر من أشباح الماضي الذي يلازمها دون أن يحرر قيدها ...
فتقابلت مع منى بالممر هذه الأخيرة التي همست بمحبة: مرحبًا يا سهام.
لم تنتبه لها المعنية متابعة سيرها السريع، فعلت تقطيبة خفيفة جبين الأخيرة متمتمة بإستغراب: ما خطبها ؟
فتحركت بعدها تقبض على جانب فستانها الذهبي الذي كان دون حمالات يحدد نصفها العلوي ويتدرج بإتساعه من الخصر للأسفل بقماشه المخرم وعلى جوانبه فصوص من المجوهرات الصغيرة بلونها الفضي، حيث موجهت معها شعرها تاركة إياه منساب لتبدو في غاية الجمال والبراءة كذلك، لتتحرك حيث طاولة الفتيات موجهة بصرها لطاولة والدتها التي كانت قد إتخذت مجلسًا هناك مع زوجة عمها رقية وعمتها مريم وسارة التي كان وجهها جامداً طوال الحفل، متخذةً مجلسها تراقب رقص شهد والأخريات فإستفهمت منها ميس: هل أنهت سحر تجهيزها ؟
حولت منى بصرها لها مجيبةً بلين: كنت الآن عندها والكوافيرة و المساعدات أنهين تقريبًا و سوف تخرج غالباً بعد عشر دقائق لا غير ..
تنهدت ميس براحة تشعر بالشوق الشديد لرؤية صديقة عمرها بثوبها الأبيض تزف لعريسها.
:
•♡•
:
ثبتت الكوافيرة الطرحة على شعرها لتبعد بعدها كفيها هاتفة بحماس: و أخيراً إنتهينا يا عروس
إغتصبت سحر إبتسامة على ثغرها هامسة: شكرًا لكنّ حقاً
عدلت إحدى المساعدات الفستان من الأسفل قائلة: هيا يا عروس إستديري للمرآة و إنظري لنفسكِ كيف تبدين مبهرة ما شاء الله
أومئت لها سحر منفذةً مطلبها ذاك تجول بعيناها على المرآة الكبيرة المثبتة على الجدار تطالع ذاتها بفستانها المنفوش العصري مع طرحتها المُنسابة من رأسها حتى الأرض مع تسريحتها التي جمعت ما بين الفخامة و البساطة و يعلوها تاج مرصع زادها جمالاً و ملوكيةً ..
دلفت شهرة للغرفة المخصصة للعروس هامسة بإنبهار شديد: واااو تبدين في قمة الجمال يا سحر.
توردت المعنية مهمهمةً بخجل: شكرًا لكِ يا شهرة، صدقًا لا أعرف كيف سأشكركن على الفستان و كل ما قمتن به معي.
دنت منها الأخيرة محيطة ذراعيها من الخلف تناظرها عبر إنعكاسها على المرآة قائلة: لا داعي للشكر يا سحر فهذا هو عملهنّ و هو التصميم و تجهيز العرائس لحفلات الزفاف، و أيضاً خير والدتكِ سابق علينا و كلهن يحببن جوليا كثيرًا و مستعدات أن يكنّ خادمات لها فهي إنسانة مذهلة حقًا
تبسمت لها سحر بإمتنان حيث عقبت: بالمناسبة هل لي بطلب صغير و رجاءًا لا ترفضيه ؟
قابلتها شهرة مجيبةً إياها بمودة: أنتِ تأمرين
طفت إبتسامة ممتنة على ثغر سحر موضحةً: أظنكِ قابلت صديقتي ميس بالحفل أليس كذلك فقد عرفتكِ شهد عليها ؟
أومئت لها شهرة إيجاباً مصرحةً: أجل تلك التي عيونها خضراء، إنها فتاة لطيفة جدًا ما شاء الله
أقرت بعدها سحر بمطلبها: في الحقيقة هي مصممة للملابس خاصة الفساتين منها، لهذا هلاَ منحتها فرصة و تعاملت معها لأنها أحياناً تشعر بالملل لفراغ وقتها، ففكرت ربما تجد ذاتها بالإبداع بالتصميم كعادتها السابقة ..
إرتخت تقاسيم شهرة هامسة: حسنًا سوف أكلمها و أطلب منها بضع تصاميم و إن أعجبتنا وعد سوف نجعلها ضمن فريق المصممين ..
إفتر ثغر سحر عن بسمة ممتنة قائلة: لكن زوجها غيور جداً لهذا لو كان تعاملكم عبر الأنترنت يكون أفضل ..
وافقتها شهرة معقبةً: لا تقلقي من هذه الناحية فأغلب مصمماتنا يكون العمل معهن أونلاين و عبر الحاسوب فقط لهذا قليلاً ما نتقابل معهنّ إطمئني.
تنهدت الأخرى براحة مغمغمةً: شكراً لكِ جزيلاً، صدقًا أنتِ رائعة حقًا ..
همهمت الأخيرة بالعفو، فطرق الباب بعدها لتجيب سحر بهدوء: تفضلي
فتح الأخير قليلاً فأطلت منه نور مستفهمة برقة: هل تسمحين يا عروس ..
بادلتها سحر بسمتها مجيبةً بمودة: طبعًا حبيبتي تعالي
دلفت نور متوغلة للغرفة مرتدية فستاناً قرمزيًا يحدد كامل جسدها الرشيق بحمالات رقيقة مع تسريحة شعر بسيطة فبدى مظهرها ناعماً و بهيًا جدًا فرددت سحر بصدق: تبدين فاتنة حقًا يا نور
توردت الأخيرة بخجل تناظرها هي الأخرى بعيون متفحصة و منبهرة بإعجاب حقيقي قائلة: لكن كلنا لن نصل لمستوى روعة مظهركِ هذا يا عروس .
تبسمت لها سحر بمحبة حيث رددت شهرة لمساعداتها: هيا يا فتيات تحركن فقد إنتهى دورنا و لندع العروس مع صديقتها
أومئت لها الفتيات يرتبن تجهيزاتهن فكررت سحر إمتنانها: للمرة العاشرة شكراً لكنّ يا بنات، و لا تغادرن حتى ينتهي الإحتفال و تناولن العشاء رجاءًا
أومئت لها شهرة مجيبة بمودة: حاضر سوف أطلب منهن البقاء و التمتع بالحفل.
لتتحرك بعدها مع مساعداتها يغادرن الغرفة تاركين سحر رفقة نور التي عقبت بقولها: الكل متشوق لخروجكِ يا عروس.
ناظرت سحر نفسها بالمرآة تشعر بثباتها الذي حافظت عليه طوال الفترة الماضية يهتز و يتداعى تدريجيًا فإبتلعت غصتها المُرة بصعوبة، لتتسارع أنفاسها و إشتعلت جوارحها فتحركت بالغرفة تحس بالإختناق يداهمها و حكم قبضته عليها ..تدور بلا هدى و فستانها الضخم يتحرك معها ذهاباً و إيابًا
حيث علت تقطيبة خفيفة جبين نور مستفهمة بتوجس: سحر هل أنتِ بخير ؟
نفت الأخيرة واضعة كفها المرتجف أيسر صدرها متابعة سيرها المشتت بصعوبة هامسة: هواء..أشعر بالإختناق...
إرتبكت نور لإنقلاب حالها المباغت فأسرعت بفتح النافذة قليلاً كي تتسرب نسمات من الهواء البارد للغرفة عساها تتنفس بأريحية أكثر، فأشارت لها سحر بوهن: رجاءًا أريد أمي و أبي ...أريد عائلتي يا نور ..
توترت نور مومئة بسرعة ترفع كفيها أمامها علّها تهدئ روعها: حسنًا سوف أناديهم فورًا ..فقط تنفسي بِراحة من فضلكِ..
أومئت لها المعنية بصمتٍ فإنطلقت نور بخطى سريعة مغادرة الغرفة منفذةً مطلبها كي لا تخرج الأمور عن السيطرة ..
أخذت سحر شهيقًا ثم زفيرًا و هي تشعر بغليان فائر بأوردتها، متحركة بعصبية بالغرفة فإنسابت دموعها بقوة كأنّ هناك بركانًا بجوفها يريد الإنفجار لكنها تبذل جهدا جبارًا فلا تسمح له بالخروج كي لا يحدث خراباً و دماراً بعدها، فكبتت نار كيانها و وَأَدته بمهدها، رافضة الإنصياع لأي تهور لحظي قد يجبرها على إعلان تمردها ...مستحيل أن تكسر ظهر والدها و تخذل جدها بل و تتسبب في فضيحة كبرى للأسرة، ألا يكفيهم فضيحتها الأولى ، هذا قرارها بناءاً على إعمال عقلها و لن تتراجع جراء أي موجة غباء قد تصيبها بغتةً..سوف تحارب للنهاية و لن تستسلم أبدًا، صحيح أنّ جرحها لم يندمل بعد و لازال متقرحًا يعاني نزفًا منسابًا، لكن ستضل كعادتها لبؤةً ثابتةً..و ستولد من رماد الوجع كعنقاءٍ شرسةٍ شامخةٍ و لن تحني رأسها للهزيمة أبدًا ...أبدًا ..
فأطلقَت آخر دمعةٍ من مُقلتيها اللازوردية المحاطة بالكحل الأسود و أخذت نفسًا عميقًا و زفرت...زفرت و كأنّما إجتمعت كلُّ آلامِ الكون بزفرتها تلك التي تسربت من فاهها ..
فتح الباب فجأةً و قد ولجت جوليا مع شهد هذه الأخيرة التي يبدو وجهها شاحبًا رعباً على أختها، فإستفهمت والدتها تدنو منها بوجل: بنيتي هل أنتِ بخير لقد أرعبتنا نور عليكِ، ما بكِ يا صغيرتي؟
أسرعت سحر لها تعانقها بقوة فأحاطتها جوليا بذراعيها تمسح بدفئِ كفها على ظهرها مكررةً تسائلها الخائف: يا إبنتي ما بكِ ؟
تمرغت سحر بصدر أمها الحنون تتشرب منها ما يُهدأ روع جوارحها المهتاجة مجيبةً بصوتٍ متهدج: أريد أبي يا أمي .. رجاءًا أريده.
إبتعدت عنها والدتها قليلاً مكوبة وجنتيها بمحبة تقر بسؤالها الحاني: يا ضنايا ما خطبكِ ؟
إنفجرت سحر ببكاء مرير مقبلة جبين أمها ثم كفيها تتمرغ بباطنهما عساها تستمد منها رذاذًا من الطمأنينة كي تصد بها تباريح قلبها، مجيبة بصوتٍ باكي: شكراً على كل الدعم الذي حففتني به يا أمي ..أنا ..أنا و الله عاجزة عن التعبير عن كل ما أحطتني به أنا و أختي شهد منذ قدومنا .. صدقًا لقد عوضتني على كل سنين بعدي عنكِ يا حياتي.
إنسابت دمعة حارقة من مقلتي جوليا مهمهمةً بعيون مغرورقة بمدمعها: يا طفلتي ما هذا الكلام ؟ أنتِ إبنتي و ضنايا الغالي و الله يشهد أنني أفديكِ أنتِ و شهد بروحي دون لحظة تفكير .
دنت منها شهد مقبلة كتف جوليا مردفةً بتأثر: لا حرمنا الله منكِ يا أمي ..
هطلت دموع سحر الساخنة و قلبها ينتفض بشدة قائلة: رجاءًا نادي على أبي يا أمي، أريده حالاً
تنهدت المعنية مرددةً بحيرة: هل ضروري الآن يا إبنتي؟
أومئت لها سحر و تصدعاتها الداخلية تزداد إتساعًا مجيبةً بصوت هارب: أجل ..من فضلكِ و الله لن أتمم هذا الزواج دون رؤية أبي وأخوي أولاً
أومئت لها والدتها مسايرة إنقلاب حال إبنتها المفاجئ مخرجة هاتفها من جيب عبائتها متصلة بزوجها طالبة منه القدوم مع ولديها ..
أمسكت شهد كف أختها تمسح عليه بدفئ بكفها الآخر كأنها تبث لها شرارات من الطمأنينة فناظرتها سحر بإمتنان حقيقي متأملة صغيرتها بثوبها الفضي الفخم ذو الحمالات الرفيعة مع تسريحتها الأنيقة المتدلية على جانب كتفها فقد بدت ..راقية ..بريئة و فاتنة بذات الوقت ..كحورية بحر تشع رونقاً خلابًا ..لتهمس بحنو: تبدين رائعة بحق يا شهدي ..
توردت الأخيرة و تخضبت وجنتيها حمرة جذابة هامسة بشكر: كعادتكِ لا تكفين عن زرع الثقة بقلبي يا سحرور.
طرق الباب الخلفي فجأة حيث تهادى صوت عصام المستفهم: صغيرتي هل هناك شخص مكشوف ؟
أشارت جوليا لشهد بالتستر فأسرعت المعنية بأخذ إحدى الإسدالات التي كانت معلقة مرتدية إياه بسرعة، فمسحت سحر دموعها تداري رعشة روحها، حيث أجابت جوليا بهدوء: تفضل.
فتح الباب قليلاً فدلف عصام مع إبنيه، فأخذت سحر شهيقًا ثم زفيرًا مستديرة لهم فرفعت ذراعيها على جانبيها مستفهمة ببسمة حلوة: كيف أبدو يا أبطالي ..
خيم الصمت لوهلة يناظرونها بذهول تام تجلى على محياهم ذاك، فجالت مقلتي عصام على صغيرته يتأملها من أخمصها حتى أعلاها ..فقد بدت ملكة بحق بطلتها تلك ..كما تخيلها تمامًا بل و أجمل بكثير..أميرة قصره الشقية ..و طفلته الدافئة ..كبرت حقاً و صارت عروسًا ستزف لزوجها بيوم مقدس كهذا ..فغامت عينيه تسبحان بالوجع يناظرها كرجل شج فؤاده بعد أن سرقت صغيرته و إختطفها عريسها منه..ليهمس بصوت مبحوح: تبدين...مبهرة بحق..
توردت سحر بحياء جذاب محولة بصرها لأخويها متسائلة بمشاكسة تداري بها إضطراباتها الداخلية: هيا و أنتما يا حَبيبَي قلبي ..ما رأيكما بأختكما العروس؟
طافت مقلتي أدهم بها متطلعًا إليها بذهول طفيف لتتحول لضحكة خفيفة بعدها مقرًا بصدق: أجمل عروس أبصرتها عيناي و الله..
أيده زياد بقوله يكبت عاطفة شديدة داخل قلبه: جميلة بحق يا أختي.
قهقهت الأخيرة بخجل فطري مشيرة لأبيها بالتقدم لها تمد كفها له: تعال يا عصومي هناك شيئ أريد إعلامك به أمام الجميع.
سايرها والدها ممسكاً بكفها الممدود له يثبها دفئ مشاعره عبر كفيهما المتشابكة مع بعضهما مجيبًا بصوت خافت: تفضلي يا إبنتي.
وقف قبالتها لتناظره سحر ملأ عينيها رافعة كفها متلمسة وجهه الحبيب ذاك هامسة: يا قلب إبنتك لا أعرف كيف سأشكرك على كل ما منحته لي.
إهتزت مقلتي أباها مجيبًا بغصة مريرة: صغيرتي لا تشكريني ....
قاطعته سحر موقفة كلامه بعد أن وضعت أناملها على ثغره و قد إنسابت دمعة أحرقت جوارحها مسترسلة بصوت متهدج: رجاءًا دعني أنهي كلامي يا حبيبي.
حدقت بعمق عينيه و مدمعها يتابع إنسيابه هامسة بنبرة مثقلة بألف مرارة سكنت قلبها المتهالك: طوال سنوات بعدي عنكم كنت أتسائل ما هي الحكمة يا ترى من بُعدي عنكم ؟ و لماذا قد يقدر الله لي بأن أعيش بعيدة عنكم بدلاً من أن أبقى بينكم فأكبر كأي فتاة تنمو وسط أسرتها ؟ لكن بعد عودتي لكم تيقنت أنّ الحكمة كلها كانت في إختيار الله لنا، فبعد صبري الطويل ذاك لأكثر من إثني و عشرين سنة أكرمني الله بجزاءٍ عظيمٍ و هو أنتم يا أبي..والدان رائعان بحق مثلكما و أخوان محبان لا مثيل لهما ...عائلة مترابطة بقوة يدعم بعضه بعضاً ..كالجسد الواحد إذا جرح عضواً واحدًا إلتفت باقي الأعضاء حوله تحتويه و تجفف نزفه و ترمم أطلاله ..
رفعت سحر كفيها لوجه أبيها مكوبة خديه تتأمل تقاسيمه المتأثرة بكلماتها مسترسلة ببثِ ما يجول بروحها: لو خيرت مجددًا إذا كنت سأخطف كي أعود مرة أخرى فتكونون أنتم جزائي بعد طول بُعد و صبر فأكيد كنت سأختار نفس الإبتلاء كي يقر الله عيني بعدها بكم وبعظمتكم هذه ..
مسحت جوليا دمعتها المنسابة موجهة بصرها لولديها الصامتين و قد علت مشاعر مختلفة محياهما، فهمس عصام وقد إنصهر قلبه بين أضلعه: توقفي يا إبنتي ..
تكدست الدموع بعينيها فهطلت دون سابق إنذار معقبةً بصوت باكي: حين طعنت بشرفي و سمعتي توقعت عدة إنفعالات قد تصدر منكم، خاصة منك أنت بالذات يا أبي ..فرغم ثقي فيك إلا أنّ أي أبٍ في مثل ذلك الموقف و هو يرى بالدليل القاطع فيديو مصور لإبنته تغادر بيتًا للدعارة فأكيد سوف تثور ثائرته و يُرغي ويُزبد و يصرخ على إبنته وقد يراوده الشك أيضًا لوهلة و يعاتبها لتهورها فيزيد من كسرها و قهرها و يدمي جرحها أكثر فأكثر..لكنك يا بطلي لم تفعل أبدًا ..بل منعتني حتى من أن أشرح لك و قلت حينها كلمتك تلك (فضربت بعدها أيسر صدرها وصدغها مسترسلة ببكاء) تلك الكلمة التي نقشت كختم أثري قديم بقلبي و عقلي ..قلت من أول وهلة "أنني أثق بإبنتي تمام الثقة " لا تدرك ما أحدثته تلك الكلمات بقلبي و بروحي يا أبي ..تلك الكلمة رممت جروحًا كثيرة و شفيت من خلالها تقرحاتٍ عديدة و زرعت بكياني حبًا عظيمًا فريداً متفردًا لك أنت بالذات ..لأنك ستكون في قلب المواجهة ..مواجهة المجتمع كله... لكنك كعادتك كنت أبًا عظيمًا و رجلاً صنديدًا و شرسًا فيما يخص أطفالك فدفعتني بقوة كي أجابه معركتي وأثبت ذاتي مثلك تمامًا..قسمًا بالله لن أنسى لكم إلتفافكم حولي بمعركتي تلك ..خاصة أنت يا أبي قسمًا برب العزة موقفك هذا سيضل مخلدًا بذكراي و لو بعد ألف سنة و سأخبر أولادي و أحفادي مستقبلاً عن عظمة رجل يدعى عصام آل سلطان.
شهقت شهد تبكي واضعة كفيها على فمها تداري نشيجها، فمسح زياد هو الآخر دمعة قد تمردت من محجريه تأثراً بالموقف ..و لم يخالفه أخيه الأكبر و جوليا برد فعلهما..
فإنسابت دمعة حارقة على وجنة عصام و غصة مسننة تجرح حلقه هامسًا بنبرة مختنقة: توقفي يا إبنتي..
إزدادت دموع سحر الهاطلة و مشاعر زاخرة تداهمها مجيبةً بعد أن تخلت عن حصونها و أرخت أوتاد روحها: شكراً لكم جميعاً لإنكم كنتم جنوداً أشاوس و بواسل بمعركتي هذه... و شكرًا لك يا أبي أنت بالذات لأنك لم تخذلني في عز مصيبتي بل كنت جبلاً ثابتًا خلف ظهري .. شكراً لك لأنك أشعلت شمعة روحي حينما أطفئها العدو و حللت بنورك في ضلمة حربي... شكراً لأنك ما أطفئتني وما كسرتني أبدًا بل بذلت جهدًا جبارًا كي ترمم تصدعات روحي ..شكرًا لك لأنك أب عظيم لا مثيل له ...و بالأخير شكرًا لأنك أنت بالذات أبي ..
إنسابت باقي دمعاته التي حاول عصام مداراتها بصعوبة إلا أنه فشل بذلك فترك لها حرية التمرد، فإرتفعت سحر على رؤوس أصابعها لاثمةً جبينة بمحبة صادقة، لترفع بعدها كلا كفيه لثغرها تقبل ظهر الواحد تلو الآخر فإنحنت قليلاً إلا أنه أوقفها مرددًا بباقي ذرات قوته: أرجوكِ يا إبنتي كفاكِ.
رفعت عيونها المتورمة له تتأمل محياه ذاك الذي تجلت عليه كل أمارات التأثر مجيبةً بصوت متهدج باكي: رجاءًا إمنحني هذه الكرامة يا أبي..والله لن أتمم الزفاف إن لم أفعل ذلك.
تدخلت جوليا تمسح عبراتها المنسابة: دعها يا عصام من فضلك.
أبعد الأخير كفيه عنها فركعت سحر بفستانها عند ساقي أبيها تنحني برأسها حيث حذائه مقبلة قدميه تمرغ رأسها هناك مصرحةً بصوت باكي: شكراً لكم جميعًا .. و شكراً لك يا أبي يا قرة عيني رضاك فقط و الجنة...
ركع عصام على الأرض جاثيًا بقربها جاذبًا إياها لحضنه يدسها هناك حيث ملجأها الدافئ و أرضها الطيبة ...فأحاطته الأخيرة بذراعيها تتمسك بسترته من الخلف بكف مرتجفة هامسة بنبرة غلفتها تراتيل البُنوة: أحببتك يا أبي منذ اليوم الذي لمحتُ فيه الدفئ يرتسم على محياك ذاك و حين حدث الإلتحام الفطري الذي ما بين صوتك و مسمعي، قلبي الصغير الذي أحمِله بين ثنايا أضلعي يتمدّد بحبك يوماً بعد آخر.. لا يموت حبي لك ولا يضمحل و لا ينقُص، بل إنّه يحتشِدُ في وسط صدري و يزداد كبرًا و إتساعًا، حتّى أنه يفيضُ من وسط عيني يا أبي ..ويكفيني فخراً لحظة مناداتهم لي بإبنة عصام ...
قبل كتفها بأبوة صادقة و عواصف عنيفة من المشاعر المهتاجة التي تطوف بكيانه مُقرًا بنبرة مهتزة: ستضل يدي لك أنت ولأختك ممدودة طوال العمر يا بنيتي ..سواء كنتما ضحيتين أو مخطئتين فعلاً، لن أكسر ظهركما و لن أطفئ نور الله الذي بثه بروحكما ..و وعدًا سأكون كتفًا لكما و ظهرًا قويًا ينصركما ...
إبتعد عنها قليلاً متأملاً وجهها الترح فلثم جبينها بمحبة خالصة ماسحًا دموعها التي تتابع إنسايبها مصرحًا بقوله: هيا يا قرة عيني دعيني نتمم زفافكِ
أومئت له الأخيرة محاولة الإستقامة فرفعها أدهم بخفة كي تقف على قدميها فإلتفتت برأسها تناظره لتستدير بكليتها له محيطة خصرة بذراعيها تضم نفسها له فلبى هو ندائها بسعادة يشدها لحضنه بقوة فتهادى له صوتها الحبيب: شكراً لك يا أخي و يا فخري ..أنا محظوظة حقًا بكم
مسح بحنو على ظهرها معقبًا بصوت هارب: بل نحن الممتنون بجوهرة مثلكِ يا صغيرتي ..
إنتشلها زياد من أحضانه مرددًا بحيوية عساه يبدد هذا الجو المشحون: هيا الآن حان دوري أنا يا قزمتي ..
بادلته الأخيرة العناق مقبلةً أيسر صدره كأنها تخبره ما عجز لسانها عن البوح به...لتبتعد بعد لحظات من مشاعر أخوية عاصفة فقبل وجنتها بحب هامسًا لها: عيناي لم تبصرا عروسًا بمثل بهائكِ يا أختي ...
تخضبت وجنتيها بخجل بهي ضاربة صدره مردفة بعتب: لا تحرجني.
دنت جوليا منهم مرددةً بعد أن تمالكت نفسها: هيا غادروا فحان موعد خروجها لقاعة النساء.
أيدتها شهد بقولها: أجل لكن فلننادي على المزينة كي تعدل المكياج قليلاً..
أشار عصام لولديه بالخروج هاتفًا: هيا فلتغادر...
أومئ له أدهم متحركًا مع والده مغادرًا الغرفة في حين ناظر زياد شهد بإسدالها الطويل ذاك فبدت كملاكًا نورانيًا تحفه هالاتٍ من القُدسية المُعظمة فإستفهم منها بمشاكسة: هل ترتدون بمثل هذه الإستدالات بالحفل يا صغيرة..هل تقمن بصلاة التراويح بالقاعة ؟!
قهقهت شهد برقة تنفي برأسها فإنحنى عليها قليلاً يهيم بعيون الغزال تلك التي تعتبر من أعظم المصائب جمالًا...يتوه بمدارها بكل رضى و سعادة فتسائل بمناغشة أكثر: إذًا ماذا يرتدون ..لابئس بمعلومة صغيرة ووعد ستبقى سر بيننا.
ضحكت أكثر رافعة قبضتها أمام ثغرها تنفي بدلال أشعل أعصابه مرددًا بمسكنة: لماذا أنتِ قاسية هكذا يا شهد ..فقط معلومة خفيفة كي أختار عروسًا من الحفل هيا ..
عبست بضيق تشعر بالغضب يتسرب لقلبها مجيبةً بضيق: لا توجد عرائس .. أساساً كلهنّ عجائز ..
جفل لوهلة فعلت تقطيبة خفيفة جبينه متسائلاً بعدها: حقًا !! ألا توجد فتيات بالحفل؟
نفت شهد بسرعة متابعة مراوغتها التي لا تدرك أساسًا لماذا إفتعلتها: أبدًا ..كلهنّ نساءًا كبيرات بالسن.
إرتفعت زاوية شفتاه ببسمة متلاعبة مدركًا خبثها الشقي ذاك متسائلاً: هل أنتِ واثقة يا صغيرة ؟
أومئت الأخيرة بسرعة فقهقه زياد يهز رأسه على حلاوتها تلك مستفهمًا بعدها بمكر: إذًا أنتِ الفتاة الصغيرة الوحيدة بالحفل صح ؟
توردت بحياء و أطرقت جفنيها بخفر جذاب هامسة: لا
رسمها بمقلتيه تلك التي تتابعان ذلك التورد الشهي الذي لاح على خديها فتنحنح برجولية قائلاً: حسنًا إذًا ..بما أنّ الحفل كله عجائز للأسف فلن أستفيد شيئًا.
تهادى له بعدها صوت تغريدة ضحكتها تلك مرددةً بهمس خافت: يبدو ذلك.
هم بالبرطمة إلا أنّ صوت جوليا قاطعهم، هذه الأخيرة التي كانت تقف خلف سحر الجالسة على الكرسي أمام التسريحة و المزينة تعدل مكياجها: زياد غادر أفضل لك.
قلب عينيه مجيبًا بتبرم: حاضر طبعًا
فغمز لشهد بجاذبية أربكت قلبها مغادرًا الغرفة و لسان حاله يقول: كفاكِ جمالاً فإنّ قلبي من ضيائكِ يا شهدي قد تعَثَّر .
:
•♡•
:
جالت بعينيها بين الحضور متخذةً مجلسها بأريكة العروس الفردية بأعلى المنصة المزينة بفخامة، فبعد أن سلمت على صديقاتها اللواتي أمطرنها أحضانًا و قبلاً إتخذت مكانها متابعة تأمل ساحة الرقص التي قد أبدعن الفتيات بالرقص عليها، فكعادتها شهد و ريم و ليلى أشعلنها حماسًا خلابًا ..
دنت منها والدتها مغمغمةً بأذنها لعلو الموسيقى: حبيبتي لم يبقى الكثير سوف يأتي والدكِ وأخويكِ لتقديمكِ لعريسكِ ..
سرت رعدة باردة بأوصالها فشحذت قوتها مجيبةً بهدوء مختلق: حسنًا...لكن هل تعشى الجميع يا أمي؟
مسحت جوليا بحنو على ذراعها مصرحةً: طبعًا بنيتي فبعد أن تعشيت أنتِ و صديقاتكِ فتحنا الموائد و الكل تعشى وإهتممنا بكل شيئ لا تقلقي صغيرتي ..لن يخرج أي شخص من زفافكِ هذا إلا بعد أن يتدلل كمال الدلال و نكرمه بالهدايا أيضًا فهذا زفاف أميرتنا المصونة ..
قبضت سحر على كفها هامسة بإمتنان حقيقي: لا حرمهم الله من طيب معدنكم هذا يا أمي ..
أومئت لها والدتها بمقلتيها المحبتين متحركة بعدها حيث مُنسقة الموسيقى كي تطلب منها أن تعلن دخول العريس و والد العروس وإخوتها كي تتسر النساء ..
فأعلنت الأخرى ما طلبت منها جوليا من خلال مكبر الصوت فبدأت النساء بإرتداء عبايتهن ووضع الأوشحة على الرأس لتغلق الأنوار فجأة و يعم الضلام القاعة بأكملها، ليسلط الضوء بعدها لوسط القاعة فقط حيث ساحة الرقص الفارغة.
فساعدت جوليا و مريم سحر بثوبها كي تنزل عبر درجات المنصة، فمسحت مريم على ظهرها هامسة بلين: حسنًا توقفي هنا كي يأتي أخي فيقدمكِ لزوجكِ يا حبيبتي.
أومئت لها سحر بإيجاب متقبضةً على جانبها، فلمحت ولوج أباها و أخويها من خلال الضوء المسلط بوسط القاعة، فتقدم والدها منها يسير كعادته بكل هيبة تهتز لها المجالس ليرق محياها متأملة فارسها و حبيبها الأول.
هذا الأخير الذي طالعها بقلب أبٍ ينبض بتأثر فكوب وجنتيها مقبلاً جبينها يبثها همسه السخي بالمشاعر: أنا راضي عنكِ يا إبنتي و عسى الله أن يرضيكِ خير الرضى.
إنسابت دمعة من مقلتيها فمسحها هو من خدها، يمد كفه لها فتمسكت به تمشي بمحاذاته ببياض ثوبها ذاك و وشاحها العرائسي المتراقص بدلال معها ليتوقف بقلب الساحة مشيرًا لولديه بالتقدم، ففعلا ما طلب حيث قبض كل منهما على إحدى كفيها، أحدهما على جانبها الأيمن و الآخر على الجانب الأيسر.
فدلف رعد للقاعة أيضًا متوقفًا حيث ما أشارت له جوليا هذه الأخيرة التي قبلت كتفه بحبٍ هامسة بعيون دامعة: ها هي عروسك يا بني ..هي أمانة بعنقك ..
وجه رعد بصره للساحة التي تشع نورًا في حين أن الضلام كان يلف ما حولها فلم تظهر أي فتاة أخرى غيرها هي ..بفستانها الأبيض ذاك ..و طلتها الملوكية الساحرة..تمشي بخيلاء أنثوي جذاب..يجبرك على أن لا تحيد ببصرك عن جمالها..مع أخويها اللذان كان يسيران رفقتها ..كَملكةٍ متوجةٍ و فرسانها يحيطونها من كل صوبٍ ..ليعلو صوت الموسيقى الهادئ بأغنية رومانسية ..و إنطلق بعدها الدخان بوسط القاعة ليتحول لمشهد أرستقراطي عاطفي.
تابعت سحر سيرها مع أخويها الممسكين بكلتا كفيها رافعة بصرها للأمام حيث عريسها..فتقابلت عيناهما لوهلة..فشعرت كأنّ الكون توقف بغتةً..متأملة محياه الجامد ذاك الذي لا ينم عن شيئ ..تطالع مقلتاه المضلمة تلك المصوبة عليها ..هي فقط ..كأنها قد إحتكرت نظره بأكمله فلم يستطع إبعاده عنها ..لتتورد لوهلة مشيحةً ببصرها عنه حيث الأرضية اللامعة..
لتتوقف مسايرة توقف أخويها أمام زوجها، حيث تهادى لها صوت والدتها الباكي كأي أم متفاعلة بزفة إبنتها: خذها يا بني و أكرمها خير الكرم يا عزيزي ..
وجه رعد بصره لعمه الذي كان متوقفًا بمكانه من بعيد بعيونه التي غامت تسبحان بالوجع تأثراً بزفاف صغيرته كأنه يخبره بأن لا يخيب ظنه و ليحافظ على جوهرته تلك ..
فأحول بعدها بصره لسحر التي كانت منكسةً رأسها فرفع كفه لذقنها متلمسًا إياه بأنامله فسرت رعشة باردة بجسدها مسايرة حركة كفه التي رفعت رأسها له، فإلتحمت مقلتاهما لهنيهةٍ ..لتغوص لُؤلؤتيها اللازوردية بضلام عيناه تلك، هذه الأخيرة التي كانت تطالع سائر وجهها كأنه يتأمل هذه اللوحة الفنية، فإنحنى عليها قليلاً لتنحسر أنفاس الأخيرة و تبهت نيرانها وجلاً من الفكرة التي بدماغها..فلثم جبينها بخفة.
حيث علت التصفيقات و الزغاريد بالقاعة، فتوردت سحر بشدة تشعر بخديها مشتعلين خاصة أنّ القبلة أمام والدها و أخويها هذان الإثنان اللذان تراجعا للخلف قليلاً تاركان رعد الذي مد كفه لسحر بما معناه هات كفكِ و تفضلي معي، فإرتبكت الأخيرة إلا أنّ والدتها التي وضعت البرنوس العرائسي على ظهرها منزلة قلنسوته على رأسها كي تتستر تمامًا: نفذي مطلب زوجكِ يا صغيرتي ..
أطاعت سحر أمها واضعة كفها بكفه الكبير ذاك متحركةً معه بخطواتٍ متوترة مغادرة تحت أهازيج الزغاريد و دموع صديقاتها اللواتي كن يدعين لهما بالخير، فغادر بعدها عصام بسرعة كأنه يفر من مشاعر أبوته المنفعلة، فسار معه ولداه هما أيضًا يداريان أحاسيس مختلفة من تأثر و حزن و سعادة
ففتحت الأضواء بعدها لتنفجر شهد ببكاء مرير تأثراً فأسرعت لها جوليا تحضنها و تضمها لصدرها هامسة بنشيج: شششش لا تبكي يا قرة عيني هي ستضل معكِ بالقصر و أمامكِ طوال الوقت ..
نفت شهد متمرغة بصدرها: هي ..هي سوف تذهب لشهر العسل و سوف أشتاق لها كثيرًا ..أساسًا هذه أول مرة تبتعد فيها عني.
قبلت جوليا أعلى رأسها تكبت هي الأخرى صخبًا داخلياً: لكن مآلها العودة يا إبنتي و سوف تشبعين روحكِ منها بعدها ...
فزفرت بعدها براحة رغم رجفتها الأمومية داعيةً الله أن يكون رعد متفهمًا لها و لشخصيتها و أن يحسن إحتوائها فيلين عوده الصلب هو الآخر معها..
:
•♡•
: