اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم رانيا ممدوح


                                              
اقتربت بدر من حصانها الأبيض بخطوات ثقيلة، كأن كل خطوة تُسقط خلفها عامًا من عمرها، وكأن الأرض تحت قدميها تئن من ثِقَل حزنها. كانت عيناها متسعتين، والدموع محتبسة فيهما، تأبى أن تسقط حتى لا تعترف بالكارثة.

+


أمامها، كان الموقف كطعنة غادرة في قلبها. حصانها… آخر ما تبقى من السلالة النقية التي أحبها والدها وفضّلها على كل الخيول، ممدّد على الأرض، بياضه النقي قد تلطّخ بدمائه القانية، والسكين الغادرة لا تزال مغروسة بجانبه، تلمع ببرود تحت ضوء القمر كأنها تشمت في فاجعتها.

1


تقدمت بدر بخطوة مرتجفة، ثم أخرى، وكلما اقتربت، شعرت أن صدرها يضيق وأن الهواء يختنق حولها. ركعت بجوار الحصان، مدّت يدها ترتجف لتلامس رأسه، ومسحت على عنقه بلطف يائس، كأن لمسة منها قد تُعيد إليه الحياة.

+


همست بصوت متهدج، بالكاد تسمعه:
"إنت… إنت كنت كل ذكرياتي مع بابا اللي ماشفتوش… ليه… ليه يا رب كل حاجة بحبها بتضيع؟"

1


ارتفع صوتها فجأة، صرخة مشبعة بالقهر:
"مين عمل كده؟! مين كان قلبه أسود كفاية إنه يقتل روح بريئة؟!"

1


في الخلفية، كان الخدم يقفون صامتين، وجوههم ممتلئة بالرهبة، لا يجرؤون على الاقتراب أو الكلام. الهواء كان مشبعًا برائحة الدم والدخان، كأن الحقد قد تسرّب في المكان.

+


مدّ عبد ربه يده نحو السكين، أخرجها بحذر، ثم نظر إلى بدر بعينين مليئتين بالقلق:
"دي مش مجرد جريمة يا سي بدر… ده إنذار بالخطر."

+


لكن بدر لم تسمع كلماته، كانت عينها مثبتة على دماء الحصان وهي تتمتم بصوت خافت، غاضب ومليء بالعزم:
"والله… اللي عمل كده، هخلي دمه يغرق الأرض دي زي ما غرق دمك يا صديقي."

1


ارتجفت أنفاس بدر وهي تحدق في الخنجر الملطخ بالدماء، وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميها. عينها اتسعت برعب، ليس لأن حصانها قد ذُبح، بل لأن السكين أمامها لم يكن سكينًا عاديًا، بل خنجرًا تعرفه جيدًا… خنجر صقر.

+


همست بصوت يكاد لا يُسمع، متلعثمة بين الغضب والذهول:
"ده… ده خنجر صقر… أنا شوفته في حفل استقبال المولود"

3


امتدت يدها المرتجفة تلتقط الخنجر، وبرود معدنه البارد تسلل إلى عروقها، فأحست كأنها تمسك خيانةً لا تُغتفر. لحظتها لم ترَ دم الحصان فقط، بل رأت كل لحظة ثقة أعطتها لصقر، وكل مرة صدّقته فيها رغم حدسها.

+


عبد ربه، الذي كان يراقبها بقلق، تقدم خطوة وقال بصوت حذر:
"سي بدر… استنى، ماتتسرعيش في حكمك. ممكن حد يكون… يكون بيحاول يوقع بينكم... بلاش نقع في نار الفتنة. احنا مش قدها"

1


لكن بدر لم تسمع كلماته، كانت كلماتها تخرج كزئير مكتوم:
"مين اللي مش قد الفتنة ، لأ ده احنا نولعها نار طالما هتمشي كده ، طالما بيحاولوا يكسروا في بكل الطرق لازم يندموا على أعمالهم دي"

1



         

                
ارتجفت شفتاها، والدموع انهمرت رغماً عنها، لكنها سرعان ما مسحتها بكفها بقوة، رافضة أن تظهر ضعفها أمام أحد. نهضت واقفة، وعيناها تلمعان بمزيج من الألم والانتقام، كأنها تتحول في تلك اللحظة من بدر التي تعرفها القبيلة، إلى امرأة أخرى لا تعرف الرحمة.

+


قالت بصوت خافت لكنه مسموم بالمرارة:
"لو كان هو… لو فعلاً عمل كده… يبقى مش هو بس اللي هيموت، كل حاجة بيحبها هتنهار قدامه… هخليه يتمنى الموت وما يلاقيهوش."

2


ثم رمت الخنجر في كف عبد ربه بقوة، وكأنها تتخلص من حمل يحرق روحها، وأدارت ظهرها لتغادر بينما صدى صراخها يجلجل في أعماق الليل:
"هتشوف يا صقر إنت و كل الشرقاوية "

+


لكن في قلبها، كانت معركة أخرى تُشتعل، معركة بين تصديق ما تراه أمامها… وبين رفضها أن تصدق أن تصل وحشية قبيلة الشرقاوية إلى هذا الحد.

+


كان الليل قد بدأ يُسدل ستاره على السماء، والنجوم تلمع بخفوت كأنها شاهدة على ما يختبئ في الظلام من أسرار. انتهى الحفل أخيرًا، والضجيج تراجع حتى صار مجرد صدى يتلاشى في أرجاء الساحة. صقر وقف على أطراف المكان، عينيه تترقبان الطريق المؤدي إلى منزل بدر، وقلبه يشتعل برغبة جامحة لرؤيتها ، لأنه لاحظ أنها غادرت الحفل مبكرًا و يجهل السبب.

4


في داخله، كان صراع مرير يشتعل، فكل جزء منه يتوق لأن يطمئن عليها، ليغلق المسافات بينهما ويكسر حاجز الصمت الذي نما مؤخرًا بينهما، لكن كبرياءه كبّله، وصوته الداخلي كان يهمس:

+


"لازم أشوفها و أعرف ليه مشيت بدري الليلة… مش قادر أرتاح من غير ما أشوفها."

+


خطا خطوة حاسمة في اتجاه الطريق المؤدي إلى منزلها، لكن ذراع قوية اعترضته فجأة.
كان يزيد، يقف أمامه بملامح متوترة وعينين تحملان تحذيرًا واضحًا.

+


قال يزيد بحدة وهو يضع يده على صدر صقر ليمنعه:
"لا،رايح فين ؟ خلاص مالناش روحه هناك ، خلينا نرجع القصر."

1


صقر، وقد علا وجهه مزيج من الضيق والاستغراب، رد بحدة:
"ليه؟"

+


تنفس يزيد بعمق، وكأنه يجمع شجاعته ليقول ما يثقل قلبه:
"أصل حصل حاجة… غريبة."

+


تجعد جبين صقر، وصوته خرج ممتزجًا بنفاد صبر:
"إيه حصل؟"

+


اقترب يزيد قليلًا، وخفض صوته وهو يلفظ الكلمة كأنها لعنة:
"الحمدانية…"

+


صقر، وقد اشتعل فضوله وارتفع صوته:
"مالهم؟ خلص، هو إنت هتنقطني؟"

+


زفر يزيد بقوة، ثم أطلق الخبر دفعة واحدة:
"الإسطبل بتاعهم ولع… ومات خيل كتير عندهم."

+


صُدم صقر، وتجمد في مكانه، كأن أحدهم صفعه بقوة. عينيه اتسعتا، وأخذ خطوة إلى الخلف وكأن الأرض تميد تحته.
قال بصوت مبحوح لا يصدق ما يسمعه:
"إيه؟! إزاي… ده حصل؟!"

+



        

          

                
أجاب يزيد بسرعة، محاولًا إنهاء الحديث قبل أن يثور صقر:
"مالناش دعوة، ما يخصناش يا صقر. ياريت نبعد عن البيت، خصوصًا الليلة. الشك كله هيكون حوالينا… وبالذات عليك إنت."

2


لكن قلب صقر كان يخفق بعنف، وعقله لم يكن مع يزيد ولا مع نصائحه، بل كان هناك… مع بدر. صورة وجهها المصدوم عند سماع الخبر سيطرت عليه، وشعور بالعجز خنقه. أراد أن يركض إليها، أن يكون بجانبها وسط هذا الخراب، لكن عقله يدرك أن أي خطوة في اتجاهها الآن قد تكلّفه حياته.

+


حاول أن يتكلم:
"بس…"

1


لكن يزيد لم يمنحه فرصة، فقط قطع عليه الحديث وهو يصرخ بانفعال، ممسكًا بكتفه بقوة:

+


"صقر! أنا معرفش إيه جواك، ولا إيه اللي بيدور في دماغك، بس ياريت تسمع كلامي المرة دي. إنت لو روّحت هناك الليلة… هتموت، فاهم؟"

+


ارتعشت أنفاس صقر، وعينيه امتلأتا بصراع مرير، كأنه يقاتل نفسه أكثر مما يقاتل يزيد. ظل صامتًا للحظات، يشيح بنظره بعيدًا حتى لا يفضح ما يخفيه قلبه.

+


تابع يزيد بنبرة خافتة لكنها حادة، كمن يطلق حكمًا نهائيًا:
"يلا نرجع القصر… زي ما كنا. وياريت… ترجع صقر بتاع زمان. أنا مش فاهم إيه اللي غيرك، ولا إيه اللي حصل، بس كل حاجة فيك بقت مختلفة… وده هيوديك في داهية.أبوك عدالك كتير و نفضلك كتير لكنه لو أنفجر فيك احتمال يقتلك ، انت عارف هو ما يحبش الضعف."

1


خفض صقر رأسه، يخفي ما يشتعل داخله من نار. بدا وكأنه استسلم، لكنه في أعماقه كان يصرخ، يتمنى لو يركض إلى بدر ويحتضن خوفها، لكنه ظل واقفًا، مُقيدًا بكبريائه وخوفه من أن يخسرها… أو يخسر حياته.
ومع ذلك، كان في عينيه بريق وعد صامت:

+


"مش هسيبك لوحدك… حتى لو كان الطريق ليكي محفوف بالموت."

1


فاطمة و هنادي و سارية و نسيم و العنود و بتول جلسن جميعًا في غرفة المنزل، والظلام يتسلل بين الزوايا، لكن أصوات اللهب في الخارج كانت تتسلل إلى الداخل، تُلهب قلوبهن بالخوف. التوتر كان يكتسح المكان، وكل واحدة منهن متأثرة بما يحدث.

+


التصقت بتول بوالدتها، عيناها الواسعتان تلمعان بالخوف، وصوتها الصغير يرتجف: 
"ماما… أنا خايفة".

+


ابتسمت هنادي محاولةً تهدئتها، رغم أن يدها ترتجف قليلًا:
"متخافيش يا حبيبتي… إحنا هنا في أمان".

+


العنود رفعت حاجبيها بعينين متسعتين، وكأنها تكافح الرعب: 
"إزاي؟ والمكان كله نار برا!"

+


نسيم جلست مستقيمة، نظرتها حازمة رغم دقات قلبها المتسارعة: 
"خلاص يا بنات… ما تقلقوش. أكيد بدر سيطر على الوضع".

+


سارية، عيناها تتلمعان بالغضب والخوف معًا، نظرت حولها وقالت:
"هو فين بدر أصلا؟ إزاي سايبنا كده؟"

+



        
          

                
نسيم، وهي تحاول بث القوة في صوتها:
"أكيد مش هيسيب الكارثة دي… ويفكر يجي يقعد جمبنا".

+


سارية، تتنهد بمرارة، تلمس حواف الخوف على شكل كلمات: 
"المفروض إحنا حريمات ضعيفات… ومحتاجين رجال يحمونا".

+


فاطمة جلست على الكرسي، عيناها مليئتان بالدموع، صوتها هادئ لكنه مثقل بالحزن، وهي تفكر في بدر: "يعني عليكي يا بدر… أنا السبب. كنت قلت إني خلفت بنت… ولا إنك عانيتي كل ده عشان القبيلة، كان حصل اللي حصل بس تعيشي زي البنات… مش بنت محبوسة في هيئة راجل… ومطلوب منك تتصرفي زيهم زمانك خايفة ومرعوبة… محتاجة حضني يا بنتي يطمنك... الله يعينك يا بدر ويطلعك منها على خير".

+


الجو كان مرعبًا، الأصوات تتداخل بين بقايا صرير النار من الخارج ونبضات القلق في الداخل، لكن حضور نسيم وهنادي، وكلمات فاطمة المليئة بالحب والقلق، أعطت شعورًا خفيًا بالأمان، حتى لو كان هشًا. كل واحدة منهن شعرت أن القوة والوفاء كانت أمامها، وأن بدر مهما كانت الظروف، لن تتركهن وحدهن.

+


كانت رائحة الدخان تتسلل إلى كل زاوية من المكان، تعبث بأنوف الحاضرين، تثقل الصدور وتجعل القلوب تتسارع بالخوف. الأصوات تتداخل بين صرير الخشب المحترق وهمسات القلق، بينما يامَن يلتفت إلى بدر التي كانت جالسة تضم ركبتيها إلى وجهها و تلتف بكلتا يديها ، بعيون متوترة:

+


"هنعمل ايه يا سي بدر؟ المكان اتدمر ومافيش مكان للخيول!"

+


بدر، عينها مثقلة بالحزن والصدمة، ترد بصوت جامد لكن مليء بالعزم:

+


"ادفنوا اللي مات بعيد، واهتموا باللي عايش كويس… لحد الصبح نشوف هنعمل ايه."

+


عبد ربه، وجهه مشدود من التوتر، يحذرها:

+


"بس ده خطر… ممكن نتسرق، كفاية خسارتنا!"

+


ابتلعت بدر أنفاسها ببطء، وعيناها تتجهان نحو الأفق المشتعل، تقول وهي تكاد تهمس لنفسها:

+


"أنا مابقاش فيا دماغ ولا حيل أفكر وأدبر دلوقتي… أنا عايز أقعد لوحدي… سيبوني لوحدي."

+


يامن، بقلق يظهر على وجهه، يقترب قليلاً ويسأل:

+


"متأكد يا سي بدر إنك كويس؟"

+


بدر تلتفت نحوه بنظرة ثابتة، عينها تحمل مزيجًا من التعب والغضب المكبوت، وتجيب بحزم:

+


"روح بس يا يامن."

+


سادت لحظة صمت مميتة، وكأن المكان نفسه يتنفس حزنًا، والدخان يلتف حول الجدران، والخيول التي نجت تتحرك ببطء في الظلام، بينما بدر تجلس وحدها، تفكر في كل ما فقدته، وكل ما يجب أن تحميه، وداخلها شعور غامر بالمسؤولية والعزيمة، رغم الألم الجارف.

+


جاء أمان متخفياً، وجهه مغطى بالملثَم، يتحرك بخفة بين أرجاء المنزل ليتأكد من سلامة الجميع. لم تصمد أعين بتول والعنود عن المبالغة في الخوف، فركضتا نحوه ظناً أن بدر هو من اقترب.

+



        
          

                
"بدر! احنا خايفين، عايزين نرجع بيتنا دلوقتي!" صاحت بتول وهي ترتجف.

+


"اه، مش عايزين نقعد في الخطر ده!" 
أضافت العنود، ووجهها مشحون بالرهبة.

+


أما سارية، فكبرت بصوتها متذمرة:
"ياريت يا سي بدر تتصرف، احنا أعصابنا تعبت."

+


لكن نسيم وحدها، بعين ثاقبة، أدركت سريعاً أن من أمامها ليس بدر، بل أمان. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهها وهي تلتقي بعينيه للحظة، وكأنها فهمت كل شيء من مجرد نظرة.

+


اقتربت فاطمة بخطوات حذرة وأخذت أمان جانباً، وهمست له بصوت منخفض: 
"احنا كويسين…يا قلب أمك  روح إنت لمكانك، وهابعتلك عبد ربه يطمن عليك."

+


أمان أومأ برأسه، وابتسم خفياً قبل أن يختفي بهدوء بين خبايا المنزل، تاركاً وراءه شعوراً بالأمان والطمأنينة بين الحاضرين.

+


كانت ميليسا وماتيا محتجزين في غرفتهما، محاطين بالستائر الثقيلة، لتجنب أي خطر محتمل يحل بهما وسط الأحداث المتأججة بالخارج. الهواء في الغرفة كان مشبعًا بالتوتر، وأعينهما تتنقل بين أركان الغرفة وكأنها تنتظر أي حركة غريبة.

+


ميليسا بصوت مرتعش: 
"ليه كده يا ماتيا؟ عجبك اللي احنا فيه دلوقتي؟"

+


ماتيا رفع حاجبيه ببرود:
"في ايه؟"

+


ميليسا نظرت إليه بعينين مليئتين بالدهشة:
"لحقت عملت كل ده…"

+


ماتيا نظر لها بدهشة:
"عملت ايه؟"

+


ميليسا اقتربت منه بخفة، وكأنها تهمس بسر كبير: "ماتيا، أنا مش غبية… كنت استنيت لما نروح و أحرقهم كلهم… مش هتفرق… لكن أفرض ماكنوش سيطروا على الحريق، كنا روحنا فيها أنا وإنت كمان."

+


ضحك ماتيا بخفة، متكئًا على الحائط: 
"مش أنا اللي عملت كده… أنا خططي كلها مؤجلة لحد ما اروح إيطاليا."

+


ميليسا رمقت عينيه بجدية: 
"صحيح و لا بتكدب علي؟"

+


ماتيا ابتسم بتحدٍ:
"هعمل ايه و أنا مش عامل حسابي على أي حاجة؟ ازاي أقدر أنفذ اللي في دماغي وإحنا بس اللي هنا، ومحدش فينا بيتكلم عربي."

+


ميليسا أزاحت خصلة من شعرها عن وجهها:
"أومال مين اللي عمل كده؟"

+


ماتيا هز كتفيه بلا مبالاة:
"معرفش ومش عايز اعرف… أنا مبسوط لأن خطتي نجحت من غير ما اتعب ولا أخسر أي حاجة."

+


ميليسا غمست وجهها في راحة يدها: 
"بس حرام الخيل اللي مات."

+


ماتيا نظر إليها بصرامة مخففة:
"كويس إن محدش مات من الناس… لو أنا كنت دمرتها خالص…"

1


ميليسا تنهدت بقلق شديد:
"ماتيا، يلا نمشي من هنا وما تفكرش ترجع تاني… إديك شايف الوضع عامل إزاي، وأكيد ده مش جديد بينهم… أنا خايفة عليك… أنا قلتلك، القتل عندهم زي شرب الشاي… في ثانية ممكن يدمروا الدنيا وإحنا في وسطهم."

+



        
          

                
ماتيا اقترب منها ووضع يده على كتفها:
"ما تخفيش… أنا عارف أنا بعمل ايه."

+


ميليسا أغمضت عينيها لحظة، همست بنبرة حانية: "أنا علي نصحتك يا ماتيا."

+


الغرفة امتلأت بصمت مهيب ، كأن الهواء نفسه يحمل توقعات ما سيحدث، وكل من فيهما يشعر بثقل القرار القادم، وسط عالم يحترق حولهم.

+


خرجت ميليسا من غرفتها، والقلق يملأ قلبها، حتى وجدت بدر جالسة بهدوء في الحديقة، بعيدة عن الأنظار وعن ضوضاء الأحداث التي اجتاحت المكان. جسدها كان مشدودًا، ووجهها يحمل آثار الصدمة، لم تفق تمامًا من هول ما حدث.

+


ميليسا، بصوت مرتجف لكنه يحمل طمأنينة:
"كويس إني شوفتك يا بدر…"

+


بدر لم تحرك ساكنًا، عينها تحدق في الأفق وكأنها تحاول استيعاب كل ما دار، تاركة ميليسا تمشي خلفها بخطوات حذرة.

+


ميليسا، محاولة أن تبدو قوية:
"بدر، أنا عارفة إن اللي حصل كان صعب عليك… إنت قدها يا بدر وهتقدر تعديها."

2


لكن كلماتها لم تخفف من شعورها بالعجز؛ كانت تحاول أن تثبت أنها متماسكة، لكنها على حقيقتها لم تكن كذلك.

+


بدر، بنبرة هادئة لكنها حادة: 
"كنتي عايزة تقوليلي إيه؟"

+


ميليسا أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تكمل:
"ماركو قالي أقولك إن مكانك إنت بالذات محفوظ في الجامعة… مستنيك، والعرض ده مستمر لمدة سنة… بس بعد السنة دي، مستحيل ترجع تتعين هناك… طبعا أنا كده كده هفضل موجودة عادي… أنا شايفة يا بدر إنك تسيب المشاكل اللي هنا وترجع إيطاليا… هناك أمان وراحة، وإنت مجتهد ، و هتقدر تعمل حاجات كتير أنا متأكدة من ده."

1


بدر، بتردد وحنين:

+


"مش بالسهولة دي."

+


ميليسا اقتربت أكثر، عيونها مليئة بالقلق والإصرار:

+


"بدر، أنا عارفة إنك متمسك بقبيلتك و الناس و الأرض، بس الموضوع خطر زي ما انت شايف… محتاج تفكر كويس لأن الوضع خرج عن السيطرة… وماكنتش حابة أقول كده، بس ماتيا حط القبيلة دي في دماغه… وده معناه إنها حرب مالهاش أول من آخر… مابقولش كده عشانك، لأ بقول كده عشان ماتيا… لأني خايفة عليه… بكرا الصبح تقوله إن البيعة مرفوضة وإن في أي سبب هنا، عشان ما يرجعش تاني هنا."

1


ضحكت بدر بنبرة ساخرة، لكن فيها بعض الدفء: "ياه، بتساعديني؟"

+


ميليسا، بحزم شديد: 
"لا… مش بساعدك… أنا بس عايزة أخويا يمشي من هنا ومايرجعش."

+


بدر، مسترخية قليلاً لكنها ما زالت متوترة:
"هي كانت ناقصة أخوكي كمان… أمشي سبيني لوحدي دلوقتي، وبكرة هتصرف.دلوقتي أنا دماغي مش معايا."

+


النسيم البارد يلامس وجوههما، والصمت المحيط بهما يحمل ضغط القرارات القادمة، بينما القلبان ينبضان بالقلق والحذر، كل واحدة على طريقها الخاص، في عالم يشتعل بالمخاطر من حولهما.

+



        
          

                
خرجت ميليسا من المكان، تاركة خلفها الصمت المقلق للحادث الذي وقع، حتى دخلت فاطمة بخطوات سريعة فور أن رأتها من نافذة المنزل نحو بدر، وعيناها تحملان القلق والحب في آن واحد.

+


بدر لم تصمد طويلًا، انحنت بجسدها واحتضنت والدتها كطفلة صغيرة، ودموعها انهمرت بلا خجل، كأنها أخيرًا وجدت من يشاركها ثقل الألم الذي حملته طوال هذه الفترة.

+


فاطمة، وهي تربت على ظهرها بحنان: 
"خلاص يا بدر… بطلي عياط… كل حاجة هتبقى كويسة."

+


بدر، بصوت مرتجف: 
"ليه بيحصل معايا كده يا أمي؟ ليه كل حاجة بتنهار حواليّا؟"

+


فاطمة، بعينين تلمعان بالدموع: 
"انتي قدها يا بدر… قدها… وكل اللي بتحلمي بيه هتحققيه… بس محتاجة تصدقي في نفسك."

+


بدر، وهي ترتجف:
"لااا… شكله مستحيل أفرح… أنا خلاص زهقت ويئست… وجبت أخري… كل مرة أحاول أصمد الدنيا بتنهار."

+


فاطمة، بصوت حنون ومليء بالأسى:
"أنا السبب يا بدر… كان لازم أوقف اللعبة دي من أول يوم… ما كانش ينفع تتحملي كل ده لوحدك… لوحدك!"

+


بدر، بصوت خافت: 
"و مصير القبيلة وقتها… كل اللي عملته… راح كده؟"

+


فاطمة، وهي تمسك وجهها بين يديها: 
"ده مصيرها… واللي مكتوب لها… وأنا المفروض كنت أقبل بالمكتوب… ما كانش لازم كل ده يحصل… انتي اتحرمتِ من طفولتك… من شبابك… من نفسك… اتكسرتي بدل ما تدللي وتفرحي… دخلتي في صراع مالوش آخر… حكم يعجز الطفل… ويقتل البسمة يا بنتي."

+


بدر، وهي تلتصق أكثر بوالدتها:
"أنا… أنا مش قادرة… حاسة إني ضعيفة قوي… زي الورقة ،ومحدش فاهمني."

+


فاطمة، بنبرة مملوءة بالدفء: 
"أنا فاهمة يا بنتي ده بيحصل ليه… لكن أنا هنا… أنا جنبك… مهما حصل… مهما الدنيا ضاقت… إنتي مش لوحدك… ده كله عدينا منه… وهنعدي أي حاجة مع بعض… افتكري دايمًا إن قلبك قوي… وابتسامتك أهم سلاح ليكي."

+


احتضنت بدر والدتها بشدة كطفلة صغيرة، والدموع اختلطت بينهما، لحظة من الصراحة والحنان، شعرت فيها بدر أخيرًا بالراحة ولو لبرهة، كأن عبء السنين الثقيلة عن صدرها قد انخفض قليلًا، ومعها وعد صامت بأن الحياة رغم كل الصعاب، لا تزال تحمل الأمل.

+


بدر انزلقت إلى الأرض و جلست أمام والدتها، رأسها مائل للأسفل، والدموع تترك خطوطًا حمراء على وجهها، وصوتها يرتجف بين كل كلمة وأخرى:

+


"يا ماما… أنا تعبت… تعبت قوي… زهقت من كل حاجة… من كل المسؤوليات اللي على كتافي… من المعافرة في مشاكل القبيلة… من الناس اللي مش فاهمة… من كل يوم بييجي و هو جايب معاه هم جديد…"

+


فاطمة أمسكت يدها بحنان، وصرخت بصوت مخنوق بالعاطفة: 
"يا بدر… يا قلبي…يا ضي العين ..أنا شايفة تعبك… حاسة بيه… كل اللي حصل مش سهل… وكل اللي حسيتيه تقيل… طبيعي تحسي كده…و طبيعي تقعي ، بس لما تقومي وريهم اللي محدش شافه ، تعبتي كتير يا بنتي و شيلتي كتير"

+



        
          

                
بدر، وهي تحاول تلتقط أنفاسها: 
"مش بس كده يا ماما… أنا مش بس تعبت جسديًا… قلبي تعب… روحي تعبت… كل يوم بصرخ في نفسي وأحاول أتحمل وأثبت إن أنا قدها… بس مش قادرة… حاسة إني وحيدة وسط بحر من المشاكل… مش لاقية حد يفهمني… وده كله تقيل عليا أكتر من اللي ممكن أي حد يتحمله…"

+


فاطمة، وهي تجذبها بحنان أقوى، ودموعها تسبق دموعها: 
"يا بدر… ده قدرك و مكتوبك ، كملي للآخر زي ما وعدتي"

+


بدر، وهي تضع رأسها على صدر والدتها، همست بصوت متقطع بين البكاء: 
"يا ماما… نفسي أستريح… نفسي أتخلص من الحمل ده… نفسي أعيش حياتي كأني بنت عادية… مش حاكمة… مش محاربة… نفسي أضحك من قلبي… من غير ما أفكر في حد مالوش لازمة… يحرق دمي"

+


فاطمة، وهي تبتسم بحزن وحنان:
"عارفة اللحظات دي اللي هتديك قوة… البسمة الصغيرة دي… والراحة اللي بتحسيها دلوقتي… ده اللي هيرجعلك روحك… ويخليك تقفي تاني… حتى لو الدنيا وقفتلك، إنتي هتقفي… بدر… إنتي أقوى من كل ده… وقلبي معاك… دايمًا."

+


الهواء حولهما هادئ قليلًا، والليل يملأ الحديقة بنور خافت من القمر، والدموع بدأت تخف تدريجيًا، وبدر شعرت لأول مرة منذ فترة طويلة، أن قلبها مش وحده في هذا الصراع، وأن الحب والدعم الحقيقي موجود، ولو لبرهة، ليخفف ثقل كل ما مرت به.

+


ساد بينهما صمت ثقيل، كأن الكلمات قد خذلتهما، ولم يعد للصوت مكان وسط ما يختلج في قلبيهما من وجع. كانت بدر تجلس على حافة الفراش، كتفاها منحدران كجبل أثقلته الأعوام، وعيناها زجاجيتان، تحملان بقايا دموع جفت قبل أن تجد سبيلها إلى الخدود. كانت شفتاها ترتجفان، وكأنها على وشك أن تبوح بصرخة مكتومة، لكنها لم تجد القوة لتطلقها.

+


رفعت رأسها أخيرًا، وبنبرة خافتة كسرت سكون الليل، همست بصوت مبحوح:

+


"أنا عايزة أقعد لوحدي..."

+


تسمرت فاطمة مكانها، قلبها يعتصره الحزن وهي تنظر إلى ابنتها التي بدت أمامها كطفلة ضائعة، رغم ما تحمله من لقب وسيادة. اقتربت خطوة، ثم توقفت، وكأنها تخشى أن ينهار ما تبقى من كبرياء بدر إذا اقتربت أكثر. ارتسمت على وجهها ابتسامة حزينة، تتنكر لألم دفين في أعماقها، ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا، لكن الحنان فضحه:

+


"خلاص يا حبيبتي... أنا هروح أنام. ربنا يعينك يا بدر. ونامي عشان بكرا نشوف هنتصرف إزاي."

+


كانت الكلمات كضماد يوضع على جرح نازف، لا ليشفيه، بل ليهدئه مؤقتًا. أومأت بدر برأسها ببطء، وعيناها تتهربان من وجه أمها حتى لا ينكشف ضعفها، ثم أجابت بصوت واهن، كأنها تتحدث من أعماق بئر سحيق:

+


"حاضر..."

+


التفتت فاطمة وغادرت بخطوات مثقلة، فيما بقيت بدر جالسة، تحدق في الفراغ. كان في عينيها بريق انكسار، وفي قلبها صراع عاصف بين واجبها كقائدة وقلبها كابنة أنهكها الفقد والوحدة.
حين أختفت اخر خطوة من خطوات فاطمة، عمّ المكان صمت جديد، لكنه لم يكن صمتًا هادئًا، بل صمتًا يصرخ في أعماق بدر، يذكرها أن الغد يحمل مصائب قد لا تقوى على مواجهتها، وأن الليل لا يطول إلا في قلوب المثقلين بالهموم.

+



        
          

                
نظرت إلى السماء بعينين حائرتين، وبدأت تهمس لنفسها بصوت متحشرج:
"كل يوم بقول بكرا هيكون أحسن... وبكرا بييجي أقسى من اليوم اللي قبله. أنا تعبت يا رب، تعبت من حمل القبيلة على كتفي، تعبت من الدم اللي بيتسفك بدون رحمة، ومن العيون اللي بتبص لي كأني المنقذة، وأنا ذات نفسي محتاجة حد يخلصني من اللي أنا فيه."

+


أغمضت عينيها، لكن صور الخيول الميتة، والنيران المشتعلة، وصراخ الرجال لم تفارق مخيلتها. شعرت بأن أنفاسها تضيق وكأن جدران الحديقة تضغط عليها.

+


وقف يامن وسط الظلام بعد مغادرة بدر ، عيناه تترقبان النيران التي خمدت، بينما رائحة الدخان لا تزال تلتصق بالهواء. التفت إلى عبد ربه، وقد علا صوته بالقلق، محاولًا كسر ثقل الموقف:

+


"عبد ربه... هنعمل إيه؟"

+


رفع عبد ربه رأسه، وملامحه متجهمة كمن يحمل الدنيا فوق كتفيه، وصوته حاسم لا يقبل جدالًا:

+


"روح نام... وأنا هحرس الخيل ده لحد الصبح."

+


عبس يامن، غير مقتنع بما يسمع، واحتجّ بحدة:

+


"الحراس هيحرسوهم، لازم تنام إنت كمان، مش هتقدر تكمل لو فضلت صاحي كده."

+


هز عبد ربه رأسه بعناد، وملامحه يكسوها الإصرار:

+


"لا... أنا مش هثق في حد. لازم أكون وسطهم، بعيني أشوف كل حاجة. بعد اللي حصل النهارده ماعادش ينفع أسيب حاجة للصدفة و أقف أتفرج على الخراب و هو بيكبر."

+


تنهّد يامن، وقد أدرك أنه لن يغير رأيه، ثم قال بصوت خافت، كأنه يستسلم للأمر الواقع:

+


"خلاص، ماشي... هنام شوية وارجعلك."

+


ابتعد يامن بخطوات مترددة، بينما بقي عبد ربه وحيدًا بين الخيول، يتفحص وجوهها المذعورة، وكأنها تعكس خوف القبيلة كلها. كان الليل يزداد بردًا وسكونًا، لكن قلب عبد ربه كان يشتعل قلقًا، يدرك أن ما حدث الليلة لم يكن سوى بداية لعاصفة أشد قسوة قادمة.

+


في غرفة الخدم، جلس الهواء مثقلاً بالهموم والفضول، بينما كانت ليلى وحسناء تتبادلان الحديث بخفوت، كأن كل كلمة تُقال يمكن أن تسمعها الجدران.

+


ليلى، وهي تلملم أصابعها في خجل، همست:

+


"يا ترى يامن كويس؟"

+


حسناء رفعت حاجبها، ونظرت إليها بعينين حادتين: "قولتي حاجة؟"

+


ارتبكت ليلى لحظة:
"لا، مفيش."

+


ضحكت حسناء بسخرية خفيفة، تمسح على شعرها: "يا كدابة، أنا سمعتك بتسألي عليه. ليه ياختي؟"

+


تنهدت ليلى، وكأنها تحاول التملص من الحقيقة: 
"لا، عادي… بطمن على رجالتنا."

+


ابتسمت حسناء ابتسامة نصفية، وكأنها تكشف سرًا: "إلا ما كلفتي خاطرك، تسألي على عبد ربه اللي عيشتي معاه سنين وسنين."

+



        
          

                
نظرت ليلى لأسفل، ثم رفعت رأسها: 
"ما أنا كنت هسأل عليه طبعًا… طالما يامن كويس، هو كمان هيكون كويس."

+


هزت حسناء رأسها برفق، وهي تقول بنبرة أكثر جدية:
"آه، قولتيلي… ماشي ياختي. المهم دلوقتي الست بدر… مش عارفة هتعمل إيه في اللي حصل، وازاي هتعوض ده."

+


الجدران احتفظت بالهمس بينهما، وكأن الغرفة تشاركهما القلق.

+


كان القصر الخاص بالشرقاوية ،غارقًا في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صرير الرياح وهي تتسلل من بين النوافذ العالية.

+


جلس جمال إلى الطاولة بجانب رشيدة، يشاركها العشاء مع أبنائهما جوان ورماح وزين ودنانير، والضحكات تتخلل الأحاديث العائلية، حتى دخل أحد الجنود بخطوات متثاقلة، وجهه يحمل خبرًا يثلج صدر جمال.

+


الجندي قال بصوت متردد:
"سيدي جمال…"

+


جمال رفع عينيه عنه بفضول، وقال:
"قول إيه في جوفك؟"

+


الجندي أجاب:
"قبيلة الحمدانية… دلوقتي بيعيشوا وقت صعب… حصل حريق."

+


رشيدة لم تتحمل الخبر، وابتسمت بمرارة:
"يا زين، الأخبار الزينة دي… يا ريتهم يكونوا ماتوا."

+


الجندي قال بسرعة:
"لا، خسروا خيول كتير…"

+


جمال ابتسم لنفسه، وقال:
"خد من رئيس الحرس مكافئة على أخبارك دي."

+


غادر الجندي، وظلت العائلة في حالة من الصمت والدهشة، ثم قالت رشيدة بابتسامة خبيثة:
"افرَح يا جمال… الفرحة أخيرًا زارتك."

+


جمال تنفس بارتياح وقال:
"آه… من حقي."

+


زين، بعاطفة الابن الصغير، قال:
"صح… صبرنا كتير يا أبوي."

+


جمال نظر إلى الجميع بعينين لامعتين، وقال:
"من يوم ما مات صقر أخوي، وأنا أخدت عهد… ما حدش يقتل ابن الحمدانية غير صقر ولدي ياخد بتار عمه."

+


جوان، الذي يمتلك قلبًا عاطفيًا، اعترض قائلاً:
"بس إنت يا أبوي… قتلتم سالم قدامه… وكان زعيمهم!"

2


صرخت رشيدة في وجهه، وعينها تتلألأ بالغضب:
"اخرس يا ولد… لما يتكلم الكبار، الصغار يخرسوا!"

+


جمال ابتسم بابتسامة حزينة، وقال:
"لو ما إني مبسوط كنت وريتك… وإحنا مش قتلنا سالم الحمداني… اللي قتلوه واحد منهم يا ولدي."

+


تجمد الجميع من الدهشة، ورماح سأل بارتباك:
"إزاي يا أبوي؟"

+


جمال شرح بصوت هادئ وثابت:
"سالم قتل عمكم صقر بيده… لكن سالم مات بخنجر في ضهره… ومين كان في ضهره؟"

+


دنانير قالت بدهشة:
"جنوده…"

1


جمال أومأ برأسه:
"شاطرة."

+


زين، وقد فهم المغزى، قال:
"يعني كرهك ليهم عشان بتارك مش خدته…"

+



        
          

                
جمال ابتسم بمرارة وقال:
"صح… معنى أنه اتقتل مش هيشفي غليلي منهم."

+


الجو أصبح مشحونًا بالغضب والرضا المتشابك، فالعائلة شعرت بالانتصار الممزوج بالمرارة، وتجلت في وجوههم مشاعر القوة التي تعيد لهم بعضًا من كرامتهم المفقودة.

+


جلس جمال يحدق في النار في المدفأة، عيناه تلمعان بالغضب المدفون، بينما الأبناء يتبادلون النظرات بين الدهشة والفهم.

+


رماح، الذي لم يستطع كبح الفضول، قال:
"طب يا أبوي… دلوقتي هنعمل إيه؟ إحنا هنسكت على اللي حصل ده ولا هناخد موقف تجاه الحمدانية؟"

+


جمال التفت إليه بصرامة، ويده تضغط على الطاولة:
"مفيش حد هيسكت منهم… اللي حصل ده درس لكل حد يحاول يضرنا. القبيلة دي ضاعت منها الحماية… واللي يجي يهددنا، هيتحاسب."

+


رشيدة، وهي تمسك بيد جمال، قالت بصوت منخفض لكنه حاد:
"احنا مش قربنا منهم و لا مسناهم بشر ، المهم دلوقتي، نبني على اللي اتعلمناه… ونحمي اللي لسه عندنا. ماينفعش نسيب حاجة تمشي من غير حساب و نعمل حساب اللي جاي كويس."

+


دنانير همست لنفسها وهي تتطلع إلى العائلة:
"أحس أن الدنيا كلها اتغيرت… حتى لو ماكنش عندهم خيول كتير، هما لسه اقوياء، ولسه فيهم القوة."

+


زين، بعينين ملؤهما التصميم، قال:
"أنا مستعد، لأي حاجة منهم و اللي يقرب لنا هندفنه حي مين يقدر يدخل أرضنا من غير علمنا."

+


جمال ابتسم لنفسه، لكنه كان يعلم أن الطريق أمامهم طويل ومليء بالمصاعب.
"اللي حصل النهارده… مجرد بداية ليهم من عدو غيرنا… والحرب الحقيقية لسه جاية… ولازم كل واحد فينا يكون جاهز لأي جديد."

+


لحظات صمت مرت على الجميع، كان فيها شعور مختلط بالخوف والقوة، لكنهم فهموا أن وحدتهم هي ما سيصمد بهم أمام أي مصيبة قادمة.

+


اختار صقر عزلته في غرفته ، وقف صقر عند نافذة غرفته، يحدق في الظلام الممتد خارج القصر بعينين مشتعلتين بقلق وحيرة. كان قلبه يتأجج برغبة في الخروج، في الانطلاق نحو ما يحدث خارج هذه الجدران، لكن قدميه مقيدتان بخوفٍ آخر، خوف من أن يُكتشف أمره أو يُتهم بما لم يفعله.

+


دخل يزيد الغرفة بخطوات هادئة، يرمقه بنظرة متفحصة، وكأنه يقرأ ما يدور في رأسه.
يزيد بصوت متوجس:

+


"بتفكر في إيه؟"

+


التفت إليه صقر فجأة، محاولًا إخفاء اضطرابه، وقال بصوت بارد:

+


"ولا حاجة."

+


ابتسم يزيد بسخرية وهو يقترب أكثر، يضع يديه خلف ظهره كعادته حين يشك في أمرٍ ما:

+


"لا، لما بتقف مبلم كده وعيونك تسرح في الضلمة... بيكون في مصيبة هتحصل أكيد. شكلك ناوي تمشي برا القصر، وأنا حذرتك يا صقر."

1



        
          

                
تنفّس صقر بحدة، محاولًا التمسك ببراءته، لكنه شعر بأن كلماته لا تُقنع حتى نفسه:

+


"هو أنا عملت حاجة؟ ما أنا واقف ساكت أهوه، لا خرجت ولا نويت أخرج."

+


لكن نظرة يزيد لم تلِن، بل ازدادت صرامة، ثم فجأة تحرك نحو خزانة جانبية وأخرج حبلًا غليظًا، لامعًا تحت ضوء المصباح الخافت. اقترب من صقر بخطوات ثابتة، مما جعل الأخير يتراجع خطوة إلى الخلف، وعيناه تتسعان في ذهول.
صقر بإرتباك:
"هتعمل إيه؟"

1


رفع يزيد الحبل أمام وجهه، وكأنما يعلن حكمًا نهائيًا:

+


"هات إيدك."

+


تراجع صقر أكثر، ظهره يلامس حافة السرير، وقال بصوت مختنق:

+


"يزيد، إنت هتعمل إيه؟"

+


اقترب يزيد أكثر، وفي صوته تصميم لا يقبل جدالًا:

+


"عشان أضمن طول ما أنا نايم... تفضل هنا، هربطك جنبي. مش هسيب لك فرصة تهرب ولا تتصرف من ورايا كالعادة."

1


رفع صقر يده بتردد، ملامحه تتقلب بين الغضب والمهانة، وعيناه تلمعان بخليط من الحيرة والقهر، بينما يلتف الحبل حول معصمه، يقيّده لا بجسده فحسب، بل بروحه التي كانت تشتاق للحرية، وكأن القصر بأسره صار سجنًا لا مهرب منه.

+


جلس يزيد أمام صقر على الأرض، في مواجهة مباشرة، عيناه تقدحان شررًا من التوتر، وصوت أنفاسه يعلو في سكون الغرفة. كان الحبل المربوط بين معصميهما رمزًا صامتًا لانعدام الثقة، ورغم ذلك كان يزيد يتحدث وكأن الأمور تسير في مجراها الطبيعي.

+


قال يزيد بصوتٍ حازم، يخفي وراءه قلقًا دفينًا:

+


"أبوك طلب مني نزود التدريب الفترة الجاية."

+


تجمّد وجه صقر، وكأن الكلمات لم تكن غريبة عليه، يعرف معناها جيدًا، بل ويعرف المصيبة التي تجرها خلفها. ارتسمت على محياه نظرة باهتة، تحمل مزيجًا من الإدراك والاستسلام، دون أن ينبس بحرف.

+


لاحظ يزيد صمته، فابتسم ابتسامة باردة، ثم قال وهو يميل للأمام:

+


"يعني ما استغربتش كلامي، ولا حتى سألت: اشمعنا ده بيحصل دلوقتي وفي الظروف دي؟"

+


لكن صقر ظل على صمته، وكأنه يختبئ خلف جدارٍ داخلي، لا يريد ليزيد أن يراه. لم يجد ملاذًا أجمل من الصمت، فالصمت في حضرة هذا الحديث أرحم من الحقيقة.

+


ارتفع حاجبا يزيد في توتر، وعيناه ضاقتا بريبة:

+


"أنا شاكك إن في حاجة هتحصل... حاجة مكنتش عايزها تحصل أبدًا."

+


التفت صقر ببطء، نظرته ثقيلة، وصوته مبحوح:
"إيه؟"

+


ضحك يزيد ضحكة قصيرة، لكنها لم تحمل أي مرح، بل كانت أشبه بشفرة مسمومة:

+


"حرب."

+


تسمرت أنفاس صقر، قلبه خفق كطبول الإنذار، قبل أن ينطق بخوف لم يستطع إخفاءه:

+



        
          

                
"حرب بين مين ومين؟"

+


انفجرت ضحكة يزيد هذه المرة، لكنها كانت ساخرة ومظلمة، ثم مال برأسه للأمام وقال:

+


"بين أمي وأبويا؟"
هز رأسه بسخرية أعمق:
"مالك يا صقر؟ ما تشغل مخك شوية. حرب بينكم وبين الحمدانية.
وأظن... إنت كنت مستني الحرب دي بفارغ الصبر، مش كده؟"
اقترب أكثر، عينيه تلمعان بحدة:
"ونفسك تمسك راس ابن الحمدانية بين إيدك... وتقطّعها."

+


لكن قلب صقر كان يقول شيئًا آخر.
"زمان... كان نفسي اللحظة دي تيجي.
كنت بعيش على الفكرة دي، بتدرب عشانها، وبحلم بيها كل ليلة.
لكن دلوقتي؟ لا... مش عايزها تيجي أبدًا."

+


تظاهر بالتماسك، بينما داخله يموج بالعواصف، فلم ينطق بشيء.

+


صفع يزيد كفه على فخذه بحماس، وقال بحزم لا يقبل جدالًا:

+


"لازم نتدرب ليل ونهار عشان نكون مستعدين!"

+


رفع صقر رأسه ببطء، ملامحه مرهقة، وصوته متهالك:

+


"أنا عايز أنام."

+


نظر إليه يزيد في ذهول، ثم ضحك ضحكة مريرة، وكأنه لا يصدق ما يسمع:

+


"شوف أنا بقول إيه... وإنت بتقول إيه؟!"
ثم شد الحبل بقوة، قائلًا بنبرة ساخرة حادة:

+


"اتخمد يا خويا... قبل ما أخليك تندم على الكلام ده!"

+


جلسا في صمتٍ مميت بعدها، الحبل يربط بين جسديهما، لكن ما يربط قلبيهما الآن هو الخوف... أحدهما يخشى الحرب، والآخر يترقبها بشغف دموي.

+


بعد أن أظلمت الغرفة وساد السكون، غاصت القلعة في هدوءٍ ثقيل، إلا من أصوات الرياح وهي تصفر بين جدرانها العالية، وكأنها تنذر بعاصفة قادمة. كان يزيد غارقًا في نومٍ عميق، أنفاسه الثقيلة تتردد في الظلام، بينما صقر ظلّ جالسًا مكانه، ظهره مسندًا إلى الجدار البارد، وعيناه متسعتان كأنهما ترفضان أن تستسلما للنوم.

+


الحبل المشدود بين معصميهما كان كقيودٍ تخنق أنفاسه، لا يربط يده فقط، بل يربط قلبه وعقله في دوامة من الرعب. رفع رأسه قليلًا، محدقًا في الظلام، حتى خُيِّل إليه أنه يراه يتمدد أمامه كوحشٍ أسود ضخم، يزحف نحوه ببطء.

+


"حرب..."
ترددت الكلمة في رأسه كجرسٍ صدئ، تطرق جدران عقله بلا رحمة. لم يكن عقله يهدأ، فالأحداث تتشابك أمام عينيه كخيوط متشابكة:
الحريق، الخيول التي احترقت، وجه بدر ، ثم صوت يزيد الذي يعلن الحرب وكأنه يتحدث عن وليمة.

+


ضغط صقر على أسنانه، وارتجف قلبه وهو يفكر:
"زمان... كنت بعيش للحظة دي.
كنت بشوف ابن الحمدانية خصمي، هدفي، السبب اللي بيديني القوة.
لكن دلوقتي... كل حاجة اتغيرت.
مش قادر أشوفهم كأعداء... ومش عايز أشوف دمهم على إيدي."

+


مد يده المقيدة بحذر، محاولًا أن يخفف من قسوة الحبل الذي بدأ يجرح معصمه، لكن عقدته المحكمة كانت أقوى من محاولاته. التفت إلى يزيد النائم بجواره، ورآه في سكونه كرمزٍ لما يرفضه داخله: القسوة، الطموح الدموي، والولاء الأعمى.

+


"لو الحرب قامت... هكون أول من يتهموه.
وهتكون بدر في النص... بين نارين.
يا رب، ارزقني طريقة أمنع بيها اللي جاي."

1


تسللت دمعة حارقة من عينه، لكنها اختفت سريعًا في الظلام، وكأنها لم تُخلق لتُرى.
ظل صقر ساهرًا، يحدق في السقف الذي غرق في العتمة، بينما عقله ينسج ألف سيناريو قادم، وكلها تنتهي بنفس المشهد...
الدم يغمر الرمال، وصوت صراخ يعلو، وبدر واقفة في المنتصف، يلتهمها القدر بلا رحمة.

+


كان الظلام يكتسي الغرفة بسكونٍ قاتل، غير أن صقر لم يكن وحده في هذا الليل، فقد ظهر أمامه ظلٍ حي، كيانٌ يلمع في عتمته بنية صافية، لكنه كان أكثر خطورة مما تخيله. كانت بدر، بعيناها الذي يختلط فيه الغضب بالانتقام، اقتربت منه بخنجرها، عيناها تتقدان كجمرٍ على وشك الاشتعال.

2


وضعت يدها على فمه بحزم، تمنعه من أي صوت، همست له بصوتٍ خافت ولكنه مليء بالتهديد:
"ششش... لو اتكلمت هقطعلك لسانك"

2


صقر فتح عينيه كان مصدومًا، فالرغبة في الذهاب إليها كانت تتصارع في ذهنه لقد جاءت هي إليه مع إدراكه أن نواياها ليست بريئة. كانت تقف أمامه، ولكنها ليست منقذة، بل عدوة متنكرة في لباس إمرأه تعرفه جيدًا. اقتربت بخفة حتى همست في أذنه:
"حرقت قلبي على خيلي، دلوقتي هحرق أبوك عليك وانتقم من عملتك ومن سواد قلبك."

+


صقر استمع بصبر، كمن يحصي خطوات العدو قبل المواجهة. وبينما كانت بدر منشغلة بكلامها، ألقى نظرة خاطفة على يزيد، النائم بجواره كتمثال من حجر، غير مدرك لما يدور حوله، واستغل صقر هذه الفرصة.

2


بخفة فائقة، حرك يده نحو الحبل الذي يقيده، وفك قيوده دون أن تلمح هي الحركة، قلبه يخفق بسرعة، ويداه تعملان بحذر كطائرٍ يحرر فرخه.

+


عندما أدركت بدر ما حصل و أنه من تسبب في ذلك،جاءت و هي تحمل في عقلها أن لا تعود دون أن تقتله، ارتسم على وجهها صدمة وغضب، همست:
"ماكنتش أعرف إنك وسخ كده ومقرف، بس اليوم هتندم على كل حاجة يا دلوع أبوك!"

+


لكن صقر لم يتردد، وبمهارة سريعة، قيد كلتا يديها بيد واحدة وغطى فمها باليد الأخرى، محكمًا قبضته عليها، وأخرجها من الغرفة قبل أن تتمكن من الصراخ.

+


خطواتهما كانت صامتة تقريبًا، كل نفس يزفره صقر محمّل بالعزم، حتى خرجا من الغرفة إلى الظلام الخارجي، حيث الرياح كانت تلوح بين الأشجار، وكأنها تشهد على بداية مواجهة أكبر لم تعرف نهايتها بعد.

2



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close