رواية اصداء القلوب الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم سهي الشريف
23 | العودة للذكرىٰ الأولىٰ
رأيتُ آثار رحمتك في كُل شؤون حياتي، ما عادت يدي خائبة يومًا، تُعطيني قبل السؤال، وتجود عليّ بأكثر مما سألت.. لستُ أهلًا لتبلغني رحمتك ولكنّ رحمتك أهلًا لتبلغني، فلا تقطعها عني لحظة.
+
« مُقتبس »
+
_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات.
+
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الثالث_والعشرون
#سهى_الشريف
+
_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .
+
« قراءة مُمتعة »
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
في قلب الغرفة الهادئة، حيث لا يُسمع سوى صوت جهاز قياس الضغط المتقطع وأنفاس ساكنة متوترة، جلس أعمام "آسر" وعمته "مريهان"، يتصدرهم "رياض" و"جليل"، وبالقرب منهم "جواد" و"وائل" و"مراد"، بينما غادر "مدحت" مع بناته وزوجات أعمامهم الليلة الماضية، مطمئنين إلى استقرار حالة "آسر" الصحية… لكن بقيت نار القلق مشتعلة في صدورهم.
+
كان الصمت يُخيّم على الأجواء، ثقيلاً لدرجة يُمكن سماعه، حتى قطعه صوت "رياض" الرخيم، المحمّل بخليط من الغضب والخذلان:
+
- أنا بس عاوز أعرف إزاي تعرفوا حاجة زي كده و محدش فيكم يتشرف يعرفنا ! كنتم مستنيين نشوفكم في المستشفى، عشان نفهم إن في كارثة حصلت؟!
+
زاغت أنظار الشباب الثلاثة كمن كُشف سرهم على حين غرّة ، فـ"جواد" أسند ظهره للجدار، وقد عقد ذراعيه أمام صدره في صمتٍ مُحمّل بالأفكار،بينما "وائل" شبّك أنامله وراح يُحدّق بالأرض كمن يُعاقب نفسه،و"آسر" رغم الضعف الظاهر عليه، بدا وكأن أنفاسه تثور وتضطرب، وكلمات الاعتذار تتبعثر على طرف لسانه دون أن تخرج.
+
وزع " مراد " نظراته على ثلاثتهم و تحدث مُستنكرًا بخفة :
+
- مش عارف يا عمي والله ! إزاي حاجة زي كده معرفش عنها حاجة ؟!
+
هز " جليل " برأسه بقلة حيلة على أفعال ولده و زفر نفسًا بتصبر و تحدث :
+
- عمكم معاه حق ، لما مجرم زي عز نعرف إن رجع وبيهددكم، ومحدش بلغنا، تبقى دي مش رجولة…
ولولا إن آسر اتصاب، كنتم ناويين تفضلوا ساكتين؟!
+
ولم يردّ أحد، فبدا صمتهم كإقرارٍ ضمني بالخطأ ،و صمت تام من جهة " مريهان " بآسى ، فأطرق "رياض" برأسه لحظة ثم عاد يتحدث، وصوته يشق الهواء كالسيف بتهكُم :
+
- أصلًا بعمايلكم دا ميخلناش نعتمد عليكم ! لما إنتوا الثلاثة كده تلغونا خالص و تتصرفوا من دماغكم يبقى عيلة إزاي !! لما كل واحد يفكر بمزاجه و لوحده هيبقى سهل يوقعوكم يا أذكى شباب العيلة .
+
تنحنح "آسر" أخيرًا، وقال بصوتٍ خافت متقطع:
+
- يا عمي مكناش عاوزين نشغلكم .. و مش عاوزين نزعّلكم ولا نحط عليكم حمل أكتر، وقلنا نحتوي الموضوع من غير ما نكبره.
+
التفت له "رياض" بعينين تلتهبان غضبًا، وقال بحدةٍ مشوبة بمرارة:
+
- تحتووه إزاي؟! تحتووا إيه وانتم مش قدّه أصلاً؟! أنا مستوعب كل حاجة غير إني مش عارف أصدق إن إنت يا آسر تعمل حركة زي دي ! طول عمري شايفك عاقل و راسي العيلة دي ، تبقى دي تصرفاتك في الآخر ؟!مبسوطين إحنا دلوقتي لما اضرب عليك النار ؟!!
+
حاول "جواد" التدخل لتخفيف وقع الهجوم عن ابن عمه، فرفع كفه قائلًا:
+
- يا عمي رياض… آسر مكنش يقصد، ولا إحنا قصدنا نخون ثقتكم فينا،كنا بنتعامل مع الوضع بحذر، ومعروف إن القضية لما اتفتحت تاني، العيلة كلها هتكون في حالة طوارئ… إحنا كنا بنحاول نشيل عنكم.
+
لكن "جليل" قاطعه بلهجة صارمة وقلب موجوع:
+
– لا يا جواد…مش مقبولة منكم، لا منك ولا من آسر ولا وائل! و إنت يا جواد بذات عتابي معاك تقيل! أنا صدمتي فيك مش أقل من صدمتي في آسر !! يبقى انتم الأثنين !! إلي بنقول مفيش زيكم في عيلة الرفاعي تكونوا بالاندفاع دا كله ! هو دا العقل الكبير يا حضرة المحامي المحترم !!
+
- إنتم الثلاثة !! كلكم ! محدش فيكم يُعتمد عليه أصلًا .
+
هتف بها "رياض" بتهكم ومرارة خذلان، فتجمدت الأجواء من حولهم وكأن كلماته قد صفعت الحضور جميعًا، حتى أولئك الذين لم ينبسوا ببنت شفة وساد الصمت، لكنه لم يدم طويلًا…
+
إذ شقّ الهدوء صوت انفتاح الباب بعنف، لتظهر "علياء" في المدخل، وجهها يقطر اضطرابًا، وعيناها تبحثان في الفراغ قبل أن تقع على نجلها الجالس على الفراش، فهتفت بنداءٍ ملؤه الرجاء واللوعة:
+
- آسـر!
+
ما إن وقعت عيناه على والدته، حتى تلاشت كل صلابته، وارتخت ملامحه كأنها وجدت ملاذها أخيرًا ، أسرعت إليه، تُمرر نظراتها المذعورة على ملامحه، تتحقق من وجوده حيًّا أمامها، ثم انكبت على صدره، تضمه بقوة، كأنها تحاول أن تصهره في جسدها فلا تفقده ثانية.
+
شهقة مكتومة خرجت منها وهي تربت على ظهره بيدٍ مرتجفة، وتمسح بيدها الأخرى على كتفه بشغف أمٍ ظنّت أن فؤادها قد كُسر للأبد:
+
- حبيبي إنتَ… ابني يا آسر… الحمد لله على سلامتك يا قلب أمك، والله لو جرالك حاجة… كنت هموت وراك.
+
ضمّها "آسر" إليه بكل ما تبقى في صدره من ضعفٍ واحتياج، دفن وجهه في كتفها، وهمس بصوت مبحوح:
+
- أنا بخير يا ماما… بخير.
+
لكنها لم تقتنع ابتعدت قليلًا، وجلست على طرف الفراش أمامه، تحدق فيه بعينين دامعتين، تلمع فيهما ألف دمعة لم تُذرف، ثم قالت بنبرةٍ تحمل الصرامة المختلطة بالخذلان:
+
- إنت شايف نفسك راجل كبير قوي بقى عشان تعمل اللي عملته دا من غير ما تحسَب حسابي؟!
+
ابتسم "آسر" بخفوت، ورفع حاجبيه قائلًا:
+
- عندي تلاتين سنة يا ماما…
+
رفعت "علياء" سبابتها في وجهه، وصرخت من بين دموعها التي خذلت قوتها:
+
- اسكت يا ولد ! إنت كبير على نفسك بس، إنما على أمك… لا، لسه صغير وغالي ، لما ترجع البيت أنا عارفه هعاقبك كويس إزاي .
+
ثم انحدرت دمعة حارقة من عينيها على وجنتها، فمال إليها "آسر"، وطبع قبلة صامتة على يدها التي ترتجف من فرط الانفعال، وهمس بعينين مبللتين:
+
- على دماغي يا ست الكل.
+
لكنها لم تلتفت له، كانت عيناها تهربان منه، تحاول أن تُخفي تلك الدموع التي تفضح هشاشتها أمامه، غير أنها لم تستطع، فحين مسح "آسر" دموعها بأصابعه المرتجفة، شعرت بانكسارٍ ما من الداخل، كأن قلبها نفسه قد تبلّل بها.
+
- حقك عليا يا ماما ، أنا قلتلهم محدش يعرفك إنتِ و بابا عشان عارف قلقكم و لما بقيت كويس قلتلهم يقولولك عشان إنتِ الوحيدة إلي هتوصليها لبابا بهدوء
+
– لا يا آسر… مش هسامحك ، مش هعديهالك ..
+
قالتها بصوتٍ مخنوق، وقد أطبق الحزن على صدرها، لتتهاوى دموعها بحرقة ، بينما ضمها "آسر" إليه من جديد، يحاول أن يُخفي دموعه هو الآخر، في مشهدٍ جمع بين الندم والحنان، وبين ألم الذنب وغفران القلب.
+
و"علياء"... تلك السيدة التي كانت يومًا رمزًا للحسم والهيبة، ابنة أحد رواد المقاولات والبناء في جيلٍ مضى، المرأة التي طالما وُصفت بأنها من حديد، لا تهاب ولا تُكسر، لكنها في تلك اللحظة لم تكن سوى أمٍ هشّة، قلبها صار كورقة خريف تذروها الذكريات.
+
منذ فقدت ابنتها، انهارت جدرانها الداخلية… لم تعد "علياء" التي يعرفها الجميع، صارت أقرب لبتلات وردة أرهقها المطر .. جميلة، لكن قابلة للتمزيق في أي لحظة.
+
وكل من كان بالغرفة شعر بذلك و ارتسمت على وجوههم ابتسامات حانية ، حتى قطع الأجواء طرقات منتظمة على الباب ليدخل الطارق بعد سماع الإذن ليتجلى أمامهم الرائد " خالد " بهيبة مُنقطعة النظير و نبس بحزم:
1
- صباح الخير آسر بيه .. حمد لله على سلامتك.
+
ثم ألتفت لباقي الأفراد و وجه كلماته برزانه و ثبات :
+
- لو تسمحولنا بخمس دقائق على انفراد .
+
أومأ الجميع له برأسهم و بدؤوا بالخروج بانتظام بينما لم يحيد " خالد" بنظراته عن " آسر " و ما أن فرغت الغُرفة أشار الرائد "خالد" لأمين الشرطة الواقف أمام الباب:
+
- اقفل الباب واستناني برا لما أندهلك.
+
حيّاه الأمين بتحية نظامية، ثم أغلق الباب خلفه تاركًا الغرفة تنعم بالصمت بين الرجُلين.
+
حرك "خالد" الكرسي المعدني، وجلس أمام "آسر"، نظر إليه مليًّا بعينين غلب عليهما التوتر ، ثم تنهد ببطء وكأنه يُفرغ ثقلًا ظل يكتمه طوال الليل، وقال بنبرة حازمة:
+
- اللي حصل إمبارح كان إعلان حرب رسمي، طلقة رصاص غرضها التخويف و رسالة واضحة… العملية خرجت من مرحلة التهديد وبقت تصفية حسابات على الأرض ، و إنت محتاج تمشي بحراسة أمنية بعد كده، والقرار ده مش مطروح للنقاش.
+
نظر له "آسر" بصمت، تداخل في عينيه العناد والامتنان، لكنه لم يقاطع، ليكمل "خالد" كلامه وهو يفتح ملفًا صغيرًا أمامه:
+
- عز مش شبح يا آسر، ولا بيشتغل لوحده، عنده شبكة شغالة بدقة، وكل يوم بيعدّي من غير رد فعل مننا هو يوم بيديهم مساحة أكبر.
+
أغلق الملف، وأسند مرفقيه على ركبتيه، واقترب بجذعه للأمام قليلًا، ثم أردف بنبرة أكثر شخصية:
+
- أنا مش بتكلم كضابط، أنا بتكلم كصاحبك... إنت مش قدّامك عدو عادي، دا واحد كان زمان بيشارككوا لقمة، وبقى دلوقتي مش هيرتاح غير لما يخلص على اسمكم كلكم .. ومش هيسيبكوا إلا خراب.
+
تحركت نظرات "آسر" للنافذة للحظة، ثم استعادها وقال بصوت خافت:
+
- مكنتش حابب الموضوع يوصل للحجم ده... كنا فاكرين نقدر نسيطر لوحدنا.
+
رمقه "خالد" بنظرة تجمع بين الأسى واللوم، وقال:
+
- بس دي مش معركة شخصية يا آسر، دي بقت قضية أمن، وأرواح ناس بريئة ممكن تدفع تمن الحسابات القديمة دي... وأنا مش هسمح بده.
+
سكت قليلًا، ثم أردف وقد خفف نبرته:
+
- قولّي كل اللي تعرفه، حتى اللي شايفه تفصيلة صغيرة... مين اتواصل معاكم؟ هل في أي تهديد مباشر جالك قُريب؟ رسائل، مكالمات، لقاءات؟ محتاج كل حاجة.
+
أومأ "آسر" برأسه برفض ، فوقف "خالد" من مكانه، ودار خلف الكرسي بتفكير عميق، قبل أن ينظر له مباشرة ويقول:
+
- إحنا هنبدأ خطة تأمين موسعة من بكرة، وهتكون في حماية مدنية غير ظاهرة حواليك في كل تحركاتك إنت و عيتلك... واللي حصل مش هيتعدي بالساهل، فاهمني؟
+
أومأ "آسر" برأسه، وعيناه تحملان خليطًا من الثقة والامتنان، همس:
+
- شكرًا يا خالد... مش بس على الشغل، على وجودك.
+
ابتسم "خالد" ابتسامة صغيرة، خالية من الاستعراض، وقال وهو يفتح الباب:
+
- خلّيك دايمًا جاهز... الحرب لسه ما بدأتش ، و حمد لله على سلامتك مرة تانية .
+
ثم خرج بخطاه الهادئة، ليبقى "آسر" وحده في مواجهة ذلك الشعور الثقيل… شعور بأن القادم أعظم.
+
| رجـوع لـ الـلـيلة الماضية |
+
تقدّم "جواد" ببطء داخل غرفته، كأن قدميه تترددان في الاقتراب، قبل أن يستقرّ نظره على وجه "آسر"، بينما أقترب " ريان " من فراشه ومرّت لحظة صمت، لا يُسمع فيها سوى صفير الأجهزة الرتيب، قبل أن يهتف "ريان" بهدوء:
+
- المؤشرات مستقرة الحمد لله، بس لازم تلتزم بالراحة التامة ..
+
أومأ "آسر" بصمت، بينما اقترب "جواد" أكثر، وعيناه لا تفارقان ملامح ابن عمّه ، ثم التفت "ريان" لـ"جواد" و قال بنبرة ودّية:
+
- هسيبكم سوا، لو احتاجتني لأي حاجة… دوس بس الجرس اللي جنبك يا آسر، وأنا هاجي فورًا.
+
ربت على كتف "آسر" برفق ثم نظر له مطولًا بعين طبية ولكن أخوية أيضًا، وكأنه يُخبره أن العِتاب مؤجل… لأن الصحة أولًا ، ثم غادر الغرفة في هدوء، وأغلق الباب وراءه.
+
فهتف بصوتٍ خفيض، مبحوح من الداخل:
+
- آسر…
+
ارتعشت جفنا "آسر" ببطء، ثم انفصلت شفتاه بصعوبة عن سكونهما، وهمس:
+
- جواد…!
+
أومأ الأخير برأسه، واقترب حتى صار بجانب الفراش، جلس على المقعد القريب، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، مُطرقًا للحظاتٍ كأنه يُعيد ترتيب عاصفة أفكاره.
+
- كده تقلقني عليك !
+
رمش "آسر" ببطء، ثم همس بصوتٍ خافت كأن الهواء يخذله:
+
- متخافش ، أخوك جبل بعون الله.
+
ابتسم "جواد" بمرارة، ثم أجاب دون أن يرفع رأسه:
+
- بس يا آسر مينفعش تشيل كل حاجة لوحدك كدا .. أومال إحنا أخوات ليه ؟! عز الواطي حاطك في دماغه ليه ؟
+
ساد صمتٌ قصير ،أزاح "آسر" نظره عنه، كأن الحقيقة تحرق وجهه، وأجاب ببحة ضعيفة:
+
- مش مهم السبب .. المهم تكونوا بخير .
+
رد "جواد" بسرعة، بحزم متألم:
+
- بس إحنا إخوات ! إلي هيأذي واحد يعني أذى الكل .
+
لم يجب "آسر"، فقط أطبق عينيه للحظة، ثم فتحهما كمن استيقظ من حلم ثقيل:
+
- و عشان كدا مش هستحمل أشوف فيكم أذى .. من بعد خسارة أختي مفيش فيا حيل لخسارة تانية .
+
سكت "جواد" للحظة، وارتسمت على وجهه ملامح رجل يُصارع بين غضبه ووجعه، ثم همس بنبرة مُختنقة:
+
- عشان كده بالظبط إنت هتفهم يعني إيه تخسر ! وأنا كمان كان ممكن أخسر .. كان ممكن أخسر أخويا اللي كنت بحسبني واقف في ضهره… بس لقيته شايل لوحده، وما إدانيش فرصة أشيل معاه.
+
رفع "آسر" عينيه له، ببطء كأنهما مثقلتين بالحزن، وتلاقت النظرات بينهما، فصمتا، وكأن الكلام لم يعُد يكفي ،تابع "جواد" بصوت خافت لكنه نابض بالوجع:
+
- مش عيب يا آسر إنك تقع، العيب إنك تقفل بابك عنّنا وتحارب لوحدك… أنا شريكك في الوجع، في الدم، في العيلة.
+
- أنا… آسف.
+
خرجت من "آسر" كأنها تنهيدة ندم، كأنها أقسى كلمة قالها منذ زمن، فانفرجت ملامح "جواد" ببطء، لكنه أضاف بصرامة حانية:
+
- الإعتذار مش كفاية، لازم تديني كلمتك إنك مش هتعملها تاني، مش هتشيل لوحدك.
+
ابتلع "آسر" ريقه، وأومأ برأسه في بطء، كمن يُسلم راية العناد، وهمس:
+
- ليك كلمتي .
+
ابتسم "جواد" أخيرًا، لكن ابتسامته كانت مجروحة، ثم قال:
+
- هاخذ كلمتك من دلوقتي… أول خطوة نخطط سوا، ونفهم إزاي عز لسه بيقدر يوصلنا، وهنرد عليه إزاي… بس بعقل مش باندفاع.
+
نظر "آسر" له، وصدره يعلو ويهبط ببطء، ثم قال بصوت أخف، لكنه ممتلئ باليقظة:
+
- مش هسمحله يا جواد… مش بعد كل اللي خسرهولي… المرة دي إما هو… أو أنا.
+
أطبق "جواد" كفه فوق يد "آسر"، وشد عليها بقوة الرجولة والإخوة، وقال بثقة صلبة:
+
- المرة دي إحنا.. سامعني !!
+
و في تلك الأثناء دلف " وائل " بلهفة عليهم فألتفت الأربع أعيُن تجاهه و نبس الأول باعتراض :
+
- كفاية بقا إنت قعدت معاه كتير ..
+
ابتسم " آسر " بوهن بينما نهض " جواد " و ابتسم بخفوت و أجاب :
+
- مش هخطفه منك يعني..أعصابك .
+
ضيق " وائل " عيناه أومأ برأسه بلا مبالاة و تقدم نحو " آسر " يُلقي نفسه بين ذراعيه هاتفًا بسعادة :
+
- آسر واحشني جدًا .. قلقت عليك أوي .
+
و في تلك الأثناء كان خرج " جواد " و دلف " ريان " سريعًا و ابتسم بعدم تصديق و أغلق الباب خلفه و قال:
+
- هو دا إلي قلت تخلي عشرة سانتي بينكم على الأقل !!!
1
ابتسم"وائل" و ابتعد عنه ثم جلس على طرف الفراش وقد ضم يد "آسر" لكفه، يربّت عليها كما لو كان يُربّت على قلبه المُنهك، ثم همس بحنانٍ صادق:
+
-كنت خايف عليك أوي.
+
رمقهم "ريان" بنظرة طويلة، لم يُقاطع، فقط ظل واقفًا في ركن الغرفة، يكتفي بالصمت، كمن يُقدّر طُهر تلك اللحظة التي لا تشبه شيئًا إلا الإخوة حين تُكسر فيهم الهيبة، فيفيض الحب دون حساب.
+
استدار "وائل" قليلًا نحو "آسر"، وتفحّص ملامحه التي لم تُفارقها آثار المخدر ، والضعف الذي بدا كالغبار على وجهه القوي، ثم تمتم متصنعًا العتاب:
+
- على فكرة دي مش جدعنة إنك تاخد رصاصة لوحدك ، كان المفروض تيجي فيا معاك، عشان إحنا بنشارك كل حاجة سوا.
+
ارتعشت ابتسامة "آسر" على طرف شفتيه، وأجاب بصوتٍ واهن:
+
- لا… بعيد الشر عنك.
+
أومأ "وائل" برأسه سريعًا ورد بنفس النبرة المخلصة:
+
- وبعيد الشر عنك يا خويا…إحنا عدينا بكل المصايب سوا… مفيش كارثة من وإحنا صغيرين إلا كنا فيها مع بعض.
+
فتح "آسر" عينيه قليلًا وحدّق فيه للحظة، ثم أجاب بسخرية خافتة:
+
- ودا ما لفتش نظرك لحاجة؟!
+
انفجر "ريان" بضحكة قصيرة خافتة، خرجت رغمًا عنه، بينما اتّسعت عينا "وائل" واستقام في جلسته، كأن سهمًا عاطفيًا أصابه وقال بحدة مصطنعة:
+
- تقصد إنّي أنا اللي بجيبلك المشاكل صح؟! دا مكنش العشم والله.
+
ابتسم "آسر" في صمت دون أن ينفي أو يؤكد، مما زاد غيظ "وائل"، فاقترب أكثر، وقال بمرح مشوب بالحيرة:
+
- طيب اعترف بقا… بتحبني أنا أكتر ولا مراتك المستقبلية؟
+
أغمض "آسر" عينيه ثانية، كأن الإجابة لا تحتاج تفكيرًا، ورد بهمسة ناعسة:
+
- مراتي طبعًا.
3
استدار "وائل" فورًا نحو "ريان" بدهشة مصطنعة، وفتح كفّيه نحو السقف:
+
- مش المفروض اللي بيفوق من البنچ يقول الحقيقة؟!
+
رفع "ريان" حاجبه ببطء، وابتسم بتسلية صافية، ثم تنحنح و أجاب بخفوت :
+
- ما هو عشان بيفوق من البنچ… بيقول الحقيقة.
+
هنا تجمّدت ملامح "وائل" فجأة، كأن الحقيقة ضربته على غفلة… فابتسم " ريان " و اقترب منه قائلًا :
+
- طيب يلا يا أستاذ وائل ، وقت الزيارة إنتهى ..
+
فمسد " وائل " على كتف " آسر " برفق و ألقى نظرة حانية عليه ثم خرجا سويًا ، ليقف أمامهم الرائد " خالد " بملابس عادية لكن هيئته العسكرية الجذابة لا تخفى على أحد ، فـ وقف أمام " ريان " ومد كفه بثقة وقال:
+
- الرائد خالد العمري، من الإدارة العامة لمباحث الأمن العام .
+
بادله "ريان" السلام بصدق واحترافية، ثم أجاب "خالد" بنبرة رخيمة :
+
-آسر حالته إيه حاليًا؟
+
أجاب "ريان" بلهجة هادئة وواقعية :
+
- الحمد لله حالته مستقرة، لكنه لسه تحت تأثير البنچ .
+
أومأ "خالد" بتفهم،ثم قال:
+
- تمام، أنا معايا أوامر بتأمين الغرفة على مدار الساعة ، هل هي دي الغرفة النهائية، ولا هيتم نقله؟
+
رد"ريان" بتوضيح مهني :
+
- لأ، دي غرفة الإفاقة ، خلال ساعة او ساعة ونص هينقلوه لغرفة رعاية عادية في نفس الطابق ، وأما من ناحية التحقيق، يُفضل يتم تأجيله لبكرا على الأقل، لما يكون وعيه كامل وقدرته الإدراكية في المعدل الطبيعي.
+
أردف"خالد" بحزم راقٍ :
+
- تمام، هنأمن الغرفة دي لحد ما ينتقل، وهننقل التأمين معاه، وهيكون فيه فردين في كل وردية، وممنوع اقتراب غير الطاقم الطبي أو الأهل المصرح ليهم.
+
أومأ"ريان" بموافقة و قال برتابة :
+
- أكيد إن شاء الله.
+
على بُعد خطواتٍ قليلة من غرفة "آسر"، جلس أفراد العائلة في صمتٍ ثقيل، كأن الوجع يتنقّل بينهم بلا صوت، حتى قطع "رياض" السكون بنبرة جمعت بين الغضب والاستنكار:
+
- مش قادر أصدق لحد دلوقتي إن عز توصل بيه العمايل للحقارة دي.
+
رد عليه "جليل" وهو يشيح بنظره إلى الأرض، وكأن الألم يحفر داخله:
+
- دا شيء متوقّع من واحد قليل الأصل زيه… بس اللي صعبان عليا بجد آسر اللي جوا دلوقتي.
+
مرّر "رياض" كفّه على وجهه بتنهيدة متعبة، ثم رفع عينيه المُثقلتين بالقلق حيث وقف كلٌ من "وائل" و"جواد" صامتَين قرب الجدار، كأن حديث الكبار يُلهب ظهورهم:
+
- والبركة في الرجالة بتاعتنا… بيتصرفوا من دماغهم!
+
تحرّكت "مريهان" على المقعد بجوار "شيرين"، وقد شعرت بأن نبرة الحديث بدأت تحتدّ على نحوٍ غير مناسب للمقام، فهتفت بمحاولة لتلطيف الأجواء:
+
- خلاص يا جماعة، صلّوا على النبي… مش وقته خناقات، إحنا دلوقتي لازم نركّز هنتصرف إزاي في الأيام الجاية.
+
زفر "رياض" بنفاد صبر وكأن صدره ضاق بكل ما سمعه، ثم انتصب واقفًا وهتف بحسم:
+
- خير إن شاء الله… قوموا إنتوا روحوا البيت ، إحنا هنبات هنا.
+
لكن "وائل" هزّ رأسه بإصرار وقاطع بهدوء صارم:
+
- أنا قاعد.
+
وتبعه "جواد"، بصوتٍ أقل حدة، لكنه لا يقلّ صلابة:
+
- وأنا كمان.
+
حتى "مراد" أردف بنبرة ثابتة:
+
- وأنا.
+
رفع "جليل" رأسه ونظر إليهم نظرة طويلة، كأنه يُقيم حجم إصرارهم، قبل أن يتكلم بنبرة أبوية هادئة:
+
- مينفعش كلنا نفضل هنا، عمكم فاروق لسه ميعرفش حاجة، غيابنا الجماعي هيقلقه، وإحنا مش عايزينه يعرف دلوقتي.
+
نظر "جواد" حوله، فتفحّص وجوه النساء، ولاحظ التعب الذي بدأ يغزو ملامحهن، حتى أن "وردة" كانت قد غفَت برأسها الصغير على كتف والدتها، فهتف برتابة حانية:
+
- الستات يرجعوا… وإحنا الرجالة هنبات.
+
تبادل الجميع النظرات، صامتين، تائهين بين الواجب والخوف، إلى أن نهض "رياض" فجأة، وهتف بأمر لا يحتمل نقاشًا:
+
- مدحت… خد مراتك وبناتك وارجعوا… ويلا يا شيرين، كمان قومي.
+
لكن "مريهان" أومأ برفضت هتفت بحدة خافتة:
+
- لا أنا هبات… مامته مش معاه! لازم أكون هنا!
+
ثم التفتت إلى جانبيها وأردفت، وقد عادت لصلابتها التي تعرفها العائلة:
+
- شيرين و فاتن إنتوا ارجعوا ، وممدوح خد البنات وروّح.
+
ساد المشهد صمتٌ مشوب بالحيرة، الجميع يتبادل النظرات وكأن القرار يحتاج من يسبقه في تنفيذه، حتى أنهى "جليل" التردّد، ونهض من مكانه وهو يقول بصرامةٍ متزنة:
+
– إنتوا لسه هتبصوا لبعض؟! يلا قوموا… أنا هبعت للـ drivers يجهزوا العربية.
+
و بالفعل نهضوا و ألقوا السلامات ، أما على مسافة ليست بعيدة ، وقف " ريان " أمام طاولة " يوسف " في استراحة المشفى و أردف :
+
- يوسف ! معلش لو تروح البيت تجبلي طقم جديد بدل إلي بقا كل دم دا ؟؟
+
رفع " يوسف " رأسه سريعًا و نهض فورًا و أومأ برأسه بوهن و أجاب :
+
- حاضر .. الدنيا تمام معاك ؟
+
أومأ " ريان " برأسه بهدوء و أجاب :
+
- بخير الحمد لله ، معلش هتعبك معايا ، جبهوملي و روح إنت عم محمد أكيد نام مينفعش أقلق منامه.
+
- ولا تعب ولا حاجة ، خلي بالك من نفسك .
+
ثم غادر " يوسف " من أمامه فألتفت له " ريان " و رمقه ، و كانت نفس اللحظة التي هبطت فيها عائلة " آسر " مُغادرين ، من بينهم " يـارا " التي ألتفت ببصرها نحو " يوسف " الذي ألقى عليها نظرة خاطفة ثم تقدمهم للخارج بينما عيناها لم تحيد عن خطواته .
+
كان ذو قامة مرتفعة ، يرتدي بنطالًا قماشيًا باللون « البيچ » و فوقه قميص خريفي باللون بالبُنى و خطوط من نفس لون البنطال طولية رفيعة ، فكان ذو مظهر حسن و راقي ، بينما في الخلفية عن " ريان " حيث انتبه للقاء نظراتهم الخاطف ثم أشاح بصره حينما وجه بصره لـ " يـارا " و مازالت عيناها مُعلقة بـ " يوسف " .. ليُتمم بخفوت ثم غادر المكان .
+
و بعد مرور عدة ساعات آخرى قُبيل آذان الفجر بساعة ، طرق " ريان " طرقات خفيفة على غرفة " آسر " ثم دلف ليجد الأخير مُمدد على ظهره يتأمل سقف الغُرفة بشرود .
+
فأغلق " ريان " الباب و تقدم نحوه بزيه العادي دون معطفه الطبي ثم جلس على الكرسي بجانب فراشه ، فألتفت له " آسر " بهدوء و تسائل الأول بهدوء :
+
- لسه صاحي ؟
+
أومأ " آسر " برأسه بخفوت ثم قال :
+
- فكرتك روحت .
+
فرك " ريان" مدامع عيناه بارهاق و أجاب :
+
- لا والله كنت في أوضتي ، غيرت هدومي و ريحت الثلاث ساعات دول و قلقت في نومي فجيت أطمن عليك .
+
ابتسم " آسر " بشرود و قد أستعاد الكثير من وعيه فأردف بصوته الأجش مُمتنّا :
+
- أنا بشكرك جدًا .
+
- عيب يا جدع الكلام دا .. إنت أخويا و دا من حق الأخ على أخوه ، أنا معملتش حاجة .
+
اتسعت ابتسامة " آسر " على تتابع كلماته ثم أردف :
+
- مش عشان النهاردة بس ، على كل حاجة .. ربنا حطك في حياتي زي ما يكون طوق نجاة ليا طول الوقت .
+
مد " ريان " كفه و مسد على كتفه برفق و قال :
+
- إنت الغالي يا آسر .. و أنا هنا في أي وقت .
+
لم تبهت ابتسامة " آسر " امتنانًا ، فـ تحامل على جسده و نهض للجلوس فانتصب " ريان " يُساعده حتى تأكد من صحة جلسته ثم عاد لمجلسه و سكن ينظُر له بسكون لكن بجوفه تطوف داخله العديد من الأدعية .
+
فتح " آسر " فاهه و حاول الحديث مُترددًا ثم سكن ، لكن عاد و جمع قوته و قال :
+
- تعرف يا ريان !
+
انتبهت له حواس " ريان " و رفرف بأهدابه بخفة يراه يُتابع :
+
- لما الرصاصة دخلت جسمي و حسيت بوجعها جوايا .. الحاجة الأولى إلي جت في بالي هي أختي .. في اللحظة دي حسيت إن قريب منها أوي ، كنت حاسس روحي هتطلع و هلحقها ، كنت حاسس الموضوع قريب أوي أوي يا ريان .
+
عقد " ريان " ذراعيه أمام صدره باهتمام ليجده يُتابع بنبرة مُتحشرجه :
+
- كان نَفسي طابق عليا ، و كنت حاسس روحها حواليا ، يمكن عشان كنت عاوز أشوفها أوي .. بس فكرت بعدها في ربنا ، هل هيقبلني بعد كل السنين في اللحظة دي ! هنا الفكرة كانت مُرعبة جدًا .. و لا مرة فكرت بذنوبي بشكل كبير يخليني أخجل من نفسي أروح لربنا بيها ، أروح له وأنا بعيد، وأنا ماعملتش أي حاجة تشفعلي.
+
و ختم عبارته بضحكه مُتهكمه ساخرة من حاله ، ثم أخفض بصره، وانكمشت ملامحه تحت وطأة المشاعر، ثم همس بصوت مبحوح:
+
- نفسي أرجع لربنا، قلتها كتير بس مش عارف منين أبدأ… حاسس إن قلبي بعيد، بعيد أوي، وكل مرة أحاول أقرب، أتهز… أحسّ إني مش صادق، أو إني بضيع وقت.. زي ما أكون ما استاهلش التوبة.
+
تنهّد "ريان" ببطء، عينيه ثابته في عين "آسر " وقال بهدوء فيه وجع وفهم عميق:
+
- ده حال كتير من اللي تايهين يا آسر… شايفين الطريق بس رجليهم مش قادرة تخطّي أول خطوة… وناس تانية فاكرة إنهم لازم يرجعوا وهم أنضف، وهم أصلًا محتاجين يرجعوا عشان ينضفوا…
+
سكت لحظة، ثم أردف بصوت أعمق:
+
- محدش بيرجع لربنا كامل، إحنا بنرجع مكسورين… ربنا هو اللي بيجبر ، وساعات… لو ما رجعتش له باللين، يرجّعك له بالشدة… مش انتقام، ولا قسوة، بس رحمة منه… لما تفضل تبعد، يبعَت لك حاجة توقّفك… صدمة، فقد، وجع، رصاصة حتى! لأنه بيحبنا، وعاوزنا نرجعله قبل ما نموت على الغفلة.
+
لحظة، ثم أردف بصوت أهدئ، وبعينين مليئة رجاء:
+
- عشان كده خلي دايمًا على لسانك "اللهم إن رأيتني ابتعد عنك، فردّني إليك ردًا جميلا " ردًّا من غير كسر… من غير بلاء، من غير مصيبة ، يعني يا رب رجعني بحب، مش بوجع… خُد بإيدي قبل ما أقع .. ردّك الجميل اللي فيه رحمة وهداية قبل الضياع.
+
أغمض "آسر " عينيه لحظة كأنه يتلقّى الدعاء داخل قلبه، ثم فتحهم وقال بصوتٍ أهدأ، لكن محمّل بتعب سنين:
+
- فيه ذنوب بتشيلها جواك كأنها جبل على قلبك ، كل يوم تقلبها بين إيديك وتبكي عليها، وتضعف قدامها، وتُحبها ساعات… ودي أكتر حاجة بتهدك… إنك تحب الذنب وتكرهه في نفس الوقت، فتفضل واقف في النص .
+
ثم ارتكن إلى وسادته، شاحب الوجه لكن بعينين فيهما وميض لمحة أمل، لمحة رجوع، وهمس بنبرة منكسرة لكنها صادقة:
+
- طب لو كل اللي عملته… كان كتير أوي يا ريان… كتير لدرجة مشفتش فيها نفسي غير لما وقعت أعمل إيه !
+
ابتسم "ريان" بهدوء، وانحنى قليلًا ناحيته، وقال بصوت أقرب للرجاء:
+
– النَّبِي ﷺ روى حديث قدسي ، يعني حديث قاله ربنا "يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالي..يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني، غفرتُ لك...يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة."
+
تأمل"آسر" كلمات "ريان" بتريُث قائلًا بصوت واهن:
+
- يعني الحديث دا لينا فعلاً؟… لحدّ زينا؟… حد عاش سنين ما افتكرش إلا الدنيا، ولا كان بيصلي، ولا بيستغفر، ولا حتى بيحاول؟ أنا… مش شايف نفسي أستحق كل دا.
+
نظر له "ريان" بعينين فيها حنان عميق، يلتمس فيه المُبلّغ عن ربّ كريم، وقال:
+
- أيوه ليك ، و لينا كلنا ..الحديث دا نازل من السما لقلوب ضايعة زي قلوبنا ، ربنا مش بيستنّى منك تكون طاهر علشان يرحمك… ده هو بيرحمك علشان تطَهر ، دا قالك "لو بلغت ذنوبك عنان السماء" يعني مهما كانت ضخمة، عالية، مترتبة فوق بعض، مغرقة روحك… بس لو قلت "استغفرتك يا رب" من قلبك… خلاص ، هي كده اتنسفت .
+
- بس الواحد بيتكسف… يتوب وهو عارف إنه عمل كتير.
+
ابتسم "ريان" وقال ببساطة:
+
- التوبة زي ما قلتلك مش للناس اللي ماشية صح بس … دي للناس اللي تايهة وبتدوّر على طريق ،التوبة عمرها ما كانت لقب للملتزمين ! دي أمل للعاصين ، ربنا سمّى نفسه "التواب" علشان يتوب عليك كل ما ترجعله ، مفيش عدد مُحدد… مفيش مرة هيقولك "كفاية".. عشان ربنا قال برضو " إن لا يمل حتى تملوا " فكُون عبد أواب كل ما يغلط يتوب و لو لمليون مرة خليهم مليون و واحد .
1
هنا هزّ "آسر" رأسه ببطء، كأنه للمرة الأولى يُصدق أن بإمكانه يكون له مكان وسط العُبّاد… وسط التائبين… وسط أهل الله.
+
- طب أبدأ منين؟
+
اقترب "ريان" ورفع سبابته بلطف وقال:
+
- من كلمة واحدة "يارب" ..ابدأ بيها… وصدقني، كل حاجة بعدها بتهون.
+
ابتسم " آسر " بخفوت و تمتم بهدوء فشعر " ريان " بتردده ، فأستطرد بتوضيح :
+
- بصي ، لازم تعرف أن أي بداية هتبدأ من عند " يارب " .. متستناش أول حاجة انصحك بيها حاجات عملية و تبقى قاعد مستني إلي بعده و كأننا مستقلين بالإستعانه بربنا .. لما أقول لحد مثلًا استعن بالله من شر نفسك و أقرب منه و إلجأله بيكونوا مستعجلين للي بعد ، إلي هو آه دا تمام إيه إلي بعده ! قولي حاجة عملية أعملها ؟ ... مع إن ممكن دي لوحدها كفاية أصلًا و ربنا يقبلك و ترجعله و يكرمك ..
+
سكن لوهلة ثم أردف بتملُق :
+
- تعرف دا ليه ؟ عشان إحنا مش مستوعبين قيمتها .. فلازم لا نستهين إن أول حاجة في طريق ربنا نلجأ ليه قبل أي طاعة عملية .. فاهم عاوز أقولك إيه ؟! أول خطوة أدعي و استعين بربنا .
+
ابتسم " آسر " بامتنان و نبس :
+
- أنا عمري ما هعرف أرد جِميلك معايا دا .. ربنا يرزقك الجنة .
+
بادله " ريان " الأبتسامة بسعادة و أردف :
+
- اللهم أنا و إنت و نكون صُحبة هناك ..
1
ثم سكن لوهلة و تابع بتردد :
+
- تردهولي لما تحافظ على أختي معاك .
1
اتسعت عينايّ " آسر" بذهول و تسائل بسعادة غامرة:
+
- يعني إنت وافقت خلاص !
1
عقد " ريان " ذراعيه أمام صدره و ابتسامة عبثية زينت وجهه و أجاب :
+
- أنا عمري ما رفضتك .. أنا مستني الوقت المُناسب ، و إلي فيه الخير ربنا يقدمه ، أنا بس مش عاوز أديك ضمانات و يكون ربنا شايلكم غير كده .
1
ابتسم" آسر " لنصف عبارته الأولى و استنكر النصف الآخر ثم أردف :
+
- لا يا شيخ ! ربنا هيكون مقدرنا لبعض بإذنه ، أنا حاسس بده ، الشعور إلي ربنا زرعه جوايا أكيد لسبب ! لما بكرا تحب هتفهم كلامي .
+
ابتسم " ريان " و أومأ برأسه بخفة و قال :
+
- ربك كريم .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
| عـــودة للحاضر |
+
اتسعت عيناها بذهول، وتجمدت ملامحها في مكانها، وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة ،شحبت تعبيراتها، ولم تقوَ حتى على طرح سؤال مباشر، فاكتفت بتمتمة مشوشة:
+
- مين دا إلي أتقدم ؟!
1
التفت "نور" نحوها، وقد قرأ في صمتها ما يكفي، فاقترب منها ببطء وابتسم ابتسامة ساخرة ممزوجة بالدهشة:
+
- هو ياريته وقف على إنه أتقدم و أترفض ، دا بينه و بين أخوكي حرب باردة عشان لسه بيحبك .
+
لم تستفق "ميار" بعد من صدمة المعلومة الأولى، حتى باغتتها الصدمة الثانية، فشهقت بخفوت، وهمست كأنها لا تصدق:
+
- بيحب !
+
رفع "نور" حاجبًا باستغراب من رد فعلها، ثم استدار بهدوء نحو خزانته، التقط قميصين مختلفين، ولوّح بهما أمامها ببرود ظاهري:
+
- لا بصي أنا مش في برنامج الصدمة عشان تقفي تصدميلي ، قوليلي بقا أنزل التمرين بالأبيض ولا الأزرق ؟
1
أنهى جملته بسخرية خفيفة كأن شيئًا لم يكن، لتصيح به "ميار" باستنكار لم تستطع كتمانه:
+
- يا نور بقا يعني أنا بكلمك في إيه و إنت تقولي إيه !
+
قطّب "نور" جبينه، ونظر لها بنظرة مختلطة ما بين التبرير واللامبالاة:
+
- إيه يا ميار مالك ! هو يعني إنتِ أول ولا آخر وحدة تتحب من حد و ميكونش في نصيب ؟ بعدين يعني الحوار بقاله كذا سنة متحطيهوش في دماغك .
3
ردّت "ميار" بنبرة مدافعة متوترة:
+
- أيوه بس أنا لسه عارفه !
+
- عرفتي دلوقتي أو قبل كده كنتِ هتعملي إيه ؟ هو أتقدم في فترة إنتِ كنتِ لسه متخرجة و رافضة و كاريري يا بابا ... لا شوية طلع مش متدين فرفضتيه يعني نعملك إيه !
+
عبست ملامح "ميار" وارتبكت عيناها، كأنها تحاول استيعاب كلمات لا ترغب في سماعها، ليقطع "نور" شرودها مجددًا قائلًا بنبرة أكثر جدية:
+
- فوق كل دا هو صاحب ريان من زمان ، و لما اترفض اتفقوا ميخلوش دا يأثر على صحوبيتهم عشان كده لسه على تواصل .. في حاجة تانية عاوزه تعرفيها ؟
+
لم تُجِب "ميار" لكنّ ملامحها انكمشت بتعبٍ داخلي، فقد أثقلها صوته الحاد، وهي التي لا تتحمل الخشونة في الحديث، حتى وإن كانت الكلمات صادقة هناك دائمًا طريقة ألطف يمكن بها قول الحقيقة، فلم تملك إلا أن تهمس بنبرة مُختنقة:
+
- يا نور دا مش أسلوب ! الموضوع مضايقني على فكره.
+
وقبل أن يرد عليها "نور" انفتح باب الغرفة فجأة، وظهرت "ريم" تتلفّت بينهما بعينين مُشككتين:
+
- في إيه يولاد على الصبح ! صوتكم عالي ليه منك ليها ؟!
+
بينما"ميار" لم ترد، بل اكتفت بنظرة باهتة، ثم غادرت الغرفة بخطى سريعة، لتلتفت "ريم" نحو شقيقها متسائلة:
+
- حصل إيه يا نور ؟!
+
رفع كتفيه بلا مبالاة، وهو يُعيد طيّ قميصه:
+
- محصلش حاجة روحي شوفي أختك عشان أنا معدتش فاهمها .
2
اقتربت منه "ريم" بخطوة، ورفعت سبّابتها في وجهه بتحذير:
+
- نــور ! مالك في إيه ؟! دي آخر مرة أسمعك بتتكلم عن أختك كدا .. مش هيطلعوا عينك هناك و تيجي تطلع غُلبك على الغلبانه دي !
+
تجمّدت يداه للحظة، ثم رفع عينيه بسرعة، وصاح بتوتر:
+
- هو أنا عملتلها حاجة ! هي دخلت سألتني و جاوبتها معملتش حاجة .
3
- اتعلم تمسك أعصابك شوية إحنا مش زمايلك في التدريب ، إحنا أهلك ! تقدر تتكلم بالأسلوب دا من حد من زمايلك هناك ؟
+
ثم غادرت الغرفة بعد أن رمت عليه نظرة صارمة، بينما زفر "نور" بضيق، وأسند ظهره إلى الحائط، ثم مرّر يده على وجهه كما لو كان يُزيح عنه بقايا انفعال لم يتوقعه .
+
في غرفة "ميار"، كانت الأخيرة واقفة أمام المرآة، تُعدّل حجابها، أناملها ترتجف قليلاً، ووجهها شاحب رغم صمته.
+
طرقت "ريم" الباب، ثم دخلت دون انتظار رد، تأملت شقيقتها قليلاً، ثم سألتها بلطف:
+
- إيه إلي حصل يا ميار ؟
+
لكن "ميار" لم ترد، كانت فقط تُحدّق في المرآة، وعيناها تُطاردان ملامحها بصمت، ثم نبست أخيرًا بصوت فارغ:
+
- مفيش !
+
تقدّمت "ريم" منها خطوة، وقد بدأت تدرك أن الأمر ليس بسيطًا، ثم سألت بإلحاح:
+
- يعني إيه مفيش ! أومال صوت مين إلي جايب آخر الشقة ! اتخانقتي إنتِ و نور ؟!
+
ظلت "ميار" على صمتها تتجاهل الحديث، لتفقد "ريم" أعصابها وتزيح الحجاب برفق عن رأس أختها قائلة:
+
- بس كده سيبي الحجاب دا !! مانتيش رايحه في حتة غير لما تقولي حصل إيه ؟
+
تغيّرت ملامح "ميار" فجأة، واغرورقت عيناها بالدموع، ثم سالت أول دمعة بصمت، تبعتها أخرى، وأخرى، حتى سقطت كتفاحة ناضجة لا تحتمل المزيد.
+
تفاجأت "ريم" واقتربت منها بسرعة، ثم جذبتها إلى صدرها، تضم رأسها وتُمرر أصابعها في خصلاتها برفق:
+
- مالك بس ! ما أنا بسألك من ساعة ! حصل إيه للدموع دي ؟
+
اهتز جسد "ميار" من شهقةٍ مكتومة، كأن الحزن أخيرًا وجد مخرجًا من داخلها، لتُواصل "ريم" تمسيد كتفيها برفق، وتهمس:
+
- طيب عيطي خلاص … قوليلي عمل فيكِ إيه الولا دا و أنا أربيه ليكِ .
+
بعد أن سكنت " ميار " بأحضانها ،أخفضت رأسها بخجل، وأناملها تعبث بطرف كمّها كأنها تبحث عن ملاذ لمشاعر انكشفت فجأة دون استئذان، ثم همست بصوت خافت، يكاد لا يُسمع:
+
- أنا كنت عارفة… كنت حاسة بده.
+
نظرت إليها "ريم" بدهشة ممزوجة بابتسامة صغيرة ، ثم رفعت وجهها لها وهمست بلطف يُغلفه الفضول:
+
- كنتِ عارفة إيه يا حبيبتي؟
+
رفعت "ميار" عينيها بخجل يلمع بالصدق، ونظراتها تائهة بين البوح والتردد، ثم تمتمت:
+
- إن في حد بيحبني… بس إنتم مخبيين.
+
اتسعت عينا "ريم" بدهشة حقيقية، وارتسمت على وجهها نظرة من التعجب و الإندهاش، ثم قالت ببطء تقاوم ضحكة خرجت مع الكلمات:
+
- مخبيين!! إيه يا ميار الكلام ده؟! نور قالك إيه بالضبط؟
+
زفرت "ميار" تنهيدة عميقة، كأنها تخرج معها سِرًا طال حبسه في قلبها، ثم قالت بصوت متهدّج، يختنق في نهاياته:
+
- أنا كنت عارفة… عرفت من حوالي سنة ونص، كنت سمعت بابا بيتكلم مع ريان ومعاكي… بس والله من غير قصد… غصب عني سمعت كلامكم عن حد بيحبني ومش قادر ينساني… أنا رجلي وقتها معرفتش تسندني… جريت لأوضتي…كنت... كنت مبسوطة أوي يا ريم.
+
رفعت عينيها بخجل مرتبك، كأنها تخشى أن يُستهان بشعورها، ثم تابعت وهي تبتسم ببساطة مكسورة:
+
- عارفة دا عبط، بس كنت مبسوطة إن في حد حبني كدا وشايفني حد ميتنسيش… يعني هو مش لاقي حد زيي؟… أو… يعني مش عارفة.
+
كان صوتها يمتزج بين الرجاء والتصديق، كأنها تحكي حلمًا لا تريده أن ينكسر، ثم أردفت بصوتٍ أكثر وُدًّا:
+
- من يومها وأنا بفكر فيه… وعاوزة أعرفه… بس كلكم كنتوا بتتعاملوا عادي، ولا كأن في حاجة.
+
كانت "ريم" تحدق فيها وقد هدأت ابتسامتها، وتحولت إلى لمعة في العين، مزيج بين الأندهاش والألم، ثم اقتربت أكثر وهي تنصت بانتباهٍ أمومي بينما "ميار" تتابع، صوتها يعلو بنبرة لهفة نقية:
+
- أنا كنت بتحرى أوقات الإجابة… وأدعي ربنا عنه…
كنت بقعد أتخيله كتير… وأتخيل شكله… وشعوري لما أشوفه… أكيد عنيه هتلمع زي ما بقرأ في قصص الحب!
+
ثم أضافت بصدق يخترق القلب:
+
- مش هو ده الحب برضو يا ريم؟ عنيه تلمع… وبسمته تكون باينه في تجاعيد عيونه… صح؟
+
توسعت ابتسامة "ريم" وابتلعت ضحكة خفيفة ممزوجة بدهشة، ثم مدت يدها تمسّد على كتف أختها بلطف وهي تقول بانفعال صادق:
+
- يا حبيبتي إنتِ… إنتِ شايلة ده جواكي كل ده؟ طب ماجتيش كلمتيني ليه؟
+
هزّت "ميار" رأسها بخفة وهي تحاول كبت دمعة خجولة، وقالت بصوت صغير مرتبك:
+
- عشان اتكسفت…أصل… أول مرة أحس بده ،مكنتش عارفة أودي مشاعري فين! مكنتش عارفة اللي بيحب… بيعمل إيه!
+
رفعت "ريم" حاجبها بدهشة تلقائية وردّت بنصف ابتسامة:
+
- يحب؟!
+
فزعت "ميار" من وقع الكلمة على لسانها، ولوّحت بكفّيها بسرعة تنكر :
+
- لا لا… مش يحب! استحالة… دا حب؟! أنا معرفوش الحب كلمة كبيرة…ممكن انجذبت ليه… لا حتى دي كبيرة!معرفش… يمكن فضول…فضول إني أعرفه… وأشوفه وحاسة إن ممكن أحبّه في لحظتها .
+
رمشت "ريم" ببطء، وابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم أمالت رأسها جانبًا وقالت بنبرة ساخرة لطيفة:
+
- وعلى إيه التقل دا يخرب بيت عقلك يا ميار!
+
ضحكتا سويًا… واحدة بخجل، وأخرى بدهشة.. ثم أطرقت "ميار" برأسها قليلًا، ثم رفعت عينيها بعذوبةٍ دامعة، وتنهيدة خفيفة خرجت من أعماق قلبٍ صادق، وقالت بصوت يشبه النجوى:
+
- تعرفي… كنت بدعي بدُعاء ثابت دايمًا، زي وِرد سِرّي ما بفوّتش ليلة من غيره "اللهم اجعلني كما تُحب وترضى، واجعله كما تُحب وترضى، واجمعنا على خير كما تُحب وترضى"
+
رفّت أهدابها بانكسار شفيف وهي تُكمل:
+
- كنت متعلّقة بطيف… بطيف أنا معرفش عنه حاجة أصلًا.
+
بدا صوتها وكأنّه حديث مع قلبها قبل أن يكون مع شقيقتها، ثم تابعت بشجن دافئ:
+
- تعرفي يا ريم… ساعات كنت أمشي في الشوارع لوحدي وأقول يمكن أقابله… يمكن نتصادف من غير ما أعرف…
يمكن أكون عديت جنبه ومكنتش أعرف إن دا هو! كنت بدعي له كتير… أوي يا ريم… كأنه كان عايش جوا قلبي من غير ما أعرفه.
+
عند تلك اللحظة، غمرت الدهشة والحنان ملامح "ريم"، فاقتربت بخطوة ثابتة، ورفعت يديها لتضم وجه أختها بين كفيها بحنان الأم وخوف الأخت، وقالت بنبرة جادة يغلفها حب صادق:
+
- ميار، حبيبتي، ركّزي معايا شوية…قوليلي، إيه المواصفات اللي نفسك تلاقيها في زوجك المستقبلي؟
+
توقفت "ميار" لحظة، تلمع عيناها ببعض التردد، ثم قالت بنبرة لا يشوبها تكلّف، نابعة من عمق روح تعرف ما تريد:
+
- أنا؟ أنا ميفرقش معايا لا جمال، ولا مال، ولا شهادة كبيرة…أنا عاوزة "دينه" يا ريم ، من قِوامة الراجل على المرأة مش بس يصرف عليها، لأ…يقوّمها ، يبقى أعلى مني دِينًبا ، يشدّني لفوق مش يسحبني لتحت ،مش عاوزة حد أقلّ مني، يضعّفني بدل ما يقوّيني.
+
سكنت الكلمات في الهواء لحظة، فابتسمت "ريم" برضا على جوهر شقيقتها ، وهزّت رأسها بامتنان، وقالت بنبرة فيها فخر ووصية:
+
- بارك الله فيكِ يا حبيبتي…اثبتي، اثبتي على دا على طول، وأوعي، أوعي تتنازلي… ولا عشان الحب أو غيره… اللي بيتنازل عن دينه عشان قلبه بيخسر روحه.
+
ترددت "ميار" قليلًا، ثم رفعت عينيها بتوجس خافت، وقالت هامسة، كمن يخشى الجواب:
+
- ريم ؟
+
- نعم يا قلب ريم !
+
بلعت ريقها، وكأنها تبتلع خوفها مع السؤال، ثم قالت:
+
- هو… هو إيه سبب الرّفض؟ ليه اتقال لأ؟!
+
ساد صمت خفيف، شعّ فيه وجوم خافت، ثم همست "ريم" بصدقٍ لا يُجامل:
+
- بعيد عن ربنا… تقبلي بيه؟
+
ارتجف قلب "ميار" وتوسعت عيناها بصدمة مرتعشة، همست ببطء:
+
- ولسّه لحد دلوقتي كده؟!
3
هزّت "ريم" رأسها بأسف، ثم اقتربت أكثر، تمسّك بكف أختها بكلتي يديها، وضغطت عليه برفق، وقالت بنبرة تجمع بين الحنان والحزم:
+
- لا يا ميار… لا يا حبيبتي، مش عايزة أشوف في عنيكي نظرة حزن ،متنسيش كلامي، ومتفكريش كتير ،أحلامك ربنا هيحقّقها ،حتى لو كان في حد تاني… ربنا بيختار الأفضل حتى لو إحنا مش شايفينه دلوقتي.
+
تسللت الدموع مجددًا إلى عيني "ميار"، وانسابت في صمتٍ خافت كأنها تغسل ما علق بالقلب من أحلامٍ مؤجَّلة، لترفع "ريم" كفيها وتُحيط وجنتي شقيقتها، وهمست بصوت دافئ :
+
- ميار… ميار يا حبيبتي…إنتِ بتحبي ربنا صح؟
+
أومأت "ميار" برأسها وأجفانها ترتجف .
+
- وعارفة إن ربنا مش هيكتب لينا غير كل خير، صح؟
+
هزّت رأسها مرة أخرى، ودموعها تملأ عينيها أمام الحقيقة التي أزاحت كل لبَس… لتهمس "ريم" بكلمات :
+
- يبقى ثقي في ربك… مش في الناس ، وعفِّي قلبك يا ميار، طَهِّريه من التعلُّق، ومن الحب و الشوق… ما تخليش حاجة جوّا قلبك تفوق على حبك لله.
+
سكتت لحظة ثم أضافت بنبرة راجفة:
+
- وبالمعنى الحرفي… مفيش حاجة يا ميار، ولا شخص، ولا حُلم،ولا ذكرى تفوق حبك لله مهما كان ..سمعاني؟!!!
+
أومأت "ميار" برأسها ثانية، وجفناها يهويان مع دمعٍ هادئ، هابطٍ كاعتراف متأخر ،مدّت "ريم" اناملها برفق ، ومسحت دموعها وهمست برقة:
+
- طيب… هنعمل إيه الأيام الجاية؟
+
رفعت "ميار" عينيها بتسليمٍ عذب، وهمست :
+
- هسلّم أمري لربنا…فما يأتي من عند حبيبي، فهو حبيبي.
+
ابتسمت "ريم" بعين دامعة، وقالت بحنان :
+
- بارك الله فيكِ يا حبيبتي… دا أول طريق السلام ،إنك تعرفي إن مفيش أمان غير عند ربنا.
+
ثم سحبتها برفق إلى حضنها، وضمّتها لصدرها بقوة، كأنها تُحاول أن تحتوي بها كل تلك المشاعر، كل ذاك الانتظار، والخيبة، والصدق، والتمسك بالحق.
+
وبدأ شيءٌ جديد في قلب "ميار" حين وهبته لله، لا لمخلوق.
+
اختارت أن تُحب الله أولًا،
أن تنتظر بعينٍ مؤمنة، لا بعينٍ مُتعبة ،
أن تُفرغ قلبها من كل شتات، ليملأه الله وحده.
+
لكنها ابتعدت عن شقيقتها برفق و نبست بتردد:
+
- بس .. بس يا ريم متوقعتش إنه يظهر قدامي و معرفوش !
+
اتسعت عينايّ " ريم " بذهول و تسائلت فورًا :
+
- إنتِ شفتي آسر فين ؟؟
+
ابتسمت " ميار " بارتجاف و أجابت :
+
- في المدرسة .. مليكة إلي جاية النهاردة بنت إخته إلي اتوفت .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
سار "ريان" بخطواتٍ متسارعة خلف المستشفى، عينيه تمشطان الأرض والمساحات الخالية كمن يبحث عن ظلّ حلمٍ أفلت من قبضته.
+
بين الأشجار الصغيرة التي تزيّن الساحة الخلفية، التقطت عيناه شيئًا… خيالٌ رقيقٌ يجلس أرضًا، متقوقعًا ككائنٍ صغيرٍ في محاولة للاختباء من العالم ، فاقترب شيئًا فشيئًا حتى اتضحت ملامحها… كانت "ميرال".
+
كانت تجلس على الأرض ، ظهرها منحنٍ قليلًا، وذراعاها ملتفّتان حول ركبتيها، بينما عيناها تراقبان بصمتٍ خنفساء تتحرك ببطء فوق تراب الأرض ،لم تنتبه لخطواته، وكأنها انقطعت تمامًا عن العالم.
+
تنفّس "ريان" بارتياح، وكأن صدره تحرر من قيدٍ ثقيل، وتقدّم بهدوء حتى وقف بالقرب منها، ثم قال بالإنجليزية بنبرة خافتة:
+
- ميرال ! أين كُنتِ ؟
+
لكنها لم تُجبه، ولم تُبدِ أيّ رد فعل… شعر أنها في عالم آخر، فمال بجسده حتى اقترب من مستواها، يحاول أن يرى ملامحها التي اختبأت خلف خصلات شعرها الذهبية التي انسدلت بفوضى على وجهها.
+
فرقع بأصابعه بخفّة إلى جانب أذنها، فتوسّعت عيناها فجأة كأنها انتُشلت من بُعدٍ بعيد ، رغم أنها لم تلتفت فورًا، إلا أن زرقة عينيها اتسعت على نحو لا يُخطئه.
+
رفع سبابته ببطء وأشار إلى خصلاتها دون أن يلمسها:
+
- ارفعي شعرك خلف أذنك… هل حالكِ هكذا بسبب شيء؟ هل سقطتِ؟ هل أصابكِ مكروه؟
+
نظرت إليه دون أن تفهم تمامًا ما يعنيه، فمدّ سبابته بتردد، وأزاح بلطف خصلة متمردة عن وجهها… لكن ما رآه بعد ذلك جعله يتجمّد.
+
كان وجهها شاحبًا، منهكًا، وكأنها لم تنم منذ أيام، أو كأن كل لحظة ألم مرّت بها في حياتها اجتمعت على وجهها دفعة واحدة ، كان الإنهاك طاغيًا على ملامحها حدّ الذهول.
+
ظلّ يحدّق فيها بلا حراك… نسي كلّ ما تعلّمه عن الحذر، وعن غض البصر، وعن المسافة التي يجب أن تُحترم بين الطبيب والمريضة… فقط ظلّ يُحدّق، مذهولًا، كأن الألم الذي فيها كشف له شيئًا لم يكن مستعدًا لرؤيته.
+
وفجأة رفعت "ميرال" سبابتها، وقرّبتها من جبهته، حيث تجمّعت خصلات شعره السوداء المبعثرة، وبدت كأنها ستُبعدها عن عينيه…
+
انتفض هو فجأة، وارتدّ بجسده إلى الوراء، وقال بصوتٍ خافتٍ لكنه حازم:
+
- ماذا تفعلين !!
+
تجمّدت حركتها في منتصف المسافة، ثم تراجعت بهدوء، وضمت يدها إلى صدرها، كأنها ارتكبت خطيئة لا تُغتفر.
+
نظر "ريان" إليها برهة، ثم زفر ببطء، واقترب منها دون كلمات ، مدّ كفيه برفق وأمسك بذراعيها ، ثم ساعدها على النهوض، جسدها كان خفيفًا كأن الريح تستطيع حمله، فأسنده بهدوء، ثم قاد خطواتها الوهنة نحو كرسيٍ خشبي على مقربة، وأجلسها عليه بلين.
+
مد يده إلى هاتفه، واتصل على الفور، ثم قال بنبرةٍ سريعة محكمة:
+
- جبلي كرسي متحرّك وعلبة ماية وعصير يا جلال، وتعالالي من يمين الطوارئ من ورا… بس بسرعة.
+
أنهى المكالمة، ثم ألقى نظرةً خاطفة عليها، فوجدها تجلس كأنها غريبة عن جسدها، ملامحها ساكنة، نظراتها لا تستقر، وعيناها كأنهما تبحثان عن مأوى داخلي… لم يعُد يخالجه شك: حدث أمرٌ ما.
+
انخفض قليلًا أمامها، ونطق بهدوءٍ ممزوج بقلقٍ جلي:
+
- ما شعوركِ الآن؟… أتشعرين بأي ألم؟!
+
لم تجبه، لم ترفع حتى عينيها إليه ،كأن الصوت يمرّ بها دون أن يطرق قلبها، أو كأنها غارقة في صمتٍ داخلي لم تعد قادرة على كسره.
+
آثر "ريان" الصمت للحظةٍ أخرى، يحاول قراءة صمتها، حتى لمح "جلال" يركض من بعيد، يجر الكرسي المتحرك وعليه زجاجتا الماء والعصير.
+
توقف أمامه وقال وهو يلهث:
+
- كل اللي طلبته يا دكتور.
+
- شكرًا .
+
تناول "ريان" زجاجة الماء أولًا، فتحها بسرعة، ثم مدّها إلى "ميرال" ، ترددت ثم التقطتها بأنامل مرتعشة .
+
رفعت الزجاجة بصعوبة، وارتشفت منها رشفتين أو ثلاث بصوتٍ مسموع، ثم خفضتها مجددًا، فالتقطها منها برفق ووضعها على جانب.
+
فتح زجاجة العصير ومدّها لها، لكنها أزاحت يدها بخفة، ترفضها ، لم يُلحّ، بل أمسك بأناملها برفق، وحاوط قبضته الكبيرة على يدها الصغيرة المرتبكة، ثم قرّب العصير من ثغرها وقال بنبرةٍ وادعة:
+
- اشربي… جسدك حتاج طاقة .
+
بدا عليها الذهول من تصرّفه، وعيناها تحدّقان فيه كأنها لا تصدّق ما يحدث، لكنه لم ينتظر إذنًا.
+
رفع الزجاجة رويدًا حتى لامس فمها، فارتشفت منه بلا مقاومة، كأنها أذعنت لاطمئنانٍ شعرت به، وإن لم تُفصِح عنه.
+
سحب الزجاجة برفق حين تأكد أنها شربت ما يكفي، كل شيء فعله كان بهدوء الطبيب، ولكن دفء الإنسان، كأنه يحاول أن يُنقذ ما لا يُرى… أن يُعيد لها شيئًا من الأمان المفقود.
+
وقف بعدها، ووجّه إليها نظرة ثابتة وقال:
+
- ميرال… ساعديني للجلوس على الكرسي ، علينا أن نعود لُغرفتك .
+
أومأت " ميرال " رأسها بخفة و نهضت بوهن ثم انتقلت للجلوس على الكرسي الذي قربه منها ثم أن استكانت دفع الكرسي أمامه و تحرك نحو مبنى المستشفى.
+
لم يكن شيء يُنبئ أن لحظة العودة ستأتي الآن…
+
"ريان" كان يدفع الكرسي المتحرّك بهدوء، عينيه تنتقل بين طريقه وبين "ميرال"، التي استكانت في جلستها، لكن ما إن اقتربا من مدخل المستشفى، حتى تغيّر كل شيء.
+
الضوء الأحمر لسيارة الإسعاف كان يومض في وجههما، وصفاراتها تخترق الأجواء كسهمٍ يمزق أفكارها ، وعلى الأرض، كانت بقع الدم تنتشر فوق قطع زجاج صغيرة مُبعثرة ، شابٌ يُحمل على نقالة، وجلبة أصوات، وأطباء يركضون بأدواتهم، وامرأة تبكي بجانب الباب الزجاجي.
+
توقف "ريان" للحظة، يدرس الوضع بعين الطبيب ،أما "ميرال"… فقد تجمّدت.
+
تخشّب جسدها فجأة، تصلبت ملامح وجهها، ثم بدأت عيناها تتسعان شيئًا فشيئًا، كأن الزمن فتح فجوة بينها وبين الواقع ، ولاحظ"ريان" التغيّر الفجائي، انحنى قليلاً وسألها بسرعة:
+
- ميرال؟! هل أنتِ بخير؟
+
لكنها لم تُجبه، لم تره أصلًا !
هي لم تكن هنا.
+
كانت هناك… في ذلك النهار الذي انفجرت فيه الحياة واختفى كل من تُحب.
+
بدأت أنفاسها تتسارع، صدرها يعلو ويهبط بشكل غير منتظم، عينها اليسرى ترفّ سريعًا، والعرق يتصبب من جبهتها، ويديها ترتجفان كمن يمسك شيئًا لا يُرى.
+
ثم… انطلقت منها شهقة مكتومة، وتبعتها رجفة، ثم وضعت يديها على أذنيها فجأة، وصاحت بهمهمة مرتجفة:
+
- لااااا… أبـــي ... أمـــي انتــبـهوا ؟
+
جثا"ريان" بجوارها فورًا، يده على كتفها يحاول تهدئتها:
+
- ميرال !! ميرال!! ماذا يجري لكِ ؟
+
لكنها كانت تئن، تصرخ بصوت مبحوح، عيناها لا تريان الواقع، إنما تريان الزجاج المتناثر، ودم والدتها، وصوت شقيقتها يصرخ قبل أن يخفُت للأبد…
+
بدأت تتنفس بسرعة شديدة، وكأن الهواء لا يدخل لرئتيها، جسدها كله يرتعش، دقات قلبها غير منتظمة، وكأن كل عضو بداخلها ينتفض مع الذكرى التي انفجرت فجأة.
+
حاول "ريان" أن يُبعدها عن المشهد، فدار حول الكرسي وجثا أمامها، وقال بصوت منخفض حازم:
+
- ميرال… ركّزي مع صوتي! أنا معك… افتحي عينيك ، اسمعيني… تنفسي ببطء … واحد… اثنين…
+
لكنها ما زالت تبكي، والدموع تغسل وجنتيها بلا توقف ، فأعاد نداءه، أقرب من أذنيها هذه المرة، همس بكل صدق:
+
- ميرال ! ماذا تتذكرين ؟!
+
التفتت ببطء، كأن الوجع ينهش ما تبقّى من قوّة في عينيها، ثم انفجر صدرها بأنينٍ خافت، وقد تكوّمت الكلمات من الصدمة:
+
- لقد خسرتهم… لقد خسرت عائلتي، صحيح؟
لقد ماتوا جميعًا… وبقيتُ أنا؟!
+
لتُهز عبارتها الأخيرة أوصاله و هو يُسمعها تُرددها بهمس و نبرة مذبوحه …
+
"وبـقيتُ أنـا؟! "
+
فارتجف صمتُ اللحظة، وكأن السماوات توقفت عن التنفس، فقط ليشهد الكون انهيار فتاةٍ لم تعد تتأكد بطلوع شمسها في أي فجْر.
+
ٰ
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
_ من أغرب الفصول في كتابتها تحسوه هادي لكنه مدسوس بخبايا خفية هيكون ليها مُجريات عميقة في الحبكة القادمة ..
+
كل نظرة .. كل همسة .. حتى كل كلمة عابرة وسط السطور هتكون مُقدمة للأيام القادمة .
+
عاوزه أعرف رأيكم في الأحداث حول القادم ؟
+
_هنتظر آرائكم هنا أو على جروب الفيس بوك ستجدون الرابط في وصف حسابي على واتباد، هكون متواجده هناك و أتفاعل معكم و مع آرائكم .
+
_ إيه رأيكم في قصة ميار و آسر لحد دلوقتي ؟! اشبعت فضولكم ولا لسه ؟!
+
عامةً متستعجلوش قطعنا نصف المسافة في حكايتهم بقي النصف الآخر و الأكثر إثارة .
+
الفصل القادم يوم الخميس إن شاء الله بدون مقاطعة .
+
شكرًا لحُسن قرائتكم ... لا تنسوني من دعائكم و السلام على قلوبكم ..
+
|| سُهى الشريف ||
+
